فصل: تفسير الآيات (28- 37):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (28- 37):

{ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37)}
قوله: {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً} قد تقدّم تحقيق معنى المثل، و{من} في: {مّنْ أَنفُسِكُمْ} لابتداء الغاية وهي ومجرورها في محلّ نصب صفة لمثلاً، أي مثلاً منتزعاً، ومأخوذاً من أنفسكم، فإنها أقرب شيء منكم، وأبين من غيرها عندكم، فإذا ضرب لكم المثل بها في بطلان الشرك كان أظهر دلالة وأعظم وضوحاً. ثم بين المثل المذكور فقال: {هَلْ لَّكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن شُرَكَاء في مَا رزقناكم}. {من} في {مما ملكت} للتبعيض، وفي: {من شركاء} زائدة للتأكيد، والمعنى: هل لكم شركاء فيما رزقناكم كائنون من النوع الذي ملكت أيمانكم؟ وهم: العبيد والإماء، والاستفهام للإنكار، وجملة: {فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء} جواب للاستفهام الذي بمعنى النفي، ومحققه لمعنى الشركة بينهم وبين العبيد والإماء المملوكين لهم في أموالهم، أي هل ترضون لأنفسكم- والحال أن عبيدكم وإماءكم أمثالكم في البشرية- أن يساووكم في التصرّف بما رزقناكم من الأموال، ويشاركوكم فيها من غير فرق بينكم وبينهم؟ {تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} الكاف نعت مصدر محذوف، أي تخافونهم خيفة كخيفتكم أنفسكم، أي كما تخافون الأحرار المشابهين لكم في الحرية وملك الأموال وجواز التصرف، والمقصود نفي الأشياء الثلاثة: الشركة بينهم وبين المملوكين، والاستواء معهم، وخوفهم إياهم. وليس المراد ثبوت الشركة ونفي الاستواء والخوف كما قيل في قولهم: ما تأتينا فتحدّثنا. والمراد: إقامة الحجة على المشركين فإنهم لابد أن يقولوا: لا نرضى بذلك، فيقال لهم: فكيف تنزّهون أنفسكم عن مشاركة المملوكين لكم وهم أمثالكم في البشرية، وتجعلون عبيد الله شركاء له؟ فإذا بطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة؛ بطلت الشركة بين الله وبين أحد من خلقه، والخلق كلهم عبيد الله تعالى، ولم يبق إلاّ أنه الربّ وحده لا شريك له. قرأ الجمهور {أنفسكم} بالنصب على أنه معمول المصدر المضاف إلى فاعله، وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع على إضافة المصدر إلى مفعوله {كذلك نُفَصّلُ الآيات} تفصيلاً واضحاً وبياناً جلياً {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} لأنهم الذين ينتفعون بالآيات التنزيلية والتكوينية باستعمال عقولهم في تدبرها والتفكر فيها.
ثم أضرب سبحانه عن مخاطبة المشركين وإرشادهم إلى الحق بما ضربه لهم من المثل، فقال: {بَلِ اتبع الذين ظَلَمُواْ أَهْوَاءهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي لم يعقلوا الآيات، بل اتبعوا أهواءهم الزائغة، وآراءهم الفاسدة الزائفة، ومحل {بغير علم} النصب على الحال، أي جاهلين بأنهم على ضلالة {فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ الله} أي لا أحد يقدر على هدايته؛ لأن الرشاد والهداية بتقدير الله وإرادته {وَمَا لَهُم مّن ناصرين} أي ما لهؤلاء الذين أضلهم الله من ناصرين ينصرونهم، ويحولون بينهم وبين عذاب الله سبحانه.
ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بتوحيده وعبادته كما أمره فقال: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً} شبه الإقبال على الدين بتقويم وجهه إليه، وإقباله عليه. وانتصاب {حنيفاً} على الحال من فاعل أقم أو من مفعوله، أي مائلاً إليه مستقيماً عليه غير ملتفت إلى غيره من الأديان الباطلة.
