فصل: تفسير الآيات (41- 42):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: محاسن التأويل



.تفسير الآيات (41- 42):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ} [41- 42].
{وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} أي: استمع، أي: لِما أخبرك به من أهوال القيامة، يوم ينادي مناديها من كل مكان قريب، بحيث يصل نداؤه إلى الكل على السواء.
قال القاضي: ولعله في الإعادة نظير كن في الإبداء، أي: فهو تمثيل لإحياء الموتى بمجرد الإرادة، وإن لم يكن نداء وصوت.
وفي ورود الأمر مطلقاً، ثم تبيينه بما بعده، تهويلٌ وتعظيم للمخبر به، لِما في الإبهام ثم التفسير من التهويل والتفخيم لشأن المحدَّث عنه.
{يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ} أي: صيحة البعث من القبور، والحشر للجزاء {بِالْحَقِّ} قال ابن جرير: يعني بالأمر بالإجابة لله إلى موقف الحساب.
{ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ} أي: من القبور.

.تفسير الآية رقم (43):

القول في تأويل قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ} [43].
{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ} أي: في الدنيا بإفاضة نور الحياة أو قطعه {وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ} أي: مصير الجميع يوم القيامة.

.تفسير الآية رقم (44):

القول في تأويل قوله تعالى: {يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} [44].
{يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً} أي: فيخرجون منها مسرعين {ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} أي: ذلك الإخراج لهم جمع في موقف الحساب علينا سهلٌ بلا كلفة.

.تفسير الآية رقم (45):

القول في تأويل قوله تعالى: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} [45].
{نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} يعني: مشركي مكة، من فِريتهم على الله ورسوله، وإنكارهم قدرته تعالى على البعث. وهو تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهديدٌ لهم.
{وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ} أي: بمسلَّط ومسيطر تقهرهم على الإيمان {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} أي: بل إنما بعثت مذكراً ومبلغاً، فذكر بما أنزل إليك من يخاف الوعيد الذي أوعِد به من عصى وطغى، فإنه ينتفع به.
ومن دعاء قتادة: اللهم اجعلنا ممن يخاف وعيدك، ويرجو موعدك، يا بارّ يا رحيم.

.سورة الذاريات:

بسم الله الرحمن الرحيم

.تفسير الآية رقم (1):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً} [1].
{وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً} يعني: الرياح التي تذرو البخارات ذرواً، أي: نوعاً من الذرو ليعقدها سُحباً. أو النساء الولود فإنهن يذرين الأولاد، مجازاً شبه تتابع الأولاد بما يتطاير من الرياح. أو الأسباب التي تذري الخلائق من الملائكة وغيرهم، وهو استعارة أيضاً شبهت الأشياء المعدة للبروز من كمون العدم، بالرياح المفرقة للحبوب ونحوها.
{وَالذَّارِيَاتِ} اسم فاعل ذرا المعتل بمعنى فرّق وبدَّد ما رفعه عن مكانه. ويقال: أذرى أيضاً. وأما ذرَأ المهموز فبمعنى أنشأ وأوجد.

.تفسير الآية رقم (2):

القول في تأويل قوله تعالى: {فَالْحَامِلَاتِ وِقْراً} [2].
{فَالْحَامِلَاتِ وِقْراً} أي: السُّحب الحاملة للأمطار المنبتة للزروع والأشجار لإفادة الحبوب والثمار. كما قال زيد بن عمرو بن نفيل:
وأسلمتُ نفسي لمن أسْلَمَتْ ** لهُ المزنُ تحمل عذْباً زُلالا

أو الرياح الحاملة للسحاب، أو النساء الحوامل، أو أسباب ذلك.
والوِقر بسكر الواو، كالحِمل وزناً ومعنى. وقرئ بفتح الواو على أنه مصدر سمي به المحمول.

.تفسير الآيات (3- 4):

