فصل: تفسير الآيات رقم (104- 123)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: في ظلال القرآن ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏104- 123‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏104‏)‏ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ‏(‏105‏)‏ مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏106‏)‏ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ‏(‏107‏)‏ أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ‏(‏108‏)‏ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏109‏)‏ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏110‏)‏ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏111‏)‏ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏112‏)‏ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ‏(‏113‏)‏ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏114‏)‏ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ‏(‏115‏)‏ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ‏(‏116‏)‏ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ‏(‏117‏)‏ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ‏(‏118‏)‏ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ‏(‏119‏)‏ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ‏(‏120‏)‏ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏121‏)‏ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ‏(‏122‏)‏ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ‏(‏123‏)‏‏}‏

يمضي هذا الدرس في كشف دسائس اليهود وكيدهم للإسلام والمسلمين؛ وتحذير الجماعة المسلمة من ألاعيبهم وحيلهم، وما تكنه نفوسهم للمسلمين من الحقد والشر، وما يبيتون لهم من الكيد والضر؛ ونهى الجماعة المسلمة عن التشبه بهؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب في قول أو فعل؛ ويكشف للمسلمين عن الأسباب الحقيقية الدفينة التي تكمن وراء أقوال اليهود وأفعالهم، وكيدهم ودسهم، وألاعيبهم وفتنهم، التي يطلقونها في الصف الإسلامي‏.‏

ويبدو أن اليهود كانوا يتخذون من نسخ بعض الأوامر والتكاليف، وتغييرها وفق مقتضيات النشأة الإسلامية الجديدة، والظروف والملابسات التي تحيط بالجماعة المسلمة‏.‏‏.‏ يبدو أنهم كانوا يتخذون من هذا ذريعة للتشكيك في مصدر هذه الأوامر والتكاليف؛ ويقولون للمسلمين‏:‏ لو كانت من عند الله ما نسخت ولا صدر أمر جديد يلغي أو يعدل أمراً سابقاً‏.‏

واشتدت هذه الحملة عند تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة بعد ستة عشر شهراً من الهجرة‏.‏ وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- قد اتجه بالصلاة- عقب الهجرة- إلى بيت المقدس- قبلة اليهود ومصلاهم- فاتخذ اليهود من هذا التوجه حجة على أن دينهم هو الدين، وقبلتهم هي القبلة؛ مما جعل الرسول- صلى الله عليه وسلم- يرغب ولا يصرح في التحول عن بيت المقدس إلى الكعبة، بيت الله المحرم‏.‏ وظلت هذه الرغبة تعتمل في نفسه حتى استجاب له ربه فوجهه إلى القبلة التي يرضاها- كما سيجيء في سياق السورة- ونظراً لما يحمله هذا التحول من دحض لحجة بني إسرائيل فقد عز عليهم أن يفقدوا مثل هذه الحجة، فشنوها حملة دعاية ماكرة في وسط المسلمين، بالتشكيك في مصدر الأوامر التي يكلفهم بها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وفي صحة تلقيه عن الوحي‏.‏‏.‏ أي إنهم وجهوا المعول إلى أساس العقيدة في نفوس المسلمين‏!‏ ثم قالوا لهم‏:‏ إن كان التوجه إلى بيت المقدس باطلاً فقد ضاعت صلاتكم وعبادتكم طوال هذه الفترة‏.‏ وإن كان صحيحاً‏.‏ ففيم التحول عنه‏؟‏ أي أنهم وجهوا المعول إلى أساس الثقة في نفوس المسلمين برصيدهم من ثواب الله، وقبل كل شيء في حكمة القيادة النبوية‏!‏

ويبدو أن هذه الحملة الخبيثة الماكرة آتت ثمرتها الكريهة في بعض نفوس المسلمين‏.‏ فأخذوا يسألون الرسول- صلى الله عليه وسلم- في قلق وزعزعة؛ ويطلبون البراهين والأدلة، الأمر الذي لا يتفق مع الطمأنينة المطلقة إلى القيادة، والثقة المطلقة بمصدر العقيدة‏.‏ فنزل القرآن يبين لهم أن نسخ بعض الأوامر والآيات يتبع حكمة الله الذي يختار الأحسن لعباده؛ ويعلم ما يصلح لهم في كل موقف‏.‏ وينبههم في الوقت ذاته إلى أن هدف اليهود هو ردهم كفاراً بعد إيمانهم؛ حسداً من عند أنفسهم على اختيار الله لهم، واختصاصهم برحمته وفضله، بتنزيل الكتاب الأخير عليهم، وانتدابهم لهذا الأمر العظيم‏.‏

ويكشف لهم ما وراء أضاليل اليهود من غرض دفين‏!‏ ويفند دعواهم الكاذبة في أن الجنة من حقهم وحدهم‏.‏ ويقص عليهم التهم المتبادلة بين فريقي أهل الكتاب إذ يقول اليهود‏:‏ ليست النصارى على شيء، وتقول النصارى ليست اليهود على شيء؛ وكذلك يقول المشركون عن الجميع‏!‏

ثم يفظع نيتهم التي يخفونها من وراء قصة القبلة؛ وهي منع الاتجاه إلى الكعبة بيت الله ومسجده الأول، ويعده منعا لمساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعياً في خرابها‏.‏

ويمضي السياق في هذا الدرس على هذا النحو، حتى ينتهي إلى أن يضع المسلمين وجهاً لوجه أمام الهدف الحقيقي لأهل الكتاب من اليهود والنصارى‏.‏‏.‏ إنه تحويل المسلمين من دينهم إلى دين أهل الكتاب ولن يرضوا عن النبي- صلى الله عليه وسلم- حتى يتبع ملتهم، وإلا فهي الحرب والكيد والدس إلى النهاية‏!‏ وهذه هي حقيقة المعركة التي تكمن وراء الأباطيل والأضاليل، وتتخفى خلف الحجج والأسباب المقنعة‏!‏‏!‏‏!‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا‏:‏ راعنا‏.‏ وقولوا‏:‏ انظرنا، واسمعوا، وللكافرين عذاب أليم‏.‏ ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم، والله يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم‏.‏ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير‏؟‏ ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير‏.‏ أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل‏؟‏ ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل‏.‏ ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره، إن الله على كل شيء قدير وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله، إن الله بما تعملون بصير‏}‏‏.‏‏.‏

يتجه الخطاب في مطلع هذا الدرس إلى ‏{‏الذين آمنوا‏}‏ يناديهم بالصفة التي تميزهم، والتي تربطهم بربهم ونبيهم، والتي تستجيش في نفوسهم الاستجابة والتلبية‏.‏

وبهذه الصفة ينهاهم أن يقولوا للنبي- صلى الله عليه وسلم-‏:‏ ‏{‏راعنا‏}‏- من الرعاية والنظر- وأن يقولوا بدلاً منها مرادفها في اللغة العربية‏:‏ ‏{‏أنظرنا‏}‏‏.‏‏.‏ ويأمرهم بالسمع بمعنى الطاعة، ويحذرهم من مصير الكافرين وهو العذاب الأليم‏:‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا‏:‏ راعنا وقولوا انظرنا‏.‏ واسمعوا‏.‏ وللكافرين عذاب أليم‏}‏‏.‏

وتذكر الروايات أن السبب في ذلك النهي عن كلمة ‏{‏راعنا‏}‏‏.‏‏.‏ أن سفهاء اليهود كانوا يميلون ألسنتهم في نطق هذا اللفظ، وهم يوجهونه للنبي- صلى الله عليه وسلم- حتى يؤدي معنى آخر مشتقاً من الرعونة‏.‏

فقد كانوا يخشون أن يشتموا النبي- صلى الله عليه وسلم- مواجهة، فيحتالون على سبه- صلوات الله وسلامه عليه- عن هذا الطريق الملتوي، الذي لا يسلكه إلا صغار السفهاء‏!‏ ومن ثم جاء النهي للمؤمنين عن اللفظ الذي يتخذه اليهود ذريعة، وأمروا أن يستبدلوا به مرادفه في المعنى، الذي لا يملك السفهاء تحريفه وإمالته‏.‏ كي يفوتوا على اليهود غرضهم الصغير السفيه‏!‏

واستخدام مثل هذه الوسيلة من اليهود يشي بمدى غيظهم وحقدهم، كما يشي بسوء الأدب، وخسة الوسيلة، وانحطاط السلوك‏.‏ والنهي الوارد بهذه المناسبة يوحي برعاية الله لنبيه وللجماعة المسلمة، ودفاعه- سبحانه- عن أوليائه، بإزاء كل كيد وكل قصد شرير من أعدائهم الماكرين‏.‏

ثم يكشف للمسلمين عما تكنه لهم صدور اليهود حولهم من الشر والعداء، وعما تنغل به قلوبهم من الحقد والحسد، بسبب ما اختصهم به الله من الفضل‏.‏ ليحذروا أعداءهم، ويستمسكوا بما يحسدهم هؤلاء الأعداء عليه من الإيمان، ويشكروا فضل الله عليهم ويحفظوه‏:‏

‏{‏ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم‏.‏ والله يختص برحمته من يشاء‏.‏ والله ذو الفضل العظيم‏}‏‏.‏‏.‏

ويجمع القرآن بين أهل الكتاب والمشركين في الكفر‏.‏‏.‏ وكلاهما كافر بالرسالة الأخيرة فهما على قدم سواء من هذه الناحية؛ وكلاهما يضمر للمؤمنين الحقد والضغن، ولا يود لهم الخير‏.‏ وأعظم ما يكرهونه للمؤمنين هو هذا الدين‏.‏ هو أن يختارهم الله لهذا الخير وينزل عليهم هذا القرآن، ويحبوهم بهذه النعمة، ويعهد إليهم بأمانة العقيدة في الأرض، وهي الأمانة الكبرى في الوجود‏.‏

ولقد سبق الحديث عن حقدهم وغيظهم من أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، حتى لقد بلغ بهم الغيظ أن يعلنوا عداءهم لجبريل- عليه السلام- إذ كان ينزل بالوحي على الرسول- صلى الله عليه وسلم-‏:‏

‏{‏والله يختص برحمته من يشاء‏}‏‏.‏‏.‏

فالله أعلم حيث يجعل رسالته؛ فإذا اختص بها محمداً- صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين به، فقد علم- سبحانه- أنه وأنهم أهل لهذا الاختصاص‏.‏

