فصل: تفسير الآيات (158- 159):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: لباب التأويل في معاني التنزيل المشهور بـ «تفسير الخازن» (نسخة منقحة).



.تفسير الآيات (158- 159):

{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)}
قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي قل يا محمد للناس إني رسول الله إليكم جميعاً لا إلى بعضكم دون بعض ففي الآية دليل على عموم رسالته إلى كافة الخلق، لأن قوله يا أيها الناس خطاب عام يدخل فيه جميع الناس ثم أمره الله عز وجل بأن يقول إني رسول الله إليكم جميعاً، وهذا يقتضي كونه مبعوثاً إلى جميع الناس.
(ق) عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود وأُحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وجعلت لي الأرض طيبة وطهوراً ومسجداً فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان ونصرت بالرعب على العدو بين يدي مسيرة شهر وأعطيت الشفاعة» وفي رواية «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد من قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» وقوله في الرواية الأولى وبعثت إلى كل أحمر وأسود قيل أراد بالأحمر العجم وبالأسود العرب وقيل أراد بالأحمر الإنس وبالأسود الجن فعلى هذا تكون رسالته صلى الله عليه وسلم عامة إلى كافة الخلق من الإنس والجن.
(م) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فضلت على الأنبياء بستة أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً وأرسلت إلخلق كافة وختم بي النبيون» وقوله تعالى: {الذي له ملك السموات والأرض} لما أمر الله عز وجل رسوله محمداً بأن يقول: «يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً» أردفه بما يدل على صحة دعواه: يعني أن الذي له ملك السموات والأرض وهو مدبرهما ومالك أمرهما هو الذي أرسلني إليكم وأمرني بأن أقول لكم إني رسول الله إليكم جميعاً {لا إله إلا هو يحيي ويميت} وصف الله نفسه بالإلهية وأنه لا شريك له فيها وأنه القادر على إحياء خلقه وإماتتهم ومن كان كذلك فهو القادر على إرسال الرسل إلى خلقه {فآمنوا بالله ورسوله} لما أمر الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يقول للناس إني رسول الله إليكم جميعاً أمر الله جميع خلقه بالإيمان به ورسوله وذلك لأن الإيمان بالله هو الأصل والإيمان برسوله فرع عنه فلهذا بدأ بالإيمان بالله ثم ثنى بالإيمان برسوله فقال فآمنوا بالله ورسوله ثم وصفه الله تعالى فقال {النبي الأمي} تقدم معناهما {الذي يؤمن بالله وكلماته} قال قتادة: يعني آياته وهو القرآن، وقال مجاهد والسدي: أراد بكلماته عيسى ابن مريم لأنه خلق بقوله كن فكن، وقيل: هو على العموم يعني يؤمن بجميع كلمات الله تعالى: {واتبعوه} يعني واقتدوا به أيها الناس فيما يأمركم به وينهاكم عنه وقيل: المتابعة على قسمين: متابعة في الأقوال ومتابعة في الأفعال.
أما المتابعة في الأقوال فبأن يتمثل التابع جميع ما أمره به المتبوع على طريق الأمر والنهي والترغيب والترهيب، وأما المتابعة في الأفعال فبأن يقتدي به في جميع أفعاله وآدابه إلا ما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبت بالدليل أنه من خصائصه فلا متابعة فيه وقوله تعالى: {لعلكم تهتدون} يعني لكي تهتدوا وترشدوا وتصيبوا الحق والصواب في متابعتكم إياه.
قوله عز وجل: {ومن قوم موسى} يعني من بني إسرائيل {أمة} أي جماعة {يهدون بالحق} يعني يهتدون بالحق ويستقيمون عليه ويعملون به ويرشدون إليه {وبه يعدلون} يعني وبالحق يحكمون وبالعدل يأخذون ويعطون ويتصفون.
واختلفوا في هؤلاء من هم فقيل هم الذين أسلموا من بني إسرائيل مثل عبد الله بن سلام وأصحابه فإنهم آمنوا بموسى والتوراة وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن واعترض على هذا بأنهم كانوا قليلين ولفظ الأمة يقتضي الكثرة.
