فصل: باب: فص الخاتم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: شرح صحيح البخاري لابن بطال ***


باب‏:‏ فص الخاتم

- فيه‏:‏ أَنَس، سُئل هَلِ اتَّخَذَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم خَاتَمًا‏؟‏ قَالَ‏:‏ أَخَّرَ لَيْلَةً صَلاةَ الْعِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

- وفيه‏:‏ أنس‏:‏ ‏(‏أن النبى عليه السلام كان خاتمه من فضة وكان فصه منه‏)‏‏.‏

قال المؤلف‏:‏ قد روى ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أنس قال‏:‏ ‏(‏كان خاتم النبى عليه السلام من ورق، وكان فصه حبشيًا وهذا ليس يتضاد فى الرواية‏:‏ كان له عليه السلام خاتم فصه من فضة، وخاتم آخر فصه حبشى‏.‏

وذكر ابن أبى زيد أن النبى عليه السلام تختم بفص عقيق‏.‏

وقد روى حماد بن سلمه الحديث الأول، وزاد فيه بعد قوله‏:‏ ‏(‏فكأنى أنظر إلى وبيض خاتمه‏)‏ ‏(‏ورفع يده اليسرى‏)‏ قال أحمد بن خالد‏:‏ هذا جيد فى التختم فى اليسار، وهو كان آخر فعله وأصل التختم فى اليسار، وروى أبو داود قال‏:‏ حديثنا نصر بن على، قال‏:‏ حدثنا أبى، حدثنا عبد العزيز بن أبى رواد، عن نافع، عن ابن عمر ‏(‏أن النبى عليه السلام كان يتختم فى يساره‏)‏ قال أبو داود‏:‏ وقال ابن إسحاق، وأسامة، عن نافع بإسناده‏:‏ فى يمينه‏.‏

وكان ابن عمر والحسن يتختمان فى يسارهما‏.‏

وقال مالك‏:‏ أكره التختم فى اليمين، وقال‏:‏ إنما يأكل ويشرب ويعمل بيمينه، فكيف يريد أن يأخذ باليسار ثم يعمل‏؟‏ قيل له‏:‏ افتجعل الخاتم فى اليمين للحاجة تذكرها‏؟‏ قال‏:‏ لا بأس بذلك‏.‏

وكان ابن عباس، وعبد الله بن جعفر يتختمان فى اليمين‏.‏

وقال عبد الله بن جعفر‏:‏ ‏(‏كان النبى عليه السلام يتختم فى يمينه‏)‏، رواه حماد بن سلمه، عن أبى رافع، عن عبد الله بن جعفر، وقال البخارى‏:‏ هذا اصح شىء روى فى هذا الباب‏.‏

ذكره الترمذى‏.‏

باب‏:‏ خاتم الحديد

- فيه‏:‏ سهل‏:‏ جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِى صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ‏:‏ جِئْتُ أَهَبُ نَفْسِى إليك،‏.‏‏.‏‏.‏

إلى قوله‏:‏ ‏(‏وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ‏)‏‏.‏

قال المؤلف‏:‏ خاتم الحديد كان يلبس فى أول الإسلام ثم امر النبى عليه السلام بطرحه‏.‏

روى الترمذى عن محمد بن حميد أن زيد بن الحباب، حدثهم عن عبد الله بن مسلم أبى طيبة السلمى المروزى، عن عبد الله ابن بريدة، عن أبيه‏:‏ ‏(‏أن رجلا جاء إلى النبى عليه السلام وعليه خاتم من حديد فقال‏:‏ ما لى أجد عليك حلية أهل النار‏.‏

ثم جاء وعليه خاتم من صفر قال‏:‏ ما لى أجد منك ريح الأصنام‏.‏

ثم أتاه وعليه خاتم من ذهب فقال‏:‏ أرم عنك حلية أهل الجنة‏.‏

قال‏:‏ من أى شىء اتخذه‏؟‏ قال‏:‏ من فضة ولاتتمه مثقالاً‏.‏

قال الترمذى‏:‏ هذا حديث غريب‏.‏

باب‏:‏ نقش الخاتم

- فيه‏:‏ أَنَس، أَنَّ النَّبِىّ عليه السَّلام أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى رَهْطٍ مِنَ الأعَاجِمِ، فَقِيلَ لَهُ‏:‏ إِنَّهُمْ لا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلا عَلَيْهِ خَاتَمٌ، فَاتَّخَذَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، نَقْشُهُ‏:‏ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ‏.‏

- وفيه‏:‏ ابْن عُمَر، اتَّخَذَ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، وَكَانَ فِى يَدِهِ، ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِى يَدِ أَبِى بَكْرٍ، ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِى يَدِ عُمَرَ، ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِى يَدِ عُثْمَانَ حَتَّى وَقَعَ بَعْدُ فِى بِئْرِ أَرِيسَ، نَقْشُهُ‏:‏ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ‏.‏

قال المؤلف‏:‏ قد بان فى حديث أنس وابن عمر الخاتم إنما اتخذ ليطبع به على الكتب حفظًا للأسرار أن تنتشر، وسياسة للتدبير أن ينخرم‏.‏

وفى قوله‏:‏ ‏(‏نقشه‏:‏ محمد رسول الله‏)‏ فيه أنه يجوز أن يكون فى الخاتم ذكر الله، وقد كره ذلك ابن سيرين وغيره، وهذا الباب حجة عليهم‏.‏

وقد أجاز ابن المسيب أن يلبسه ويستنجى به، وقيل لمالك‏:‏ إن كان فى الخاتم ذكر الله ويلبسه فى الشمال أيستنجى به‏؟‏ قال‏:‏ أرجو أن يكون خفيفًا‏.‏

هذه رواية ابن القاسم، وحكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون‏:‏ أنه لا يجوز الاستنجاء بالخاتم فيه ذكر الله، وليخلعه أو يجعله فى يمينه و هو قول نافع وأكثر اصحاب مالك من غير الواضحة، وكان فى نقش خاتم مالك‏:‏ حسبى الله ونعم الوكيل‏.‏

وقال مالك‏:‏ لا خير أن يكون نقش فصه ثمثال‏.‏

وقد ذكر عبد الرزاق آثارًا تجوز اتخاذ التماثيل فى الخواتيم ليست بصحيحه، منها عن معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل أنه أخرج خاتمًا فيه تمثال اسد وزعم ان النبى عليه السلام كان يتختم به‏.‏

ومارواه معمر عن الجعفى ‏(‏أن نقش خاتم ابن مسعود إما شجرة، وإما شىء بين ذبابتين‏)‏ وابن عقيل‏:‏ ضعيف، تركه مالك‏.‏

والجعفى‏:‏ متروك الحديث‏.‏

وروى معمر عن قتادة، عن أنس موسى الشعرى، أنه كان نقش خاتمه كركى له رأسان‏.‏

وهذا إن كان صحيحًا فلا حجة فيه، لترك الناس العمل به، ولنهيه عليه السلام عن الصور، ولاتجوز مخالفة النهى‏.‏

وترجم لحديث أنس‏:‏ باب اتخاذ الخاتم ليختم به الشىء أو ليكتب به إلى أهل الكتاب أو غيرهم‏.‏

باب‏:‏ الخاتم فى الخنصر

- فيه‏:‏ أَنَس، صَنَعَ النَّبِىُّ عليه السَّلام خَاتَمًا، فَقَالَ‏:‏ ‏(‏إِنَّا اتَّخَذْنَا خَاتَمًا وَنَقَشْنَا فِيهِ نَقْشًا، فَلا يَنْقُشَنَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ‏.‏

قَالَ‏:‏ فَإِنِّى لأرَى بَرِيقَهُ فِى خِنْصَرِهِ‏.‏

وترجم له باب‏:‏ قول النبى عليه السلام‏:‏ لا ينقش على نقش خاتمه‏.‏

قال المؤلف‏:‏ السنة فى الخاتم أن يلبس فى الخنصر، وقد روى الترمذى عن ابن أبى عمر العدنى، عن سفيان، عن عاصم ابن كليب، عن ابن أبى موسى قال‏:‏ سمعت عليا يقول‏:‏ ‏(‏نهانى رسول الله أن ألبس خاتمًا فى هذه وهذه‏.‏

واشار إلى السبابة والوسطى‏)‏ قال الترمذى‏:‏ هذا حديث صحيح و ابن أبى موسى هو أبو برده بن أبى موسى، واسمه عامر عبد الله ابن قيس‏.‏

ونهيه عليه السلام أن لا ينقش أحد على نقش خاتمه من أجل أن ذلك اسمه وصفته برسالة الله له إلى خلقه، وخاتم الرجل إنما ينقش فيه مايكون تعريفًا له وسمة تميزة من غيره، ولايحل لأحد أن يسم نفسه بسمه النبى عليه السلام ولابصفته‏.‏

قال مالك‏:‏ من شأن الخلفاء والقضاة نقش أسمائهم فى خواتيمهم‏.‏

وروى أهل الشام أنه لا يجوز اتخاذ الخاتم لغير ذى سلطان، وروا فى ذلك حديثًا عن أبى ريحانة‏:‏ ‏(‏أنه سمع النبى عليه السلام ينهى عن الخاتم لغير ذى سلطان‏)‏‏.‏

وحديث أبى ريحانه لا حجة فيه لضعفه‏.‏

وقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏لا ينقش أحد على نقشه‏)‏ يرد حديث أبى ريحانة ويدل على جواز الخاتم لجميع الناس إذا لم ينقش على نقش خاتمه عليه السلام لأنه لم يبح ذلك لبعض الناس دون بعض، بل عم جميعهم لقوله‏:‏ فلا ينقش أحد على نقشه، وقد تختم السلف بعد رسول الله وهم الأسوة الحسنة‏.‏

وروى مالك عن صدقة بن شيبان قال‏:‏ سالت سعيد بن المسيب عن لبس الخاتم فقال‏:‏ ألبسه، وأخبر الناس أنى أفتيك بذلك‏.‏

المسيب عن لبس الخاتم فقال‏:‏ البسه، وأخبر الناس أنى افتيك بذلك‏.‏

وإنما قاله على وجه الإنكار لقول أهل الشام‏.‏

باب‏:‏ من جعل فص الخاتم فى بطن كفه

- فيه‏:‏ ابْن عُمَر، أَنَّ النَّبِى صلى الله عليه وسلم اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، وَجَعَلَ فَصَّهُ فِى بَطْنِ كَفِّهِ، إِذَا لَبِسَهُ، ثُم نَبَذَهُ، فَنَبَذَهُ النَّاسُ‏.‏

قَالَ جُوَيْرِيَةُ‏:‏ وَلا أَحْسِبُهُ إِلا قَالَ‏:‏ فِى يَدِهِ الْيُمْنَى‏.‏

قال المؤلف‏:‏ ليس فى كون فص الخاتم فى بطن الكف ولا فى ظهرها نهى ولا أمر، وكل ذلك مباح، وقد روى أبو داود عن ابن إسحاق قال‏:‏ رأيت على الصلت بن عبد الله بن نوفل بن عبد المطلب خاتمًا فى خنصره هكذا وجعل فصه على ظهرها‏؟‏ قال‏:‏ ولا إخال إلا قال‏:‏ ‏(‏إنى رأيت رسول الله كان يلبس خاتمه كذلك‏)‏ وقال الترمذى‏:‏ قال البخارى‏:‏ حديث ابن إسحاق عن الصلت بن عبد الله حديث حسن‏.‏

وقيل لمالك‏:‏ يجعل الفص إلى الكف‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏

وأظن مالكًا إنما قال ذلك، لأنه وجد الناس يتختمون على ظهر الكف كما كان يفعل ابن عباس، ولم يقل مالك‏:‏ إن الفص فى باطن الكف لا يجوز‏.‏

باب‏:‏ هل يجعل نقش الخاتم ثلاثة أسطر

- فيه‏:‏ أَنَس، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا اسْتُخْلِفَ كَتَبَ لَهُ، وَكَانَ نَقْشُ الْخَاتَمِ ثَلاثَةَ أَسْطُرٍ‏:‏ مُحَمَّدٌ سَطْرٌ، وَرَسُولُ سَطْرٌ، وَاللَّهِ سَطْرٌ‏.‏

وفيه‏:‏ أَنَس، كَانَ خَاتَمُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِى يَدِهِ، وَفِي يَدِ أَبِى بَكْرٍ بَعْدَ، وَفِى يَدِ عُمَرَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ جَلَسَ عَلَى بِئْرِ أَرِيسَ، قَالَ‏:‏ فَأَخْرَجَ الْخَاتَمَ، فَجَعَلَ يَعْبَثُ بِهِ، فَسَقَطَ، قَالَ‏:‏ فَاخْتَلَفْنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ مَعَ عُثْمَانَ، فَنَزَحَ الْبِئْرَ فَلَمْ يَجِدْهُ‏.‏

هذه كله مباح وليس كون الخاتم أسطر أو سطرين افضل من كونه سطرًا واحدًا‏.‏

وفيه‏:‏ استعمال آثار الصالحين ولباس ملابسهم على وجهه التبرك بها والتيمن‏.‏

وفيه‏:‏ أن من فعل الصالحين العبث بخواتمهم وبما يكون بأيديهم وليس ذلك بعائب لهم‏.‏

وفيه‏:‏ أن يسير المال إذا ضاع أنه يجب البحث فى طلبه ولاجتهاد فى تفتيشه كما فعل النبى عليه السلام حين ضاع عقد عائشة وحبس الجيش على طلبه حتى وجد‏.‏

وفيه‏:‏ أن من طلب شيئًا ولم ينجح فيه بعد ثلاثة أيام أن له ترك ذلك ولايكون مضيعًا، وأن الثلاث حد يقع بها العذر فى العذر المطلوبات‏.‏

باب‏:‏ الخاتم للنساء

وَكَانَ عَلَى عَائِشَةَ خَوَاتِيمُ ذَهَبٍ‏.‏

- فيه‏:‏ ابْن عَبَّاس، شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ النَّبِىِّ عليه السَّلام فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَأَتَى النِّسَاءَ، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخَ وَالْخَوَاتِيمَ فِى ثَوْبِ بِلالٍ‏.‏

قال المؤلف‏:‏ الخاتم للنساء من جملة الحلى الذى أبيح لهن، والذهب حلال للنساء، والفتخ‏:‏ خواتيم النساء التى يلبسنها فى أصابع اليد، واحدتها فتخه، وكذلك إن كانت فى الرجل‏.‏

عن ابن السكيت‏.‏

وقال غيره‏:‏ الفتوخ‏:‏ خواتيم بلا فصوص كأنها حلق، وكل خلخل لا يجرس فهو فتخ‏.‏

باب‏:‏ القلائد والسخاب للنساء

يعني القلادة‏:‏ من طيب وسك - فيه‏:‏ ابْن عَبَّاس، خَرَجَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم يَوْمَ عِيدٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تَصَدَّقُ بِخُرْصِهَا وَسِخَابِهَا‏.‏

قال المؤلف‏:‏ القلائد‏:‏ من حلى النساء أيضًا وقال ابن دريد‏:‏ السخاب‏:‏ قلائد من قرنفل أو غيره، والجمع سخب‏.‏

والخرص‏:‏ الحلقة الصغيرة من الذهب والفضة كحلقة القرط ونحوها يقال‏:‏ مافى أذنها خرص، وتسمى هذه الحلقة أيضًا الحوف‏.‏

باب‏:‏ استعارة القلائد

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ، هَلَكَتْ لها قِلادَةٌ استعارتها من أسْمَاءَ، فَبَعَثَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم فِى طَلَبِهَا رِجَالا‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

وفيه‏:‏ اسعارة الحلى وكل ماهو زينة النساء، وأن ذلك من الأمر القديم المعمول به‏.‏

باب‏:‏ القرط للنساء

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ أَمَرَهُنَّ النَّبِى صلى الله عليه وسلم بِالصَّدَقَةِ فَرَأَيْتُهُنَّ يَهْوِينَ إِلَى آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِى قُرْطَهَا‏.‏

القرط أيضا من حلى النساء‏.‏

باب‏:‏ السخاب للصبيان

- فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، كُنْتُ مَعَ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم فِى سُوقٍ مِنْ أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ، فَانْصَرَفَ وَانْصَرَفْتُ، فَقَالَ‏:‏ ‏(‏أَيْنَ لُكَعُ‏)‏‏؟‏ ثَلاثًا، ادْعُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِىٍّ، فَقَامَ الْحَسَنُ يَمْشِى وَفِى عُنُقِهِ السِّخَابُ، فَقَالَ النَّبِىُّ عليه السَّلام بِيَدِهِ هَكَذَا، فَقَالَ الْحَسَنُ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَالْتَزَمَهُ، فَقَالَ‏:‏ ‏(‏اللَّهُمَّ إِنِّى أُحِبُّهُ، فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ‏)‏‏.‏

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ‏:‏ فَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَى مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِى بَعْدَ مَا قَالَ النَّبِىّ عليه السَّلام مَا قَالَ‏.‏

فيه‏:‏ أنه يجوز أن يجعل فى أعناق الصبيان سخاب القرنفل والسك والطيب، وشبه مما يحل للرجال، وأما الذهب فكرهه مالك للصبيان الصغار، وكره لهم لبس الحرير أيضًا‏.‏

وقوله عليه السلام لبى هريرة‏:‏ ‏(‏أين لكح‏)‏ قال أبو عبيد‏:‏ هو عند العرب العبد أو اللئيم، وقد تقدم فى كتاب البيوع فى باب ما يكره فى الأسواق، وفيه أن النبى عليه السلام عانق والحسن وقبله، وقوله فى هذا الحديث‏:‏ ‏(‏فالتزمه‏)‏ يعنى‏:‏ المعتنقة والتقبيل المذكورين هناك‏.‏

قد تقدم الاستئذان‏.‏

باب المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال

- فيه‏:‏ ابْن عَبَّاس، لَعَنَ النَّبِىّ عليه السَّلام الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ‏.‏

قال الطبرى‏:‏ فيه من الفقه أنه لا يجوز للرجال التشبه بالنساء فى اللباس والزينة التى هى للنساء خاصة، ولا يجوز للنساء التشبه بالرجال فيما كان ذلك للرجال خاصة‏.‏

فمما يحرم على الرجال لبسه مما هو من لباس النساء‏:‏ البراقع والقالائد والمخانق والأسورة والاخلاخل، ومما لا يحل له التشبه بهن من الأفعال التى هن بها مخصوصات فانخناث فى الأجسام، والتأنيث فى الكلام‏.‏

مما يحرم على المرأة لبسه مما هو من لباس الرجال‏:‏ النعال والرقاق التى هى نعال الحد والمشى بها فى محافل الرجال، والأردية والطيالسة على نحو لبس الرجال لها فى محافل الرجال وشبه ذلك من لباس الرجال، ولايحل لها التشبه بالرجال من الأفعال فى اعطائها نفسها مما أمرت بلبسه من القلائد والقرط والخلاخل والسورة، ونحو ذلك مما ليس للرجل لبسه، وترك تغيير اليدى والأرجل من الخصاب الذى أمرن بتغييرها به‏.‏

روى القعنبى، عن حسين بن عبد الله قال‏:‏ ‏(‏رأيت فاطمة بنت رسول الله وفى عنقها قلادة، وفى يدها مسكة فى كل يد، وقالت‏:‏ كان رسول الله يكره تعطيل النساء وتشبههن بالرجال‏)‏‏.‏

باب‏:‏ الأمر بإخراجهم

- فيه‏:‏ ابْن عَبَّاس، لَعَنَ النَّبِىُّ عليه السَّلام الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالْمُتَرَجِّلاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ‏:‏ ‏(‏أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ‏)‏‏.‏

قَالَ‏:‏ فَأَخْرَجَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم فُلانًا، وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلانًا‏.‏

- وفيه‏:‏ أُمَّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ عليه السَّلام كَانَ عِنْدَهَا، وَفِى الْبَيْتِ مُخَنَّثٌ، فَقَالَ لِعَبْدِاللَّهِ- أَخِى أُمِّ سَلَمَةَ‏:‏ يَا عَبْدَاللَّهِ، إِنْ فَتَحَ اللَّهُ لَكُمْ غَدًا الطَّائِفَ، فَإِنِّى أَدُلُّكَ عَلَى بِنْتِ غَيْلانَ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ، وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ، فَقَالَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا يَدْخُلَنَّ هَؤُلاءِ عَلَيْكُنَّ‏)‏‏.‏

قال الطبرى‏:‏ إن قال قائل‏:‏ ماوجه لعن النبى- عليه السلام المخنثين من الرجال، والخنث خلق الله لم يكتسبه العبد ولا له فيه صنع، وإنما يذم العبد على مايكسبه مما له السبيل إلى فعله وتركه، ولو جاز ذمه على غير فعله لجاز ذمه على لونه وعرقه وسائر أجزاء جسمه‏؟‏ قيل‏:‏ وجه لعن النبى إياه إنما هو لغير صورته التى لا يقدر على تغييرها، وإنما لعنه لتأنيثه وتشبهه فى ذلك بخلق النساء، وقد خلقه الله بخلاف ذلك، ومحاولته تغيير الهيئة التى خلقه الله عليها من خلق الرجال إلى خلق النساء، وله سبيل إلى اكتساب خلق الرجال واجتلاب منه إلى نفسه‏.‏

ولفعله من الأفعال مايكره الله ونهى عنه رسول الله من التشبه بالنساء فى اللباس والزينة، وذلك أن رسول الله إذ رأى المخنث لم ينكر الخنث منه، وقد رأى خضاب يديه ورجليه بالحناء، حتى سمعه يصف من أمر النساء ماكره سماعه، وذلك وصفه للرجال نساء من يدخل منزله، وذلك مما كان النبى عليه السلام ينهى عنه النساء فكيف الرجال‏؟‏ فأمر بنفيه وتقدم إليها بمنعه من دخوله عليها، ولو كان ما عليه المخنث من الهيئة والصورة التى هى له خلقة موجبة اللعن والنفى لكان عليه السلام إذ رآه قد أمر بطرحه من بيت زوجه ونفيه، قال ما سمعه أو لم يقله، وإنما وجب ذمه، إذ أتى من محارم الله ما يستحق عليه الذم‏.‏

فإن قيل‏:‏ فإن حكمه حكم الرجال، فكيف جاز أن يدخل على أزواج النبى عليه السلام بعد أن أنزل الحجاب‏؟‏ قيل‏:‏ هو من جملة من استثناه الله من جملة الرجال غير أولى الأربة من الرجال، وقد اول ذلك عكرمة أنه المخنث الذى لا حاجة له فى النساء، وبذلك ورد الخبر عن النبى- عليه السلام‏.‏

روى معمر، عن الزهرى، عن عروة، عن عائشة قالت‏:‏ كان مخنث يدخل على أزواج النبى عليه السلام يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل عليه النبى وهو يصف أمرأة‏.‏‏.‏‏.‏

وذكر الحديث ‏(‏فأمر، عليه السلام، ألا يدخل عليهم‏)‏‏.‏

روى ابن وهب، عن يحى بن أيوب، عن ابن جريح، عن عطاء، عن ابن عباس قال‏:‏ المؤنثون أولاد الجن‏.‏

قيل له‏:‏ وكيف‏؟‏ قال‏:‏ نهى الله ورسوله أن يأتى الرجل امرأته وهى حائض فإذا أتاها سبقه الشيطان إليها فحملت منه فأتت بالمؤنث‏.‏

قال المؤلف‏:‏ وفى حديث ابن عباس وأم سلمه إخراج كل من يتأذى به الناس بإظهار المعاصى والمنكر، ونفيهم عن مواضع التأذى بهم، وقد تقدم فى باب إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت فى كتاب الأحكام أنه يخرج كل من تأذى به جيرانه، وتكرى عليه داره، ويمنع من السكنى فيها حتى يتوب‏.‏

باب قص الشارب

وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُحْفِى شَارِبَهُ حَتَّى يُنْظَرَ إِلَى بَيَاضِ الْجِلْدِ وَيَأْخُذُ هَذَيْنِ، يَعْنِى بَيْنَ الشَّارِبِ وَاللِّحْيَةِ‏.‏

- وفيه‏:‏ ابْن عُمَر، قَالَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏مِنَ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ‏:‏ ‏(‏الْفِطْرَةُ خَمْسٌ‏:‏ الْخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإبْطِ، وَتَقْلِيمُ الأظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ‏)‏‏.‏

وترجم له باب‏:‏ قص الأظفار، وزاد فيه عن ابن عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏خالفوا المشركين عفوا اللحى، واحفوا الشوارب‏)‏‏.‏

قال الطبرى‏:‏ اختلف السلف فى صفة إحفاء الشارب، فقال بعضهم الإحفاء‏:‏ الأخذ من الإطار‏.‏

وروى مالك، عن زيد بن اسلم، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال‏:‏ رايت عمر ابن الخطاب إذا غضب فتل شاربه‏.‏

وقال أبو عاصم‏:‏ سمعت عبد الله بن أبى عثمان يقول‏:‏ رايت ابن عمر يأخذ من شاربه من أعلاه واسفله‏.‏

وكان عروة وعمر بن عبد العزيز وابو سلمه وسالم والقاسم لا يحلق أحد منهم شاربه، وهذا قول مالك والليث، وقال مالك‏:‏ حلق الشارب مثله ويؤدب فاعله‏.‏

وكان يكره أن يأخذ من أعلاه‏.‏

وقال آخرون‏:‏ الإحفاء حلقه كله‏.‏

روى يحى بن سعيد، عن ابن عجلان قال‏:‏ رآني عثمان بن عبيد الله بن نافع أخذت من شاربى أكثر مما أخذت منه إلى أن يشبه الحلق، فنظر إلى فقلت‏:‏ ماتنكر‏؟‏ قال‏:‏ ماأنكر شيئًا، رايت اصحاب رسول الله يأخذون شواربهم شبه الحلق‏.‏

فقلت‏:‏ من هم‏؟‏ قال‏:‏ جابر بن عبد الله، وابو سعيد الخدرى، وابو اسيد الساعدى، وابن عمر، وسلمه بن الأكوع، وأنس‏.‏

وهو قول الكوفيين وقالوا‏:‏ اإحفاء هو الحلق، والحلق أفضل من التقصير فى الراس والشارب‏.‏

قال المؤلف‏:‏ وحجة هذه المقالة فى اللغة ماقال الخليل قال‏:‏ أحفى شاربه‏:‏ استأصلة‏.‏

واستقصاه‏.‏

وكذلك قال ابن دريد، إلا أنه قال‏:‏ حفوت شاربى أحفوه حفوًا استأصله أخذت شعره‏.‏

وحجة المقالة الأولى قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏من الفطرة قص الشارب‏)‏‏.‏

ومعلوم أن القص لا يقتضى الحلق والاستئصال‏.‏

قال صاحب الأفعال‏:‏ يقال قص الشعر والأظفار قطع منها بالمقص، ولما جاء عنه عليه السلام‏:‏ ‏(‏أحفوا الشوارب‏)‏ وجاء عنه ‏(‏من الفطرة قص الشارب‏)‏ واحتمل قوله‏:‏ ‏(‏أحفوا الشوارب‏)‏ أخذه كله واستئصالة علم أن المراد أخذ بعضه، ووجب ترجيح هذه المقالة على من قال باستئصال حلقه‏.‏

وقال الآخرون‏:‏ لما جاء الحديث عنه عليه السلام بلفظين، يحتمل أحدهما استئصال حلقة وهو قوله‏:‏ ‏(‏أحفوا الشوارب‏)‏ واللفظ الآخر يحتمل أخذ بعضه وهو قوله‏:‏ ‏(‏من الفطرة قص الشارب‏)‏ ولم يكن أحدهما ناسخًا للآخر ولا دافعًا له، دل أخذ بقص شاربه فهو مصيب، ومن استأصل حلقه فهو مصيب لموافقة ذلك السنة، ولذلك اختلف السلف فى صفة حلقة لاختلاف الآثار، والله أعلم‏.‏

باب‏:‏ إعفاء اللحى

عَفَوْا‏:‏ كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ‏.‏

- فيه‏:‏ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ‏:‏ قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ‏)‏‏.‏

وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَمَا فَضَلَ أَخَذَهُ‏.‏

- فيه‏:‏ ابْن عُمَر، قال‏:‏ قال النَّبِىّ، عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏انْهَكُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى‏)‏‏.‏

وقال الطبرى‏:‏ إن قال قائل‏:‏ ماوجه قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏أعفوا اللحى‏)‏ وقد علمت أن الإعفاء الإكثار، وأن من الناس من إن ترك شعر لحيته اتباعًا منه لظاهر هذا الخبر تفاحش طولا وعرضًا، وسمج حتى صار للناس حديثًا ومثلا‏؟‏ قيل‏:‏ قد ثبت الحجة عن النبى عليه السلام على خصوص هذا الخبر وأن من اللحية ماهو محظور إحفاؤه وواجب قصة على اختلاف من السلف فى قدر ذلك وحده، فقال بعضهم‏:‏ حد ذلك أن يزداد على قدر القبضة طولا، وأن ينتشر عرضًا فيقبح ذلك، فإذا زادت على قدر القبضة كان الأولى، جزّ مازاد على ذلك، من غير تحريم منهم ترك الزيادة على ذلك‏.‏

وروى عن عمر أنه راى رجال قد ترك لحيته حتى كثرت فأخذ بحديها ثم قال‏:‏ ائتونى بجلمين ثم امر رجلا فجز ما تحت يده ثم قال‏:‏ اذهب فأصلح شعرك أو أفسده، يترك أحدكم نفسه حتى كأنه سبع من السباع‏.‏

وكان أبو هريرة يقبض على لحيته فيأخذ مافضل، وعن ابن عمر مثله‏.‏

وقال آخرون‏:‏ يأخذ من طولها وعرضها مالم يفحش أخذه، ولم يحدوا فى ذلك حدًا غير أن معنى ذلك عندى- والله أعلم- مالم يخرج من عرف الناس‏.‏

وروى عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا أن يأخذ من طول لحيته وعرضها ما لم يفحش الأخذ منها، وكان إذا ذبح أضحيته يوم النحر أخذ منها شيئًا‏.‏

وقال عطاء‏:‏ لا بأس أن يأخذ من لحيته الشىء القليل من طولها وعرضها إذا كثرت، وعلة قائلى هذه المقالة‏:‏ كراهية الشهرة فى اللبس وغيره فكذلك الشهرة فى شعر اللحية‏.‏

وكان آخرون يكرهون الأخذ من اللحية إلا فى حج أو عمرة، وروى ذلك عن ابن عمر وعطاء وقتادة‏.‏

والصواب أن يقال‏:‏ إن قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏أعفوا اللحى‏)‏ على عمومه إلا ماخص من ذلك، وقد روى عنه حديث فى إسناده نظر أن ذلك على الخصوص، وأن من اللحى ماالحق فيه ترك إعفائه، وذلك ماتجاوز طوله أو عرضه عن المعروف من خلق الناس وخرج عن الغالب فيهم، روى مروان بن معاوية، عن سعيد بن أبى راشد المكى، عن أبى جعفر محمد بن على قال‏:‏ ‏(‏كان رسول الله يأخذ اللحية، فما طلع على الكف جزه‏)‏، وهذا الحديث وإن كان فى إسناده نظر فهو جميل من الأمر وحسن من الفعال‏.‏

قال غيره‏:‏ وقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏انهكوا الشوارب‏)‏ أى‏:‏ جزوا منها مايؤثر فيها، ولايستأصلها‏.‏

قال صاحب الأفعال‏:‏ يقال نهكته الحمى- بالكسر- نهكًا أثرت فيه، وكذلك العبادة، والتأثير غير الاستئصال‏.‏

باب‏:‏ ما يذكر فى الشيب

- فيه‏:‏ ابْن سِيرِينَ، سَأَلْتُ أَنَس بْن مالك أَخَضَبَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قَالَ‏:‏ لَمْ يَبْلُغِ الشَّيْبَ إِلا قَلِيلا‏.‏

وقال مرة‏:‏ لَمْ يَبْلُغْ مَا يَخْضِبُ، لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتِهِ فِى لِحْيَتِهِ‏.‏

- فيه‏:‏ إِسْرَائِيلُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ، قَالَ‏:‏ أَرْسَلَنِى أَهْلِى إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ، وَقَبَضَ إِسْرَائِيلُ ثَلاثَ أَصَابِعَ مِنْ قُصَّةٍ فِيهِ شَعَرٌ مِنْ شَعَرِ النَّبِى صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ إِذَا أَصَابَ الإنْسَانَ عَيْنٌ، أَوْ شَىْءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبَهُ، فَاطَّلَعْتُ فِى الْجُلْجُلِ، فَرَأَيْتُ شَعَرَاتٍ حُمْرًا‏.‏

- وَقَالَ عُثْمَان مرة‏:‏ دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا شَعَرًا مِنْ شَعَرِ النَّبِى صلى الله عليه وسلم مَخْضُوبًا‏.‏

اختلف الاثار هلى خضب النبى أم لا‏؟‏ فقال أنس‏:‏ لم يبلغ النبى عليه السلام من الشيب مايخضب وهو قول مالك، وأكثر العلماء أنه عليه السلام لم يخضب‏.‏

وقال عثمان بن موهب‏:‏ إن أم سلمه أخرجت إلينا شعرًا من شعر النبى عليه السلام مخضوبًا‏.‏

وروى الطبرى، عن العباس بن أبى طالب، عن المعلى بن أسد حدثنا سلام بن أبى مطيع، عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال‏:‏ ‏(‏أخرجت إلى أم سلمه زوج النبي صلى الله عليه وسلم شعرًا مخضوبًا بالحناء والكتم، فقالت‏:‏ هذا شعر رسول الله‏)‏ فزعمت طائفة من أهل الحديث أن النبى عليه السلام خضب، واحتجوا بهذا الحديث، وبما رواه ابن إسحاق، عن سعيد المقبرى، عن عبيد بن جريح أنه قال لابن عمر‏:‏ ‏(‏رأيتك تصفر لحيتك‏.‏

فقال‏:‏ إن رسول الله عليه السلام كان يصفر بالورس، فأنا أحب أن أصفر به كما كان رسول الله يصنع‏)‏‏.‏

وروى القطان وحماد بن سلمه، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبرى، عن عبيد بن جريح أنه قال لابن عمر‏:‏ ‏(‏رأيتك تصفر لحيتك‏.‏

فقال‏:‏ رايت رسول الله عليه السلام يصفر لحيته‏)‏‏.‏

وروى الطبرى، عن هلال بن العلاء، عن الحسين بن عياش قال حدثنا جعفر بن برقان، قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، قال‏:‏ ‏(‏قدم أنس بن مالك المدينة وعمر بن عبد العزيز وإلى عليها، فأرسلنى عمر إلى أنس وقال‏:‏ سله هل خضب النبى عليه السلام ‏؟‏ فإنا نجد هاهنا شعرًا من شعره فيه بياض كأنه قد لون‏.‏

فقال أنس‏:‏ إن رسول الله كان قد متع بسواد الشعر لو عددت خمس ما أقبل من راسه ولحيته، وماكنت أدرى عل أعد خمس عشرة شيبه فما أدرى ما هذا الذى تجدون إلا من الطيب الذى يطيب به شهره وهو غير لونه‏)‏‏.‏

وأما قوله‏:‏ ‏(‏فاطلعت فى الجلجل‏)‏ فروى النضر بن شميل، عن إسرائيل، عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال‏:‏ ‏(‏كان عند أم سلمه أم المؤمنين جلجل من فضة فيه شعرات من شعر رسول الله، وكان إذا أصاب إنسانًا عين أو أشتكى، بعث بإناء فخضخض فيه، ثم شربه وتوضأ منه فبعثى أهلى فأطلعت فيه فإذا شعرات حمر‏)‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏فخضخض فيه‏)‏ يعنى‏:‏ خضخض الشعر فى الإناء لتبقى بركته فى ذلك الماء فيشربه المعين أو الوصب، فيدفع الله عنه ببركة ذلك الشعر ما به من شكوى‏.‏

باب‏:‏ الخضاب

- فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىُّ، عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لا يَصْبُغُونَ، فَخَالِفُوهُمْ‏)‏‏.‏

قال الطبرى‏:‏ إن قال قائل‏:‏ مامعنى هذا الحديث‏؟‏ وقد روى شعبة، عن الركين بن الربيع قال‏:‏ سمعت القاسم بن محمد يحدث عن عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن مسعود ‏(‏أن رسول الله كان يكره تغيير الشيب‏)‏‏.‏

وروى ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبى عليه السلام قال‏:‏ ‏(‏من شاب شيبة فى الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة إلا أن ينتفها أو يخضبها‏)‏‏.‏

قيل‏:‏ قد اختلف السلف قبلنا فى تغيير الشيب، فرأى بعضهم أن أمر النبى عليه السلام بصبغه ندب، وأن تغييره أولى من تركه أبيض‏.‏

ذكر من رأى ذلك‏:‏ روى عن قيس بن أبى حازم قال‏:‏ كان أبو بكر الصديق يخرج إلينا وكأن لحيته صرام العرفج من الحناء والكتم‏.‏

وعن أنس أن أبا بكر وعمر كان يخضبان بالحنان والكتم، وكان الشعبى وابن أبى مليكة يخضبان بالسواد ويقول‏:‏ هو اسكن للزوجة وأهيب للعدو، وعن أبن مليكة أن عثمان كان يخضب بالسواد، وعن عقبة بن عامر والحسن والحسين أنهم كانوا يخضبون بالسواد، ومن التابعين‏:‏ على بن عبد الله بن عباس وعروة بن الزبير وابن سيرين وأبو برده‏.‏

وروى ابن وهب، عن مالك قال‏:‏ لم أسمع فى صبغ الشعر بالسواد بنهى معلوم، وغيره أحب إلى‏.‏

وممن كان يخضب بالصفرة على بن أبى طالب، وابن عمر، والمغيرة بن شعبة، وجرير البجلى، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، ومن التابعين عطاء، وأبو وائل، والحسن، وطاوس، وسعيد بن المسيب‏.‏

واعتل مغيرو الشيب من حديث أبى هريرة وغيره، بما رواه مطر الوراق، عن أبى رجاء، عن جابر قال‏:‏ جيء بأبى قحافة إلى النبي ورأسه ولحيته كأنهما ثغامة بيضاء، فأمر رسول الله أن يغيروه، فحمروه‏.‏

ورأى آخرون ترك الشعر أبيض من تغييره وأن الصحيح عنه عليه السلام نهيه عن تغييره الشيب، وقالوا‏:‏ توفى النبى عليه السلام وقد بدا فى عنفقه ورأسه الشيب، ولم يغيره بشىء ولو كان تغييره الاختيار لكان هو قد آثر الأفضل‏.‏

ذكر من راى ذلك‏:‏ قال أبو إسحاق الهمدانى‏:‏ رايت على بن أبى طالب ابيض الرأس واللحية‏.‏

وقاله الشعبى، وكان أبى بن كعب ابيض اللحية، وعن أنس، ومالك بن أوس وسلمه بن الأكوع أنهم كانوا لا يغيرون الشيب، وعن أبى الطفيل، وأبى برزة السلمى مثله، وكان أبو مجلز وعكرمة وعطاء وسعيد بن جبير وعطاء بن السائب لا يخضبون‏.‏

واعتلوا بما روى أبو إسحاق عن أبى جحيفة قال‏:‏ ‏(‏رايت النبى عليه السلام عنفقه بيضاء‏)‏‏.‏

والصواب عندنا الآثار التى رويت عن النبى عليه السلام بتغيير الشيب وبالنهى عن تغييره كلها صحاح، وليس فيها شىء يبطل معنى غيره، ولكن بعضها عام وبعضها خاص، فقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏خالفوا اليهود وغيروا الشيب‏)‏ المراد منه الخصوص، ومعناه‏:‏ غيروا الشيب الذى هو نظير شيب أبى قحافة، وأما من كان اشمط فهو الذى أمره النبى عليه السلام ألا يغيره وقال‏:‏ ‏(‏من شاب شيبة فى الإسلام كانت له نورًا‏)‏‏.‏

فإن قيل‏:‏ مالدليل على ذلك‏؟‏ قيل‏:‏ لا يجوز أن يكون من النبى عليه السلام قولان متضادان فى شىء واحد فى حالة واحدة إلا وأحدهما ناسخ للآخر، فإذا كان ذلك كذلك فغير جائز أن يكون الناسخ منهما إلا معلومًا عند الأمة‏.‏

ولما وردت الأخبار بنقل العدول أنه أمر بتغيير الشيب، وأنه نهى عن تغييره، ولم يعلم الناسخ منهما فينتهوا إليه كان القول فى ذلك أن الذين غيروا شيبهم كشيب من أصحاب النبى إنما غيروا فى الحالة التى كان فيها شيبهم كشيب أبى قحافة أو قريبا منه، وأما الذين أجازوا ترك تغييره كن شيبهم مخالفًا لشيبابى قحافة إما بالمشط أو بغلبة السواد عليه، كالذى روى عن النبى أنه لم يغير شيبه لقلته، مع أن تغيير الشيب ندب لا فرط، ولا ارى مغير ذلك وإن كان قليلاً حرجًا بتغييره، إذ كان النهى عن ذلك نهى كراهه لا تحريمًا لإجماع سلف الأمة وخلفها على ذلك، وكذلك الأمر فيما أمر به على وجه الندب، ولو يكن كذلك كان تاركو التغيير قد انكروا على المغيرين، أو أنكر المغيرون على تاركى التغيير، وبنحو معناه قال الثورى‏.‏

باب‏:‏ الجعد

- فيه‏:‏ أَنَس، أَنّ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ، وَلا بِالْقَصِيرِ، وَلَيْسَ بِالأبْيَضِ الأمْهَقِ، وَلا بِالآدَمِ، وَلَيْسَ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ، وَلا بِالسَّبْطِ، بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً، وَلَيْسَ فِى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعَرَةً بَيْضَاءَ‏.‏

- وفيه‏:‏ الْبَرَاء، إِنَّ جُمَّةَ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم لَتَضْرِبُ قَرِيبًا مِنْ مَنْكِبَيْهِ‏.‏

وقال شُعْبَةُ‏:‏ شَعَرُهُ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ‏.‏

- وفيه‏:‏ ابْن عُمَر، أَنَّ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏(‏أُرَانِى اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَرَأَيْتُ رَجُلا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَمِ، قَدْ رَجَّلَهَا فَهِىَ تَقْطُرُ مَاءً، مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ- أوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ- يطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا‏؟‏ فَقِيلَ‏:‏ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، فَسَأَلْتُ‏:‏ مَنْ هَذَا‏؟‏ فَقِيلَ‏:‏ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ أَنَس، أَنَّ النَّبِى صلى الله عليه وسلم كَانَ يَضْرِبُ شَعَرُهُ مَنْكِبَيْهِ‏.‏

- فيه‏:‏ وَقَالَ مرة‏:‏ كَانَ شَعَرِ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم رَجِلا، لَيْسَ بِالسَّبِطِ وَلا الْجَعْدِ، بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ‏.‏

وَكَانَ ضَخْمَ الْيَدَيْنِ‏.‏

- وَقَالَ مرة‏:‏ كَانَ ضَخْمَ الرأس وَالْقَدَمَيْنِ، حَسَنَ الْوَجْهِ، لَمْ أَرَ بَعْدَهُ وَلا قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَكَانَ بَسِطَ الْكَفَّيْنِ‏.‏

- وَقَالَ مرة‏:‏ كَانَ شَثْنَ الْقَدَمَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ‏.‏

- وفيه‏:‏ جَابِر، كَانَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم ضَخْمَ الْقَدَمَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ، وَلَمْ أَرَ بَعْدَهُ شَبَهًا لَهُ‏.‏

- وفيه‏:‏ ابْن عَبَّاس، ذَكَرُوا عنده الدَّجَّالَ، فَقَالَ‏:‏ إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ‏.‏

وقال ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ لَمْ أَسْمَعْهُ قَالَ ذَاكَ، وَلَكِنَّهُ قَالَ‏:‏ ‏(‏أَمَّا إِبْرَاهِيمُ، فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ وَأَمَّا مُوسَى، فَرَجُلٌ آدَمُ جَعْدٌ، عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِخُلْبَةٍ كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَيْهِ؛ إِذِ انْحَدَرَ فِى الْوَادِى يُلَبِّى‏)‏‏.‏

قال المؤلف‏:‏ فى أحاديث هذا الباب أن النبى عليه السلام كانت له جمة تبلغ قريبًا من منكبيه، وقيل‏:‏ تبلغ شحمة أذنيه، وقيل‏:‏ يضرب شعره منكبيه، وليس ذلك بإخبار عن وقت واحد فتتضاد الآثار، وإنما ذلك إخبار عن أوقات مختلفة، يمكن فيها زيادة الشعر بغفلتيه عليه السلام عن قصه، فكان إذا غفل عنه بلغ منكبيه، وإذا تعاهده وقصه بلغ شحمة أذنيه أو قريبًا من منكبيه، فأخبر كل واحد عما شاهد وعاين‏.‏

وذكر عليه السلام أن عيس ابن مريم له لمه حسنة قد رجلها وأن موسى كان جعدًا، فدل أنه كانت له لمة وأن الجعودة لاتبين إلا فى طول الشعر، وهذه الآثار كلها تدل أن اتخاذ اللمم وترجليها من سنن النبيين والمرسلين‏.‏

وقوله فى وصفه النبى‏:‏ ‏(‏ليس بالبض الأمهق‏)‏ يعنى‏:‏ أن لونه ليس بالشديد البياض الفاحش الخارج عن حد الحسن، وذلك أن المهق من البياض هو الذى لا يخالطه شىء من الحمرة كلون الفضة‏.‏

والقطط‏:‏ الشعر الشديد التجعد‏.‏

والبسط‏:‏ ضد الجعد‏.‏

والآدم‏:‏ السمر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏عنبه طافية‏)‏ يريد بارزة قد برزت وطفت كما يطفو الشىء فوق الماء، وترجيل الشعر‏:‏ مشطة وتقويمه، يقال‏:‏ شعر رجل ورجلّ‏:‏ مسرح، عن صاحب العين‏.‏

واختلف فى معنى المسيح ابن مريم عليه السلام على خمسة أقوال‏:‏ فقال ابن عباس‏:‏ سمى عيسى مسيحًا، لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاه إلا برا، وقال إبراهيم النخعى‏:‏ المسيح‏:‏ الصديق‏.‏

وقال ثعلب‏:‏ سمى مسيحًا، لأنه كان يمسح الأرض أى‏:‏ يقطعها‏.‏

وروى عطاء، عن ابن عباس أنه قال‏:‏ سمى مسيحًا، لأنه كان أمسح الرجل، فلم يكن لرجله أخمص وهو مايتجافى عن الأرض من وسطها فلا يقع عليها‏.‏

وقال آخرون‏:‏ سمى مسيحًا، لأنه خرج من بطن أمه مسموحًا بالدهن، ذكر هذا كله ابن الأنبارى، وقال‏:‏ إنما سمى الدجال مسحًا لأن إحدى عينيه مسوحة، والأصل فيه مفعول فصرف إلى فعيل قال ثعلب‏:‏ والدجال مأخوذ من قولهم‏:‏ دجل فى الرض ومعناة‏:‏ ضرب فيها وطافها، وقال مرة أخرى‏:‏ نقول‏:‏ قد دجل إذا لبسّ وموهّ‏.‏

وقال ابن دريد‏:‏ اشتقاقه من قولهم‏:‏ دجلت الشىء إذا سترته، كأن يستر الحق ويغطيه ويلبس بتمويهه، ومنه سميت‏:‏ دجلة كأنها جين فاضت على الأرض سترت مكانها‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏شثن الكفين والقدمين‏)‏ قال الخليل‏:‏ الثن‏:‏ الذى فى أنامله غلظ وقد شثن شثنًا‏.‏

وقال أبو عبيد‏:‏ هما إلى الغلظ فكانت كف النبى عليه السلام ممتلئة لحمًا، ويبين ذلك قول أنس‏:‏ ‏(‏وكان ضخم اليدين والقدمين‏)‏ غير أن كفه مع ضخامتها كانت لينة كما روي أنس أنه قال‏:‏ ‏(‏ما مسسنت حريرة ألين من كف النبى- عليه السلام‏)‏‏.‏

فإن قال قائل‏:‏ قد قال أبو حاتم عن الأصمعى‏:‏ الشثونة‏:‏ غلظ الكف وخشونتها وأنشد قول امرى القيس‏:‏

وتعطوا برخص غير شثن كأنه *** أساريع ظبى أو مساويك إسحل

فعلى تأويل الأصمعى البيت يعارض قول أنس فى صفة النبى أنه كان خشن اليدين مع قوله‏:‏ ‏(‏ما مسست حريرة ألين من كفه صلى الله عليه وسلم‏)‏‏.‏

فالجواب‏:‏ أن مافسره الأصمعى أن الشثن خشونة مع غلظ، لم يقله أحد من أهل اللغة غيره، ولا فسر أحد بيت امرىء القيس عليه، فلا يوجه قول أنس إليه لئلا يتنافى قوله ويتضاد، وقد شرح الطوسى هذا البيت بما يوافق قول الخليل وأبى عبيد فقال‏:‏ قوله‏:‏ بكف غير شثن أى غير غليظ جاف، وهذا هو الصواب لأن الشاعر إنما وصف كف جارية، والمستحب فيها الرقة واللطافة، ألا ترى أنه شبهها فى الدقة بالدود البيض الدقاق اللينة التى تكون فى الرمل، أو بمساويك رقاق ولم يصفها بالغلظ والامتلاء، وذلك لا يستحب فى النساء وهو مستحب فى الرجال، ولايمنع أحد أن تكون كفا ممتلئة لحمًا شديدة الرطوبة غير خشنة، فلا تعارض بين الحدثين‏.‏

ولو صح تأويل من جعل الشثن الخشن لأمكن الجمع بين الحدثين، فيكون إخبار أنس لين كف النبى عليه السلام أنه كان فى غير الحال التى تكون فيها خشنة، وذلك إذا أمهن فى أهله، قالت عائشة‏:‏ ‏(‏كان النبى عليه السلام فى مهنة أهله يرقع الثوب ويخصف النعل‏)‏‏.‏

وفى حديث آخر ‏(‏ويحلب الشاة‏)‏ فإذا كان النبى عليه السلام يعتمل بيديه حدثت له الخشونة، وإذا ترك ذلك عاد إلى أصل جبلته سريعًا وهى لين الكف، فأخبر أنس عن كلتا الحالتين فلا تعارض فى ذلك لو كان التأويل كما قال الأصمعى، على أن قول الخليل وأبى عبيد والطوسى فى تفسير الشثن مغن عن هذا التخريج‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏مخطوم بخلبه‏)‏ قال صاحب العين‏:‏ هى حبل من ليف‏.‏

وذكر أنس فى هذا الحديث أن النبى عليه السلام مات ابن ستين سته، وهو قول عروة بن الزبير، وروى عن ابن عباس خلاف هذا قال‏:‏ ‏(‏أقام رسول الله بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه وبالمدينة عشرًا ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة‏)‏‏.‏

باب‏:‏ التلبيد

- فيه‏:‏ عُمَر، قَالَ‏:‏ مَنْ ضَفَّرَ فَلْيَحْلِقْ، وَلا تَشَبَّهُوا بِالتَّلْبِيدِ‏.‏

وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ‏:‏ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُلَبِّدًا‏.‏

- فيه‏:‏ والتلبيد‏:‏ أن يجعل الصمغ فى الغسول ثم يلطخ بها راسه عند الإحرام ليمنعه ذلك من الشعث‏.‏

قال المؤلف وقد تقدم التلبيد فى كتاب الحج ولم يمض هناك معنى قول عمر لا تشبهوا بالتلبيد ويروى ‏(‏تشبهوا‏)‏ أو ‏(‏تشبهوا‏)‏ بضم التاء وفتحها والصحيح فتحها والمعنى لا تشبهوا، ومن روى بضم التاء أراد لا تشبهوا علينا‏.‏

والضفر‏:‏ أن يضفر شعره ذو الشعر الطويل ليمنعه ذلك من الشعث، ومن فعل هذا لم يجز له أن يقص، لأنه فعل مايشبه التلبيد الذى أوجب رسول الله فيه الحلاق فلذلك رأى عمر الحلاق على من فعل ذلك‏.‏

ومعنى قوله‏:‏ لا تشبهوا بالتلبيد‏.‏

أى تفعلوا الفعالا تشبه التلبيد فى الانتفاع بها، وهى العقص والضفر، ثم تقصرون ولاتحلقون، وتقولون‏:‏ لم نلبد، فمن فعل ذلك فهو مبلد وعليه الحلاق‏.‏

باب الفرق

- فيه‏:‏ ابْن عَبَّاس، كَانَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ، وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ أَشْعَارَهُمْ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ، فَسَدَلَ النَّبِى عليه السلام نَاصِيَتَهُ ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ‏.‏

- وفيه‏:‏ عَائِشَةَ، قَالَتْ‏:‏ كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِى مَفَارِقِ النَّبِى صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُحْرِمٌ‏.‏

وقال عَبْدُاللَّهِ‏:‏ فِى مَفْرِقِ النَّبِىِّ، عليه السَّلام‏.‏

قال المؤلف‏:‏ فرق شعر الرأس سنة، وروى ابن وهب عن أسامة بن زيد عمر عبد العزيز كان إذا انصرف من الجمعة أقام على باب المسجد حرسًا يجزون كل من لم يفرق شعره‏.‏

قال مالك‏:‏ رأيت عامر بن عبد الله بن الزبير وربيعة بن أبى عبد الرحمن وهشام بن عروة يفرقون شعورهم، وكانت لهشام جمةّ إلى كتفيه‏.‏

فإن قال قائل‏:‏ قول ابن عباس ‏(‏كان النبى عليه السلام يحب موافقة أهل الكتاب‏)‏ يعارض قول النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم‏)‏‏.‏

فالجواب‏:‏ أن حديث ابن عباس يحتمل أن يكون فى أول الإسالم فى وقت قوى فيه طمع النبى عليه السلام برجوع أهل الكتاب وإنابهم إلى الإسلام، وأحب موافقتهم على وجه التالف لهم والتأنيس، مع أن أهل الكتاب كانوا أهل شريعة، وكان المشركون لا شريعة لهم، فسدل عليه السلام ناصية، إذ كان ذلك مباحًا لأنه لم يأته نهى عن ذلك، ثم أراد الله تعالى نسخ السدل بالفرق فأمر نبيه بفرق شعره وترك موافقة أهل الكتاب والحديث يدل على صحة هذا، وهو قول ابن عباس ‏(‏كان رسول الله يحب موافقة أهل الكتاب‏)‏ ‏(‏وكان‏)‏ إخبار عن فعل متقدم، وقوله‏:‏ ثم فرق بعد إخبار عن فعل متأخر وقع منه عليه السلام بمخالفة أهل الكتاب، وهذا هو النسخ بعينه، لقوله عليه السلام ‏(‏إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم‏)‏ فأمر بمخالفتهم عامًا‏.‏

باب الذوائب

- فيه‏:‏ ابْن عَبَّاس، بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ خَالَتِي، وَكَأن النبي صلى الله عليه وسلم عِنْدَهَا فِى لَيْلَتِهَا، فَقَامَ النَّبِيّ عليه السَّلام يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِذُؤَابَتِى، فَجَعَلَنِى عَنْ يَمِينِهِ‏.‏

قال المؤلف‏:‏ الذوائب إنما يجوز اتخاذها للغلام إذا كان فى رأسه شعر غيرها، وأما إذا حلق شعره كله وترك ذؤابه فهو القزع الذى نهى عنه عليه السلام، وقد جاء هذا بينًا فى الباب بعد هذا‏.‏

وروى أبو داود‏:‏ حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، جدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ‏(‏أن النبى عليه السلام نهى عن القزع‏)‏ وهو أن يحلق رأس الصبى ويترك له ذؤابه‏.‏

باب‏:‏ القزع

- فيه‏:‏ ابْنَ عُمَر، أَنّ النَّبِىّ عليه السَّلام نهَى عَنِ الْقَزَعِ‏.‏

قُلْتُ‏:‏ مَا الْقَزَعُ‏؟‏ فَأَشَارَ لَنَا عُبَيْدُاللَّهِ قَالَ‏:‏ إِذَا حَلَقَ الصَّبِى وَتَرَكَ هَاهُنَا شَعَرَةً وَهَاهُنَا وَهَاهُنَا، فَأَشَارَ لَنَا عُبَيْدُاللَّهِ إِلَى نَاصِيَتِهِ، وَجَانِبَىْ رَأْسِهِ، قِيلَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ‏:‏ وَالْجَارِيَةُ وَالْغُلامُ‏؟‏ قَالَ‏:‏ لا أَدْرِى، هَكَذَا قَالَ الصَّبِىُّ‏.‏

قَالَ عُبَيْدُاللَّهِ‏:‏ وَعَاوَدْتُهُ، فَقَالَ‏:‏ أَمَّا الْقُصَّةُ وَالْقَفَا لِلْغُلامِ، فَلا بَأْسَ بِهِمَا، وَلَكِنَّ الْقَزَعَ أَنْ يُتْرَكَ بِنَاصِيَتِهِ شَعَرٌ، وَلَيْسَ فِى رَأْسِهِ غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ شَقُّ رَأْسِهِ هَذَا أَوْ هَذَا‏.‏

قال ابن السكيت‏:‏ القزع أن تتقوب من الراس مواضع فلا يكون فيها شعر‏؟‏ قال ثابت‏:‏ لم يبق من شعره إلا قزع‏.‏

الواحدة‏:‏ قزعه، ومثله فى السماء قزعة‏.‏

وقد ذكر أبو داود فى حديث المعنى الذى من أجله نهى النبى عليه السلام عن القزع، فقال‏:‏ حدثنا الحلوانى، حدثنا يزيد بن هارون قال‏:‏ حدثنا الحجاج بن حسان قال‏:‏ ‏(‏دخلنا على أنس بن مالك فقال‏:‏ حدثتنى أختى قالت‏:‏ دخل علينا النبى عليه السلام وأنت يومئذ غلام ولك قرنان، فمسح راسك وبرك عليك وقال‏:‏ احلقوا هذين أو قصوهما، فإن هذا زى اليهود‏)‏‏.‏

باب‏:‏ تطييب المرأة زوجها بيديها

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ‏:‏ طَيَّبْتُ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم بِيَدِى لِحُرْمِهِ وَطَيَّبْتُهُ بِمِنًى قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ‏.‏

قد تقدم فى الحج‏.‏

باب‏:‏ الطيب فى الرأس واللحية

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ، كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِى صلى الله عليه وسلم بِأَطْيَبِ مَا أَجِدَ حَتَّى أرى وَبِيصَ الطِّيبِ فِى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ‏.‏

قال المؤلف‏:‏ هذا يدل أن مواضع الطيب من الرجال مخالفة لمواضعة من النساء، وذلك أن عائشة ذكرت أنها كانت تجد وبيض الطيب فى رأس النبى عليه السلام ولحيته فدل ذلك أنها إنما كانت تجعل الطيب فى شعر راسه ولحيته لا من وجهه كما تفعل النساء فيخططن وجوههن بالطيب يتزين بذلك، وهذا لا يجوز للرجال دليل هذا الحديث، وهو مباح للنساء، لأن جميع أنواع الزينة بالحلى والطيب ونحوه جائز لهم ما لم يغيرن شيئًا من خلقهن‏.‏

باب‏:‏ الامتشاط

- فيه‏:‏ سَهْل، أَنَّ رَجُلا اطَّلَعَ مِنْ جُحْرٍ فِى دَارِ النَّبِىِّ عليه السَّلام وَأن النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يَحُكُّ رَأْسَهُ بِالْمِدْرَى، فَقَالَ‏:‏ ‏(‏لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَنْظُرُ، لَطَعَنْتُ بِهَا فِى عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الإذْنُ مِنْ قِبَلِ الأبْصَارِ‏)‏‏.‏

المدرى عند العرب اسم للمشط، قال أمرؤ القيس‏:‏ تظل المدارى فى مثنى ومرسل يريد فى ماأنثى من شعرها وانعطف، ومااسترسل، يصف امرأة بكثرة الشعر‏.‏

وذكره أبو حاتم عن الأصعمى، وأبى عبيد، وقال‏:‏ المدارى‏:‏ الأمشاط، وفى شرح ابن كسيان المدرى‏:‏ الود الذى تدخله المرأة فى شعرها لتضم بعضه إلى بعضه‏.‏

باب‏:‏ ترجيل الحائض زوجها

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ، كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا حَائِضٌ‏.‏

فيه‏:‏ أن ترجيل الشعر منزى أهل الإيمان والصلاح، وذلك من النظافة، وقد روى مالك عن يحى بن سعيد أن قتادة الأنصارى قال لرسول الله‏:‏ ‏(‏إنى لى جمة فارجلها‏؟‏ قال رسول الله‏:‏ نعم وأكرمها‏.‏

وكان أبو قتادة ربما دهنها فى يوم مرتين لما قال رسول الله‏:‏ وأكرمها‏)‏‏.‏

وهذا الحديث قد أسنده الرازى عن يحى بن سعيد، عن محمد بن المنكدر، عن أبى قتادة‏.‏‏.‏

فذكره‏.‏

وقد روى عن النبى عليه السلام خلاف تأويل أبى قتادة، روى على بن المدينى، عن يحى بن سعيد، عن هشام، عن الحسن عن عبد الله بن مغفل قال‏:‏ ‏(‏نهى رسول الله عن الترجيل إلا غبًّا‏)‏‏.‏

وروى ابن المبارك، عن كهمس عن الحسن، عن ابن بريدة عن رجل اصاحاب النبى عليه السلام قال‏:‏ ‏(‏نهانا رسول الله عن الإرفاء‏.‏

قلت لأبن بريدة‏:‏ مالإرفاه‏؟‏ قال‏:‏ الترجيل كل يوم‏)‏‏.‏

روى ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبى أمامه، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبى أمامه قال‏:‏ ‏(‏ذكر أصحاب رسول الله يومًا عنده الدنيا البذاذة من الإيمان‏)‏‏.‏

والمراد بهذا الحديث- والله أعلم- بعض الأوقات ولم يأمر بلزوم البذاذة فى جميع الأحوال لتتفق الأحاديث، وقد أمر الله تعالى بأخذ الزينة عند كل مسجد، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم باتخاذ الطيب، وحسن الهيئة واللباس فى الجمع وماشكل ذلك من المحافل‏.‏

باب‏:‏ الترجل

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ، أَن النَّبِىِّ عليه السَّلام كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ مَا اسْتَطَاعَ فِى تَرَجُّلِهِ وَوُضُوئِهِ‏.‏

الترجلّ من باب النظافة والزينة المباحة للرجال، وقد تقدم فى الباب قبل هذا أن ذلك فى بعض الأوقات ومعناه الخصوص وروى مالك، عن زيد بن أسلم أن عطاء بن يسار أخبره قال‏:‏ ‏(‏كان رسول الله فى المسجد فدخل رجل ثائر الراس واللحية فاشار إليه رسول الله بيده أن أخرج، كأنه يعنى إصلاح شعر رأسه ولحيته ففعل الرجل ثم رجع، فقال رسول الله‏:‏ اليس هذا خيرًا من أن أحدكم ثائر الراس كأنه شيطان‏)‏‏.‏

باب‏:‏ المسك

- فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِيّ عليه السَّلام ‏(‏لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ‏)‏‏.‏

قال المؤلف المسك أطيب الطيب، وقد روى ذلك عن النبى عليه السلام من حديث أبى سعيد الخدرى، وقد ذكرته فى كتاب الذبائح، وهذا الحديث يشهد لحديث أبى سعيد، لأنه لو كان فى الطيب فوق المسك لضرب به المثل عند الله كما ضرب بالمسك‏.‏

باب‏:‏ من لم يرد الطيب

- فيه‏:‏ أَنَس، أَنَّهُ لا يَرُدُّ الطِّيبَ، وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِى صلى الله عليه وسلم كَانَ لا يَرُدُّ الطِّيبَ‏.‏

وترجم له فى كتاب الهبة باب ما لا يرد من الهدية‏.‏

ذكره أبو داود من حديث عبد الله بن أبى جعفر، عن الأعرج، عن أبى هريرة قال‏:‏ قال رسول الله‏:‏ ‏(‏من عرض عليه طيب فلا يرده، فإنه طيب الريح خفيف المحمل‏)‏‏.‏

ومن حديث كثير بن عبد الله قال‏:‏ سمعت أنس بن مالك يقول‏:‏ قال رسول الله‏:‏ ‏(‏حبب إلى من الشياء النساء والطيب وجعل قرة عينى فى الصلاة‏)‏ أنه كان يرى فيها الجنة وماوعد الله فيها لأوليائه المؤمنين‏.‏

باب‏:‏ الذريرة

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ، طَيَّبْتُ النَّبِىّ عليه السَّلام بِيَدَىَّ بِذَرِيرَةٍ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلْحِلِّ وَالإحْرَامِ‏.‏

يقول المؤلف‏:‏ الذريرة نوع من أنواع الطيب، وكل ما يطلق عليه اسم طيب فيجوز استعماله، لعموم قول أنس‏:‏ كان النبى عليه السلام لا يرد الطيب‏.‏

فعم أنواعه كلها‏.‏

باب‏:‏ المتفلجات للحسن

- فيه‏:‏ عَبْدُ اللَّهِ‏:‏ لَعَنَ النَّبِىّ عليه السَّلام الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ، مَالِى لا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ النَّبِىُّ عليه السَّلام وَهُوَ فِى كِتَابِ اللَّهِ تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 7‏]‏‏.‏

وترجم له‏:‏ باب المتنمصات‏.‏

الواشمة‏:‏ هى التى تشم يديها وذلك أن تغرر ظهر كفها أو غيره من جسدها بإبرة حتى تؤثر فيها ثم تحشوه كحلا وتجعله كالنقش فى جسدها تتزين بذلك‏.‏

والنامصة‏:‏ هى الناقة، والنمص‏:‏ والنتف، قال أبو جنيفة ولذلك قيل للمنقاش الذى ينتف به‏:‏ منماص، ويقال‏:‏ قد أنمص البقل فهو نميص إذا ارتفع قليلاً حتى يمكن أن ينتف بالأظفار‏.‏

والمتفلجة‏:‏ هى المفرقة بين اسنانها المتلاصقة بالنحت لتبعد بعضها من بعض، والفلج‏:‏ تباعد مابين الشيئين يقال‏:‏ منه رجل أفلج، وامرأة فلجاء‏.‏

قال الطبرى‏:‏ فى هذا الحديث البيان عن رسول الله أنه لا يجوز لامرأة تغيير شىء من خلقها الذى خلقها الله عليه بزيادة فيه أو نقص منه التماس التحسن به لزوج أو غيره، لأن ذلك نقض منها خلقها إلى غير هيئته، وسواء فلجت اسنانها المستوية البنية ووشرتها أو كانت لها أسنان طوال فقطعت طلبًا للحسن، أو أسنان زائدة على المعروف من أسنان بنب آدم فقلعت الزوائد من ذلك بغير عله إلا طلب التحسن والتجمل، فإنها فى كل ذلك مقدمة على مانهى الله تعالى عنه على لسان نبيه إذا كانت عالمة بالنهى عنه، وكذلك غير جائز لامرأة خلقت لها لحية أو شارب أو عنفقه أن تحلق ذلك منها أو تقصه طلبًا للتجمل، لأن كل ذلك تغيير لخلق الله، ومعنى النص الذى لعن رسول الله فاعلته‏.‏

فإن قال قائل‏:‏ فإنك لتجيز للرجل أن يأخذ من أطراف لحيته وعوارضه إذا كثرت ومن الشارب وإطاره إذا وفى، فالمرأة أحق أن يجوز لها إماطة ذلك من الرجل، إذ الأغلب من النساء أن ذلك بهن قليل، وإنما ذلك من خلق الرجال، فجعلت أخذ ذلك من النساء تغييرًا لخلق الله، وجعلتها من الرجال غير تغيير، فما الفرق بين ذلك‏؟‏ قيل‏:‏ إنما لم نحظر على المرأة إذا كانت ذات شارب فوفى شاربها أن تأخذ من إطاره وأطرافه أو كانت ذات لحية طويلة أن تأخذ منها، وإنما نهيناها عن نمص ذلك وحلقة للعنة النبى النامصة والمتنمصة، ولاشك أن نمصها لحية أو شاربًا إن كان لها نظير نمصها شعرًا بزجهها أو جبينها، وفى فرق الله على لسان رسوله بين حكمها فيما لها من أخذ شعر راسها وماليس لها منه، وبين حكم الرجل فى ذلك أبين الدليل على افتراق حكمها فى ذلك، وذلك أن النبى عليه السلام أذن للرجال فى قص شعر رؤوسهم كلما شاءوا وندبهم إلى حلقة إذا حلوا من إحرامهم، وحظر ذلك على المرأة فى الحالتين كلتيهما، إلا أن تأخذ من أطرافه ففى ذلك أبين البيان أن حكم الرجل والمرأة فى ذلك مفترق، فالواجب أن يكون مفترقًا فيما لهما من إحفاء الشوارب وقص النواصى وحلقها، وإنما أبحنا لها أن تأخذ من أطراف لحيتها وإطار شاربها، كما ابحنا لها أن تأخذ من أطراف شعر رأسها إذا طال، لما روى شعبه، عن أبى بكر بن حفص، عن أبى سلمه قال‏:‏ ‏(‏كان أزواج النبى يأخذن من شعورهن حتى يدعنه كهيئة الوفرة‏)‏‏.‏

وروى ابن جريح، عن صفيه بنت شيبة، عن أم عثمان بنت سفيان، عن ابن عباس قال‏:‏ ‏(‏نهى النبى عليه السلام أن تحلق المرأة رأسها، وقال‏:‏ الحلق مثله‏)‏‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ لعن رسول الله الحالقة‏.‏

فإن قال‏:‏ فما وجه من أطلق النمص والوشم، وأحله وقد علمت ما روى شعبه، عن أبى إسحاق، عن امرأته ‏(‏أنها دخلت على عائشة فسالتها، وكانت امرأة شابة يعجبها الجمال، فقالت‏:‏ المرأة تحف جبينها لزوجها‏.‏

فقالت‏:‏ أميطى عنك الأذى ما استطعت‏)‏‏.‏

قال الطبرى‏:‏ هكذا قال ابن المثنى تحف، وهو غلط، لأن الحف بالشىء هو الإطافة به، وإنما هو تحفى بمعنى تستأصله حلقًا أو نتفًا‏.‏

وما حدثك تميم بن المنتصر قال‏:‏ حدثنا يزيد قال‏:‏ حدثنا إسماعيل بن قيس قال‏:‏ دخلت وأنا وأبى على أبى بكر، فرأيت يد أسماء موشومة‏.‏

قيل‏:‏ أما عائشة فإن فى الرواية عنها اختلافًا وذلك أن عمران بن موسى قال‏:‏ حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال‏:‏ حدثتنى أم الحسن، عن معاذة ‏(‏أنها سالت عائشة عن المرأة تقشر وجهها‏؟‏ فقالت‏:‏ إن كنت تشتهين أن تتزيني فلا يحل، وإن كانت امرأة بوجهها كلف شديد فما- كأنها كرهته ولم تصرح‏)‏ فهذه الرواية بالنهى عن قشر المرأة وجهها للزينة وذلك نظير إحفائها جبينها للزينة، وإذا اتخلفت الرواية عنها كأن أولى الأمور أن يضاف إليها اشبهها بالحق‏.‏

وأما اسماء فإنها كانت امرأة أدركت الجاهلية، وكان نساء الجاهلية يفعلن ذلك ويتزين به، ولعل ذلك منها كان فى الجاهلية، ولم يخبر قيس عنها أنها وشمت يدها فى الإسلام، وقد يجوز أن تكون وشمتها فى الجاهلية أو الإسلام قبل أن ينهى عن ذلك رسول الله، فمن أنها وشمتها فى الإسلام بعد نهى النبى عليه السلام فليأت ببرهان على ماادعى من ذلك، ولاسبيل إليه‏.‏

قال المؤلف‏:‏ يقال للطبرى‏:‏ أما ما ذكرته من أن المرأة منهية عن حلق رأسها فى الإحرام وغيره بحديث ابن عباس، وقوله عليه السلام‏:‏ إن الحلق مثله، فإن حديث ابن عباس ليس معناه التحريم بدليل أن المرأة لو حلقت راسها فى الحج مكان التقصير اللازم لها لم تأت فى ذلك حراما، ودل قوله‏:‏ إن الحلق مثله، أن معنى النهى عن ذلك إنما هو خيفة أن تمثل المرأة بنفسها وتنقض جمالها فيكره ذلك بعلها، والمثلة ليست بحرام وإنما هى مكروهة، وقد قال مالك‏:‏ حلق الشارب مثله، وقد ثبت حلقه عن كثير من السلف، واحتجوا بأمره عليه السلام بإحفاء الشوارب، وأما قول مجاهد‏:‏ لعن رسول الله الحالقة فليس من هذا الباب فى شىء، وإنما لعن الحالقة لشعرها عند المصيبة اتباعًا لسنن الجاهلية، وبهذا جاء الحديث، ذكره البخاري فى كتاب الجنائز من حديث أبى موسى‏:‏ ‏(‏أن رسول الله برىء من الحالقة والصالقة والشاقة‏)‏ وترجم له باب ماينهى عنه من الحلق عند المصيبة، فبان بهذا معنى النهى عن الحلق أنه عند المصيبة كفعل الجاهلية، وأما إن احتاجت امرأة إلى حلق راسها فذلك غير حرام عليها كالرجل سواء‏.‏

باب‏:‏ الوصل فى الشعر

- فيه‏:‏ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ- وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ كَانَتْ بِيَدِ حَرَسِى-‏:‏ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ‏؟‏ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ، وَيَقُولُ‏:‏ إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِى صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏(‏لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ‏.‏

- وفيه‏:‏ عَائِشَةَ، أَنَّ جَارِيَةً مِنَ الأنْصَارِ تَزَوَّجَتْ، وَأَنَّهَا مَرِضَتْ، فَتَمَعَّطَ شَعَرُهَا، فَأَرَادُوا أَنْ يَصِلُوهَا، فَسَأَلُوا النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ‏:‏ ‏(‏لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ أَسْمَاءَ، أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ‏:‏ إِنِّى أَنْكَحْتُ ابْنَتِى، ثُمَّ أَصَابَهَا شَكْوَى، فَتَمَرَّقَ رَأْسُهَا، وَزَوْجُهَا يَسْتَحِثُّنِى بِهَا، أَفَأَصِلُ رَأْسَهَا‏؟‏ فَسَبَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ‏.‏

- وفيه‏:‏ ابْن عُمَر، أَنَّ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ‏.‏

قَالَ نَافِعٌ‏:‏ الْوَشْمُ فِى اللِّثَةِ‏.‏

قال الطبرى وغيره‏:‏ فى هذه الأحاديث من الفقه أنه لا يجوز لامرأة أن تصل شعرها بشىء يتجمل به ويظن من يراه أنه شعرها، كما لا يجوز أن تشم خلقها تتزين بذلك، وهو قول مالك وجماعة، وفاعله ذلك لم ترض بما أعطاها الله فغيرت خلقها‏.‏

قال الطبرى‏:‏ وقد اختلف العلماء فى معنى نهيه عليه السلام عن الوصل فى الشعر، فقال بعضهم‏:‏ لا بأس عليها فى وصلها شهرها ماوصلت به من صوف وخرق وشبه ذلك، روى ذلك عن ابن عباس وأم سلمه زوج النبى، وعلة هذه المقالة قول معاية حين أخرج القصة من الشعر وقال‏:‏ ‏(‏نهى رسول الله عن مثل هذه‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ وأما الخرق والصوف فليس ذلك مما دخل فى نهيه عليه السلام‏.‏

وقال آخرون‏:‏ كل ذلك داخل فى مهيه لعموم الخبر عنه أنه لعن الواصلة والمستوصلة، قالوا‏:‏ فبأى شىء وصلت شعرها فهى واصلة، روى ذلك عن أم عطية‏.‏

وقال آخرون‏:‏ لا بأس عليها فى وصلها شعرها بما وصلت به من شىء، شعرًا كان الذى وصلت به أو غيره‏.‏

روى ذلك عن عائشة وسالها ابن اشوع‏:‏ ‏(‏لعن رسول الله الواصلة‏؟‏ قالت‏:‏ أيا سبحان الله وماباس بالمرأة الزعراء أن تأخذ شيئًا من صوف فتصل به شعرها تتزين به عند زوجها إنما لعن رسول الله المرأة الشابة تبغى فى شبيبتها حتى إذا أسنت هى وصلتها بالقيادة‏)‏‏.‏

وسئل عطاء عن شعور الناس أينتفع بها قال‏:‏ لا بأس بذلك‏.‏

وقال آخرون‏:‏ لا يجوز الوصل بشىء شعر ولاغيره، ولاباس أن تضع الشعر وغيره على راسها وضعًا مالم تصله، روي ذلك عن إبراهيم، وعلة هذا القول ان الخبر إنما ورد عن النبى عليه السلام بالنهى عن الوصل، فأما مالم يكن وصلا فلا باس به‏.‏

قال الطبرى‏:‏ والصواب عندنا فى ذلك أن يقال‏:‏ غير جائز أن تصل بشعرها شيئًا من الشياء لتتجمل به، وشعرًا كان أو غيره لعموم النهى عن النبى عليه السلام أن تصل بشعرها شيئًا‏.‏

وأما خبر اشوع عن عائشة فهو باطل، لأن رواته لا يعرفون، وابن اشوع لم يدرك عائشة‏.‏

قال غيره‏:‏ وإنما قال معاوية‏:‏ ‏(‏يا أهل المدينة أين علماؤكم‏؟‏‏)‏ وإن كانت المدينة دار العلم ومعدن الشريعة وإليها يفزع الناس فى أمر دينهم ألا ترى أن معاوية قد بعث إلى عائشة يسألها عن مسائل نزلت به، فقال‏:‏ يا أهل المدينة أين علماؤكم الذين يلزمهم تغيير المنكر، والتشدد على استباح مانهى عنه النبى عليه السلام ولايجوز أن يقال‏:‏ إن المنكر كان بالمدينة ولم يغيره أهلها، لأنه لا يخلو زمان عن ارتكاب المعاصى، وقد كان فى وقت النبى عليه السلام من شرب الخمر وسرق وزنى إلا أنه كان شاذا نادرًا، ولايحل لمسلم أن يقول‏:‏ إن النبى عليه السلام لم يغير المنكر، فكذلك أمر القصة كان شاذًا بالمدينة ولا يجوز أن يقال‏:‏ أن أهل المدينة جهلوا نهى النبى عليه السلام عن القصة، لأن حديثه فى لعن الواصلة والمستوصلة حديث مدنى، رواه نافع عن ابن عمر، ورواه هشام بن عروه، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، عن النبى عليه السلام وهو معروف عندهم مستفيض‏.‏

ولعن رسول الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة لأنهما تعاونا على تغيير خلق الله، وفيه دليل أن من أعان على معصية، فهو شريك فى الأثم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏تمرق شعرها‏)‏ قال صاحب الأفعال‏:‏ مرق الشعر والصوف نتفه، وأمرق الشعر جاز أن ينتف، و ‏(‏القصة‏)‏ قال الأصمعى‏:‏ القصة ماأقبل على الجبهة من شعر الرأس‏.‏

باب‏:‏ التصاوير

- فيه‏:‏ أَبُو طَلْحَةَ، قال عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏لا تَدْخُلُ الْمَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلا تَصَاوِيرُ‏)‏‏.‏

وسيأتى الكلام فى هذا الحديث فى باب لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة، إن شاء الله‏.‏

باب‏:‏ عذاب المصورين يوم القيامة

- فيه‏:‏ مَسْرُوقٍ، أَنَّه رَأَى صُفَّتِهِ فيها تَمَاثِيلَ، فَقَالَ‏:‏ سَمِعْتُ عَبْدَاللَّهِ، يَقُولُ‏:‏ سَمِعْتُ النَّبِى صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ ‏(‏إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ ابْن عُمَر، قَالَ، عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ لَهُمْ‏:‏ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ‏)‏‏.‏

قال الطبرى‏:‏ إن قال قائل‏:‏ ماانت قائل فيمن صور صورة وهو لله موحد ولنبيه عليه السلام مصدق أهو اشد عذابًا أم فرعون وآله‏؟‏ فإن قلت‏:‏ من صور صورة، قيل‏:‏ قد قال الله خلاف ذلك‏:‏ ‏(‏أدخلوا آل فرعون أشد العذاب‏}‏‏.‏

قيل‏:‏ ليس فى خبر ابن مسعود خلاف للتنزيل بل هو له مصدق، وذلك أن المصور الذى أخبر النبى عليه السلام أنه له أشد العذاب هو الذى وصفه النبى عليه السلام- فى حديث عائشة بقوله‏:‏ ‏(‏الذين يضاهون خلق الله‏)‏‏.‏

قال المؤلف‏:‏ المتكلف من ذلك مضاهاة ماصوره ربه فى خلقه أعظم جرمًا من فرعون وآله، لأن فرعون كان كفره بقوله‏:‏ ‏(‏أنا ربكم الأعلى‏)‏ من غير إدعاء منه أنه يخلق ولا محالة منه أن ينشىء خلقا يكون كخلقه تعالى شبيهًا ونظيرًا، والمصور المضاهى بتصويره ذلك منطو على تمثيله نفسه بخالقه، فلا خلق أعظم كفرًا منه فهو بذلك اشادهم عذابا وأعظم عقابًا، وأما من صور صورة غير مضاه ماخلق ربه، وإن كان بفعله مخطئًا، فغير داخل فى معنى من شاهى ربه بتصويره‏.‏

فإن قيل‏:‏ ومالوجه الذى تجعله به مخطئًا إذا لم يكن فى تصويرة لربه مضاهيًا‏؟‏ قيل‏:‏ لاتهامه نفسه عند من عاين تصويره أنه ممن قصد بذلك المضاهاة لربه، إذ كان الفعل الذى هو دليل على المضاهاة منه ظاهرًا، والاعتقاد الذى هو خلاف اعتقاد المضاهى باطن لا يصل إلى علمه راءوه‏.‏

وقد روى الأعمش عن عمارة بن عمير قال‏:‏ كنت جالسًا عند رجل من اصحاب ابن مسعود فمثلت فى الأرض مثال عصفور فضرب يدى‏.‏

باب‏:‏ نقض الصور

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِى صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِى بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلا نَقَضَهُ‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّه دَخَل دَارًا بِالْمَدِينَةِ، فَرَأَى أَعْلاهَا مُصَوِّرًا يُصَوِّرُ، قَالَ‏:‏ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ ‏(‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِى، فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً‏)‏، ثُمَّ دَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ حَتَّى بَلَغَ إِبْطَهُ‏.‏

فَقُلْتُ‏:‏ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَشَىْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قَالَ‏:‏ مُنْتَهَى الْحِلْيَةِ‏.‏

قال المؤلف‏:‏ فى حديث عائشة حجة لمن كره الصور فى كل شىء مما يمتهن ويوطأ وغيره، لعموم قول عائشة ‏(‏أن النبى- عليه- لم يكن يترك فى بيته شيئًا فيه تماثيل إلا نقضه‏)‏ فدخل فى ذلك جميع وجوه استعمال الصور فى البسط واللباس وغيره، وفى حديث أبى هريرة دليل على أن نهيه عليه السلام عن الصور مجمل، معناه عندهم على العموم أيضًا فى الحيطان والثياب وغيرها‏.‏

وقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏من أظلم ممن ذهب يخلق كخلقى‏)‏ هو فى معنى حديثه عليه السلام‏:‏ ‏(‏أنه لعن المصور‏)‏ لأنه وصف المصور بأشد الظلم وقد قال تعال‏:‏ ‏(‏ألا لعنة الله على الظالمين ‏(‏فعمت اللعنة كل من وقع عليه اسم ظالم من مصور وغيره‏.‏

ووضوء أبى هريرة إلى ابطه ليس عليه العمل وأجمعت الأمة أنه لا يتجاوز بالوضوء ماحده الله من المرفقين، وقد تقدم فى كتاب الوضوء‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏منتهى الحلية‏)‏ فهو مثل ما روى عنه فى كتاب الوضوء أنه قال‏:‏ سمعت رسول الله يقول‏:‏ ‏(‏إن أمتى يدعون غرا محجلين من أثر الوضوء فمن استطاع أن يطيل غرته فيفعل‏)‏‏.‏

وكنى بالحلية عن الغرر والتحجيل‏.‏

باب‏:‏ ما نهى عنه من التصاوير

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ، قَدِمَ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم مِنْ سَفَرٍ، وَقَدْ سَتَرْتُ بِقِرَامٍ لِى عَلَى سَهْوَةٍ لِى فِيهَا تَمَاثِيلُ، فَلَمَّا رَآهُ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم هَتَكَهُ، وَقَالَ‏:‏ ‏(‏أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ‏)‏، قَالَتْ‏:‏ فَجَعَلْنَاهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ‏.‏

- فيه‏:‏ وَقَالَتْ مرة‏:‏ قَدِمَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم مِنْ سَفَرٍ، وَعَلَّقْتُ دُرْنُوكًا فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَأَمَرَنِى أَنْ أَنْزِعَهُ فَنَزَعْتُهُ، وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِى صلى الله عليه وسلم مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ‏.‏

فى هذا الحديث حجة لمن أجاز من استعمال الصور مايمتهن ويبسط، إلا ترى أن عائشة فهمت من إنكار النبى عليه السلام للصور فى الستر أن ذلك لما كان منصوبًا ومعلقًا دون ماكن منها مبسوطًا يمتهن بالجلوس على والارتفاق، فلذلك جعلته وسادة، وسأذكر ماذاهب العلماء فى الباب بعد هذا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون خلق الله‏)‏ يفسر حديث ابن مسعود المتقدم فى باب عذاب المصورين يوم القيامة، ويدل أن الوعيد الشديد إنما جاء لمن صور صورة مضاهاة لخلف الله، وقد تقدم ذلك‏.‏

باب‏:‏ من كره القعود على الصور

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ، أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَقَامَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم بِالْبَابِ، فَلَمْ يَدْخُلْ، فَقُلْتُ‏:‏ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِمَّا أَذْنَبْتُ، قَالَ‏:‏ مَا هَذِهِ النُّمْرُقَةُ‏؟‏ قُلْتُ‏:‏ لِتَجْلِسَ عَلَيْهَا، وَتَوَسَّدَهَا، قَالَ‏:‏ ‏(‏إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ لَهُمْ‏:‏ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ الصُّورَةُ‏)‏‏.‏

نمارق‏:‏ وسائد مصفوفة بعضها إلى بعض‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو طَلْحَةَ إِنَّ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏(‏إِنَّ الْمَلائِكَةَ لا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُّورَةُ‏)‏‏.‏

قَالَ بُسْرٌ‏:‏ ثُمَّ اشْتَكَى زَيْدٌ فَعُدْنَاه، فَإِذَا عَلَى بَابِهِ سِتْرٌ فِيهِ صُورَةٌ، فَقُلْتُ لِعُبَيْدِاللَّهِ- رَبِيبِ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِى صلى الله عليه وسلم-‏:‏ أَلَمْ يُخْبِرْنَا زَيْدٌ عَنِ الصُّوَرِ يَوْمَ الأوَّلِ‏؟‏ قَالَ عُبَيْدُاللَّهِ‏:‏ أَلَمْ تَسْمَعْهُ حِينَ قَال‏:‏ إِلا رَقْمًا فِى ثَوْبٍ‏؟‏ اختلف العلماء فى الصور‏:‏ فكره ابن شهاب مانصب منها ومابسط كان رقمًا أو لم يكن، على حديث نافع عن القاسم عن عائشة‏.‏

وقالت طائفة‏:‏ إنما يكره من التصاوير ماكان فى حيطان البيوت، وأما ماكان رقمًا فى ثوب فهو جائز على حديث زيد بن خالد عن أبى طلحة، وسواء كان الثوب منصوبًا أو مبسوطًا وبه قال القاسم وخالف حديثه عن عائشة‏.‏

وقد روى ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عبد الرحمن ابن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أدخلت أسماء بنت عميس على القاسم بحجلة فيها تصاوير، قال القاسم‏:‏ فتلك الحجلة عندنا بعد‏)‏‏.‏

وقال آخرون‏:‏ لا يجوز لباس ثوب فيه صور ولابصبه، وإنما يجوز من ذلك مابوطأ ويمتهن‏.‏

واحتجوا بحديث سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت‏:‏ ‏(‏سترت سهوة لى بستر فيه تصاوير، فلما رآه النبى عليه السلام هتكه، فجعلته وسادة أو وسادتين‏)‏ ورواه وكيع عن اسامة بن زيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، وزاد فيه‏:‏ ‏(‏فرأيت النبى عليه السلام متكئًا على إحداهما‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ فكره رسول الله ماكان سترًا ولم يكره ما يت‏:‏ ا عليه ويوطأ، وبهذا قال سعد بن أبى وقاص وسالم وعروة وابن سيرين وعطاء وعكرمة، قال عكرمة‏:‏ فيما يوطأ من الصور هو أذل لها، وهذا أوسط المذاهب فى هذا الباب، وهو قول مالك والثوري وابي حنيفة والشافعي‏.‏

قال الطحاوي‏:‏ يحتمل قوله‏:‏ ‏(‏إلا رقمًا فى ثوب‏)‏ أنه اراد رقمًا يوطأ ويمتهن كالبسط والوسائد‏.‏

وقال الداودى‏:‏ حديث سفيان وأسامة بن زيد، عن عبد الرحمن ابن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ناسخ لحديث نافع، عن القاسم، عن عائشة، وإنما نهى النبى عليه السلام أولا عن الصور كلها وإن كانت رقمًا، لأنهم كانوا حديث عهد بعبادة الصور، فنهى عن ذلك جملة، ثم لما تقرر نهيه عن ذلك أباح ماكان رقمًا فى ثوب للضرورة إلى اتخاذ الثياب، وأباح مايمتهن لأنه يؤمن على الجاهل تعظيم مايمتهن، وبقى النهى فيما ترفه ولايمتهن، وفيما لا حاجة بالناس إلى اتخاذه، ومايبقى مخلدًا فى مثل الحجر وشبهه من الصور التى لها أجرام وظل، لأن فى صنيعها التشبه بخلق الله- تعالى‏.‏

وكره بعضهم ماله روح، وإن لم يكن له ظل على ظاهر حديث عائشة‏:‏ ‏(‏إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون يقال لهم‏:‏ أحيوا ماخلقتم‏)‏ وكره مجاهد صور الشجر المثمر، ولا أعلم أحد كرهها غيره‏.‏

باب‏:‏ كراهة الصلاة فى التصاوير

- فيه‏:‏ أَنَس، كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أَمِيطِى عَنِّى، فَإِنَّهُ لا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِى فِى صَلاتِى‏)‏‏.‏

فيه من الفقه‏:‏ أنه ينبغى التزام الخشوع وتفريغ البال لله - تعالى، وترك التعرض لكل ما يشغل المصلى عن الخشوع، إلا ترى أن رسول الله نبه على هذا المعنى بقوله‏:‏ ‏(‏فإنه لا تزال تصاوير تعرض لى فى صلاتى‏)‏ وهذا مثل ماعرض له على السلام فى الخميصة التى أهداها له أبو جهم فقال‏:‏ ‏(‏اذهبوا بها أبى جهم، فإنى نظرت إلى علمها فى الصلاة فكاد يفتنى‏)‏‏.‏

وفيه من الفقه‏:‏ أن مايعرض للمرء فى صلاته من الفكرة فى أمور الدنيا ومايخطر بباله من ذلك، وماينظر إليه بعينه أنه لا يقطع صلاته، كما لم يقطع صلاة النبى اعتراض التصاوير له فيها، إذ لم يسلم أحد من ذلك‏.‏

باب‏:‏ لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة

- فيه‏:‏ ابْن عُمَر‏:‏ وَعَدَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم جِبْرِيلُ، فَرَاثَ عَلَيْهِ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَى النَّبِى صلى الله عليه وسلم، فَخَرَجَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم، فَلَقِيَهُ، فَشَكَا إِلَيْهِ مَا وَجَدَ، فَقَالَ لَهُ‏:‏ ‏(‏إِنَّا لا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلا صُورَةٌ‏)‏‏.‏

قال ابن وضاح‏:‏ الملائكة فى هذا الحديث ملائكة الوحى مثل حبريل وإسرافيل، فأما الحفظة فيدخلون كل بيت ولا يفارقان الإنسان على كل حال، وقاله الداوجى أيضًا‏.‏

قال الطبرى‏:‏ إن قال قائل‏:‏ أفحرام دخول البيت الذى فيه التماثيل والصور‏؟‏‏.‏

قيل‏:‏ لا، ولكنه مكروه أعنى ماكان من ذلك من ذوات الرواح، وأما ما كان من ذلك علمًا فى ثوب أو رقمًا فيه، وكان مما يوطأ ويجلس عليه فلا باس به وما كان مما ينصب، فإن كان من صورة ما لا روح فيه فلا بأس به كصور الشجار والزرع والنبات، وإن كان من صور ما فيه الروح فلا استحبه لما حدثنا محمد ابن عبد الملك بى أبى الشوارب، حدثنا يزيد، حدثنا داود بن أبى هند، حدثنا عزرة، عن حميد بن عبد الرحمن، عن سعد بن هشام، عن عائشة قالت‏:‏ كان لنا ستر تمثال طير مستقبل باب البيت فقال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏حوليه فإنى كلما دخلت فرأيته ذكرت النديا‏.‏

قالت‏:‏ وكان لنا قطيفة لها علم حرير فكنا نلبسها‏)‏ فلم يقطعه، ولم يأمر عائشة بفساد تمثال الطير الذى كان فى الستر، ولكنه أمر بتنحيته عن موضعه الذى كان معلقًا فيه من أجل كراهيته لرؤيته إياه، لما يذكر من الدنيا وزينتها، وفى قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏فإنى كلما رأيته ذكرت الدنيا‏)‏ دليل بين على أنه كان يدخل البيت الذى ذلك فيه فيراه، ولاينهى عائشة عن تعليقه، وذلك يبين صحة ما قلناه من أن ذلك إذا كان رقمًا فى ثوب وعلمًا فيه فإنه مخالف معنى معنى ما كان مثالا ممثلاً قائمًا بنفسه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏فراث عليه‏)‏ يعنى ابطأ، ومنه قولهم‏:‏ ربّ عجله تهب ريثًا‏.‏

باب‏:‏ من لعن المصور

- فيه‏:‏ أَبُو جُحَيْفَةَ، إِنَّ النَّبِى صلى الله عليه وسلم لَعَنَ الْمُصَوِّرَ‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

- وفيه‏:‏ ابْن عَبَّاس، قَالَ‏:‏ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ ‏(‏مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِى الدُّنْيَا كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ‏)‏‏.‏

قال المهلب‏:‏ إن قال قائل‏:‏ كيف أدخل البخارى حديث ابن عباس فى باب من لعن المصور، وليس ذلك فى الحديث‏؟‏ قيل‏:‏ وجه ذلك- والله أعلم- أن اللعن فى لغة العرب الإبعاد من رحمة الله بالعذاب، ومن كلفه الله ينفخ الروح فيما صور وهو لا يقدر على ذلك ابدًا فقد ابعده الله من رحمته، فأين أكثر من هذا اللعن‏؟‏ قال الطبرى‏:‏ وفى قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح‏)‏ دليل بين أن الوعيد إنما جاء فى تصوير ماله روح من الحيوان، وأما تصوير الشجر والجمادات فليس بداخل فى معنى الحديث‏.‏

وروى سفيان عن عوف عن سعيد بن أبى الحسن قال‏:‏ ‏(‏كنت عن ابن عباس فأتاه رجل فقال‏:‏ إن معيشتى من هذه التاصوير، فقال ابن عباس‏:‏ قال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ من صور صورة كلف أن ينفخ فيها وليس بنافخ‏.‏

فاصفر الرجل، فلما راى صفرته قال‏:‏ إن كنت لابد صانعًا فعليك بهذا الشجر وكل شىء ليس فيه روح‏)‏‏.‏

باب الارتداف على الدابة

- فيه‏:‏ أَنَّ الرسُول صلى الله عليه وسلم أَرْدَفَ أُسَامَةَ عَلَى حِمَارٍ‏.‏

وقد تقدم في الحج‏.‏

باب‏:‏ الثلاثة على الدابة

- فيه‏:‏ ابْن عَبَّاس، لَمَّا قَدِمَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ، اسْتَقْبَلَهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِى عَبْدِالْمُطَّلِبِ، فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَالآخَرَ خَلْفَهُ‏.‏

قال الطبرى‏:‏ فإن قال قائل‏:‏ هذا حديث صحيح، فما أنت قائل فيما حدثك إسحاق بن زيد الخطابى قال‏:‏ حدثنا محمد بن سليمان، عن أبيه قال‏:‏ حدثنا عطاء، عن أبى سعيد الخدرى قال‏:‏ قال رسول الله‏:‏ ‏(‏لا يركب الدابة فوق أثنين‏)‏‏؟‏‏.‏

قيل‏:‏ قد اختلف السلف فى ذلك فقال بعضهم بخبر ابن عباس، وقالوا‏:‏ جائز أن يركب الدابه ثلاثة إذا أطاقت حملهم، روى ذلك عن ابن عمر قال‏:‏ ماأبالى أن أكون عاشر عشرة على دابه إذا أطاقت حمل ذلك‏.‏

رواه شعبة عن عاصم، عن الشعبى عنه‏.‏

وكره آخرون ركوب دابه أكثر من اثنين، واحتجوا بحديث أبى سعيد، روى ذلك عن على بن أبى طالب قال‏:‏ إذا رأيتم ثلاثة نفر على دابه فأرجموهم حتى ينزل أحدهم‏.‏

قال الطبرى‏:‏ وكلا الخبرين صحيحان فأما معنى حملة أثنين على دابه هو راكبها حتى صاروا ثلاثة عليها، فلأنها كانت مطيقة حملهم، غير فادح ركوبهم عليها ولا مضر بها‏.‏

وقد قال ابن أبى ملكية عن ابن عباس أن مركب النبى عليه السلام الذى حمل الاثنين عليه معه كان ناقة‏.‏

ولاشك أن ركوب ثلاثة أنفس على ناقة غير فادحها، ولا مضر بها، وإن كان ذلك فرسًا أو بغلا فلا شك أنه غير فادحة حمل رجل وصبيين يسير مسافة من الأرض لا يتعذر على الصبيان قطعها مشيًا، وروى ابن مهيد، عن حماد بن سلمه، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود قال‏:‏ كان يوم بدر ثلاثة على بعير‏.‏

وأما معنى عليه السلام عن ركوب أكثر من اثنين على الدابة فإنما هو نهى عن ركوب مالم يطق من الدواب حمل أكثر من راكبين، وذلك معنى قول على‏:‏ إذا رايتهم ثلاثة على دابة فأرجموهم حتى ينزل أحدهم‏.‏

ونظير ما روى عن النبى عليه السلام وعن على بن أبى طالب فى ذلك روى عن عمر بن الخطاب أيضًا‏.‏

حدثنا مطر بن محمد، حدثنا أبو دادود، حدثنا ابن خالد، حدثنا المسيب ابن دارم قال‏:‏ رايت عمر بن الخطاب ضرب جمالا وقال‏:‏ تحمل على بعيرك ما لا يطيق‏؟‏

باب‏:‏ حمل صاحب الدابة غيره بين يديه

وَقَالَ بَعْضُهُمْ‏:‏ صَاحِبُ الدَّابَّةِ أَحَقُّ بِصَدْرِ الدَّابَّةِ إِلا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ‏.‏

- فيه‏:‏ أَبُو كُريب ذُكِرَ شَرُّ الثَّلاثَةِ عِنْدَ عِكْرِمَةَ، فَقال‏:‏ قال ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ حَمَلَ قُثَمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالْفَضْلَ خَلْفَهُ- أَوْ قُثَمَ خَلْفَهُ وَالْفَضْلَ بَيْنَ يَدَيْهِ- فَأَيُّهُمْ شَرٌّ أَوْ أَيُّهُمْ خَيْرٌ‏.‏

قال البخارى‏:‏ وقال بعضهم‏:‏ صاحب الدابة أحق بصدر دابته إلا أن ياذن له، قد روى عن النبى عليه السلام ذكره أبو عيسى الترمذى فى مصنفه قال‏:‏ حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث، حدثنا على بن الحسين بن واقد قال‏:‏ حدثنى أبى قال‏:‏ حدثنا عبد الله ابن بريدة قال‏:‏ سمعت أبى بريدة يقول‏:‏ ‏(‏بينما رسول الله يمشى إذ جاءه رجل ومعه حمار فقال‏:‏ يا رسول الله، اركب وتأخر الرجل، فقال رسول الله‏:‏ لأنت أحق بصدر دابتك إلا أن تجعله لى‏.‏

قال‏:‏ جعلته لك‏.‏

قال‏:‏ فركب‏)‏ قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديث حسن غريب‏.‏

وحديث ابن عباس يدل على معنى هذا الحديث، لأن النبى عليه السلام كان أحق بصدر دابته، فلما حمل قثم أو الفضل بين يديه كان مقام الإذن فى ذلك، وأظن البخارى لم يرض بلإسناده حديث ابن بريدة فأدخل حديث ابن عباس ليدل على معناه‏.‏

باب

- فيه‏:‏ مُعَاذ، قَالَ‏:‏ بَيْنَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم لَيْسَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ إِلا أَخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ‏:‏ يَا مُعَاذُ، قُلْتُ‏:‏ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثلاثًا‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

فيه‏:‏ إرداف الإمام والشريف لمن دونه وركوبه معه، وذلك من التواضع أيضًا وترك الكبر، وكان ينبغى أن يدخل البخارى هذا الحديث مع حديث اسامة بن زيد فى كتاب الارتداف على الدابة قبل هذا‏.‏

وقد تقدم معنى قوله‏:‏ ‏(‏هل تدرى ماحق الله على عباده‏)‏ فى كتاب السلام والاستئذان فى باب من أجاب بلبيك وسعديك‏.‏

باب‏:‏ إرداف المرأة خلف الرجل

- فيه‏:‏ أَنَس، أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم مِنْ خَيْبَرَ، وَإِنِّى لَرَدِيفُ أَبِى طَلْحَةَ وَهُوَ يَسِيرُ، وَبَعْضُ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَدِيفُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ عَثَرَتِ النَّاقَةُ، فَقُلْتُ الْمَرْأَةَ، فَنَزَلْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إِنَّهَا أُمُّكُمْ‏)‏، فَشَدَدْتُ الرَّحْلَ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

فيه‏:‏ جواز إرداف المرأة خلف الرجل كما ترجم، وفيه أنه لا بأس أن يتدارك الرجل امرأة غيره إذا سقطت أو همت بالسقوط ويعينها على التخلص مما يخشى حدوثه عليها، وإن كانت ممن لا يجوز له رؤيتها، لأن المؤمنين إخوة وقد أمرهم الله بالتعاون‏.‏

وذكر هاهنا باب الاستلقاء ووضع الرجل على الأخرى، وقد تقدم فى كتاب الاستئذان والسلام، وفى كتاب الصلاة فأغنى عن إعادته‏.‏