فصل: تفسير الآيات رقم (99- 135)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: في ظلال القرآن ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏99- 135‏]‏

‏{‏كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا ‏(‏99‏)‏ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا ‏(‏100‏)‏ خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا ‏(‏101‏)‏ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ‏(‏102‏)‏ يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا ‏(‏103‏)‏ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا ‏(‏104‏)‏ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ‏(‏105‏)‏ فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ‏(‏106‏)‏ لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا ‏(‏107‏)‏ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ‏(‏108‏)‏ يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ‏(‏109‏)‏ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ‏(‏110‏)‏ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ‏(‏111‏)‏ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ‏(‏112‏)‏ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ‏(‏113‏)‏ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ‏(‏114‏)‏ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ‏(‏115‏)‏ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى ‏(‏116‏)‏ فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ‏(‏117‏)‏ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى ‏(‏118‏)‏ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى ‏(‏119‏)‏ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ‏(‏120‏)‏ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ‏(‏121‏)‏ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ‏(‏122‏)‏ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ‏(‏123‏)‏ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ‏(‏124‏)‏ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ‏(‏125‏)‏ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ‏(‏126‏)‏ وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ‏(‏127‏)‏ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى ‏(‏128‏)‏ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى ‏(‏129‏)‏ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ‏(‏130‏)‏ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ‏(‏131‏)‏ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ‏(‏132‏)‏ وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى ‏(‏133‏)‏ وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ‏(‏134‏)‏ قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ‏(‏135‏)‏‏}‏

بدأت السورة بالحديث عن القرآن، وأنه لم ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم ليشقى به أو بسببه‏.‏ ومن القرآن قصة موسى عليه السلام وما يبدو فيها من رعاية الله وعنايته بموسى وأخيه وقومه‏.‏

فالآن يعقب السياق على القصة بالعودة إلى القرآن ووظيفته، وعاقبة من يعرض عنه‏.‏ ويرسم هذه العاقبة في مشهد من مشاهد القيامة، تتضاءل فيه أيام الحياة الدنيا؛ وتتكشف الأرض من جبالها وتعرى، وتخشع الأصوات للرحمن، وتعنو الوجوه للحي القيوم‏.‏ لعل هذا المشهد وما في القرآن من وعيد يثير مشاعر التقوى في النفوس، ويذكرها بالله ويصلها به‏.‏‏.‏ وينتهي هذا المقطع بإراحة بال الرسول صلى الله عليه وسلم من القلق من ناحية القرآن الذي ينزل عليه، فلا يعجل في ترديده خوف أن ينساه، ولا يشقى بذلك فالله ميسره وحافظه‏.‏ إنما يطلب من ربه أن يزيده علماً‏.‏

وبمناسبة حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يردد ما يوحى إليه قبل انتهاء الوحي خشية النسيان، يعرض السياق نسيان آدم لعهد الله‏.‏ وينتهي بإعلان العداوة بينه وبين إبليس، وعاقبة من يتذكرون عهد الله ومن يعرضون عنه من ولد آدم‏.‏ ويرسم هذه العاقبة في مشهد من مشاهد القيامة كأنما هو نهاية الرحلة التي بدأت في الملأ الأعلى، ثم تنتهي إلى هناك مرة أخرى‏.‏

وتختم السورة بتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عن إعراض المعرضين وتكذيب المكذبين فلا يشقى بهم، فلهم أجل معلوم‏.‏ ولا يحفل بما أوتوه من متاع في الحياة الدنيا فهو فتنة لهم‏.‏ وينصرف إلى عبادة الله وذكره فترضى نفسه وتطمئن‏.‏ ولقد هلكت القرون من قبلهم، وشاء الله ان يعذر إليهم بالرسول الأخير، فلينفض يده من أمرهم ويكلهم إلى مصيرهم‏.‏

‏{‏قل‏:‏ كل متربص فتربصوا، فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى‏}‏‏.‏‏.‏

‏{‏كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق، وقد آتيناك من لدنا ذكرا‏.‏ من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا‏.‏ خالدين فيه، وساء لهم يوم القيامة حملاً يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا‏.‏ يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا‏.‏ نحن أعلم بما يقولون‏:‏ إذ يقول أمثلهم طريقة‏:‏ إن لبثتم إلا يوما‏}‏‏.‏‏.‏

كذلك القصص الذي أوحينا إليك بشأن موسى نقص عليك من أنباء ما قد سبق‏.‏ نقصه عليك في القرآن ويسمى القرآن ذكراً، فهو ذكر لله ولآياته، وتذكير بما كان من هذه الآيات في القرون الأولى‏.‏

ويرسم للمعرضين عن هذا الذكر ويسميهم المجرمين مشهداً في يوم القيامة‏.‏ فهؤلاء المجرمون يحملون أثقالهم كما يحمل المسافر أحماله‏.‏

ويا لسوئها من أحمال‏!‏ فإذا نفخ في البوق للتجمع فالمجرمون يحشرون زرق الوجوه من الكدر والغم‏.‏ يتخافتون بينهم بالحديث، لا يرفعون به صوتاً من الرعب والهول، ومن الرهبة المخيمة على ساحة الحشر‏.‏ وفيم يتخافتون‏؟‏ إنهم يحدسون عما قضوا على الأرض من أيام‏.‏ وقد تضاءلت الحياة الدنيا في حسهم، وقصرت أيامها في مشاعرهم، فليست في حسهم سوى أيام قلائل‏:‏ ‏{‏إن لبثتم إلا عشراً‏}‏ فأما أرشدهم وأصوبهم رأياً فيحسونها أقصر وأقصر‏:‏ ‏{‏إن لبثتم إلا يوماً‏}‏‏.‏ وهكذا تنزوي تلك الأعمار التي عاشوها على الأرض وتنطوي؛ ويتضاءل متاع الحياة وهموم الحياة؛ ويبدو ذلك كله فترة وجيزة في الزمان، وشيئاً ضئيلاً في القيمة‏.‏ فما قيمة عشر ليال ولو حفلت باللذائذ كلها والمتاع‏؟‏ وما قيمة ليلة ولو كانت دقائقها ولحظاتها مليئة بالسعادة والمسرة‏.‏ ما قيمة هذه أو تلك إلى جانب الآماد التي لا نهاية لها، والتي تنتظرهم بعد الحشر وتمتد بهم بلا انقطاع‏؟‏‏!‏

ويزيد مشهد الهول بروزا، بالعودة إلى سؤال لهم يسألونه في الدنيا عن الجبال ما يكون من شأنها يومذاك‏.‏ فإذا الجواب يصور الهول الذي يواجهونه‏!‏

‏{‏ويسألونك عن الجبال فقل‏:‏ ينسفها ربي نسفا، فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا‏.‏ يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له، وخشعت الأصوات للرحمن، فلا تسمع إلا همسا‏.‏ يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا‏.‏ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما‏.‏ وعنت الوجوه للحي القيوم، وقد خاب من حمل ظلما‏.‏ ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضما‏}‏‏.‏‏.‏

ويتجلى المشهد الرهيب فإذا الجبال الراسية الراسخة قد نسفت نسفاً؛ وإذا هي قاع بعد ارتفاع‏.‏ قاع صفصف خال من كل نتوء ومن كل اعوجاج، فلقد سويت الأرض فلا علو فيها ولا انخفاض‏.‏‏.‏

وكأنما تسكن العاصفة بعد ذلك النسف والتسوية؛ وتنصت الجموع المحشودة، وتخفت كل حركة وكل نأمة، ويستمعون الداعي إلى الموقف فيتبعون توجيهه كالقطيع صامتين مستسلمين، لا يتلفتون ولا يتخلفون وقد كانوا يدعون إلى الهدى فيتخلفون ويعرضون ويعبر عن استسلامهم بأنهم ‏{‏يتبعون الداعي لا عوج له‏}‏ تنسيقاً لمشهد القلوب والأجسام مع مشهد الجبال التي لا عوج فيها ولا نتوء‏!‏

ثم يخيم الصمت الرهيب والسكون الغامر‏:‏ ‏{‏وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا‏}‏‏.‏‏.‏ ‏{‏وعنت الوجوه للحي القيوم‏}‏‏.‏‏.‏

وهكذا يخيم الجلال على الموقف كله، وتغمر الساحة التي لا يحدها البصر رهبة وصمت وخشوع‏.‏ فالكلام همس‏.‏ والسؤال تخافت‏.‏ والخشوع ضاف‏.‏ والوجوه عانية‏.‏ وجلال الحي القيوم يغمر النفوس بالجلال الرزين‏.‏ ولا شفاعة إلا لمن ارتضى الله قوله‏.‏ والعلم كله لله‏.‏ وهم لا يحيطون به علماً‏.‏ والظالمون يحملون ظلمهم فيلقون الخيبة‏.‏ والذين آمنوا مطمئنون لا يخشون ظلماً في الحساب ولا هضماً لما عملوا من صالحات‏.‏

إنه الجلال، يغمر الجو كله ويغشاه، في حضرة الرحمن‏.‏

‏{‏وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكراً‏}‏‏.‏ كذلك على هذا النسق نوعنا في القرآن من صور الوعيد ومواقفه ومشاهده لعله يستجيش في نفوس المكذبين شعور التقوى، أو يذكرهم بما سيلقون في الآخرة فينزجروا‏.‏ فذلك إذ يقول الله في أول السورة‏.‏ ‏{‏ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى‏.‏ إلا تذكرة لمن يخشى‏}‏ ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلاحق الوحي فيردد ألفاظ القرآن وآياته قبل أن ينتهي الوحي مخافة أن ينسى‏.‏ وكان ذلك يشق عليه‏.‏ فأراد ربه أن يطمئن قلبه على الأمانة التي يحملها‏.‏

‏{‏فتعالى الله الملك الحق‏.‏ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه‏.‏ وقل‏:‏ رب زدني علماً‏}‏‏.‏‏.‏

فتعالى الله الملك الحق‏.‏ الذي تعنو له الوجوه؛ ويخيب في حضرته الظالمون ويأمن في ظله المؤمنون الصالحون‏.‏‏.‏ هو منزل هذا القرآن من عليائه، فلا يعجل به لسانك، فقد نزل القرآن لحكمة، ولن يضيعه‏.‏ إنما عليك أن تدعو ربك ليزيدك من العلم، وأنت مطمئن إلى ما يعطيك، لا تخشى عليه الذهاب‏.‏ وما العلم إلا ما يعلمه الله فهو الباقي الذي ينفع ولا يضيع‏.‏ ويثمر ولا يخيب‏.‏‏.‏

ثم تجيء قصة آدم، وقد نسي ما عهد الله به إليه؛ وضعف أمام الإغراء بالخلود، فاستمع لوسوسة الشيطان‏:‏ وكان هذا ابتلاء من ربه له قبل أن يعهد إليه بخلافة الأرض؛ ونموذجاً من فعل إبليس يتخذ أبناء آدم منه عبرة‏.‏ فلما تم الابتلاء تداركت آدم رحمة الله فاجتباه وهداه‏.‏‏.‏

والقصص القرآني يجيء في السياق متناسقاً معه‏.‏ وقصة آدم هنا تجيء بعد عجلة الرسول بالقرآن خوف النسيان، فيذكر في قصة آدم نقطة النسيان‏.‏ وتجيء في السورة التي تكشف عن رحمة الله ورعايته لمن يجتبيهم من عباده، فيذكر في قصة آدم أن ربه اجتباه فتاب عليه وهداه‏.‏ ثم يعقبها مشهد من مشاهد القيامة يصور عاقبة الطائعين من أبنائه وعاقبة العصاة‏.‏ وكأنما هي العودة من رحلة الأرض إلى المقر الأول ليجزى كل بما قدمت يداه‏.‏

