فصل: تفسير الآية رقم (192):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: محاسن التأويل



.تفسير الآية رقم (192):

القول في تأويل قوله تعالى: {فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [192].
{فَإِنِ انتَهَوْاْ} أي: عن القتال: {فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: فكفّوا عنهم ولا تتعرّضوا لهم تخلقاً بصفتي الحق تعالى المذكورتين وهما: المغفرة والرحمة، هذا ظاهر المساق.
وقال بعضهم: {فَإِنِ انتَهَواْ} أي: عن الشرك والقتال: {فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ} لما سلف من طغيانهم: {رَّحِيمٌ} بقبول توبتهم وإيمانهم.

.تفسير الآية رقم (193):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} [193].
{وَقَاتِلُوهُمْ} أي: هؤلاء الذين نسبناهم إلى قتالكم وإخراجكم وفتنكم: {حَتَّى لاَ تَكُونَ}- أي: لا توجد في الحرم-: {فِتْنَةٌ} أي: تقوٍّ بسببه يفتنون الناس عن دينهم، ويمنعونهم من إظهاره والدعوة إليه: {وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ} خالصاً أي: لا يعبد دونه شيء في الحرام، ولا يخشى فيه غيره، فلا يفتن أحد في دينه، ولا يؤذى لأجله.
وفي الصحيحين عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله».
{فَإِنِ انتَهَواْ} عن قتالكم في الحرم: {فَلاَ عُدْوَانَ} فلا سبيل لكم بالقتل: {إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} المبتدئين بالقتل.
وروى البخاري في صحيحه عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس قد ضُيِّعوا، وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم، فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي..! قالا: ألم يقل الله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ}؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله.
ثم ساق البخاري رواية أخرى وفيها: قال ابن عمر: فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الرجل يفتن في دينه، إمّا قتلوه وإمّا يعذبوه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة.

.تفسير الآية رقم (194):

القول في تأويل قوله تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [194].
{الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} إيذان بأن بمراعاة حرمة الشهر واجبة لمن راعى حرمته، وإن من هتكها اقتصّ منه، فهتك حرمته بهتكهم حرمته. فكما يقاتلون عند المسجد الحرام- إذا قاتلوا فيه- يقاتلون في الشهر الحرام إذا قاتلوا فيه.
وقد روى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يُغزى- أو يُغزوا- فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ. ولهذا لما سار صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة، سنة ست معتمراً، وخيّم بالحديبية، وبلغه أن عثمان قتل- وكان بعثه في رسالة إلى المشركين بايع أصحابه وكانوا ألفاً وأربعمائة تحت الشجرة على قتال المشركين. فلما بلغه أن عثمان لم يقتل كف عن ذلك، وجنح إلى المسالمة والمصالحة، فكان ما كان. وكذلك لما فرغ من قتال هوازن يوم حنين وتحصّن فَلُّهم بالطائف عدل إليها فحاصرها، ودخل ذو القعدة وهو محاصر لها بالمنجنيق. واستمر عليها إلى كمال أربعين يوماً. كما ثبت في الصحيحين عن أنس. فلما كثر القتل في أصحابه انصرف عنها، ولم تفتح. ثم كرّ راجعاً إلى مكة، واعتمر من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين، وكانت عمرته هذه في ذي القعدة أيضاً عام ثمان.
{وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} أي: متساوية، فلا يفضل شهر حرام على آخر، بحيث يمتنع هتك حرمته لهتكهم حرمة ما دونه، على أنا لا نهتك حرمة الشهر والمسجد الحرام والحرم، بل نهتك حرمة من هتك حرمة أحدها- قاله المهايمي.
والحرمات: جمع حرمة، وهي ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك. والقصاص: المساواة. والكلام على حذف المضاف. أي: ذوات قصاص، أو المصدر بمعنى المفعول، أي: مقاصة، أو الحمل بطريق المبالغة {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} أمر بالعدل حتى في المشركين، كما قال: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126]. وقال: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]: {وَاتَّقُواْ اللّهَ} في هتك حرمة الشهر والمسجد والحرم بدون هتكهم، وفي زيادة الاعتداء: {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} أي: بالمعونة والنصر والحفظ والتأييد.