وأجيب عنه بأنهم لما كانوا مخلصين في الدين جاز إطلاق لفظ الأمة عليهم كما في قوله إن إبراهيم كان أمة وقيل هم قوم بقوا على الدين الحق الذي جاء به موسى عليه الصلاة والسلام قبل التحريف والتبديل ودعوا الناس إليه. وقال السدي وابن جريج وجماعة من المفسرين: إن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وأن يبعدهم عنم ففتح الله لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين فهم هناك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا. قال ابن جريج قال ابن عباس: ساروا في السرب سنة ونصفاً رواه الطبري. وحكى البغوي عن الكلبي والضحاك والربيع قالوا: هم قوم خلف الصين بأقصى الشرق على نهر يسمى نهر الأردن ليس لأحد منهم مال دون صاحبه يمطرون بالليل ويصحون بالنهار ويزرعون ولا يصل إليهم أحد منا وهم على الحق.
وذكر لنا أن جبريل ذهب بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء به فكلمهم فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا، قالوا هذا محمد النبي الأمي فآمنوا به وقالوا يا رسول الله إن موسى أوصانا أن من أدرك منكم أحمد فليقرأ مني عليه السلام فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم موسى وأقرأهم عشر سور من القرآن نزلت عليه بمكة وأمرهم بالصلاة والزكاة وأمرهم أن يقيموا مكانهم وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت وهذه الحكاية ضعيفة من وجوه:
الأول: قولهم إن أحداً منا لا يصل إليهم وإذا كان كذلك فمن ذا الذي أوصل خبرهم إلينا.
الوجه الثاني: قولهم إن جبريل ذهب بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء به وهذا لم يرد به نقل صحيح ولا رواه أحد من أئمة الحديث ولا يلتفت إلى قول الإخباريين والقصاص في ذلك.
الوجه الثالث: قولهم إنهم بلغوا النبي صلى الله عليه والسلام موسى وقد صح في حديث المعراج أنه سلم عليه في السماء السادسة وأيضاً قولهم وأقرأهم عشر سور وقد نزل عليه بمكة أكثر من ذلك وكان فرض الزكاة بالمدينة فكيف يأمرهم بها قبل فرضيتها فإذا ثبت بما ذكرناه بطلان هذه الرواية فالمختار في تفسير هذه الآية أنها إما أن تكون نزلت في قوم كانوا متمسكين بدين موسى قبل التبديل والتغيير ثم ماتوا وهم على ذلك وإما أن تكون قد نزلت فيمن أسلم من اليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام وأصحابه والله أعلم بمراده.

.تفسير الآيات (160- 162):

{وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162)}
قوله تعالى: {وقطعناهم} يعني وفرقنا بني إسرائيل {اثنتي عشرة أسباطاً} يعني من أولاد يعقوب لأن يعقوب هو إسرائيل وأولاده الأسباط وكانوا اثني عشر ولداً {أمماً} يعني جماعات وقبائل {وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه} يعني في التيه {أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست} يعني: فانفجرت: وقيل: عرقت وهو الانبجاس {منه} أي من الحجر {اثنتا عشرة عيناً} يعني: لكل سبط عين {قد علم كل أناس مشربهم} يعني لا يدخل سبط على سبط في مشربهم {وظللنا عليهم الغمام} يعني في التيه يقيهم حر الشمس {وأنزلنا عليهم المن} هو الترنجبين {والسلوى} جنس من الطير جعل الله ذلك طعاماً لهم في التيه {كلوا من طيبات ما رزقناكم} أي وقلنا كلوا {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} في الكلام حذف ترك ذكره للاستغناء عنه ودلالة الكلام عليه تقديره كلوا من طيبات ما رزقناكم فأجمعوا ذلك وسئموه، وقالوا: لن نصبر على طعام واحد وسألوه غيره لأن المكلف إذا أمر بشيء فتركه وعدل عنه إلى غيره يكون عاصياً بفعله ذلك فلهذا قال: وما ظلمونا يعني وما أدخلوا علينا في ملكنا وسلطاننا نقصاً بمسألتهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون يعني بمخالفتهم ما أمروا به وقد تقدم بسط الكلام على هذه الآية في سورة البقرة.