‏{‏والله ذو الفضل العظيم‏}‏‏.‏‏.‏

وليس أعظم من نعمة النبوة والرسالة؛ وليس أعظم من نعمة الإيمان والدعوة إليه‏.‏ وفي هذا التلميح ما يستجيش في قلوب الذين آمنوا الشعور بضخامة العطاء وجزالة الفضل، وفي التقرير الذي سبقه عما يضمره الذين كفروا للذين آمنوا ما يستجيش الشعور بالحذر والحرص الشديد‏.‏‏.‏ وهذا الشعور وذاك ضروريان للوقوف في وجه حملة البلبلة والتشكيك التي قادها- ويقودها- اليهود، لتوهين العقيدة في نفوس المؤمنين، وهي الخير الضخم الذي ينفسونه على المسلمين‏!‏

وكانت الحملة- كما أسلفنا- تتعلق بنسخ بعض الأوامر والتكاليف‏.‏

وبخاصة عند تحويل القبلة إلى الكعبة‏.‏ الأمر الذي أبطل حجتهم على المسلمين‏:‏

‏{‏ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها‏}‏‏.‏‏.‏

وسواء كانت المناسبة هي مناسبة تحويل القبلة- كما يدل سياق هذه الآيات وما بعدها- أم كانت مناسبة أخرى من تعديل بعض الأوامر والتشريعات والتكاليف، التي كانت تتابع نمو الجماعة المسلمة، وأحوالها المتطورة‏.‏ أم كانت خاصة بتعديل بعض الأحكام التي وردت في التوراة مع تصديق القرآن في عمومه للتوراة‏.‏‏.‏ سواء كانت هذه أم هذه أم هذه، أم هي جميعاً المناسبة التي اتخذها اليهود ذريعة للتشكيك في صلب العقيدة‏.‏‏.‏ فإن القرآن يبين هنا بياناً حاسماً في شأن النسخ والتعديل؛ وفي القضاء على تلك الشبهات التي أثارتها يهود، على عادتها وخطتها في محاربة هذه العقيدة بشتى الأساليب‏.‏

فالتعديل الجزئي وفق مقتضيات الأحوال- في فترة الرسالة- هو لصالح البشرية، ولتحقيق خير أكبر تقتضيه أطوار حياتها‏.‏ والله خالق الناس، ومرسل الرسل، ومنزل الآيات، هو الذي يقدر هذا‏.‏ فإذا نسخ آية القاها في عالم النسيان- سواء كانت آية مقروءة تشتمل حكماً من الأحكام، أو آية بمعنى علامة وخارقة تجيء لمناسبة حاضرة وتطوى كالمعجزات المادية التي جاء بها الرسل- فإنه يأتي بخير منها أو مثلها‏!‏ ولا يعجزه شيء، وهو مالك كل شيء، وصاحب الأمر كله في السماوات وفي الأرض‏.‏‏.‏ ومن ثم تجيء هذه التعقيبات‏:‏

‏{‏ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير‏؟‏ ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض‏؟‏ وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير‏}‏‏.‏‏.‏

والخطاب هنا للمؤمنين يحمل رائحة التحذير، ورائحة التذكير بأن الله هو وليهم وناصرهم وليس لهم من دونه ولي ولا نصير‏.‏‏.‏ ولعل هذا كان بسبب انخداع بعضهم بحملة اليهود التضليلية؛ وبلبلة أفكارهم بحججهم الخادعة؛ وإقدامهم على توجيه أسئلة للرسول- صلى الله عليه وسلم- لا تتفق مع الثقة واليقين‏.‏ يدل على هذا ما جاء في الآية التالية من صريح التحذير والاستنكار‏:‏

‏{‏أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل‏؟‏ ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل‏}‏‏.‏‏.‏

فهو استنكار لتشبه بعض المؤمنين بقوم موسى في تعنتهم وطلبهم للبراهين والخوارق وإعناتهم لرسولهم كلما أمرهم بأمر أو أبلغهم بتكليف، على نحو ما حكى السياق عنهم في مواضع كثيرة‏.‏‏.‏

وهو تحذير لهم من نهاية هذا الطريق، وهي الضلال، واستبدال الكفر بالإيمان، وهي النهاية التي صار إليها بنو إسرائيل‏.‏ كما أنها هي النهاية التي يتمنى اليهود لو قادوا إليها المسلمين‏!‏

‏{‏ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً، حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق‏}‏‏.‏

وذلك ما يفعله الحقد اللئيم بالنفوس‏.‏‏.‏ الرغبة في سلب الخير الذي يهتدي إليه الآخرون‏.‏‏.‏ لماذا‏؟‏ لا لأن هذه النفوس الشريرة لا تعلم‏.‏ ولكنها لأنها تعلم‏!‏

‏{‏حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق‏}‏‏.‏‏.‏

والحسد هو ذلك الانفعال الأسود الخسيس الذي فاضت به نفوس اليهود تجاه الإسلام والمسلمين، وما زالت تفيض، وهو الذي انبعثت منه دسائسهم وتدبيراتهم كلها وما تزال‏.‏ وهو الذي يكشفه القرآن للمسلمين ليعرفوه، ويعرفوا أنه السبب الكامن وراء كل جهود اليهود لزعزعة العقيدة في نفوسهم؛ وردهم بعد ذلك إلى الكفر الذي كانوا فيه، والذي أنقذهم الله منه بالإيمان، وخصهم بهذا بأعظم الفضل وأجل النعمة التي تحسدهم عليها يهود‏!‏

وهنا- في اللحظة التي تتجلى فيها هذه الحقيقة، وتنكشف فيها النية السيئة والحسد اللئيم- هنا يدعو القرآن المؤمنين إلى الارتفاع عن مقابلة الحقد بالحقد، والشر بالشر، ويدعوهم إلى الصفح والعفو حتى يأتي الله بأمره، وقتما يريد‏:‏

‏{‏فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره‏.‏ إن الله على كل شيء قدير‏}‏‏.‏‏.‏

وامضوا في طريقكم التي اختارها الله لكم، واعبدوا ربكم وادخروا عنده حسناتكم‏:‏

‏{‏وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله‏.‏ إن الله بما تعملون بصير‏}‏‏.‏‏.‏

وهكذا‏.‏‏.‏ يوقظ السياق القرآني وعي الجماعة المسلمة ويركزه على مصدر الخطر، ومكمن الدسيسة؛ ويعبئ مشاعر المسليمن تجاه النوايا السيئة والكيد اللئيم والحسد الذميم‏.‏‏.‏ ثم يأخذهم بهذه الطاقة المعبأة المشحونة كلها إلى جناب الله؛ ينتظرون أمره، ويعلقون تصرفهم بإذنه‏.‏‏.‏ وإلى أن يحين هذا الأمر يدعوهم إلى العفو والسماحة، لينقذ قلوبهم من نتن الحقد والضغينة‏.‏ ويدعها طيبة في انتظار الأمر من صاحب الأمر والمشيئة‏.‏‏.‏

ثم يمضي في تفنيد دعاوى أهل الكتاب عامة‏:‏ اليهود والنصارى، وقولهم‏:‏ إنهم هم المهتدون وحدهم‏!‏ وإن الجنة وقف عليهم لا يدخلها سواهم‏!‏ على حين يجبه كل فريق منهم الآخر بأنهم ليسوا على شيء‏!‏ ويقرر في ثنايا عرض هذه الدعاوى العريضة حقيقة الأمر، ويقول كلمة الفصل في العمل والجزاء‏:‏

‏{‏وقالوا‏:‏ لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى‏.‏ تلك أمانيهم‏.‏ قل‏:‏ هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين‏.‏ بلى‏!‏ من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏.‏ وقالت اليهود‏:‏ ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى‏:‏ ليست اليهود على شيء- وهم يتلون الكتاب- كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم‏.‏ فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون‏}‏‏.‏‏.‏

والذين كانوا يواجهون المسلمين في المدينة كانوا هم اليهود؛ إذ لم تكن هناك كتلة من النصارى تقف مواقف اليهود‏.‏ ولكن النص هنا عام يواجه مقولات هؤلاء وهؤلاء‏.‏ ثم يجبه هؤلاء بهؤلاء‏!‏ ويحكي رأي المشركين في الطائفتين جميعاً‏!‏

‏{‏وقالوا‏:‏ لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى‏}‏‏.‏

وهذه حكاية قوليهم مزدوجة‏.‏ وإلا فقد كانت اليهود تقول‏:‏ لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً- أي من يهود- وكانت النصارى تقول‏:‏ لن يدخل الجنة إلا من كان من النصارى‏.‏‏.‏

وهذه القولة كتلك، لا تستند إلى دليل، سوى الادعاء العريض‏!‏ ومن ثم يلقن الله رسوله- صلى الله عليه وسلم- أن يجبههم بالتحدي وأن يطالبهم بالدليل‏:‏

‏{‏قل‏:‏ هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين‏}‏‏.‏‏.‏

وهنا يقرر قاعدة من قواعد التصور الإسلامي في ترتيب الجزاء على العمل بلا محاباة لأمة ولا لطائفة ولا لفرد‏.‏ إنما هو الإسلام والإحسان، لا الاسم والعنوان‏:‏

‏{‏بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن، فله أجره عند ربه، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏}‏‏.‏‏.‏

ومن قبل قرر هذه القاعدة في العقاب ردا على قولهم‏:‏ ‏{‏لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة‏}‏‏.‏‏.‏ فقال‏:‏ ‏{‏بلى‏!‏ من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون‏}‏‏.‏‏.‏

إنها قاعدة واحدة بطرفيها في العقوبة والمثوبة‏.‏ طرفيها المتقابلين‏:‏ ‏{‏من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته‏}‏‏.‏‏.‏ فهو حبيس هذه الخطيئة المحيطة، في معزل عن كل شيء وعن كل شعور وعن كل وجهة إلا وجهة الخطيئة‏.‏‏.‏ و‏{‏من أسلم وجهه لله وهو محسن‏}‏‏.‏‏.‏ فأخلص ذاته كلها لله، ووجه مشاعره كلها إليه، وخلص لله في مقابل خلوص الآخر للخطيئة‏.‏‏.‏ ‏{‏من أسلم وجهه لله‏}‏‏.‏‏.‏ هنا تبرز سمة الإسلام الأولى‏:‏ إسلام الوجه- والوجه رمز على الكل- ولفظ أسلم يعني الاستسلام والتسليم‏.‏ الاستسلام المعنوي والتسليم العملي‏.‏ ومع هذا فلا بد من الدليل الظاهر على هذا الاستسلام‏:‏ ‏{‏وهو محسن‏}‏‏.‏‏.‏ فسمة الإسلام هي الوحدة بين الشعور والسلوك، بين العقيدة والعمل، بين الإيمان القلبي والإحسان العملي‏.‏‏.‏ بذلك تستحيل العقيدة منهجا للحياة كلها؛ وبذلك تتوحد الشخصية الإنسانية بكل نشاطها واتجاهاتها؛ وبذلك يستحق المؤمن هذا العطاء كله‏:‏

