فصل: باب تَسْمِيَةُ مَنْ سُمِّيَ مِنْ أَهْلِ بَدْر

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري **


*3*باب تَسْمِيَةُ مَنْ سُمِّيَ مِنْ أَهْلِ بَدْر

ٍ فِي الْجَامِعِ الَّذِي وَضَعَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ النَّبِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَاسُ بْنُ الْبُكَيْرِ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الْقُرَشِيِّ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيُّ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ حَلِيفٌ لِقُرَيْشٍ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ الْقُرَشِيُّ حَارِثَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيُّ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُوَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ كَانَ فِي النَّظَّارَةِ خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ خُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ رِفاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ أَبُو لُبَابَةَ الْأَنْصَارِيُّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ الْقُرَشِيُّ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ الزُّهْرِيُّ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ الْقُرَشِيُّ سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ الْقُرَشِيُّ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيُّ ظُهَيْرُ بْنُ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ الْقُرَشِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ عُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ الْقُرَشِيُّ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ الْأَنْصَارِيُّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيُّ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ الْقُرَشِيُّ خَلَّفَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ابْنَتِهِ وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيُّ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَنَزِيُّ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيُّ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيُّ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ مُعَوِّذُ بْنُ عَفْرَاءَ وَأَخُوهُ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ أَبُو أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيُّ مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ مِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب تسمية من سمي من أهل بدر في الجامع‏)‏ أي دون من لم يسم فيه، ودون من لم يذكر فيه أصلا‏.‏

والمراد بالجامع هذا الكتاب، والمراد بمن سمي من جاء فيه برواية عنه أو عن غيره بأنه شهدها لا بمجرد ذكره دون التنصيص على أنه شهدها، وبهذا يجاب عن ترك إيراده مثل أبي عبيدة بن الجراح فإنه شهدها باتفاق، وذكر في الكتاب في عدة مواضع، إلا أنه لم يقع فيه التنصيص على أنه شهد بدرا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏النبي محمد بن عبد الله الهاشمي صلى الله عليه وسلم‏)‏ قلت بدأ به تبركا وتيمنا بذكره، وإلا فذلك من المقطوع به‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أبو بكر‏)‏ تقدم ذكره في مواضع منها في ‏"‏ باب إذ تستغيثون ربكم‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عمر‏)‏ ذكره في حديث أبي طلحة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عثمان‏)‏ قلت لم يتقدم له ذكر في هذه القصة، إلا أنه تقدم في المناقب من قول ابن عمر أنه ضرب له بسهمه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏علي بن أبي طالب‏)‏ تقدم في حديث المبارزة وفي غيره‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إياس بن البكير‏)‏ تقدم قبل ‏"‏ باب شهود الملائكة بدرا ‏"‏ وقد سرد المصنف من هذه الأسماء على حروف المعجم، وذكر بعض ذوي الكنى معتمدا على الاسم دون أداة الكنية فلهذا قال أبو حذيفة في حرف الحاء، وقدم النبي صلى الله عليه وسلم والأربعة قبل الباقين لشرفهم، وفي بعض النسخ قدم النبي صلى الله عليه وسلم فقط وذكر الأربعة في حرف العين والخطب فيه سهل‏.‏

ثم إن إياس بن البكير المذكور بكسر الهمزة بعدها تحتانية وآخره مهملة، ووهم من ضبطه بفتح الهمزة، وأما أبوه فتقدم ضبطه، وقد شهد مع إياس بدرا إخوته عاقل وعامر وغيرهما، ولكن لما لم يقع ذكرهم في الجامع لم يذكرهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بلال‏)‏ تقدم في حديث عبد الرحمن بن عوف في قتل أمية بن خلف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حمزة‏)‏ تقدم في أول القصة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حاطب‏)‏ تقدم في فضل من شهد بدرا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أبو حذيفة‏)‏ تقدم في الحديث الخامس من الباب الأخير‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حارثة بن الربيع‏)‏ يعني بالتشديد هو ابن سراقة، تقدم في أول ‏"‏ باب فضل من شهد ا ‏"‏ وقوله ‏"‏ كان في النظارة ‏"‏ أشار إلى ما وقع في رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أنه خرج نظارا أخرجه أحمد والنسائي وزاد ‏"‏ ما خرج لقتال‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خبيب بن عدي‏)‏ تقدم في حديث أبي هريرة، وسيأتي ما قيل فيه في الكلام على غزوة الرجيع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خنيس بن حذافة‏)‏ تقدم في العاشر في الباب الأخير‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏رفاعة بن رافع‏)‏ تقدم في ‏"‏ باب فضل من شهد بدرا‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏رفاعة بن عبد المنذر أبو لبابة‏)‏ تقدم في التاسع عشر من الباب الأخير، وجزمه بأن اسمه رفاعة خالف فيه الأكثر فإنهم قالوا إن اسمه بشير وإن رفاعة أخوه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الزبير بن العوام‏)‏ تقدم في عدة أحاديث‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏زيد بن سهل أبو طلحة‏)‏ تقدم في ‏"‏ باب الدعاء على المشركين‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أبو زيد الأنصاري‏)‏ تقدم من حديث أنس‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏سعد بن مالك‏)‏ هو ابن أبي وقاص، ولم يتقدم له ذكر في هذه القصة، ولكن هو منهم بالاتفاق، ويحتمل أن يكون أخذه من أثر سعيد بن المسيب على بعد في ذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏سعد بن خولة‏)‏ تقدم في قصة سبيعة الأسلمية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏سعيد بن زيد‏)‏ تقدم في أثر نافع عن ابن عمر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏سهل بن حنيف‏)‏ تقدم في حديث علي أنه كبر عليه خمسا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ظهير بن رافع‏)‏ تقدم في حديث رافع بن خديج وأنه عمه وأن اسم أخيه مظهر، ولم يسم البخاري أخاه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عبد الله بن مسعود‏)‏ تقدم في أوائله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عتبة بن مسعود‏)‏ يعني أخاه‏.‏

