فصل: إذا فاتت سنة الضحى هل تقضى أم لا؟

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين **


فصل

 

قال فضيلة الشيخ – حفظه الله ورعاه -‏:‏

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم النبيين وعلى آله، وصحبه أجمعين‏.‏ أما بعد‏:‏

فقد أطلعت على رسالة موجهة إلى من يراها أو يسمعها من المسلمين في موضوع صلاة التراويح، وبلغني أنها قرئت في بعض المساجد، وهي رسالة قيمة حث فيها كاتبها على الخشوع في التراويح، والطمأنينة – فجزاه الله خيراً على خيره -‏.‏

ولكن هذه الرسالة عليها ملاحظات يجب بيانها منها‏:‏

أنه نقل فيها ما روي عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في رمضان عشرين ركعة‏(1)‏‏.‏

وجوابه‏:‏ هذا الحديث ضعيف، قال ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري ص ‏(‏524‏)‏ ج2‏:‏ ‏"‏وأما ما رواه ابن أبي شيبة‏"‏‏(2)‏ من حديث ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر، فإسناده ضعيف، وقد عارضه حديث عائشة هذا الذي في الصحيحين‏(3)‏ مع كونها أعلم بحال النبي صلى الله عليه وسلم ليلاً من غيرها‏.‏ أهـ‏.‏

وحديث عائشة الذي أشار إليه صاحب الفتح هو ما رواه البخاري ص ‏(‏59‏)‏ ج3 ومسلم ص ‏(‏166‏)‏ ج2 عن عائشة – رضي الله عنها – أن أبا سلمة بن عبد الرحمن سألها كيف كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان‏؟‏ فقالت‏:‏ ‏(‏ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة‏)‏، وفي لفظ لمسلم‏:‏ ‏(‏يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر‏)‏‏.‏

وحديث عائشة يوحي بشدة لهجته بشيء من إنكار الزيادة على هذا العدد، وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من الليل قال‏:‏ ‏(‏فصلى -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر‏)‏، أخرجه مسلم‏(4)‏ ص ‏(‏179‏)‏ ج2‏.‏

وبهذا تبين أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الليل دائرة بين الإحدى عشرة والثلاث عشرة‏.‏

فإن قيل‏:‏ إن صلاة الليل هذه ليست هي التراويح؛ لأن التراويح من سنن عمر – رضي الله عنه -‏؟‏

فالجواب‏:‏ بل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان هي التراويح ولكنهم سموها تراويح؛ لأنهم كانوا يطيلونها ثم يستريحون بعد كل تسليمتين، فسميت تراويح لذلك، ولقد كانت التراويح من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح البخاري ص ‏(‏10‏)‏ ج3 من الفتح وفي صحيح مسلم ‏(‏177‏)‏ ج2 عن عائشة – رضي الله عنها – أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم، فلما أصبح قال‏:‏ ‏(‏قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلأ أني خشيت أن تفرض عليكم‏)‏ وذلك في رمضان‏(5)‏‏.‏

فإن قيل‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على هذه الركعات ولم يمنع الزيادة عليها، وزيادة الركعات خير وثواب‏.‏

فالجواب‏:‏ أنه إما أن يكون الخير في الاقتصار على هذه الركعات؛ لأنه هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، فإن كان الخير في الاقتصار عليها كان الاقتصار عليها أولى، وإما أن يكون الخير في الزيادة، وحينئذ يكون النبي صلى الله عليه وسلم متقاصراً عن فعل الخير وراضياً بالمفضول عن الفاضل مع عدم البيان لأمته وهذا شيء مستحيل‏.‏

فإن قيل‏:‏ فما الجواب عما روى مالك في الموطأ عن يزيد بن رومان أنه قال‏:‏ ‏"‏كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة‏"‏ موطأ شرح الزرقاني ص ‏(‏239‏)‏ ج1‏.‏

فالجواب‏:‏ أن هذا الحديث معلول ومعارض‏.‏

أما علته‏:‏ فهو منقطع؛ لأن يزيد بن رومان لم يدرك عمر، كما نص على ذلك أهل الحديث كالنووي وغيره‏.‏

وأما معارضته‏:‏ فقد عارضه ما رواه مالك في الموطأ عن محمد بن يوسف، وهو ثقة ثبت، عن السائب بن يزيد، وهو صحابي قال‏:‏ ‏"‏أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة‏"‏‏(6)‏‏.‏ الموطأ شرح الزرقاني ص ‏(‏138‏)‏ ج1‏.‏

فإن هذا الحديث أرجح من حديث يزيد بن رومان من وجوه ثلاثة‏:‏

الأول‏:‏ أنه أقوم عملاً وأحسن لموافقته للعدد الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان عمر – رضي الله عنه – ليختار سوى الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه به، ويبعد أن يكون غير عالم به‏.‏

الثاني‏:‏ أن حديث السائب بن يزيد في الإحدى عشرة منسوب إلى أمر عمر – رضي الله عنه – فيكون من قوله، وحديث يزيد بن رومان في الثلاث والعشرين منسوب إلى زمان عمر – رضي الله عنه - فيكون من إقراره، والقول أقوى من الإقرار؛ لأنه صريح في اختياره إياه، أما الإقرار فقد يكون من باب الإقرار على الجائز لا على المختار، فأقرهم عمر على الثلاث والعشرين حيث لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك منع، وكانوا مجتهدين في ذلك فأقرهم على اجتهادهم، وإن كان هو يختار الإحدى عشرة لأمره بها‏.‏

الثالث‏:‏ أن حديث السائب بن يزيد في الإحدى عشرة سالم من العلة، فسنده متصل، وحديث يزيد بن رومان معلول كما سبق وأيضاً فتوثيق الراوي عن السائب بن يزيد، وهو محمد بن يوسف أقوى من توثيق يزيد بن رومان، حيث قيل في الأول‏:‏ إنه ثقة ثبت، وفي الثاني ثقة فقط، وهذا من المرجحات كما في علم مصطلح الحديث‏.‏

هذا ولو فرض أن حديث يزيد بن رومان في الثلاث والعشرين ثابت عن عمر، وسالم عن العلة والمعارضة فإنه لا يمكن أن يرجح على العدد الذي واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يزد عليه في رمضان ولا غيره‏.‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 59‏]‏‏.‏ فأوجب الله الرد عند النزاع إلى الله يعني كتابه، وإلى رسوله في حياته وسنته بعد وفاته، وأخبر سبحانه أن هذا خير وأحسن تأويلاً – أي عاقبة -‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 65‏]‏‏.‏ فجعل الله التحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيما شجر بين الناس من النزاع من مقتضيات الإيمان، ونفي الإيمان نفياً مؤكداً بالقسم عمن لم يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم ويطمئن إلى حكمه، وينقاد له انقياداً تاماً‏.‏

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلن في خطبة الجمعة فيقول‏:‏ ‏(‏أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم‏)‏‏(7)‏ ، وهذا أمر مجمع عليه إجماعاً قطعياً بين المسلمين أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن هديه خير من هدي كل أحد كائناً من كان، بل إن كان في هدي أحد خير فما هو إلا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وكان الصحابة – رضي الله عنهم – يحذرون غاية التحذير من معارضة قول النبي صلى الله عليه وسلم بقول غيره، أو هديه بهدي غيره، قال ابن عباس – رضي الله عنهما -‏:‏ ‏"‏يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول قال رسول الله، وتقولون قال أبو بكر، وعمر‏"‏، بل إن عمر – رضي الله عنه – لما ترافع إليه خصمان، قال للذي لم يرض ذكر هذا الأثر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد، وفي شرحـه تيسير العزيز الحميد ص ‏(‏510‏)‏ قال‏:‏ هذه القصة مشهورة متداولة بين السلف والخلف تداولاً يغني عن الإسناد، ولها طرق كثيرة، ولا يضر ضعف إسنادها‏.‏ أهـ‏(8)‏‏.‏

ولو قيل لشخص مسلم‏:‏ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بإحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، وهذا آخر غيره يصلي بهم بثلاث وعشرين ركعة، أو بتسع وثلاثين، فإنه لا يسعه إلا أن يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأخذ بهديه؛ لأن العمل الموافق للرسول صلى الله عليه وسلم هو الأحسن والأقوم، والعمل بالأحسن هو الذي خلق الناس، وخلقت السموات والأرض من أجله، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 2‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 7‏]‏‏.‏ لم يقل سبحانه ‏(‏ليبلوكم أكثر عملاً‏)‏، ومعلوم أنه كلما كان العمل أخلص لله، وأتبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحسن، فالإحدى عشرة، أو الثلاث عشرة أحسن مما زاد عليها لموافقتها لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكون أولى وأفضل، لاسيما إذا اقترن بها تمهل، وخشوع، وحضور قلب، وطمأنينة يتمكن بها الإمام والمأمومون من الذكر والدعاء‏.‏

فإن قيل‏:‏ إن الثلاث والعشرين هي سنة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وهو أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي‏)‏‏(9)‏‏.‏

فالجواب‏:‏ لعمر الله، إن عمر لمن الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم، بل هو أحد الرجلين اللذين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهما حيث قال‏:‏ ‏(‏إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر‏)‏‏(10)‏‏.‏ رواه الترمذي‏.‏ بل هو الرجل الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه‏)‏‏(11)‏‏.‏ رواه الترمذي، وهو الرجل الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون، فإن بك في أمتي أحد فإنه عمر‏)‏‏.‏ متفق عليه‏(12)‏‏.‏ ولكن ما هي سنة عمر – رضي الله عنه – في عدد ركعات التراويح‏؟‏