‏{‏فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏}‏‏.‏‏.‏

الأجر المضمون لا يضيع عند ربهم‏.‏‏.‏ والأمن الموفور لا يساوره خوف، والسرور الفائض لا يمسه حزن‏.‏‏.‏ وتلك هي القاعدة العامة التي يستوي عندها الناس جميعاً‏.‏ فلا محسوبية عند الله سبحانه ولا محاباة‏!‏

ولقد كانوا- يهوداً ونصارى- يطلقون تلك الدعوى العريضة، بينما يقول كل منهما عن الفريق الآخر إنه ليس على شيء؛ وبينما كان المشركون يجبهون الفريقين بالقولة ذاتها‏:‏

‏{‏وقالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء- وهم يتلون الكتاب- كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم، فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون‏}‏‏.‏‏.‏

والذين لا يعلمون هم الأميون العرب الذين لم يكن لهم كتاب؛ وكانوا يرون ما عليه اليهود والنصارى من الفرقة ومن التقاذف بالإتهام، ومن التمسك بخرافات وأساطير لا ترتفع كثيراً على خرافات العرب وأساطيرهم في الشرك ونسبة الأبناء- أو البنات- لله سبحانه؛ فكانوا يزهدون في دين اليهود ودين النصارى ويقولون‏:‏ إنهم ليسوا على شيء‏!‏

والقرآن يسجل على الجميع ما يقوله بعضهم في بعض؛ عقب تفنيد دعوى اليهود والنصارى في ملكية الجنة‏!‏ ثم يدع أمر الخلاف بينهم إلى الله‏:‏

‏{‏فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون‏}‏‏.‏

فهو الحكم العدل، وإليه تصير الأمور‏.‏‏.‏ وهذه الإحالة إلى حكم الله هي وحدها المجدية في مواجهة قوم لا يستمدون من منطق، ولا يعتمدون على دليل، بعد دحض دعواهم العريضة في أنهم وحدهم أهل الجنة، وأنهم وحدهم المهديون‏!‏

ثم يعود إلى ترذيل محاولتهم تشكيك المسلمين في صحة الأوامر والتبليغات النبوية- وبخاصة ما يتعلق منها بتحويل القبلة- ويعدها سعيا في منع ذكر الله في مساجده، وعملا على خرابها‏:‏

‏{‏ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها‏؟‏ أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين‏.‏ لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم‏.‏ ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله، إن الله واسع عليم‏}‏‏.‏‏.‏

وأقرب ما يتوارد إلى الخاطر أن هاتين الآيتين تتعلقان بمسألة تحويل القبلة؛ وسعي اليهود لصد المسلمين عن التوجه إلى الكعبة‏.‏‏.‏ أول بيت وضع للناس وأول قبلة‏.‏‏.‏ وهناك روايات متعددة عن أسباب نزولهما غير هذا الوجه‏.‏‏.‏

وعلى أية حال فإن إطلاق النص يوحي بأنه حكم عام في منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، والسعي في خرابها‏.‏ كذلك الحكم الذي يرتبه على هذه الفعلة، ويقرر أنه هو وحده الذي يليق أن يكون جزاء لفاعليها‏.‏ وهو قوله‏:‏

‏{‏أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين‏}‏‏.‏‏.‏

أي أنهم يستحقون الدفع والمطاردة والحرمان من الأمن، إلا أن يلجأوا إلى بيوت الله مستجيرين محتمين بحرمتها مستأمنين ‏(‏وذلك كالذي حدث في عام الفتح بعد ذلك إذ نادى منادي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم الفتح‏:‏ من دخل المسجد الحرام فهو آمن‏.‏‏.‏ فلجأ إليها المستأمنون من جبابرة قريش، بعد أن كانوا هم الذي يصدون رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومن معه ويمنعونهم زيارة المسجد الحرام‏!‏‏)‏‏.‏

ويزيد على هذا الحكم ما يتوعدهم به من خزي في الدنيا وعذاب عظيم في الآخرة‏:‏

‏{‏لهم في الدنيا خزي، ولهم في الآخرة عذاب عظيم‏}‏‏.‏‏.‏

وهناك تفسير آخر لقوله‏:‏ ‏{‏أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين‏}‏‏.‏‏.‏ أي أنه ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا في خوف من الله وخشوع لجلالته في بيوته‏.‏ فهذا هو الأدب اللائق ببيوت الله، المناسب لمهابته وجلاله العظيم‏.‏‏.‏ وهو وجه من التأويل جائز في هذا المقام‏.‏

والذي يجعلنا نرجح أن الآيتين نزلتا في مناسبة تحويل القبلة، هو الآية الثانية منهما‏:‏

‏{‏ولله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه الله، إن الله واسع عليم‏}‏‏.‏

فهي توحي بأنها جاءت رداً على تضليل اليهود في ادعائهم إن صلاة المسلمين إذن إلى بيت المقدس كانت باطلة، وضائعة ولا حساب لها عند الله‏!‏ والآية ترد عليهم هذا الزعم، وهي تقرر أن كل اتجاه قبلة، فثم وجه الله حيثما توجه إليه عابد‏.‏ وإنما تخصيص قبلة معينة هو توجيه من عند الله فيه طاعة، لا أن وجه الله- سبحانه- في جهة دون جهة‏.‏ والله لا يضيق على عباده، ولا ينقصهم ثوابهم، وهو عليم بقلوبهم ونياتهم ودوافع اتجاهاتهم‏.‏ وفي الأمر سعة‏.‏ والنية لله ‏{‏إن الله واسع عليم‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏

بعد ذلك يستعرض السياق ضلال تصورهم لحقيقة الألوهية، وانحرافهم عن التوحيد الذي هو قاعدة دين الله، وأساس التصور الصحيح في كل رسالة‏.‏ ويقرن تصورهم المنحرف إلى تصورات الجاهلية عن ذات الله- سبحانه- وصفاته‏.‏ ويقرر التشابه بين قلوب المشركين من العرب وقلوب المشركين من أهل الكتاب، ويصحح للجميع انحرافهم إلى الشرك، ويوضح لهم قاعدة التصور الإيماني الصحيح‏:‏

‏{‏وقالوا‏:‏ اتخذ الله ولداً‏.‏ سبحانه‏!‏ بل له ما في السماوات والأرض، كل له قانتون‏.‏ بديع السماوات والأرض، وإذا قضى أمرا فإنما يقول له‏:‏ كن‏.‏ فيكون‏.‏ وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية‏.‏ كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم‏.‏ تشابهت قلوبهم‏.‏ قد بينا الآيات لقوم يوقنون‏}‏‏.‏‏.‏

وهذه المقولة الفاسدة‏:‏ ‏{‏اتخذ الله ولداً‏}‏‏.‏‏.‏ ليست مقولة النصارى وحدهم في المسيح، فهي كذلك مقولة اليهود في العزير‏.‏ كما كانت مقولة المشركين في الملائكة‏.‏ ولم تفصل الآية هنا هذه المقولات، لأن السياق سياق إجمال للفرق الثلاث التي كانت تناهض الإسلام يومئذ في الجزيرة- ومن عجب أنها لا تزال هي التي تناهضه اليوم تماما، ممثلة في الصهيونية العالمية والصليبية العالمية، والشيوعية العالمية، وهي أشد كفراً من المشركين في ذلك الحين‏!‏- ومن هذا الإدماج تسقط دعوى اليهود والنصارى في أنهم وحدهم المهتدون؛ وها هم أولاء يستوون مع المشركين‏!‏

وقبل أن يمضي إلى الجوانب الفاسدة الأخرى من تصورهم لشأن الله- سبحانه- يبادر بتنزيه الله عن هذا التصور، وبيان حقيقة الصلة بينه وبين خلقه جميعاً‏:‏

‏{‏سبحانه‏!‏ بل له ما في السماوات والأرض، كل له قانتون‏.‏ بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن‏.‏ فيكون‏}‏‏.‏‏.‏

هنا نصل إلى فكرة الإسلام التجريدية الكاملة عن الله سبحانه، وعن نوع العلاقة بين الخالق وخلقه، وعن طريقة صدور الخلق عن الخالق، وهي أرفع وأوضح تصور عن هذه الحقائق جميعاً‏.‏‏.‏ لقد صدر الكون عن خالقه، عن طريق توجه الإرادة المطلقة القادرة‏:‏ ‏{‏كن، فيكون‏}‏‏.‏

‏.‏ فتوجه الإرادة إلى خلق كائن ما كفيل وحده بوجود هذا الكائن، على الصورة المقدرة له، بدون وسيط من قوة أو مادة‏.‏‏.‏ أما كيف تتصل هذه الإرادة التي لا نعرف كنهها، بذلك الكائن المراد صدوره عنها، فذلك هو السر الذي لم يكشف للإدراك البشري عنه، لأن الطاقة البشرية غير مهيأة لإدراكه‏.‏ وهي غير مهيأة لإدراكه لأنه لا يلزمها في وظيفتها التي خلقت لها وهي خلافة الأرض وعمارتها‏.‏‏.‏ وبقدر ما وهب الله للإنسان من القدرة على كشف قوانين الكون التي تفيده في مهمته، وسخر له الانتفاع بها، بقدر ما زوى عنه الأسرار الأخرى التي لا علاقة لها بخلافته الكبرى‏.‏‏.‏ ولقد ضربت الفلسفات في تيه لا منارة فيه، وهي تحاول كشف هذه الأسرار؛ وتفترض فروضاً تنبع من الإدراك البشري الذي لم يهيأ لهذا المجال، ولم يزود أصلاً بأدوات المعرفة فيه والارتياد‏.‏ فتجيء هذه الفروض مضحكة في أرفع مستوياتها‏.‏ مضحكة إلى حد يحير الإنسان‏:‏ كيف يصدر هذا عن «فيلسوف»‏!‏ وما ذلك إلا لأن أصحاب هذه الفلسفات حاولوا أن يخرجوا بالإدراك البشري عن طبيعة خلقته، وأن يتجاوزوا به نطاقه المقدور له‏!‏ فلم ينتهوا إلى شيء يطمأن إليه؛ بل لم يصلوا إلى شيء يمكن أن يحترمه من يرى التصور الإسلامي ويعيش في ظله‏.‏ وعصم الإسلام أهله المؤمنين بحقيقته أن يضربوا في هذا التيه بلا دليل، وأن يحاولوا هذه المحاولة الفاشلة، الخاطئة المنهج ابتداء‏.‏ فلما أن أراد بعض متفلسفتهم متأثرين بأصداء الفلسفة الإغريقية- على وجه خاص- أن يتطاولوا إلى ذلك المرتقى، باءوا بالتعقيد والتخليط، كما باء أساتذتهم الإغريق‏!‏ ودسوا في التفكير الإسلامي ما ليس من طبيعته، وفي التصور الإسلامي ما ليس من حقيقته‏.‏‏.‏ وذلك هو المصير المحتوم لكل محاولة العقل البشري وراء مجاله، وفوق طبيعة خلقته وتكوينه‏.‏‏.‏

