فصل: تفسير الآية رقم (28):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (28):

{يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28)}
{يَا ويلتى} بقلب ياء المتكلم ألفًا كما في صحاري، وقرأ الحسن. وابن قطيب يا ويلتي بكسر التاء والياء على الأصل، وقرأت فرقة بالإمالة، قال أبو علي: وترك الإمالة أحسن لأن الأصل في هذه اللفظة الياء فأبدلت الكسرة فتحة والياء ألفًا فرارًا من الياء فمن أمال رجع إلى الذي عنه فر أولا، وأيًا ما كان فالمعنى يا هلكتي تعالى واحضري فهذا أو أنك {سَبِيلًا ياويلتا لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلًا} أراد بفلان الشيطان أو من أضله في الدنيا كائنًا من كان أو أبيا ان كان الظالم أبيا، وهو كناية عن علم مذكر وفلانة عن علم مؤنث، واشترط ابن الحاجب في فلان أن يكون محكيًا بالقول كما هنا، ورده في شرح التسهيل بأنه سمع خلافه كثيرًا كقوله:
وإذا فلان مات عن أكرومة ** دفعوا معاوز فقره بفلان

وتقدير القول فيه غير ظاهر، والفلان والفلانة كناية عن غير العاقل من الحيوانات كما قال الراغب، وفل وفلة كناية عن نكرة من يعقل فالأول عنى رجل والثاني عنى امرأة، ووهم ابن عصفور. وابن مالك. وصاحب البسيط كما في البحر في قولهم: فل كناية عن العلم كفلان ويختص بالنداء إلا ضرورة كما في قوله:
في لجنة أمسك فلان عن فل

وليس مرخم فلان خلافًا للفراء، واختلفوا في لام فل وفلان فقيل واو، وقيل: ياء، وكنوا بهن بفتح الهاء وتخيف النون عن أسماء الأجناس كثيرًا، وقد كني به عن الأعلام كما في قوله:
والله أعطاك فضلًا عن عطيته ** على هن وهن فيما مضى وهن

فإنه على ما قال الخفاجي أراد عبد الله. وإبراهيم وحسنًا. والخليل من الخلة بضم الخاء عنى المودة أطلق عليها ذلك إما لأنها تتخلل النفس أي تتوسطها، وأنشد:
قد تخللت مسلك الروح مني ** وبه سمى الخليل خليلًا

وإما لأنها تخلها فتؤثر فيها تأثير السهم في الرمية، وإما لفرط الحاجة إليها، وهذا التمني وإن كان مسوقًا لابراز الندم والحسرة لكنه متضمن لنوع تعلل واعتذار بتوريك جنايته إلى الغير، وقوله تعالى:

.تفسير الآية رقم (29):

{لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29)}
{لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ الذكر} تعليل لتمنيه المذكور وتوضيح لتعلله، وتصديره باللام القسمية للمبالغة في بيان خطئه وإظهار ندمه وحسرته أي والله لقد أضلني فلأن عن ذكر الله تعالى أو عن موعظة الرسول عليه الصلاة والسلام أو عن كلمة الشهادة أو عن القرآن {بَعْدَ إِذْ جَاءنِى} أي وصل إلى وعلمته أو تمكنت منه فلا دلالة في الآية على إيمان من أنزلت فيه ثم ارتداده {وَكَانَ الشيطان للإنسان خَذُولًا} مبالغًا في الخذلان وهو ترك المعاونة والنصرة وقت الحاجة ممن يظن فيه ذلك، والجملة اعتراض مقرر لمضمون ما قبله إما من جهته تعالى أو من تمام كلام الظالم على أنه سمي خليله شيطانًا بعد وصفه بالاضلال الذي هو أخص الأوصاف الشيطانية أو على أنه أراد بالشيطان ابليس لأنه الذي حمله على مجالسة المضلين ومخالفة الرسول الهادي عليه الصلاة والسلام بوسوسته وإغوائه فإن وصفه بالخذلان يشعر بأنه كان يعده في الدنيا ويمنيه بأن ينفعه في الآخرة وهو أوفق الحال إبليس عليه اللعنة.