القول في تأويل قوله تعالى: {فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً} [3- 4].
{فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً} أي: السُّفن الجارية في البحر سهلاً، أو الرياح الجارية في مهابِّها، أو الكواكب التي تجري في منازلها. و{يُسْراً} صفة مصدر محذوف، أو جرياً ذا يُسرٍ.
{فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً} أي: الملائكة التي تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرهما، أو ما يعمهم وغيرهم من أسباب القسمة، أو الرياح يقسمن الأمطار بتصريف الرياح.
تنبيهات:
الأول: ذكرنا أن هذه الأمور الأربعة يجوز أن تكون أموراً متباينة، وأن تكون أمراً له أربعة اعتبارات. والأول هو المأثور عن علي رضي الله عنه: أن الذاريات هي الرياح، والحاملات هي السحاب، والجاريات هي السفن، والمقسمات هي الملائكة. واختار بعضهم في الجاريات أنها الكواكب؛ ليكون ذلك ترقياً من الأدنى إلى الأعلى، فالرياح فوقها السحاب، والنجوم فوق ذلك، والملائكة فوق الجميع، تنزل بأوامر الله الشرعية والكونية.
واستظهر الرازي أن الأقرب أن تكون صفات أربع للرياح، وأطال في ذلك.
واللفظ متسع بجوهره للكل، والله أعلم.
الثاني: فائدة الفاء إن قيل: إنها صفات للرياح، فلبيان ترتيب الأمور في الوجود، فإن الذاريات تنشئ السحاب، فتقسم الأمطار على الأقطار. وإن قيل: إنها أمور أربعة، فالفاء للترتيب الذكريّ أو الرتبيّ.
الثالث: ذكر الرازي في الحكمة في القسم وجوهاً:
أحدها: أن الكفار كانوا في بعض الأوقات يعترفون بكون النبي صلى الله عليه وسلم غالباً في إقامة الدليل، وكانوا ينسبونه إلى المجادلة، وإلى أنه عارف في نفسه بفساد ما يقوله، وأنه يغلبنا بقوة الجدل لا بصدق المقال. كما أن بعض الناس إذا أقام عليه الخصم الدليلَ ولم يبقِ له حجة، يقول: إنه غلبني لعلمه بطريق الجدل، وعجزي عن ذلك. وهو يعلم في نفسه أن الحق بيدي، فلا يبقى للمتكلم المبرهن طريق غير اليمين، فيقول: واللهِ إن الأمر كما أقول، ولا أجادلك بالباطل. وذلك لأنه لو سلك طريقاً آخر من ذكر دليل آخر، فإذا تمّ الدليل الآخر يقول الخصم فيه مثل ما قال في الأول، إن ذلك تقرير بقوة علم الجدل، فلا يبقى إلا السكوت، أو التمسك بالإيمان، وترك إقامة البرهان.
ثانيها: أن العرب كانت تحترز عن الأيمان الكاذبة، وتعتقد أنها تدع الديارَ بلاقعَ. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم «أكثر من الأيمان بكل شريف»، ولم يزده ذلك إلا رفعة وثباتاً. وكان يحصل لهم العلم بأنه لا يحلف بها كاذباً، وإلا لأصابه شؤم الأيمان، ولناله المكروه في بعض الأزمان.
ثالثها: أن الأيمان التي أقسم الله تعالى بها كلُّها دلائل أخرجها في صورة الأيمان، مثاله قول القائل لمنعمه: وحق نعمتِك الكثيرة إني لا أزال أشكرك. فيذكر النعم، وهي سبب مفيد لدوام الشكر، ويسلك مسلك كذلك هذه الأشياء كلها دليل على قدرة الله تعالى على الإعادة.
فإن قيل: فلِمَ أخرجها مخرج الأيمان؟ نقول: لأن المتكلم إذا شرع في أول كلامه بحلف يعلم السامع أنه يريد أن يتكلم بكلام عظيم، فيصغي إليه أكثر من أن يصغي إليه حيث يعلم أن الكلام ليس بمعتبر، فبدأ بالحلف وأدرج الدليل في صورة اليمين، حيث أقبل القول على سماعه، فخرج لهم البرهان المبين والتبيان المتين في صورة اليمين. انتهى.

.تفسير الآيات (5- 6):

القول في تأويل قوله تعالى: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} [5- 6].
وقوله تعالى: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ} جواب القسم، وما موصولة ومصدرية. والموعود هو قيام الساعة، وبعث الموتى من قبورهم. وصادق بمعنى صدْق، فوضع الاسم مكان المصدر، أو هو من باب: {عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} [الحاقة: 21].
{وَإِنَّ الدِّينَ} أي: الجزاء على الأعمال إنْ خيراً فخير، وإن شرّاً فشر {لَوَاقِعٌ} أي: لحاصل. قال قتادة: وذلك يوم القيامة، يوم يَدين اللهُ العباد بأعمالهم.

.تفسير الآيات (7- 9):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} [7- 9].
{وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ} أي: الطرق المختلفة التي هي دوائر سير الكواكب. و{الْحُبُكِ} أصل معناها ما يرى كالطريق في الرمل والماء، إذا ضربته الريح، وكذلك حبك الشَّعر: آثار تثنّيه وتكسّره. والحُبُك بضمتين جمع حِباك، كمثال ومثل وكتاب وكتب، أو حبيكة كطريقة وطرق. قال زهير يصف غديراً:
مُكللٌ بأصولِ الَّنجمِ تَنْسِجُهُ ** ريحٌ خَريقٌ لضاحي مَائهِ حُبُكُ