إن إثبات تعينها في ثلاث وعشرين دونه خرط القتاد، فقد سبق أن سند إثباتها – فضلاً عن تعينها – معلوم ومعارض بما هو أرجح سنداً، وأقوى دلالة وأقوم عملاً، وأن الثابت عن عمر أنه أمر أبي بن كعب وتميماً الداري أن يصليا للناس بإحدى عشرة ركعة‏(13)‏‏.‏

ثم إن فرض ثبوت تعيينها بثلاث وعشرين ركعة عن عمر – رضي الله عنه – لم يكن ذلك حجة على فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا معارضاً له لدلالة الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة، والإجماع على أنه لا يعدل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة غيره كائناً من كان، ولا تعارض بها أبداً، قال الإمام الشافعي – رحمه الله -‏:‏ ‏"‏أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل له أن يدعها لقول أحد‏"‏‏.‏ أهـ‏.‏

ومن الملاحظات قوله‏:‏ إن المسلمين لم يزالوا على الثلاث والعشرين من عهد الصحابة إلى زماننا هذا، فيكون إجماعاً‏.‏

فالجواب‏:‏ ليس الأمر كذلك، فالخلاف موجود بين المسلمين منذ عصر الصحابة إلى اليوم، وقد ذكر في فتح الباري الخلاف ص ‏(‏253‏)‏ ج4 المطبعة السلفية وملخصه‏:‏ 11 – 13 – 19 – 21 – 23 – 25 – 27 – 35 – 37 – 39 قال‏:‏ وكان ذلك يعني التسع والثلاثين في المدينة في إمارة أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز، قال مالك‏:‏ وعلى هذا العمل منذ بضع ومائة سنة 41 – 47 – 49‏.‏

فإذا تبين ثبوت الخلاف بين المسلمين فالحكم في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال سبحانه‏:‏ ‏{‏فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 59‏]‏‏.‏

 

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين‏.‏ تم ذلك في 8/9/395هـ‏.‏

رسالة

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه المكرم الشيخ ‏.‏‏.‏‏.‏ حفظه الله

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته‏.‏

اطلعت اطلاعة سريعة على هذه الرسالة التي كتبتموها ‏(‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ ولا ريب أن التحقيق في مثل هذه المسائل التي تخفى فيها السنة على كثير من الناس أمر مهم ونافع لما فيه من إحياء السنة، ومعلوم أن السنة إذا خفيت كان إظهارها واجباً، وإن كانت في الأصل سنة لما في ذلك من حفظ الشريعة وإبلاغ ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم‏.‏

والرسالة المذكورة أرجو أن لا يكون في نشرها بأس لكن عليها بعض التنبيهات‏.‏

فمنها‏:‏ ما في آخر ص 14 من أن الاقتصار على إحدى عشرة ركعة ظناً أن هذا العدد أفضل من الزيادة عليه حيث يقع هذا من الأئمة الذين لا يعرفون رغبة من خلفهم على إحدى عشرة ركعة‏.‏ قلتم‏:‏ إن هذا ليس له دليل من الكتاب والسنة، بل فيه مخالفة صريحة لكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم إن أطالوا فقد عصوا أبا القاسم، وإن خففوا فقد حرموا أنفسهم ومن يصلي خلفهم من التزود من العمل الذي أمر الله به ومدح المكثرين منه الذي يقضون معظم ليلهم بالقيام، والركوع، والسجود، وقراءة القرآن‏.‏

ثم قلتم في ص 15 إن هذا ليس من النصيحة في الدين، ولا بعد نصيحة لله، ولا لكتابه، ولا لعامة المسلمين‏.‏ أهـ‏.‏

ولا يخفى عليكم أن عائشة – رضي الله عنها – سئلت كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في رمضان‏؟‏ فقالت‏:‏ ‏(‏ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة‏)‏ ثم فصلتها كما رواه البخاري وغيره‏.‏ انظر الفتح 3/33 وصحيح مسلم 1/509‏(14)‏‏.‏

ولا يخفى أن هذا العدد هو غاية الزيادة إلا ما صح من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة‏(15)‏‏.‏ انظر صحيح مسلم 1/531 وفصل هذه الركعات ص 527 منه‏(16)‏ ، وفصلها في البخاري أيضاً، انظر الفتح 2/477، ولعل الركعتين كما في الأوليين هما الركعتان الخفيفتان اللتان يفتتح بهما صلاة الليل كما في حديث زيد بن خالد الجهني‏(17)‏ في صحيح مسلم 1/531 – 532‏.‏

ولا يخفى أنه ربما اقتصر على السبع والتسع كما في حديث عائشة في البخاري‏(18)‏ انظر الفتح 3/20‏.‏

ولا يخفى أن العدد أحد عشرة هو المرجح عند كثير من أهل العلم، ومنهم شيخنا عبد العزيز ابن باز كما نقلتموه عنه ص 22 من الرسالة، وأن الزيادة على ذلك لا حرج فيها ولا كراهية‏.‏

ولا يخفى أن النقص عنه جائز أيضاً لورود السنة به، لكن زيادة العدد إلى إحدى عشرة أو ثلاث عشرة مع حسن العمل أولى لتميزه بالكثرة، اللهم إلا أن يكون على المكلف نوع من المشقة فيقتصر على ما دونه تيسيراً على نفسه لقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اكلفوا من العمل ما تطيقون‏)‏‏(19)‏‏.‏

ولا يخفى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل صلاة الليل وهو إمام كما في حديث ابن مسعود – رضي الله عنه – حين صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فأطال الصلاة حتى هم أن يقعد ويترك النبي صلى الله عليه وسلم‏(20)‏ ، انظر الفتح 3/19، وصحيح مسلم 1/537 وكما في حديث حذيفة‏(21)‏ حين صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم البقرة، والنساء، وآل عمران، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، انظر صحيح مسلم 1/536 – 537‏.‏

ولا يخفى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في رمضان بأصحابه ثلاث ليال وتأخر في الرابعة كما في صحيح البخاري‏(22)‏ ، انظر الفتح 4/253 وصحيح مسلم 1/524‏.‏

ولا يخفى أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بأصحابه حين بقي سبع من شهر رمضان حتى ذهب ثلث الليل، وفي ليلة ثانية حتى ذهب شطر الليل، وفي ليلة ثالثة حتى تخوفوا الفلاح – أي السحور – أخرجه أحمد وأهل السنن،ورجاله عند أهل السنن رجال الصحيح، كما في نيل الأوطار ‏(‏صلاة التراويح‏)‏ ‏(23)‏‏.‏

ولا يخفى التطويل بالجماعة في ذلك، وهكذا كان عمل السلف من الصحابة والتابعين كما في موطأ الإمام مالك‏(24)‏ ، انظر شرح الزرقاني 1/238 – 240‏.‏

والفرق بين هذا وبين حديث معاذ – رضي الله عنه – في نهي النبي صلى الله عليه وسلم له عن التطويل ‏(‏والمراد التطويل الزائد عما جاءت به السنة‏)‏ أن هذا في النفل الذي يجوز للناس التخلف عنه والخروج منه، وحديث معاذ في الفرض الذي لا يجوز لهم التخلف عنه ولا الخروج منه إلا بعذر شرعي فهم ملزمون به قصداً وإتماماً‏.‏

وأظنكم بعد هذا ستعيدون النظر فيما كتبتم حول هذا الموضوع‏.‏

ومن الأمور التي ينبه عليها قولكم ص ‏(‏16‏)‏ إن شفع المأموم صلاته خلف إمام يصلي الوتر مخالفة منهي عنها، والمتابعة مأمور بها في السنة المطهرة‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏

ولا ريب أن المخالفة للإمام منهي عنها، والمتابعة مأمور بها ولكن المخالفة والمتابعة بينها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏(‏فإذا كبر فكبروا‏)‏‏(25)‏ إلخ، وفي تحذيره من مسابقة الإمام‏.‏

فأما إتمام المأموم صلاته فليس بمخالفة سواه كان مسبوقاً أم لا؛ لأن الإمام أتم صلاته بالسلام فانفصل المأموم منه، ولهذا كان أهل مكة عام الفتح يصلون خلف النبي صلى الله عليه وسلم فيتمون الصلاة بعد سلام النبي صلى الله عليه وسلم‏(26)‏ ونص على جواز ذلك أهل العلم، ونص الإمام أحمد على جواز صلاة العشاء خلف من يصلي التراويح، ومعلوم أن المأموم في هذه الحال سيقوم بعد سلام الإمام لإتمام صلاة العشاء‏.‏

وعلى هذا فإذا نوى المأموم المصلي خلف إمام يوتر صلاة نفل غير الوتر، كانت صلاته ركعتين، فيتمها بعد سلام إمامه من وتره كالمقيم خلف المسافر، ومصلي العشاء خلف مصلى التراويح‏.‏

وفي المغني 2/164 في الكلام على الوتر‏:‏ فإن صلى مع الإمام وأحب متابعته في الوتر، وأحب أن يوتر آخر الليل فإنه إذا سلم الإمام لم يسلم معه وقام فصلى ركعة أخرى يشفع بها صلاته مع الإمام، نص عليه، ثم قال عن الإمام أحمد‏:‏ يشفع مع الإمام بركعة أحب إليّ أهـ‏.‏ وبهذا يحصل للمأموم القيام مع الإمام حتى ينصرف مع جعل آخر صلاته بالليل وتراً‏.‏

ومنها أنكم في ص ‏(‏45‏)‏ وهمتم من قال‏:‏ إن الإحدى عشرة ركعة هو العدد الذي جاءت به السنة واتبعه على ذلك عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – فهو خير الهدي، وأكمله، وأتمه، وأحسنه، وقلتم‏:‏ لا دليل هنا لمن فضل الإحدى عشرة على غيرها‏.‏

ومعلوم أن المقصود بتفضيل الإحدى عشرة يعني على غيرها من الأعداد الأخرى التي عليها الناس اليوم‏.‏

