فصل: سورة النمل:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: في ظلال القرآن (نسخة منقحة)



.سورة النمل:

.تفسير الآيات (1- 6):

{طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6)}
هذه السورة مكية نزلت بعد الشعراء؛ وهي تمضي على نسقها في الأداء: مقدمة وتعقيب يتمثل فيهما موضوع السورة الذي تعالجه؛ وقصص بين المقدمة والتعقيب يعين على تصوير هذا الموضوع، ويؤكده، ويبرز فيه مواقف معينة للموازنة بين موقف المشركين في مكة ومواقف الغابرين قبلهم من شتى الأمم، للعبرة والتدبر في سنن الله وسنن الدعوات.
وموضوع السورة الرئيسي كسائر السور المكية هو العقيدة: الإيمان بالله، وعبادته وحده، والإيمان بالآخرة، وما فيها من ثواب وعقاب. والإيمان بالوحي وأن الغيب كله لله، لا يعلمه سواه. والإيمان بأن الله هو الخالق الرازق واهب النعم؛ وتوجيه القلب إلى شكر أنعم الله على البشر. والإيمان بأن الحول والقوة كلها لله، وأن لا حول ولا قوة إلا بالله.
ويأتي القصص لتثبيت هذه المعاني؛ وتصوير عاقبة المكذبين بها، وعاقبة المؤمنين.
تأتي حلقة من قصة موسى عليه السلام تلي مقدمة السورة. حلقة رؤيته للنار وذهابه إليها، وندائه من الملأ الأعلى، وتكليفه الرسالة إلى فرعون وملئه. ثم يعجل السياق بخبر تكذيبهم بآيات الله وهم على يقين من صدقها وعاقبة التكذيب مع اليقين.. {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} وكذلك شأن المشركين في مكة كان مع آيات القرآن المبين.
وتليها إشارة إلى نعمة الله على داود وسليمان عليهما السلام ثم قصة سليمان مع النملة، ومع الهدهد، ومع ملكة سبأ وقومها. وفيها تظهر نعمة الله على داود وسليمان وقيامهما بشكر هذه النعمة. وهي نعمة العلم والملك والنبوة مع تسخير الجن والطير لسليمان. وفيها تظهر كذلك أصول العقيدة التي يدعو إليها كل رسول. ويبرز بصفة خاصة استقبال ملكة سبأ وقومها لكتاب سليمان وهو عبد من عباد الله واستقبال قريش لكتاب الله. هؤلاء يكذبون ويجحدون. وأولئك يؤمنون ويسلمون. والله هو الذي وهب سليمان ما وهب، وسخر له ما سخر. وهو الذي يملك كل شيء، وهو الذي يعلم كل شيء. وما ملك سليمان وما علمه إلا قطرة من ذلك الفيض الذي لا يغيض.
وتليها قصة صالح مع قومه ثمود. ويبرز فيها تآمر المفسدين منهم عليه وعلى أهله، وتبييتهم قتله؛ ثم مكر الله بالقوم، ونجاة صالح والمؤمنين معه، وتدمير ثمود مع المتآمرين: {فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا} وقد كانت قريش تتآمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبيت له، كما بيتت ثمود لصالح وللمؤمنين.
ويختم القصص بقصة لوط مع قومه. وهمهم بإخراجه من قريتهم هو والمؤمنون معه، بحجة أنهم أناس يتطهرون! وما كان من عاقبتهم بعد إذ هاجر لوط من بينهم، وتركهم للدمار: {وأمطرنا عليهم مطراً فساء مطر المنذرين}
ولقد همت قريش بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم وتآمرت في ذلك قبل هجرته من بين ظهرانيهم بقليل.
فإذا انتهى القصص بدأ التعقيب بقوله: {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أم ما يشركون} ثم أخذ يطوف معهم في مشاهد الكون، وفي أغوار النفس. يريهم يد الصانع المدبر الخالق الرازق، الذي يعلم الغيب وحده، وهم إليه راجعون. ثم عرض عليهم أحد أشراط الساعة وبعض مشاهد القيامة، وما ينتظر المكذبين بالساعة في ذلك اليوم العظيم.
