فصل: سئل شيخ الإسلام عن الحلاج‏ وفيمن قال‏ أنا أعتقد ما يعتقده الحلاج

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجموع فتاوى ابن تيمية **


/  سئل شيخ الإسلام ـ قدس الله روحه‏:‏

ما تقول أئمة الإسلام في الحلاج‏؟‏ وفيمن قال‏:‏ أنا أعتقد ما يعتقده الحلاج‏:‏ ماذا يجب عليه‏؟‏ ويقول‏:‏ إنه قتل ظلمًا كما قتل بعض الأنبياء، ويقول‏:‏ الحلاج من أولياء الله‏.‏ فماذا يجب عليه بهذا الكلام، وهل قتل بسيف الشريعة‏؟‏

فأجـــاب‏:‏

الحمد للّه، من اعتقد ما يعتقده الحلاج من المقالات التي قتل الحلاج عليها فهو كافر مرتد باتفاق المسلمين، فإن المسلمين إنما قتلوه على الحلول والاتحاد، ونحو ذلك من مقالات أهل الزندقة والإلحاد، كقوله‏:‏ أنا الله، وقوله‏:‏ إله في السماء وإله في الأرض‏.‏

وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا إله إلا الله، وأن الله خالق كل شيء، وكل ما سواه مخلوق و‏{‏إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا‏}‏‏[‏مريم‏:‏93‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏171‏]‏ الآيات، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ‏}‏ الآيتين ‏[‏المائدة‏:‏72‏]‏‏.‏ فالنصارى الذين كفرهم الله/ ورسوله، واتفق المسلمون على كفرهم بالله ورسوله، كان من أعظم دعواهم الحلول والاتحاد بالمسيح ابن مريم، فمن قال بالحلول والاتحاد في غير المسيح ـ كما تقوله الغالية في على، وكما تقوله الحلاجية في الحلاج، والحاكمية في الحاكم، وأمثال هؤلاء ـ فقولهم شر من قول النصارى؛ لأن المسيح ابن مريم أفضل من هؤلاء كلهم‏.‏ وهؤلاء من جنس أتباع الدجال، الذي يدعى الإلهية ليتبع، مع أن الدجال يقول للسماء‏:‏ أمطري فتمطر، وللأرض‏:‏ أنبتي فتنبت، وللخربة‏:‏ أخرجي كنوزك، فتخرج معه كنوز الذهب والفضة، ويقتل رجلا مؤمنا ثم يأمر به فيقوم، ومع هذا فهو الأعور الكذاب الدجال، فمن ادعى الإلهية بدون هذه الخوارق، كان دون هذا الدجال‏.‏ والحلاج كانت له مخاريق وأنواع من السحر، وله كتب منسوبة إليه في السحر‏.‏ وبالجملة، فلا خلاف بين الأمة أن من قال بحلول الله في البشر، واتحاده به، وأن البشر يكون إلها، وهذا من الآلهة، فهو كافر مباح الدم، وعلى هذا قتل الحلاج‏.‏

ومن قال‏:‏ إن الله نطق على لسان الحلاج، وإن الكلام المسموع من الحلاج كان كلام الله، وكان الله هو القائل على لسانه‏:‏ أنا الله، فهو كافر باتفاق المسلمين، فإن الله لا يَحِل في البشر، ولا تكلم على لسان بشر، ولكن يرسل الرسل بكلامه، فيقولون عليه ما أمرهم ببلاغه، فيقول على ألسنة الرسل ما أمرهم / بقوله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أما إن الله قال على لسان نبيه‏:‏سمع الله لمن حمده‏)‏‏.‏

فإن كل واحد من المرسل والرسول قد يقال‏:‏ إنه يقول على لسان الآخر كما قال الإمام أحمد بن حنبل للمروذي‏:‏ قل على لساني ما شئت، وكما يقال‏:‏ هذا يقول على لسان السلطان كيت وكيت، فمثل هذا معناه مفهوم‏.‏

