فصل: تفسير الآيات (17- 27):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: لباب التأويل في معاني التنزيل المشهور بـ «تفسير الخازن» (نسخة منقحة).



.تفسير الآيات (17- 27):

{وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آَتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (19) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27)}
قوله تعالى: {ولقد فتنا قبلهم} أي قبل هؤلاء {قوم فرعون وجاءهم رسول كريم} يعني على الله وهو موسى بن عمران عليه السلام {أن أدوا إليّ عباد الله} يعني أطلقوا إلي بني إسرائيل ولا تعذبوهم {إني لكم رسول أمين} يعني على الوحي {وأن لا تعلوا على الله} يعني لا تتجبروا عليه بترك طاعته {إني آتيكم بسلطان مبين} يعني ببرهان بيِّن على صدق قولي فلما قال ذلك توعده بالقتل فقال {وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون} أن تقتلون وقال ابن عباس: تشتمون وتقولوا هو ساحر وقيل ترجموني بالحجارة {وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون} أي فاتركون لا معي ولا عليّ، وقال ابن عباس: اعتزلوا أذاي باليد واللسان فلم يؤمنوا {فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون} أي مشركون {فأسر بعبادي ليلاً} أي أجاب الله دعاءه وأمره أن يسري ببني إسرائيل بالليل {إنكم متبعون} أي يتبعكم فرعون وقومه {واترك البحر} أي إذا قطعته أنت وأصحابك {رهواً} أي ساكناً والمعنى لا تأمره أن يرجع بل اتركه على حالته حتى يدخله فرعون وقومه، وقيل اتركه طريقاً يابساً وذلك أنه لما قطع موسى البحر رجع ليضربه بعصاه ليلتئم وخاف أن يتبعه فرعون بجنوده فقيل لموسى اترك البحر كما هو {إنهم جند مغرقون} يعني أخبر موسى بإغراقهم ليطمئن قلبه في تركه البحر كما هو {كم تركوا} أي بعد الغرق {من جنات وعيون وزروع ومقام كريم} أي مجلس شريف حسن {ونعمة} أي وعيش لين رغد {كانوا فيها} أي في تلك النعمة {فاكهين} أي ناعمين وقرئ فكهين أي أشرين بطرين.

.تفسير الآيات (28- 37):

{كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32) وَآَتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآَيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (33) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37)}
{كذلك} أي أفعل بمن عصاني {وأورثناها قوماً آخرين} يعني بني إسرائيل {فما بكت عليهم السماء والأرض} وذلك أن المؤمن إذا مات تبكي عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، وهؤلاء لم يكن يصعد لهم عمل صالح فتبكي السماء على فقده ولا لهم على الأرض عمل صالح فتبكي الأرض عليه.
عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من مؤمن إلا وله بابان باب يصعد منه عمله وباب ينزل منه رزقه فإذا مات بكيا عليه» فذلك قوله تعالى: {فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين} أخرجه الترمذي وقال حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، قيل: بكاء السماء حمرة أطرافها، وقال مجاهد: ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً فقيل: أوتبكي، فقال: وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دوي كدوي النحل وقيل المراد أهل السماء وأهل الأرض {وما كانوا منظرين} أي لم يمهلوا حين أخذهم العذاب لتوبة ولا لغيرها قوله عز وجل: {ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين} أي من قتل الأبناء واستحياء النساء والتعب في العمل {من فرعون إنه كان عالياً} أي جباراً {من المسرفين ولقد اخترناهم على علم} أي علمه الله تعالى فيهم {على العالمين} أي عالمي زمانهم {وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين} أي نعمة بينة من فلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى والنعم التي أنعمنا بها عليهم وقيل ابتلاؤهم بالرخاء والشدة {إن هؤلاء} يعني مشركي مكة {ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى} أي لا موتة لنا إلا هذه التي نموتها في الدنيا ولا بعث بعدها وهو قوله: {وما نحن بمنشرين} أي بمبعوثين بعد موتتنا هذه {فأتوا بآبائنا} أي الذين ماتوا قبل {إن كنتم صادقين} أي إنا نبعث أحياء بعد الموت قيل طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحيي لهم قصي بن كلاب ثم خوفهم مثل عذاب الأمم الخالية فقال تعالى: {أهم خير أم قوم تبع} أم ليسوا خيراً من قوم تبع يعني في الشدة والقوة والكثرة قيل هو تبع الحميري وكان من ملوك اليمن سمي تبعاً لكثرة أتباعه وقيل كل واحد من ملوك اليمن يسمى تبعاً لأنه يتبع صاحبه الذي قبله كما يسمى في الإسلام خليفة وكان تبع هذا يعبد النار فأسلم ودعا قومه وهم حمير إلى الإسلام فكذبوه.
عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم» أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أدري أكان تبع نبياً أو غير نبي» وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت «لا تسبوا تبعاً فإنه كان رجلاً صالحاً» وكان من قصته على ما ذكر محمد بن إسحاق وغيره، وذكر عكرمة عن ابن عباس قالوا: كان تبع الآخر وهو أبو كرب أسعد بن مليك وكان سار بالجيوش نحو المشرق حتى حير الحيرة وبنى سمرقند ورجع من قبل المشرق فجعل طريقه على المدينة وقد كان حين مر بها خلف بين أظهرهم ابناً له فقتل غيلة فقدمها وهو مجمع على خرابها واستئصال أهلها، فجمع له هذا الحي من الأنصار حين سمعوا بذلك من أمره فخرجوا لقتاله فكان الأنصار يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل، فأعجبه ذلك وقال: إن هؤلاء لكرام فبينا هو كذلك إذ جاءه حبران عالمان من أحبار بني قريظة وكانا ابني عم اسم أحدهما كعب والآخر أسد حين سمعا ما يريد من إهلاك المدينة وأهلها فقالا له: أيها الملك لا تفعل فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينه ولم نأمن عليك عاجل العقوبة فإن هذه المدينة مهاجر نبي يخرج من هذا الحي من قريش اسمه محمد مولده بمكة وهذه دار هجرته ومنزلك الذي أنت فيه يكون به من القتل والجراح أمر كبير في أصحابه وفي عدوهم، قال تبع ومن يقاتله وهو نبي قالا يسير إليه قومه فيقتتلون ها هنا فتناهى لقولهما عما كان يريد بالمدينة ثم إنهما دعواه إلى دينهما فأجابهما واتبعهما على دينهما وأكرمهما وانصرف عن المدينة، وخرج بهما ونفر من اليهود عامدين إلى اليمن فأتاه في الطريق نفر من هذيل وقالوا له إنا ندلك على بيت فيه كنز من لؤلؤ وزبرجد وفضة قال أي بيت هذا قالوا بيت بمكة وإنما أراد هذيل هلاكه لأنهم عرفوا أنه لم يرده أحد بسوء إلا هلك فذكر الملك ذلك للأحبار، فقالوا: ما نعلم لله في الأرض بيتاً غير هذا البيت الذي بمكة فاتخذه مسجداً وانسك عنده وانحر واحلق رأسك وما أراد القوم إلا هلاكك. وما ناوأه أحد قط إلا هلك فأكرمه واصنع عنده ما يصنعه أهله فلما قالوا له ذلك أخذ أولئك النفر من هذيل فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ثم صلبهم فلما قدم مكة شرفها الله تعالى نزل بالشعب شعب البطائح وكسا البيت الوصائل وهي برود تصنع باليمن وهو أول من كسا البيت ونحر بالشعب ستة آلاف بدنة وأقام به ستة أيام وطاف به وحلق وانصرف، فلما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك وقالوا له لا تدخلها علينا وأنت قد فارقت ديننا فدعاهم إلى دينه وقال: إنه دين خير من دينكم قالوا فحاكمنا إلى النار.

