فصل: تفسير الآية رقم (253):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (253):

{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253)}
قوله: {تِلْكَ الرسل} قيل: هو إشارة إلى جميع الرسل، فتكون الألف واللام للاستغراق، وقيل: هو إشارة إلى الأنبياء المذكورين في هذه السورة، وقيل: إلى الأنبياء الذين بلغ علمهم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. والمراد بتفضيل بعضهم على بعض: أن الله سبحانه جعل لبعضهم من مزايا الكمال فوق ما جعله للآخر، فكان الأكثر مزايا فاضلاً، والآخر مفضولاً. وكما دلت هذه الآية على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض كذلك دلت الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً} [الإسراء: 55].
وقد استشكل جماعة من أهل العلم الجمع بين هذه الآية، وبين ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: «لا تفضلوني على الأنبياء» وفي لفظ آخر: «لا تفضلوا بين الأنبياء» وفي لفظ: «لا تخيروا بين الأنبياء» فقال قوم: إن هذا القول منه صلى الله عليه وسلم كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل، وقيل: إنه قال صلى الله عليه وسلم ذلك على سبيل التواضع كما قال: «لا يقل أحدكم أنا خير من يونس بن متى» تواضعاً مع علمه أنه أفضل الأنبياء كما يدل عليه قوله: «أنا سيد ولد آدم»؛ وقيل: إنما نهى عن ذلك قطعاً للجدال، والخصام في الأنبياء، فيكون مخصوصاً بمثل ذلك لا إذا كان صدور ذلك مأموناً، وقيل: إن النهي إنما هو من جهة النبوة فقط؛ لأنها خصلة واحدة لا تفاضل فيها، ولا نهي عن التفاضل بزيادة الخصوصيات، والكرامات. وقيل: إن المراد النهي عن التفضيل لمجرد الأهواء، والعصبية. وفي جميع هذه الأقوال ضعف. وعندي أنه لا تعارض بين القرآن، والسنة، فإن القرآن دلّ على أن الله فضل بعض أنبيائه على بعض، وذلك لا يستلزم أنه يجوز لنا أن نفضل بعضهم على بعض، فإن المزايا التي هي مناط التفضيل معلومة عند الله لا تخفى عليه منها خافية فيه، وليست بمعلومة عند البشر، فقد يجهل اتباع نبيّ من الأنبياء بعض مزاياه، وخصوصياته فضلاً عن مزايا غيره، والتفضيل لا يجوز إلا بعد العلم بجميع الأسباب التي يكون بها هذا فاضلاً، وهذا مفضولاً، لا قبل العلم ببعضها، أو بأكثرها، أو بأقلها، فإن ذلك تفضيل بالجهل، وإقدام على أمر لا يعلمه الفاعل له، وهو ممنوع منه، فلو فرضنا أنه لم يرد إلا القرآن في الإخبار لنا بأن الله فضل بعض أنبيائه على بعض لم يكن فيه دليل على أنه يجوز للبشر أن يفضلوا بين الأنبياء، فكيف وقد وردت السنة الصحيحة بالنهي عن ذلك؟ وإذا عرفت هذا علمت أنه لا تعارض بين القرآن، والسنة بوجه من الوجوه، فالقرآن فيه الإخبار من الله بأنه فضل بعض أنبيائه على بعض، والسنة فيها النهي لعباده أن يفضلوا بين أنبيائه، فمن تعرّض للجمع بينهما زاعماً أنهما متعارضان، فقد غلط غلطاً بيناً.