{فِطْرَةَ الله التي فَطَرَ الناس عَلَيْهَا} الفطرة في الأصل: الخلقة، والمراد بها هنا: الملة، وهي الإسلام والتوحيد. قال الواحدي: هذا قول المفسرين في فطرة الله، والمراد بالناس هنا: الذين فطرهم الله على الإسلام؛ لأن المشرك لم يفطر على الإسلام، وهذا الخطاب وإن كان خاصاً برسول الله فأمته داخلة معه فيه. قال القرطبي باتفاق من أهل التأويل: والأولى حمل الناس على العموم من غير فرق بين مسلمهم وكافرهم، وأنهم جميعاً مفطورون على ذلك لولا عوارض تعرض لهم فيبقون بسببها على الكفر كما في حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلاّ يولد على الفطرة» وفي رواية: «على هذه الملة- ولكن أبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: {فِطْرَةَ الله التي فَطَرَ الناس عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله}. وفي رواية: «حتى تكونوا أنتم تجدعونها» وسيأتي في آخر البحث ما ورد معاضداً لحديث أبي هريرة هذا، فكل فرد من أفراد الناس مفطور، أي مخلوق على ملة الإسلام، ولكن لا اعتبار بالإيمان والإسلام الفطريين، وإنما يعتبر الإيمان والإسلام الشرعيان، وهذا قول جماعة من الصحابة ومن بعدهم، وقول جماعة من المفسرين، وهو: الحق. والقول بأن المراد بالفطرة هنا: الإسلام هو مذهب جمهور السلف.
وقال آخرون: هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها، فإنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاوة. والفاطر في كلام العرب هو المبتدئ، وهذا مصير من القائلين به إلى معنى الفطرة لغة، وإهمال معناها شرعاً. والمعنى الشرعيّ مقدّم على المعنى اللغوي باتفاق أهل الشرع، ولا ينافي ذلك ورود الفطرة في الكتاب أو السنة في بعض المواضع مراداً بها المعنى اللغوي كقوله تعالى: {الحمد للَّهِ فَاطِرِ السموات والأرض} [فاطر: 1] أي خالقهما، ومبتديهما، وكقوله: {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي} [يس: 22] إذ لا نزاع في أن المعنى اللغوي هو هذا، ولكن النزاع في المعنى الشرعي للفطرة، وهو ما ذكره الأوّلون كما بيناه، وانتصاب {فطرة} على أنها مصدر مؤكد للجملة التي قبلها.
وقال الزجاج: فطرة منصوب بمعنى: اتبع فطرة الله، قال: لأن معنى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ}: اتبع الدين واتبع فطرة الله.
وقال ابن جرير: هي مصدر من معنى {فأقم وجهك} لأن معنى ذلك: فطرة الله الناس على الدين.
وقيل: هي منصوبة على الإغراء، أي الزموا فطرة الله، أو عليكم فطرة الله، وردّ هذا الوجه أبو حيان وقال: إن كلمة الإغراء لا تضمر إذ هي عوض عن الفعل، فلو حذفها لزم حذف العوض، والمعوّض عنه وهو إجحاف.
وأجيب بأن هذا رأي البصريين، وأما الكسائي وأتباعه فيجيزون ذلك.
وجملة {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله} تعليل لما قبلها من الأمر بلزوم الفطرة، أي هذه الفطرة التي فطر الله الناس عليها لا تبديل لها من جهة الخالق سبحانه. وقيل: هو نفي معناه النهي، أي لا تبدّلوا خلق الله. قال مجاهد وإبراهيم النخعي: معناه: لا تبديل لدين الله. قال قتادة وابن جبير والضحاك وابن زيد: هذا في المعتقدات.
وقال عكرمة: إن المعنى: لا تغيير لخلق في البهائم بأن تخصى فحولها {ذلك الدين القيم} أي ذلك الدين المأمور بإقامة الوجه له هو الدين القيم، أو لزوم الفطرة هو الدين القيم {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ} ذلك حتى يفعلوه ويعملوا به. {مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} أي راجعين إليه بالتوبة والإخلاص، ومطيعين له في أوامره ونواهيه. ومنه قول أبي قيس بن الأسلت:
فإن تابوا فإن بني سليم ** وقومهم هوازن قد أنابوا

قال الجوهري: أناب إلى الله: أقبل وتاب، وانتصابه على الحال من فاعل أقم. قال المبرد: لأن معنى {أقم وجهك}: أقيموا وجوهكم. قال الفراء: المعنى: فأقم وجهك ومن معك منيبين، وكذا قال الزجاج، وقال: تقديره: فأقم وجهك وأمتك، فالحال من الجميع. وجاز حذف المعطوف لدلالة منيبين عليه. وقيل: هو منصوب على القطع، وقيل: على أنه خبر لكان، محذوفة، أي وكونوا منيبين إليه لدلالة {ولا تكونوا من المشركين} على ذلك، ثم أمرهم سبحانه بالتقوى بعد أمرهم بالإنابة فقال: {واتقوه} أي باجتناب معاصيه، وهو معطوف على الفعل المقدر ناصباً لمنيبين {وَأَقِيمُواْ الصلاة} التي أمرتم بها {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المشركين} بالله.
وقوله: {مِنَ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً} هو بدل مما قبله بإعادة الجار، والشيع: الفرق، أي لا تكونوا من الذين تفرقوا فرقاً في الدين يشايع بعضهم بعضاً من أهل البدع والأهواء. وقيل: المراد بالذين فرّقوا دينهم شيعاً: اليهود والنصارى. وقرأ حمزة والكسائي: {فارقوا دينهم} ورويت هذه القراءة عن علي بن أبي طالب، أي فارقوا دينهم الذي يجب اتباعه، وهو التوحيد.
وقد تقدّم تفسير هذه الآية في آخر سورة الأنعام {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} أي كل فريق بما لديهم من الدين المبني على غير الصواب مسرورون مبتهجون يظنون أنهم على الحق، وليس بأيديهم منه شيء.
وقال الفراء: يجوز أن يكون قوله: {من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً} مستأنفاً كما يجوز أن يكون متصلاً بما قبله {وَإِذَا مَسَّ الناس ضُرٌّ} أي قحط وشدّة {دَعَوْاْ رَبَّهُمْ} أن يرفع ذلك عنهم واستغاثوا به {مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} أي راجعين إليه ملتجئين به لا يعوّلون على غيره.
وقيل: مقبلين عليه بكل قلوبهم {ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مّنْهُ رَحْمَةً} بإجابة دعائهم ورفع تلك الشدائد عنهم {إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ} {إذا} هي الفجائية وقعت جواب الشرط لأنها كالفاء في إفادة التعقيب، أي فاجأ فريق منهم الإشراك وهم الذين دعوه، فخلصهم مما كانوا فيه. وهذا الكلام مسوق للتعجيب من أحوالهم وما صاروا عليه من الاعتراف بوحدانية الله سبحانه عند نزول الشدائد والرجوع إلى الشرك عند رفع ذلك عنهم، واللام في {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتيناهم} هي لام كي. وقيل: لام الأمر لقصد الوعيد والتهديد، وقيل: هي لام العاقبة. ثم خاطب سبحانه هؤلاء الذين وقع منهم ما وقع فقال: {فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} ما يتعقب هذا التمتع الزائل من العذاب الأليم. قرأ الجمهور: {فتمتعوا} على الخطاب. وقرأ أبو العالية بالتحتية على البناء للمفعول، وفي مصحف ابن مسعود: {فليتمتعوا}.
{أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سلطانا} أم هي المنقطعة، والاستفهام للإنكار والسلطان الحجة الظاهرة {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ} أي يدل كما في قوله: {هذا كتابنا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق} [الجاثية: 29] قال الفراء: إن العرب تؤنث السلطان، يقولون: قضت به عليك السلطان، فأما البصريون فالتذكير عندهم أفصح، وبه جاء القرآن، والتأنيث عندهم جائز لأنه بمعنى الحجة. وقيل: المراد بالسلطان هنا الملك {بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ} أي ينطق بإشراكهم بالله سبحانه، ويجوز أن تكون الباء سببية، أي بالأمر الذي بسببه يشركون {وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً} أي خصباً ونعمة وسعة وعافية {فَرِحُواْ بِهَا} فرح بطر وأشر، لا فرح شكر بها وابتهاج بوصولها إليهم {قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} [يونس: 58]. ثم قال سبحانه: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ} شدة على أي صفة {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي بسبب ذنوبهم {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} القنوط: الإياس من الرحمة، كذا قال الجمهور.