وأما أن الله هو المتكلم على لسان البشر كما يتكلم الجني على لسان المصروع، فهذا كفر صريح، وأما إذا ظهر مثل هذا القول عن غائب العقل قد رفع عنه القلم، لكونه مصطلما في حال من أحوال الفنا والسكر، فهذا تكلم به في حال رفع عنه فيهما القلم، فالقول وإن كان باطلا لكن القائل غير مؤاخذ‏.‏

ومثل هذا يعرض لمن استولى عليه سلطان الحب مع ضعف العقل، كما يقال‏:‏ إن محبوبًا ألقى نفسه في اليم فألقى المحب نفسه خلفه، فقال‏:‏ أنا وقعت فلم وقعت خلفي‏؟‏ قال‏:‏ غبت بك عني فظننت أنك أني‏.‏

وقد ينتهي بعض الناس إلى مقام يغيب فيه بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته‏.‏

فإذا ذهب تمييز هذا وصار غائب العقل ـ بحيث يرفع عنه القلم ـ لم يكن معاقبا على ما تكلم به في هذه الحال، مع العلم بأنه خطأ وضلال، وأنه حال ناقص لا يكون لأولياء الله‏.‏

/ وما يحكى عن الحلاج من ظهور كرامات له عند قتله، مثل كتابة دمه على الأرض‏:‏ الله، الله، وإظهار الفرح بالقتل أو نحو ذلك، فكله كذب‏.‏ فقد جمع المسلمون أخبار الحلاج في مواضع كثيرة، كما ذكر ثابت بن سنان في أخبار الخلفاء ـ وقد شهد مقتله ـ وكما ذكر إسماعيل بن على الخطبي في تاريخ بغداد ـ وقد شهد قتله ـ وكما ذكر الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخه، وكما ذكر القاضي أبو يعلى في المعتمد، وكما ذكر القاضي أبوبكر بن الطيب، وأبو محمد بن حزم وغيرهم، وكما ذكر أبو يوسف القزوينــي وأبوالفرج بن الجوزي، فيما جمعا من أخباره‏.‏

وقد ذكر الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية، أن أكثر المشايخ أخرجوه عن الطريق، ولم يذكره أبو القاسم القشيري في رسالته من المشايخ الذين عدهم من مشايخ الطريق‏.‏ وما نعلم أحدًا من أئمة المسلمين ذكر الحلاج بخير، لا من العلماء ولا من المشايخ، ولكن بعض الناس يقف فيه؛ لأنه لم يعرف أمره، وأبلغ من يحسن به الظن يقول‏:‏ إنه وجب قتله في الظاهر، فالقاتل مجاهد والمقتول شهيد، وهذا أيضا خطأ‏.‏

وقول القائل‏:‏ إنه قتل ظلمًا، قول باطل، فإن وجوب قتله على ما أظهره من الإلحاد أمر واجب باتفاق المسلمين، لكن لما كان يظهر الإسلام ويبطن الإلحاد إلى أصحابه، صار زنديقًا، فلما أخذ وحبس أظهر التوبة، والفقهاء متنازعون في قبول توبة الزنديق، فأكثرهم لا يقبلها، وهو مذهب مالك وأهل / المدينة، ومذهب أحمد في أشهر الروايتين عنه، وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة، ووجه في مذهب الشافعي، والقول الآخر تقبل توبته‏.‏

وقد اتفقوا على أنه إذا قتل مثل هذا لا يقال‏:‏ قتل ظلمًا‏.‏

 وأما قول القائل‏:‏ إن الحلاج من أولياء الله، فالمتكلم بهذا جاهل قطعا، متكلم بما لا يعلم، لو لم يظهر من الحلاج أقوال أهل الإلحاد، فإن ولي الله من مات على ولاية الله، يحبه ويرضي عنه، والشهادة بهذا لغير من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، لا تجوز عند كثير من العلماء أو أكثرهم‏.‏

وذهبت طائفة من السلف ـ كابن الحنفية، وعلى بن المديني ـ‏:‏ إلى أنه لا يشهد بذلك لغير النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ بل من استفاض في المسلمين الثناء عليه شهد له بذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ عليه بجنازة فأثنوا خيرًا، فقال‏:‏ ‏(‏وجبت وجبت‏)‏، ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرًا فقال‏:‏ ‏(‏وجبت وجبت‏)‏‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرًا فقلت‏:‏ وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرًا فقلت‏:‏ وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض‏)‏‏.‏

فإذا جوز أن يشهد لبعض الناس أنه ولي الله في الباطن، إما بنص وإما بشهادة الأمة ـ فالحلاج ليس من هؤلاء، فجمهور الأمة يطعن عليه ويجعله من / أهل الإلحاد ـ إن قدر على أنه يطلع على بعض الناس أنه ولي الله، ونحو ذلك مما يختص به بعض أهل الصلاح‏.‏

فهذا الذي أثنى على الحلاج ووافقه على اعتقاده ضال من وجوه‏:‏

أحدها‏:‏ أنه لا يعرف فيمن قتل بسيف الشرع على الزندقة أنه قتل ظلمًا وكان وليا لله، فقد قتل الجهم بن صفوان، والجعد بن درهم، وغيلان القدري، ومحمد بن سعيد المصلوب، وبشار بن برد الأعمى، والسهروردي، وأمثال هؤلاء كثير، ولم يقل أهل العلم والدين في هؤلاء أنهم قتلوا ظلمًا، وأنهم كانوا من أولياء الله، فما بال الحلاج تفرد عن هؤلاء‏.‏

وأما الأنبياء فقتلهم الكفار، وكذلك الصحابة الذين استشهدوا قتلهم الكفار، وعثمان، وعلى، والحسين ونحوهم قتلهم الخوارج البغاة، لم يقتلوا بحكم الشرع على مذاهب فقهاء أئمة الدين، كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم‏.‏ فإن الأئمة متفقون على تحريم دماء هؤلاء، وهم متفقون على دم الحلاج وأمثاله‏.‏

الوجه الثاني‏:‏ أن الاطلاع على أولياء الله لا يكون إلا ممن يعرف طريق الولاية، وهو الإيمان والتقوى‏.‏

ومن أعظم الإيمان والتقوى أن يجتنب مقالة أهل الإلحاد ـ كأهل الحلول والاتحاد ـ فمن وافق الحلاج على مثل هذه المقالة، لم يكن عارفًا بالإيمان / والتقوى، فلا يكون عارفًا بطريق أولياء الله، فلا يجوز أن يميز بين أولياء الله وغيرهم‏.‏

الثالث‏:‏ أن هذا القائل قد أخبر أنه يوافقه على مقالته، فيكون من جنسه، فشهادته له بالولاية شهادة لنفسه، كشهادة اليهود والنصارى والرافضة لأنفسهم على أنهم على الحق، وشهادة المرء لنفسه فيما لا يعلم فيه كذبه ولا صدقه مردودة، فكيف يكون لنفسه ولطائفته الذين ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أنهم أهل ضلال‏؟‏

الرابع‏:‏ أن يقال‏:‏ أما كون الحلاج عند الموت تاب فيما بينه وبين الله أو لم يتب، فهذا غيب يعلمه الله منه، وأما كونه إنما كان يتكلم بهذا عند الاصطلام فليس كذلك، بل كان يصنف الكتب ويقوله وهو حاضر ويقظان‏.‏

وقد تقدم أن غيبة العقل تكون عذرًا في رفع القلم، وكذلك الشبهة التي ترفع معها قيام الحجة، قد تكون عذرًا في الظاهر‏.‏

فهذا لو فرض، لم يجز أن يقال‏:‏قتل ظلما، ولا يقال‏:‏ إنه موافق له على اعتقاده، ولا يشهد بما لا يعلم، فكيف إذا كان الأمر بخلاف ذلك وغاية المسلم المؤمن إذا عذر الحلاج أن يدعى فيه الاصطلام والشبهة‏.‏ وأما أن يوافقه على ما قتل عليه فهذا حال أهل الزندقة والإلحاد، وكذلك من لم يجوز قتل مثله فهو مارق من دين الإسلام‏.‏

/ ونحن إنما علىنا أن نعرف التوحيد الذي أمرنا به، ونعرف طريق الله الذي أمرنا به، وقد علمنا بكليهما أن ما قاله الحلاج باطل، وأنه يجب قتل مثله، وأما نفس الشخص المعين، هل كان في الباطن له أمر يغفر الله له به من توبة أو غيرها‏؟‏ فهذا أمر إلى الله، ولا حاجة لأحد إلى العلم بحقيقة ذلك، والله أعلم‏.‏

/ سئل شيخ الإسلام وحجة الأنام أبو العباس بن تيمية ـ رضي الله عنه ـ عمن يقول‏:‏ إن ما ثم إلا الله‏.‏ فقال شخص‏:‏ كل من قال هذا الكلام فقد كفر‏.‏

فأجاب ـ رضي الله عنه‏:‏

الحمد لله، قول القائل‏:‏ما ثم إلا الله‏:‏ لفظ مجمل، يحتمل معنى صحيحًا ومعنى باطلا، فإن أراد ما ثم خالق إلا الله، ولا رب إلا الله، ولا يجيب المضطرين ويرزق العباد إلا الله ـ فهو الذي يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل وهو الذي يستحق أن يستعان به ويتوكل عليه، ويستعاذ به ويلتجئ العباد إليه، فإنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجد منه الجد، كما قال تعالى في فاتحة الكتاب‏:‏ ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏5‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عليه‏}‏ ‏[‏هود‏:‏123‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عليه تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏30‏]‏‏.‏ فهذه المعاني كلها صحيحة، وهي من صريح التوحيد، وبها جاء القرآن، / فالعباد لا ينبغي لهم أن يخافوا إلا الله، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏44‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏الذ ِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ‏}‏ إلى قَوله‏:‏‏{‏إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أولياءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏173‏:‏ 175‏]‏‏.‏ وكذلك لا ينبغي أن يرجى إلا الله، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏2‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عليه يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 38‏]‏‏.‏ ولا ينبغي لهم أن يتوكلوا إلا على الله كما قال تعالى‏:‏‏{‏وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏12‏]‏، ولا ينبغي لهم أن يعبدوا إلا اللّه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ‏}‏ ‏[‏البينة‏:‏5‏]‏‏.‏ ولا يدعوا إلا الله، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا‏}‏ ‏[‏الجن‏:‏18‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏213‏]‏ سواء كان دعاء عبادة أو دعاء مسألة‏.‏ ‏:‏

/وأما إن أراد القائل‏:‏ ما ثم إلا الله، ما يقوله أهل الاتحاد، من أنه ما ثم موجود إلا الله، ويقولون‏:‏ ليس إلا الله، أي ليس موجود إلا الله، ويقولون‏:‏ إن وجود المخلوقات هو وجود الخالق، والخالق هو المخلوق، والمخلوق هو الخالق، والعبد هو الرب، والرب هو العبد، ونحو ذلك من معاني الاتحادية، الذين لا يفرقون بين الخالق والمخلوق، ولا يثبتون المباينة بين الرب والعبد، ونحو ذلك من المعاني، التي توجد في كلام ابن عربي الطائي، وابن سبعين، وابن الفارض، والتلمساني، ونحوهم من الاتحادية‏.‏

وكذلك من يقول بالحلول كما يقوله الجهمية، الذين يقولون‏:‏ إن الله بذاته في كل مكان، ويجعلونه مختلطا بالمخلوقات، حتى إن هؤلاء يجعلونه في الكلاب والخنازير والنجاسات، أو يجعلون وجود ذلك وجوده، فمن أراد هذه المعاني فهو مُلْحِد ضال، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، والله ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم‏.‏ /  سئل شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ عن قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر‏)‏ فهل هذا موافق لما يقوله الاتحادية‏؟‏ بينوا لنا ذلك‏؟‏

فأجــاب‏:‏

الحمد لله‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر‏)‏‏:‏ مروي بألفاظ أخر، كقوله‏:‏ ‏(‏يقول الله‏:‏ يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار‏)‏ وفي لفظ‏:‏ ‏(‏لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر، يقلب الليل والنهار‏)‏ وفي لفظ‏:‏ ‏(‏يقول ابن آدم‏:‏ يا خيبة الدهر، وأنا الدهر‏)‏‏.‏

فقوله في الحديث‏:‏ ‏(‏بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار‏)‏ يبين أنه ليس المراد به أنه الزمان، فإنه قد أخبر أنه يقلب الليل والنهار، والزمان هو الليل والنهار، فدل نفس الحديث على أنه هو يقلب الزمان ويصرفه‏.‏ كما دل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأولى الْأَبْصَارِ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏43، 44‏]‏‏.‏ وإزجاء السحاب‏:‏سوقه‏.‏ والودق‏:‏المطر‏.‏

/ فقد بين ـ سبحانه ـ خلقه للمطر، وإنزاله على الأرض، فإنه سبب الحياة في الأرض، فإنه ـ سبحانه ـ جعل من الماء كل شيء حي، ثم قال‏:‏ ‏(‏يقلب الله الليل والنهار‏)‏ إذ تقليبه الليل والنهار‏:‏ تحويل أحوال العالم بإنزال المطر، الذي هو سبب خلق النبات والحيوان والمعدن، وذلك سبب تحويل الناس من حال إلى حال، المتضمن رفع قوم وخفض أخرىن‏.‏ وقد أخبر ـ سبحانه ـ بخلقه الزمان في غير موضع، كقوله‏:‏‏{‏وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏1‏]‏، وقوله‏:‏‏{‏وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏33‏]‏، وَقوله‏:‏‏{‏وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏62‏]‏، وقوله‏:‏‏{‏إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأولى الألْبَابِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏190‏]‏، وغير ذلك من النصوص التي تبين أنه خالق الزمان‏.‏ ولا يتوهم عاقل‏:‏ أن الله هو الزمان، فإن الزمان مقدار الحركة، والحركة مقدارها من باب الأعراض والصفات القائمة بغيرها، كالحركة والسكون والسواد والبياض‏.‏

ولا يقول عاقل‏:‏ إن خالق العالم هو من باب الأعراض والصفات، المفتقرة إلى الجواهر والأعيان، فإن الأعراض لا تقوم بنفسها، بل هي مفتقرة إلى محل تقوم به، والمفتقر إلى ما يغايره لا يوجد بنفسه، بل بذلك الغير فهو محتاج إلى ما به في نفسه من غيره، فكيف يكون هو الخالق‏؟‏

ثم أن يستغني بنفسه، وأن يحتاج إليه ما سواه، وهذه صفة الخالق سبحانه، فكيف يتوهم أنه من النوع الأول‏؟‏

/وأهل الإلحاد ـ القائلون بالوحدة أو الحلول أو الاتحاد ـ لا يقولون‏:‏ إنه هو الزمان، ولا أنه من جنس الأعراض والصفات، بل يقولون‏:‏ هو مجموع العالم، أو حال في مجموع العالم‏.‏

فليس في الحديث شبهة لهم، لو لم يكن قد بين فيه أنه ـ سبحانه ـ مقلب الليل والنهار ـ فكيف وفي نفس الحديث أنه بيده الأمر يقلب الليل والنهار‏.‏

إذا تبين هذا، فللناس في الحديث قولان معروفان لأصحاب أحمد وغيرهم‏.‏

أحدهما‏:‏ وهو قول أبي عبيد وأكثر العلماء‏:‏ أن هذا الحديث خرج الكلام فيه لرد ما يقوله أهل الجاهلية، ومن أشبههم، فإنهم إذا أصابتهم مصيبة أو منعوا أغراضهم أخذوا يسبون الدهر والزمان، يقول أحدهم‏:‏ قبح الله الدهر الذي شتت شملنا، ولعن الله الزمان الذي جرى فيه كذا وكذا‏.‏

وكثيرًا ما جرى من كلام الشعراء وأمثالهم نحو هذا، كقولهم‏:‏ يا دهر، فعلت كذا‏.‏ وهم يقصدون سب من فعل تلك الأمور، ويضيفونها إلى الدهر، فيقع السب على الله تعالى، لأنه هو الذي فعل تلك الأمور وأحدثها، والدهر مخلوق له، هو الذي يقلبه ويصرفه‏.‏

والتقدير‏:‏أن ابن آدم يسب من فعل هذه الأمور وأنا فعلتها، فإذا سب الدهر فمقصوده سب الفاعل، وإن أضاف الفعل إلى الدهر، فالدهر لا فعل له، وإنما الفاعل هو الله وحده‏.‏

/وهذا كرجل قضي عليه قاض بحق أو أفتاه مُفْتٍ بحق، فجعل يقول‏:‏ لعن الله من قضى بهذا أو أفتى بهذا، ويكون ذلك من قضاء النبي صلى الله عليه وسلم وفتياه فيقع السب عليه، وإن كان الساب ـ لجهله ـ أضاف الأمر إلى المبلغ في الحقيقة، والمبلغ له فعل من التبليغ، لخلاف الزمان فإن الله يقلبه ويصرفه‏.‏

والقول الثاني‏:‏ قول نُعَيْم بن حماد، وطائفة معه من أهل الحديث والصوفية‏:‏ أن الدهر من أسماء الله تعالى، ومعناه‏:‏ القديم الأزلي‏.‏

ورووا في بعض الأدعية‏:‏ يا دهر يا ديهور، يا ديهار، وهذا المعنى صحيح؛ لأن الله ـ سبحانه ـ هو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر ليس بعده شيء، فهذا المعنى صحيح إنما النزاع في كونه يسمى دهرًا بكل حال‏.‏

فقد أجمع المسلمون ـ وهو مما علم بالعقل الصريح ـ أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ ليس هو الدهر الذي هو الزمان، أو ما يجري مجرى الزمان، فإن الناس متفقون على أن الزمان الذي هو الليل والنهار‏.‏

وكذلك ما يجري مجرى ذلك في الجنة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏26‏]‏‏.‏ قالوا‏:‏على مقدار البكرة والعشي في الدنيا، وفي الآخرة يوم الجمعة يوم المزيد، والجنة ليس فيها شمس ولا قمر، ولكن تعرف الأوقات بأنوار أخر، قد روى أنها تظهر من تحت العرش، فالزمان هنالك مقدار الحركة التي بها تظهر تلك الأنوار‏.‏

/ وهل وراء ذلك جوهر قائم بنفسه سيال هو الدهر‏؟‏ هذا مما تنازع فيه الناس، فأثبته طائفة من المتفلسفة من أصحاب أفلاطون، كما أثبتوا الكليات المجردة في الخارج، التي تسمى المثل الأفلاطونية والمثل المطلقة، وأثبتوا الهيولي التي هي مادة مجردة عن الصور، وأثبتوا الخلاء جوهرًا قائما بنفسه‏.‏

وأما جماهير العقلاء من الفلاسفة وغيرهم، فيعلمون أن هذا كله لا حقيقة له في الخارج، وإنما هي أمور يقدرها الذهن ويفرضها، فيظن الغالطون أن هذا الثابت في الأذهان هو بعينه ثابت في الخارج عن الأذهان، كما ظنوا مثل ذلك في الوجود المطلق، مع علمهم أن المطلق بشرط الإطلاق وجوده في الذهن، وليس في الخارج إلا شيء معين وهي الأعيان، وما يقوم بها من الصفات، فلا مكان إلا الجسم أو ما يقوم به، ولا زمان إلا مقدار الحركة، ولا مادة مجردة عن الصور، بل ولا مادة مقترنة بها غير الجسم الذي يقوم به الأعراض، ولا صورة إلا ما هو عرض قائم بالجسم، أو ما هو جسم يقوم به العرض، وهذا وأمثاله مبسوط في غير هذا الموضع‏.‏

وإنما المقصود التنبيه على ما يتعلق بذلك على وجه الاختصار، والله أعلم‏.‏

تم الموجود الآن من كتاب توحيد الربوبية ويليه كتاب مجمل اعتقاد السلف‏.‏