أما كونها أفضل من الأعداد الأخرى التي جاءت بها السنة فقد يقال به أيضاً لأنه أكثر عملاً، وقد وردت به السنة، ويحمل ما ورد دونه على حال تقتضيه إما ضعف أو نحوه كما في صحيح مسلم 1/513 – 514 أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي تسع ركعات، فلما أسن وأخذه الحم أوتر بسبع(27)‏‏.‏

وقد يقال إن هذا من تنوع العبادات، والأفضل على القول الراجح في العبادات المتنوعة أن يأتي بكل نوع منها، هذا ارة، وهذا تارة ليأتي بجميع أنواع السنة‏.‏

ولكن قد ترجح الإحدى عشرة في التراويح حتى لا يحصل الاضطراب والبلبلة عند العامة، ويرجحها أيضاً أمر عمر – رضي الله عنه – أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما بها في الناس‏(28)‏‏.‏

وقد سبق ما نقلتم عن الشيخ عبد العزيز ابن باز ص ‏(‏22‏)‏ أن الأفضل في ذلك كله هو صلاة إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة في رمضان وغيره لكون ذلك هو الموافق لفعل النبي صلى الله عليه وسلم في غالب أحواله‏.‏ وهذا مرجح رابع‏.‏

ومنها قولكم ص ‏(‏46‏)‏‏:‏ ومن فضل الإحدى عشرة على غيرها فقد أخذ بسنة ورد سنن ‏(‏كذا‏)‏ أخرى بلا دليل‏.‏

ومن المعلوم أن هذا ليس بلازم بل إن التفضيل بين شيئين يدل على جوازهما مع رجحان أحدهما على الآخر، وقد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل، كما هو معروف عند أهل العلم‏.‏

ومنها قولكم ص ‏(‏47‏)‏‏:‏ وليس من أوصاف حسنة ‏(‏كذا‏)‏ كونه قليلاً‏.‏

ومن المعلوم أن القليل إذا كان أتبع للسنة كان أحسن من الكثير، سواء كان ذلك في الكم، أو في الكيف‏.‏ ألم تر أن صوم يوم وفطر يوم أفضل من صوم وفطر يوم كما في قصة عبد الله بن عمرو بن العاص الثابتة في صحيح البخاري وغيره‏(29)‏‏.‏

ثم ألم تر أن تخفيف ركعتي الفجر أفضل من إطالتهما، مع أن صوم يومين وفطر يوم، وتطويل الركعتين أكثر عملاً‏.‏

وبهذا علم أن القلة من حسن العمل إذا كانت أوفق للسنة‏.‏

ومن المعلوم أن الإحدى عشرة ركعة في التراويح أوفق للسنة مما زاد عليها كما يشعر بذلك جواب عائشة – رضي الله عنها – لمن سألها كيف كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان‏(30)‏ ‏؟‏ وعلى ذلك تكون أحسن لاسيما أن كثيراً من الذين يصلون التراويح ثلاثاً وعشرين ركعة يأتون بها بسرعة تكاد تكون مخلة بالطمأنينة التي لا تصح الصلاة بدونها‏.‏

أما إذا اجتمعت الكثرة والموافقة للسنة فالكثير أولى وهذا لا ريب فيه‏.‏

ومنها أنكم قلتم في ص ‏(‏48‏)‏‏:‏ إنه يشرع في الإيتار بخمس، أو سبع، أو تسع أن تصلي مثنى مثنى، بل إن صلاتها مثنى مثنى أفضل من سردها، ثم استدللتم بحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏صلاة الليل مثنى مثنى‏)‏‏(31)‏‏.‏

ومن المعلوم أن الأحاديث الواردة في الإيتار بهذا العدد ليس فيها حديث واحد يدل على تفريق عددها مثنى مثنى، بل تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصد سردها، والسنة قولاً وفعلاً قد فرقت بين صلاة الليل وبين الوتر، وكذلك أهل العلم فرقوا بينهما حكماً، وكيفية‏:‏

أما تفريق السنة بينهما قولاً‏:‏ ففي حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رجلاً سال النبي صلى الله عليه وسلم كيف صلاة الليل‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة‏)‏‏(32)‏‏.‏ رواه البخاري، انظر الفتح 3/20‏.‏

وأما تفريق السنة بينهما فعلاً‏:‏ ففي حديث عائشة – رضي الله عنها – قالت‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوترأيقظني فأوتر‏.‏ رواه البخاري، انظر الفتح 2/487، ورواه مسلم 1/51 بلفظ‏:‏ كان يصلي صلاته بالليل وأنا معترضة بين يديه فإذا بقي الوتر أيقظها فأوترت‏(33)‏‏.‏ وروى 1/508 عنها قالت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها‏[‏في الموضع السابق ح139 ‏(‏737‏)‏‏.‏‏]‏‏.‏ وروى 1/513 عنها حين قال لها سعد بن هشام بن عامر‏:‏ أنبئيني عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قالت‏:‏ ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده، ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله، ويحمده، ويدعوه، ثم يسلم تسليماً يسمعناً‏(34)‏‏.‏

وأما تفريق العلماء بين الوتر وصلاة الليل حكماً‏:‏ فإن العلماء اختلفوا في وجوب الوتر، فذهب أبو حنيفة إلى وجوبه وهو رواية عن أحمد ذكرها في الإنصاف والفروع قال أحمد‏:‏ من ترك الوتر عمداً فهو رجل سوء ولا ينبغي أن تقبل له شهادة‏.‏

والمشهور من المذهب أن الوتر سنة، وهو مذهب مالك؛ والشافعي‏.‏

وأما صلاة ا لليل فليس فيها هذا الخلاف، ففي فتح الباري 3/27‏:‏ ‏"‏ولم أر النقل في القول بإيجابه إلا عن بعض التابعين قال ابن عبد البر‏:‏ شذ بعض التابعين فأوجب قيام الليل ولو قدر حلب شاة، والذي عليه جماعة العلماء أنه مندوب إليه‏"‏‏.‏ أهـ‏.‏

وأما تفريق العلماء بين الوتر وصلاة الليل في الكيفية‏:‏ فقد صرح فقهاؤنا الحنابلة بالتفريق بينهما فقالوا‏:‏ صلاة الليل مثنى مثنى وقالوا في الوتر‏:‏ إن أوتر بخمس، أو سبع لم يجلس إلا في آخرها، وإن أوتر بتسع جلس عقب الثامنة فتشهد، ثم قام قبل أن يسلم فيصلي التاسعة، ثم يتشهد ويسلم، هذا ما قاله صابح زاد المستقنع‏.‏

ومنها أي مما ينبه عليه في رسالتكم أن ظاهر كلامكم ص ‏(‏49‏)‏ في العبادات الواردة على وجوه متعددة تفضيل أحد الوجوه مطلقاً على الآخر‏.‏

وهذا مسلك سلكه بعض العلماء، والصواب أن الأفضل فعل هذا تارة، وهذا تارة ليحصل له العمل بالسنتين جميعاً، إلا أن يكون ورودها على أحد الوجوه لسبب يقتضيه فيقتصر عليه حينئذ‏.‏

هذا ما أردت التنبيه عليه في رسالتكم، وأسأل الله تعالى أن يجعل عمل الجميع خالصاً لوجهه، نافعاً لعباده، إنه جواد كريم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين‏.‏ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏ 22/2/1408هـ‏.‏

 

831- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن الرواتب التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها‏؟‏ وعن ركعتي الضحى، وعن تهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن إعادة الوتر‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ الرواتب التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها عشر كما في حديث ابن عمر – رضي الله عنهما‏(35)‏ -‏:‏ ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل صلاة الصبح، هذه عشر‏.‏

وقالت عائشة – رضي الله عنها‏(36)‏ -‏:‏ ‏(‏كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدع أربعاً قبل الظهر‏)‏ وعلى هذا فتكون الرواتب ثنتي عشرة ركعة، أربعاً قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الصبح، إلا أنه ينبغي في الركعتين قبل الصبح، أمران‏:‏

أحدهما‏:‏ التخفيف‏(37)‏‏.‏

والثاني‏:‏ قراءة ‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ‏}‏ في الركعة الأولى مع الفاتحة، و ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ‏}‏ في الركعة الثانية مع الفاتحة، أو في الركعة الأولى مع الفاتحة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏136‏]‏‏.‏

وفي الركعة الثانية مع الفاتحة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏}‏ ‏(38)‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 64‏]‏‏.‏

وأما ركعتا الضحى ففي صحيح مسلم‏(39)‏ عن عائشة – رضي الله عنها – قالت‏:‏ ‏(‏كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربعاً ويزيد ما شاء الله‏)‏‏.‏ وأقل سنة الضحى ركعتان‏.‏

وأما تهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد سئلت عائشة رضي الله عنها كيف كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان‏؟‏ فقالت‏:‏ ‏(‏ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة‏)‏‏(40)‏‏.‏

فهذا ما كان يصليه النبي عليه الصلاة والسلام في الليل إحدى عشرة ركعة، ولا يزيد على ذلك، ومع هذا فلو أن الإنسان تهجد بأكثر وزاد على إحدى عشرة ركعة فلا حرج عليه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل كما في حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – ما ترى في صلاة الليل‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة فأوترت له ما قد صلى‏)‏‏(41)‏‏.‏ فعلى هذا نقول عدد صلاة الليل ليس محصوراً بإحدى عشرة بل يصلي الإنسان نشاطه‏.‏