قوله: {مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله} وهو موسى، ونبينا سلام الله عليهما.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في آدم: «إنه نبيّ مكلم» وقد ثبت ما يفيد ذلك في صحيح ابن حبان من حديث أبي ذر. قوله: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات} هذا البعض يحتمل أن يراد به من عظمت منزلته عند الله سبحانه من الأنبياء، ويحتمل أن يراد به نبينا صلى الله عليه وسلم لكثرة مزاياه المقتضية لتفضيله، ويحتمل أن يراد به إدريس؛ لأن الله سبحانه أخبرنا بأنه رفعه مكاناً علياً، وقيل: إنهم أولوا العزم، وقيل: إبراهيم، ولا يخفاك أن الله سبحانه أبهم هذا البعض المرفوع، فلا يجوز لنا التعرّض للبيان له إلا ببرهان من الله سبحانه، أو من أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، ولم يرد ما يرشد إلى ذلك، فالتعرّض لبيانه هو من تفسير القرآن الكريم بمحض الرأي، وقد عرفت ما فيه من الوعيد الشديد مع كون ذلك ذريعة إلى التفضيل بين الأنبياء، وقد نهينا عنه، وقد جزم كثير من أئمة التفسير أنه نبينا، وأطالوا في ذلك، واستدلوا بما خصه الله به من المعجزات، ومزايا الكمال، وخصال الفضل، وهم بهذا الجزم بدليل لا يدل على المطلوب، قد وقعوا في خطرين، وارتكبوا نهيين، وهما: تفسير القرآن بالرأي، والدخول في ذرائع التفضيل بين الأنبياء، وإن لم يكن ذلك تفضيلاً صريحاً، فهو ذريعة إليه بلا شك، ولا شبهة؛ لأن من جزم بأن هذا البعض المرفوع درجات هو النبيّ الفلاني، انتقل من ذلك إلى التفضيل المنهيّ عنه، وقد أغني الله نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم عن ذلك بما لا يحتاج معه إلى غيره من الفضائل، والفواضل، فإياك أن تتقرّب إليه صلى الله عليه وسلم بالدخول في أبواب نهاك عن دخولها، فتعصيه، وتسيء، وأنت تظن أنك مطيع محسن.
قوله: {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} أي: الآيات الباهرة، والمعجزات الظاهرة من إحياء الأموات، وإبراء المرضى، وغير ذلك. قوله: {وأيدناه بِرُوحِ القدس} هو: جبريل، وقد تقدّم الكلام على هذا. قوله: {وَلَوْ شَاء الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم} أي: من بعد الرسل، وقيل: من بعد موسى، وعيسى، ومحمد؛ لأن الثاني مذكور صريحاً، والأول، والثالث وقعت الإشارة إليهما بقوله: {مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله} أي: لو شاء الله عدم اقتتالهم ما اقتتلوا، فمفعول المشيئة محذوف على القاعدة {ولكن اختلفوا} استثناء من الجملة الشرطية، أي: ولكن الاقتتال ناشيء عن اختلافهم اختلافاً عظيماً حتى صاروا مللاً مختلفة {مِنْهُمْ مّنْ آمن وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء الله} عدم اقتتالهم بعد هذا الاختلاف {مَا اقتتلوا ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} لا رادّ لحكمه، ولا مبدّل لقضائه، فهو يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى: {فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ} قال: اتخذ الله إبراهيم خليلاً، وكلم موسى تكليماً، وجعل عيسى كمثل آدم {خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} [آل عمران: 59] وهو عبد الله، وكلمته وروحه، وآتى داود زبوراً، وآتى سليمان ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وغفر لمحمد ما تقدم من ذنبه، وما تأخر.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن مجاهد في قوله: {مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله} قال: كلم الله موسى، وأرسل محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عامر الشعبي في قوله: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات} قال: محمداً.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة {وَلَوْ شَاء الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم} يقول: من بعد موسى، وعيسى.
وأخرج ابن عساكر، عن ابن عباس قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية إذ أقبل عليّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاوية: «أتحب علياً؟ قال: نعم، قال: إنها ستكون بينكم فتنة هنيهة، قال معاوية: فما بعد ذلك يا رسول الله؟ قال: عفو الله ورضوانه» قال: رضينا بقضاء الله، فعند ذلك نزلت هذه الآية: {وَلَوْ شَاء الله مَا اقتتلوا ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} قال السيوطي: وسنده واهٍ.

.تفسير الآية رقم (254):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)}
ظاهر الأمر في قوله: {أَنفَقُواْ} الوجوب، وقد حمله جماعة على صدقة الفرض لذلك، ولما في آخر الآية من الوعيد الشديد، وقيل: إن هذه الآية تجمع زكاة الفرض، والتطوّع. قال ابن عطية: وهذا صحيح، ولكن ما تقدّم من الآيات في ذكر القتال، وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله. قال القرطبي: وعلى هذا التأويل يكون إنفاق المال مرة واجباً، ومرة ندباً بحسب تعين الجهاد، وعدم تعينه. قوله: {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ} أي: أنفقوا ما دمتم قادرين {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ} ما لا يمكنكم الإنفاق فيه، وهو: {يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ} أي: لا يتبايع الناس فيه. والخلة: خالص الموّدة مأخوذة من تخلل الأسرار بين الصديقين. أخبر سبحانه أنه لا خلة في يوم القيامة نافعة، ولا شفاعة مؤثرة إلا لمن أذن الله له. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، بنصب لا بيع ولا خلة، ولا شفاعة، من غير تنوين. وقرأ الباقون برفعها منوّنة، وهما لغتان مشهورتان للعرب، ووجهان معروفان عند النحاة، فمن الأوّل قول حسان بن ثابت:
ألا طِعانَ ألا فُرسانَ عَادِية ** ألا تجسُّؤكم حول التَّنَانير

ومن الثاني قول الراعي:
وما صَرَمْتِكِ حَتَّى قُلْتَ مُعْلِنَةً ** لا ناقة لِيَ في هَذَا وَلاَ جَمَلُ

ويجوز في غير القرآن التغاير برفع البعض، ونصب البعض، كما هو مقرر في علم الإعراب. قوله: {والكافرون هُمُ الظالمون} فيه دليل على أن كل كافر ظالم لنفسه، ومن جملة من يدخل تحت هذا العموم مانع الزكاة منعاً يوجب كفره لوقوع ذلك في سياق الأمر بالإنفاق.
وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن جريج في قوله تعالى: {يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم} قال: من الزكاة، والتطوّع.
وأخرج ابن المنذر، عن سفيان قال: يقال: نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن، ونسخ شهر رمضان كل صوم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: قد علم الله أن ناساً يتخاللون في الدنيا، ويشفع بعضهم لبعض، فأما يوم القيامة، فلا خلة إلا خلة المتقين.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن عطاء قال: الحمد لله الذي قال: {والكافرون هُمُ الظالمون} ولم يقل: والظالمون هم الكافرون.

.تفسير الآية رقم (255):

{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)}
قوله: {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} أي: لا معبود بحق إلا هو، وهذه الجملة خبر المبتدأ. و{الحيّ}: الباقي. وقيل: الذي لا يزول، ولا يحول. وقيل: المصرّف للأمور، والمقدّر للأشياء. قال الطبري عن قوم إنه يقال: حيّ كما وصف نفسه، ويسلم ذلك دون أن ينظر فيه، وهو خبر ثان، أو مبتدأ خبره محذوف. و{القيوم}: القائم على كل نفس بما كسبت. وقيل: القائم بذاته المقيم لغيره، وقيل: القائم بتدبير الخلق، وحفظه، وقيل: هو الذي لا ينام، وقيل: الذي لا بديل له. وأصل قيوم: قيووم اجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فأدغمت الأولى في الثانية بعد قلب الواو ياء. وقرأ ابن مسعود، وعلقمة، والنخعي، والأعمش: {الحيّ القيام} بالألف، وروي ذلك عن عمر، ولا خلاف بين أهل اللغة أن القيوم أعرف عند العرب، وأصح بناء، وأثبت علة.
والسنة: النعاس في قول الجمهور، والنعاس: ما يتقدّم النوم من الفتور، وانطباق العينين، فإذا صار في القلب صار نوماً. وفرق المفصّل بين السِّنَة، والنعاس، والنوم فقال: السنة من الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب. انتهى. والذي ينبغي التعويل عليه في الفرق بين السنة والنوم، أن السِّنة لا يفقد معها العقل، بخلاف النوم، فإنه استرخاء أعضاء الدماغ من رطوبات الأبخرة حتى يفقد معه العقل، بل وجميع الإدراكات بسائر المشاعر، والمراد: أنه لا يعتريه سبحانه شيء منهما، وقدّم السنة على النوم، لكونها تتقدّمه في الوجود. قال الرازي في تفسيره: إن السنة ما تتقدّم النوم، فإذا كانت عبارة عن مقدّمة النوم، فإذا قيل: لا تأخذه سنة دلّ على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى، فكان ذكر النوم تكراراً، قلنا: تقدير الآية لا تأخذه سنة فضلاً عن أن يأخذه نوم، والله أعلم بمراده. انتهى. وأقول: إن هذه الأولوية التي ذكرها غير مسلمة، فإن النوم قد يرد ابتداء من دون ما ذكر من النعاس. وإذا ورد على القلب، والعين دفعة واحدة، فإنه يقال له نوم، ولا يقال له سنة، فلا يستلزم نفي السنة نفي النوم.