والنظرية الإسلامية‏:‏ أن الخلق غير الخالق‏.‏ وأن الخالق ليس كمثله شيء‏.‏‏.‏ ومن هنا تنتفي من التصور الإسلامي فكرة‏:‏ «وحدة الوجود» على ما يفهمه غير المسلم من هذا الاصطلاح- أي بمعنى أن الوجود وخالقه وحدة واحدة- أو أن الوجود إشعاع ذاتي للخالق، أو أن الوجود هو الصورة المرئية لموجده‏.‏‏.‏ أو على أي نحو من أنحاء التصور على هذا الأساس‏.‏‏.‏ والوجود وحدة في نظر المسلم على معنى آخر‏:‏ وحدة صدوره عن الإرادة الواحدة الخالقة، ووحدة ناموسه الذي يسير به، ووحدة تكوينه وتناسقه واتجاهه إلى ربه في عبادة وخشوع‏:‏

‏{‏بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون‏}‏‏.‏‏.‏

فلا ضرورة لتصور أن له من بين ما في السماوات والأرض ولداً‏.‏‏.‏ فالكل من خلقه بدرجة واحدة، وبأداة واحدة‏:‏

‏{‏بديع السماوات والأرض‏.‏ وإذا قضى أمراً فإنما يقول له‏:‏ كن فيكون‏}‏‏.‏‏.‏

وتوجه الإرادة يتم بكيفية غير معلومة للإدراك البشري، لأنها فوق طاقة الإدراك البشري‏.‏

فمن العبث إنفاق الطاقة في اكتناه هذا السر، والخبط في التيه بلا دليل‏!‏

وإذ ينتهي من عرض مقولة أهل الكتاب في ادعاء الولد لله- سبحانه- وتصحيح هذه المقولة وردها، يتبعها بمقولة للمشركين فيها من سوء التصور ما يتسق مع سوء التصور عن أهل الكتاب‏:‏

‏{‏وقال الذين لا يعلمون‏:‏ لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية‏!‏ كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم‏}‏‏.‏

والذين لا يعلمون هم الأميون الذين كانوا مشركين؛ إذ لم يكن لديهم علم من كتاب‏.‏ وكثيراً ما تحدوا النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يكلمهم الله أو أن تأتيهم خارقة من الخوارق المادية‏.‏‏.‏ وذكر هذه المقولة هنا مقصود لبيان أن الذين من قبلهم- وهم اليهود وغيرهم- طلبوا مثل هذا من أنبيائهم‏.‏ فلقد طلب قوم موسى أن يروا الله جهرة، وطلبوا وتعنتوا في طلب الخوارق المعجزة‏.‏ فبين هؤلاء وهؤلاء شبه في الطبيعة، وشبه في التصور، وشبه في الضلال‏:‏

‏{‏تشابهت قلوبهم‏}‏‏.‏‏.‏

فلا فضل لليهود على المشركين‏.‏ وهم متشابهو القلوب في التصور والعنت والضلال‏:‏

‏{‏قد بينا الآيات لقوم يوقنون‏}‏‏.‏‏.‏

والذي يجد راحة اليقين في قلبه يجد في الآيات مصداق يقينه، ويجد فيها طمأنينة ضميره‏.‏ فالآيات لا تنشئ اليقين، إنما اليقين هو الذي يدرك دلالتها ويطمئن إلى حقيقتها‏.‏ ويهيئ القلوب للتلقي الواصل الصحيح‏.‏

وإذا انتهت مقولاتهم، وفندت أباطيلهم، وكشفت الدوافع الكامنة وراء أضاليلهم، يتجه الخطاب إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يبين له وظيفته، ويحدد له تبعاته، ويكشف له عن حقيقة المعركة بينه وبين اليهود والنصارى، وطبيعة الخلاف الذي لا حل له إلا بثمن لا يملكه ولا يستطيعه‏!‏ ولو أداه لتعرض لغضب الله مولاه؛ وحاشاه‏!‏

‏{‏إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً، ولا تسأل عن أصحاب الجحيم‏.‏ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم‏.‏ قل‏:‏ إن هدى الله هو الهدى، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير‏.‏ الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته‏.‏ أولئك يؤمنون به‏.‏ ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون‏}‏‏.‏‏.‏

‏{‏إنا أرسلناك بالحق‏}‏‏.‏‏.‏ وهي كلمة فيها من التثبيت ما يقضي على شبهات المضللين، ومحاولات الكائدين، وتلبيس الملفقين‏.‏ وفي جرسها صرامة توحي بالجزم واليقين‏.‏

‏{‏بشيراً ونذيراً‏}‏‏.‏‏.‏ وظيفتك البلاغ والأداء، تبشر الطائعين وتنذر العصاة، فينتهي دورك‏.‏

‏{‏ولا تسأل عن أصحاب الجحيم‏}‏‏.‏‏.‏ الذين يدخلون الجحيم بمعصيتهم، وتبعتهم على أنفسهم‏.‏

وسيظل اليهود والنصارى يحاربونك، ويكيدون لك، ولا يسالمونك ولا يرضون عنك، إلا أن تحيد عن هذا الأمر، وإلا أن تترك هذا الحق، وإلا أن تتخلى عن هذا اليقين، تتخلى عنه إلى ما هم فيه من ضلال وشرك وسوء تصور كالذي سبق بيانه منذ قليل‏:‏

‏{‏ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم‏}‏‏.‏

فتلك هي العلة الأصيلة‏.‏ ليس الذي ينقصهم هو البرهان؛ وليس الذي ينقصهم هو الاقتناع بأنك على الحق، وأن الذي جاءك من ربك الحق‏.‏ ولو قدمت إليهم ما قدمت، ولو توددت إليهم ما توددت‏.‏‏.‏ لن يرضيهم من هذا كله شيء، إلا أن تتبع ملتهم وتترك ما معك من الحق‏.‏

إنها العقدة الدائمة التي نرى مصداقها في كل زمان ومكان‏.‏‏.‏ إنها هي العقيدة‏.‏ هذه حقيقة المعركة التي يشنها اليهود والنصارى في كل أرض وفي كل وقت ضد الجماعة المسلمة‏.‏‏.‏ إنها معركة العقيدة هي المشبوبة بين المعسكر الإسلامي وهذين المعسكرين اللذين قد يتخاصمان فيما بينهما؛ وقد تتخاصم شيع الملة الواحدة فيما بينها، ولكنها تلتقي دائما في المعركة ضد الإسلام والمسلمين‏!‏

إنها معركة العقيدة في صميمها وحقيقتها‏.‏ ولكن المعسكرين العريقين في العداوة للإسلام والمسلمين يلونانها بألوان شتى، ويرفعان عليها أعلاماً شتى، في خبث ومكر وتورية‏.‏ إنهم قد جربوا حماسة المسلمين لدينهم وعقيدتهم حين واجهوهم تحت راية العقيدة‏.‏ ومن ثم استدار الأعداء العريقون فغيروا أعلام المعركة‏.‏‏.‏ لم يعلنوها حربا باسم العقيدة- على حقيقتها- خوفا من حماسة العقيدة وجيشانها‏.‏ إنما أعلنوها باسم الأرض، والاقتصاد، والسياسة، والمراكز العسكرية‏.‏‏.‏ وما إليها‏.‏ وألقوا في روع المخدوعين الغافلين منا أن حكاية العقيدة قد صارت حكاية قديمة لا معنى لها‏!‏ ولا يجوز رفع رايتها، وخوض المعركة باسمها‏.‏ فهذه سمة المتخلفين المتعصبين‏!‏ ذلك كي يأمنوا جيشان العقيدة وحماستها‏.‏‏.‏ بينما هم في قرارة نفوسهم‏:‏ الصهيونية العالمية والصليبية العالمية- بإضافة الشيوعية العالمية- جميعاً يخوضون المعركة أولاً وقبل كل شيء لتحطيم هذه الصخرة العاتية التي نطحوها طويلاً، فأدمتهم جميعاً‏!‏‏!‏‏!‏

إنها معركة العقيدة‏.‏ إنها ليست معركة الأرض‏.‏ ولا الغلة‏.‏ ولا المراكز العسكرية‏.‏ ولا هذه الرايات المزيفة كلها‏.‏ إنهم يزيفونها علينا لغرض في نفوسهم دفين‏.‏ ليخدعونا عن حقيقة المعركة وطبيعتها، فإذا نحن خدعنا بخديعتهم لنا فلا نلومن إلا أنفسنا‏.‏ ونحن نبعد عن توجيه الله لنبيه- صلى الله عليه وسلم- ولأمته، وهو- سبحانه- أصدق القائلين‏:‏

‏{‏ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم‏}‏‏.‏‏.‏

فذلك هو الثمن الوحيد الذي يرتضونه‏.‏ وما سواه فمرفوض ومردود‏!‏

ولكن الأمر الحازم، والتوجيه الصادق‏:‏

‏{‏قل‏:‏ إن هدى الله هو الهدى‏}‏‏.‏‏.‏

على سبيل القصر والحصر‏.‏ هدى الله هو الهدى‏.‏ وما عداه ليس بهدى‏.‏ فلا براح منه، ولا فكاك عنه، ولا محاولة فيه، ولا ترضية على حسابه، ولا مساومة في شيء منه قليل أو كثير، ومن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر‏.‏ وحذار أن تميل بك الرغبة في هدايتهم وإيمانهم، أو صداقتهم ومودتهم عن هذا الصراط الدقيق‏.‏

‏{‏ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير‏}‏‏.‏

بهذا التهديد المفزع، وبهذا القطع الجازم، وبهذا الوعيد الرعيب‏.‏‏.‏ ولمن‏؟‏ لنبي الله ورسوله وحبيبه الكريم‏!‏

إنها الأهواء‏.‏‏.‏ إن أنت ملت عن الهدى‏.‏‏.‏ هدى الله الذي لا هدى سواه‏.‏‏.‏ وهي الأهواء التي تقفهم منك هذا الموقف؛ وليس نقص الحجة ولا ضعف الدليل‏.‏