وأما إذا أوتر في أول الليل وكان من نيته أن لا يقوم في آخره، فإنه إذا قدر له أن يقوم بعد فإنه يصلي ركعتين حتى يطلع الفجر، ولا بعيد الوتر؛ لأن الوتر ختم به صلاة الليل في ظنه قبل أن ينام، ولكن ينبغي للإنسان الذي من عادته أن يقوم من آخر الليل أن يجعل وتره في آخر الليل كما ثبت فيه الحديث‏:‏ أن ‏(‏من طمع أن يقوم من آخر الليل فليوتر آخره فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل‏)‏‏(42)‏‏.‏

 

832- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن كيفية صلاة النافلة، وكم عدد ركعاتها‏؟‏ وهل لها إقامة‏؟‏ أفيدونا جزاكم الله خيراً‏.‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ جميع النوافل ليس لها أذان ولا إقامة، وإنما الأذان والإقامة للصلوات الخمس والجمعة، أما السنن الرواتب فهي ركعتان قبل الفجر خفيفتان، يقرأ في الأولى ‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ‏}‏‏.‏ وفي الثانية ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ‏}‏‏.‏ أو يقرأ في الأولى ‏{‏قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا‏}‏ ‏[‏البقرة، الآية‏:‏ 136‏]‏‏.‏ إلى آخر الآية، وفي الركعة الثانية يقرأ ‏{‏قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 64‏]‏‏.‏ وذلك بعد الفاتحة‏(43)‏‏.‏

وفي الظهر أربع ركعات قبلها بتسليمتين، وبعدها ركعتين، وأما العصر فلا راتبة لها لا قبلها ولا بعدها، وفي المغرب يصلي ركعتين بعدها، وفي العشاء يصلي ركعتين بعدها، فهذا اثنتا عشرة ركعة‏.‏

وأما صلاة الليل فهي على ركعتين ركعتين بدون حصر‏.‏

وأما الوتر فأقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة ركعة، فإن أوتر بثلاث فله الخيار‏:‏ إن شاء سلم من اثنتين وأتى بركعة ثالثة وحدها، وإن شاء سرد الثلاث جميعاً بتشهد واحد، وإن شاء أوتر بخمس سردهن جميعاً بتشهد واحد، وإن أوتر بسبع سردهن بتشهد واحد، وإن أوتر بتسع سردهن جميعاً، إلا أنه يتشهد في الثامنة، ثم يقوم ويأتي بالتاسعة ويسلم، وإن أوتر بإحدى عشرة ركعة صلى ركعتين ركعتين ويجعل الأخيرة وحدها‏.‏ والله الموفق‏.‏

 

833- وسئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن الفرق بين المسجد والمصلى، وهل أحكامهما واحدة من حيث تحية المسجد وإنشاد الضالة، والبيع، والشراء وغير ذلك‏؟‏ وما حكم تحية المسجد فيما ظهر لكم، وإن قيل بأنها سنة مؤكدة فكيف نوجه أدلة القائلين بالوجوب‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ الفرق بين المصلى والمسجد أن المصلى مكان صلاة فقط، والمسجد معد للصلاة عموماً كل من جاء فيه فإنه يصلي فيه، ويعرف أن هذا وقف لا يمكن بيعه ولا التصرف فيه، وأما المصلى فإنه يمكن أن يترك ولا يصلى فيه، وأن يباع تبعاً للبيت الذي هو فيه وبناء على ذلك يختلف الحكم‏.‏

فالمساجد لابد لها من تحية، ولا تمكث فيها الحائض مطلقاً ولا الجنب إلا بوضوء، ولا يجوز فيه البيع والشراء بخلاف المصلى‏.‏

أما حكم تحية المسجد فالقول بوجوبها قوي جداً لأن النبي صلى الله عليه وسلم قطع الخطبة ليأمر من جلس أن يقوم فيصلي ركعتين‏(44)‏‏.‏ ومن المعلوم أن التشاغل بصلاة الركعتين يوجب التشاغل عن الخطبة وسماع الخطبة واجب، ولا يتشاغل بشيء عن واجب إلا وهو واجب‏.‏

ولكن جمهور أهل العلم على أنها سنة مؤكدة‏.‏ لأنه وردت أحاديث تدل على أنها كذلك‏:‏

فالخطيب إذا دخل يوم الجمعة لا يصلي ركعتين‏.‏

وكذلك قصة الثلاثة الذين دخلوا المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه، فانقسموا، منهم من جلس في الحلقة، ومنهم من جلس وراءها، ومنهم من انصرف‏(45)‏‏.‏ ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على من جلس في الحلقة، أو وراءها، وكذلك ظاهر حديث كعب بن مالك حين دخل المسجد بعد أن تاب الله عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه فقام إليه طلحة، فظاهر القصة أن كعباً لم يصل‏(46)‏‏.‏

والذي يظهر لي أنها ليست بواجبة، ولكنها سنة مؤكدة أقل أحوال تاركها أن يكون قد ارتكب مكروهاً‏.‏

 

834- وسئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن قول بعض العلماء بأن وقت السنن الرواتب القبلية والبعدية هو بدخول وقت الفريضة وينتهي بخروج وقت الفريضة، وقول بعضهم، القبلية تنتهي بقضاء الفريضة فما الراجح في ذلك‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ الراجح أن السنة القبلية وقتها ما بين دخول وقت الصلاة وفعل الصلاة فراتبة الظهر القبلية يدخل وقتها من أذان الظهر أي من زوال الشمس وينتهي بفعل الصلاة أي بصلاة الظهر‏.‏

والسنة البعدية يبتدئ وقتها بانتهاء الصلاة وينتهي بخروج الوقت‏.‏

ولكن إذا فات وقت السنة القبلية من إثر تفريط من الإنسان فإنه يقضيها بعد الصلاة، أما إذا أخر الراتبة القبلية عن وقتها بلا عذر فلا تنفعه ولو قضاها، لأن القول الصحيح أن كل عبادة مؤقتة بوقت إذا خرج وقتها بلا عذر لا تصح ولا تقبل‏.‏

 

835- وسئل فضيلة الشيخ‏:‏ هناك بعض الناس يقدمون من مناطق مختلفة ليعتكفوا العشر الأواخر من رمضان في المسجد الحرام ولكنهم يتركون السنن الرواتب، أرجو الإجابة بالتفصيل، والله يحفظكم‏.‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ الحقيقة أن الإنسان إذا من الله عليه أن يصل إلى هذا المسجد فإنه ينبغي له أن يكثر من الصلاة، سواء كانت من الصلاة المشروعة، أو من الصلوات الأخرى الجائزة، وأمام الإنسان الذي يكون في هذا المكان النوافل المطلقة، يعني إذا قلنا إن المسافر لا يصلي راتبة الظهر، ولا راتبة المغرب، ولا راتبة العشاء فليس معنى ذلك أن نقول‏:‏ لا تصل أبداً، نقول‏:‏ صل وأكثر من الصلاة، والصلاة خير موضوع، والصلاة كما قال الله عز وجل‏:‏ ‏{‏تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 45‏]‏ ولهذا نحن نحث إخواننا على أن يكثروا من نوافل الصلوات في هذا المسجد وإن كانوا مسافرين؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يمنعه السفر من أن يتطوع بالصلاة، بل كان صلى الله عليه وسلم يدع سنة الظهر، وسنة المغرب، وسنة العشاء فقط، وبقية النوافل باقية على استحبابها وحينئذ لا يكون في المسألة إشكال‏.‏

 

836- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ هل من السنة أن يصلي الإنسان قبل المغرب ركعتين بعد الأذان‏؟‏ أفتونا جزاكم الله خير الجزاء‏.‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ نعم من السنة أن يصلي ركعتين قبل صلاة المغرب أي بين الأذان والإقامة فقد أمر بها النبي عليه الصلاة والسلام ثلاث مرات، فقال‏:‏ ‏(‏صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب‏)‏ لكنه قال في الثالثة ‏(‏لمن شاء‏)‏‏(47)‏ كراهية أن يتخذها الناس سنة، أي سنة راتبة، فصلاة ركعتين قبل صلاة المغرب أي بين الأذان والإقامة سنة لكنها ليست راتبة، فلا ينبغي المحافظة عليها دائماً؛ لأنه لو حافظ عليها لكانت راتبة بخلاف الركعتين بعد المغرب فإنها راتبة تسن المحافظة عليها إلا في السفر فإن المسافر لا يسن له أن يأتي براتبة الظهر، أو المغرب، أو العشاء بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏بين كل أذانين صلاة‏)‏‏(48)‏ أي بين كل أذان وإقامة صلاة أي صلاة نافلة لكنها في الفجر، والظهر راتبة، وفي العصر والمغرب، والعشاء غير راتبة‏.‏

رسالة

 

فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله تعالى‏.‏

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏

 

بعض الناس يدخلون في المسجد قبل آذان صلاة المغرب فيصلون ركعتين ثم إذا جاء المؤذن وأذن قاموا وصلوا ركعتين، وكذلك الحال في صلاة العشاء فما حكم صلاة الركعتين التي بعد الأذان‏؟‏ أفيدونا أفادكم الله‏.‏

 

الجواب‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته‏.‏

الصلاة عند دخول المسجد سنة مؤكدة في أي وقت دخل‏.‏ وصلاة الركعتين بين الأذان والإقامة مشروعة أيضاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏بين كل أذانين صلاة‏)‏‏(49)‏‏.‏

 

حرر في /1417هـ‏.‏

837- سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -‏:‏ يصلي بعض الناس ست ركعات بعد المغرب، ويقولون إنها صلاة الأوابين فهل لها أصل‏؟‏ وما حكم التنفل المطلق بين المغرب والعشاء‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ المغرب لها سنة راتبة، وهي ركعتان كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بعدها ركعتين‏.‏