.تفسير الآية رقم (30):

{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (30)}
{وَقَالَ الرسول} عطف على قوله تعالى: {وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا} [الفرقان: 21] إلخ وما بينهما اعتراض مسوق لاستعظام ما قالوه وبيان ما يحيق بهم من الأهوال والخطوب، والمراد بالرسول نبينا صلى الله عليه وسلم وشرف وعظم وكرم، وإيراده عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة لتحقيق الحق والرد على نحورهم حيث كان ما حكى عنهم قدحًا في رسالته صلى الله عليه وسلم أي قالوا كيت وكيت وقال الرسول إثر ما شاهد منهم غاية العتو ونهاية الطغيان بطريق البث إلى ربه عز وجل والشكوى عليهم {قَالَ رَبّ إِنَّ قَوْمِى} الذين حكى عنهم ما حكى من الشنائع {اتخذوا هذا القرءان} الجليل الشأن المشتمل على ما فيه صلاح معاشهم ومعادهم {مَهْجُورًا} أي متروكًا بالكلية ولم يؤمنوا به ولم يرفعوا إليه رأسًا ولم يتأثروا بو عيده ووعده، فمهجورًا من الهجر بفتح الهاء عنى الترك وهو الظاهر، وروي ذلك عن مجاهد. والنخعي. وغيرهما، واستدل ابن الفرس بالآية على كراهة هجر المصحف وعدم تعاهده بالقراءة فيه، وكان ذلك لئلا يندرج من لم يتعاهد القراءة فيه تحت ظاهر النظم الكريم فإن ظاهره ذم الهجر مطلقًا وإن كان المراد به عدم القبول لا عدم الاشتغال مع القبول ولامًا يعمهما فإن كان مثل هذا يكفي في الاستدلال فذاك وإلا فليطلب دليل آخر للكراهة. وأورد بعضهم في ذلك خبرًا وهو «من تعلم القرآن وعلق مصحفه لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقًا به يقول: يا رب عبدك هذا اتخذني مهجورًا اقض بيني وبينه» وقد تعقب هذا الخبر العراقي بأنه روي عن أبي هدبة وهو كذاب، والحق أنه متى كان ذلك مخلًا باحترام القرآن والاعتناء به كره بل حرم وإلا فلا.
وقيل: مهجورا من الهجر بالضم على المشهور أي الهذيان وفحس القول والكلام على الحذف والإيصال أي جعلوه مهجورًا فيه إما على زعمهم الباطل نحو ما قالوا: إنه {أساطير الأولين اكتتبها} [الفرقان: 5] وإما بأن هجروا فيه ورفعوا أصواتهم بالهذيان لما قرئ لئلا يسمع كما قالوا: {لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فِيهِ} [فصلت: 26] وجوز أن يكون مصدرًا من الهجر بالضم كالمعقول عنى العقل والمجلود عنى الجلادة أي اتخذوه نفس الهجر والهذيان، ومجيء مفعول مصدرًا مما أثبته الكوفيون لكن على قلة، وفي هذه الشكوى من التخويف والتحذير ما لا يخفى فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا شكوا إلى الله تعالى قومهم عجل لهم العذاب ولم ينظروا.
وقيل: إن {قَالَ} إلخ عطف على {يَعَضُّ الظالم} [الفرقان: 27]، والمراد ويقول الرسول إلا أنه عدل إلى الماضي لتحقق الوقوع مع عدم قصد الاستمرار التجددي المراد عونة المقام في بعض وإن كان إخبارًا عما في الآخرة.
وحال عطفه على {وَكَانَ الشيطان} [الفرقان: 29] إلخ على أنه من كلامه تعالى لا يخفى حالة، وقول: الرسول ذلك يوم القيامة وهو كالشهادة على أولئك الكفرة وليس بتخويف وإلى ذلك ذهبت فرقة منهم أبو مسلم، والأول أنسب بقوله تعالى:

.تفسير الآية رقم (31):

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)}
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِىّ عَدُوًّا مّنَ المجرمين} فإنه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحمل له على الاقتداء بمن قبله من الأنبياء عليهم السلام، والبلية إذا عمت هانت، والعدو يحتمل أن يكون واحدًا وجمعًا أي كما جعلنا لك أعداء من المشركين يقولون ما يقولون ويفعلون ما يفعلون من الأباطيل جعلنا لكل نبي من الأنبياء الذين هم أصحاب الشريعة والدعوة إليها عدوًا من مرتكبي الجرائم والآثام ويدخل في ذلك آدم عليه السلام لدخول الشياطين وقابيل في المجرمين ويكتفي بدخول قابيل إن أريد بالمجرمين مجرمو الإنس أو مجرمو أمة النبي، وقيل: الكلية عنى الكثرة، والمراد بجعل الأعداء جعل عداوتهم وخلقها وما ينشأ منها فيهم لا جعل ذواتهم، ففي ذلك رد على المعتزلة في زعمهم إن خالق الشر غيره تعالى شأنه، وقوله تعالى: {وكفى بِرَبّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} وعد كريم له عليه الصلاة والسلام بالهداية إلى كافة مطالبة والنصر على أعدائه أي كفاك مالك أمرك ومبلغك إلى الكمال هاديًا لك إلى ما يوصلك إلى غاية الغايات التي من جملتها تبليغ ما أنزل إليك وإجراء أحكامه في أكناف الدنيا إلى أن يبلغ الكتاب أجله وناصرًا لك عليهم على أبلغ وجه.
وقدر بعضهم متعلق «هاديًا» إلى طريق قهرهم، وقيل: المعنى هاديًا لمن آمن منهم ونصيرًا لك على غيره، وقيل: هاديًا للأنبياء إلى التحرز عن عداوة المجرمين بالاعتصام بحبله ونصيرًا لهم عليهم وهو كما ترى. ونصب الوصفين على الحال أو التمييز.

.تفسير الآية رقم (32):