والذين يتجردون منهم من الهوى يتلون كتابهم حق تلاوته، ومن ثم يؤمنون بالحق الذي معك؛ فأما الذين يكفرون به فهم الخاسرون، لا أنت ولا المؤمنون‏!‏

‏{‏الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته‏.‏ أولئك يؤمنون به‏.‏ ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون‏}‏‏.‏‏.‏

وأي خسارة بعد خسارة الإيمان، أعظم آلاء الله على الناس في هذا الوجود‏؟‏

وبعد هذا التقرير الحاسم الجازم ينتقل السياق بالخطاب إلى بني إسرائيل‏.‏ كأنما ليهتف بهم الهتاف الأخير، بعد هذه المجابهة وهذ الجدل الطويل، وبعد استعراض تاريخهم مع ربهم ومع أنبيائهم، وبعد الالتفات عنهم إلى خطاب النبي- صلى الله عليه وسلم- وخطاب المؤمنين‏.‏‏.‏ هنا يجيء الالتفات إليهم كأنه الدعوة الأخيرة، وهم على أبواب الإهمال والإغفال والتجريد النهائي من شرف الأمانة‏.‏‏.‏ أمانة العقيدة‏.‏‏.‏ التي نيطت بهم من قديم‏.‏‏.‏ وهنا يكرر لهم الدعوة ذاتها التي وجهها إليهم في أول الجولة‏.‏‏.‏ يا بني إسرائيل‏.‏‏.‏

‏{‏يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، وأني فضلتكم على العالمين‏.‏ واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً، ولا يقبل منها عدل، ولا تنفعها شفاعة، ولا هم ينصرون‏}‏‏.‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏124- 141‏]‏

‏{‏وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ‏(‏124‏)‏ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ‏(‏125‏)‏ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ‏(‏126‏)‏ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏127‏)‏ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ‏(‏128‏)‏ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏129‏)‏ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏130‏)‏ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏131‏)‏ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ‏(‏132‏)‏ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ‏(‏133‏)‏ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏134‏)‏ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏135‏)‏ قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ‏(‏136‏)‏ فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏137‏)‏ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ‏(‏138‏)‏ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ‏(‏139‏)‏ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏140‏)‏ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏141‏)‏‏}‏

في القطاعات التي مضت من هذه السورة كان الجدل مع أهل الكتاب، دائراً كله حول سيرة بني إسرائيل، ومواقفهم من أنبيائهم وشرائعهم، ومن مواثيقهم وعهودهم، ابتداء من عهد موسى- عليه السلام- إلى عهد محمد- صلى الله عليه وسلم- أكثره عن اليهود، وأقله عن النصارى، مع إشارات إلى المشركين، عند السمات التي يلتقون فيها مع أهل الكتاب، أو يلتقي معهم فيها أهل الكتاب‏.‏

فالآن يرجع السياق إلى مرحلة تاريخية أسبق من عهد موسى‏.‏‏.‏ يرجع إلى إبراهيم‏.‏‏.‏ وقصة إبراهيم- على النحو الذي تساق به في موضعها هذا- تؤدي دورها في السياق، كما أنها تؤدي دوراً هاماً فيما شجر بين اليهود والجماعة المسلمة في المدينة من نزاع حاد متشعب الأطراف‏.‏

إن أهل الكتاب ليرجعون بأصولهم إلى إبراهيم عن طريق إسحاق- عليهما السلام- ويعتزون بنسبتهم إليه، وبوعد الله له ولذريته بالنمو والبركة، وعهده معه ومع ذريته من بعده‏.‏ ومن ثم يحتكرون لأنفسهم الهدى والقوامة على الدين، كما يحتكرون لأنفسهم الجنة أيا كان ما يعملون‏!‏

وإن قريشاً لترجع بأصولها كذلك إلى إبراهيم عن طريق إسماعيل- عليهما السلام- وتعتز بنسبتها إليه؛ وتستمد منها القوامة على البيت، وعمارة المسجد الحرام؛ وتستمد كذلك سلطانها الديني على العرب، وفضلها وشرفها ومكانتها‏.‏

وقد وصل السياق فيما مضى إلى الحديث عن دعاوى اليهود والنصارى العريضة في الجنة‏:‏ ‏{‏وقالوا‏:‏ لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى‏}‏‏.‏‏.‏ وعن محاولتهم أن يجعلوا المسلمين يهوداً أو نصارى‏.‏‏.‏ ليهتدوا‏.‏‏.‏ ‏{‏وقالوا‏:‏ كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا‏}‏‏.‏‏.‏ كذلك وصل إلى الحديث عن الذين يمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ويسعون في خرابها‏.‏ وقلنا هناك‏:‏ إنها قد تكون خاصة بموقف اليهود من قضية تحويل القبلة، وبالدعاية المسمومة التي أثاروها في الصف الإسلامي بهذه المناسبة‏.‏

فالآن يجيء الحديث عن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق؛ والحديث عن البيت الحرام وبنائه وعمارته وشعائره‏.‏‏.‏ في جوه المناسب، لتقرير الحقائق الخالصة في ادعاءات اليهود والنصارى والمشركين جميعاً حول هذه النسب وهذه الصلات‏.‏ ولتقرير قضية القبلة التي ينبغي أن يتجه إليها المسلمون‏.‏‏.‏ كذلك تجيء المناسبة لتقرير حقيقة دين إبراهيم- وهي التوحيد الخالص- وبعد ما بينها وبين العقائد المشوهة المنحرفة التي عليها أهل الكتاب والمشركون سواء؛ وقرب ما بين عقيدة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب- وهو إسرائيل الذي ينتسبون إليه- وعقيدة الجماعة المسلمة بآخر دين‏.‏ ولتقرير وحدة دين الله، واطراده على أيدي رسله جميعاً، ونفي فكرة احتكاره في أيدي أمة أو جنس‏.‏ وبيان أن العقيدة تراث القلب المؤمن لا تراث العصبية العمياء‏.‏ وأن وراثة هذا التراث لا تقوم على قرابة الدم والجنس ولكن على قرابة الإيمان والعقيدة‏.‏

فمن آمن بهذه العقيدة ورعاها في أي جيل ومن أي قبيل فهو أحق بها من أبناء الصلب وأقرباء العصب‏!‏ فالدين دين الله‏.‏ وليس بين الله وبين أحد من عباده نسب ولا صهر‏!‏‏!‏‏!‏

هذه الحقائق التي تمثل شطراً من الخطوط الأساسية في التصور الإسلامي، يجلوها القرآن الكريم هنا في نسق من الأداء عجيب، وفي عرض من الترتيب والتعبير بديع‏.‏‏.‏ يسير بنا خطوة خطوة من لدن إبراهيم- عليه السلام- منذ أن ابتلاه ربه واختبره فاستحق اختياره واصطفاءه، وتنصيبه للناس إماماً‏.‏‏.‏ إلى أن نشأت الأمة المسلمة المؤمنة برسالة محمد- صلى الله عليه وسلم- استجابة من الله لدعوة إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت الحرام؛ فاستحقت وراثة هذه الأمانة دون ذرية إبراهيم جميعاً، بذلك السبب الوحيد الذي تقوم عليه وراثة العقيدة‏.‏ سبب الإيمان بالرسالة، وحسن القيام عليها، والاستقامة على تصورها الصحيح‏.‏

وفي ثنايا هذا العرض التاريخي يبرز السياق‏:‏ أن الإسلام- بمعنى إسلام الوجه لله وحده- كان هو الرسالة الأولى، وكان هو الرسالة الأخيرة‏.‏‏.‏ هكذا اعتقد إبراهيم، وهكذا اعتقد من بعده إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، حتى أسلموا هذه العقيدة ذاتها إلى موسى وعيسى‏.‏‏.‏ ثم آلت أخيراً إلى ورثة إبراهيم من المسلمين‏.‏‏.‏ فمن استقام على هذه العقيدة الواحدة فهو وريثها، ووريث عهودها وبشاراتها‏.‏ ومن فسق عنها، ورغب بنفسه عن ملة إبراهيم، فقد فسق عن عهد الله، وقد فقد وراثته لهذا العهد وبشاراته‏.‏

عندئذ تسقط كل دعاوى اليهود والنصارى في اصطفائهم واجتبائهم، لمجرد أنهم أبناء إبراهيم وحفدته، وهم ورثته وخلفاؤه‏!‏ لقد سقطت عنهم الوراثة منذ ما انحرفوا عن هذه العقيدة‏.‏‏.‏ وعندئذ تسقط كذلك كل دعاوى قريش في الاستئثار بالبيت الحرام وشرف القيام عليه وعمارته، لأنهم قد فقدوا حقهم في وراثة باني هذا البيت ورافع قواعده بانحرافهم عن عقيدته‏.‏‏.‏ ثم تسقط كل دعاوى اليهود فيما يختص بالقبلة التي ينبغي أن يتجه إليها المسلمون‏.‏ فالكعبة هي قبلتهم وقبلة أبيهم إبراهيم‏.‏‏.‏

كل ذلك في نسق من العرض والأداء والتعبير عجيب؛ حافل بالإشارات الموحية، والوقفات العميقة الدلالة، والإيضاح القوي التأثير‏.‏ فلنأخذ في استعراض هذا النسق العالي في ظل هذا البيان المنير‏:‏

‏{‏وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن‏.‏ قال‏:‏ إني جاعلك للناس إماماً‏.‏ قال‏:‏ ومن ذريتي‏؟‏ قال‏:‏ لا ينال عهدي الظالمين‏}‏‏.‏‏.‏

يقول للنبي- صلى الله عليه وسلم- اذكر ما كان من ابتلاء الله لإبراهيم بكلمات من الأوامر والتكاليف، فأتمهن وفاء وقضاء‏.‏‏.‏ وقد شهد الله لإبراهيم في موضع آخر بالوفاء بالتزاماته على النحو الذي يرضى الله عنه فيستحق شهادته الجليلة‏:‏ ‏{‏وإبراهيم الذي وفى‏}‏‏.‏ وهو مقام عظيم ذلك المقام الذي بلغه إبراهيم‏.‏ مقام الوفاء والتوفية بشهادة الله عز وجل‏.‏

والإنسان بضعفه وقصوره لا يوفي ولا يستقيم‏!‏

عندئذ استحق إبراهيم تلك البشرى‏.‏ أو تلك الثقة‏:‏

‏{‏قال‏:‏ إني جاعلك للناس إماماً‏}‏‏.‏‏.‏

إماماً يتخذونه قدوة، ويقودهم إلى الله، ويقدمهم إلى الخير، ويكونون له تبعاً، وتكون له فيهم قيادة‏.‏