وأما ست ركعات‏(50)‏ التي تسمى صلاة الأوابين فلا أعلم لها أصلاً‏.‏

وأما التنفل المطلق بين المغرب والعشاء فإنه مشروع؛ لأن جميع الأوقات التي ليست بوقت نهي كلها يشرع فيها الصلاة نفلاً مطلقاً، فإن الصلاة خير موضوع، والإكثار منها مما يقرب إلى الله تعالى، وقد مدح الله الذين هم على صلاتهم دائمون‏.‏

 

838- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ هل يؤدي الإنسان راتبة الفجر بعد صلاة الفجر أو يؤخرها حتى يزول وقت النهي‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ الجواب على هذه المسألة ينبني على خلاف العلماء في جواز فعل النوافل ذات السبب في وقت النهي، فمن قال إن النوافل لا يجوز فعلها في وقت النهي ولو كانت ذات سبب، قال إن الرجل إذا فاتته سنة الفجر فلا يجوز له أن يقضيها بعد صلاة الفجر، بل يجب أن يؤخرها حتى ترتفع الشمس قيد رمح وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة رضي الله عنهم‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أن النوافل ذوات الأسباب يجوز أن تفعل في أوقات النهي‏.‏ وهذا القول هو مذهب الإمام الشافعي – رحمه الله – ورواية عن الإمام أحمد – رحمه الله – وبناء على هذا القول يجوز للإنسان أن يصلي سنة الفجر بعد صلاة الفجر بعد الذكر المشروع للصلاة‏.‏

وهذا القول هو الراجح لأن القاعدة‏:‏ ‏"‏أن كل صلاة ذات سبب فلا نهي عنها‏"‏ وذلك مثل تحية المسجد، وسنة الوضوء، وكذلك صلاة الكسوف تفعل في أوقات النهي‏.‏

 

839- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ هل يصلي الإنسان صلاة الاستخارة في وقت النهي‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ صلاة الاستخارة إن كانت لأمر مستعجل لا يتأخر حتى يزول النهي فإنها تفعل، وإن كانت لسبب يمكن أن يتأخر فإنه يجب أن تؤخر‏.‏

 

840- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ إذا صلى الإنسان صلاة الإشراف وقد فاتته سنة الفجر فهل تجزي عن سنة الفجر‏؟‏ وإذا صلى سنة الفجر فهل تجزي عن صلاة الإشراق‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ إذا صلى الإنسان صلاة الإشراق وقد فاتته سنة الفجر، فإنها لا تجزئ عن سنة الفجر وإذا صلى سنة الفجر فقد نقول إنها تجزئ عن صلاة الإشراق؛ لأنه حصل المقصود فصلى الإنسان ركعتين‏.‏

وقد نقول‏:‏ إنها لا تجزئ؛ لأن المقصود أن يصلي الإنسان ركعتين خاصتين بالإشراق، وهذا أحوط، وعلى هذا فيصلي سنة الفجر، ثم ركعتي الإشراق‏.‏ والله أعلم‏.‏

 

841- وسئل فضيلة الشيخ‏:‏ هل ركعتا الفجر مثل صلاة الفجر في اشتراط دخول الوقت‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ ركعتا الفجر مثل صلاة الفجر فلا تصلى سنة الفجر إلا بعد طلوع الفجر، وكذلك سنة الظهر الأولى لا تصلى إلا بعد دخول وقته‏.‏

 

 

 

842- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ كيف تؤدى ركعتا الفجر‏؟‏ وما هي السور التي تقرأ فيها‏؟‏ أفتونا جزاكم الله خيراً‏.‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ ركعتا الفجر إذا كان المراد بهما سنة الفجر فإنها هي راتبة الفجر، وهي قبل الصلاة، ويؤديها الإنسان خفيفة، قالت عائشة رضي الله عنها في وصف فعل النبي صلى الله عليه وسلم لهاتين الركعتين‏:‏ ‏(‏كان يخففهما، حتى أقول‏:‏ أقرأ بأم القرآن‏)‏‏(51)‏ ، ويقرأ مع الفاتحة في الركعة الأولى بـ ‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ‏}‏، وفي الركعة الثانية بـ ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ‏}‏ ‏(52)‏‏.‏ أو في الأولى يقرأ‏:‏ ‏{‏قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 136‏]‏‏.‏ وفي الثانية‏:‏ ‏{‏قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 64‏]‏‏.‏ فإن عرف كلتا الآيتين قرأ بهما أحياناً، وإن لم يعرفهما فيقرأ بالكافرون والإخلاص، ولا حرج عليه‏.‏

وإن كان المراد بهما الفريضة فإن الأفضل التطويل؛ لأن الني صلى الله عليه وسلم كان يطيل فيهما؛ لأنهما ركعتان، وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 78‏]‏‏.‏ ويستحب أن يقرأ في فجر يوم الجمعة بـ ‏{‏الم تَنْزِيل‏}‏ السجدة من الركعتين، أو‏:‏ ‏{‏هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 1‏]‏‏.‏

وليحذر من فعل بعض الناس الذين يخالفون السنة في هذا، فنجدهم يقتصرون على سورة من هاتين السورتين في الركعتين، فيقرأون‏:‏ ‏{‏الم تَنْزِيل‏}‏ السجدة من الركعتين‏:‏ أو‏:‏ ‏{‏هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ‏}‏ فيهما، وهذا خلاف السنة، فإما أن يقرأ بهما، كل سورة في ركعة أو يقرا مما سواهما‏.‏

 

843- وسئل فضيلة الشيخ‏:‏ هل تجزئ تحية المسجد عن سنة صلاة الفجر‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ تحية المسجد لا تجزئ عن سنة الفجر إذا نواها عن التحية وحدها، ولكن إذا نوى سنة الفجر سقطت تحية المسجد‏.‏ وعلى هذا إذا دخلت المسجد ولم تصل راتبة الفجر فصل ركعتين بنية سنة الفجر، ويكفيك ذلك عن تحية المسجد؛ كما لو دخلت المسجد والإمام يصلي الفجر ودخلت معه فإن تحية المسجد تسقط عنك حينئذ، وكذلك يفعل في الأربع التي قبل الظهر‏.‏

واعلم أن الإنسان إذا دخل المسدد في أي وقت فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين، حتى ولو كان الخطيب يخطب يوم الجمعة؛ فقد دخل رجل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فجلس، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أصليت‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ قم فصل ركعتين‏)‏‏(53)‏‏.‏

إلا إذا دخل المسجد الحرام ونيته الطواف فإنه يبدأ بالطواف كما فعل صلى الله عليه وسلم لما دخل المسجد الحرام؛ طاف قبل‏.‏ ولم يصل ركعتي تحية المسجد‏.‏

أما إذا دخله وهو لا يريد الطواف فإنه يصلي ركعتين، فتكون تحيته الركعتين كغيره من المساجد؛ فلا يجلس حتى يصليهما، فينبغي أن نعرف الفرق بين من دخله للطواف ومن دخله لغيره، ومعروف أنه إذا فرغ من الطواف سوف يصلي ركعتين خلف المقام، والله أعلم‏.‏

 

 

844- وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -‏:‏ عن وقت الأربع ركعات التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ ‏(‏رحم الله امرءاً صلى قبل العصر أربعاً‏)‏‏(54)‏ ‏؟‏‏.‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ وقت هذه الأربع ركعات بعد الأذان وقبل الصلاة‏.‏

 

845- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ هل يجوز تأخير السنن القبلية التي قبل صلاة الظهر بحيث نبدأ صلاة الظهر وبعد ساعة تقريباً نصلي السنن القبلية والبعدية، لأن الوقت الذي يسمح لنا بالصلاة فيه في مكان الدراسة خارج المملكة لا يكفي إلا للوضوء والصلاة فقط‏؟‏ أفيدونا جزاكم الله خيراً‏.‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ إذا أخر إنسان السنة القبلية إلى بعد الصلاة، فإن كان لعذر فلا حرج عليه أن يقضيها بعدها وتجزئه، وإذا كان لغير عذر فإنها لا تجزئه، وما ذكرت السائلة من أن الوقت لا يتسع إلا للوضوء ولصلاة الفرض فإنه عذر، وعلى هذا فيجوز قضاء الرواتب القبلية بعد الصلاة، ولكنه في هذه الحال يبدأ أولاً بالسنة البعدية ثم يقضي السنن القبلية‏.‏

 

846- وسئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر لمن لم يتمكن من أدائها قبل الصلاة‏؟‏ وهل يعارض ذلك النهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر لا بأس به على القول الراجح‏.‏

ولا يعارض ذلك حديث النهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر؛ لأن المنهي عنه الصلاة التي لا سبب لها‏.‏

ولكن إن أخر قضاءها إلى الضحى ولم يخش من نسيانها، أو الانشغال عنها فهو أولى‏.‏

 

847- وسئل فضيلة الشيخ‏:‏ إذا دخل الإنسان المسجد قبل الأذان وصلى تحية المسجد، ثم أذن المؤذن فهل يشرع له أن يأتي بنافلة‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ إذا كان الأذان لصلاة الفجر، أو الظهر فإنه إذا أتم المؤذن الأذان يصلي الراتبة ركعتين للفجر، وأربع ركعات قبل الظهر، وإذا كان الأذان لغيرهما فإنه يسن له أن يتطوع أيضاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏بين كل أذانين صلاة‏)‏‏(55)‏‏.‏

 

848- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ هل تقضى الرواتب‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ نعم تقضى الرواتب تبعاً للفرائض كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة نومهم عن صلاة الصبح في السفر حيث صلى النبي صلى الله عليه وسلم الراتبة ثم الفريضة‏(56)‏‏.‏

 

 

849- وسئل فضيلة الشيخ‏:‏ هل تقضى السنن الرواتب، ولو نسي المصلي قراءة سورة مع الفاتحة في الفريضة أو النافلة فما الحكم‏؟‏ وهل يشرع له سجود السهو‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ نعم تقضى الرواتب تبعاً للفرائض كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة نومهم عن صلاة الصبح في السفر حيث صلى النبي صلى الله عليه وسلم الراتبة ثم الفريضة‏.‏

وإذا نسي المصلي قراءة سورة مع الفاتحة فلا شيء عليه، لأن السورة التي بعد الفاتحة لا تجب قراءتها، فغاية أمره أن يكون قد ترك سنة وترك السنة لا شيء فيه، ولا سجود عليه للسهو‏.‏

 

850- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ إذا لم يتمكن الإنسان من أداء راتبة الفجر قبل صلاة الفجر فمتى يقضيها‏؟‏ وما حكم أداءها في البيت‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ يجوز للإنسان إذا فاتته سنة الفجر قبل صلاة الفجر أن يقضيها بعد الصلاة إذا انتهى من التسبيح الوارد خلف الصلاة، وله أن يؤخر القضاء إلى الضحى، لكن إذا كان يخشى أن ينسى، أو ينشغل عنها فإنه يصليها بعد صلاة الفجر‏.‏

وأما صلاته إياها في بيته فهذا هو الأفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها في بيته بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة‏)‏‏(57)‏‏.‏

ولكن إذا علم الإنسان أن الصلاة قد أقيمت في المسجد الذي يريد أن يصلي فيه الفريضة فإنه لا يصليها في البيت لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة‏)‏‏(58)‏‏.‏ وعليه أن يخرج إلى المسجد لقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا‏)‏‏(59)‏‏.‏

 

851- وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -‏:‏ هل تقضى صلاة الليل في النهار على صفتها في الليل‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ صفة قضاءها بالنهار أن تكون شفعاً فإذا كان من عادته أن يوتر بثلاث صلى أربعاً، وإن كان من عادته أن يوتر بخمس صلى ستاً ‏(‏وكان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا غلبه النوم أو وجع صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة‏)‏‏(60)‏‏.‏ هذا إن كان السائل يقصد صلاة الليل النافلة‏.‏

أما إن كان قصده الفريضة مثل أن تفوته صلاة الليل فيقضيها في النهار فإنه يقضيها على صفتها كما جاءت بذلك السنة‏.‏

 

852- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن رجل فاتته ركعة من صلاة الفجر هل يقضيها سراً أو جهراً‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ هو مخير لكن الأفضل أن يتمها سراً لأنه قد يكون هناك أحد يقضي فيشوش عليه لو جهر‏.‏

 

853- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ هل تقضى الرواتب إذا فات وقتها‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ نعم الرواتب إذا ذهب وقتها نسياناً أو لنوم فإنها تقضى، لدخولها في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم‏:‏ ‏(‏من نام عن صلاة أو نسيها فيصليها إذا ذكرها‏)‏‏(61)‏‏.‏ ولحديث أم سلمة – رضي الله عنها – أن النبي صلى الله عليه وسلم شغل عن الركعتين بعد صلاة الظهر وقضاهما بعد صلاة العصر‏[‏رواه البخاري في السهو، باب إذا كلم وهو يصلي فأشار بيده واستمع ‏(‏1176‏)‏، ومسلم في المسافرين/ باب معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما ‏(‏834‏)‏‏.‏‏]‏‏.‏

أما إذا تركها عمداً حتى فات وقتها فإنه لا يقضيها، لأن الرواتب عبادات مؤقتة والعبادات إذا تعمد الإنسان إخراجها عن وقتها لم تقبل منه‏.‏

 

854- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ هل تحية المسجد الحرام الطواف، أو تحية المسجد الحرام صلاة ركعتين‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ اشتهر عند كثير من الناس أن تحية المسجد الحرام الطواف، وليس كذلك، ولكن تحية الطواف لمن أراد أن يطوف، فإذا دخلت المسجد الحرام تريد الطواف فإن طوافك يغني عن تحية المسجد، لكن إذا دخلت المسجد الحرام بنية انتظار الصلاة، أو حضور مجلس العلم، أو ما أشبه ذلك فإن تحيته أن تصلي ركعتين كغيره من المساجد لقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين‏)‏‏(62)‏‏.‏ وهذا يشمل المسجد الحرام، وأما إذا دخلت للطواف فإن الطواف يغني عن التحية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد الحرام للطواف فلم يصل التحية‏.‏

 

855- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ هل تتداخل ركعتا الطواف مع الراتبة‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ حكم هذه المسألة مبني على القول في ركعتي الطواف، فإن قلنا‏:‏ إن الشارع له غرض في ركعتين خلف المقام مستقلتين، فإنها لا تجزئ عن الراتبة؛ لأنها أيضاً مقصودة بذاتها، فلابد حينئذ من صلاة ركعتين خلف المقام، وصلاة راتبة‏.‏

وإذا قلنا‏:‏ إن الشارع قصد صلاة ركعتين بقطع النظر عن كونهما للطواف أو لأي شيء آخر فيجزئ حينئذ أن تتداخل‏.‏

والذي يترجح عندي أنه لابد من صلاة ركعتين لكل واحد منهما للطواف، وللراتبة‏.‏

 

856- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ هل قيام الليل كله مخالف للسنة‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ إذا كان يديم ذلك ويقوم الليل كله فهو مخالف للسنة، لما ثبت في الصحيحين من حديث النفر الثلاثة الذين أتوا يسألون عن عمل النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا بذلك، فكأنهم تقالوا العمل، فقال أحدهم‏:‏ أنا أقوم ولا أنام، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وقال‏:‏ ‏(‏أقوم وأنام، فمن رغب عن سنتي فليس مني‏)‏‏(63)‏‏.‏ وهذا يدل أن قيام الليل كله دائماً خلاف السنة‏.‏

وكذلك عندما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال‏:‏ أنا أصوم أبداً وأقوم أبداً، فمنعه من ذلك‏(64)‏‏.‏

وأما قيام بعض الليالي فقد جاءت به السنة، كما ورد ‏(‏أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل‏)‏‏(65)‏‏.‏

 

857- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ هل صلاة نصف الليل تكفي عن صلاة الضحى‏؟‏ فإن رغبتي أن أصلي نصف الليل والضحى معاً فهل يجوز‏؟‏ وأحياناً إذا صليت العشاء صليت بعدها الوتر خوفاً من أن يغلبني النوم فلا أصلي وأحياناً أقوم نصف الليل وأصلي الوتر مرة أخرى زيادة على صلاتي له بعد صلاة العشاء فما رأيكم في ذلك‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ الجمع بين صلاة الليل وصلاة الضحى لا بأس به فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر أنه يصبح على كل سلامى من الناس صدقة، وعدد ما عدده عليه الصلاة والسلام من أنواع الصدقات قال‏:‏ ‏"‏ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى‏"‏‏(66)‏ وهذا دليل على أن ركعتين في الضحى سنة؛ لأنها تجزئ عن كل الصدقات التي تلزم الإنسان على كل عضو من أعضاءه، وكل مفصل، فالجمع بين صلاة الليل وصلاة الضحى لا بأس به‏.‏

وأما كونها توتر من أول الليل وآخره فإن هذا خطأ فإن الوتر ركعة في آخر الليل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام قال‏:‏ ‏(‏اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً‏)‏‏(67)‏ وقوله‏:‏ ‏(‏لا وتران في ليلة‏)‏‏(68)‏ بل وتر واحد، وعلى هذا فنقول إذا أوترت في أول الليل وهي تخشى أن لا تقوم من آخره، ثم يسر لها القيام في آخر الليل فإنها تصلي مثنى، مثنى ولا تعيد الوتر مرة أخرى، ولكن إذا كانت تطمع أن تقوم من آخر الليل فإن الأفضل أن تؤخر الوتر إلى آخر الليل عند قيامها، فإن لم تقم ولم توتر فإنها تقضي الوتر في النهار، ولكنها تقضيه شفعاً فإذا كان من عادتها أن توتر بثلاث فتصلي أربعاً، وإذا كان من عادتها أن تصلي أربعاً وتوتر بركعة فتصلي ست ركعات، وهكذا تشفع الوتر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غلبه النوم، أو الوجع صلى في النهار ثنتي عشرة ركعة ‏(69)‏‏.‏

858- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن السنن الرواتب مثل سنة الظهر الأربع القبلية هل يجوز للإنسان أن يصليها أربعاً سرداً‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ السنن الرواتب فيها تسليم، أي يصلي الإنسان من الرواتب أربعاً بتسليمتين، لا بتسليمة واحدة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم قال‏:‏ ‏(‏صلاة الليل والنهار مثنى مثنى‏)‏‏(70)‏‏.‏

 

859- وسئل فضيلة الشيخ‏:‏ عفا الله عنه بمنه وكرمه -‏:‏ إذا أدى الإنسان تحية المسجد ثم أذن المؤذن فهل يصلي ركعتين بعد الأذان‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ إذا كان الأذان لصلاة الفجر، أو الظهر فإنه يصلي الراتبة ركعتين للفجر، وأربع ركعات قبل الظهر، وإذا كان الأذان لغيرهما فإنه يسن أن يتطوع أيضاً لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏بين كل أذانين صلاة‏)‏‏(71)‏‏.‏

 

860- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ هل يصلي الإنسان النافلة في المسجد الحرام لمضاعفة الثواب أو يصلي في المنزل لموافقة السنة‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ المحافظة على السنة أولى من فعل غير السنة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة‏)‏‏(72)‏‏.‏ ولم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي النوافل في المسجد، إلا النوافل الخاصة بالمسجد فإنه كان يصليها في المسجد مثل صلاة القدوم، فالإنسان إذا قدم إلى بلده سن له أن يدخل المسجد فيصلي ركعتين قبل أن يدخل البيت، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك وأمر به أيضاً، كما في قصة جابر في بيع الجمل المشهورة لما قدم المدينة قال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏هل دخلت المسجد وصليت فيه‏؟‏ قال‏:‏ لا، قال‏:‏ ادخل فصل فيه‏)‏‏(73)‏.‏ فالمشروع للإنسان إذا قدم بلده أول ما يقدم أن يذهب للمسجد ويصلي ركعتين‏.‏

فالأفضل المحافظة على السنة، وأن يصلي الإنسان الرواتب في بيته، لأن الذي قال‏:‏ ‏(‏أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة‏)‏‏(74)‏ هو الذي قال‏:‏ ‏(‏صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما عداه إلا المسجد الحرام‏)‏‏(75)‏‏.‏ فأثبت الخيرية في مسجده، وبين أن الأفضل أن تصلي غير المكتوبة في البيت‏.‏

وبهذه المناسبة أود أن أبين أن مضاعفة ثواب الصلاة في المسجد الحرام إلى أفضل من مائة ألف تختص بالمسجد الذي فيه الكعبة، ولا تشمل بقية مكة والحرم لما رواه مسلم عن ميمونة – رضي الله عنها – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة‏)‏‏(76)‏‏.‏ ولأن مسجد الكعبة هو المسجد الذي تشد إليه الرحال دون بقية مساجد مكة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد‏:‏ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى‏)‏‏(77)‏‏.‏ فأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى‏}‏‏.‏ فقد ثبت في صحيح البخاري‏(78)‏ أنه أسري به صلى الله عليه وسلم من الحجر حجر الكعبة فيكون المراد بالمسجد الحرام مسجد الكعبة لا عموم مكة‏.‏

وأما ما ثبت من كونه صلى الله عليه وسلم حين أقام في الحديبية يدخل داخل حدود الحرم فيصلي وهو نازل في الحل فهو دليل على أن الصلاة في الحرم أفضل من الصلاة في الحل، ولا يستلزم ذلك حصول خصوصية التفضيل المذكور‏.‏

 

861- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ هل ورد دليل على تغيير المكان لأداء السنة بعد صلاة الفريضة‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ نعم، ورد في حديث معاوية – رضي الله عنه – أنه قال‏:‏ ‏(‏إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن لا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم، أو نخرج‏)‏‏(79)‏‏.‏ فأخذ من هذا أهل العلم أنه ينبغي الفصل بين الفرض وسنته، إما بكلام، أو بانتقال عن مكانه‏.‏

  

862- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ هل يشرع للمصلي أن يتحول من الموضع الذي صلى فيه الفريضة ليصلي النافلة‏؟‏ أفتونا جزاكم الله خيراً‏.‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ قال العلماء‏:‏ إذا صلى الإنسان الفريضة في مكان فإنه ينبغي أن ينتقل إلى مكان آخر استدلالاً بحديث معاوية – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ان لا توصل صلاة بصلاة حتى يخرج أو يتكلم‏.‏ ولأن مما يراعى في الشريعة الفصل بين الفريضة والنافلة‏.‏

ولكن إذا كانت الصفوف مزدوجة فإنه لا ينبغي أن تؤذي الناس بانتقالك من مكان الفريضة إلى مكان آخر لتتنفل فيه، على أنه ينبغي للإنسان أن يصلي جميع النوافل في البيت لقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة‏)‏‏(80)‏‏.‏ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي النوافل إلا في بيته إلا ما تشرع له الجماعة أو ما يختص بالمسجد‏.‏

رسالة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين‏.‏

فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله ورعاه وسدد على طريق الخير خطاه‏.‏

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏

هل من بأس في رفع اليدين عند الدعاء‏:‏

1- بعد أداء السنن والرواتب قبل الصلاة وبعدها‏.‏

2- وعند دعاء الإمام آخر الخطبة يوم الجمعة‏.‏

الجواب‏:‏ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته‏.‏

ليس من المشروع أن الإنسان إذا أتم الصلاة رفع يديه ودعى، وإذا كان يريد الدعاء فإن الدعاء في الصلاة أفضل من كونه يدعو بعد أن ينصرف منها، ولهذا أرشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى ذلك في حديث ابن مسعود – رضي الله عنه – حين ذكر التشهد قال‏:‏ ‏(‏ثم ليتخير من المسألة ما شاء‏)‏‏(81)‏‏.‏

وأما ما يفعله بعض العامة من كونهم كلما صلوا تطوعاً رفعوا أيديهم حتى إن بعضهم تكاد تقول‏:‏ إنه لم يدع؛ لأنك تراه تقام الصلاة وهو في التشهد من تطوعه فإذا سلم رفع يديه رفعاً كأنه – والله أعلم – رفع مجرد، ثم مسح وجهه، كل هذا محافظة على هذا الدعاء الذي يظنون أنه مشروع، وهو ليس بمشروع‏.‏

فالمحافظة عليه إلى هذا الحد يعتبر من البدع‏.‏

وأما رفع الأيدي والإمام يخطب يوم الجمعة فإن ذلك ليس بمشروع أيضاً، وقد أنكر الصحابة على بشر بن مروان حين رفع يديه في خطبة الجمعة‏(82)‏‏.‏

ولكن يستثنى من ذلك الدعاء بالاستسقاء، فإنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه رفع يديه يدعو الله تعالى بالغيث وهو في خطبة الجمعة‏(83)‏ ، ورفع الناس أيديهم معه، وما عدا ذلك فإنه لا ينبغي رفع اليدين في حال الدعاء في خطبة يوم الجمعة‏.‏

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه‏.‏ حرر في 3/6/1407هـ‏.‏

863- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ هل تسقط السنن الرواتب عن المسافر‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ لا تسقط عن المسافر من السنن الرواتب إلا سنة الظهر، وسنة المغرب، وراتبة العشاء، وما عدا ذلك من النوافل فهو باق على مشروعيته، فهو سنة للمسافر والمقيم، وصلاة الليل سنة للمسافر والمقيم، وركعتا الضحى سنة للمسافر والمقيم، وسنة الفجر للمسافر والمقيم‏.‏

ثم المسافر بالنسبة إلى راتبة الظهر، وراتبة المغرب، وراتبة العشاء لو صلى نفلاً، لا على أنه راتبة فالمشروعية باقية لا يقال له‏:‏ لا تفعل‏.‏

 

864- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ إذا دخلت المسجد والمؤذن يؤذن فهل الأولى أن أصلي تحية المسجد أو أتابع المؤذن‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ هذا فيه تفصيل‏:‏ إذا دخلت والمؤذن يؤذن صلاة الجمعة، الأذان الذي بين يدي الخطيب؛ لأنه قد دخل الخطيب وشرع المؤذن في الأذان، فهاهنا نقول‏:‏ بادر بتحية المسجد، ولا تنتظر انتهاء المؤذن؛ لأن تفرغك لسماع الخطبة أولى من متابعتك للمؤذن؛ حيث إن استماع الخطبة واجب، وإجابة المؤذن غير واجبة‏.‏

وأما إذا كان الأذان لغير ذلك‏.‏ فالأفضل أن تبغى قائماً حتى تجيب المؤذن، وتدعو بالدعاء المعروف بعد الأذان‏:‏ ‏(‏اللهم صل على محمد‏(84)‏ ، اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته‏)‏‏(85)‏ ، ‏(‏إنك لا تخلف الميعاد‏)‏‏(86)‏‏.‏ ثم بعد ذلك تأتي بتحية المسجد‏.‏

 

865- وسئل فضلته – حفظه الله تعالى -‏:‏ بعض المصلين يغيرون أماكنهم ويتبادلونها لأداء صلاة السنة‏.‏ فهل لهذا أصل من سنة النبي صلى الله عليه وسلم‏؟‏

فأجاب فضيلة الشيخ بقوله‏:‏ نعم، لهذا أصل، حيث ثبت من حديث معاوية رضي الله عنه أنه قال‏:‏ ‏(‏أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج‏)‏‏(87)‏‏.‏ فهذا يدل على أن الأفضل أن نميز صلاة الفريضة عن صلاة النافلة، وذلك بالانتقال من المكان أو بالتحدث مع الجار، حتى يكون هناك فاصل بين الفرض وسنته، وقد قال بذلك أهل العلم بأنه ينبغي الفصل بين الفرض وسنته بالكلام، أو الانتقال من موضعه‏.‏

 

866- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ سمعت أن الإنسان إذا صلى سنة، لا يجوز له تركها أبداً، ما مدى صحة ذلك‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ الإنسان لا يلزم بغير ما أوجب الله عليه، فإذا قام بالفرائض من الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، فإن التطوع هو فيه مخير، إن شاء فعله، وإن شاء لم يفعله، ولا يلزم التطوع إذا فعله مرة أو مرتين ثم تركه فلا حرج عليه في ذلك‏.‏

لكن ‏(‏كان من عادة الرسول صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملاً أثبته‏)‏‏(88)‏‏.‏ يعني داوم عليه، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل‏)‏‏(89)‏ ، وقال لعبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما -‏:‏ ‏(‏يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل‏)‏‏(90)‏ ، ويدل على أن قيام الليل للإنسان أن يفعله مرة، ويدعه مرة قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من خاف أن لا يقوم آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم من آخره فليوتر آخره فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل‏)‏‏(91)‏ ، فبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإنسان يخاف أن لا يقوم ويطمع أن يقوم‏.‏

وعلى كل حال فالأصل أن الإنسان لا يجب عليه إلا ما أوجبه الله عليه من الواجبات الأصلية الثابتة بأصل الشرع، أو من الواجبات العارضة التي يلزم الإنسان بها نفسه كالنذر‏.‏

 

867- سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -‏:‏ عن حكم ركعتي الفجر بالفاتحة دون قراءة سورة معها‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ لا حرج أن يقتصر على الفاتحة في ركعتي الفجر، لكن الأفضل أن يقرأ مع الفاتحة في الركعة الأولى‏:‏ الكافرون، وفي الثانية‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ‏}‏‏.‏

 

868- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن رجل فاتته صلاة الفجر مع الجماعة فهل يصلي الراتبة أو الفريضة، مع العلم بأن الجماعة قد خرجوا‏؟‏ أفتونا مأجورين‏.‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ يقدم الراتبة على الفريضة؛ لأن سنة الفجر قبل الفريضة، ولو خرج المصلون من المسجد‏.‏

 

869- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن رجل جلس حتى الإشراق ولم يصل راتبة الفجر فهل تجزئ سنة الإشراق عن راتبة الفجر‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ هل نقول إلى الإشراق، أو إلى الشروق‏؟‏

الشروق‏:‏ طلوع الشمس دون أن ترتفع قيد رمح، والإشراق‏:‏ انتشار ضوئها، المهم إذا صليت صلاة الإشراق فإنها لا تجزئ عن سنة الفجر، وإذا صليت سنة الفجر فإنها لا تجزئ عن صلاة الإشراق، لأن الظاهر أن يصلي ركعتين خاصتين بالإشراق وهذا أحوط، فصل سنة الفجر، ثم صل صلاة الإشراق‏.‏

 

870- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ سمعت حديثاً وهو‏:‏ ‏(‏من صلى الفجر في جماعة، ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة، تامة، تامة‏)‏‏(92)‏ ، السؤال‏:‏ هل هذا الحديث صحيح أو ضعيف‏؟‏ وجزاكم الله خيراً‏.‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ هذا الحديث له شاهد في صحيح مسلم‏(93)‏ ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حسناً، لكن الذي في الصحيح ليس فيه ذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد ذلك، والحديث الذي ذكره السائل لا بأس به، إسناده حسن‏.‏

  

771- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ هل يجوز أن ننوي أكثر من عبادة في عبادة واحدة، مثل إذا دخل المسجد عند أذان الظهر صلى ركعتين فنوى بها تحية المسجد، وسنة الوضوء، والسنة الراتبة للظهر، فهل يصح ذلك‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ هذه القاعدة مهمة وهي‏:‏ ‏"‏هل تتداخل العبادات‏؟‏‏"‏ فنقول‏:‏ إذا كانت العبادة تبعاً لعبادة أخرى فإنه لا تداخل بينهما، هذه قاعدة، مثال ذلك‏:‏ صلاة الفجر ركعتان، وسنتها ركعتان، وهذه السنة مستقلة، لكنها تابعة، يعني هي راتبة للفجر مكملة لها، فلا تقوم السنة مقام صلاة الفجر، ولا صلاة الفجر مقام السنة؛ لأن الراتبة تبعاً للفريضة، فإذا كانت العبادة تبعاً لغيرها، فإنها لا تقوم مقامها، لا التابع ولا الأصل‏.‏

مثال آخر‏:‏ الجمعة لها راتبة بعدها، فهل يقتصر الإنسان على صلاة الجمعة ليستغني بها عن الراتبة التي بعدها‏؟‏

الجواب‏:‏ لا، لماذا‏؟‏ لأن سنة الجمعة تابعة لها‏.‏

ثانياً‏:‏ إذا كانت العبادتان مستقلتين، كل عبادة مستقلة عن الأخرى، وهي مقصودة لذاتها، فإن العبادتين لا تتداخلان، مثال ذلك‏:‏ لو قال قائل‏:‏ أنا سأصلي ركعتين قبل الظهر أنوي بهما الأربع ركعات؛ لأن راتبة الظهر التي قبلها أربع ركعات بتسليمتين، فلو قال‏:‏ سأصلي ركعتين وأنوي بهما الأربع ركعات فهذا لا يجوز؛ لأن العبادتين هنا مستقلتان كل واحدة منفصلة عن الأخرى، وكل واحدة مقصودة لذاتها، فلا تغني إحداهما عن الأخرى‏.‏

مثال آخر‏:‏ بعد العشاء سنة راتبة، وبعد السنة وتر، والوتر يجوز أن نصلي الثلاث بتسليمتين، فيصلي ركعتين ثم يصلي الوتر، فلو قال‏:‏ أنا أريد أن أجعل راتبة العشاء عن الشفع والوتر وعن راتبة العشاء‏؟‏ فهذا لا يجوز؛ لأن كل عبادة مستقلة عن الأخرى، ومقصودة بذاتها فلا يصح‏.‏

ثالثاً‏:‏ إذا كانت إحدى العبادتين غير مقصودة لذاتها، وإنما المقصود فعل هذا النوع من العبادة فهنا يكتفى بإحداهما عن الأخرى، لكن يكتفي بالأصل عن الفرع، مثال ذلك‏:‏ رجل دخل المسجد قبل أن يصلي الفجر وبعد الأذان، فهنا مطالب بأمرين‏:‏ تحية المسجد، لأن تحية المسجد غير مقصودة بذاتها، فالمقصود أن لا تجلس حتى تصلي ركعتين، فإذا صليت راتبة الفجر، صدق عليك أن لم تجلس حتى صليت ركعتين، وحصل المقصود فإن نويت الفرع، يعني نويت التحية دون الراتبة لم تجزئ عن الراتبة؛ لأن الراتبة مقصودة لذاتها والتحية ليست مقصودة ركعتين‏.‏

أما سؤال السائل‏:‏ وهو إذا دخل المسجد عند أذان الظهر صلى ركعتين فنوى بهما تحية المسجد، وسنة الوضوء، والسنة الراتبة للظهر‏؟‏

إذا نوى بها تحية المسجد والراتبة، فهذا يجزئ‏.‏

وأما سنة الوضوء ننظر هل قول الرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه‏)‏‏(94)‏‏.‏ فهل مراده صلى الله عليه وسلم أنه يوجد ركعتان بعد الوضوء، أو أنه يريد إذا توضأت فصل ركعتين، ننظر إذا كان المقصود إذا توضأت فصل ركعتين، صارت الركعتان مقصودتين، وإذا كان المقصود أن من صلى ركعتين بعد الوضوء على أي صفة كانت الركعتان، فحينئذ تجزئ هاتان الركعتان عن سنة الوضوء، وتحية المسجد، وراتبة الظهر، والذي يظهر لي والعلم عند الله أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم ‏(‏ثم صلى ركعتين‏)‏ لايقصد بهما ركعتين لذاتيهما، إنما المقصود أن يصلي ركعتين ولو فريضة، وبناء على ذلك نقول‏:‏ في المثال الذي ذكره السائل‏:‏ إن هاتين الركعتين تجزئان عن تحية المسجد، والراتبة، وسنة الوضوء‏.‏

مثال آخر‏:‏ رجل اغتسل يوم الجمعة من الجنابة فهل يجزئه عن غسل الجمعة‏؟‏

إذا نوى بغسله الجنابة غسل الجمعة يحصل له لقول الرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏وإنما لكل امرئ ما نوى‏)‏‏(95)‏‏.‏ لكن إذا نوى غسل الجنابة فهل يجزئ عن غسل الجمعة، ننظر هل غسل الجمعة مقصود لذاته، أو المقصود أن يتطهر الإنسان لهذا اليوم؛ المقصود الطهارة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا‏)‏‏(96)‏ إذن المقصود من هذا الغسل أن يكون الإنسان نظيفاً يوم الجمعة، وهذا يحصل بغسل الجنابة، وبناء على ذلك لو اغتسل الإنسان من الجنابة يوم الجمعة أجزأه عن غسل الجمعة، وإن كان لم ينو، فإن نوى فالأمر واضح، فصار عندنا الآن ثلاث قواعد‏.‏

 872- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن صلاة الإشراق هل هي الضحى‏؟‏ وهل تصلى في البيت أو في المسجد‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ صلاة الإشراق وهي التي تصلى بعد أن ترتفع الشمس قيد رمح ومقدار ذلك بالساعة أن يمضي على طلوع الشمس ربع ساعة أو نحو ذلك‏.‏ هذه هي صلاة الإشراق، وهي صلاة الضحى أيضاً؛ لأن صلاة الضحى من حين أن ترتفع الشمس قيد رمح إلى قبيل الزوال، وهي في آخر الوقت أفضل منها في أوله‏.‏

وخلاصة الجواب أن ركعتي الضحى هما ركعتا الإشراق، لكن إن قدمت الركعتين في أول الوقت وهو ما بعد أن ترتفع الشمس قيد رمح فتكون صلاة إشراق وضحى، وإن أخرتهما إلى آخر الوقت فهما ضحى وليل بإشراق‏.‏

 

873- وسئل فضيلة الشيخ‏:‏ ما أقل صلاة الضحى وما أكثرها‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ أقلها ركعتان، وأما أكثرها فلا حد لها، يصلي الإنسان نشاطه‏.‏

 

874- سئل فضيلة الشيخ‏:‏ إذا فاتت سنة الضحى هل تقضى أم لا‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ الضحى إذا فات محلها فاتت؛ لأن سنة الضحى مقيدة بهذا، لكن الرواتب لما كانت تابعة للمكتوبات صارت تقضى وكذلك الوتر لما ثبت في السنة ‏(‏أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إذا غلبه النوم، أو المرض في الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة‏)‏‏(97)‏ فالوتر يقضى أيضاً‏.‏

 

875- وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -‏:‏ متى يبدأ وقت صلاة الضحى‏؟‏ ومتى ينتهي‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ وقت صلاة الضحى من ارتفاع الشمس قدر رمح يعني حوالي ربع ساعة أو ثلث ساعة بعد طلوعها، إلى قبيل الزوال، وقبيل الزوال ما بين عشر دقائق إلى خمس دقائق فقط، وهذا هو أقصر أوقات النهي على القول الراجح‏.‏