.تفسير الآيات (38- 46):

{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (41) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (42) إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46)}
{وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق} أي بالعدل وهو الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية {ولكن أكثرهم لا يعلمون} قوله عز وجل: {إن يوم الفصل} أي الذي يفصل الله فيه بين العباد {ميقاتهم أجمعين} أي يوافي يوم القيامة الأولون والآخرون {يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً} أي لا ينفع قريب قريبه ولا يدفع عنه شيئاً {ولا هم ينصرون} أي يمنعون من عذاب الله {إلا من رحم الله} يعني المؤمنين فإنه يشفع بعضهم لبعض {إنه هو العزيز} أي في انتقامه من أعدائه {الرحيم} أي بأوليائه المؤمنين، قوله تعالى: {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} أي ذي الإثم وهو أبو جهل {كالمهل} أي كدردي الزيت الأسود {يغلي في البطون} أي في بطون الكفار {كغلي الحميم} يعني كالماء الحار إذا اشتد غليانه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم «في قوله كالمهل؛ قال كعكر الزيت فإذا قرب إلى وجهه سقطت فروة وجهه فيه» أخرجه الترمذي وقال لا نعرفه إلا من حديث رشدين سعد وقد تكلم فيه من قبل حفظه.
عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم فكيف بمن تكون طعامه» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

.تفسير الآيات (47- 56):

{خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (53) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آَمِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56)}
قوله تعالى: {خذوه} أي يقال للزبانية خذوه يعني الأثيم {فاعتلوه} أي دافعوه وسوقوه بالعنف {إلى سواء الجحيم} أي إلى وسط النار {ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم} قيل إن خازن النار يضرب على رأسه فينقب رأسه من دماغه ثم يصب فيه ماء حميماً قد انتهى حره ثم يقال له {ذق} أي هذا العذاب {إنك أنت العزيز الكريم} أي عند قومك بزعمك وذلك أن أبا جهل لعنه الله كان يقول أنا أعز أهل الوادي وأكرمهم فيقول له خزنة النار هذا على طريق الاستخفاف والتوبيخ {إن هذا ما كنتم به تمترون} أي تشكون فيه ولا تؤمنون به ثم ذكر مستقر المتقين {في مقام أمين} أي في مجلس أمنوا فيه من الغير {في جنات وعيون يلبسون من سندس وإستبرق} قيل السندس ما رق من الديباج والإستبرق ما غلظ منه وهو معرب إستبر.
فإن قلت كيف ساغ أن يقع في القرآن العربي المبين لفظ أعجمي.
قلت إذا عرب خرج من أن يكون أعجمياً لأن معنى التعريب أن يجعل عربياً بالتصرف فيه وتغييره عن منهاجه وإجرائه على أوجه الإعراب {متقابلين} أي يقابل بعضهم بعضاً {كذلك} أي كما أكرمناهم بما وصفنا من الجنات والعيون واللباس كذلك {و} أكرمناهم بأن {زوجناهم بحور عين} أي قرناهم بهن وليس هو من عقد التزويج وقيل جعلناهم أزواجاً لهن أي جعلناهم اثنين واثنين الحور من النساء النقيات البيض، وقيل يحار الطرف من بياضهن وصفاء لونهن وقيل الحور الشديدات بياض العينين {يدعون فيها بكل فاكهة} يعني أرادوها واشتهوها {آمنين} أي من نفادها ومن مضرتها وقيل آمنين فيها من الموت والأوصاب والشيطان {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} أي لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة التي ذاقوها في الدنيا إلا وقيل إلا بمعنى لكن، وتقديره ليذوقون فيها الموت لكن الموتة الأولى قد ذاقوها وقيل إنما استثنى الموتة من موت الجنة لأن السعداء حين يموتون يصيرون بلطف الله إلى أسباب الجنة يلقون الروح والريحان ويرون منازلهم في الجنة فكان موتهم في الدنيا كأنه في الجنة لاتصالهم بأسبابها ومشاهدتهم إياها {ووقاهم عذاب الجحيم}.