فلنتبع القصة كما جاءت في السياق‏:‏

‏{‏ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً‏}‏‏.‏‏.‏

وعهد الله إلى آدم كان هو الأكل من كل الثمار سوى شجرة واحدة، تمثل المحظور الذي لا بد منه لتربية الإرادة، وتأكيد الشخصية، والتحرر من رغائب النفس وشهواتها بالقدر الذي يحفظ للروح الإنسانية حرية الانطلاق من الضرورات عندما تريد؛ فلا تستعبدها الرغائب وتقهرها‏.‏ وهذا هو المقياس الذي لا يخطئ في قياس الرقي البشري‏.‏ فكلما كانت النفس أقدر على ضبط رغائبها والتحكم فيها والاستعلاء عليها كانت أعلى في سلم الرقي البشري‏.‏

وكلما ضعفت أمام الرغبة وتهاوت كانت أقرب إلى البهيمية وإلى المدارج الأولى‏.‏

من أجل ذلك شاءت العناية الإلهية التي ترعى هذا الكائن الإنساني أن تعده لخلافة الأرض باختبار إرادته، وتنبيه قوة المقاومة فيه، وفتح عينيه على ما ينتظره من صراع بين الرغائب التي يزينها الشيطان، وإرادته وعهده للرحمن‏.‏ وها هي ذي التجربة الأولى تعلن نتيجتها الأولى‏:‏ ‏{‏فنسي ولم نجد له عزماً‏}‏ ثم تعرض تفصيلاتها‏:‏

‏{‏وإذ قلنا للملائكة‏:‏ اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى‏}‏‏.‏‏.‏

هكذا في إجمال، يجيء هذا المشهد الذي يفصل في سور أخرى، لأن السياق هنا سياق النعمة والرعاية‏.‏‏.‏ فيعجل بمظاهر النعمة في الرعاية‏:‏

‏{‏فقلنا‏:‏ يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك، فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى، إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى‏}‏‏.‏‏.‏

وكانت هذه رعاية من الله وعنايته ان ينبه آدم إلى عدوه ويحذره غدره، عقب نشوزه وعصيانه، والامتناع عن السجود لآدم كما أمره ربه‏.‏ ‏{‏فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى‏}‏ فالشقاء بالكد والعمل والشرود والضلال والقلق والحيرة واللهفة والانتظار والألم والفقدان‏.‏‏.‏ كلها تنتظر هناك خارج الجنة؛ وأنت في حمى منها كلها ما دمت في رحاب الفردوس‏.‏‏.‏ ‏{‏إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى‏.‏ وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى‏}‏‏.‏‏.‏ فهذا كله مضمون لك ما دمت في رحابها، والجوع والعري، يتقابلان مع الظمأ والضحوة‏.‏ وهي في مجموعها تمثل متاعب الإنسان الأولى في الحصول على الطعام والكساء، والشراب والظلال‏.‏

ولكن آدم كان غفلاً من التجارب‏.‏ وهو يحمل الضعف البشري تجاه الرغبة في البقاء والرغبة في السلطان‏.‏ ومن هذه الثغرة نفذ إليه الشيطان‏:‏

‏{‏فوسوس إليه الشيطان قال‏:‏ يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى‏؟‏‏}‏

لقد لمس في نفسه الموضع الحساس، فالعمر البشري محدود، والقوة البشرية محدودة‏.‏ من هنا يتطلع إلى الحياة الطويلة وإلى الملك الطويل، ومن هاتين النافذتين يدخل عليه الشيطان، وآدم مخلوق بفطرة البشر وضعف البشر، لأمر مقدور وحكمة مخبوءة‏.‏‏.‏ ومن ثم نسي العهد، وأقدم على المحظور‏:‏

‏{‏فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة‏.‏‏.‏ وعصى آدم ربه فغوى‏}‏‏.‏‏.‏

والظاهر أنها السوءات الحسية تبدت لهما وكانت عنهما مستورة، وأنها مواضع العفة في جسديهما‏.‏ يرجح ذلك أنهما أخذا يسترانها بورق الجنة يشبكانه ليستر هذه المواضع‏.‏ وقد يكون ذلك إيذاناً باستيقاظ الدوافع الجنسية في كيانهما‏.‏ فقبل يقظة هذه الدوافع لا يحس الإنسان بالخجل من كشف مواضع العفة ولا ينتبه إليها ولكنه ينتبه إلى العورات عند استيقاظ دوافع الجنس ويخجل من كشفها‏.‏

وربما كان حظر هذه الشجرة عليهما، لأن ثمارها مما يوقظ هذه الدوافع في الجسم تأجيلاً لها فترة من الزمان كما يشاء الله‏.‏

وربما كان نسيانهما عهد الله وعصيانهما له تبعه هبوط في عزيمتهما وانقطاع عن الصلة بخالقهما فسيطرت عليهما دوافع الجسد وتنبهت فيهما دوافع الجنس‏.‏ وربما كانت الرغبة في الخلود تجسمت في استيقاظ الدوافع الجنسية للتناسل؛ فهذه هي الوسيلة الميسرة للإنسان للامتداد وراء العمر الفردي المحدود‏.‏‏.‏ كل هذه فروض لتفسير مصاحبة ظهور سوآتهما لهما للأكل من الشجرة‏.‏ فهو لم يقل‏:‏ فبدت سوآتهما‏.‏ إنما قال‏:‏ فبدت لهما سوآتهما‏.‏ مما يؤذن انها كانت محجوبة عنهما فظهرت لهما بدافع داخلي من إحساسهما‏.‏‏.‏ وقد جاء في موضع آخر عن إبليس‏:‏ ‏{‏ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما‏}‏ وجاء‏:‏ ‏{‏ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما‏}‏ وقد يكون اللباس الذي نزعه الشيطان ليس لباساً مادياً إنما هو شعور ساتر، قد يكون هو شعور البراءة والطهارة والصلة بالله‏.‏ وعلى أية حال فهي مجرد فروض كما أسلفنا لا نؤكدها ولا نرجح واحداً منها‏.‏ إنما هي لتقرب صورة التجربة الأولى في حياة البشرية‏.‏

ثم أدركت آدم وزوجه رحمة الله، بعدما عصاه، فقد كانت هذه هي التجربة الأولى‏:‏

‏{‏ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى‏}‏‏.‏‏.‏

بعدما استغفر آدم وندم واعتذر‏.‏ ولا يذكر هذا هنا لتبدو رحمة الله في الجو وحدها‏.‏‏.‏

ثم صدر الأمر إلى الخصمين اللدودين أن يهبطا إلى أرض المعركة الطويلة بعد الجولة الأولى‏:‏

‏{‏قال‏:‏ اهبطا منها جميعاً، بعضكم لبعض عدو‏}‏‏.‏‏.‏

وبذلك أعلنت الخصومة في الثقلين‏.‏ فلم يعد هناك عذر لآدم وبنيه من بعده أن يقول أحد منهم إنما أخذت على غرة ومن حيث لا أدري‏.‏ فقد درى وعلم؛ وأعلن هذا الأمر العلوي في الوجود كله‏:‏ ‏{‏بعضكم لبعض عدو‏}‏ ‏!‏

ومع هذا الإعلان الذي دوت به السماوات والأرضون، وشهده الملائكة أجمعون‏.‏ شاءت رحمة الله بعباده أن يرسل إليهم رسله بالهدى‏.‏ قبل أن يأخذهم بما كسبت أيديهم‏.‏ فأعلن لهم يوم أعلن الخصومة الكبرى بين آدم وإبليس، أنه آتيهم بهدى منه، فمجاز كلاً منهم بعد ذلك حسبما ضل أو اهتدى‏:‏

‏{‏فإما يأتينكم مني هدى، فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى‏.‏ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى‏.‏ قال‏:‏ رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً‏؟‏ قال‏:‏ كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى‏.‏ وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى‏}‏‏.‏‏.‏

يجيء هذا المشهد بعد القصة كأنه جزء منها، فقد أعلن عنه في ختامها في الملأ الأعلى‏.‏ فذلك أمر إذن قضي فيه منذ بعيد ولا رجعة فيه ولا تعديل‏.‏

‏{‏فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى‏}‏‏.‏‏.‏ فهو في أمان من الضلال والشقاء باتباع هدى الله‏.‏ وهما ينتظران خارج عتبات الجنة‏.‏

ولكن الله يقي منهما من اتبع هداه‏.‏ والشقاء ثمرة الضلال ولو كان صاحبه غارقاً في المتاع‏.‏ فهذا المتاع ذاته شقوة‏.‏ شقوة في الدنيا وشقوة في الآخرة‏.‏ وما من متاع حرام، إلا وله غصة تعقبه وعقابيل تتبعه‏.‏ وما يضل الإنسان عن هدى الله إلا ويتخبط في القلق والحيرة والتكفؤ والاندفاع من طرف إلى طرف لا يستقر ولا يتوازن في خطاه‏.‏ والشقاء قرين التخبط ولو كان في المرتع‏!‏ ثم الشقوة الكبرى في دار البقاء‏.‏ ومن اتبع هدى الله فهو في نجوة من الضلال والشقاء في الأرض، وفي ذلك عوض عن الفردوس المفقود، حتى يؤوب إليه في اليوم الموعود‏.‏

‏{‏ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا‏}‏ والحياة المقطوعة الصلة بالله ورحمته الواسعة، ضنك مهما يكن فيها من سعة ومتاع‏.‏ إنه ضنك الانقطاع عن الاتصال بالله والاطمئنان إلى حماه‏.‏ ضنك الحيرة والقلق والشك‏.‏ ضنك الحرص والحذر‏:‏ الحرص على ما في اليد والحذر من الفوت‏.‏ ضنك الجري وراء بارق المطامع والحسرة على كل ما يفوت‏.‏ وما يشعر القلب بطمأنينة الاستقرار إلا في رحاب الله‏.‏ وما يحس راحة الثقة إلا وهو مستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها‏.‏‏.‏ إن طمأنينة الإيمان تضاعف الحياة طولاً وعرضاً وعمقاً وسعة، والحرمان منه شقوة لا تعدلها شقوة الفقر والحرمان‏.‏

‏{‏ومن أعرض عن ذكري‏}‏ وانقطع عن الاتصال بي ‏{‏فإن له معيشة ضنكا‏}‏‏.‏‏.‏ ‏{‏ونحشره يوم القيامة أعمى‏}‏‏.‏‏.‏ وذلك ضلال من نوع ضلاله في الدنيا‏.‏ وذلك جزاء على إعراضه عن الذكر في الأولى‏.‏ حتى إذا سأل‏:‏ ‏{‏رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً‏؟‏‏}‏ كان الجواب‏:‏ ‏{‏كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى‏.‏ وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه‏.‏ ولعذاب الآخرة أشد وأبقى‏}‏ ‏!‏

ولقد أسرف من أعرض عن ذكر ربه‏.‏ أسرف فألقى بالهدى من بين يديه وهو أنفس ثراء وذخر، وأسرف في إنفاق بصره في غير ما خلق له فلم يبصر من آيات الله شيئاً‏.‏ فلا جرم يعيش معيشة ضنكاً‏!‏ ويحشر في يوم القيامة أعمى‏!‏