وقد ورد عن العرب نفيهما جميعاً، ومنه قول زهير:
وَلاَ سِنَةٌ طوالُ الدّهْرِ تَأخَذه ** وَلا يَنَامُ وَمَا في أمْرِه فَنَدُ

فلم يكتف بنفي السنة، وأيضاً، فإن الإنسان يقدر على أن يدفع عن نفسه السنة، ولا يقدر على أن يدفع عن نفسه النوم، فقد يأخذه النوم، ولا تأخذه السنة، فلو وقع الاقتصار في النظم القرآني على نفي السنة لم يفد ذلك نفي النوم، وهكذا لو وقع الاقتصار على نفي النوم لم يفد نفي السنة، فكم من ذي سِنة غير نائم. وكرّر حرف النفي للتنصيص على شمول النفي لكل واحد منهما.
قوله: {مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} في هذا الاستفهام من الإنكار على من يزعم أن أحداً من عباده يقدر على أن ينفع أحداً منهم بشفاعة، أو غيرها، والتقريع، والتوبيخ له ما لا مزيد عليه، وفيه من الدفع في صدور عباد القبور، والصدّ في وجوههم، والفت في أعضادهم ما لا يقادر قدره، ولا يبلغ مداه، والذي يستفاد منه فوق ما يستفاد من قوله تعالى: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى} [الأنبياء: 28] وقوله تعالى: {لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن} [النبأ: 28] بدرجات كثيرة.
وقد بينت الأحاديث الصحيحة الثابتة في دواوين الإسلام صفة الشفاعة، ولمن هي، ومن يقوم بها.
قوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} الضميران لما في السموات، والأرض بتغليب العقلاء على غيرهم، وما بين أيديهم، وما خلفهم عبارة، عن المتقدّم عليهم، والمتأخر عنهم، أو عن الدنيا، والآخرة، وما فيهما. قوله: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ} قد تقدّم معنى الإحاطة، والعلم هنا بمعنى: المعلوم أي: لا يحيطون بشيء من معلوماته. قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ} الكرسي الظاهر أنه الجسم الذي وردت الآثار بصفته كما سيأتي بيان ذلك.
وقد نفي وجوده جماعة من المعتزلة، وأخطئوا في ذلك خطأ بيناً، وغلطوا غلطاً فاحشاً.
وقال بعض السلف: إن الكرسي هنا عبارة عن العلم. قالوا: ومنه قيل للعلماء: الكراسي، ومنه الكراسة التي يجمع فيها العلم، ومنه قول الشاعر:
تَحُفُّ بِهْم بِيضُ الوُجُوه وعُصْبَةٌ ** كَراسيَّ بالأخْبَارِ حِينَ تَنُوبُ

ورجح هذا القول ابن جرير الطبري. وقيل: كرسيه: قدرته التي يمسك بها السموات والأرض، كما يقال اجعل لهذا الحائط كرسياً، أي ما يعمده، وقيل: إن الكرسي هو العرش. وقيل: هو تصوير لعظمته، ولا حقيقة له. وقيل: هو عبارة عن الملك. والحق القول الأوّل، ولا وجه للعدول عن المعنى الحقيقي إلا مجرد خيالات تسببت، عن جهالات وضلالات، والمراد بكونه وسع السموات والأرض: أنها صارت فيه، وأنه وسعها، ولم يضق عنها لكونه بسيطاً واسعاً. وقوله: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} معناه: لا يثقله ثقال أدنى الشيء، بمعنى أثقلني، وتحملت منه مشقة.
وقال الزجاج: يجوز أن يكون الضمير في قوله: {يَؤُودُهُ} لله سبحانه، ويجوز أن يكون للكرسي؛ لأنه من أمر الله و{العليّ} يراد به علوّ القدرة، والمنزلة.
وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا: هو العليّ عن خلقه بارتفاع مكانه، عن أماكن خلقه. قال ابن عطية: وهذه أقوال جهلة مجسِّمين، وكان الواجب أن لا تحكى. انتهى.
والخلاف في إثبات الجهة معروف في السلف، والخلف، والنزاع فيه كائن بينهم، والأدلة من الكتاب، والسنة معروفة، ولكن الناشيء على مذهب يرى غيره خارجاً عن الشرع، ولا ينظر في أدلته، ولا يلتفت إليها، والكتاب، والسنة هما المعيار الذي يعرف به الحق من الباطل، ويتبين به الصحيح من الفاسد {وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السموات والأرض} [المؤمنون: 71] ولا شك أن هذا اللفظ يطلق على الظاهر الغالب كما في قوله: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ في الأرض} [القصص: 4] وقال الشاعر:
فَلَمَّا عَلَوْنَا واسْتَوْيَنا عليهم ** تَركْنَاهُمُ صَرْعى لِنْسرٍ وَكَاسرٍ

والعظيم بمعنى: عظم شأنه، وخطره.
قال في الكشاف: إن الجملة الأولى: بيان لقيامه بتدبير الخلق، وكونه مهيمناً عليه غير ساهٍ عنه، والثانية: بيان لكونه مالكاً لما يدبره. والجملة الثالثة: بيان لكبرياء شأنه. والجملة الرابعة: بيان لإحاطته بأحوال الخلق، وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب للشفاعة، وغير المرتضى. والجملة الخامسة: بيان لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها، أو لجلاله، وعظم قدره.
وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم في قوله: {الحى} أي: حيّ لا يموت و{القيوم} القائم الذي لا بديل له.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي عن مجاهد في قوله: {القيوم} قال: القائم على كل شيء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: القيوم الذي لا زوال له.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس في قوله: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} قال: السنة: النعاس، والنوم هو: النوم.
وأخرجوا إلا البيهقي عن السدّي قال: السنة ريح النوم الذي تأخذه في الوجه، فينعس الإنسان.
وأخرج ابن جرير، عن مجاهد في قوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} قال: ما مضى من الدنيا: {وَمَا خَلْفَهُمْ} من الآخرة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} ما قدّموا من أعمالهم {وَمَا خَلْفَهُمْ} ما أضاعوا من أعمالهم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ} قال: علمه، ألا ترى إلى قوله: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا}.
وأخرج الدارقطني في الصفات، والخطيب في تاريخه عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ} قال: «كرسيه موضع قدمه، والعرش لا يقدّر قدره إلا الله عزّ وجلّ».
وأخرجه الحاكم وصححه.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، والبيهقي عن أبي موسى الأشعري مثله موقوفاً.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس؛ قال: لو أن السموات السبع، والأرضين السبع بسطن، ثم وصلن بعضهنّ إلى بعض ما كنّ في سعته- يعني الكرسي-إلا بمنزلة الحلقة في المفازة.
وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي ذرّ الغفاري؛ أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الكرسي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ما السموات السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة».
وأخرج عبد بن حميد، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وأبو الشيخ، والطبراني، والضياء المقدسي في المختارة عن عمر؛ قال: أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، فعظم الربّ سبحانه وقال: «إن كرسيه وسع السموات والأرض، وإن له أطيطاً كأطيط المرحل الحديد من ثقله» وفي إسناده عبد الله بن خليفة، وليس بالمشهور. وفي سماعه من عمر نظر، ومنهم من يرويه، عن عمر موقوفاً.
وأخرج ابن مردويه، عن أبي هريرة مرفوعاً: أنه موضع القدمين. وفي إسناده الحكم بن ظهير الفزاري الكوفي وهو متروك.
وقد ورد عن جماعة من السلف من الصحابة، وغيرهم، في وصف الكرسي آثار لا حاجة في بسطها.
وقد روى أبو داود في كتاب السنة من سننه من حديث جبير بن مطعم حديثاً في صفته، وكذلك أورد ابن مردويه عن بريدة، وجابر، وغيرهما.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} قال: لا يثقل عليه.
وأخرج ابن أبي حاتم عنه: {وَلاَ يَؤُودُهُ} قال: ولا يكثره.
وأخرج ابن جرير عنه قال: العظيم الذي قد كمل في عظمته.
واعلم أنه قد ورد في فضل هذه الآية أحاديث. فأخرج أحمد، ومسلم، واللفظ له عن أبيّ بن كعب: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سأله: «أيّ آية من كتاب الله أعظم؟» قال: آية الكرسي، قال: «ليهنك العلم أبا المنذر».
وأخرج النسائي، وأبو يعلى، وابن حبان، وأبو الشيخ في العظمة، والطبراني، والحاكم وصححه، عن أبيّ بن كعب: أنه كان له جُرْن فيه تمر، فكان يتعاهده، فوجده ينقص، فحرسه ذات ليلة، فإذا هو بدابة شبه الغلام المحتلم، قال: فسلمت فردّ السلام، فقلت: ما أنت، جنيّ أم إنسي؟ قال: جنيّ، قلت: ناولني يدك، فناولني، فإذا يده يد كلب، وشعره شعر كلب، فقلت: هكذا خلق الجنّ؟ قال: لقد علمت الجنّ أن ما فيهم من هو أشدّ مني، قلت: ما حملك على ما صنعت؟ قال: بلغني أنك رجل تحبّ الصدقة، فأحببنا أن نصيب من طعامك، فقال له أبيّ: فما الذي يجيرنا منكم؟ قال: هذه الآية، آية الكرسي التي في سورة البقرة من قالها حين يمسي أجير منا حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح أجير منا حتى يمسي، فلما أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال: «صدق الخبيث».
وأخرج البخاري في تاريخه، والطبراني، وأبو نعيم في المعرفة بسند رجاله ثقات عن ابن الأسقع البكري: «أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم في صُفَّة المهاجرين، فسأله إنسان أيّ آية في القرآن أعظم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحى القيوم لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} حتى انقضت الآية».
وأخرج أحمد من حديث أبي ذرّ مرفوعاً نحوه.
وأخرج الخطيب البغدادي في تاريخه، عن أنس مرفوعاً نحوه أيضاً.
وأخرج الدارمي، عن أيفع بن عبد الله الكلاعي نحوه.
وأخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة قال: «وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو، وذكر قصة، وفي آخرها أنه قال له: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فأخبر أبو هريرة بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أما إنه صدقك، وهو كذوب، تعلم من تخاطب يا أبا هريرة؟ قال: لا، قال: ذلك شيطان كذا».
وأخرج نحو ذلك أحمد عن أبي أيوب.
وأخرج الطبراني، والحاكم، وأبو نعيم، والبيهقي عن معاذ بن جبل مرفوعاً نحوه.
وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعظم آية في كتاب الله {الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم}».
وأخرج نحوه أحمد، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن أبي ذرّ مرفوعاً.
وأخرج نحوه أيضاً أحمد، والطبراني من حديث أبي أمامة مرفوعاً.
وأخرج سعيد ابن منصور، والحاكم، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه، آية الكرسي» قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وأخرج الحاكم من حديث زائدة مرفوعاً: «لكل شيء سنام، وسنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن، آية الكرسي»، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير.
وقد تكلم فيه شعبة، وضعفه، وكذا ضعفه أحمد، ويحيى بن معين، وغير واحد، وتركه ابن مهدي، وكذبه السعدي.
وأخرج أبو داود، والترمذي وصححه من حديث أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هاتين الآيتين {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} و{الما الله لا إله إلاهو} [آل عمران: 1، 2] «إن فيهما اسم الله الأعظم».
وقد وردت أحاديث في فضلها غير هذه، وورد أيضاً في فضل قراءتها دبر الصلوات، وفي غير ذلك، وورد أيضاً في فضلها مع مشاركة غيرها أحاديث، وورد عن السلف في ذلك شيء كثير.