قلت‏:‏ ولم يتقدم له ذكر بل ولا ذكره أحد ممن صنف في المغازي في البدريين، وقد سقط ذكره من رواية النسفي ولم يذكره الإسماعيلي ولا أبو نعيم في مستخرجيهما وهو المعتمد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عبد الرحمن بن عوف‏)‏ تقدم في قتل أبي جهل وغيره‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عبيدة بن الحارث‏)‏ تقدم في حديث علي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عبادة بن الصامت‏)‏ تقدم بعد ‏"‏ باب شهود الملائكة بدرا‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عمرو بن عوف‏)‏ تقدم فيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عقبة بن عمرو‏)‏ أبو مسعود البدري تقدم مترجما بثلاثة أحاديث‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عامر بن ربيعة العنزي‏)‏ بالنون والزاي، وقع في رواية الكشميهني ‏"‏ العدوي ‏"‏ وكلاهما صواب، فإنه عنزي الأصل عدوي الحلف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عاصم بن ثابت‏)‏ تقدم في حديث أبي هريرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عويم بن ساعدة‏)‏ تقدم في حديث السقيفة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عتبان بن مالك‏)‏ تقدم في ‏"‏ باب شهود الملائكة بدرا‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قدامة بن مظعون‏)‏ تقدم فيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قتادة بن النعمان‏)‏ تقدم في أول الباب في حديث أبي سعيد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏معاذ بن عمرو بن الجموح‏)‏ بفتح الجيم وتخفيف الميم المضمومة وآخره مهملة، تقدم في قتل أبي جهل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏معوذ ابن عفراء‏)‏ هي أمه، واسم أبيه الحارث، ومعوذ بتشديد الواو وبفتحها على الأشهر، وجزم الوقشي بأنه بالكسر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأخوه‏)‏ عوف بن الحارث، تقدم ذكرهما‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏مالك بن ربيعة أبو أسيد‏)‏ تقدم في أول ‏"‏ باب من شهد بدرا ‏"‏ ونبه عياض على أن من لا معرفة له قد يتوهم أن مالكا أخو معاذ لأن سياق البخاري هكذا ‏"‏ معاذ ابن عفراء أخوه مالك بن ربيعة ‏"‏ وليس ذلك مراده بل قوله أخوه أي عوف ولم يسمه، ثم استأنف فقال ‏"‏ مالك بن ربيعة ‏"‏ ولو كتبه بواو العطف لارتفع اللبس، وكذا وقع عند بعض الرواة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏مرارة بن الربيع‏)‏ تقدم في حديث كعب بن مالك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏معن بن عدي‏)‏ تقدم مع عويم بن ساعدة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏مسطح بن أثاثة‏)‏ تقدم في أواخر الباب الأخير، ووقع هنا لأبي زيد في نسبته ‏"‏ عباد بن عبد المطلب ‏"‏ والصواب حذف ‏"‏ عبد‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏المقداد بن عمرو‏)‏ تقدم، ووقع في رواية الكشميهني ‏"‏ المقدام ‏"‏ بميم في آخره وهو غلط‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هلال بن أمية‏)‏ تقدم مع مرارة‏.‏

قلت فجملة من ذكر من أهل بدر هنا أربعة وأربعون رجلا، وقد سبق البخاري إلى ترتيب أهل بدر على حروف المعجمة وهو أضبط لاستيعاب أسمائهم، ولكنه اقتصر على ما وقع عنده منهم، واستوعبهم الحافظ ضياء الدين المقدسي في ‏"‏ كتاب الأحكام ‏"‏ وبين اختلاف أهل السير في بعضهم وهو اختلاف غير فاحش، وأورد ابن سيد الناس أسماءهم في ‏"‏ عيون الأثر ‏"‏ لكن على القبائل كما صنع ابن إسحاق وغيره، واستوعب ما وقع له من ذلك فزادوا - على ثلاثمائة وثلاثة عشر - خمسين رجلا، قال‏:‏ وسبب الزيادة الاختلاف في بعض الأسماء قلت‏:‏ ولولا خشية التطويل لسردت أسماءهم مفصلا مبينا للراجح، لكن في هذه الإشارة كفاية، والله المستعان‏.‏

*3*باب حَدِيثِ بَنِي النَّضِيرِ

وَمَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فِي دِيَةِ الرَّجُلَيْنِ وَمَا أَرَادُوا مِنْ الْغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ كَانَتْ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ قَبْلَ أُحُدٍ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَجَعَلَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ بِئْرِ مَعُونَةَ وَأُحُدٍ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث بني النضير‏)‏ بفتح النون وكسر الضاد المعجمة، هم قبيلة كبيرة من اليهود، وقد مضت الإشارة إلى التعريف بهم في أوائل الكلام على أحاديث الهجرة‏.‏

وكان الكفار بعد الهجرة مع النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أقسام‏:‏ قسم وادعهم على أن لا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدوه، وهم طوائف اليهود الثلاثة قريظة والنضير وقينقاع‏.‏

وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة كقريش‏.‏

وقسم تاركوه وانتظروا ما يئول إليه أمره كطوائف من العرب، فمنهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة، وبالعكس كبني بكر، ومنهم من كان معه ظاهرا ومع عدوه باطنا وهم المنافقون، فكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع فحاربهم في شوال بعد وقعه بدر فنزلوا على حكمه، وأراد قتلهم فاستوهبهم منه عبد الله بن أبي وكانوا حلفاءه فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات‏.‏

ثم نقض العهد بنو النضير كما سيأتي، وكان رئيسهم حيي بن أخطب‏.‏

ثم نقضت قريظة كما سيأتي شرح حالهم بعد غزوة الخندق إن شاء الله تعالى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ومخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم في دية الرجلين، وما أرادوا من الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ سيأتي شرح ذلك في نقل كلام ابن إسحاق في هذا الباب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال الزهري عن عروة بن الزبير‏:‏ كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل وقعة أحد‏)‏ وصله عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري أتم من هذا ولفظه عن الزهري وهو في حديثه عن عروة ‏"‏ ثم كانت غزوة بني النضير، وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكانت منازلهم ونخلهم بناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة والأموال لا الحلقة يعني السلاح فأنزل الله فيهم ‏(‏سبح لله - إلى قوله - لأول الحشر‏)‏ وقاتلهم حتى صالحهم على الجلاء فأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسباء‏.‏

وقوله ‏(‏لأول الحشر‏)‏ فكان جلاؤهم أول حشر حشرا في الدنيا إلى الشام وحكى ابن التين عن الداودي أنه رجح ما قال ابن إسحاق من أن غزوة بني النضير كانت بعد بئر معونة، مستدلا بقوله تعالى ‏(‏وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم‏)‏ قال‏:‏ وذلك في قصة الأحزاب‏.‏

قلت‏:‏ وهو استدلال واه، فإن الآية نزلت في شأن بني قريظة، فإنهم هم الذين ظاهروا الأحزاب، وأما بنو النضير فلم يكن لهم في الأحزاب ذكر، بل كان من أعظم الأسباب في جمع الأحزاب ما وقع من جلائهم، فإنه كان من رءوسهم حيي بن أخطب وهو الذي حسن لبني قريظة الغدر وموافقة الأحزاب كما سيأتي، حتى كان من هلاكهم ما كان، فكيف يصير السابق لاحقا‏؟‏ ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقول الله عز وجل‏:‏ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب - إلى قوله - أن يخرجوا‏)‏ وقد وضح المراد من ذلك في أثر عبد الرزاق المذكور، وقد أورد ابن إسحاق تفسيرها لما ذكر هذه الغزوة‏.‏

واتفق أهل العلم على أنها نزلت في هذه القصة، قاله السهيلي، قال‏:‏ ولم يختلفوا في أن أموال بني النضير كانت خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم وأن المسلمين لم يوجفوا بخيل ولا ركاب وأنه لم يقع بينهم قتال أصلا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وجعله ابن إسحاق بعد بئر معونة وأحد‏)‏ كذا هو في المغازي لابن إسحاق مجزوما به، ووقع في رواية القابسي ‏"‏ وجعله إسحاق ‏"‏ قال عياض‏:‏ وهو وهم والصواب ‏"‏ ابن إسحاق ‏"‏ وهو كما قال‏.‏