اتساق في التعبير‏.‏ واتساق في التصوير‏.‏‏.‏ هبوط من الجنة وشقاء وضلال، يقابله عودة إلى الجنة ونجوة من الشقاء والضلال‏.‏ وفسحة في الدنيا يقابلها الضنك، وهداية يقابلها العمى‏.‏‏.‏ ويجيء هذا تعقيباً على قصة آدم وهي قصة البشرية جميعاً فيبدأ الاستعراض في الجنة، وينتهي في الجنة، كما مر في سورة الأعراف، مع الاختلاف في الصور الداخلة في الاستعراض هنا وهناك حسب اختلاف السياق‏.‏‏.‏

فإذا انتهت هذه الجولة بطرفيها أخذ السياق في جولة حول مصارع الغابرين؛ وهي أقرب في الزمان من القيامة، وهي واقع تشهده العيون إن كانت القيامة غيباً لا تراه الأبصار‏:‏

‏{‏أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم‏؟‏ إن في ذلك لآيات لأولي النهى‏.‏

ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاماً وأجل مسمى‏}‏‏.‏‏.‏

وحين تجول العين والقلب في مصارع القرون‏.‏ وحين تطالع العين آثارهم ومساكنهم عن كثب، وحين يتملى الخيال الدور وقد خلت من أهلها الأول؛ ويتصور شخوصهم الذاهبة، وأشباحهم الهاربة، وحركاتهم وسكناتهم، وخواطرهم وأحلامهم، وهمومهم وآمالهم‏.‏‏.‏ حين يتأمل هذا الحشد من الأشباح والصور والانفعالات والمشاعر‏.‏‏.‏ ثم يفتح عينه فلا يرى من ذلك كله شيئاً إلا الفراغ والخواء‏.‏‏.‏ عندئذ يستيقظ للهوة التي تفغر فاها لتبتلع الحاضر كما ابتلعت الغابر‏.‏ وعندئذ يدرك يد القدرة التي أخذت القرون الأولى وهي قادرة على أن تأخذ ما يليها‏.‏ وعندئذ يعي معنى الإنذار، والعبرة أمامه معروضة للأنظار‏.‏ فما لهؤلاء القوم لا يهتدون وفي مصارع القرون ما يهدي أولي الألباب‏؟‏‏:‏ ‏{‏إن في ذلك لآيات لأولي النهى‏}‏ ‏!‏

ولولا أن الله وعدهم ألا يستأصلهم بعذاب الدنيا، لحكمة عليا‏.‏ لحل بهم ما حل بالقرون الأولى‏.‏ ولكنها كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى أمهلهم إليه‏:‏ ‏{‏ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما، وأجل مسمى‏}‏‏.‏

وإذا كانوا مؤخرين إلى أجل، ممهلين لا مهملين، فلا عليك يا محمد منهم ولا مما أوتوه من زينة الحياة الدنيا ليكون ابتلاء لهم، فإنما هي الفتنة، وما أعطاكه الله إنعاماً فهو خير مما أعطاهم ابتلاء‏:‏

‏{‏فاصبر على ما يقولون، وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى‏.‏ ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه، ورزق ربك خير وأبقى‏.‏ وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى‏}‏‏.‏‏.‏

فاصبر على ما يقولون من كفر واستهزاء وجحود وإعراض، ولا يضق صدرك بهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات‏.‏ واتجه إلى ربك‏.‏ سبح بحمده قبل طلوع الشمس وقبل غروبها‏.‏ في هدأة الصبح وهو يتنفس ويتفتح بالحياة؛ وفي هدأة الغروب والشمس تودع، والكون يغمض أجفانه، وسبح بحمده فترات من الليل والنهار‏.‏‏.‏ كن موصولاً بالله على مدار اليوم‏.‏‏.‏ ‏{‏لعلك ترضى‏}‏‏.‏‏.‏

إن التسبيح بالله اتصال‏.‏ والنفس التي تتصل تطمئن وترضى‏.‏ ترضى وهي في ذلك الجوار الرضي؛ وتطمئن وهي في ذلك الحمى الآمن‏.‏

فالرضى ثمرة التسبيح والعبادة، وهو وحده جزاء حاضر ينبت من داخل النفس ويترعرع في حنايا القلب‏.‏ اتجه إلى ربك بالعبادة ‏{‏ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم‏}‏ من عرض الحياة الدنيا، من زينة ومتاع ومال وأولاد وجاه وسلطان‏.‏ ‏{‏زهرة الحياة الدنيا‏}‏ التي تطلعها كما يطلع النبات زهرته لامعه جذابة‏.‏ والزهرة سريعة الذبول على ما بها من رواء وزواق‏.‏ فإنما نمتعهم بها ابتلاء ‏{‏لنفتنهم فيه‏}‏ فنكشف عن معادنهم، بسلوكهم مع هذه النعمة وذلك المتاع‏.‏

سورة الأنبياء

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 35‏]‏

‏{‏اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ‏(‏1‏)‏ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ‏(‏2‏)‏ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ‏(‏3‏)‏ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏4‏)‏ بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ‏(‏5‏)‏ مَا آَمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ‏(‏6‏)‏ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏7‏)‏ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ‏(‏8‏)‏ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ ‏(‏9‏)‏ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏10‏)‏ وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ ‏(‏11‏)‏ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ ‏(‏12‏)‏ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ‏(‏13‏)‏ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ‏(‏14‏)‏ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ ‏(‏15‏)‏ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ‏(‏16‏)‏ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ‏(‏17‏)‏ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ‏(‏18‏)‏ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ‏(‏19‏)‏ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ‏(‏20‏)‏ أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ‏(‏21‏)‏ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ‏(‏22‏)‏ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ‏(‏23‏)‏ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ ‏(‏24‏)‏ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ‏(‏25‏)‏ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ‏(‏26‏)‏ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ‏(‏27‏)‏ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ‏(‏28‏)‏ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ‏(‏29‏)‏ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏30‏)‏ وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ‏(‏31‏)‏ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ‏(‏32‏)‏ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ‏(‏33‏)‏ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ‏(‏34‏)‏ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ‏(‏35‏)‏‏}‏

هذه السورة، مكية تعالج الموضوع الرئيسي الذي تعالجه السور المكية‏.‏‏.‏ موضوع العقيدة‏.‏‏.‏ تعالجه في ميادينه الكبيرة‏:‏ ميادين التوحيد، والرسالة والبعث‏.‏

وسياق السورة يعالج ذلك الموضوع بعرض النواميس الكونية الكبرى وربط العقيدة بها‏.‏ فالعقيدة جزء من بناء هذا الكون، يسير على نواميسه الكبرى؛ وهي تقوم على الحق الذي قامت عليه السماوات والأرض، وعلى الجد الذي تدبر به السماوات والأرض، وليست لعباً ولا باطلاً، كما أن هذا الكون لم يخلق لعباً، ولم يشب خلقه باطل‏:‏ ‏{‏وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما لاعبين‏}‏‏.‏‏.‏

ومن ثم يجول بالناس‏.‏‏.‏ بقلوبهم وأبصارهم وأفكارهم‏.‏‏.‏ بين مجالي الكون الكبرى‏:‏ السماء والأرض‏.‏ الرواسي والفجاج‏.‏ الليل والنهار‏.‏ الشمس والقمر‏.‏‏.‏ موجهاً أنظارهم إلى وحدة النواميس التي تحكمها وتصرفها، وإلى دلالة هذه الوحدة على وحدة الخالق المدبر، والمالك الذي لا شريك له في الملك، كما انه لا شريك له في الخلق‏.‏‏.‏ ‏{‏لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا‏}‏‏.‏‏.‏

ثم يوجه مداركهم إلى وحدة النواميس التي تحكم الحياة في هذه الأرض، وإلى وحدة مصدر الحياة‏:‏ ‏{‏وجعلنا من الماء كل شيء حي‏}‏ وإلى وحدة النهاية التي ينتهي إليها الأحياء‏:‏ ‏{‏كل نفس ذائقة الموت‏}‏‏.‏‏.‏ وإلى وحدة المصير الذي إليه ينتهون‏:‏ ‏{‏وإلينا ترجعون‏}‏‏.‏‏.‏

والعقيدة وثيقة الارتباط بتلك النواميس الكونية الكبرى‏.‏ فهي واحدة كذلك وإن تعدد الرسل على مدار الزمان‏:‏ ‏{‏ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون‏}‏‏.‏‏.‏ وقد اقتضت مشيئة الله أن يكون الرسل كلهم من البشر‏:‏ ‏{‏ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم‏}‏‏.‏‏.‏

وكما أن العقيدة وثيقة الارتباط بنواميس الكون الكبرى، فكذلك ملابسات هذه العقيدة في الأرض‏.‏ فالسنة التي لا تتخلف أن يغلب الحق في النهاية وأن يزهق الباطل، لأن الحق قاعدة كونية وغلبته سنة إلهية‏:‏ ‏{‏بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق‏}‏‏.‏‏.‏ وأن يحل الهلاك بالظالمين المكذبين، وينجي الله الرسل والمؤمنين‏:‏ ‏{‏ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشآء وأهلكنا المسرفين‏}‏‏.‏‏.‏ وأن يرث الأرض عباد الله الصالحون‏:‏ ‏{‏ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون‏}‏ ومن ثم يستعرض السياق أمة الرسل الواحدة في سلسلة طويلة استعراضاً سريعاً‏.‏ يطول بعض الشيء عند عرض حلقة من قصة إبراهيم عليه السلام وعند الإشارة إلى داود وسليمان‏.‏ ويقصر عند الإشارة إلى قصص نوح، وموسى، وهارون، ولوط، واسماعيل، وإدريس، وذي الكفل، وذي النون، وزكريا، ويحيى، وعيسى عليهم السلام‏.‏

وفي هذا الاستعراض تتجلى المعاني التي سبقت في سياق السورة‏.‏ تتجلى‏.‏ في صورة وقائع في حياة الرسل والدعوات، بعدما تجلت في صورة قواعد عامة ونواميس‏.‏

كذلك يتضمن سياق السورة بعض مشاهد القيامة؛ وتتمثل فيها تلك المعاني نفسها في صورة واقع يوم القيامة‏.‏

وهكذا تتجمع الإيقاعات المنوعة في السورة على هدف واحد، هو استجاشة القلب البشري لإدراك الحق الأصيل في العقيدة التي جاء بها خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم فلا يتلقاها الناس غافلين معرضين لاهين كما يصفهم في مطلع السورة‏:‏ ‏{‏اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون‏.‏ ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون‏.‏ لاهية قلوبهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

إن هذه الرسالة حق وجد‏.‏ كما أن هذا الكون حق وجد‏.‏ فلا مجال للهو في استقبال الرسالة؛ ولا مجال لطلب الآيات الخارقة؛ وآيات الله في الكون وسنن الكون كله‏.‏ توحي بأنه الخالق القادر الواحد، والرسالة من لدن ذلك الخالق القادر الواحد‏.‏

نظم هذه السورة من ناحية بنائه اللفظي وإيقاعه الموسيقي هو نظم التقرير، الذي يتناسق مع موضوعها، ومع جو السياق في عرض هذا الموضوع‏.‏‏.‏ يبدو هذا واضحاً بموازنته بنظم سورتي مريم وطه مثلاً‏.‏ فهناك الإيقاع الرخي الذي يناسب جوهما‏.‏ وهنا الإيقاع المستقر الذي يناسب موضوع السورة وجوها‏.‏‏.‏

ويزيد هذا وضوحاً بموازنة نظم قصة إبراهيم عليه السلام في مريم ونظمها هنا‏.‏ وكذلك بالتأمل في الحلقة التي أخذت منها هنا الحلقة التي أخذت منها هناك‏.‏ ففي سورة مريم أخذت حلقة الحوار الرخي بين إبراهيم وأبيه‏.‏ أما هنا فجاءت حلقة تحطيم الأصنام، وإلقاء إبراهيم في النار‏.‏ ليتم التناسق في الموضوع والجو والنظم والإيقاع‏.‏