عندئذ تدرك إبراهيم فطرة البشر‏:‏ الرغبة في الامتداد عن طريق الذراري والأحفاد‏.‏ ذلك الشعور الفطري العميق، الذي أودعه الله فطرة البشر لتنمو الحياة وتمضي في طريقها المرسوم، ويكمل اللاحق ما بدأه السابق، وتتعاون الأجيال كلها وتتساوق‏.‏‏.‏ ذلك الشعور الذي يحاول بعضهم تحطيمه أو تعويقه وتكبيله؛ وهو مركوز في أصل الفطرة لتحقيق تلك الغاية البعيدة المدى‏.‏ وعلى أساسه يقرر الإسلام شريعة الميراث، تلبية لتلك الفطرة، وتنشيطاً لها لتعمل، ولتبذل أقصى ما في طوقها من جهد‏.‏ وما المحاولات التي تبذل لتحطيم هذه القاعدة إلا محاولة لتحطيم الفطرة البشرية في أساسها؛ وإلا تكلف وقصر نظر واعتساف في معالجة بعض عيوب الأوضاع الاجتماعية المنحرفة‏.‏ وكل علاج يصادم الفطرة لا يفلح ولا يصلح ولا يبقى‏.‏ وهناك غيره من العلاج الذي يصلح الانحراف ولا يحطم الفطرة‏.‏ ولكنه يحتاج إلى هدى وإيمان، وإلى خبرة بالنفس البشرية أعمق، وفكرة عن تكوينها أدق، وإلى نظرة خالية من الأحقاد الوبيلة التي تنزع إلى التحطيم والتنكيل، أكثر مما ترمي إلى البناء والإصلاح‏:‏

‏{‏قال‏:‏ ومن ذريتي‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

وجاءه الرد من ربه الذي ابتلاه واصطفاه، يقرر القاعدة الكبرى التي أسلفنا‏.‏‏.‏ إن الإمامة لمن يستحقونها بالعمل والشعور، وبالصلاح والإيمان، وليست وراثة أصلاب وأنساب‏.‏ فالقربى ليست وشيجة لحم ودم، إنما هي وشيجة دين وعقيدة‏.‏ ودعوى القرابة والدم والجنس والقوم إن هي إلا دعوى الجاهلية، التي تصطدم اصطداماً أساسياً بالتصور الإيماني الصحيح‏:‏

‏{‏قال‏:‏ لا ينال عهدي الظالمين‏}‏‏.‏‏.‏

والظلم أنواع وألوان‏:‏ ظلم النفس بالشرك، وظلم الناس بالبغي‏.‏‏.‏ والإمامة الممنوعة على الظالمين تشمل كل معاني الإمامة‏:‏ إمامة الرسالة، وإمامة الخلافة، وإمامة الصلاة‏.‏‏.‏ وكل معنى من معاني الإمامة والقيادة‏.‏ فالعدل بكل معانيه هو أساس استحقاق هذه الإمامة في أية صورة من صورها‏.‏ ومن ظلم- أي لون من الظلم- فقد جرد نفسه من حق الإمامة وأسقط حقه فيها؛ بكل معنى من معانيها‏.‏

وهذا الذي قيل لإبراهيم- عليه السلام- وهذا العهد بصيغته التي لا التواء فيها ولا غموض قاطع في تنحية اليهود عن القيادة والإمامة، بما ظلموا، وبما فسقوا، وبما عتوا عن أمر الله، وبما انحرفوا عن عقيدة جدهم إبراهيم‏.‏‏.‏

وهذا الذي قيل لإبراهيم- عليه السلام- وهذا العهد بصيغته التي لا التواء فيها ولا غموض قاطع كذلك في تنحية من يسمون أنفسهم المسلمين اليوم‏.‏ بما ظلموا، وبما فسقوا وبما بعدوا عن طريق الله، وبما نبذوا من شريعته وراء ظهورهم‏.‏‏.‏ ودعواهم الإسلام، وهم ينحون شريعة الله ومنهجه عن الحياة، دعوى كاذبة لا تقوم على أساس من عهد الله‏.‏

إن التصور الإسلامي يقطع الوشائج والصلات التي لا تقوم على أساس العقيدة والعمل‏.‏ ولا يعترف بقربى ولا رحم إذا أنبتّت وشيجة العقيدة والعمل ويسقط جميع الروابط والاعتبارات ما لم تتصل بعروة العقيدة والعمل‏.‏‏.‏ وهو يفصل بين جيل من الأمة الواحدة وجيل إذا خالف أحد الجيلين الآخر في عقيدته، بل يفصل بين الوالد والولد، والزوج والزوج إذا انقطع بينهما حبل العقيدة‏.‏ فعرب الشرك شيء وعرب الإسلام شيء آخر‏.‏ ولا صلة بينهما ولا قربى ولا وشيجة‏.‏ والذين آمنوا من أهل الكتاب شيء، والذين انحرفوا عن دين إبراهيم وموسى وعيسى شيء آخر، ولا صلة بينهما ولا قربى ولا وشيجة‏.‏‏.‏ إن الأسرة ليست آباء وأبناء وأحفاداً‏.‏‏.‏ إنما هي هؤلاء حين تجمعهم عقيدة واحدة‏.‏ وإن الأمة ليست مجموعة أجيال متتابعة من جنس معين‏.‏‏.‏ إنما هي مجموعة من المؤمنين مهما اختلفت أجناسهم وأوطانهم وألوانهم‏.‏‏.‏ وهذا هو التصور الإيماني، الذي ينبثق من خلال هذا البيان الرباني، في كتاب الله الكريم‏.‏‏.‏

‏{‏وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود‏}‏‏.‏‏.‏

هذا البيت الحرام الذي قام سدنته من قريش فروعوا المؤمنين وآذوهم وفتنوهم عن دينهم حتى هاجروا من جواره‏.‏‏.‏ لقد أراده الله مثابة يثوب إليها الناس جميعاً، فلا يروعهم أحد؛ بل يأمنون فيه على أرواحهم وأموالهم‏.‏ فهو ذاته أمن وطمأنينة وسلام‏.‏

ولقد أمروا أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى- ومقام إبراهيم يشير هنا إلى البيت كله وهذا ما نختاره في تفسيره- فاتخاذ البيت قبلة للمسلمين هو الأمر الطبيعي، الذي لا يثير اعتراضاً‏.‏ وهو أولى قبلة يتوجه إليها المسلمون، ورثة إبراهيم بالإيمان والتوحيد الصحيح، بما أنه بيت الله، لا بيت أحد من الناس‏.‏ وقد عهد الله- صاحب البيت- إلى عبدين من عباده صالحين أن يقوما بتطهيره وإعداده للطائفين والعاكفين والركع السجود- أي للحجاج الوافدين عليه، وأهله العاكفين فيه، والذين يصلون فيه ويركعون ويسجدون فحتى إبراهيم وإسماعيل لم يكن البيت ملكاً لهما، فيورث بالنسب عنهما، إنما كانا سادنين له بأمر ربهما، لإعداده لقصاده وعباده من المؤمنين‏.‏

‏{‏وإذ قال إبراهيم‏:‏ رب اجعل هذا بلداً آمنا، وارزق أهله من الثمرات‏.‏‏.‏ من آمن منهم بالله واليوم الآخر‏.‏‏.‏ قال‏:‏ ومن كفر فأمتعه قليلاً، ثم أضطره إلى عذاب النار، وبئس المصير‏}‏‏.‏‏.‏

ومرة أخرى يؤكد دعاء إبراهيم صفة الأمن للبيت‏.‏ ومرة أخرى يؤكد معنى الوراثة للفضل والخير‏.‏‏.‏ إن إبراهيم قد أفاد من عظة ربه له في الأولى‏.‏ لقد وعى منذ أن قال له ربه‏:‏ ‏{‏لا ينال عهدي الظالمين‏}‏‏.‏‏.‏ وعى هذا الدرس‏.‏‏.‏ فهو هنا، في دعائه أن يرزق الله أهل هذا البلد من الثمرات، يحترس ويستثني ويحدد من يعني‏:‏

‏{‏من آمن منهم بالله واليوم الآخر‏}‏‏.‏

إنه إبراهيم الأواه الحليم القانت المستقيم، يتأدب بالأدب الذي علمه ربه، فيراعيه في طلبه ودعائه‏.‏‏.‏ وعندئذ يجيئه رد ربه مكملاً ومبيناً عن الشطر الآخر الذي سكت عنه‏.‏ شطر الذين لا يؤمنون، ومصيرهم الأليم‏:‏

‏{‏قال‏:‏ ومن كفر فأمتعه قليلاً، ثم أضطره إلى عذاب النار، وبئس المصير‏}‏‏.‏‏.‏

ثم يرسم مشهد تنفيذ إبراهيم وإسماعيل للأمر الذي تلقياه من ربهما بإعداد البيت وتطهيره للطائفين والعاكفين والركع السجود‏.‏‏.‏ يرسمه مشهوداً كما لو كانت الأعين تراهما اللحظة وتسمعهما في آن‏:‏

‏{‏وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل‏:‏ ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم‏.‏ ربنا واجعلنا مسلمين لك، ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، وأرنا مناسكنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم‏.‏ ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم، إنك أنت العزيز الحكيم‏}‏‏.‏‏.‏

إن التعبير يبدأ بصيغة الخبر‏.‏‏.‏ حكاية تحكى‏:‏

‏{‏وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل‏}‏‏.‏‏.‏

وبينما نحن في انتظار بقية الخبر، إذا بالسياق يكشف لنا عنهما، ويرينا إياهما، كما لو كانت رؤية العين لا رؤيا الخيال‏.‏ إنهما أمامنا حاضران، نكاد نسمع صوتيهما يبتهلان‏:‏

‏{‏ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم‏.‏ ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم‏.‏‏.‏ ربنا‏.‏‏.‏‏}‏

فنغمة الدعاء، وموسيقى الدعاء، وجو الدعاء‏.‏‏.‏ كلها حاضرة كأنها تقع اللحظة حية شاخصة متحركة‏.‏‏.‏ وتلك إحدى خصائص التعبير القرآني الجميل‏.‏ رد المشهد الغائب الذاهب، حاضراً يسمع ويرى، ويتحرك ويشخص، وتفيض منه الحياة‏.‏‏.‏ إنها خصيصة «التصوير الفني» بمعناه الصادق، اللائق بالكتاب الخالد‏.‏

وماذا في ثنايا الدعاء‏؟‏ إنه أدب النبوة، وإيمان النبوة، وشعور النبوة بقيمة العقيدة في هذا الوجود‏.‏ وهو الأدب والإيمان والشعور الذي يريد القرآن أن يعلمه لورثة الأنبياء، وأن يعمقه في قلوبهم ومشاعرهم بهذا الإيحاء‏:‏