وقوله تعالى: {وإذ قيل لهم} يعني: واذكر يا محمد لقومك إذ قيل لهم يعني لبني إسرائيل {اسكنوا هذه القرية} يعني بيت المقدس، وقال في سورة البقرة: ادخلوا هذه القرية، ولا منافاة بينهما لأن كل ساكن في موضع لابد له من الدخول إليه {وكلوا منها حيث شئتم} يعني وكلوا من ثمار القرية وزروعها وحبوبها وبقولها حيث شئتم وأين شئتم. وقال في البقرة: فكلوا، بالفاء وهو بالواو والفرق بينهما أن الدخول حالة مقتضية للأكل عقبه فيحسن دخول الفاء التي هي للتعقيب ولما كانت السكنى حالة استمرار حسن دخول الواو عقب السكنى فيكون الأكل حاصلاً متى شاؤوا وإنما قال في سورة البقرة: رغداً، ولم يقله هنا لأن الأكل عقب الدخول ألذ وأكمل فأما الأكل مع السكنى والاستمرار فليس كذلك فحسن دخول لفظة رغداً هناك بخلافه هنا {وقولوا حطة} أي حط عنا ذنوبنا {وادخلوا الباب سجداً} وقال في البقرة عكس هذا اللفظ ولا منافاة في ذلك لأن المقصود من ذلك تعظيم أمر الله وإظهار الخضوع والخشوع له فلم يتفاوت الحال بسبب التقديم والتأخير {نغفر لكم خطيئاتكم} يعني نغفر لكم ذنوبكم ولم نؤاخذكم بها.
وإنما قال هنا خطيئاتكم وفي البقرة خطاياكم لأن المقصود غفران ذنوبهم سواء كانت قليلة أو كثيرة إذا أتوا بالدعاء والتضرع {سنزيد المحسنين} وقال في سورة البقرة: وسنزيد، بالواو ومعناه أنه قد وعد المسيئين بالغفران وبالزيادة للمحسنين من الثواب وإسقاط الواو لا يخل بهذا المعنى لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل وماذا بعد الغفران فقيل له: سنزيد المحسنين {فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم} يعني فغير الذين ظلموا أنفسهم بمخالفة أمرنا من بني إسرائيل فقالوا قولاً غير الذي قيل لهم وأمروا به وذلك أنهم أمروا أن يقول حطة فقالوا حنطة في شعيرة فكان ذلك تبديلهم وتغييرهم {فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء} يعني بعثنا عليهم عذاباً نم السماء أهلكهم، ولا منافاة بين قوله تعالى هنا أرسلنا وبين قوله في سورة البقرة أنزلنا لأنهما لا يكونان إلا من أعلى إلى أسفل، وقيل: بينهما فرق وهو أن الإنزال لا يشعر بالكثرة والإرسال يشعر بذلك فكأنه تعالى بدأ بإنزال العذاب قليلاً ثم أرسله عليهم كثيراً {بما كانوا يظلمون} يعني أن إرسال العذاب عليهم بسبب ظلمهم ومخالفتهم أمر الله. وقال في البقرة: بما كانوا يفسقون، والجمع بينهما أنهم لما ظلموا أنفسهم بما غيروا وبدلوا فسقوا بذلك وخرجوا عن طاعة الله تعالى وقد تقدمت هذه القصة أيضاً في تفسير سورة البقرة.

.تفسير الآيات (163- 164):

{وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164)}
قوله عز وجل: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي: سل يا محمد هؤلاء اليهود الذين هم جيرانك عن حال أهل القرية وهذا السؤال سؤال توبيخ وتقريع لا سؤال استفهام، لأنه عليه الصلاة والسلام كان قد علم حال أهل هذه القرية بوحي الله عز وجل إليه وإخباره إياهم بحالهم وإنما المقصود بهذا السؤال تقريع اليهود على إقدامهم على الكفر والمعاصي قديماً وأن إصرارهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وإنكار نبوته ومعجزاته ليس بشيء قد حدث منهم في زمانه بل إصرارهم على الكفر كان حاصلاً لأسلافهم في قديم الزمان. وفي الإخبار بهذه القصة معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان أمياً لا يقرأ الكتب القديمة ولم يعرف أخبار الأولين، ثم أخبرهم بما جرى لأسلافهم في قديم الزمان وأنهم بسبب مخالفتهم أمر الله عز وجل مسخوا قردة وخنازير واختلفوا في هذه القرية فقال ابن عباس: هي قرية بين مصر والمدينة والمغرب. وقيل بين مدين والطور على شاطئ البحر. وقال الزهري: هي طبرية الشام. وفي رواية عن ابن عباس قال: هي مدين وقال وهب: هي ما بين