والسياق في هذه السورة يمضي في أشواط أربعة‏:‏

الأول‏:‏ ويبدأ بمطلع قوي الضربات، يهز القلوب هزاً، وهو يلفتها إلى الخطر القريب المحدق، وهي عنه غافلة لاهية‏:‏ ‏{‏اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏}‏‏.‏

ثم يهزها هزة أخرى بمشهد من مصارع الغابرين، الذين كانوا عن آيات ربهم غافلين، فعاشوا سادرين في الغي ظالمين‏:‏ ‏{‏وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين‏.‏ فلمآ أحسوا بأسنآ إذا هم منها يركضون‏.‏ لا تركضوا وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون‏.‏ قالوا‏:‏ يويلنآ‏!‏ إنا كنا ظالمين‏.‏ فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين‏}‏‏.‏‏.‏

ثم يربط بين الحق والجد في الدعوة، والحق والجد في نظام الكون‏.‏ وبين عقيدة التوحيد ونواميس الوجود‏.‏ وبين وحدة الخالق المدبر ووحدة الرسالة والعقيدة‏.‏ ووحدة مصدر الحياة ونهايتها ومصيرها على النحو الذي أسلفناه‏.‏

فأما الشوط الثاني فيرجع بالحديث إلى الكفار الذين يواجهون الرسول صلى الله عليه وسلم بالسخرية والاستهزاء، بينما الأمر جد وحق، وكل ما حولهم يوحي باليقطة والاهتمام‏.‏ وهم يستعجلون العذاب والعذاب منهم قريب‏.‏‏.‏ وهنا يعرض مشهداً من مشاهد القيامة‏.‏ ويلفتهم إلى ما أصاب المستهزئين بالرسل قبلهم‏.‏

ويقرر ان ليس لهم من الله من عاصم‏.‏ ويوجه قلوبهم إلى تأمل يد القدرة وهي تنقص الأرض من أطرافها، وتزوي رقعتها وتطويها، فلعل هذا أن يوقظهم من غفلتهم التي جاءتهم من طول النعمة وامتداد الرخاء‏.‏‏.‏

وينتهي هذا الشوط بتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بيان وظيفته‏:‏ ‏{‏قل‏:‏ إنما أنذركم بالوحي‏}‏ وإلى الخطر الذي يتهددهم في غفلتهم‏:‏ ‏{‏ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون‏}‏ حتى تنصب الموازين القسط وهم في غفلتهم سادرون‏.‏

ويتضمن الشوط الثالث استعراض أمة النبيين، وفيها تتجلى وحدة الرسالة والعقيدة‏.‏ كما تتجلى رحمة الله بعباده الصالحين وإيحاؤه لهم وأخذ المكذبين‏.‏

أما الشوط الرابع والأخير فيعرض النهاية والمصير، في مشهد من مشاهد القيامة المثيرة‏:‏ ويتضمن ختام السورة بمثل ما بدأت‏:‏ إيقاعاً قوياً، وإنذاراً صريحاً، وتخليه بينهم وبين مصيرهم المحتوم‏.‏‏.‏

والآن نأخذ في دراسة الشوط الأول بالتفصيل‏.‏‏.‏

‏{‏اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون‏.‏ ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون‏.‏ لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا‏.‏ هل هذآ إلا بشر مثلكم‏.‏ أفتأتون السحر وأنتم تبصرون‏؟‏ قال‏:‏ ربي يعلم القول في السمآء والأرض وهو السميع العليم‏.‏ بل قالوا‏:‏ أضغاث أحلام، بل افتراه، بل هو شاعر، فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون‏.‏ مآ آمنت قبلهم من قرية أهلكناهآ‏.‏‏.‏ أفهم يؤمنون‏؟‏ ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم، فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون‏.‏ وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام، وما كانوا خالدين‏.‏ ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشآء وأهلكنا المسرفين‏}‏‏.‏‏.‏

مطلع قوي يهز الغافلين هزاً‏.‏ والحساب يقترب وهم في غفلة‏.‏ والآيات تعرض وهم معرضون عن الهدى‏.‏ والموقف جد وهم لا يشعرون بالموقف وخطورته‏.‏ وكلما جاءهم من القرآن جديد قابلوه باللهو والاستهتار، واستمعوه وهم هازلون يلعبون‏.‏‏.‏ ‏{‏لاهية قلوبهم‏}‏‏.‏‏.‏ والقلوب هي موضع التأمل والتدبر والتفكير‏.‏

إنها صورة للنفوس الفارغة التي لا تعرف الجد، فتلهو في أخطر المواقف، وتهزل في مواطن الجد؛ وتستهتر في مواقف القداسة‏.‏ فالذكر الذي يأتيهم يأتيهم ‏{‏من ربهم‏}‏ فيستقبلونه لاعبين، بلا وقار ولا تقديس‏.‏ والنفس التي تفرغ من الجد والاحتفال والقداسة تنتهي إلى حالة من التفاهة والجدب والانحلال؛ فلا تصلح للنهوض بعبء، ولا الاضطلاع بواجب، ولا القيام بتكليف‏.‏ وتغدو الحياة فيها عاطلة هينة رخيصة‏!‏

إن روح الاستهتار التي تلهو بالمقدسات روح مريضة‏.‏ والاستهتار غير الاحتمال‏.‏ فالاحتمال قوة جادة شاعرة‏.‏ والاستهتار فقدان للشعور واسترخاء‏.‏

وهؤلاء الذين يصفهم القرآن الكريم كانوا يواجهون ما ينزل من القرآن ليكون دستوراً للحياة، ومنهاجاً للعمل، وقانوناً للتعامل‏.‏‏.‏ باللعب‏.‏ ويواجهون اقتراب الحساب بالغفلة‏.‏ وأمثال هؤلاء موجودون في كل زمان‏.‏ فحيثما خلت الروح من الجد والاحتفال والقداسة صارت إلى هذه الصورة المريضة الشائهة التي يرسمها القرآن‏.‏ والتي تحيل الحياة كلها إلى هزل فارغ، لا هدف له ولا قوام‏!‏

ذلك بينما كان المؤمنون يتلقون هذه السورة بالاهتمام الذي يذهل القلوب عن الدنيا وما فيها‏:‏

جاء في ترجمة الآمدي لعامر بن ربيعة أنه كان قد نزل به رجل من العرب فأكرم مثواه‏.‏

‏.‏ ثم جاءه هذا الرجل وقد أصاب ارضاً فقال له‏:‏ إني استقطعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وادياً في العرب‏.‏ وقد اردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك‏.‏ فقال عامر‏:‏ لا حاجة لي في قطيعتك‏.‏ نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا‏:‏ ‏{‏اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون‏}‏‏.‏‏.‏

وهذا هو فرق ما بين القلوب الحية المتلقية المتأثرة، والقلوب الميتة المغلقة الخامدة‏.‏ التي تكفن ميتتها باللهو؛ وتواري خمودها بالاستهتار؛ ولا تتأثر بالذكر لأنها خاوية من مقومات الحياة‏.‏

‏{‏وأسروا النجوى الذين ظلموا‏}‏‏.‏‏.‏ وقد كانوا يتناجون فيما بينهم ويتآمرون خفية، يقولون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏هل هذا إلا بشر مثلكم‏؟‏ أفتأتون السحر وأنتم تبصرون‏؟‏‏}‏‏.‏

فهم على موت قلوبهم وفراغها من الحياة لم يكونوا يملكون أنفسهم من ان تتزلزل بهذا القرآن؛ فكانوا يلجأون في مقاومة تأثيره الطاغي إلى التعلات، يقولون‏:‏ إن محمداً بشر‏.‏ فكيف تؤمنون لبشر مثلكم‏؟‏ وإن ما جاء به السحر‏.‏ فيف تجيئون للسحر وتنقادون له وفيكم عيون وأنتم تبصرون‏؟‏‏!‏

عند ذلك وكل الرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم وأمره إلى ربه، وقد أخبره الله بنجواهم التي أداروها بينهم خفية؛ وأطلعه على كيدهم الذي يتقون به القرآن وأثره‏!‏

‏{‏قال‏:‏ ربي يعلم القول في السمآء والأرض، وهو السميع العليم‏}‏‏.‏

فما من نجوى في مكان على الأرض إلا وهو مطلع عليها وهو الذي يعلم القول في السماء والأرض‏.‏‏.‏ وما من مؤامرة يحدثونها إلا وهو كاشفها ومطلع رسوله عليها وهو السميع العليم‏.‏

ولقد حاروا كيف يصفون هذا القرآن وكيف يتقونه‏.‏ فقالوا‏:‏ إنه سحر‏.‏ وقالوا‏:‏ إنه أحلام مختلطة يراها محمد ويرويها‏.‏ وقالوا‏:‏ إنه شعر‏.‏ وقالوا‏:‏ إنه افتراه وزعم انه وحي من عند الله‏:‏

‏{‏بل قالوا‏:‏ أضغاث أحلام، بل افتراه، بل هو شاعر‏}‏‏.‏‏.‏

ولم يثبتوا على صفة له، ولا على رأي يرونه فيه، لأنهم إنما يتمحلون ويحاولون أن يعللوا أثره المزلزل في نفوسهم بشتى التعلات فلا يستطيعون؛ فينتقلون من ادعاء إلى ادعاء، ومن تعليل إلى تعليل، حائرين غير مستقرين‏.‏‏.‏ ثم يخلصون من الحرج بأن يطلبوا بدل القرآن خارقة من الخوارق التي جاء بها الأولون‏:‏

‏{‏فليأتنا بآية كما أرسل الأولون‏}‏‏.‏‏.‏

ولقد جاءت الخوارق من قبل، فلم يؤمن بها من جاءتهم، فحل بهم الهلاك، وفقاً لسنة الله التي لا تتخلف في إهلاك من يكذبون بالخوارق‏:‏

‏{‏ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها‏}‏‏.‏

ذلك أن من يبلغ به العناد ألا يؤمن بالخارقة المادية المحسوسة، لا يبقى له عذر، ولا يرجى له صلاح‏.‏ فيحق عليه الهلاك‏.‏

ولقد تكررت الآيات، وتكرر التكذيب بها، وتكرر كذلك إهلاك المكذبين‏.‏‏.‏ فما بال هؤلاء سيؤمنون بالخارقة لو جاءتهم؛ وهم ليسوا سوى بشر كهؤلاء الهالكين‏!‏

‏{‏أفهم يؤمنون‏}‏‏.‏‏.‏

‏{‏ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم، فأسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون‏.‏ وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام، وما كانوا خالدين‏}‏‏.‏‏.‏

فقد اقتضت حكمة الله أن يكون الرسل من البشر، يتلقون الوحي فيدعون به الناس‏.‏ وما كان الرسل من قبل إلا رجالاً ذوي أجساد‏.‏ وما جعل الله لهم أجساداً ثم جعلهم لا يأكلون الطعام‏.‏ فأكل الطعام من مقتضيات الجسدية، والجسدية من مقتضيات البشرية‏.‏ وهم بحكم انهم بشر مخلوقون لم يكونوا خالدين‏.‏‏.‏ هذه هي سنة الله المطردة فليسألوا أهل الكتاب الذين عرفوا الأنبياء من قبل‏.‏ إن كانوا هم لا يعلمون‏.‏

لقد كان الرسل من البشر ليعيشوا حياة البشر؛ فتكون حياتهم الواقعية مصداق شريعتهم‏.‏ وسلوكهم العملي نموذجاً حياً لما يدعون إليه الناس‏.‏ فالكلمة الحية هي التي تؤثر وتهدي، لأن الناس يرونها ممثلة في شخص مترجمة إلى حياة‏.‏