‏{‏ربنا تقبل منا‏.‏ إنك أنت السميع العليم‏}‏‏.‏‏.‏

إنه طلب القبول‏.‏‏.‏ هذه هي الغاية‏.‏‏.‏ فهو عمل خالص لله‏.‏ الاتجاه به في قنوت وخشوع إلى الله‏.‏ والغاية المرتجاة من ورائه هي الرضى والقبول‏.‏‏.‏ والرجاء في قبوله متعلق بأن الله سميع للدعاء‏.‏ عليهم بما وراءه من النية والشعور‏.‏

ربنا واجعلنا مسلمين لك، ومن ذريتنا أمة مسلمة لك‏.‏ وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم‏}‏‏.‏

إنه رجاء العون من ربهما في الهداية إلى الإسلام؛ والشعور بأن قلبيهما بين أصبعين من أصابع الرحمن؛ وأن الهدى هداه، وأنه لا حول لهما ولا قوة إلا بالله، فهما يتجهان ويرغبان، والله المستعان‏.‏

ثم هو طابع الأمة المسلمة‏.‏‏.‏ التضامن‏.‏‏.‏ تضامن الأجيال في العقيدة‏:‏ ‏{‏ومن ذريتنا أمة مسلمة لك‏}‏‏.‏‏.‏ وهي دعوة تكشف عن اهتمامات القلب المؤمن‏.‏

إن أمر العقيدة هو شغله الشاغل، وهو همه الأول‏.‏ وشعور إبراهيم وإسماعيل- عليهما السلام- بقيمة النعمة التي أسبغها الله عليهما‏.‏‏.‏ نعمة الإيمان‏.‏‏.‏ تدفعهما إلى الحرص عليها في عقبهما، وإلى دعاء الله ربهما ألا يحرم ذريتهما هذا الإنعام الذي لا يكافئه إنعام‏.‏‏.‏ لقد دعوا الله ربهما أن يرزق ذريتهما من الثمرات ولم ينسيا أن يدعواه ليرزقهم من الإيمان؛ وأن يريهم جميعاً مناسكهم، ويبين لهم عباداتهم، وأن يتوب عليهم‏.‏ بما أنه هو التواب الرحيم‏.‏

ثم ألا يتركهم بلا هداية في أجيالهم البعيدة‏:‏

‏{‏ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم‏.‏ إنك أنت العزيز الحكيم‏}‏‏.‏‏.‏

وكانت الاستجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل هي بعثة هذا الرسول الكريم بعد قرون وقرون‏.‏ بعثة رسول من ذرية إبراهيم وإسماعيل، يتلو عليهم آيات الله، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويطهرهم من الأرجاس والأدناس‏.‏ إن الدعوة المستجابة تستجاب، ولكنها تتحقق في أوانها الذي يقدره الله بحكمته‏.‏ غير أن الناس يستعجلون‏!‏ وغير الواصلين يملون ويقنطون‏!‏

وبعد فإن لهذا الدعاء دلالته ووزنه فيما كان يشجر بين اليهود والجماعة المسلمة من نزاع عنيف متعدد الأطراف‏.‏ إن إبراهيم وإسماعيل اللذين عهد الله إليهما برفع قواعد البيت وتطهيره للطائفين والعاكفين والمصلين، وهما أصل سادني البيت من قريش‏.‏‏.‏ إنهما يقولان باللسان الصريح‏:‏ ‏{‏ربنا واجعلنا مسلمين لك‏}‏‏.‏‏.‏ ‏{‏ومن ذريتنا أمة مسلمة لك‏}‏‏.‏‏.‏ كما يقولان باللسان الصريح‏:‏ ‏{‏ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم‏}‏‏.‏‏.‏ وهما بهذا وذاك يقرران وراثة الأمة المسلمة لإمامة إبراهيم، ووراثتها للبيت الحرام سواء‏.‏ وإذن فهو بيتها الذي تتجه إليه، وهي أولى به من المشركين‏.‏ وهو أولى بها من قبلة اليهود والمسيحيين‏!‏

وإذن فمن كان يربط ديانته بإبراهيم من اليهود والنصارى، ويدعي دعاواه العريضة في الهدى والجنة بسبب تلك الوراثة، ومن كان يربط نسبه بإسماعيل من قريش‏.‏‏.‏ فليسمع‏:‏ إن إبراهيم حين طلب الوراثة لبنيه والإمامة، قال له ربه‏:‏ ‏{‏لا ينال عهدي الظالمين‏}‏‏.‏‏.‏ ولما أن دعا هو لأهل البلد بالرزق والبركة خص بدعوته‏:‏ ‏{‏من آمن بالله واليوم الآخر‏}‏‏.‏‏.‏ وحين قام هو وإسماعيل بأمر ربهما في بناء البيت وتطهيره كانت دعوتهما‏:‏ أن يكونا مسلمين لله، وأن يجعل الله من ذريتهما أمة مسلمة، وأن يبعث في أهل بيته رسولاً منهم‏.‏‏.‏ فاستجاب الله لهما، وأرسل من أهل البيت محمد بن عبد الله، وحقق على يديه الأمة المسلمة القائمة بأمر الله‏.‏ الوارثة لدين الله‏.‏

وعند هذا المقطع من قصة إبراهيم، يلتقط السياق دلالته وإيحاءه، ليواجه بهما الذين ينازعون الأمة المسلمة الإمامة؛ وينازعون الرسول- صلى الله عليه وسلم- النبوة والرسالة؛ ويجادلون في حقيقة دين الله الأصيلة الصحيحة‏:‏

‏{‏ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه‏؟‏ ولقد اصطفيناه في الدنيا، وإنه في الآخرة لمن الصالحين‏.‏

إذ قال له ربه أسلم‏.‏ قال‏:‏ أسلمت لرب العالمين‏.‏ ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب‏:‏ يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون‏}‏‏.‏‏.‏

هذه هي ملة إبراهيم‏.‏‏.‏ الإسلام الخالص الصريح‏.‏‏.‏ لا يرغب عنها وينصرف إلا ظالم لنفسه، سفيه عليها، مستهتر بها‏.‏‏.‏ إبراهيم الذي اصطفاه ربه في الدنيا إماماً، وشهد له في الآخرة بالصلاح‏.‏‏.‏ اصطفاه ‏{‏إذ قال له ربه أسلم‏}‏‏.‏‏.‏ فلم يتلكأ، ولم يرتب، ولم ينحرف، واستجاب فور تلقي الأمر‏.‏

‏{‏قال‏:‏ أسلمت لرب العالمين‏}‏‏.‏‏.‏

هذه هي ملة إبراهيم‏.‏‏.‏ الإسلام الخالص الصريح‏.‏‏.‏ ولم يكتف إبراهيم بنفسه إنما تركها في عقبه، وجعلها وصيته في ذريته، ووصى بها إبراهيم بنيه كما وصى بها يعقوب بنيه‏.‏ ويعقوب هو إسرائيل الذي ينتسبون إليه، ثم لا يلبون وصيته، ووصية جده وجدهم إبراهيم‏!‏

ولقد ذكر كل من إبراهيم ويعقوب بنيه بنعمة الله عليهم في اختياره الدين لهم‏:‏

‏{‏يا بني إن الله اصطفى لكم الدين‏}‏‏.‏‏.‏

فهو من اختيار الله‏.‏ فلا اختيار لهم بعده ولا اتجاه‏.‏ وأقل ما توجبه رعاية الله لهم، وفضل الله عليهم، هو الشكر على نعمة اختياره واصطفائه، والحرص على ما اختاره لهم، والاجتهاد في ألا يتركوا هذه الأرض إلا وهذه الأمانة محفوظة فيهم‏:‏

‏{‏فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون‏}‏‏.‏‏.‏

وها هي ذي الفرصة سانحة، فقد جاءهم الرسول الذي يدعوهم إلى الإسلام، وهو ثمرة الدعوة التي دعاها أبوهم إبراهيم‏.‏‏.‏

تلك كانت وصية إبراهيم لبنيه ووصية يعقوب لبنيه‏.‏‏.‏ الوصية التي كررها يعقوب في آخر لحظة من لحظات حياته؛ والتي كانت شغله الشاغل الذي لم يصرفه عنه الموت وسكراته، فليسمعها بنو إسرائيل‏:‏

‏{‏أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت‏.‏ إذ قال لبنيه‏:‏ ما تعبدون من بعدي‏؟‏ قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون‏}‏‏.‏‏.‏

إن هذا المشهد بين يعقوب وبنيه في لحظة الموت والاحتضار لمشهد عظيم الدلالة، قوي الإيحاء، عميق التأثير‏.‏‏.‏ ميت يحتضر‏.‏ فما هي القضية التي تشغل باله في ساعة الاحتضار‏؟‏ ما هو الشاغل الذي يعني خاطره وهو في سكرات الموت‏؟‏ ما هو الأمر الجلل الذي يريد أن يطمئن عليه ويستوثق منه‏؟‏ ما هي التركة التي يريد أن يخلفها لأبنائه ويحرص على سلامة وصولها إليهم فيسلمها لهم في محضر، يسجل فيه كل التفصيلات‏؟‏‏.‏‏.‏ إنها العقيدة‏.‏‏.‏ هي التركة‏.‏ وهي الذخر‏.‏ وهي القضية الكبرى، وهي الشغل الشاغل، وهي الأمر الجلل، الذي لا تشغل عنه سكرات الموت وصرعاته‏:‏

‏{‏ما تعبدون من بعدي‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

هذا هو الأمر الذي جمعتكم من أجله‏.‏ وهذه هي القضية التي أردت الاطمئنان عليها‏.‏ وهذه هي الأمانة والذخر والتراث‏.‏‏.‏

‏{‏قالوا‏:‏ نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق‏.‏ إلهاً واحداً‏.‏ ونحن له مسلمون‏}‏‏.‏‏.‏

إنهم يعرفون دينهم ويذكرونه‏.‏ إنهم يتسلمون التراث ويصونونه‏.‏

إنهم يطمئنون الوالد المحتضر ويريحونه‏.‏

وكذلك ظلت وصية إبراهيم لبنيه مرعية في أبناء يعقوب‏.‏ وكذلك هم ينصون نصاً صريحاً على أنهم ‏{‏مسلمون‏}‏‏.‏

والقرآن يسأل بني إسرائيل‏:‏ ‏{‏أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏ فهذا هو الذي كان، يشهد به الله، ويقرره، ويقطع به كل حجة لهم في التمويه والتضليل؛ ويقطع به كل صلة حقيقية بينهم وبين أبيهم إسرائيل‏!‏

وفي ضوء هذا التقرير يظهر الفارق الحاسم بين تلك الأمة التي خلت، والجيل الذي كانت تواجهه الدعوة‏.‏‏.‏ حيث لا مجال لصلة، ولا مجال لوراثة، ولا مجال لنسب بين السابقين واللاحقين‏:‏

‏{‏تلك أمة قد خلت، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، ولا تسألون عما كانوا يعملون‏}‏‏.‏‏.‏

فلكل حساب؛ ولكل طريق؛ ولكل عنوان؛ ولكل صفة‏.‏‏.‏ أولئك أمة من المؤمنين فلا علاقة لها بأعقابها من الفاسقين‏.‏ إن هذه الأعقاب ليست امتداداً لتلك الأسلاف‏.‏ هؤلاء حزب وأولئك حزب‏.‏ لهؤلاء راية ولأولئك راية‏.‏‏.‏ والتصور الإيماني في هذا غير التصور الجاهلي‏.‏‏.‏ فالتصور الجاهلي لا يفرق بين جيل من الأمة وجيل، لأن الصلة هي صلة الجنس والنسب‏.‏ أما التصور الإيماني فيفرق بين جيل مؤمن وجيل فاسق؛ فليسا أمة واحدة، وليس بينهما صلة ولا قرابة‏.‏‏.‏ إنهما أمتان مختلفتان في ميزان الله، فهما مختلفتان في ميزان المؤمنين‏.‏ إن الأمة في التصور الإيماني هي الجماعة التي تنتسب إلى عقيدة واحدة من كل جنس ومن كل أرض؛ وليست هي الجماعة التي تنتسب إلى جنس واحد أو أرض واحدة‏.‏ وهذا هو التصور اللائق بالإنسان، الذي يستمد إنسانيته من نفخة الروح العلوية، لا من التصاقات الطين الأرضية‏!‏

في ظل هذا البيان التاريخي الحاسم، لقصة العهد مع إبراهيم‏:‏ وقصة البيت الحرام كعبة المسلمين؛ ولحقيقة الوراثة وحقيقة الدين؛ يناقش ادعاءات أهل الكتاب المعاصرين، ويعرض لحججهم وجدلهم ومحالهم، فيبدو هذا كله ضعيفاً شاحباً، كما يبدو فيه العنت والادعاء بلا دليل‏:‏ كذلك تبدو العقيدة الإسلامية عقيدة طبيعية شاملة لا ينحرف عنها إلا المتعنتون‏:‏

‏{‏وقالوا‏:‏ كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا‏.‏ قل‏:‏ بل ملة إبراهيم حنيفاً، وما كان من المشركين‏.‏ قولوا‏:‏ آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتي النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون‏.‏ فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله، وهو السميع العليم‏.‏ صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة‏؟‏ ونحن له عابدون‏.‏ قل‏:‏ أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم، ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم، ونحن له مخلصون‏؟‏‏.‏ أم تقولون‏:‏ إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى‏؟‏ قل‏:‏ أأنتم أعلم أم الله‏؟‏ ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله‏؟‏ وما الله بغافل عما تعملون‏}‏‏.‏

وإنما كان قول اليهود‏:‏ كونوا يهوداً تهتدوا؛ وكان قول النصارى‏:‏ كونوا نصارى تهتدوا‏.‏ فجمع الله قوليهم ليوجه نبيه- صلى الله عليه وسلم- أن يواجههم جميعاً بكلمة واحدة‏:‏

‏{‏قل‏:‏ بل ملة إبراهيم حنيفاً، وما كان من المشركين‏}‏‏.‏‏.‏

قل‏:‏ بل نرجع جميعاً، نحن وأنتم، إلى ملة إبراهيم، أبينا وأبيكم، وأصل ملة الإسلام، وصاحب العهد مع ربه عليه‏.‏‏.‏ ‏{‏وما كان من المشركين‏}‏‏.‏‏.‏ بينما أنتم تشركون‏.‏‏.‏

ثم يدعو المسلمين لإعلان الوحدة الكبرى للدين، من لدن إبراهيم أبي الأنبياء إلى عيسى بن مريم، إلى الإسلام الأخير‏.‏ ودعوة أهل الكتاب إلى الإيمان بهذا الدين الواحد‏:‏

‏{‏قولوا‏:‏ آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتي النبيون من ربهم‏.‏ لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون‏}‏‏.‏‏.‏

تلك الوحدة الكبرى بين الرسالات جميعاً، وبين الرسل جميعاً، هي قاعدة التصور الإسلامي وهي التي تجعل من الأمة المسلمة، الأمة الوارثة لتراث العقيدة القائمة على دين الله في الأرض، الموصولة بهذا الأصل العريق، السائرة في الدرب على هدى ونور‏.‏ والتي تجعل من النظام الإسلامي النظام العالمي الذي يملك الجميع الحياة في ظله دون تعصب ولا اضطهاد‏.‏ والتي تجعل من المجتمع الإسلامي مجتمعاً مفتوحاً للناس جميعاً في مودة وسلام‏.‏

ومن ثم يقرر السياق الحقيقة الكبيرة، ويثبت عليها المؤمنين بهذه العقيدة‏.‏ حقيقة أن هذه العقيدة هي الهدى‏.‏ من اتبعها فقد اهتدى‏.‏ ومن أعرض عنها فلن يستقر على أصل ثابت؛ ومن ثم يظل في شقاق مع الشيع المختلفة التي لا تلتقي على قرار‏:‏

‏{‏فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما هم في شقاق‏}‏‏.‏‏.‏

وهذه الكلمة من الله، وهذه الشهادة منه سبحانه، تسكب في قلب المؤمن الاعتزاز بما هو عليه‏.‏ فهو وحده المهتدي‏.‏ ومن لا يؤمن بما يؤمن به فهو المشاق للحق المعادي للهدى‏.‏ ولا على المؤمن من شقاق من لا يهتدي ولا يؤمن، ولا عليه من كيده ومكره‏.‏ ولا عليه من جداله ومعارضته‏.‏ فالله سيتولاهم عنه، وهو كافيه وحسبه‏:‏

‏{‏فسيكفيكهم الله‏.‏ وهو السميع العليم‏}‏‏.‏

إنه ليس على المؤمن إلا أن يستقيم على طريقته، وأن يعتز بالحق المستمد مباشرة من ربه، وبالعلامة التي يضعها الله على أوليائه، فيعرفون بها في الأرض‏:‏

‏{‏صبغة الله‏.‏ ومن أحسن من الله صبغة‏؟‏ ونحن له عابدون‏}‏‏.‏‏.‏

صبغة الله التي شاء لها أن تكون آخر رسالاته إلى البشر‏.‏ لتقوم عليها وحدة إنسانية واسعة الآفاق، لا تعصب فيها ولا حقد، ولا أجناس فيها ولا ألوان‏.‏

ونقف هنا عند سمة من سمات التعبير القرآني ذات الدلالة العميقة‏.‏‏.‏ إن صدر هذه الآية من كلام الله التقريري‏:‏ ‏{‏صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة‏}‏‏.‏‏.‏ أما باقيها فهو من كلام المؤمنين‏.‏

يلحقه السياق- بلا فاصل- بكلام الباريء سبحانه في السياق‏.‏ وكله قرآن منزل‏.‏ ولكن الشطر الأول حكاية عن قول الله، والشطر الثاني حكاية عن قول المؤمنين‏.‏ وهو تشريف عظيم أن يلحق كلام المؤمنين بكلام الله في سياق واحد، بحكم الصلة الوثيقة بينهم وبين ربهم، وبحكم الاستقامة الواصلة بينه وبينهم‏.‏ وأمثال هذا في القرآن كثير‏.‏ وهو ذو مغزى كبير‏.‏

ثم تمضي الحجة الدامغة إلى نهايتها الحاسمة‏:‏

‏{‏قل‏:‏ أتحاجوننا في الله، وهو ربنا وربكم، ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم، ونحن له مخلصون‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

ولا مجال للجدل في وحدانية الله وربوبيته‏.‏ فهو ربنا وربكم، ونحن محاسبون بأعمالنا، وعليكم وزر أعمالكم‏.‏ ونحن متجردون له مخلصون لا نشرك به شيئاً، ولا نرجو معه أحداً‏.‏‏.‏ وهذا الكلام تقرير لموقف المسلمين واعتقادهم؛ وهو غير قابل للجدل والمحاجة واللجاج‏.‏‏.‏

ومن ثم يضرب السياق عنه، وينتقل إلى مجال آخر من مجالات الجدل‏.‏ يظهر أنه هو الآخر غير قابل للجاجة والمحال‏:‏

‏{‏أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى‏؟‏‏}‏‏.‏

وهم كانوا أسبق من موسى، وأسبق من اليهودية والنصرانية‏.‏ والله يشهد بحقيقة دينهم- وهو الإسلام كما سبق البيان-‏:‏

‏{‏قل‏:‏ أأنتم أعلم أم الله‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

وهو سؤال لا جواب عليه‏!‏ وفيه من الاستنكار ما يقطع الألسنة دون الجواب عليه‏!‏

ثم إنكم لتعلمون أنهم كانوا قبل أن تكون اليهودية والنصرانية‏.‏ وكانوا على الحنيفية الأولى التي لا تشرك بالله شيئاً‏.‏ ولديكم كذلك شهادة في كتبكم أن سيبعث نبي في آخر الزمان دينه الحنيفية، دين إبراهيم‏.‏ ولكنكم تكتمون هذه الشهادة‏:‏

‏{‏ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

والله مطلع على ما تخفون من الشهادة التي ائتمنتم عليها، وما تقومون به من الجدال فيها لتعميتها وتلبيسها‏:‏

‏{‏وما الله بغافل عما تعملون‏}‏‏.‏‏.‏

وحين يصل السياق إلى هذه القمة في الإفحام، وإلى هذا الفصل في القضية، وإلى بيان ما بين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وبين اليهود المعاصرين من مفارقة تامة في كل اتجاه‏.‏‏.‏ عندئذ يعيد الفاصلة التي ختم بها الحديث من قبل عن إبراهيم وذريته المسلمين‏:‏

‏{‏تلك أمة قد خلت‏.‏ لها ما كسبت ولكم ما كسبتم‏.‏ ولا تسألون عما كانوا يعملون‏}‏‏.‏‏.‏

وفيها فصل الخطاب، ونهاية الجدل، والكلمة الأخيرة في تلك الدعاوى الطويلة العريضة‏.‏