.تفسير الآية رقم (195):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [195].
{وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ} أمر بالإنفاق في سائر وجوه القربات والطاعات. ومن أهمها: صرف الأموال في قتال الأعداء، وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم.
وقوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} أي: ما يؤدي إلى الهلاك أي: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى الهلاك، وذلك بالتعرض لما تستوخم عاقبته، جهلاً به.
وقال الراغب: وللآية تأويلان بنظرين:
أحدهما: إنه نهي عن الإسراف في الإنفاق، وعن التهور في الإقدام.
والثاني: إنه نهي عن البخل بالمال، وعن القعود عن الجهاد. وكلا المعنيين يراد بها. فالإِنْسَاْن، كما أنه منهي عن الإسراف في الإنفاق، والتهور في الإقدام، فهو منهي عن البخل والإحجام عن الجهاد، ولهذا قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} [الفرقان: 67] الآية، وقال: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} [الإسراء: 29] الآية.
ولما كان أمر الإنفاق أخص بالأنصار الذين كانوا أهل الأموال، لتجرد المهاجرين عنها، وقد اشتهر في هذه الآية حديث أبي أيوب الأنصاري، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه وغيرهم... ولفظ الترمذي: عن أسلم أبي عِمْرَان قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر. وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فَضَالة بن عبيد. فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل عليهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة. فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس إنكم لتؤولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار. لما أعز الله الإسلام، وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سراً- دون رسول الله صلى الله عليه وسلم-: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام، وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم يردّ علينا ما قلنا: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها، وتركنا الغزو. فما زال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم، هذا حديث حسن غريب صحيح.
أقول: إنكار أبي أيوب رضي الله عنه إما لكونه لا يقول بعموم اللفظ بل بخصوص السبب، وإما لرد زعم أنها نزلت في القتال. أي: في حمل الواحد على جماعة العدو كما تأولوها. وهذا هو الظاهر. وإلا فاللفظ يقتضي العموم، ووروده على السبب لا يصلح قرينة لقصره على ذلك. ولا شبهة أن التعبد إنما هو باللفظ الوارد وهو عام.
وقد استشهد بعموم الآية عَمْرو بن العاص فيما رواه ابن أبي حاتم بسنده: أن عبد الرحمن الأسود بن عبد يغوث أخبر أنهم حاصروا دمشق. فانطلق رجل من أزد نشوءة، فأسرع إلى العدو وحده ليستقبل، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفعوا حديثه إلى عَمْرو بن العاص، فأرسل إليه عَمْرو فرده. وقال عَمْرو: قال الله: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}.
وقد روي في سبب نزولها آثار ضعيفة ساقها ابن كثير وهي- والله أعلم- من باب صدق عمومها على ما رووه.
تنبيه:
قال الحاكم: تدل الآية على جواز الهزيمة في الجهاد إذا خيف على النفس، وتدل على جواز ترك الأمر بالمعروف إذا خاف، لأن كل ذلك إلقاء النفس إلى التهلكة. وتدل على جواز مصالحة الكفار والبغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو على المسلمين. كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية. وكما فعله أمير المؤمنين عليّ عليه السلام بصفين. وكما فعله الحسن عليه السلام من مصالحة معاوية. وتدل أيضاً على جواز مصالحة الإمام بشيء من أموال الناس إذا خشي التهلكة. ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يصالح يوم الأحزاب بثلث ثمار المدينة حتى شاور سعد بن معاذ وسعد بن عُبَاْدَة، فأشارا بترك ذلك. وهو لا يعزم إلا على ما يجوز.
لطيفة:
الإلقاء لغة: طرح الشيء، عُدِّي بإلى لتضمن معنى الانتهاء، والباء مزيدة في المفعول لتأكيد معنى النهي. والمراد بالأيدي: الأنفس، فذكر الجزء وإرادة الكل لمزيد اختصاص لها باليد. بناء على أن أكثر ظهور أفعال النفس بها. والتهلكة والهلاك والهلك واحد. فهي مصدر. أي: لا توقعوا أنفسكم في الهلاك.
والتهلكة بضم اللام. قال الخارزنجي: لا أعلم في كلام العرب مصدراً على تفعلة- بضم العين- إلا هذا.
وقال اليزيدي: هو من نوادر المصادر. ولا يجري على القياس.
قال الزمخشري: ويجوز أن يقال: أصلها التهلكة كالتجربة والتبصرة ونحوهما. على أنها مصدر من هلك. فأبدلت من الكسرة ضمة، كما جاء الجوار في الجوار هذا ما ذكروه.
قال الفخر الرازي- ولله دره- بعد نقله نحو ما سبق: وإني لأتعجب كثيراً من تكلفات هؤلاء النحويين في أمثال هذه المواضع، وذلك أنهم لو وجدوا شعراً مجهولاً يشهد لما أرادوه فرحوا به واتخذوه حجة قوية. فورود هذا اللفظ في كلام الله تعالى، المشهود له من الموافق والمخالف بالفصاحة- أولى أن يدلّ على صحة هذه اللفظة واستقامتها.
{وَأَحْسِنُوَاْ} أي: تحرّوا فعل الإحسان، أي: الإتيان بكل ما هو حسن، ومن أجلِّه الإنفاق. وقوله: {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} قال الراغب: نبّه بإظهار المحبة للمحسنين على شرف منزلتهم وفضيلة أفعالهم.