ولو كان الرسل من غير البشر لا يأكلون الطعام، ولا يمشون في الأسواق، ولا يعاشرون النساء‏.‏ ولا تعتلج في صدورهم عواطف البشر وانفعالاتهم لما كانت هناك وشيجة بينهم وبين الناس‏.‏ فلا هم يحسون دوافع البشر التي تحركهم، ولا البشر يتأسون بهم ويقتدون‏.‏

وأيما داعية لا يحس مشاعر الذين يدعوهم ولا يحسون مشاعره، فإنه يقف على هامش حياتهم، لا يتجاوب معهم ولا يتجاوبون معه‏.‏ ومهما سمعوا من قوله فلن يحركهم للعمل بما يقول‏.‏ لما بينه وبينهم من قطعية في الحس والشعور‏.‏

وأيما داعية لا يصدق فعله قوله‏.‏ فإن كلماته تقف على أبواب الآذان لا تتعداها إلى القلوب‏.‏ مهما تكن كلماته بارعة وعباراته بليغة‏.‏ فالكلمة البسيطة التي يصاحبها الانفعال، ويؤيدها العمل‏.‏ هي الكلمة المثمرة التي تحرك الآخرين إلى العمل‏.‏

والذين كانوا يقترحون أن يكون الرسول من الملائكة، كالذين يقترحون اليوم أن يكون الرسول منزهاً عن انفعالات البشر‏.‏‏.‏ كلهم يتعنتون ويغفلون عن هذه الحقيقة‏.‏ وهي أن الملائكة لا يحيون حياة البشر بحكم تكوينهم ولا يمكن أن يحيوها‏.‏‏.‏ لا يمكن أن يحسوا بدوافع الجسد ومقتضياته، ولا بمشاعر هذا المخلوق الآدمي ذي التكوين الخاص‏.‏ وأن الرسول يجب أن يحس بهذه الدوافع والمشاعر، وأن يزاولها في حياته الواقعية ليرسم بحياته دستور الحياة العملي لمتبعيه من الناس‏.‏

وهنالك اعتبار آخر، وهو أن شعور الناس بأن الرسول ملك لا يثير في نفوسهم الرغبة في تقليده في جزئيات حياته؛ لأنه من جنس غير جنسهم، وطبيعة غير طبيعتهم، فلا مطمع لهم في تقليد منهجه في حياته اليومية‏.‏

وحياة الرسل أسوة دافعة لغيرهم من الناس‏.‏

وهذا وذلك فوق ما في ذلك الاقتراح من غفلة عن تكريم الله للجنس البشري كله، باختيار الرسل منه، ليتصلوا بالملأ الأعلى ويتلقوا عنه‏.‏

لذلك كله اقتضت سنة الله الجارية اختيار الرسل من البشر؛ وأجرت عليهم كل ما يجري على البشر من ولادة وموت‏.‏ ومن عواطف وانفعالات‏.‏ ومن آلام وآمال‏.‏ ومن أكل للطعام ومعاشرة للنساء‏.‏‏.‏ وجعلت أكبر الرسل وأكملهم وخاتمهم وصاحب الرسالة الباقية فيهم‏.‏‏.‏ أكمل نموذج لحياة الإنسان على الأرض، بكل ما فيها من دوافع وتجارب وعمل وحياة‏.‏

تلك سنة الله في اختيار الرسل‏.‏ ومثلها سنته في إنجائهم ومن معهم، وإهلاك المسرفين الظالمين المكذبين‏:‏

‏{‏ثم صدقناهم الوعد، فأنجيناهم ومن نشاء، وأهلكنا المسرفين‏}‏‏.‏‏.‏

فهي كذلك سنة جارية كسنة اختيارهم‏.‏ وقد وعدهم الله النجاة هم والمؤمنون معهم إيماناً حقيقياً يصدقه العمل؛ فصدقهم وعده، وأهلك، الذين كانوا يسرفون عليهم، ويتجاوزون الحد معهم‏.‏

هذه السنة يخوف الله بها المشركين الذين كانوا يواجهون الرسول صلى الله عليه وسلم بالإسراف عليه، وتكذيبه، وإيذائه والمؤمنين معه‏.‏ وينبههم إلى أنه رحمة بهم لم يرسل إليهم بخارقة مادية، يتبعها هلاكهم، إذا هم كذبوا بها كما كذب من قبلهم‏.‏ إنما أرسل إليهم بكتاب يشرفهم لأنه بلغتهم، ويقوم حياتهم، ويخلق منهم أمة ذات سيادة في الأرض وذكر في الناس‏.‏ وهو مفتوح للعقول تتدبره، وترتفع به في سلم البشرية‏:‏

‏{‏لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم‏.‏ أفلا تعقلون‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

إن معجزة القرآن معجزة مفتوحة للأجيال، وليست كالخوارق المادية التي تنقضي في جيل واحد، ولا يتأثر بها إلا الذين يرونها من ذلك الجيل‏.‏

ولقد كان به ذكر العرب ومجدهم حين حملوا رسالته فشرقوا بها وغربوا‏.‏ فلم يكن لهم قبله ذكر، ولم يكن معهم ما يعطونه للبشرية فتعرفه لهم وتذكرهم به‏.‏ ولقد ظلت البشرية تذكرهم وترفعهم طالما استمسكوا بهذا الكتاب، وقادوا به البشرية قروناً طويلة، فسعدوا وسعدت بما معهم من ذلك الكتاب‏.‏ حتى إذا تخلوا عنه تخلت عنهم البشرية، وانحط فيها ذكرهم، وصاروا ذيلاً للقافلة يتخطفهم الناس، وكانوا بكتابهم يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون‏!‏

وما يملك العرب من زاد يقدمونه للبشرية سوى هذا الزاد‏.‏ وما يملكون من فكرة يقدمونها للإنسانية سوى هذه الفكرة‏.‏ فإن تقدموا للبشرية بكتابهم ذاك عرفتهم وذكرتهم ورفعتهم، لأنها تجد عندهم ما تنتفع به‏.‏ فأما إذا تقدموا إليها عرباً فحسب بجنسية العرب‏.‏ فما هم‏؟‏ وما ذاك‏؟‏ وما قيمة هذا النسب بغير هذا الكتاب‏؟‏ إن البشرية لم تعرفهم إلا بكتابهم وعقيدتهم وسلوكهم المستمد من ذلك الكتاب وهذه العقيدة‏.‏

‏.‏ لم تعرفهم لأنهم عرب فحسب‏.‏ فذلك لا يساوي شيئاً في تاريخ البشرية، ولا مدلول له في معجم الحضارة‏!‏ إنما عرفتهم لأنهم يحملون حضارة الإسلام ومثله وفكرته‏.‏ وهذا أمر له مدلول له في تاريخ البشرية ومعجم الحضارة‏!‏

‏.‏‏.‏ ذلك ما كان يشير إليه القرآن الكريم، وهو يقول للمشركين، الذين كانوا يواجهون كل جديد يأتيهم منه باللهو والإعراض والغفلة والتكذيب‏:‏ ‏{‏لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم‏.‏ أفلا تعقلون‏؟‏‏}‏‏.‏

ولقد كانت رحمة بهم أن ينزل الله لهم هذا القرآن‏.‏ ولا يأتيهم بالخارقة التي يطلبونها‏.‏ فلا يأخذهم وفق سنته بالقاصمة كالقرى التي كذبت فاستأصلت‏.‏‏.‏ وهنا يعرض مشهداً حياً من القصم والاستئصال‏:‏

‏{‏وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين‏.‏ فلمآ أحسوا بأسنآ إذا هم منها يركضون‏.‏ لا تركضوا وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون‏.‏‏.‏ قالوا‏:‏ يويلنآ إنا كنا ظالمين‏.‏ فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين‏}‏‏.‏‏.‏

والقصم أشد حركات القطع‏.‏ وجرسها اللفظي يصور معناها، ويلقي ظل الشدة والعنف والتحطيم والقضاء الحاسم على القرى التي كانت ظالمة‏.‏ فإذا هي مدمرة محطمة‏.‏‏.‏ ‏{‏وأنشأنا بعدها قوماً آخرين‏}‏‏.‏

وهو عند القصم يوقع الفعل على القرى ليشمل ما فيها ومن فيها‏.‏ وعند الإنشاء يوقع الفعل على القوم الذين ينشأون ويعيدون إنشاء القرى‏.‏‏.‏ وهذه حقيقة في ذاتها‏.‏

فالدمار يحل بالديار والدّيار‏.‏ والإنشاء يبدأ بالديارين فيعيدون إنشاء الدور‏.‏‏.‏ ولكن عرض هذه الحقيقة في هذه الصورة يضخم عملية القصم والتدمير، وهذا هو الظل المراد إلقاؤه بالتعبير على طريقة التصوير‏!‏

ثم ننظر فنشهد حركة القوم في تلك القرى وبأس الله يأخذهم، وهم كالفيران في المصيدة يضطربون من هنا إلى هناك قبيل الخمود‏:‏

‏{‏فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون‏}‏‏.‏‏.‏

يسارعون بالخروج من القرية ركضاً وعدوا، وقد تبين لهم أنهم مأخوذون ببأس الله‏.‏ كأنما الركض ينجيهم من بأس الله‏.‏ وكأنما هم أسرع عدواً فلا يلحق بهم حيث يركضون‏!‏ ولكنها حركة الفأر في المصيدة بلا تفكير ولا شعور‏.‏

عندئذ يتلقون التهكم المرير‏:‏

‏{‏لا تركضوا، وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون‏}‏ ‏!‏

لا تركضوا من قريتكم‏.‏ وعودوا إلى متاعكم الهنيء وعيشكم الرغيد وسكنكم المريح‏.‏‏.‏ عودوا لعلكم تسألون عن ذلك كله فيم انفقتموه‏؟‏‏!‏

وما عاد هنالك مجال لسؤال ولا لجواب‏.‏ إنما هو التهكم والاستهزاء‏!‏

عند ذلك يفيقون فيشعرون بأن لا مفر ولا مهرب من بأس الله المحيط‏.‏ وانه لا ينفعهم ركض، ولا ينقذهم فرار‏.‏ فيحاولون الاعتراف والتوبة والاستغفار‏:‏

‏{‏قالوا‏:‏ يا ويلنا‏!‏ إنا كنا ظالمين‏}‏‏.‏‏.‏

ولكن لقد فات الأوان‏.‏ فليقولوا ما يشاءون‏.‏ فإنهم لمتركون يقولون حتى يقضى الأمر وتخمد الأنفاس‏:‏

‏{‏فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين‏}‏‏.‏

ويا له من حصيد آدمي، لا حركة فيه ولا حياة؛ وكان منذ لحظة يموج بالحركة، وتضطرب فيه الحياة‏!‏

هنا يربط السياق بين العقيدة التي سبق الحديث عنها، وسننها التي تجري عليها، والتي تأخذ المكذبين بها‏.‏ يربط بينها وبين الحق الكبير والجد الأصيل، اللذين يقوم بهما الكون كله، ويتلبس بهما خلق السماوات والأرض في صميمه‏.‏

فإذا كان المشركون يستقبلون القرآن كلما جاءهم منه جديد باللعب واللهو، غافلين عما في الأمر من حق وجد‏.‏ وإذا كانوا يغفلون عن يوم الحساب القريب، وعما ينتظر المكذبين المستهزئين‏.‏‏.‏ فإن سنة الله مطردة نافذة مرتبطة بالحق الكبير والجد الأصيل‏:‏