ويختم السورة بإيقاع يناسب موضوعها وجوها: {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون} والتركيز في هذه السورة على العلم. علم الله المطلق بالظاهر والباطن، وعلمه بالغيب خاصة. وآياته الكونية التي يكشفها للناس. والعلم الذي وهبه لداود وسليمان. وتعليم سليمان منطق الطير وتنويهه بهذا التعليم.. ومن ثم يجيء في مقدمة السورة: {وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم} ويجيء في التعقيب {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون بل ادارك علمهم في الآخرة} {وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين} ويجيء في الختام: {سيريكم آياته فتعرفونها} ويجيء في قصة سليمان: {ولقد آتينا داود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين} وفي قول سليمان: {يا أيها الناس علمنا منطق الطير} وفي قول الهدهد: {ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون} وعندما يريد سليمان استحضار عرش الملكة، لا يقدر على إحضاره في غمضة عين عفريت من الجن، إنما يقدر على هذه: {الذي عنده علم من الكتاب} وهكذا تبرز صفة العلم في جو السورة تظللها بشتى الظلال في سياقها كله من المطلع إلى الختام. ويمضي سياق السورة كله في هذا الظل، حسب تتابعه الذي أسلفنا. فنأخذ في استعراضها تفصيلاً.
{طا سين}.. الأحرف المقطعة للتنبيه على المادة الأولية التي تتألف منها السورة والقرآن كله. وهي متاحة لجميع الناطقين بالعربية. وهم يعجزون أن يؤلفوا منها كتاباً كهذا القرآن، بعد التحدي والإفحام..
ويلي ذلك التنبيه ذكر القرآن:
{تلك آيات القرآن وكتاب مبين}..
والكتاب هو نفسه القرآن. وذكره بهذه الصفة هنا يبدو لنا أنه للموازنة الخفية بين استقبال المشركين للكتاب المنزل عليهم من عند الله؛ واستقبال ملكة سبأ وقومها للكتاب الذي أرسله إليهم سليمان. وهو عبد من عباد الله.
ثم يصف القرآن أو يصف الكتاب بأنه:
{هدى وبشرى للمؤمنين}..
وهذه أبلغ مما لو قيل: فيه هدى وبشرى للمؤمنين.
فالتعبير القرآني على هذا النحو يجعل مادة القرآن وماهيته هدى وبشرى للمؤمنين. والقرآن يمنح المؤمنين هدى في كل فج، وهدى في كل طريق. كما يطلع عليهم بالبشرى في الحياتين الأولى والآخرة.
وفي تخصيص المؤمنين بالهدى والبشرى تكمن حقيقة ضخمة عميقة.. إن القرآن ليس كتاب علم نظري أو تطبيقي ينتفع به كل من يقرؤه ويستوعب ما فيه. إنما القرآن كتاب يخاطب القلب، أول ما يخاطب؛ ويسكب نوره وعطره في القلب المفتوح، الذي يتلقاه بالإيمان واليقين. وكلما كان القلب ندياً بالإيمان زاد تذوقه لحلاوة القرآن؛ وأدرك من معانيه وتوجيهاته مالا يدركه منه القلب الصلد الجاف؛ واهتدى بنوره إلى ما لا يهتدي إليه الجاحد الصادف. وانتفع بصحبته ما لا ينتفع القارئ المطموس!
وإن الإنسان ليقرأ الآية أو السورة مرات كثيرة، وهو غافل أو عجول، فلا تنض له بشيء؛ وفجأة يشرق النور في قلبه، فتتفتح له عن عوالم ما كانت تخطر له ببال. وتصنع في حياته المعجزة في تحويلها من منهج إلى منهج، ومن طريق إلى طريق.
وكل النظم والشرائع والآداب التي يتضمنها هذا القرآن، إنما تقوم قبل كل شيء على الإيمان. فالذي لا يؤمن قلبه بالله، ولا يتلقى هذا القرآن على أنه وحي من عند الله وعلى أن ما جاء فيه إنما هو المنهج الذي يريده الله. الذي لا يؤمن هذا الإيمان لا يهتدي بالقرآن كما ينبغي ولا يستبشر بما فيه من بشارات.
إن في القرآن كنوزاً ضخمة من الهدى والمعرفة والحركة والتوجيه. والإيمان هو مفتاح هذه الكنوز. ولن تفتح كنوز القرآن إلا بمفتاح الإيمان. والذين آمنوا حق الإيمان حققوا الخوارق بهذا القرآن. فأما حين أصبح القرآن كتاباً يترنم المترنمون بآياته، فتصل إلى الآذان، ولا تتعداها إلى القلوب. فإنه لم يصنع شيئاً، ولم ينتفع به أحد.. لقد ظل كنزاً بلا مفتاح!
والسورة تعرض صفة المؤمنين الذين يجدون القرآن هدى وبشرى.. إنهم هم:
{الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون}..
يقيمون الصلاة.. فيؤدونها حق أدائها، يقظة قلوبهم لموقفهم بين يدي الله، شاعرة أرواحهم بأنهم في حضرة ذي الجلال والإكرام، مرتفعة مشاعرهم إلى ذلك الأفق الوضيء، مشغولة خواطرهم بنجاء الله ودعائه والتوجه إليه في محضره العظيم.
ويؤتون الزكاة.. فيطهرون نفوسهم من رذيلة الشح؛ ويستعلون بأرواحهم على فتنة المال؛ ويصلون إخوانهم في الله ببعض ما رزقهم الله؛ ويقومون بحق الجماعة المسلمة التي هم فيها أعضاء.
وهم بالآخرة هم يوقنون.. فإذا حساب الآخرة يشغل بالهم، ويصدهم عن جموح الشهوات، ويغمر أرواحهم بتقوى الله وخشيته والحياء من الوقوف بين يديه موقف العصاة.
هؤلاء المؤمنون الذاكرون الله، القائمون بتكاليفه، المشفقون من حسابه وعقابه، الطامعون في رضائه وثوابه.. هؤلاء هم الذين تنفتح قلوبهم للقرآن، فإذا هو هدى وبشرى.

.تفسير الآيات (7- 14):

{إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)}
تعرض هذه الحلقة السريعة من قصة موسى عليه السلام بعد قوله تعالى في هذه السورة: {وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم} وكأنما ليقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لست بدعاً في هذا التلقي. فها هو ذا موسى يتلقى التكليف، وينادى ليحمل الرسالة إلى فرعون وقومه. وليس ما تلقاه من قومك بدعاً في التكذيب. فها هم أولاء قوم موسى تستيقن نفوسهم بآيات الله، ولكنهم يجحدون بها ظلماً وعلواً. {فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} ولينتظر قومك عاقبة الجاحدين المكابرين!
{إذ قال موسى لأهله إني آنست ناراً سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون}.
وقد ذكر هذا الموقف في سورة طه. وهو في طريق عودته من أرض مدين إلى مصر، ومعه زوجه بنت شعيب عليه السلام. وقد ضل طريقه في ليلة مظلمة باردة. يدل على هذا قوله لأهله: سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون. وكان ذلك إلى جانب الطور. وكانت النيران توقد في البرية فوق المرتفعات لهداية السالكين بالليل؛ فإذا جاءوها وجدوا القرى والدفء، أو وجدوا الدليل على الطريق.
{إِني آنست ناراً} فقد رآها على بعد، فشعر لها بالطمأنينة والأنس. وتوقع أن يجد عندها خبر الطريق، أو أن يقبس منها ما يستدفئ به أهله في قر الليل في الصحراء.
ومضى موسى عليه السلام إلى النار التي آنسها، ينشد خبراً، فإذا هو يتلقى النداء الأسمى:
{فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين يا موسى إنه أنا الله العزيز الحيكم}..
إنه النداء الذي يتجاوب به الكون كله، وتتصل به العوالم والأفلاك؛ ويخشع له الوجود كله وترتعش له الضمائر والأرواح. النداء الذي تتصل فيه السماء بالأرض؛ وتتلقى الذرة الصغيرة دعوة خالقها الكبير؛ ويرتفع فيه الإنسان الفاني الضعيف إلى مقام المناجاة بفضل من الله.
{فلما جاءها نودي}.. بهذا البناء للمجهول وهو معلوم ولكنه التوقير والإجلال والتعظيم للمنادي العظيم.
{نودي أن بورك من في النار ومن حولها}..
فمن ذا كان في النار؟ ومن ذا كان حولها؟ إنها على الأرجح لم تكن ناراً من هذه النار التي نوقدها. إنما كانت ناراً مصدرها الملأ الأعلى. ناراً أوقدتها الأرواح الطاهرة من ملائكة الله للهداية الكبرى. وتراءت كالنار وهذه الأرواح الطاهرة فيها. ومن ثم كان النداء: {أن بورك من في النار} إيذاناً بفيض من البركة العلوية على من في النار من الملائكة ومن حولها.. وفيمن حولها موسى.. وسجل الوجود كله هذه المنحة العليا. ومضت هذه البقعة في سجل الوجود مباركة مقدسة بتجلي ذي الجلال عليها، وإذنه لها بالبركة الكبرى.
وسجل الوجود كله بقية النداء والنجاء: {وسبحان الله رب العالمين يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم}..
نزه الله ذاته وأعلن ربوبيته للعالمين، وكشف لعبده أن الذي يناديه هو الله العزيز الحكيم. وارتفعت البشرية كلها في شخص موسى عليه السلام إلى ذلك الأفق الوضيء الكريم. ووجد موسى الخبر عند النار التي آنسها، ولكنه كان الخبر الهائل العظيم؛ ووجد القبس الدافئ، ولكنه كان القبس الذي يهدي إلى الصراط المستقيم.
وكان النداء للاصطفاء؛ ووراء الاصطفاء التكليف بحمل الرسالة إلى أكبر الطغاة في الأرض في ذلك الحين. ومن ثم جعل ربه يعده ويجهزه ويقويه:
{وألق عصاك}.. باختصار هنا، حيث لا يذكر ذلك النجاء الطويل الذي في سورة طه. لأن العبرة المطلوبة هي عبرة النداء والتكليف.
{فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقب}..
فقد ألقى عصاه كما أمر؛ فإذا هي تدب وتسعى، وتتحرك حركة سريعة كحركة ذلك النوع الصغير السريع من الحيات {الجان}. وأدركت موسى عليه السلام طبيعته الانفعالية، وأخذته هزة المفاجأة التي لم تخطر له ببال، وجرى بعيداً عن الحية دون أن يفكر في الرجوع! وهي حركة تبدو فيها دهشة المفاجأة العنيفة في مثل تلك الطبيعة الشديدة الانفعال.
ثم نودي موسى بالنداء العلوي المطمئن؛ وأعلن له عن طبيعة التكليف الذي سيلقاه:
{يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون}..
لا تخف. فأنت مكلف بالرسالة. والرسل لا يخافون في حضرة ربهم وهم يتلقون التكليف.
{إِلا من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء فإني غفور رحيم}..
إنما يخاف الذين ظلموا. ذلك إلا أن يبدلوا حسناً بعد سوء، ويدعوا الظلم إلى العدل؛ ويدعوا الشرك إلى الإيمان، ويدعوا الشر إلى الخير. فإن رحمتي واسعة وغفراني عظيم.
والآن وقد اطمأن موسى وقر، يجهزه ربه بالمعجزة الثانية، قبل أن يكشف له عن جهة الرسالة ووجهة التكليف:
{وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء}..
وكان هذا. وأدخل موسى يده في فتحة ثوبه وهي جيبه فخرجت بيضاء مشرقة لا عن مرض، ولكن عن معجزة. ووعده ربه أن يؤيده بتسع آيات من هذا النوع الذي شاهد منه اثنتين؛ وكشف له حينئذ عن وجهته التي من أجلها دعاه وجهزه ورعاه!
{في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوماً فاسقين}..
ولم يعدد هنا بقية هذه الآيات التسع، التي كشف عنها في سورة الأعراف. وهي سنون الجدب، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. لأن التركيز هنا على قوة الآيات لا على ماهيتها. وعلى وضوحها وجحود القوم لها:
{فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً فانظر كيف كان عاقبة المفسدين}.