مدين وعيوني يعني القرية التي كانت على ساحل البحر وقريبة منه {إذ يعدون في السبت} يعني يتجاوزون حد الله فيه، وما أمرهم به من تعظيمه فخالفوا أمر الله وصادوا فيه السمك {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً} يعني ظاهرة على الماء كثيرة وقال الضحاك تأتيهم متتابعة يتبع بعضها بعضاً وقيل كانت تأتيهم يوم السبت مثل الكباش البيض السمان {ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} يعني الحيتان {كذلك نبلوهم} يعني مثل هذا الاختبار الشديد نختبرهم ونحن أعلم بحالهم {بما كانوا يفسقون} يعني أن ذلك الابتداء والاختبار بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله وما أمروا به. قال أهل التفسير: إن اليهود أمروا يوم الجمعة فتركوه واختاروا يوم السبت فابتلوا به وهو أن الله أمرهم بتعظيمه ونهاهم عن العمل فيه وحرم عليه فيه الصيد، فلما أراد ان يبتليهم كانت الحيتان تظهر لهم في يوم السبت ينظرون إليها في البحر فإذا انقضى السبت ذهبت فلم تُر إلى السبت المقبل فلما ابتلوا به وسوس إليهم الشيطان وقال إن الله لم ينهكم عن الاصطياد وإنما نهاكم عن الأكل فاصطادوا وقيل إنه وسوس إليهم أنكم إنما نهيتم عن الأخذ فاتخذوا حياضاً على ساحل البحر وسوقوا إليها الحيتان يوم السبت فإذا كان يوم الأحد خذوها ففعلوا ذلك زمانا ثم إنهم تجرؤوا على السبت وقالوا: ما نرى السبت إلا قد حل لنا فاصطادوا فيه وأكلوا وباعوا وصار أهل القرية أحزاباً ثلاثة وكانوا من سبعين ألفاً فثلث نهوا عن الاصطياد وثلث سكتوا ولم ينهوا وقالوا للناهين لم تعظمون قوماً الله مهلكهم وثلث هم أصحاب الخطيئة الذين خالفوا أمر الله واصطادوا وأكلوا وباعوا فلما لم ينتهوا عما هم فيه من المعصية قال الناهون لا نساكنكم في قرية واحد فقسموا القرية بينهم بجدار للناهين باب يدخلون ويخرجون منه وللعاصين باب، ولعنهم داود عليه الصلاة والسلام وكانوا في زمنه فأصبح الناهون ذات يوم ولم يخرج من المعتدين أحد فقالوا إن لهم لَشأناً لعل الخمر قد غلبتهم فعلوا على الجدار الذي بينهم فإذا هم قد مسخوا قردة ففتحوا عليهم الباب ودخلوا إليهم فصار القردة يعرفون أنسابهم من الناس ولم يعرف الناس أنسابهم من القردة فجعلت القردة تأتي أنسابها من الناس فتشم ثيابها فيقول لهم أهلوهم ألم ننهكم فتقول القردة برأسها نعم فنجا الناهون وهلك سائرهم فذلك قوله تعالى: {وإذ قالت أمة منها لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم} واختلفوا في القائلين هذه المقالة فقال بعض المفسرين إن أهل القرية افترقوا ثلاث فرق اعتدت وأصابت الخطيئة وفرقة نهتهم عن ذلك الفعل وفرقة أمسكت عن الصيد وسكتت عن موعظة المعتدين.
وقالوا للناهين: لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً، يعني أنهم لاموهم على موعظة قوم يعلمون أنهم غير متعظين ولا منزجرين فقالت الفرقة الناهية للذين لاموهم. معذرة إلى ربكم يعني أن موعظتنا إياهم معذرة إلى ربكم لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب علينا فموعظتنا لهؤلاء عذر لنا عند الله {ولعلهم يتقون} أي: وجائز عندنا أن ينتفعوا بالموعظة فيتقوا الله ويتركوا ما هم فيه من الصيد وقال بعضهم: إن أهل القرية كانوا فرقتين فرقة نهت وزجرت عن السوء وفرقة عملت بالسوء فعلى هذا يكون الذين قالوا لم تعظون قوماً الله مهلكهم الفرقة المعتدية وذلك أن الفرقة الناهية قالوا للفرقة المعتدية انتهوا قبل أن ينزل بكم عذاب شديد إن لم تنتهوا عما أنتم فيه فقالت لهم الفرقة المعتدية: لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً؟ والمعنى: لم تعظونا وقد علمتم أن الله مهلكنا أو منزل بنا عذابه، والقول الأول أصح لأنهم لو كانوا فرقتين لكان قولهم معذرة إلى ربكم خطاباً من الناهية للمعتدية.