‏{‏وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما لاعبين‏.‏ لو أردنآ أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنآ‏.‏ إن كنا فاعلين‏.‏ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ولكم الويل مما تصفون‏}‏‏.‏‏.‏

لقد خلق الله سبحانه هذا الكون لحكمة، لا لعباً ولا لهواً‏.‏ ودبره بحكمة، لا جزافاً ولا هوى، وبالجد الذي خلق به السماوات والأرض وما بينهما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وفرض الفرائض، وشرع التكاليف‏.‏‏.‏ فالجد أصيل في طبيعة هذا الكون، أصيل في تدبيره، أصيل في العقيدة التي أرادها الله للناس، أصيل في الحساب الذي يأخذهم به بعد الممات‏.‏

ولو أراد الله سبحانه أن يتخذ لهواً لاتخذه من لدنه‏.‏ لهواً ذاتياً لا يتعلق بشيء من مخلوقاته الحادثة الفانية‏.‏

وهو مجرد فرض جدلي‏:‏ ‏{‏لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا‏}‏‏.‏‏.‏ ولو كما يقول النحاة حرف امتناع لامتناع‏.‏ تفيد امتناع وقوع فعل الجواب لامتناع وقوع فعل الشرط‏.‏ فالله سبحانه لم يرد أن يتخذ لهواً فلم يكن هناك لهو‏.‏ لا من لدنه ولا من شيء خارج عنه‏.‏

ولن يكون لأن الله سبحانه لم يرده ابتداء ولم يوجه إليه إرادته أصلاً‏:‏ ‏{‏إن كنا فاعلين‏}‏‏.‏‏.‏ وإن حرف نفي بمعنى ما، والصيغة لنفي إرادة الفعل ابتداء‏.‏

إنما هو فرض جدلي لتقرير حقيقة مجردة‏.‏‏.‏ هي أن كل ما يتعلق بذات الله سبحانه قديم لا حادث، وباق غير فان‏.‏ فلو أراد سبحانه أن يتخذ لهواً لما كان هذا اللهو حادثاً، ولا كان متعلقاً بحادث كالسماء والأرض وما بينهما فكلها حوادث‏.‏‏.‏ إنما كان يكون ذاتياً من لدنه سبحانه‏.‏ فيكون أزلياً باقياً، لأنه يتعلق بالذات الأزلية الباقية‏.‏

إنما الناموس المقرر والسنة المطردة ألا يكون هناك لهو، إنما يكون هناك جد، ويكون هناك حق؛ فيغلب الحق الأصيل على الباطل العارض‏:‏

‏{‏بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق‏}‏‏.‏‏.‏

و ‏{‏بل‏}‏ للإضراب عن الحديث في موضوع اللهو؛ والعدول عنه إلى الحديث في الواقع المقرر الذي تجري به السنة ويقتضيه الناموس‏.‏

وهو غلبة الحق وزهوق الباطل‏.‏

والتعبير يرسم هذه السنة في صورة حسية حية متحركة‏.‏ فكأنما الحق قذيفة في يد القدرة‏.‏ تقذف به على الباطل، فيشق دماغه‏!‏ فإذا هو زاهق هالك ذاهب‏.‏‏.‏

هذه هي السنة المقررة، فالحق أصيل في طبيعة الكون، عميق في تكوين الوجود‏.‏ والباطل منفي عن خلقه هذا الكون أصلاً، طارئ لا أصالة فيه، ولا سلطان له، يطارده الله، ويقذف عليه بالحق فيدمغه‏.‏ ولا بقاء لشيء يطارده الله؛ ولا حياة لشيء تقذفه يد الله فتدمغه‏!‏

ولقد يخيل للناس أحياناً ان واقع الحياة يخالف هذه الحقيقة التي يقررها العليم الخبير‏.‏ وذلك في الفترات التي يبدو فيها الباطل منتفشاً كأنه غالب، ويبدو فيها الحق منزوياً كأنه مغلوب‏.‏ وإن هي إلا فترة من الزمان، يمد الله فيها ما يشاء، للفتنة والابتلاء‏.‏ ثم تجري السنة الأزلية الباقية التي قام عليها بناء السماء والأرض؛ وقامت عليها العقائد والدعوات سواء بسواء‏.‏

والمؤمنون بالله لا يخالجهم الشك في صدق وعده؛ وفي أصالة الحق في بناء الوجود ونظامه؛ وفي نصرة الحق الذي يقذف به على الباطل فيدمغه‏.‏‏.‏ فإذا ابتلاهم الله بغلبة الباطل حيناً من الدهر عرفوا أنها الفتنة؛ وأدركوا أنه الابتلاء؛ وأحسوا أن ربهم يربيهم، لأن فيهم ضعفاً أو نقصاً؛ وهو يريد أن يعدهم لاستقبال الحق المنتصر، وأن يجعلهم ستار القدرة، فيدعهم يجتازون فترة البلاء يستكملون فيها النقص ويعالجون فيها الضعف‏.‏‏.‏ وكلما سارعوا إلى العلاج قصر الله عليهم فترة الابتلاء، وحقق على أيديهم ما يشاء‏.‏ أما العاقبة فهي مقررة‏:‏ ‏{‏بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق‏}‏ والله يفعل ما يريد‏.‏

هكذا يقرر القرآن الكريم تلك الحقيقة للمشركين، الذين يتقولون على القرآن وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويصفونه بالسحر والشعر والافتراء‏.‏ وهو الحق الغالب الذي يدمغ الباطل، فإذا هو زاهق‏.‏‏.‏ ثم يعقب على ذلك التقرير بإنذارهم عاقبة ما يتقولون‏:‏ ‏{‏ولكم الويل مما تصفون‏}‏‏.‏‏.‏

ثم يعرض لهم نموذجاً من نماذج الطاعة والعبادة في مقابل عصيانهم وإعراضهم‏.‏ نموذجاً ممن هم أقرب منهم إلى الله‏.‏ ومع هذا فهم دائبون على طاعته وعبادته، لا يفترون ولا يقصرون‏:‏

‏{‏وله من في السماوات والأرض‏.‏ ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون‏}‏‏.‏‏.‏

ومن في السماوات والأرض لا يعلمهم إلا الله، ولا يحصيهم إلا الله‏.‏ والعلم البشري لا يستيقن إلا من وجود البشر‏.‏ والمؤمنون يستيقنون من وجود الملائكة والجن كذلك لذكرهما في القرآن‏.‏ ولكننا لا نعرف عنهم إلا ما أخبرنا به خالقهم‏.‏ وقد يكون هناك غيرهم من العقلاء في غير هذا الكوكب الأرضي، بطبائع وأشكال تناسب طبيعة تلك الكواكب‏.‏

وعلم ذلك عند الله‏.‏

فإذا نحن قرأنا‏:‏ ‏{‏وله من في السماوات والأرض‏}‏ عرفنا منهم من نعرف، وتركنا علم من لا نعلم لخالق السماوات والأرض ومن فيهن‏.‏

‏{‏ومن عنده‏}‏ المفهوم القريب أنهم الملائكة‏.‏ ولكننا لا نحدد ولا نقيد ما دام النص عاماً يشمل الملائكة وغيرهم‏.‏ والمفهوم من التعبير أنهم هم الاقرب إلى الله‏.‏ فكلمة ‏{‏عند‏}‏ بالقياس إلى الله لا تعني مكاناً، ولا تحدد وصفاً‏.‏

‏{‏ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته‏}‏ كما يستكبر هؤلاء المشركون ‏{‏ولا يستحسرون‏}‏ أي يقصرون في العبادة‏.‏ فحياتهم كلها عبادة وتسبيح بالليل والنهار دون انقطاع ولا فتور‏.‏‏.‏

والبشر يملكون أن تكون حياتهم كلها عبادة دون أن ينقطعوا للتسبيح والتعبد كالملائكة‏.‏ فالإسلام يعد كل حركة وكل نفس عبادة إذا توجه بها صاحبها إلى الله‏.‏ ولو كانت متاعاً ذاتياً بطيبات الحياة‏!‏

وفي ظل التسبيح الذي لا يفتر ولا ينقطع لله الواحد، مالك السماوات والأرض ومن فيهن‏.‏ يجيء الإنكار على المشركين واستنكار دعواهم في الآلهة‏.‏ ويعرض السياق دليل الوحدانية من المشهود في نظام الكون وناموسه الواحد الدال على المدبر الواحد؛ ومن المنقول عن الكتب السابقة عند أهل الكتاب‏:‏

‏{‏أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون‏؟‏ لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا‏.‏ فسبحان الله رب العرش عما يصفون‏.‏ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون‏.‏ أم اتخذوا من دونه آلهة‏؟‏ قل‏:‏ هاتوا برهانكم‏.‏ هذا ذكر من معي وذكر من قبلي‏.‏ بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون‏.‏ ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون‏}‏‏.‏‏.‏

والسؤال عن اتخاذهم آلهة هو سؤال استنكار للواقع منهم‏.‏ ووصف هؤلاء بأنهم ينشرون من الأرض أي يقيمون الأموات ويبعثونهم أحياء‏.‏ فيه تهكم بتلك الآلهة التي اتخذوها‏.‏ فمن أول صفات الإله الحق أن يُنشر الأموات من الأرض‏.‏ فهل الآلهة التي اتخذوها تفعل هذا‏؟‏ إنها لا تفعل، ولا يدعون لها هم أنها تخلق حياة أو تعيد حياة‏.‏ فهي إذن فاقدة للصفة الأولى من صفات الإله‏.‏

ذلك منطق الواقع المشهود في الأرض‏.‏ وهنالك الدليل الكوني المستمد من واقع الوجود‏:‏ ‏{‏لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا‏}‏‏.‏‏.‏

فالكون قائم على الناموس الواحد الذي يربط بين أجزائه جميعاً؛ وينسق بين أجزائه جميعاً؛ وبين حركات هذه الأجزاء وحركة المجموع المنظم‏.‏‏.‏ هذا الناموس الواحد من صنع إرادة واحدة لإله واحد‏.‏ فلو تعددت الذوات لتعددت الإرادات‏.‏ ولتعددت النواميس تبعاً لها فالإرادة مظهر الذات المريدة‏.‏ والناموس مظهر الإرادة النافذة ولانعدمت الوحدة التي تنسق الجهاز الكوني كله، وتوحد منهجه واتجاهه وسلوكه؛ ولوقع الاضطراب والفساد تبعاً لفقدان التناسق‏.‏‏.‏ هذا التناسق الملحوظ الذي لا ينكره أشد الملحدين لأنه واقع محسوس‏.‏

وإن الفطرة السليمة التي تتلقى إيقاع الناموس الواحد للوجود كله، لتشهد شهادة فطرية بوحدة هذا الناموس، ووحدة الإرادة التي أوجدته، ووحدة الخالق المدبر لهذا الكون المنظم المنسق، الذي لا فساد في تكوينه، ولا خلل في سيره‏:‏

‏{‏فسبحان الله رب العرش عما يصفون‏}‏‏.‏‏.‏

وهم يصفونه بأن له شركاء‏.‏ تنزه الله المتعالي المسيطر‏:‏ ‏{‏رب العرش‏}‏ والعرش رمز الملك والسيطرة والاستعلاء‏.‏ تنزه عما يقولون والوجود كله بنظامه وسلامته من الخلل والفساد يكذبهم فيما يقولون‏.‏

‏{‏لا يسأل عما يفعل وهم يسألون‏}‏‏.‏‏.‏

ومتى كان المسيطر على الوجود كله يسأل؛ ومن ذا الذي يسأله؛ وهو القاهر فوق عباده، وإرادته طليقة لا يحدها قيد من إرادة أخرى، ولا حتى من الناموس الذي ترتضيه هي وتتخذه حاكماً لنظام الوجود‏؟‏ والسؤال والحساب إنما يكونان بناء على حدود ترسم ومقياس يوضع‏.‏ والإرادة الطليقة هي التي تضع الحدود والمقاييس، ولا تتقيد بما تضع للكون من الحدود والمقاييس إلا كما تريد‏.‏ والخلق مأخوذون بما تضع لهم من تلك الحدود فهم يسألون‏.‏

وإن الخلق ليستبد بهم الغرور أحياناً فيسألون سؤال المنكر المتعجب‏:‏ ولماذا صنع الله كذا‏.‏ وما الحكمة في هذا الصنيع‏؟‏ وكأنما يريدون ليقولوا‏:‏ إنهم لا يجدون الحكمة في ذلك الصنيع‏!‏

وهم يتجاوزون في هذا حدود الأدب والواجب في حق المعبود، كما يتجاوزون حدود الإدراك الإنساني القاصر الذي لا يعرف العلل والأسباب والغايات وهو محصور في حيزه المحدود‏.‏‏.‏

إن الذي يعلم كل شيء، ويدبر كل شيء، ويسيطر على كل شيء، هو الذي يقدر ويدبر ويحكم‏.‏ ‏{‏لا يسأل عما يفعل وهم يسألون‏}‏‏.‏‏.‏

وإلى جانب الدليل الكوني المستمد من طبيعة الوجود وواقعه يسألهم عن الدليل النقلي الذي يستندون إليه في دعوى الشرك التي لا تعمتد على دليل‏:‏

‏{‏أم اتخذوا من دونه آلهة‏؟‏ قل‏:‏ هاتوا برهانكم‏.‏ هذا ذكر من معي وذكر من قبلي‏}‏‏.‏

فهذا هو القرآن يشتمل على ذكر المعاصرين للرسول صلى الله عليه وسلم وهناك ذكر من سبقه من الرسل‏.‏ وليس فيما جاءوا به ذكر الشركاء‏.‏ فكل الديانات قائمة على عقيدة التوحيد‏.‏ فمن أين جاء المشركون بدعوى الشرك التي تنقضها طبيعة الكون، ولا يوجد من الكتب السابقة عليها دليل‏:‏

‏{‏بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون‏}‏‏.‏‏.‏

‏{‏وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون‏}‏‏.‏‏.‏

فالتوحيد هو قاعدة العقيدة منذ أن يبعث الله الرسل للناس‏.‏ لا تبديل فيها ولا تحويل‏.‏ توحيد الإله وتوحيد المعبود‏.‏ فلا انفصال بين الألوهية والربوبية؛ ولا مجال للشرك في الألوهية ولا في العبادة‏.‏‏.‏ قاعدة ثابتة ثبوت النواميس الكونية، متصلة بهذه النواميس وهي واحدة منها‏.‏

ثم يعرض السياق لدعوى المشركين من العرب أن لله ولداً‏.‏

وهي إحدى مقولات الجاهلية السخيفة‏:‏

‏{‏وقالوا‏:‏ اتخذ الرحمن ولداً‏.‏ سبحانه‏!‏ بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعملون‏.‏ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهم من خشيته مشفقون‏.‏ ومن يقل منهم‏:‏ إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم‏.‏ كذلك نجزي الظالمين‏}‏‏.‏‏.‏

ودعوى البنوة لله سبحانه دعوى اتخذت لها عدة صور في الجاهليات المختلفة‏.‏ فقد عرفت عند مشركي العرب في صورة بنوة الملائكة لله‏.‏ وعند مشركي اليهود في صورة بنوة العزيز لله‏.‏ وعند مشركي النصارى في صورة بنوة المسيح لله‏.‏‏.‏ وكلها من انحرافات الجاهلية في شتى الصور والعصور‏.‏

والمفهوم أن الذي يعنيه السياق هنا هو دعوى العرب في بنوة الملائكة‏.‏ وهو يرد عليهم ببيان طبيعة الملائكة‏.‏ فهم ليسوا بنات لله كما يزعمون ‏{‏بل عباد مكرمون‏}‏ عند الله‏.‏ لا يقترحون عليه شيئاً تأدباً وطاعة وإجلالاً‏.‏ إنما يعملون بأمره لا يناقشون‏.‏ وعلم الله بهم محيط‏.‏ ولا يتقدمون بالشفاعة إلا لمن ارتضاه الله ورضي أن يقبل الشفاعة فيه‏.‏ وهم بطبيعتهم خائفون لله مشفقون من خشيته على قربهم وطهارتهم وطاعتهم التي لا استثناء فيها ولا انحراف عنها‏.‏ وهم لا يدعون الألوهية قطعاً‏.‏ ولو ادعوها جدلاً لكان جزاؤهم جزاء من يدعي الألوهية كائناً من كان، وهو جهنم‏.‏ فذلك جزاء الظالمين الذين يدعون هذه الدعوى الظالمة لكل حق، ولكل أحد، ولكل شيء في هذا الوجود‏.‏

وكذلك تبدو دعوى المشركين في صورتها هذه واهية مستنكرة مستبعدة، لا يدعيها أحد‏.‏ ولو ادعاها لذاق جزاءها الأليم‏!‏

وكذلك يلمس الوجدان بمشهد الملائكة طائعين لله، مشفقين من خشيته‏.‏ بينما المشركون يتطاولون ويدعون‏!‏

وعند هذا الحد من عرض الأدلة الكونية الشاهدة بالوحدة؛ والأدلة النقلية النافية للتعدد؛ والأدلة الوجدانية التي تلمس القلوب‏.‏‏.‏ يجول السياق بالقلب البشري في مجالي الكون الضخمة، ويد القدرة تدبره بحكمة، وهم معرضون عن آياتها المعروضة على الأنظار والقلوب‏:‏

‏{‏أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما‏.‏ وجعلنا من الماء كل شيء حي؛ أفلا يؤمنون‏؟‏ وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم، وجعلنا فيها فجاجاً سبلاً لعلهم يهتدون؛ وجعلنا السمآء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون‏.‏ وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر‏.‏ كل في فلك يسبحون‏}‏‏.‏‏.‏

إنها جولة في الكون المعروض للأنظار، والقلوب غافلة عن آياته الكبار، وفيها ما يحير اللب حين يتأمله بالبصيرة المفتوحة والقلب الواعي والحس اليقظ‏.‏

وتقريره أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقتا، مسألة جديرة بالتأمل، كلما تقدمت النظريات الفلكية في محاولة تفسير الظواهر الكونية، فحامت حول هذه الحقيقة التي أوردها القرآن الكريم منذ أكثر من ثلاث مائة وألف عام‏.‏

فالنظرية القائمة اليوم هي أن المجموعات النجمية كالمجموعة الشمسية المؤلفة من الشمس وتوابعها ومنها الأرض والقمر‏.‏‏.‏ كانت سديماً‏.‏ ثم انفصلت وأخذت أشكالها الكروية وأن الأرض كانت قطعة من الشمس ثم انفصلت عنها وبردت‏.‏‏.‏

ولكن هذه ليست سوى نظرية فلكية‏.‏ تقوم اليوم وقد تنقض غداًَ، وتقوم نظرية أخرى تصلح لتفسير الظواهر الكونية بفرض آخر يتحول إلى نظرية‏.‏‏.‏

ونحن أصحاب هذه العقيدة- لا نحاول أن نحمل النص القرآني المستيقن على نظرية غير مستيقنة، تقبل اليوم وترفض غداً‏.‏ لذلك لا نحاول في هذه الظلال أن نوفق بين النصوص القرآنية والنظريات التي تسمى علمية‏.‏ وهي شيء آخر غير الحقائق العلمية الثابتة القابلة للتجربة كتمدد المعادن بالحرارة وتحول الماء بخاراً وتجمده بالبرودة‏.‏‏.‏ إلى آخر هذا النوع من الحقائق العلمية‏.‏ وهي شيء آخر غير النظريات العلمية كما بينا من قبل في الظلال‏.‏

إن القرآن ليس كتاب نظريات علمية ولم يجيء ليكون علماً تجريبياً كذلك‏.‏ إنما هو منهج للحياة كلها‏.‏ منهج لتقويم العقل ليعمل وينطلق في حدوده‏.‏ ولتقويم المجتمع ليسمح للعقل بالعمل والانطلاق‏.‏ دون أن يدخل في جزئيات وتفصيليات علمية بحتة‏.‏ فهذا متروك للعقل بعد تقويمه وإطلاق سراحه‏.‏

وقد يشير القرآن أحياناً إلى حقائق كونية كهذه الحقيقة التي يقررها هنا‏:‏ ‏{‏أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما‏}‏ ونحن نستيقن هذه الحقيقة لمجرد ورودها في القرآن‏.‏ وإن كنا لا نعرف منه كيف كان فتق السماوات والأرض‏.‏ أو فتق السماوات عن الأرض‏.‏ ونتقبل النظريات الفلكية التي لا تخالف هذه الحقيقة المجملة التي قررها القرآن‏.‏ ولكننا لا نجري بالنص القرآني وراء أية نظرية فلكية، ولا نطلب تصديقاً للقرآن في نظريات البشر‏.‏ وهو حقيقة مستيقنة‏!‏ وقصارى ما يقال‏:‏ إن النظرية الفلكية القائمة اليوم لا تعارض المفهوم الإجمالي لهذا النص القرآني السابق عليها بأجيال‏!‏

فأما شطر الآية الثاني‏:‏ ‏{‏وجعلنا من الماء كل شيء حي‏}‏ فيقرر كذلك حقيقة خطيرة‏.‏ يعد العلماء كشفها وتقريرها أمراً عظيماً‏.‏ ويمجدون «دارون» لاهتدائه إليها‏!‏ وتقريره أن الماء هو مهد الحياة الأول‏.‏

وهي حقيقة تثير الانتباه حقاً‏.‏ وإن كان ورودها في القرآن الكريم لا يثير العجب في نفوسنا، ولا يزيدنا يقينا بصدق هذا القرآن‏.‏ فنحن نستمد الاعتقاد بصدقه المطلق في كل ما يقرره من إيماننا بأنه من عند الله‏.‏ لا من موافقة النظريات أو الكشوف العلمية له‏.‏ وأقصى ما يقال هنا كذلك‏:‏ إن نظرية النشوء والارتقاء لدارون وجماعته لا تعارض مفهوم النص القرآني في هذه النقطة بالذات‏.‏

ومنذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً كان القرآن الكريم يوجه أنظار الكفار إلى عجائب صنع الله في الكون، ويستنكر ألا يؤمنوا بها وهم يرونها مبثوثة في الوجود‏:‏ ‏{‏أفلا يؤمنون‏؟‏‏}‏ وكل ما حولهم في الكون يقود إلى الإيمان بالخالق المدبر الحكيم‏؟‏

ثم يمضي في عرض مشاهد الكون الهائلة‏:‏

‏{‏وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم‏}‏‏.‏

فيقرر أن هذه الجبال الرواسي تحفظ توازن الأرض فلا تميد بهم ولا تضطرب‏.‏ وحفظ التوازن يتحقق في صور شتى‏.‏ فقد يكون توازناً بين الضغط الخارجي على الأرض والضغط الداخلي في جوفها، وهو يختلف من بقعة إلى بقعة‏:‏ وقد يكون بروز الجبال في موضع معادلاً لانخفاض الأرض في موضع آخر‏.‏‏.‏ وعلى أية حال فهذا النص يثبت أن للجبال علاقة بتوازن الأرض واستقرارها‏.‏ فلنترك للبحوث العلمية كشف الطريقة التي يتم بها هذا التوازن فذلك مجالها الأصيل‏.‏ ولنكتف من النص القرآني الصادق باللمسة الوجدانية والتأمل الموحي، وبتتبع يد القدرة المبدعة المدبرة لهذا الكون الكبير‏:‏