ويقال: ما أملح حباك هذه الحمامة! وهو الخط الأسود على جناحها.
وعن الحسن: {ذَاتِ الْحُبُكِ} أي: النجوم قال: حُبِكَت بالخَلْق الحسن: حبكت بالنجوم؛ وذلك لأنها تزين السماء، كما يزين الثوب الموشَّى تحبيكه، فشبهت النجوم بطرائق الوشي مجازاً بالاستعارة.
وقال بعض علماء الفلك: الحبك جمع حبيكة، بمعنى محبوكة، أي: مربوطة. فمعنى: {ذَاتِ الْحُبُكِ} ذات المجاميع من الكواكب المربوط بعضها ببعض بحبال من الجاذبية، فإن كل حبيكة مجموعة من الكواكب المتجاذبة، فالآية الشريفة نصٌّ على تعدد المجاميع وعلى الجاذبية التي يزعم الإفرنج أنهم مكتشفوها، وعليه فهي إحدى معجزات القرآن العلمية. انتهى.
{إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ} أي: متخالف متناقض. قال ابن زيد: يتخرَّصون يقولون: هذا سحر، ويقولون: {إِنْ هَذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [الأنعام: 25].
{يُؤْفَكُ} أي: يصرف {عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} أي: صرف عن الحق الصريح الصَّرف التام؛ إذ لا صرف أشد منه.
وقد ذكر القاضي في مناسبة المقسم به للمقسم عليه، هو تشبيه أقوالهم في اختلافها، وتنافي أغراضها بالطرائق للسماوات في تباعدها، واختلاف غاياتها.
ثم أشار أنهم لم يؤفكوا لإتباعهم الدلائل، بل لأخذهم بالخرص والتخمين، بقوله تعالى:

.تفسير الآيات (10- 13):

القول في تأويل قوله تعالى: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} [10- 13].
{قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ} أي: لُعِن الآخذون بالتخمين، مع ترك دلائل اليقين.
{الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ} أي: في جهل يَغمرهم عن وجوب اتباع الدلائل القاطعة وترك الشبهات الواهية {سَاهُونَ} أي: غافلون عما أتاهم وعما نزل إليهم، بالانهماك في اللذات البدنية، واستئثار الحظوظ العاجلة.
{يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ} أي: متى يوم الجزاء، ويوم يدين اللهُ العباد بأعمالهم.
{يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} أي: يحرقون، وأصل الفتنة إذابة الجوهر ليظهر غشه، ثم استعمل في التعذيب والإحراق ونحوه.
قال القاضي: جواب للسؤال، أي: يقع يوم هم على النار يفتنون، أو هو يوم هم... إلخ، وفتح {يَوْمَ} لإضافته إلى غير متمكن، ويدل عليه أنه قرئ بالرفع.

.تفسير الآية رقم (14):

القول في تأويل قوله تعالى: {ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} [14].
{ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ} أي: مقولاً لهم: ذوقوا عذابكم الذي طلبتموهُ، بل الذي استعجلتموهُ قبل وقته، كما قال: {هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} أي: حصوله في الدنيا.

.تفسير الآيات (15- 19):