ووقع في شرح الكرماني ‏"‏ محمد بن إسحاق بن نصر ‏"‏ وهو غلط، وإنما اسم جده يسار، وقد ذكر ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيره من أهل العلم أن عامر بن الطفيل أعتق عمرو بن أمية لما قتل أهل بئر معونة عن رقبة كانت على أمه، فخرج عمرو إلى المدينة فصادف رجلين من بني عامر معهما عقد وعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشعر به عمرو، فقال لهما عمرو ممن أنتما‏؟‏ فذكرا أنهما من بني عامر فتركهما حتى ناما فقتلهما عمرو وظن أنه ظفر ببعض ثأر أصحابه، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال‏:‏ لقد قتلت قتيلين لأودينهما‏.‏

انتهى‏.‏

وسيأتي خبر غزوة بئر معونة بعد غزوة أحد، وفيها عن عروة ‏"‏ أن عمرو بن أمية الضمري كان مع المسلمين، فأسره المشركون ‏"‏ قال ابن إسحاق ‏"‏ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعينهم في ديتهما فيما حدثني يزيد بن رومان، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف، فلما أتاهم يستعينهم قالوا‏:‏ نعم‏.‏

ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا‏:‏ إنكم لن تجدوه على مثل هذه الحال‏.‏

قال‏:‏ وكان جالسا إلى جانب جدار لهم، فقالوا من رجل يعلو على هذا البيت فيلقي هذه الصخرة عليه فيقتله ويريحنا منه‏؟‏ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فأتاه الخبر من السماء فقام مظهرا أنه يقضي حاجة وقال لأصحابه‏:‏ لا تبرحوا، ورجع مسرعا إلى المدينة، واستبطأه أصحابه فأخبروا أنه توجه إلى المدينة، فلحقوا به، فأمر بحربهم والمسير إليهم، فتحصنوا، فأمر بقطع النخل والتحريق ‏"‏ وذكر ابن إسحاق أنه حاصرهم ست ليال، وكان ناس من المنافقين بعثوا إليهم أن اثبتوا وتمنعوا، فإن قوتلتم قاتلنا معكم، فتربصوا، فقذف الله في قلوبهم الرعب فلم ينصروهم، فسألوا أن يخلوا عن أرضهم على أن لهم ما حملت الإبل فصولحوا على ذلك‏.‏

وروى البيهقي في ‏"‏ الدلائل ‏"‏ من حديث محمد بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى بني النضير وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثة أيام، قال ابن إسحاق‏:‏ فاحتملوا إلى خبير وإلى الشام، قال فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنهم جلوا الأموال من الخيل والمزارع فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ ولم يسلم منهم إلا يامين بن عمير وأبو سعيد بن وهب فأحرزا أموالهما‏.‏

وروى ابن مردويه قصة بني النضير بإسناد صحيح إلى معمر عن الزهري ‏"‏ أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أبي وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدر يهددونهم بإيوائهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويتوعدونهم أن يغزوهم بجميع العرب، فهم ابن أبي ومن معه بقتال المسلمين، فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ما كادكم أحد بمثل ما كادتكم قريش، يريدون أن تلقوا بأسكم بينكم، فلما سمعوا ذلك عرفوا الحق فتفرقوا‏.‏

فلما كانت وقعة بدر كتبت كفار قريش بعدها إلى اليهود‏:‏ أنكم أهل الحلقة والحصون، يتهدمونهم، فأجمع بنو النضير على الغدر، فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتبعناك‏.‏

ففعل‏.‏

فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر فأرسلت امرأة من بني النضير إلى أخ لها من الأنصار مسلم تخبره بأمر بني النضير، فأخبر أخوها النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يصل إليهم، فرجع، وصبحهم بالكتائب فحصرهم يومه، ثم غدا على بني قريظة فحاصرهم فعاهدوه فانصرف عنهم إلى بني النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل إلا السلاح، فاحتملوا حتى أبواب بيوتهم، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم فيهدمونها، ويحملون ما يوافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام‏.‏

وكذا أخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن عبد الرزاق، وفي ذلك رد على ابن التين في زعمه أنه ليس في هذه القصة حديث بإسناد، قلت‏:‏ فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق من أن سبب غزوة بني النضير طلبه صلى الله عليه وسلم أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافق ابن إسحاق جل أهل المغازي، فالله أعلم‏.‏

وإذا ثبت أن سبب إجلاء بني النضير ما ذكر من همهم بالغدر به صلى الله عليه وسلم، وهو إنما وقع عند ما جاء إليهم ليستعين بهم في دية قتيلي عمرو بن أمية، تعين ما قال ابن إسحاق، لأن بئر معونة كانت بعد أحد بالاتفاق‏.‏

وأغرب السهيلي فرجح ما قال الزهري، ولولا ما ذكر في قصة عمرو بن أمية لأمكن أن يكون ذلك في غزوة الرجيع، والله أعلم‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ حَارَبَتْ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ فَأَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَهُمْ وَأَسْلَمُوا وَأَجْلَى يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَهُمْ رَهْطُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ وَكُلَّ يَهُودِ الْمَدِينَةِ

الشرح‏:‏

حديث ابن عمر ‏"‏ حاربت النضير وقريظة فأجلى بني النضير ‏"‏ كذا فيه ولم يعين المفعول من حاربت ولم يسم فاعل أجلى، والمراد النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وكان سبب وقوع المحاربة نقضهم العهد‏:‏ أما النضير فبالسبب الآتي ذكره وهو ما ذكره موسى بن عقبة في المغازي قال‏:‏ كانت النضير قد دسوا إلى قريش وحضوهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ودلوهم على العورة ثم ذكر نحوا مما تقدم عن ابن إسحاق من مجيء النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الرجلين قال وفي ذلك نزلت ‏(‏يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم‏)‏ الآية‏.‏

وعند ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليهم محمد بن مسلمة أن اخرجوا من بلدي فلا تساكنوني بعد أن هممتم بما هممتم به من الغدر، وقد أجلتكم عشرا‏.‏

وأما قريظة فبمظاهرتهم الأحزاب على النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق كما سيأتي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حتى حاربت قريظة‏)‏ سيأتي شرح ذلك بعد غزوة الخندق إن شاء الله تعالى‏.‏

كذا وقع تقديم قريظة على النضير وكأنه لشرفهم، وإلا فإجلاء النضير كان قبل قريظة بكثير‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والنضير‏)‏ ذكر ابن إسحاق في قصته أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسل إليهم أن اخرجوا وأجلهم عشرا وأرسل إليهم عبد الله بن أبي يثبطهم أرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم إنا لا نخرج، فاصنع ما بدا لك‏.‏

فقال‏:‏ الله أكبر، حاربت يهود فخرج إليهم، فخذلهم ابن أبي ولم تعنهم قريظة‏.‏

وروى عبد بن حميد في تفسيره من طريق عكرمة أن غزوة بني النضير كانت صبيحة قتل كعب بن الأشرف، يعني الآتي ذكره عقب هذا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بني قينقاع‏)‏ هو بالنصب على البدلية، ونون قينقاع مثلثة والأشهر فيها الضم، وكانوا أول من أخرج من المدينة كما تقدم في أول الباب‏.‏

وروى ابن إسحاق في المغازي عن أبيه عن عبادة بن الوليد عن عبادة بن الصامت قال ‏"‏ لما حاربت بنو قينقاع قام بأمرهم عبد الله بن أبي فمشى عبادة بن الصامت وكان له من حلفهم مثل الذي لعبد الله بن أبي، فتبرأ عبادة منهم‏.‏

قال‏:‏ فنزلت ‏(‏يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض - إلى قوله - يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة‏)‏ وكان عبد الله بن أبي لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يمن عليهم قال‏:‏ يا محمد إنهم منعوني من الأسود والأحمر، وإني امرؤ أخشى الدوائر، فوهبهم له‏.‏

وذكر الواقدي أن إجلاءهم كان في شوال سنة اثنتين، يعني بعد بدر بشهر‏.‏

ويؤيده ما روى ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس قال ‏"‏ لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا يوم بدر جمع يهود في سوق بني قينقاع فقال يا يهود‏:‏ أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشا يوم بدر، فقالوا‏:‏ إنهم كانوا لا يعرفون القتال ولو قاتلتنا لعرفت أنا الرجال‏.‏

فأنزل الله تعالى ‏(‏قل للذين كفروا ستغلبون - إلى قوله - لأولي الأبصار‏)‏ وأغرب الحاكم فزعم أن إجلاء بني قينقاع وإجلاء بني النضير كان في زمن واحد، ولم يوافق على ذلك لأن إجلاء بني النضير كان بعد بدر بستة أشهر على قول عروة، أو بعد ذلك بمدة طويلة على قول ابن إسحاق كما تقدم بسطه‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ سُورَةُ الْحَشْرِ قَالَ قُلْ سُورَةُ النَّضِيرِ تَابَعَهُ هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ

الشرح‏:‏

حديث ابن عباس في تسمية سورة الحشر سورة النضير لأنها نزلت فيهم، قال الداودي‏:‏ كأن ابن عباس كره تسميتها سورة الحشر لئلا يظن أن المراد بالحشر يوم القيامة، أو لكونه مجملا فكره النسبة إلى غير معلوم‏.‏

كذا قال، وعند ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت سورة الحشر في بني النضير، وذكر الله فيها الذي أصابهم من النقمة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا الحسن بن مدرك‏)‏ كذا للجميع، وفي نسخة ‏"‏ إسحاق ‏"‏ بدل الحسن وهو غلط‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏تابعه هشيم إلخ‏)‏ وصله المصنف في التفسير كما سيأتي هناك‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّخَلَاتِ حَتَّى افْتَتَحَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبيه‏)‏ هو سليمان التيمي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان الرجل يجعل للنبي صلى الله عليه وسلم النخلات‏)‏ تقدم هذا الحديث بهذا الإسناد في الخمس، وسيأتي في أول غزوة قريظة بأتم من هذا السياق‏.‏

وقوله ‏"‏فكان بعد ذلك يرد عليهم ‏"‏ زاد في الرواية الأخرى ‏"‏ ما كانوا أعطوه ‏"‏ وروى الحاكم في ‏"‏ الإكليل ‏"‏ من حديث أم العلاء قال ‏"‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار لما فتح النضير‏:‏ إن أحببتم قسمت بينكم ما أفاء الله علي، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا عنكم، فاختاروا الثاني‏"‏‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ حَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ فَنَزَلَتْ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ نخل النضير‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهي البويرة‏)‏ بالموحدة مصغر بؤرة وهي الحفرة، وهي هنا مكان معروف بين المدينة وبين تيماء، وهي من جهة قبلة مسجد قباء إلى جهة الغرب ويقال لها أيضا البويلة باللام بدل الراء‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فنزل‏:‏ ما قطعتم من لينة‏)‏ هي صنف من النخل، قال السهيلي‏:‏ في تخصيصها بالذكر إيماء إلى أن الذي يجوز قطعه من شجر العدو ما لا يكون معدا للاقتيات، لأنهم كانوا يقتاتون العجوة والبرني دون اللينة‏.‏

وفي الجامع‏:‏ اللينة النخلة وقيل الدفل، وعن الفراء كل شيء من النخل سوى العجوة فهو من اللين‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا حَبَّانُ أَخْبَرَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ قَالَ وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ قَالَ فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ أَدَامَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعٍ وَحَرَّقَ فِي نَوَاحِيهَا السَّعِيرُ سَتَعْلَمُ أَيُّنَا مِنْهَا بِنُزْهٍ وَتَعْلَمُ أَيُّ أَرْضَيْنَا تَضِيرُ

الشرح‏:‏

قوله في الرواية الثانية ‏(‏أخبرنا حبان‏)‏ هو ابن هلال، وهو بفتح المهملة بعدها موحدة ثقيلة، وإسحاق الراوي عنه هو ابن راهويه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولها يقول حسان بن ثابت‏:‏ وهان على سراة بني لؤي‏)‏ كذا للأكثر‏.‏

وفي رواية الكشميهني ‏"‏ لهان باللام ‏"‏ بدل الواو، وسقطت اللام والواو من رواية الإسماعيلي‏.‏

وقوله ‏"‏سراة ‏"‏ بفتح المهملة وتخفيف الراء جمع سري وهو الرئيس، وقوله ‏"‏حريق بالبويرة مستطير ‏"‏ أي مشتعل، وإنما قال حسان ذلك تعييرا لقريش لأنهم كانوا أغروهم بنقض العهد وأمروهم به ووعدوهم أن ينصروهم إن قصدهم النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فأجابه أبو سفيان بن الحارث‏)‏ أي ابن عبد المطلب، وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان حينئذ لم يسلم وقد أسلم بعد في الفتح وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم بحنين، وذكر إبراهيم بن المنذر أن اسمه المغيرة وجزم ابن قتيبة أن المغيرة أخوه، وبه جزم ابن عبد البر والسهيلي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ستعلم أينا منها بنزه‏)‏ بنون ثم زاي ساكنة أي ببعد وزنا ومعنى، ويقال بفتح النون أيضا‏.‏

وقوله ‏"‏وتعلم أي أرضينا ‏"‏ بالتثنية، وقوله ‏"‏تضير ‏"‏ بفتح المثناة وكسر الضاد المعجمة من الضير وهو بمعنى الضر، ويطلق الضير ويراد به المضرة‏.‏