‏{‏وجعلنا فيها فجاجاً سبلاً لعلهم يهتدون‏}‏‏.‏‏.‏

وذكر الفجاج في الجبال وهي الفجوات بين جواجزها العالية، وتتخذ سبلاً وطرقاً‏.‏‏.‏ ذكر هذه الفجاج هنا مع الإشارة إلى الاهتداء يصور الحقيقة الواقعة أولاً، ثم يشير من طرف خفي إلى شأن آخر في عالم العقيدة‏.‏ فلعلهم يهتدون إلى سبيل يقودهم إلى الإيمان، كما يهتدون في فجاج الجبال‏!‏

‏{‏وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً‏}‏‏.‏‏.‏

والسماء كل ما علا‏.‏ ونحن نرى فوقنا ما يشبه السقف‏.‏ والقرآن يقرر أن السماء سقف محفوظ‏.‏ محفوظ من الخلل بالنظام الكوني الدقيق‏.‏ ومحفوظ من الدنس باعتباره رمزاً للعلو الذي تتنزل منه آيات الله‏.‏‏.‏ ‏{‏وهم عن آياتها معرضون‏}‏‏.‏‏.‏

‏{‏وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون‏}‏‏.‏

والليل والنهار ظاهرتان كونيتان‏.‏ والشمس والقمر جرمان هائلان لهما علاقة بحياة الإنسان في الأرض‏.‏ وبالحياة كلها‏.‏‏.‏ والتأمل في توالي الليل والنهار، وفي حركة الشمس والقمر‏.‏ بهذه الدقة التي لا تختل مرة؛ وبهذا الاطراد الذي لا يكف لحظة‏.‏‏.‏ جدير بأن يهدي القلب إلى وحدة الناموس، ووحدة الإرادة، ووحدة الخالق المدبر القدير‏.‏

وفي نهاية الشوط يربط السياق بين نواميس الكون في خلقه وتكوينه وتصريفه؛ ونواميس الحياة البشرية في طبيعتها ونهايتها ومصيرها‏:‏

‏{‏وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد‏.‏ أفإن مت فهم الخالدون‏؟‏ كل نفس ذآئقة الموت، ونبلوكم بالشر والخير فتنة، وإلينا ترجعون‏}‏‏.‏‏.‏

وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد‏.‏ فكل حادث فهو فان‏.‏ وكل ما له بدء فله نهاية‏.‏ وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يموت فهل هم يخلدون‏؟‏ وإذا كانوا لا يخلدون فما لهم لا يعملون عمل أهل الموتى‏؟‏ وما لهم لا يتبصرون ولا يتدبرون‏؟‏

‏{‏كل نفس ذائقة الموت‏}‏‏.‏ هذا هو الناموس الذي يحكم الحياة‏.‏ وهذه هي السنة التي ليست لها استثناء‏.‏ فما أجدر الأحياء أن يحسبوا حساب هذا المذاق‏!‏

إنه الموت نهاية كل حي، وعاقبة المطاف للرحلة القصيرة على الأرض‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏36- 47‏]‏

‏{‏وَإِذَا رَآَكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آَلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ ‏(‏36‏)‏ خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ ‏(‏37‏)‏ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏38‏)‏ لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ‏(‏39‏)‏ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ‏(‏40‏)‏ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏41‏)‏ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ ‏(‏42‏)‏ أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ ‏(‏43‏)‏ بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ ‏(‏44‏)‏ قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ ‏(‏45‏)‏ وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ‏(‏46‏)‏ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ‏(‏47‏)‏‏}‏

بعد ذلك الشوط البعيد المديد في أرجاء الكون، وفي نواميس الوجود، وفي سنن الدعوات، وفي مصائر البشر، وفي مصارع الغابرين‏.‏‏.‏ يرتد السياق إلى مثل ما بدأ به في مطلع السورة عن استقبال المشركين للرسول صلى الله عليه وسلم وما معه من الوحي؛ واستهزائهم به وإصرارهم على الشرك‏.‏‏.‏

ثم يتحدث عن طبيعة الإنسان العجول، واستعجالهم بالعذاب‏.‏ فيحذرهم ما يستعجلون به‏.‏ وينذرهم عاقبة الاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم ويعرض لهم مشهداً من تقلص ظلال الغالبين المسيطرين في الدنيا‏.‏ ومشهداً من عذاب المكذبين في الآخرة‏.‏

ويختم الشوط بدقة الحساب والجزاء في يوم القيامة‏.‏ فيربط الحساب والجزاء بنواميس الكون وفطرة الإنسان وسنة الله في حياة البشر وفي الدعوات‏.‏‏.‏

‏{‏وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزواً‏.‏ أهذا الذي يذكر آلهتكم؛ وهم بذكر الرحمن هم كافرون‏}‏‏.‏

إن هؤلاء الكفار يكفرون بالرحمن، خالق الكون ومدبره، ليستنكرون على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يذكر آلهتهم الأصنام بالسوء، بينما هم يكفرون بالرحمن دون أن يتحرجوا أو يتلوموا‏.‏‏.‏ وهو أمر عجيب جد عجيب‏!‏

وإنهم ليلقون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهزء، يستكثرون عليه أن ينال من أصنامهم تلك‏:‏ ‏{‏أهذا الذي يذكر آلهتكم‏؟‏‏}‏ ولا يستكثرون على أنفسهم وهم عبيد من عبيد الله أن يكفروا به، ويعرضوا عما أنزل لهم من قرآن‏.‏‏.‏ وهي مفارقة عجيبة تكشف عن مدى الفساد الذي أصاب فطرتهم وتقديرهم للأمور‏!‏

ثم هم يستعجلون بما ينذرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من عذاب؛ ويحذرهم من عاقبته‏.‏ والإنسان بطبعه عجول‏:‏

‏{‏خلق الإنسان من عجل‏.‏ سأريكم آياتي فلا تستعجلون‏.‏ ويقولون‏:‏ متى هذا الوعد إن كنتم صادقين‏!‏‏}‏‏.‏‏.‏

‏{‏خلق الإنسان من عجل‏}‏‏.‏‏.‏ فالعجلة في طبعه وتكوينه‏.‏ وهو يمد ببصره دائماً إلى ما وراء اللحظة الحاضرة يريد ليتناوله بيده، ويريد ليحقق كل ما يخطر له بمجرد أن يخطر بباله، ويريد ان يستحضر كل ما يوعد به ولو كان في ذلك ضرره وإيذاؤه‏.‏ ذلك إلا أن يتصل بالله فيثبت ويطمئن، ويكل الأمر لله فلا يتعجل قضاءه‏.‏ والإيمان ثقة وصبر واطمئنان‏.‏

وهؤلاء المشركون كانوا يستعجلون بالعذاب، ويسألون متى هذا الوعد‏.‏ الوعد بعذاب الآخرة وعذاب الدنيا‏.‏‏.‏ فها هو ذا القرآن يرسم لهم مشهداً من عذاب الآخرة، ويحذرهم ما أصاب المستهزئين قبلهم من عذاب الدنيا‏:‏

‏{‏لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون‏.‏ بل تأتيهم بغتة فتبهتهم، فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون‏.‏‏.‏ ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون‏}‏‏.‏

لو يعلمون ما سيكون لكان لهم شأن غير شأنهم، ولكفوا عن استهزائهم واستعجالهم‏.‏‏.‏ فلينظروا ماذا سيكون‏.‏

ها هم أولاء تنوشهم النار من كل جانب، فيحاولون في حركة مخبلة يرسمها التعبير من وراء السطور أن يكفوا النار عن وجوههم وعن ظهورهم، ولكنهم لا يستطيعون‏.‏ وكأنما تلقفتهم النار من كل جانب، فلا هم يستطيعون ردها، ولا هم يؤخرون عنها، ولا هم يمهلون إلى أجل قريب‏.‏

وهذه المباغتة جزاء الاستعجال‏.‏ فلقد كانوا يقولون‏:‏ ‏{‏متى هذا الوعد إن كنتم صادقين‏}‏ فكان الرد هو هذه البغتة التي تذهل العقول، وتشل الإرادة، وتعجزهم عن التفكير والعمل، وتحرمهم مهلة الإنظار والتأجيل‏.‏

ذلك عذاب الآخرة‏.‏ فأما عذاب الدنيا فقد حل بالمستهزئين قبلهم‏.‏ فإذا كانوا هم لم يقدر عليهم عذاب الاستئصال، فعذاب القتل والأسر والغلب غير ممنوع‏.‏ وليحذروا الاستهزاء برسولهم‏.‏ وإلا فمصير المستهزئين بالرسل معروف، جرت به السنة التي لا تتخلف وشهدت به مصارع المستهزئين‏.‏

أم إن لهم من يرعاهم بالليل والنهار غير الرحمن، ويمنعهم من العذاب في الدنيا أو الآخرة من دون الله‏؟‏

‏{‏قل‏:‏ من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن‏؟‏ بل هم عن ذكر ربهم معرضون‏.‏ أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا‏؟‏ لا يستطيعون نصر أنفسهم، ولا هم منا يصبحون‏}‏‏.‏

إن الله هو الحارس على كل نفس بالليل والنهار‏.‏ وصفته هي الرحمة الكبرى، وليس من دونه راع ولا حام‏.‏ فاسألهم‏:‏ هل لهم حارس سواه‏؟‏

وهو سؤال للإنكار، وللتوبيخ على غفلتهم عن ذكر الله، وهو الذي يكلؤهم بالليل والنهار، ولا راعي لهم سواه‏:‏ ‏{‏بل هم عن ذكر ربهم معرضون‏}‏‏.‏

ثم يعيد عليهم السؤال في صورة أخرى‏:‏ ‏{‏أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا‏؟‏‏}‏ فتكون هي التي تحرسهم إذن وتحفظهم‏؟‏ كلا فهؤلاء الآلهة ‏{‏لا يستطيعون نصر أنفسهم‏}‏ فهم من باب أولى لا يستطيعون نصر سواهم‏.‏ ‏{‏ولا هم منا يصحبون‏}‏ فيستمدوا القوة من صحبة القدرة لهم كما استمدها هارون وموسى وربهما يقول لهما‏:‏ ‏{‏إنني معكما أسمع وأرى‏}‏ إن هذه الآلهة مجردة من القوة بذاتها؛ وليس لها مدد من الله تستمد منه القوة‏.‏ فهي عاجزة عاجزة‏.‏

وبعد هذا الجدل التهكمي الذي يكشف عن سخف ما يعتقده المشركون وخوائه من المنطق والدليل‏.‏‏.‏ يضرب السياق عن مجادلتهم؛ ويكشف عن علة لجاجتهم؛ ثم يلمس وجدانهم لمسة تهز القلوب، وهو يواجهها إلى تأمل يد القدرة، وهي تطوي رقعة الأرض تحت أقدام الغالبين، وتقص أطرافها فتردهم إلى حيز منها منزو صغير، بعد السعة والمنعة والسلطان‏!‏

‏{‏بل متعنا هؤلاء وآبآءهم حتى طال عليهم العمر‏.‏ أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافهآ‏؟‏ أفهم الغالبون‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

فهو المتاع الطويل الموروث الذي أفسد فطرتهم‏.‏