وقال الحسن: القنوط: ترك فرائض الله سبحانه. قرأ الجمهور: {يقنطون} بضم النون. وقرأ أبو عمرو والكسائي ويعقوب بكسرها. {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء} من عباده ويوسع له {وَيَقْدِرُ} أي يضيق على من يشاء لمصلحة في التوسيع لمن وسع له، وفي التضييق على من ضيق عليه {إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} فيستدلون على الحق لدلالتها على كمال القدرة وبديع الصنع، وغريب الخلق.
وقد أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان يلبي أهل الشرك: لبيك لا شريك لك إلاّ شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، فأنزل الله: {هَلْ لَّكُمْ مّن مَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن شُرَكَاء} الآية.
وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: هي في الآلهة، وفيه يقول: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله} قال: دين الله {ذلك الدين القيم} قال: القضاء القيم.
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن الأسود ابن سريع، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى خيبر فقاتلوا المشركين، فانتهى القتل إلى الذرية، فلما جاؤوا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما حملكم على قتل الذرية؟» قالوا: يا رسول الله، إنما كانوا أولاد المشركين، قال: «وهل خياركم إلاّ أولاد المشركين؟ والذي نفسي بيده ما من نسمة تولد إلاّ على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها».
وأخرج أحمد من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعبر عنه لسانه، فإذا عبر عنه لسانه إما شاكراً وإما كفوراً» رواه أحمد عن الربيع بن أنس عن الحسن عن جابر.
وقال الإمام أحمد في المسند: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة عن مطرف عن عياض بن حماد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوماً، فقال في خطبته حاكياً عن الله سبحانه: «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم» الحديث.

.تفسير الآيات (38- 46):

{فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40) ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (45) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46)}
لما بيّن سبحانه كيفية التعظيم لأمر الله أشار إلى ما ينبغي من مواساة القرابة، وأهل الحاجات ممن بسط الله له في رزقه، فقال: {فَئَاتِ ذَا القربى حَقَّهُ} والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته أسوته، أو لكل مكلف له مال وسع الله به عليه، وقدم الإحسان إلى القرابة لأن خير الصدقة ما كان على قريب، فهو صدقة مضاعفة وصلة رحم مرغب فيها، والمراد: الإحسان إليهم بالصدقة والصلة والبر {والمساكين وابن السبيل} أي وآت المسكين وابن السبيل حقهما الذي يستحقانه. ووجه تخصيص الأصناف الثلاثة بالذكر أنهم أولى من سائر الأصناف بالإحسان، ولكون ذلك واجباً لهم على كل من له مال فاضل عن كفايته وكفاية من يعول.
وقد اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ قيل: هي منسوخة بآية المواريث. وقيل: محكمة وللقريب في مال قريبه الغنيّ حقّ واحب، وبه قال مجاهد وقتادة. قال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد، ورحمه محتاج. قال مقاتل: حق المسكين أن يتصدّق عليه، وحق ابن السبيل الضيافة. وقيل: المراد بالقربى: قرابة النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال القرطبي: والأوّل أصح، فإن حقهم مبين في كتاب الله عزّ وجلّ في قوله: {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القربى} [الأنفال: 41] وقال الحسن: إن الأمر في إيتاء ذي القربى للندب {ذَلِكَ خَيْرٌ لّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله} أي ذلك الإيتاء أفضل من الإمساك لمن يريد التقرّب إلى الله سبحانه: {وأولئك هُمُ المفلحون} أي الفائزون بمطلوبهم حيث أنفقوا لوجه الله امتثالاً لأمره.
{وَمَا ءَاتَيْتُمْ مّن رِباً} قرأ الجمهور: {آتيتم} بالمدّ بمعنى أعطيتم، وقرأ مجاهد وحميد وابن كثير بالقصر بمعنى ما فعلتم، وأجمعوا على القراءة بالمدّ في قوله: {وما آتيتم من زكاة} وأصل الربى: الزيادة، وقراءة القصر تؤول إلى قراءة المدّ؛ لأن معناها: ما فعلتم على وجه الإعطاء، كما تقول: أتيت خطأ وأتيت صواباً؛ والمعنى في الآية: ما أعطيتم من زيادة خالية عن العوض {لّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ الناس} أي ليزيد ويزكو في أموالهم {فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ الله} أي لا يبارك الله فيه. قال السديّ: الربا في هذا الموضع: الهدية يهديها الرجل لأخيه يطلب المكافأة؛ لأن ذلك لا يربو عند الله، لا يؤجر عليه صاحبه، ولا إثم عليه، وهكذا قال قتادة والضحاك. قال الواحدي: وهذا قول جماعة المفسرين. قال الزجاج: يعني: دفع الإنسان الشيء ليعوّض أكثر منه وذلك ليس بحرام، ولكنه لا ثواب فيه؛ لأن الذي يهبه يستدعي به ما هو أكثر منه.
وقال الشعبي: معنى الآية: أن ما خدم به الإنسان أحداً، لينتفع به في دنياه فإن ذلك النفع الذي يجزي به الخدمة لا يربو عند الله.
وقيل: هذا كان حراماً على النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص لقوله سبحانه: {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6] ومعناها: أن تعطي فتأخذ أكثر منه عوضاً عنه. وقيل: إن هذه الآية نزلت في هبة الثواب. قال ابن عطية: وما يجري مجراه مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه. قال عكرمة: الربا ربوان: فربا حلال، وربا حرام. فأما الربا الحلال فهو الذي يهدي يلتمس ما هو أفضل منه: يعني كما في هذه الآية. وقيل: إن هذا الذي في هذه الآية هو الربا المحرّم، فمعنى لا يربو عند الله على القول لا يحكم به، بل هو للمأخوذ منه.
قال المهلب: اختلف العلماء فيمن وهب هبة يطلب بها الثواب، فقال مالك: ينظر فيه، فإن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له فله ذلك، مثل هبة الفقير للغنيّ، وهبة الخادم للمخدوم، وهبة الرجل لأميره، وهو أحد قولي الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يكون له ثواب إذا لم يشترط، وهو قول الشافعي الآخر. قرأ الجمهور: {ليربوا} بالتحتية على أن الفعل مسند إلى ضمير الربا. وقرأ نافع ويعقوب بالفوقية مضمومة خطاباً للجماعة بمعنى: لتكونوا ذوي زيادات. وقرأ أبو مالك: {لتربوها} ومعنى الآية: أنه لا يزكو عند الله، ولا يثيب عليه؛ لأنه لا يقبل إلاّ ما أريد به وجهه خالصاً له {وَمَا آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله} أي وما أعطيتم من صدقة لا تطلبون بها المكافأة، وإنما تقصدون بها ما عند الله {فأولئك هُمُ المضعفون} المضعف دون الأضعاف من الحسنات الذين يعطون بالحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الفراء: هو نحو قولهم: مسمن ومعطش ومضعف إذا كانت له إبل سمان، أو عطاش، أو ضعيفة. وقرأ أبيّ: {المضعفون} بفتح العين اسم مفعول.
{الله الذي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَيْء} عاد سبحانه إلى الاحتجاج على المشركين، وأنه الخالق الرازق المميت المحيي، ثم قال على جهة الاستفهام: {هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَيْء} ومعلوم أنهم يقولون ليس فيهم من يفعل شيئاً من ذلك، فتقوم عليهم الحجة، ثم نزّه سبحانه نفسه، فقال: {سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي نزّهوه تنزيهاً، وهو متعال عن أن يجوز عليه شيء من ذلك، وقوله: {من شركائكم} خبر مقدّم ومن للتبعيض، والمبتدأ هو الموصول، أعني: من يفعل، و{من ذلكم} متعلق بمحذوف؛ لأنه حال من {شيء} المذكور بعده، ومن في: {من شيء} مزيدة للتوكيد، وأضاف الشركاء إليهم؛ لأنهم كانوا يسمونهم آلهة، ويجعلون لهم نصيباً من أموالهم.
{ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس} بيّن سبحانه: أن الشرك والمعاصي سبب لظهور الفساد في العالم.
واختلف في معنى ظهور الفساد المذكور، فقيل: هو القحط وعدم النبات، ونقصان الرزق، وكثرة الخوف ونحو ذلك، وقال مجاهد، وعكرمة: فساد البرّ: قتل ابن آدم أخاه: يعني: قتل قابيل لهابيل، وفي البحر: الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً. وليت شعري أيّ دليل دلهما على هذا التخصيص البعيد والتعيين الغريب، فإن الآية نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم، والتعريف في الفساد يدلّ على الجنس، فيعم كل فساد واقع في حيزي البرّ والبحر.
وقال السديّ: الفساد الشرك، وهو أعظم الفساد. ويمكن أن يقال: إن الشرك وإن كان الفرد الكامل في أنواع المعاصي، ولكن لا دليل على أنه المراد بخصوصه. وقيل: الفساد كساد الأسعار وقلة المعاش. وقيل: الفساد: قطع السبل والظلم، وقيل: غير ذلك مما هو تخصيص لا دليل عليه. والظاهر من الآية ظهور ما يصح إطلاق اسم الفساد عليه سواء كان راجعاً إلى أفعال بني آدم من معاصيهم واقترافهم السيئات، وتقاطعهم وتظالمهم وتقاتلهم، أو راجعاً إلى ما هو من جهة الله سبحانه بسبب ذنوبهم كالقحط وكثرة الخوف والموتان ونقصان الزرائع ونقصان الثمار. والبرّ والبحر هما المعروفان المشهوران. وقيل: البرّ: الفيافي، والبحر: القرى التي على ماء قاله عكرمة، والعرب تسمي الأمصار: البحار. قال مجاهد: البرّ: ما كان من المدن والقرى على غير نهر، والبحر: ما كان على شط نهر. والأوّل أولى. ويكون معنى البرّ: مدن البرّ، ومعنى البحر: مدن البحر، وما يتصل بالمدن من مزارعها ومراعيها. والباء في {بما كسبت} للسببية، {ما} إما موصولة أو مصدرية {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذي عَمِلُواْ} اللام متعلقة بظهر، وهي لام العلة، أي ليذيقهم عقاب بعض عملهم أو جزاء بعض عملهم {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} عما هم فيه من المعاصي ويتوبون إلى الله.
{قُلْ سِيرُواْ في الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلُ} لما بين سبحانه ظهور الفساد بما كسبت أيدي المشركين والعصاة بيّن لهم ضلال أمثالهم من أهل الزمن الأوّل، وأمرهم بأن يسيروا لينظروا آثارهم ويشاهدوا كيف كانت عاقبتهم، فإن منازلهم خاوية وأراضيهم مقفرة موحشة كعاد وثمود ونحوهم من طوائف الكفار. وجملة: {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ} مستأنفة لبيان الحالة التي كانوا عليها، وإيضاح السبب الذي صارت عاقبتهم به إلى ما صارت إليه {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ القيم مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ} هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمته أسوته فيه، كأن المعنى: إذا قد ظهر الفساد بالسبب المتقدّم فأقم وجهك يا محمد إلخ. قال الزجاج: اجعل جهتك اتباع الدين القيم، وهو: الإسلام المستقيم {من قبل أن يأتي يوم} يعني: يوم القيامة {ا مردّ له} لا يقدر أحد على ردّه، والمردّ مصدر ردّ، وقيل: المعنى: أوضح الحق، وبالغ في الأعذار، و{مِنَ الله} يتعلق ب {يأتي} أو بمحذوف يدل عليه المصدر، أي لا يردّه من الله أحد.
وقيل: يجوز أن يكون المعنى: لا يردّه الله لتعلق إرادته القديمة بمجيئه، وفيه من الضعف وسوء الأدب مع الله ما لا يخفى {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} أصله يتصدعون، والتصدع التفرق، يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه قول الشاعر:
وكنا كندماني جذيمة برهة ** من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا

والمراد بتفرقهم هاهنا أن أهل الجنة يصيرون إلى الجنة، وأهل النار يصيرون إلى النار. {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي جزاء كفره، وهو النار {وَمَنْ عَمِلَ صالحا فَلأِنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} أي يوطئون لأنفسهم منازل في الجنة بالعمل الصالح، والمهاد: الفراش، وقد مهدت الفراش مهداً: إذا بسطته ووطأته، فجعل الأعمال الصالحة التي هي سبب لدخول الجنة كبناء المنازل في الجنة وفرشها. وقيل: المعنى: فعلى أنفسهم يشفقون، من قولهم في المشفق: أمٌّ فرشت فأنامت، وقديم الظرف في الموضعين للدلالة على الاختصاص.
وقال مجاهد: {فلأنفسهم يمهدون} في القبر، واللام في {لِيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ} متعلقة ب {يصدّعون}، أو {يمهدون}، أي يتفرّقون ليجزي الله المؤمنين بما يستحقونه {مِن فَضْلِهِ} أو يمهدون لأنفسهم بالأعمال الصالحة ليجزيهم. وقيل: يتعلق بمحذوف. قال ابن عطية: تقديره ذلك ليجزي، وتكون الإشارة إلى ما تقدّم من قوله: {من عمل} و{من كفر}. وجعل أبو حيان قسيم قوله: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} محذوفاً لدلالة قوله: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الكافرين} عليه؛ لأنه كناية عن بغضه لهم الموجب لغضبه سبحانه، وغضبه يستتبع عقوبته.
{وَمِنْ ءاياته أَن يُرْسِلَ الرياح مبشرات} أي ومن دلالات بديع قدرته إرسال الرياح مبشرات بالمطر؛ لأنها تتقدّمه كما في قوله سبحانه: {بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [النمل: 63] قرأ الجمهور: {الرياح} وقرأ الأعمش: {الريح} بالإفراد على قصد الجنس لأجل قوله: {مبشرات}، واللام في قوله: {وَلِيُذِيقَكُمْ مّن رَّحْمَتِهِ} متعلقة ب {يرسل}، أي يرسل الرياح مبشرات ويرسلها ليذيقكم من رحمته، يعني: الغيث والخصب. وقيل: هو متعلق بمحذوف، أي وليذيقكم أرسلها. وقيل: الواو مزيدة على رأي من يجوز ذلك، فتتعلق اللام ب {يرسل} {وَلِتَجْرِيَ الفلك بِأَمْرِهِ} معطوف على {ليذيقكم من رحمته} أي يرسل الرياح لتجري الفلك في البحر عند هبوبها، ولما أسند الجري إلى الفلك عقبه بقوله: {بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} أي تبتغوا الرزق بالتجارة التي تحملها السفن {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} هذه النعم فتفردون الله بالعبادة، وتستكثرون من الطاعة.
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَمَا ءَاتَيْتُمْ مّن رِباً} الآية قال: الربا ربوان: ربا لا بأس به وربا لا يصلح. فأما الربا الذي لا بأس به فهدية الرجل إلى الرجل يريد فضلها، وأضعافها.
وأخرج البيهقي عنه قال: هذا هو الربا الحلال، أن يهدي يريد أكثر منه وليس له أجر ولا وزر، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة فقال: {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6].
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {وَمَا ءَاتَيْتُمْ مّن زَكَاةٍ} قال: هي الصدقة.
وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر} قال: البر: البرية التي ليس عندها نهر، والبحر: ما كان من المدائن والقرى على شط نهر.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال: نقصان البركة بأعمال العباد كي يتوبوا.
وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} قال: من الذنوب.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {يَصَّدَّعُونَ} قال: يتفرقون.