ونسبة هذه الأبيات لحسان بن ثابت وجوابها لأبي سفيان بن الحارث هو المشهور كما وقع في هذا الصحيح، وعند مسلم بعض ذلك، وعند شيخ شيوخنا أبي الفتح بن سيد الناس في ‏"‏ عيون الأثر ‏"‏ له عن أبي عمرو الشيباني أن الذي قال له ‏"‏ وهان على سراة بني لؤي ‏"‏ هو أبو سفيان بن الحارث، وأنه إنما قال ‏"‏ عز ‏"‏ يدل هان، وأن الذي أجاب بقوله ‏"‏ أدام الله ذلك من صنيع ‏"‏ البيتين هو حسان، قال‏:‏ وهو أشبه من الرواية التي وقعت في البخاري ا هـ‏.‏

ولم يذكر مستندا للترجيح، والذي يظهر أن الذي في الصحيح أصح، وذلك أن قريشا كانوا يظاهرون كل من عادى النبي صلى الله عليه وسلم عليه ويعدونهم النصر والمساعدة، فلما وقع لبني النضير من الخذلان ما وقع قال حسان الأبيات المذكورة موبخا لقريش - وهم بنو لؤي - كيف خذلوا أصحابهم‏.‏

وقد ذكر ابن إسحاق أن حسان قال ذلك في غزوة بني قريظة، وأنه إنما ذكر بني النضير استطرادا، فمن الأبيات المذكورة‏:‏ ألا يا سعد سعد بني معاذ فما فعلت قريظة والنضير وفيها‏:‏ وقد قال الكريم أبو حباب أقيموا قينقاع ولا تسيروا وأولها‏:‏ تقاعد معشر نصروا قريشا وليس لهم ببلدتهم نصير هم أوتوا الكتاب فضيعوه فهم عمي عن التوراة بور كفرتم بالقرآن لقد لقيتم بتصديق الذي قال النذير وفي جواب أبي سفيان بن الحارث في قوله‏:‏ و ‏"‏ تعلم أي أرضينا تضير ‏"‏ ما يرجح ما وقع في الصحيح، لأن أرض بني النضير مجاورة لأرض الأنصار، فإذا خربت أضرت بما جاورها، بخلاف أرض قريش فإنها بعيدة منها بعدا شديدا فلا تبالي بخرابها، فكان أبو سفيان يقول تخربت أرض بني النضير وتخريبها إنما يضر أرض من جاورها، وأرضكم هي التي تجاورها فهي التي تتضرر لا أرضنا، ولا يتهيأ مثل هذا في عكسه إلا بتكلف، وهو أن يقال‏:‏ إن الميرة كانت تحمل من أرض بني النضير إلى مكة فكانوا يرتفقون بها، فإذا خربت تضرهم، بخلاف المدينة فإنها في غنية عن أرض بني النضير بغيرها كخيبر ونحوها فيتجه بعض اتجاه، لكن إذا تعارضا كان ما في الصحيح أصح‏.‏

ويحتمل إن كان ما قال أبو عمرو الشيباني محفوظا أن أبا سفيان بن الحارث ضمن في جوابه بيتا من قصيدة حسان فاهتدمه، فلما قال حسان‏:‏ ‏"‏ وهان على سراة بني لؤي ‏"‏ اهتدمه أبو سفيان فقال‏:‏ ‏"‏ وعز على سراة بني لؤي ‏"‏ وهو عمل سائغ، وكأن من أنكر ذلك استبعد أن يدعو أبو سفيان بن الحارث على أرض الكفرة مثله بالتحريق في قوله‏:‏ ‏"‏ أدام الله ذلك من صنيع ‏"‏ والجواب عنه أن اسم الكفرة وإن جمعهم لكن العداوة الدينية كانت قائمة بينهم كما بين أهل الكتاب وعبدة الأوثان من التباين، وأيضا فقوله‏:‏ ‏"‏ وحرق في نواحيها السعير ‏"‏ يريد بنواحيها المدينة فيرجع ذلك دعاء على المسلمين أيضا‏.‏

ولكعب بن مالك في هذه القصة قصيدة على هذا الوزن والروي أيضا ذكرها ابن إسحاق أولها‏:‏ لقد منيت بغدرتها الحبور كذاك الدهر ذو صرف يدور يقول فيها‏:‏ فغودر منهم كعب صريعا فذلت عند مصرعه النضير يشير إلى كعب بن الأشرف الذي سيذكر قتله عقب هذا، وفيها‏:‏ فذاقوا غب أمرهم وبالا لكل ثلاثة منهم بعير فأجلوا عامدين بقينقاع وغودر منهم نخل ودور

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ النَّصْرِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعَاهُ إِذْ جَاءَهُ حَاجِبُهُ يَرْفَا فَقَالَ هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ يَسْتَأْذِنُونَ فَقَالَ نَعَمْ فَأَدْخِلْهُمْ فَلَبِثَ قَلِيلًا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ هَلْ لَكَ فِي عَبَّاسٍ وَعَلِيٍّ يَسْتَأْذِنَانِ قَالَ نَعَمْ فَلَمَّا دَخَلَا قَالَ عَبَّاسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ فِي الَّذِي أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ فَاسْتَبَّ عَلِيٌّ وَعَبَّاسٌ فَقَالَ الرَّهْطُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنَهُمَا وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ فَقَالَ عُمَرُ اتَّئِدُوا أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ يُرِيدُ بِذَلِكَ نَفْسَهُ قَالُوا قَدْ قَالَ ذَلِكَ فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَبَّاسٍ وَعَلِيٍّ فَقَالَ أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ ذَلِكَ قَالَا نَعَمْ قَالَ فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ إِلَى قَوْلِهِ قَدِيرٌ فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ وَاللَّهِ مَا احْتَازَهَا دُونَكُمْ وَلَا اسْتَأْثَرَهَا عَلَيْكُمْ لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا وَقَسَمَهَا فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ هَذَا الْمَالُ مِنْهَا فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ فَعَمِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيَاتَهُ ثُمَّ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فَأَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَضَهُ أَبُو بَكْرٍ فَعَمِلَ فِيهِ بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ فَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ وَقَالَ تَذْكُرَانِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ فِيهِ كَمَا تَقُولَانِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ فِيهِ لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ فَقَبَضْتُهُ سَنَتَيْنِ مِنْ إِمَارَتِي أَعْمَلُ فِيهِ بِمَا عَمِلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي فِيهِ صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ ثُمَّ جِئْتُمَانِي كِلَاكُمَا وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ فَجِئْتَنِي يَعْنِي عَبَّاسًا فَقُلْتُ لَكُمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ فَلَمَّا بَدَا لِي أَنْ أَدْفَعَهُ إِلَيْكُمَا قُلْتُ إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهُ إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلَانِ فِيهِ بِمَا عَمِلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَمَا عَمِلْتُ فِيهِ مُنْذُ وَلِيتُ وَإِلَّا فَلَا تُكَلِّمَانِي فَقُلْتُمَا ادْفَعْهُ إِلَيْنَا بِذَلِكَ فَدَفَعْتُهُ إِلَيْكُمَا أَفَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ فَوَاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَا أَقْضِي فِيهِ بِقَضَاءٍ غَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهُ فَادْفَعَا إِلَيَّ فَأَنَا أَكْفِيكُمَاهُ قَالَ فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ

فَقَالَ صَدَقَ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ أَنَا سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُثْمَانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلْنَهُ ثُمُنَهُنَّ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُنْتُ أَنَا أَرُدُّهُنَّ فَقُلْتُ لَهُنَّ أَلَا تَتَّقِينَ اللَّهَ أَلَمْ تَعْلَمْنَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ يُرِيدُ بِذَلِكَ نَفْسَهُ إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْمَالِ فَانْتَهَى أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَا أَخْبَرَتْهُنَّ

قَالَ فَكَانَتْ هَذِهِ الصَّدَقَةُ بِيَدِ عَلِيٍّ مَنَعَهَا عَلِيٌّ عَبَّاسًا فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا ثُمَّ كَانَ بِيَدِ حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ثُمَّ بِيَدِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ثُمَّ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ وَحَسَنِ بْنِ حَسَنٍ كِلَاهُمَا كَانَا يَتَدَاوَلَانِهَا ثُمَّ بِيَدِ زَيْدِ بْنِ حَسَنٍ وَهِيَ صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقًّا

الشرح‏:‏

حديث مالك أوس بن الحدثان عن عمر، وفيه قصة مخاصمة العباس وعلي عنده مطولة، وقد تقدم شرحه في فرض الخمس مستوفى، والغرض منه قوله‏:‏ ‏"‏ وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله من بني النضير‏"‏‏.‏

حديث عائشة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال فحدثت هذا الحديث عروة‏)‏ القائل هو الزهري، وهو موصول بالإسناد المذكور، وقد ذكرت شرحه أيضا مع حديث مالك بن أوس في فرض الخمس‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَام وَالْعَبَّاسَ أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا أَرْضَهُ مِنْ فَدَكٍ وَسَهْمَهُ مِنْ خَيْبَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْمَالِ وَاللَّهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي

الشرح‏:‏

حديث أبي بكر الصديق تقدم أيضا في أول فرض الخمس بزيادة فيه‏.‏

وزاد هنا قول أبي بكر ‏"‏ والله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي ‏"‏ وظاهر سياقه الإدراج، وقد بينه الإسماعيلي بلفظ ‏"‏ فتشهد أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال‏:‏ أم بعد فوالله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي ‏"‏ قال أبو بكر ذلك معتذرا عن منعه القسمة، وأنه لا يلزم منها أن لا يصلهم ببره من جهة أخرى‏.‏

ومحصل كلامه أن قرابة الشخص مقدمة في بره إلا إن عارضهم في ذلك من هو أرجح منهم، والله أعلم‏.‏

*3*باب قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب قتل كعب بن الأشرف‏)‏ أي اليهودي، قال ابن إسحاق وغيره‏:‏ كان عربيا من بني نبهان وهم بطن من طيئ، وكان أبوه أصاب دما في الجاهلية فأتى المدينة فحالف بني النضير فشرف فيهم، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق فولدت له كعبا، وكان طويلا جسيما ذا بطن وهامة، وهجا المسلمين بعد وقعة بدر، وخرج إلى مكة فنزل على ابن وداعة السهمي والد المطلب‏.‏

فهجاه حسان وهجا امرأته عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص بن أمية فطردته، فرجع كعب إلى المدينة وتشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم‏.‏

وروى أبو داود والترمذي من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه ‏"‏ أن كعب بن الأشرف كان شاعرا، وكان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه كفار قريش، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاط‏.‏

فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم استصلاحهم، وكان اليهود والمشركون يؤذون المسلمين أشد الأذى، فأمر الله رسوله والمسلمين بالصبر‏.‏

فلما أبى كعب أن ينزع عن أذاه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ أن يبعث رهطا ليقتلوه ‏"‏ وذكر ابن سعد أن قتله كان في ربيع الأول من السنة الثالثة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا قَالَ قُلْ فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ قَالَ وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ قَالَ إِنَّا قَدْ اتَّبَعْنَاهُ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ و حَدَّثَنَا عَمْرٌو غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَمْ يَذْكُرْ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ أَوْ فَقُلْتُ لَهُ فِيهِ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ فَقَالَ أُرَى فِيهِ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ فَقَالَ نَعَمِ ارْهَنُونِي قَالُوا أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ قَالَ ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ قَالُوا كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ قَالَ فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ قَالُوا كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ فَيُقَالُ رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ قَالَ سُفْيَانُ يَعْنِي السِّلَاحَ فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ فَجَاءَهُ لَيْلًا وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ وَهُوَ أَخُو كَعْبٍ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْحِصْنِ فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ فَقَالَ إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأَخِي أَبُو نَائِلَةَ وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو قَالَتْ أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ قَالَ إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لَأَجَابَ قَالَ وَيُدْخِلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ قِيلَ لِسُفْيَانَ سَمَّاهُمْ عَمْرٌو قَالَ سَمَّى بَعْضَهُمْ قَالَ عَمْرٌو جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو أَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ عَمْرٌو جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ فَقَالَ إِذَا مَا جَاءَ فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعَرِهِ فَأَشَمُّهُ فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوهُ وَقَالَ مَرَّةً ثُمَّ أُشِمُّكُمْ فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشِّحًا وَهُوَ يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ فَقَالَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رِيحًا أَيْ أَطْيَبَ وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو قَالَ عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَأَكْمَلُ الْعَرَبِ قَالَ عَمْرٌو فَقَالَ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَكَ قَالَ نَعَمْ فَشَمَّهُ ثُمَّ أَشَمَّ أَصْحَابَهُ ثُمَّ قَالَ أَتَأْذَنُ لِي قَالَ نَعَمْ فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ قَالَ دُونَكُمْ فَقَتَلُوهُ ثُمَّ أَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال عمرو‏)‏ هو ابن دينار، كذا هنا وفي رواية قتيبة عن سفيان في الجهاد وعند أبي نعيم من طريق الحميدي عن سفيان ‏"‏ حدثنا عمرو‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من لكعب بن الأشرف‏)‏ ‏؟‏ أي من الذي ينتدب إلى قتله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏آذى الله ورسوله‏)‏ في رواية محمد بن محمود بن محمد بن مسلمة عن جابر عند الحاكم في الإكليل ‏"‏ فقد آذانا بشعره وقوى المشركين‏)‏ وأخرج ابن عائذ من طريق الكلبي أن كعب بن الأشرف قدم على مشركي قريش فحالفهم عند أستار الكعبة على قتال المسلمين‏.‏

ومن طريق أبي الأسود عن عروة ‏"‏ أنه كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ويحرض قريشا عليهم، وأنه لما قدم على قريش قالوا له‏:‏ أديننا أهدى أم دين محمد‏؟‏ قال‏:‏ دينكم‏.‏

فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ من لنا بابن الأشرف فإنه قد استعلن بعداوتنا ‏"‏ ووجدت في ‏"‏ فوائد عبد الله بن إسحاق الخراساني ‏"‏ من مرسل عكرمة بسند ضعيف إليه لقتل كعب سببا آخر، وهو أنه صنع طعاما وواطأ جماعة من اليهود أنه يدعو النبي صلى الله عليه وسلم إلى الوليمة فإذا حضر فتكوا به، ثم دعاه فجاء ومعه بعض أصحابه، فأعلمه جبريل بما أضمروه بعد أن جالسه، فقام فستره جبريل بجناحه فخرج، فلما فقدوه تفرقوا، فقال حينئذ‏:‏ من ينتدب لقتل كعب‏.‏

ويمكن الجمع بتعدد الأسباب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فقام محمد بن مسلمة فقال‏:‏ يا رسول الله أتحب أن أقتله‏)‏ ‏؟‏ في مرسل عكرمة ‏"‏ فقال محمد بن مسلمة هو خالي‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال نعم‏)‏ في رواية محمد بن محمود ‏"‏ فقال أنت له ‏"‏ وفي رواية ابن إسحاق ‏"‏ قال فافعل إن قدرت على ذلك ‏"‏ وفي رواية عروة ‏"‏ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال محمد بن مسلمة‏:‏ أقر صامت ‏"‏ ومثله عند سمويه في فوائده، فإن ثبت احتمل أن يكون سكت أولا ثم أذن له، فإن في رواية عروة أيضا أنه قال له ‏"‏ إن كنت فاعلا فلا تعجل حتى تشاور سعد بن معاذ، قال فشاوره فقال له‏:‏ توجه إليه واشك إليه الحاجة، وسله أن يسلفكم طعاما‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فأذن لي أن أقول شيئا، قال قل‏)‏ كأنه استأذنه أن يفتعل شيئا يحتال به، ومن ثم بوب عليه المصنف ‏"‏ الكذب في الحرب ‏"‏ وقد ظهر من سياق ابن سعد للقصة أنهم استأذنوا أن يشكوا منه ويعيبوا رأيه، ولفظه ‏"‏ فقال له‏:‏ كان قدوم هذا الرجل علينا من البلاء، حاربتنا العرب، ورمتنا عن قوس واحدة ‏"‏ وعند ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم مشى معهم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم فقال‏:‏ انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن هذا الرجل‏)‏ يعني النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قد سألنا صدقة‏)‏ في رواية الواقدي ‏"‏ سألنا الصدقة، ونحن لا نجد ما نأكل ‏"‏ وفي مرسل عكرمة ‏"‏ فقالوا‏:‏ يا أبا سعيد، إن نبيا أراد منا الصدقة، وليس لنا مال نصدقه‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قد عنانا‏)‏ بالمهملة وتشديد النون الأولى من العناء وهو التعب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال و أيضا‏)‏ أي وزيادة على ذلك، وقد فسره بعد ذلك قوله‏:‏ ‏"‏ والله لتملنه ‏"‏ بفتح المثناة والميم وتشديد اللام والنون من الملال، وعند الواقدي ‏"‏ أن كعبا قال لأبي نائلة‏:‏ أخبرني ما في نفسك، ما الذي تريدون في أمره‏؟‏ قال‏:‏ خذلانه والتخلي عنه، قال‏:‏ سررتني‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد أردنا أن تسلفنا وسقا أو وسقين، وحدثنا عمرو غير مرة فلم يذكر وسقا أو وسقين‏)‏ قائل ذلك علي بن المديني، ولم يقع ذلك في رواية الحميدي، ووقع في رواية عروة ‏"‏ وأحب أن تسلفنا طعاما‏.‏

قال‏:‏ أين طعامكم‏؟‏ قالوا‏:‏ أنفقناه على هذا الرجل وعلى أصحابه‏.‏

قال ألم يأن لكم أن تعرفوا ما أنتم عليه من الباطل‏"‏‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ وقع في هذه الرواية الصحيحة أن الذي خاطب كعبا بذلك هو محمد بن مسلمة، والذي عند ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي أنه أبو نائلة، وأومأ الدمياطي إلى ترجيحه، ويحتمل أن يكون كل منهما كلمه في ذلك، لأن أبا نائلة أخوه من الرضاعة، ومحمد بن مسلمة ابن أخته‏.‏

وفي مرسل عكرمة في الكل بصيغة الجمع ‏"‏ قالوا‏"‏، وفي مرسل عكرمة ‏"‏ وائذن لنا أن نصيب منك فيطمئن إلينا، قال قولوا ما شئتم ‏"‏ وعنده ‏"‏ أما مالي فليس عندي اليوم، ولكن عندي التمر ‏"‏ وذكر ابن عائذ أن سعد بن معاذ بعث محمدا ابن أخيه الحارث بن أوس بن معاذ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ارهنوني‏)‏ أي ادفعوا لي شيئا يكون رهنا على التمر الذي تريدونه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأنت أجمل العرب‏)‏ لعلهم قالوا له ذلك تهكما، وإن كان هو في نفسه كان جميلا‏.‏

زاد ابن سعد من مرسل عكرمة ‏"‏ ولا نأمنك، وأي امرأة تمتنع منك لجمالك ‏"‏ وفي المرسل الآخر الذي أشرت إليه ‏"‏ وأنت رجل حسان تعجب النساء ‏"‏ وحسان بضم الحاء وتشديد السين المهملتين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولكن نرهنك اللأمة‏)‏ بتشديد اللام وسكون الهمزة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال سفيان‏:‏ يعني السلاح‏)‏ كذا قال‏.‏

وقال غيره من أهل اللغة‏:‏ اللأمة الدرع، فعلى هذا إطلاق السلاح عليها من إطلاق اسم الكل على البعض‏.‏

وفي مرسل عكرمة ‏"‏ ولكنا نرهنك سلاحنا مع علمك بحاجتنا إليه، قال نعم ‏"‏ وفي رواية الواقدي ‏"‏ وإنما قالوا ذلك لئلا ينكر مجيئهم إليه بالسلاح‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فجاء ليلا ومعه أبو نائلة‏)‏ بنون وبعد الألف تحتانية واسمه سلكان بن سلامة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وكان أخاه من الرضاعة‏)‏ يعني كان أبو نائلة أخا كعب، وذكروا أنه كان نديمه في الجاهلية فكان يركن إليه‏.‏

وقد ذكر الواقدي أن محمد بن مسلمة أيضا كان أخاه، زاد الحميدي في روايته ‏"‏ وكانوا أربعة سمى عمرو منهم اثنين‏"‏‏.‏

قلت‏:‏ وستأتي تسميتهم قريبا‏.‏

وعند الخراساني في مرسل عكرمة ‏"‏ فلما كان في القائلة أتوه ومعهم السلاح فقالوا‏:‏ يا أبا سعيد‏.‏