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32)}
{وَقَالَ الذين كَفَرُواْ} حكاية لنوع آخر من أباطيلهم، والمراد بهم المشركون كما صح عن ابن عباس وهم القائلون أولًا، والتعبير عنهم بعنوان الكفر لذمهم به والاشعار بعلة الحكم، وقيل: المراد بهم طائفة من اليهود {لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان} أي أنزل عليه كخبر عنى أخبر فلا قصد فيه إلى التدريج لمكان {جُمْلَةً واحدة} فإه لو قصد ذلك اتدافعا إذ يكون المعنى لولا فرق القرآن جملة واحدة والتفريق ينافي الجملية، وقيل: عبر بذلك للدلالة على كثرة المنزل في نفسه، ونصب {جمالة} على الحال و{واحدة} على أنه صفة مؤكدة له أي هلا أنزل القرآن عليه عليه الصلاة والسلام دفعة غير مفرق كما أنزلت التوراة والإنجيل والزبور على ما تدل عليه الأحاديث والآثار حتى كاد يكون إجماعًا كما قال السيوطي ورد على من أنكر ذلك من فضلاء عصر، فقول ابن الكمال إن التوراة أنزلت منجمة في ثماني عشرة سنة ويدل عليه نصوص التوراة ولا قاطع بخلافه من الكتاب والسنة ناشيء من نقصان الإطلاع.
وهذا الاعتراض مما لا طائل تحته لأن الإعجاز مما لا يختلف بنزوله جملة أو مفرقًا مع أن للتفويق فوائد، منها ما ذكره الله تعالى بعد، وقيل: إن شاهد صحة القرآن إعجازه وذلك ببلاغته وهي طابقته لمقتضى الحال في كل جملة منه ولا يتيسر ذلك في نزوله دفعة واحدة فلا يقاس بسائر الكتب فإن شاهد صحتها ليس الإعجاز.
وفيه أن قوله: ولا يتيسر إلخ ممنوع فإنه يجوز أن ينزل دفعة واحدة مع رعاية المطابقة المذكورة في كل جملة لما يتجدد من الحوادث الموافقة لها الدالة على أحكامها. وقد صح أنه نزل كذلك إلى السماء الدنيا فلو لم يكن هذا لزم كونه غير معجز فيها ولا قائل به بل قد يقال إن هذا أقوى في إعجازه والبليغ يفهم من سياق الكلام ما يقتضيه المقام فافهم {كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} استئناف وارد من جهته تعالى لرد مقالتهم الباطلة وبيان بعضن الحكم في تنزيله تدريجًا، ومحل الكاف نصب على أنها صفة لمصدر مؤكد لمضمر معلل بما بعده، وجوز نصبها على الحالية، {وَذَلِكَ} إشارة إلى ما يفهم من كلامهم أي تنزيلًا مثل ذلك التنزيل الذي قدحوا فيه واقترحوا خلافه نزلناه ولا تنزيلًا مغايرًا له أو نزلناه مماثلًا لذلك التنزيل لنقوى به فؤادك فإن في تنزيله مفرقًا تيسيرًا لحفظ النظم وفهم المعاني وضبط الكلام والوقوف على تفاصيل ما روعي فيه من الحكم والمصالح وتعدد نزول جبريل عليه السلام وتجدد إعجاز الطاعنين فيه في كل جملة مقدار أقصر سورة تنزل منه، ولذلك فوائد غير ما ذكر أيضًا، منها معرفة الناسخ المتأخر نزوله من المنسوخ المتقدم نزوله المخالف لحكمه ومنها انضمام القرائن الحالية إلى الدلالات اللفظية فإنه يعين على معرفة البلاغة لأنه بالنظر إلى الحال يتنبه السامع لما يطابقها ويوافقها إلى غير ذلك، وقيل: قوله تعالى: {كذلك} من تمام كلام الكفرة والكاف نصب على الحال من القرآن أو الصفة لمصدر نزل المذكور أو لجملة، والإشارة إلى تنزيل الكتب المتقدمة، ولام «لنثبت» لام التعليل والمعلل محذوف نحو ما سمعت أولا أي نزلناه مفرقًا لنثبت إلخ، وقال أبو حاتم: هي لام القسم، والتقدير والله لتثبتن فحذف النون وكسرت اللام وقد حكى ذلك عنه أبو حيان.
والظاهر أنها عنده كذلك على القولين في {كذلك}. وتعقبه بأنه قول غاية الضعف وكأنه ينحو إلى مذهب الأخفش إن جواب القسم يتلقى بلام كي وجعل منه {ولتصغى إليه أفئدة} [الأنعام: 113] إلخ وهو مذهب مرجوح. وقرأ عبد الله «ليثبت» بالياء أي ليثبت الله تعالى.
وقوله تعالى: {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} عطف على الفعل المحذوف المعلل بما ذكر، وتنكير «ترتيلًا» للتفخيم أي كذلك نزلناه ورتلناه ترتيلًا بديعًا لا يقادر قدره، وترتيله تفريقه آية بعد آية قاله النخعي. والحسن. وقتادة.
وقال ابن عباس: بيناه بيانًا فيه ترسل، وقال السدى: فصلناه تفصيلًا، وقال مجاهد: جعلنا بعضه إثر بعض، وقيل: هو الأمر بترتيل قراءته بقوله تعالى: {وَرَتّلِ القرءان تَرْتِيلًا} [المزمل: 4] وقيل: قرأناه عليك بلسان جبريل عليه السلام شيئًا فشيئًا في عشرين أو في ثلاث وعشرين سنة على تؤدة وتمهل وهو مأخوذ من قولهم: ثغر مرتل أي مفلج الأسنان غير متلاصقها.