.تفسير الآيات (57- 59):

{فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59)}
{فضلاً من ربك} يعني كل ما وصل إليه المتقون من الخلاص من عذاب النار والفوز بالجنة إنما حصل لهم ذلك بفضل الله تعالى وفعل ذلك بهم تفضلاً منه {ذلك هو الفوز العظيم فإنما يسرناه بلسانك} أي سهلنا القرآن على لسانك كناية عن غير مذكور {لعلهم يتذكرون} أي يتعظون {فارتقب} أي فانتظر النصر من ربك وقيل انتظر لهم العذاب {إنهم مرتقبون} أي منتظرون قهرك بزعمهم وقيل منتظرون موتك قيل هذه الآية منسوخة بآية السيف عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك» أخرجه الترمذي وقال حديث غريب وعمر بن خثعم أحد رواته وهو ضعيف، وقال البخاري: هو منكر الحديث وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ حم الدخان ليلة الجمعة غفر له» أخرجه الترمذي وقال هشام أبو المقداد أحد رواته ضعيف والله أعلم.

.سورة الجاثية:

.تفسير الآيات (1- 4):

{حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4)}
قوله عز وجل: {حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إن في السموات والأرض} أي إن في خلق السموات والأرض وهما خلقان عظيمان يدلان على قدرة القادر المختار وهو قوله: {لآيات للمؤمنين وفي خلقكم} أي وخلق أنفسكم من تراب ثم من نطفة إلى أن يصير إنساناً ذا عقل وتمييز {وما يبث من دابة} أي وما يفرق في الأرض من جميع الحيوانات على اختلاف أجناسها في الخلق والشكل والصورة {آيات} دلالات تدل على وحدانية من خلقها وأنه الإله القادر المختار {لقوم يوقنون} يعني أنه لا إله غيره.

.تفسير الآيات (5- 11):

{وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (9) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (10) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (11)}
{واختلاف الليل والنهار} يعني بالظلام والضياء والطول والقصر {وما أنزل الله من السماء من رزق} يعني المطر الذي هو سبب أرزاق العباد {فأحيا به} أي بالمطر {الأرض بعد موتها} أي بعد يبسها {وتصريف الرياح} أي في مهابها فمنها الصبا والدبور والشمال والجنوب ومنها الحارة والباردة وغير ذلك {آيات لقوم يعقلون}.
فإن قلت ما وجه هذا الترتيب في قوله: {لآيات للمؤمنين} و{لقوم يوقنون} {ويعقلون}.
قلت معناه إن المنصفين من العباد إذا نظروا في هذه الدلائل النظر الصحيح علموا أنها مصنوعة وأنه لابد لها من صانع فآمنوا به وأقروا أنه الإله القادر على كل شيء ثم إذا أمعنوا النظر ازدادوا إيقاناً وزال عنهم اللبس فحينئذٍ استحكم علمهم وعدوا في زمرة العقلاء الذين عقلوا عن الله مراده في أسرار كتابه {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله} أي بعد كتاب الله {وآياته يؤمنون} قوله تعالى: {ويل لكل أفاك أثيم} أي كذاب صاحب إثم يعني النضر بن الحارث {يسمع آيات الله} يعني القرآن {تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم وإذا علم من آياتنا شيئاً} يعني آيات القرآن {اتخذها هزوا} أي سخر منها {أولئك} إشارة إلى من هذه صفته {لهم عذاب مهين} ثم وصفهم فقال تعالى: {من ورائهم جهنم} يعني أمامهم جهنم وذلك جهنم وذلك خزيهم في الدنيا ولهم في الآخرة النار {ولا يغني عنهم ما كسبوا} أي من الأموال {شيئاً ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء} أي ولا يغني عنهم ما عبد وا من دون الله من الآلهة {ولهم عذاب عظيم هذا} يعني القرآن {هدى} أي هو هدى من الضلالة {والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم}.