فصل: تفسير الآية رقم (92):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: محاسن التأويل



.تفسير الآية رقم (92):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [92].
{وَهَذَا} يعني: القرآن {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} أي: كثير المنافع والفوائد، لاشتماله على منافع الدارين، وعوم الأولين والآخرين، وما لا يتناهى من الفوائد.
قال الرازي: العلوم إما نظرية، وإما عملية. فالأولى أشرفها. وأكملها معرفة ذات الله وصفاته وأفعله وأحكامه وأسمائه. ولا ترى هذه العلوم أكمل ولا أشرف مما تجده في هذا الكتاب.
وأما الثانية: فالمطلوب إما أعمال الجوارح، وإما أعمال القلوب، وهو المسمى بطهارة الأخلاق، وتزكية النفس. ولا تجد هذين العلمين مثل ما تجده في هذا الكتاب. ثم جرت سنة الله تعالى بأن الباحث عنه، والمتمسك به، يحصل له عز الدنيا، وسعادة الآخرة. انتهى. قال الخفاجيّ: وقد شوهد ذلك في كل عصر.
{مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ}، أي: من التوراة أو من الكتب التي أنزلت قبله، في إثبات التوحيد، والأمر به، ونفي الشرك، والنهي عنه. وفي سائر أصول الشرائع التي لا تنسخ.
{وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى} يعني: مكة. سميت بذلك لأنها مكان أول بيت وضع للناس، ولأنها قبلة أهل القرى كلها ومحجهم، ولأنها أعظم القرى شأناً، وغيرها كالتبع لها، كما يتبع الفرع الأصل. وفي ذكرها بهذا الاسم، المنبئ عما ذكر، إشعار بأن إنذار أهلها مستتبع لإنذار أهل الأرض كافة {وَمَنْ حَوْلَهَا} من أطراف الأرض، شرقاً وغرباً. كما قال في الآية الأخرى: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19]. وقوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} [الأعراف: 158]. وقال: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [الفرقان: 1]. وقال تعالى: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عِمْرَان: 20].
وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، وذكر منهن: وكان النبيّ يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة».
{وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} فإن من صدق بالآخرة خاف العاقبة، ولا يزال الخوف يحمله على النظر والتدبر، حتى يؤمن بالنبيّ والكتاب- والضمير يحتملها- ويحافظ على الصلاة. والمراد بها إما الطاعة مجازاً، أو حقيقتها، وتخصيصها لكونها أشرف العبادات بعد الإيمان، وأعظمها خطراً.
قال الرازي: ألا ترى أنه لم يقع اسم الإيمان على شيء من العبادات الظاهرة إلا على الصلاة، كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 143]. أي: صلاتكم. ولم يقع اسم الكفر على شيء من المعاصي إلا على ترك الصلاة. قال عليه الصلاة والسلام: «من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر». فلما اختصت الصلاة بهذا النوع من التشريف، لا جرم خصها الله بالذكر في هذا المقام. انتهى.
أقول: الحديث المذكور رواه الطبرانيّ في أوسط معاجمه عن أنس وصحح. وتمامه: «فقد كفر جهراً»- كما في الجامع الصغير-.
أخرج ابن أبي حاتم عن مسروق، قال في هذه الآية: أي: يحافظون على مواقيتها.

.تفسير الآية رقم (93):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [93].
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً} أي: اختلق إفكاً، فجعل له شركاء أو ولداً، أو أحكاماً في الحل والحرمة، كعمرو بن لحيّ وأشباهه، ممن جعل قوله قول الله {أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} ممن ادعى النبوة كذباً، وهذا يزيد على الافتراء في دعوى النبوة.
قال البقاعي: هذا تهديد على سبيل الإجمال، كعادة القرآن الجميل، يدخل فيه كل من اتصف بشيء من ذلك، كمسيلمة والأسود العنسيّ وغيرهما، ثم قال: رأيت في كتاب غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود لابن يحيى المغربي الذي كان من علمائهم في حدود سنة 560 ثم هداه الله للإسلام فبين فضائحهم: إن الربانيين منهم زعموا أن الله يوحي إلى جميعهم في كل يوم مرات. ثم قال: إن الربانيين أكثرهم عدداً، يزعمون أن الله يخاطبهم في كل مسألة بالصواب، وهذه الطائفة أشد اليهود عداوة لغيرهم في الأمم. انتهى.: {وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} أي: ومن ادعى أنه يعارض ما جاء من عند الله من الوحي مما يفتريه من القول، كالنضر بن الحارث. وهذا كقوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا} [الأنفال: 31].
قال المهايمي: أي: ومن أنكر إعجاز القرآن حتى قال: سأنزل مثل ما أنزل الله، مع أنه قد عرف إعجازه، فكأنه ادعى لنفسه قدرة الله، فكأنه ادعى الإلهية لنفسه، ولا يجترئ على هذه الوجوه من الظلم من يؤمن بالآخرة. فيعلم ما للظالمين فيها، المبيَّن بقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ}. أي: شدائده وسكراته وكرباته {وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ} أي: بالضرب والعذاب، كقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال: 50].
{أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} أي: قائلين لهم: أخرجوا إلينا أرواحكم من أجسادكم، تغليظاً وتوبيخاً وتعنيفاً عليهم. وقد جنح بعضهم إلى أن ما ذكر من مجاز التمثيل. أي: فشبه فعل الملائكة في قبض أرواحهم، بفعل الغريم الذي يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف في استيفاء حقه من غير إمهال. وفي الكشف أنه كناية عن ذلك، ولا بسط ولا قول حقيقة. قال الناصر في الانتصاف: ولا حاجة إلى ذلك. والظاهر أنهم. يفعلون معهم هذه الأمور حقيقة، على الصور المحكية. وإذا أمكن البقاء على الحقيقة، فلا معدل عنها. انتهى.
وقال الحافظ ابن كثير: إن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال والأغلال والسلاسل والجحيم والحميم وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرق روحه في جسده، وتعصى، وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم، قائلين لهم: أخرجوا أنفسكم. انتهى.
أقول: مما يؤيد الحقيقة آية: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى} المتقدمة، فإنها صريحة ومراعاة النظائر القرآنية أعظم ما يفيد في باب التأويل.
قال السيوطي في الإكليل: في هذه الآية حال الكافر عند القبض، وعذاب القبر. واستدل بها محمد بن قيس على أن لملك الموت أعواناً من الملائكة- أخرجه ابن أبي حاتم-.
{الْيَوْمَ} أي: وقت الإماتة، أو الوقت الممتد من الإماتة إلى ما لا نهاية له {تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} أي: الهوان الشديد {بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ} كالتحريف ودعوى النبوة الكاذبة. وهو جراءة على الله متضمنة للاستهانة به- قاله المهايمي- {وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} حتى قال بعضكم: سأنزل مثل ما أنزل الله.

.تفسير الآية رقم (94):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [94].
{وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا} أي: للحساب والجزاء: {فُرَادَى} أي: منفردين عن الأموال والأولاد، وما أثرتموه من الدنيا. أو عن الأعوان والأوثان التي زعمتم أنها شفعاؤكم. و{فرادى} جمع فريد، كأسير وأسارى.
{كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي: مشبهين ابتداء خلقكم، حفاة عراة غرلاً يعني قلفاً.
روى الشيخان عن ابن عباس قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: «أيها الناس! إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلاً» {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}.
ورويا أيضاً عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تحشرون حفاة عراة غرْلاً. قالت عائشة: فقلت يا رسول الله! الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: الأمر أشد من أن يهمهم ذلك».
وروى الطبري بسنده عن عائشة أنها قرأت قول الله عزَّ وجل: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} فقالت: يا رسول الله! واسوأتاه! إن الرجال والنساء يحشرون جميعاً ينظر بعضهم إلى سوأة بعض! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه. لا ينظر الرجال إلى النساء، ولا النساء إلى الرجال، شُغِل بعضهم عن بعض».
{وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ} ما تفضلنا به عليكم في الدنيا، فشغلتم به عن الآخرة من الأموال والأولاد والخدم والخول: {وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} يعني: في الدنيا، ولم تحملوا منه نقيراً. كناية عن كونهم لم يصرفوه إلى ما يفيد في الآخرة.
وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول ابن آدم: مالي! مالي! وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟ وزاد في رواية: وما سوى بذلك فهو ذاهب وتاركه للناس.
{وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} أي: لله في الربوبية، واستحقاق العبادة {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} قُرئ بالرفع. أي: شملكم. فإن البين من الأضداد، يستعمل للوصل والفصل. وبالنصب على إضمار الفاعل، لدلالة ما قبله عليه. أي: تقطع الأمر، أو الاشتراك، أو وصلكم بينكم. أو على إقامته مقام موصوفه والأصل: لقد تقطع ما بينكم، وقد قُرئ به. أي: تقطع ما بينكم من الأسباب والوصلات.
{وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} أي: ذهب عنكم ما زعمتم من رجاء الأنداد والأصنام، كقوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 166- 167]. وقال تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: 101] {وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} [العنكبوت: 25]، والآيات في هذا كثيرة جدًّا.

.تفسير الآية رقم (95):

القول في تأويل قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [95].
{إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} شروع في بعض مبدعاته الدالة على كمال قدرته، وعلمه وحكمته، إثر تقرير شأن توحيده تعالى، وذلك للتنبيه على أن المقصود الأعظم هو معرفته سبحانه وتعالى بجميع صفاته وأفعاله، وأنه مبدع الأشياء وخالقها. ومن كان كذلك كان هو المستحق للعبادة، لا هذه الأصنام التي كانوا يعبدونها، ولتعريف خطئهم في الإشراك الذي كانوا عليه. والمعنى: أن الذي يستحق العبادة دون غيره، هو الله الذي فلق الحب عن النبات، والنواة عن النخلة.
وفي معنى {فالق} قولان:
أحدهما- أنه بمعنى خالق. وهو قول ابن عباس في رواية العوفيّ عنه. وبه قال الضحاك ومقاتل. قال الواحديّ: ذهبوا بـ: {فالق} مذهب {فاطر}. وأنكر الطبري هذا، وقال: لا يعرف في كلام العرب فلق الله الشيء، بمعنى خلق. ونقل الأزهريّ عن الزجاج جوازه. وكذا المجد في القاموس.
قال الرازي: الفطر هو الشق، وكذلك الفلق. فالشيء قبل أن دخل في الوجود كان معدوماً محضاً، ونفياً صرفاً. والعقل يتصور من العدم ظلمة متصلة لا انفراج فيها، ولا انفلاق، ولا انشقاق. فإذا أخرجه المبدع الموجود من العدم إلى الوجود، فكأنه بحسب التخيل والتوهم شق ذلك العدم وفلقه. وأخرج الحدث من ذلك الشق. فهذا التأويل لا يبعد حمل الفالق على الموجد والمبدع.
والقول الثاني- وهو قول الأكثرين: أن الفلق هو الشق. وفي معناه وجهان:
أحدهما- مروي عن ابن عباس قال: فلق الحبة عن السنبلة، والنواة عن النخلة. وهو قول الحسن والسدّي وابن زيد. قال الزجاج: يشق الحبة اليابسة، والنواة عن اليابسة، فيخرج منها ورقاً أخضر.
الوجه الثاني- وهو قول مجاهد: أنه الشقان اللذان في الحب والنوى.
وضعف بأنه لا دلالة فيه على كمال القدرة.
و{الحب}: ما ليس له نوى، كالحنطة والشعير والأرز.
و{النوى}: جمع نواة، وهو الموجود في داخل الثمرة، مثل نوى التمر والخوخ وغيرهما.
قال الإمام الرازي: إذا عرفت ذلك، فنقول: إنه إذا وقعت الحبة أو النواة في الأرض الرطبة، ثم مرّ به قدر من المدة، أظهر الله تعالى في تلك الحبة والنواة من أعلاها شقّاً، ومن أسفلها شقّاً آخر، فالأول يخرج منه الشجرة الصاعدة إلى الهواء والثاني يخرج منه الشجرة الهابطة في الأرض، المسماة بعروق الشجرة. وتصير تلك الحبة والنواة سبباً لاتصال الشجرة الصاعدة في الهواء بالشجرة الهابطة في الأرض. ثم إن ههنا.
عجائب:
فإحداها- أن طبيعة الشجرة، إن كانت تقتضي الهويَّ في عمق الأرض، فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة في الهواء؟ وإن كانت تقتضي الصعود في الهواء، فكيف تولدت منها الشجرة الهابطة في الأرض؟ فلما تولد منها الشجرتان، مع أن الحس والعقل يشهد بكون طبيعة إحدى الشجرتين مضادة لطبيعة الشجرة الأخرى- علمنا أن ذلك ليس بمقتضى الطبع والخاصية، بل بمقتضى الإيجاد والإبداع والتكوين والاختراع.
وثانيها- أن باطن الأرض جرم كثيف صلب، لا تنفذ المسلّة القوية فيه، ولا يغوص السكين الحادّ القوي فيه. ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق في غاية الدقة واللطافة بحيث لو دلكها الإنسان بإصبعه بأدنى قوة، لصارت كالماء، ثم إنها مع غاية اللطافة تقوى على النفوذ في تلك الأرض الصلبة، والغوص في بواطن تلك الأجرام الكثيفة. فحصول هذه القوى الشديدة، لهذه الأجرام الضعيفة التي هي في غاية اللطافة، لا وأن يكون بتقدير العزيز الحكيم.
وثالثها- أنه يتولد من تلك النواة شجرة، ويحصل في تلك الشجرة طبائع مختلفة، فإنَّ قشر الخشبة له طبيعة مخصوصة، وفي داخل ذلك القشر جرم الخشبة، وفي تلك الخشبة جسم رخو ضعيف يشبه، العهن المنفوش. ثم إنه يتولد من ساق الشجرة أغصانها، ويتولد على الأغصان الأوراق أولاً، ثم الأزهار والأنوار ثانياً، ثم الفاكهة ثالثاً. ثم قد يحصل للفاكهة أربعة أنواع من القشر: مثل الجوز، فإن قشره الأعلى هو ذلك الأخضر، وتحته ذلك القشر الذي يشبه الخشب، وتحته ذلك القشر الذي هو كالغشاء الرقيق المحيط باللب، وتحته ذلك اللب وذلك اللب مشتمل على جرم كثيف، وهو أيضاً كالقشر، وعلى جرم لطيف، وهو الدهن. وهو المقصود الأصلي. فتولد هذه الأجسام المختلفة في طبائعها وصفاتها وألوانها وأشكالها وطعومها، مع تساوي تأثيرات الطبائع والنجوم والفصول الأربعة، والطبائع الأربعة- يدل على أنها إنما حدثت بتدبير الحكيم الرحيم المختار القادر، لا بتدبير الطبائع والعناصر. ورابعها- أنك قد تجد الطبائع الأربع حاصلة في الفاكهة الواحدة، فالأترنج: قشره حارّ يابس، ولحمه بارد رطب، وحماضه بارد يابس، وبزره حار يابس. وكذلك العنب: قشره وعجَمَهُ بارد يابس، وماؤه ولحمه حارٍ رطب. فتولد هذه الطبائع المتضادة، والخواص المتنافرة عن الحبة الواحدة- لابد وأن يكون بإيجاد الفاعل المختار.
وخامسها- أنك تجد الفواكه مختلفة، فبعضها يكون اللب في الداخل، والقشرة في الخارج، كما في الجوز واللوز. وبعضها يكون الفاكهة المطلوبة في الخارج، وتكون الخشبة في الداخل، كالخوخ والمشمش. وبعضها يكون النواة لها لبّ، كما في نوى المشمش والخوخ. وبعضها لا لب له، كما في نوى التمر. وبعض الفواكه لا يكون له من الداخل والخارج قشر، بل يكون كله مطلوباً، كالتين. فهذه أحوال مختلفة في هذه الفواكه. وأيضاً هذه الحبوب مختلفة في الأشكال والصور، فشكل الحنطة كأنه نصف دائرة، وشكل الشعير كأنه مخروطان اتصلا بقاعدتهما، وشكل العدس كأنه دائرة، وشكل الحمص على وجه آخر. فهذه الأشكال المختلفة لابد وأن تكون لأسرار وحكمٍ، علم الخالق أن تركيبها لا يكمل إلا على ذلك الشكل. وأيضاً فقد أودع الخالق تعالى في كل نوع من أنواع الحبوب خاصية أخرى. ومنفعة أخرى. وأيضاً تكون الثمرة الواحدة غذاء لحيوانٍ، وسمّاً لحيوان آخر، فاختلاف هذه الصفات والأشكال والأحوال، مع اتحاد الطبائع، وتأثيرات الكواكب،يدل على أن كلها إما حصلت بتخليق الفاعل المختار الحكيم.
وسادسها- أنك إذا أخذت ورقة واحدة من أوراق الشجرة، وجدت خطّاً واحداً مستقيماً في وسطها، كأنه بالنسبة إلى تلك الورقة كالنخاع بالنسبة إلى بدن الإنسان. وكما أنه ينفصل من النخاع أعصاب كثيرة، يمنه ويسرة، في بدن الإنسان، ثم لا يزال ينفصل عن كل شعبة شعب أُخر ولا تزال تستدق حتى تخرج عن الحس والأبصار، بسبب الصغر- فكذلك في تلك الورقة قد ينفصل عن ذلك الخط الكبير الوسطاني خطوط منفصلة، وعن كل واحد منها خطوط مختلفة أخرى أدق من الأولى، ولا يزال يبقى على هذا المنهج، حتى تخرج تلك الخطوط عن الحس والبصر. الخالق تعالى إنما فعل ذلك، حتى أن القوى الجاذبة المركوزة في جرم تلك الورقة، تقوى على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة. فلما وقفت على عناية الخالق في إيجاد تلك الورقة الواحدة، عملت أن عنايته في تخليق جملة تلك الشجرة أكمل، وعرفت أن عنايته في تكوين جملة النبات أكمل، ثم إذا عرفت أنه تعالى إنما خلق جملة النبات لمصلحة الحيوان، علمت أن عنايته بتخليق الحيوان أكمل. ولما عرفت أن المقصود من تخليق جملة الحيوانات هو الإنسان، علمت أن عنايته في تخليق الإنسان أكمل. ثم إنه تعالى خلق النبات والحيوان في هذا العالم ليكون غداء ودواءً للإنسان بحسب جسده، والمقصود من تخليق الإنسان هو المعرفة والمحبة والخدمة،كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]. فانظر أيها المسكين بعين رأسك في تلك الورقة الواحدة من تلك الشجرة، واعرف كيفية تلك العروق والأوتار فيها، ثم انتقل من مرتبة إلى ما فوقها، حتى تعرف أن المقصود الأخير منها حصول المعرفة والمحبة في الأرواح البشرية، فحينئذ ينفتح لك باب من المكاشفات لا آخر له، ويظهر لك أن أنواع نعم الله في حقك غير متناهية، كما قال: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34]. وكل ذلك إنما ظهر من كيفية خلقة تلك الورقة من الحبة والنواة. فهذا كلام مختصر في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى}. ومتى وقف الإنسان عليه أمكنه تفريقها وتشعيبها إلى ما لا آخر له. ونسأل الله التوفيق والهداية. انتهى كلام الرازي رحمه الله تعالى.
{يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} كالحيوان من النطفة، والنبات الغض الطريّ من الحب اليابس {وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ} كالنطفة والحب: {مِنَ الْحَيِّ} كالحيوان والنبات.
{ذَلِكُمُ اللَّهُ} أي: الفالق للحب والنوى، والمخرج الحيّ من الميت وعكسه، هو الله، القادر العظيم الشأن، المستحق للعبادة وحده.
{فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} أي: تصرفون عنه إلى غيره.
قال الرازي: والمقصود منه أن الحيّ والميت متضادان متنافيان، فحصول المثل عن المثل، يوهم أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية. أما حصول الضد من الضد فيمتنع أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية. بل لابد وأن يكون بتقدير المقدر الحكيم، والمدبر العليم.
تنبيه:
ذهب الزمخشري ومن تبعه إلى أن قوله تعالى: {وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ} عطف على: {فَالِقُ} لا على: {يُخْرِجُ الْحَيَّ}. لأنه بيان لفالق الحب والنوى، وهذا لا يصلح للبيان وإن صح عطف الاسم المشتق على الفعل وعكسه، كقوله: {صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ} [الملك: 19]. والصحيح أنه معطوف على: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} واشتماله على زيادة فيه، لا يضر ذلك بكونه بياناً. كما أن: {مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} بيان مع شموله للحيوان والنبات. وفيه من البديع التبديل، كقوله تعالى: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} [الحج: 61].
قال في الانتصاف: وقد وردا جميعاً بصيغة الفعل كثيراً في قوله: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} [الروم: 19]. وقوله: {أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيّ} [يونس: 31] فعطفُ أحد القسمين على الآخر، كثيراً دليلٌ على أنهما توأمان مقترنان، وذلك يبعد قطعه عنه في آية الأنعام هذه وردّه إلى: {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} فالوجه- والله أعلم- أن يقال: كان الأصل وروده بصيغة اسم الفاعل أسوة أمثاله من الصفات المذكورة في هذه الآية من قوله: {فَالِقُ الْحَبِّ} و{فَالِقُ الإِصْبَاحِ} و{وَجَعَلَ اللَّيْلَ} و{وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} إلا أنه عدل عن اسم الفاعل إلى الفعل المضارع في هذا الوصف وحده، وهو قوله: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} إرادة لتصوير إخراج الحيّ من الميت، واستحضاره في ذهن السامع. وهذا التصوير والاستحضار إنما يتمكن في أدائها الفعلُ المضارع دون اسم الفاعل والماضي. وقد مضى تمثيل ذلك بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} [الحج: 63] فعدل عن الماضي المطابق لقوله: {أَنزَلَ} لهذا المعنى، ومنه ما في قوله:
بأنّي قَدْ لَقِيتُ الغُولَ تَهْوِي ** بسَهْبٍ كالصحيفةِ صَحْصَحَان

فَأَضربُها بلا دَهَشٍ فَخَرَّتْ ** صَريعاً لليدينِ ولِلجرَانِ

فعدل إلى المضارع إرادة لتصوير شجاعته، واستحضارها لذهن السامع. ومنه: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَة} [ص: 18- 19]، فعدل عن مُسَبِّحات وإن كان مطابقاً لـ: {مَحْشُورَةً} لهذا السبب- والله أعلم-. ثم هذا المقصد إنما يجيء فيما يكون العناية به أقوى. ولا شك أن إخراج الحيّ من الميت أشهر في القدرة من عكسه. وهو أيضاً أول الحالين، والنظر أول ما يبدأ فيه. ثم القسم الآخر وهو إخراج الميت من الحي بان عنه، فكان الأول جديراً بالتصديق والتأكيد في النفس، ولذلك هو بمقدم أبداً على القسم الآخر في الذكر، حسب ترتيبهما في الواقع. وسهل عطف الاسم على الفعل وحسنه. أن اسم الفاعل في معنى الفعل المضارع، فكل واحد منهما يقدّر بالآخر، فلا جناح في عطفه عليه- والله أعلم- انتهى.