القول في تأويل قوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [15- 19].
{إِنَّ الْمُتَّقِينَ} أي: الذين اتقوا الله بطاعته واجتنابِ معاصيه في الدنيا، وبتجنب القول بالخَرص والتخمين في الأمور الاعتقادية {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} قال ابن جرير: أي: عاملين ما أمرهم به ربهم، مؤدين فرائضه. وقال غيرهُ: أي: قابلين لما أعطاهم من النعيم الأخرويّ، راضين به.
وهذا هو الوجه. ولذا قال ابن كثير: والذي فسر به ابن جرير فيه نظر؛ لأن قوله تبارك وتعالى {آخِذِينَ} حال من قوله {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} فالمتقون حال كونهم في الجنات والعيون آخذين ما آتاهم ربُّهم، أي: من النعيم والسرور والغبطة.
ثم أشار إلى سر استحقاقهم لذلك بقوله:
{إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ} يعني: في الدنيا {مُحْسِنِينَ} أي: قد أحسنوا أعمالهم لغلبة محبة الله على قلوبهم بظهور آثارها في أفعالهم وأقوالهم، كما بينه بقوله سبحانه: {كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} أي: كانوا يهجعون هجوعاً قليلاً؛ لتقوى نفوسُهم على عبادته تعالى بنشاط.
روى ابن جرير عن أنس في الآية: أنهم كانوا يصلّون ما بين هاتين الصلاتين ما بين المغرب والعشاء. وعن محمد بن عليّ: كانوا لا ينامون حتى يصلّوا العتمة.
وعن مطرِّف: قلَّ ليلة أتت عليهم إلا صلوا فيها من أولها أو من وسطها.
وعن الحسن قال: لا ينامون من الليل إلا أقله، كابدوا قيام الليل.
وقرأ الأحنف بن قيس هذه الآية فقال: لست من أهل هذه الآية.
وعن الضحاك: أن الوقف على قوله تعالى: {كَانُوا قَلِيلاً} أي: أن المحسنين كانوا قليلاً، ثم ابتدئ فقيل: {مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} و{مَا} نافية أي: لا يهجعون.
قال ابن كثير: هذا القول فيه بعد وتعسُّف.
لطيفة:
في هذه الجملة الكريمة مبالغات في وصف هؤلاء بقلة النوم وترك الاستراحة، وذلك ذكر القليل. والليل الذي هو وقت النوم، والهجوع الذي هو الخفيف من النوم، وزيادة ما؛ لأنها تدل على القلة.
وبالجملة ففي الآية استحباب قيام الليل، وذمُّ نومه كله، والأحاديث على ذلك كثيرة شهيرة.
{وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} قال القاضي: أي: أنهم مع قلة هجوعهم وكثرة تهجدهم إذا أسحروا أخذوا في الاستغفار، كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائمَ.
قال الرازي: في الآية إشارة إلى أنهم كانوا يتهجدون ويجتهدون، ثم يريدون أن يكون عملهم أكثر من ذلك وأخلص منه، فيستغفرون من التقصير، وهذا سيرة الكريم: يأتي بأبلغ وجوه الكرم ويستقلُّهُ ويعتذر من التقصير، واللئيم يأتي بالقليل ويستكثره ويمنّ به. وفيه وجه آخر ألطف منه: وهو أنه تعالى لمَّا بيَّن أنهم يهجعون قليلاً، والهجوع مقتضى الطبع، قال: {يَسْتَغْفِرُونَ} أي: من ذلك القدر من النوم القليل. وفيه لطيفة أخرى نبينها في جواب سؤال: وهو أنه تعالى مدحهم بقلة الهجوع ولم يمدحهم بكثرة السهر، وما قال: كانوا كثيراً من الليل ما يسهرون، فما الحكمة فيه؟ مع أن السهر هو الكلفة والاجتهاد، لا الهجوع؟ نقول: إشارة إلى أن نومهم عبادة، حيث مدحهم الله تعالى بكونهم هاجعين قليلاً، وذلك الهجوع أورثهم الاشتغال بعبادة أخرى، وهو الاستغفار، في وجوه الأسحار، ومنعهم من الإعجاب بأنفسهم والاستكبار.
ثم قال: والاستغفار يحتمل طلب المغفرة بالذكر بقولهم: ربنا اغفر لنا. وطلب المغفرة بالفعل أي: بالأسحار، يأتون بفعل آخر طلباً للغفران، وهو الصلاة. والأول أظهر، والثاني عند المفسرين أشهر. انتهى. ويؤيد الثاني الإشارة إلى الزكاة في الآية بعدها، والزكاة قرينة الصلاة في كثير من الآيات، وسرُّ التعبير عن الصلاة بالاستغفار الإشارةُ إلى أنه ركنها المهم في التهجد، بل وفي غيره، فيكون من إطلاق الجزء على الكل، وقد ذكر في أذكار الصلاة الاستغفار في مواضع منها، كالركوع والسجود بين السجدتين وآخر الصلاة، كما أخرجه الشيخان وأهل السنن- و«كان صلى الله عليه وسلم يطيل الركوع والسجود والتهجد» لذلك.
لطيفة:
قال الزمخشريّ في أساس البلاغة: إنما سمي السَّحر استعارة؛ لأنه وقت إدبار الليل وإقبال النهار، فهو متنفس الصبح. انتهى.
{وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} أي: الفقير المتعفف الذي يُظَن غنياً، فيحرم الصدقة.
قال قتادة: هذان فقيرا أهل الإسلام: سائل يسأل في كفِّه، وفقير متعفف، ولكليهما عليك حق يا ابن آدم.
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس المسكين الذي تردُّّهُ اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يُغنيه، ولا يُفطن له فيتصدق عليه».
وروى الإمام أحمد عن الحسين بن عليّ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للسائل حق وإن جاء على فرس». ورواه أبو داود وأسنده عن عليّ كرم الله وجههُ.
ويدخل في {الْمَحْرُومِ} كلُّ من لا مال له، ومَن هلك ماله بآفة، ومن حرِم الرزق واحتاج، إلا أن أهم أفراده المتعفِّف، ولذا عوّل عليه الأكثر.
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: في أموالهم حق سوى الزكاة يَصِلون بها رحماً، أو يُقرون بها ضيفاً، أو يَحملون بها كَلاًّ.
ثم أشار تعالى إلى أنه لا حاجة إلى الخرص والتخمين في باب الاعتقادات؛ لكثرة الآيات الواضحة، بقوله سبحانه: