فصل: تفسير الآيات (109- 120):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: في ظلال القرآن (نسخة منقحة)



ولكن ليس معنى هذا أن تتخلى الأمة المسلمة عن تكاليفها في دعوة الناس كلهم إلى الهدى. والهدى هو دينها هي وشريعتها ونظامها. فإذا هي أقامت نظامها في الأرض بقي عليها أن تدعو الناس كافة، وأن تحاول هدايتهم، وبقي عليها أن تباشر القوامة على الناس كافة لتقيم العدل بينهم؛ ولتحول بينهم وبين الضلال والجاهلية التي منها أخرجتهم..
إن كون الأمة المسلمة مسؤولة عن نفسها أمام الله لا يضيرها من ضل إذا اهتدت، لا يعني أنها غير محاسبة على التقصير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينها أولاً، ثم في الأرض جميعاً، وأول المعروف الإسلام لله وتحكيم شريعته؛ وأول المنكر الجاهلية والاعتداء على سلطان الله وشريعته. وحكم الجاهلية هو حكم الطاغوت، والطاغوت هو كل سلطان غير سلطان الله وحكمه.. والأمة المسلمة قوامة على نفسها أولاً؛ وعلى البشرية كلها أخيراً.
وليس الغرض من بيان حدود التبعة في الآية كما فهم بعضهم قديماً- وكما يمكن أن يفهم بعضهم حديثاً- أن المؤمن الفرد غير مكلف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- إذا اهتدى هو بذاته- ولا أن الأمة المسلمة غير مكلفة إقامة شريعة الله في الأرض- إذا هي اهتدت بذاتها- وضل الناس من حولها.
إن هذه الآية لا تسقط عن الفرد ولا عن الأمة التبعة في كفاح الشر، ومقاومة الضلال ومحاربة الطغيان- وأطغى الطغيان الاعتداء على ألوهية الله واغتصاب سلطانه وتعبيد الناس لشريعة غير شريعته، وهو المنكر الذي لا ينفع الفرد ولا ينفع الأمة أن تهتدي وهذا المنكر قائم.
ولقد روى أصحاب السنن أن أبا بكر رضي الله عنه قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا علكيم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}.. وإنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر، ولا يغيرونه، يوشك الله عز وجل أن يعمهم بعقابه».
وهكذا صحح الخليفة الأول- رضوان الله عليه- ما ترامى إلى وهم بعض الناس في زمانه من هذه الآية الكريمة. ونحن اليوم أحوج إلى هذا التصحيح، لأن القيام بتكاليف التغيير للمنكر قد صارت أشق. فما أيسر ما يلجأ الضعاف إلى تأويل هذه الآية على النحو الذي يعفيهم من تعب الجهاد ومشاقه، ويريحهم من عنت الجهاد وبلائه!
وكلا والله! إن هذا الدين لا يقوم إلا بجهد وجهاد. ولا يصلح إلا بعمل وكفاح. ولابد لهذا الدين من أهل يبذلون جهدهم لرد الناس إليه، ولإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ولتقرير ألوهية الله في الأرض، ولرد المغتصبين لسلطان الله عما اغتصبوه من هذا السلطان، ولإقامة شريعة الله في حياة الناس، وإقامة الناس عليها.. لابد من جهد. بالحسنى حين يكون الضالون أفراداً ضالين، يحتاجون إلى الإرشاد والإنارة. وبالقوة حين تكون القوة الباغية في طريق الناس هي التي تصدهم عن الهدى؛ وتعطل دين الله أن يوجد، وتعوق شريعة الله أن تقوم.
وبعد ذلك- لا قبله- تسقط التبعة عن الذين آمنوا. وينال الضالون جزاءهم من الله حين يرجع هؤلاء وهؤلاء إليه:
{إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون}.
والآن يجيء الحكم الأخير من الأحكام الشرعية التي تتضمنها السورة، في بيان بعض أحكام المعاملات في المجتمع المسلم، وهو الخاص بتشريع الإشهاد على الوصية في حالة الضرب في الأرض، والبعد عن المجتمع. والضمانات التي تقيمها الشريعة ليصل الحق إلى أهله.
{يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذن لمن الآثمين فإن عثر على أنهما استحقا إثماً فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم.
الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذن لمن الظالمين ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين}..
وبيان هذا الحكم الذي تضمنته الآيات الثلاث: أن على من يحس بدنو أجله، ويريد أن يوصي لأهله بما يحضره من المال، أن يستحضر شاهدين عدلين من المسلمين إن كان في الحضر، ويسلمهما ما يريد أن يسلمه لأهله غير الحاضرين. فأما إذا كان ضارباً في الأرض، ولم يجد مسلمين يشهدهما ويسلمهما ما معه، فيجوز أن يكون الشاهدان من غير المسلمين.
فإن ارتاب المسلمون- أو ارتاب أهل الميت- في صدق ما يبلغه الشاهدان وفي أمانتهما في أداء ما استحفظا عليه، فإنهم يوقفونهما بعد أدائهما للصلاة- حسب عقيدتهما- ليحلفا بالله، أنهما لا يتوخيان بالحلف مصلحة لهما ولا لأحد آخر، ولو كان ذا قربى، ولا يكتمان شيئاً مما استحفظا عليه.. وإلا كانا من الآثمين.. وبذلك تنفذ شهادتهما.
فإذا ظهر بعد ذلك أنهما ارتكبا إثم الشهادة الكاذبة واليمين الكاذبة والخيانة للأمانة. قام أولى اثنين من أهل الميت بوراثته، من الذين وقع عليهم هذا الإثم، بالحلف بالله أن شهادتهما أحق من شهادة الشاهدين الأولين. وأنهما لم يعتديا بتقريرهما هذه الحقيقة. وبذلك تبطل شهادة الأولين، وتنفذ الشهادة الثانية.
ثم يقول النص: إن هذه الإجراءات أضمن في أداء الشهادة بالحق؛ أو الخوف من رد أيمان الشاهدين الأولين، مما يحملهما على تحري الحق.
{ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم}.
وينتهي إلى دعوة الجميع إلى تقوى الله، ومراقبته وخشيته، والطاعة لأوامره، لأن الله لا يهدي من يفسقون عن طريقه، إلى خير ولا إلى هدى:
{واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين}..
قال القرطبي في تفسيره عن سبب نزول هذه الآيات الثلاث:... ولا أعلم خلافاً أن هذه الآيات الثلاث نزلت بسبب تميم الداري، وعدي بن بدّاء روي البخاري والدارقُطني وغيرهما عن ابن عباس قال: كان تميم الداري وعدي بن بداء، يختلفان إلى مكة؛ فخرج معهما فتى من بني سهم، فتوفي بأرض ليس بها مسلم، فأوصى إليهما، فدفعا تركته إلى أهله، وحبسا جاماً من فضة مخوصاً بالذهب. فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كتمتما ولا اطلعتما». ثم وجد الجام بمكة. فقالوا: اشتريناه من عدي وتميم. فجاء رجلان من ورثة السهمي فحلفا أن هذا الجام للسهمي، ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا. قال فأخذ الجام. وفيهم نزلت هذه الآية... لفظ الدارقطني.
وواضح أن لطبيعة المجتمع الذي نزلت هذه الأحكام لتنظيمه دخلا في شكل الإجراءات.
وربما في طبيعة هذه الإجراءات. فالإشهاد والائتمان على هذا النحو. ثم الحلف بالله في مجتمع بعد الصلاة. لاستجاشة الوجدان الديني، والتحرج كذلك من الفضيحة في المجتمع عند ظهور الكذب والخيانة.. كلها تشي بسمات مجتمع خاص. تفي بحاجاته وملابساته هذه الإجراءات.
ولقد تملك المجتمعات اليوم وسائل أخرى للإثبات، وأشكالاً أخرى من الإجراءات، كالكتابة والتسجيل والإيداع في المصارف.. وما إليها..
ولكن. أو فَقدَ هذا النص قدرته على العمل في المجتمعات البشرية؟
إننا كثيراً ما نخدع ببيئة معينة، فنظن أن بعض التشريعات وبعض الإجراءات قد فقدت فاعليتها، ولم تعد لها ضرورة، وأنها من مخلفات مجتمعات مضى زمنها! لأن البشرية استجدّت وسائل أخرى!
أجل كثيراً ما نخدع فننسى أن هذا الدين جاء للبشرية جميعاً، في كل أقطارها، وفي كل أعصارها. وأن كثرة ضخمة من هذه البشرية اليوم ما تزال بدائية أو متدرجة من البداوة. وأنها في حاجة إلى أحكام وإجراءات تواكب حاجاتها في جميع أشكالها وأطوارها، وأنها تجد في هذا الدين ما يلبي هذه الحاجات في كل حالة. وأنها حين ترتقي من طور إلى طور تجد في هذا الدين كفايتها كذلك بنفس النسبة؛ وتجد في شريعته ما يلبي حاجاتها الحاضرة، ثم يرتقي بها إلى تلبية حاجاتها المتطورة.. وأن هذه معجزة هذا الدين ومعجزة شريعته؛ وآية أنه من عند الله، وأنها من اختياره سبحانه.
على أننا نخدع كذلك مرة أخرى حين ننسى الضرورات التي يقع فيها الأفراد من البيئات التي تجاوزت هذه الأطوار؛ والتي يسعفهم فيها يسر هذه الشريعة وشمولها، ووسائل هذا الدين المعدة للعمل في كل بيئة وفي كل حالة. في البدو والحضر. في الصحراء والغابة. لأنه دين البشرية كلها في جميع أعصارها وأقطارها.. وتلك أيضاً إحدى معجزاته الكبرى.
إننا نخدع حين نتصور أننا- نحن البشر- أبصر بالخلق من رب الخلق.. فتردنا الوقائع إلى التواضع! وما أولانا أن نتذكر قبل أن تصدمنا الأحداث. وأن نعرف أدب البشر في حق خالق البشر.. أدب العبيد في حق رب العبيد.. لو كنا نتذكر ونعرف، ونثوب..

.تفسير الآيات (109- 120):

{يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115) وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)}
هذا الدرس بطوله بقية في تصحيح العقيدة؛ وتقويم ما دخل عليها عند النصارى من انحرافات أخرجتها عن أصلها السماوي عند قاعدتها الأساسية. إذ أخرجتها من التوحيد المطلق الذي جاء به عيسى- عليه السلام- كما جاء به كل رسول قبله، إلى ألوان من الشرك، لا علاقة لها أصلاً بدين الله.
ومن ثم فإن هذا الدرس كذلك يستهدف تقرير حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية- كما هي في التصور الإسلامي- تقرير هذه الحقيقة من خلال هذا المشهد العظيم الذي يعرضه؛ والذي يقرر فيه عيسى- عليه السلام- على ملأ من الرسل، ومن البشر جميعاً، أنه لم يقل لقومه شيئا مما زعموه من ألوهيته ومن تأليه أمه؛ وأنه ما كان له أن يقول من هذا الشرك كله شيئاً!
والسياق القرآني يعرض هذه الحقيقة في مشهد تصويري من مشاهد القيامة التي يعرضها القرآن الكريم عرضاً حياً ناطقاً، موحياً مؤثراً، عميق التأثير، يهتز له الكيان البشري وهو يتلقاه كأنما يشهده اللحظة في الواقع المنظور. الواقع الذي تراه العين، وتسمعه الأذن. وتتجلى فيه الانفعالات والسمات النابضة بالحياةفها نحن أولاء أمام المشهد العظيم:
{يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب}: يوم يجمع الله الرسل الذين فرقهم في الزمان فتتابعوا على مداره؛ وفرقهم في المكان فذهب كل إلى قريته؛ وفرقهم في الأجناس فمضى كل إلى قومه.. يدعون كلهم بدعوة واحدة على اختلاف الزمان والمكان والأقوام؛ حتى جاء خاتمهم صلى الله عليه وسلم بالدعوة الواحدة لكل زمان ومكان وللناس كافة من جميع الأجناس والألوان..
هؤلاء الرسل إلى شتى الأقوام، في شتى الأمكنة والأزمان.. ها هو ذا مرسلهم فرادى، يجمعهم جميعاً؛ ويجمع فيهم شتى الاستجابات، وشتى الاتجاهات. وها هم أولاء.. نقباء البشرية في حياتها الدنيا؛ ومعهم رسالات الله إلى البشرية في شتى أرجائها، ووراءهم استجابات البشرية في شتى أعصارها. هؤلاء هم أمام الله.. رب البشرية- سبحانه- في مشهد يوم عظيم.
وها هو ذا المشهد ينبض بالحياة:
{يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم}.
{ماذا أجبتم}.. فاليوم تجمع الحصيلة، ويضم الشتات، ويقدم الرسل حساب الرسالات، وتعلن النتائج على رؤوس الأشهاد.
{ماذا أجبتم}.. والرسل بشر من البشر؛ لهم علم ما حضر، وليس لديهم علم ما استتر.
لقد دعوا أقوامهم إلى الهدى؛ فاستجاب منهم من استجاب، وتولى منهم من تولى.. وما يعلم الرسول حقيقة من استجاب إن كان يعرف حقيقة من تولى. فإنما له ظاهر الأمر وعلم ما بطن لله وحده.. وهم في حضرة الله الذي يعرفونه خير من يعرف؛ والذي يهابونه أشد من يهاب؛ والذي يستحيون أن يدلوا بحضرته بشيء من العلم وهم يعلمون أنه العليم الخبير.
إنه الاستجواب المرهوب في يوم الحشر العظيم، على مشهد من الملأ الأعلى، وعلى مشهد من الناس أجمعين. الاستجواب الذي يراد به المواجهة.. مواجهة البشرية برسلها؛ ومواجهة المكذبين من هذه البشرية خاصة برسلهم الذين كانوا يكذبونهم. ليعلن في موقف الإعلان، أن هؤلاء الرسل الكرام إنما جاءوهم من عند الله بدين الله؛ وها هم أولاء مسؤولون بين يديه- سبحانه- عن رسالاتهم وعن أقوامهم الذين كانوا من قبل يكذبون.
أما الرسل فهم يعلنون أن العلم الحق لله وحده؛ وأن ما لديهم من علم لا ينبغي أن يدلوا به في حضرة صاحب العلم، تأدباً وحياء، ومعرفة بقدرهم في حضرة الله:
فأما سائر الرسل- غير عيسى عليه السلام- فقد صدق بهم من صدق، وقد كفر بهم من كفر؛ ولقد انتهى أمرهم بهذا الجواب الكامل الشامل، الذي يدع العلم كله لله، ويدع الأمر كله بين يديه. سبحانه.. فما يزيد السياق شيئاً في هذا المشهد عنهم.. إنما يلتفت بالخطاب إلى عيسى بن مريم وحده، لأن عيسى بن مريم هو الذي فتن قومه فيه، وهو الذي غام الجو حوله بالشبهات، وهو الذي خاض ناس في الأوهام والأساطير حول ذاته، وحول صفاته، وحول نشأته ومنتهاه.