فقال‏:‏ سامعا دعوت‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فقالت له امرأته‏)‏ لم أقف على اسمها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال غير عمرو‏:‏ قالت أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم‏)‏ في رواية الكلبي ‏"‏ فتعلقت به امرأته وقالت، مكانك، فوالله إني لأرى حمرة الدم مع الصوت ‏"‏ وبين الحميدي في روايته عن سفيان أن الغير الذي أبهمه سفيان في هذه القصة هو العبسي وأنه حدثه بذلك عن عكرمة مرسلا، وعند ابن إسحاق ‏"‏ فهتف به أبو نائلة - وكان حديث عهد بعرس - فوثب في ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت له‏:‏ أنت امرؤ محارب، لا تنزل في هذه الساعة‏.‏

فقال‏:‏ إنه أبو نائلة، لو وجدني نائما ما أيقظني‏.‏

فقالت‏:‏ والله إني لأعرف من صوته الشر ‏"‏ وفي مرسل عكرمة ‏"‏ أخذت بثوبه فقالت‏:‏ أذكرك الله أن لا تنزل إليهم، فوالله إني لأسمع صوتا يقطر منه الدم‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال ويدخل محمد بن مسلمة معه رجلين، قيل لسفيان‏:‏ سماهم عمرو‏؟‏ قال‏:‏ سمى بعضهم، قال عمرو‏:‏ جاء معه برجلين‏.‏

وقال غير عمرو‏:‏ أبو عبس بن جبر والحارث بن أوس وعباد بن بشر‏)‏ قلت‏:‏ ووقع في رواية الحميدي ‏"‏ قال فأتاه ومعه أبو نائلة وعباد بن بشر وأبو عبس بن جبر والحارث بن معاذ إن شاء الله ‏"‏ كذا أدرجه ورواية علي بن المديني مفصلة، ونسب الحارث بن معاذ إلى جده، ووقعت تسميتهم كذلك في رواية ابن سعد، فعلى هذا فكانوا خمسة، ويؤيده قول عباد بن بشر من قصيدة في هذه القصة‏:‏ فشد بسيفه صلتا عليه فقطعه أبو عبس بن جبر وكان الله سادسنا فأبنا بأنعم نعمة وأعز نصر وهو أولى مما وقع في رواية محمد بن محمود ‏"‏ كان مع محمد بن مسلمة أبو عبس بن جبر وأبو عتيك ‏"‏ ولم يذكر غيرهما، وكذا في مرسل عكرمة ‏"‏ ومعه رجلان من الأنصار ‏"‏ ويمكن الجمع بأنهم كانوا مرة ثلاثة وفي الأخرى خمسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فإني قائل بشعره فأشمه‏)‏ وهو من إطلاق القول على الفعل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال مرة فأشمكم‏)‏ أي أمكنكم من الشم، وهو ينفح بالفاء والمهملة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ريح الطيب‏)‏ في رواية ابن سعد ‏"‏ وكان حديث عهد بعرس ‏"‏ وفي مرسل عكرمة فقال‏:‏ ‏"‏ يا أبا سعيد أدن مني رأسك أشمه وأمسح به عيني ووجهي‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عندي أعطر نساء العرب وأكمل العرب‏)‏ وعند الأصيلي وأجمل بالجيم بدل الكاف وهي أشبه، وفي مرسل عكرمة ‏"‏ فقال هذا عطر أم فلان ‏"‏ يعني امرأته‏.‏

وفي رواية الواقدي ‏"‏ وكان كعب يدهن بالمسك المفتت والعنبر حتى يتلبد في صدغيه ‏"‏ وفي رواية أخرى ‏"‏ وعندي أعطر سيد العرب ‏"‏ وكأن ‏"‏ سيد ‏"‏ تصحيف من نساء، فإن كانت محفوظة فالمعنى أعطر نساء سيد العرب على الحذف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏دونكم فقتلوه، ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه‏)‏ في رواية عروة ‏"‏ وضربه محمد بن مسلمة فقتله وأصاب ذباب السيف الحارث بن أوس، وأقبلوا حتى إذا كانوا بجرف بعاث تخلف الحارث ونزف، فلما افتقده أصحابه رجعوا فاحتملوه، ثم أقبلوا سراعا حتى دخلوا المدينة ‏"‏ وفي رواية الواقدي ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم تفل على جرح الحارث بن أوس فلم يؤذه‏"‏‏.‏

وفي مرسل عكرمة ‏"‏ فبرق فيها ثم ألصقها فالتحمت ‏"‏ وفي رواية ابن الكلي ‏"‏ فضربوه حتى برد، وصاح عند أول ضربة، واجتمعت اليهود فأخذوا على غير طريق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففاتوهم ‏"‏ وفي رواية ابن سعد ‏"‏ أن محمد بن مسلمة لما أخذ بقرون شعره قال لأصحابه‏:‏ اقتلوا عدو الله، فضربوه بأسيافهم، فالتفت عليه فلم تغن شيئا‏.‏

قال محمد‏:‏ فذكرت معولا كان في سيفي فوضعته في سرته، ثم تحاملت عليه فغططته حتى انتهى إلى عانته، فصاح وصاحت امرأته‏:‏ يا آل قريظة والنضير مرتين‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فأخبروه‏)‏ في رواية عروة ‏"‏ فأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم، فحمد الله تعالى ‏"‏ وفي رواية ابن سعد ‏"‏ فلما بلغوا بقيع الغرقد كبروا، وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة يصلي، فلما سمع تكبيرهم كبر، وعرف أن قد قتلوه، ثم انتهوا إليه فقال‏:‏ أفلحت الوجوه، فقالوا‏:‏ ووجهك يا رسول الله، ورموا رأسه بين يديه، فحمد الله على قتله ‏"‏ وفي مرسل عكرمة ‏"‏ فأصبحت يهود مذعورين، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا قتل سيدنا غيلة، فذكرهم النبي صنيعه وما كان يحرض عليه ويؤذي المسلمين ‏"‏ زاد ابن سعد ‏"‏ فخافوا فلم ينطقوا‏"‏‏.‏

قال السهيلي‏:‏ في قصة كعب بن الأشرف قتل المعاهد إذا سب الشارع، خلافا لأبي حنيفة‏.‏

قلت‏:‏ وفيه نظر، وصنيع المصنف في الجهاد يعطي أن كعبا كان، محاربا حيث ترجم لهذا الحديث ‏"‏ الفتك بأهل الحرب ‏"‏ وترجم له أيضا ‏"‏ الكذب في الحرب ‏"‏ وفيه جواز قتل المشرك بغير دعوة إذا كانت الدعوة العامة قد بلغته‏.‏

وفيه جواز الكلام الذي يحتاج إليه في الحرب ولو لم يقصد قائله إلى حقيقته‏.‏

وقد تقدم البحث في ذلك مستوفى في كتاب الجهاد‏.‏

وفيه دلالة على قوة فطنة امرأته المذكورة وصحة حديثها، وبلاغتها في إطلاقها أن الصوت يقطر منه الدم‏.‏