.تفسير الآية رقم (196):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [196].
{وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} أي: أدوهما تامين بمناسكهما المشروعة لوجه الله تعالى.
قال الراغب: قيل: {أَتِمُّواْ} خطاب لمن خرج حاجاً أو معتمراً، فأمر أن لا يصرف وجهه حتى يتمهما. وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله، واحتج به في وجوب إتمام كل عبادة دخل فيها الإِنْسَاْن متنفلاً، وأنه متى أفسدها وجب قضاؤها. وقيل: إنه خطاب لهم ولمن لم يتلبس بالعبادة. وذكر لفظ الإتمام تنبيه على توفية حقها وإكمال شرائطها، وعلى هذا قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] وإلى هذا ذهب الشافعي رحمه الله واحتج به في وجوب العمرة. وإنما قال في الحج والعمرة: {لله} ولم يقل ذلك في الصلاة والزكاة، من أجل أنهم كانوا يتقربون ببعض أفعال الحج والعمرة إلى أصنامهم، فخصهما بالذكر لله تعالى حثاً على الإخلاص فيهما، ومجانبة ذلك الاعتقاد المحظور.
{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} أي: حبسكم عدو عن إتمام الحجج أو العمرة وأردتم التحلل: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} أي: فعليكم، أو فالواجب، أو فأهدوا ما استيسر، يقال: يسُر الأمر واستيسر، كما يقال: صعب واستصعب. والهدي بتخفيف الياء وتشديدها: جمع هدْية وهديّة، وهو: ما أهدي إلى مكة من النعم لينحر تقرباً به إلى الله. قال ثعلب: الهدي بالتخفيف، لغة أهل الحجاز. والتثقيل على فعيل، لغة بني تميم، وسفلى قيس. وقد قرئ بالوجهين جميعاً في الآية. وشاهد الهديّ مثقلاً من كلامهم قول الفرزدق:
حَلَفتُ بربِّ مكة والمصَلَّى ** وَأَعنَاقِ الهديِّ مقلّدَاتِ

وشاهد الهدية كذلك، قول ساعدة بن جؤيّة:
إني وأيديهم وكل هدية ** مما تثج له ترائب تثعب.

وأعلى الهدي بدنة، وأدناه شاة. والمعنى: أن المحرم إذا أُحصر وأراد أن يتحلل، تحلل بذبح هدي تيسر عليه: من بدنة أو بقرة أو شاة.
تنبيه:
قال الراغب: ظاهر قوله تعالى: {أُحْصِرْتُمْ} أنه لا فرق فيه بين أن يحصر بمكة أو بغيرها، وبعد عرفة أو قبلها. وكذلك لا فرق في الظاهر بين أن يحصره عدو مسلم أو غيره. وظاهره يقتضي أنه لا فصل بين إحصار العدو وإحصار المرض. لولا أن الآية نزلت في سبب العدو فلا يجوز أن تتعدى إلا بدلالة. ولأن قوله: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} يدل على أن المراد بالإحصار هو بالعدو.
وقد يقال: العبرة في أمثاله بعمومه، كما ذهب إليه ثلة من السلف. فقد روى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود، وابن الزبير، وعلقمة، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ومجاهد، والنخعي، وعطاء، ومقاتل أنهم قالوا: الإحصار من عدو أو مرض أو كسر. وقال الثوري: الإحصار من كل شيء أذاه.
وثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب فقالت: يا رسول الله! إني أريد الحج وأنا شاكية. فقال: «حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني». ورواه مسلم عن ابن عباس بمثله.
ومن دلالة الآية ما قاله الراغب: إن ظاهرها يقتضي أن لا قضاء على المحصر؛ لأنه قال: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} واقتصر عليه.
{وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} أي: الموضع الذي يحلّ فيه نحره، وهو مكانه الذي يستقر فيه. يعني: موضع الإحصار. وبلوغه إياه كناية عن ذبحه فيه، واستعمال بلوغ الشيء محله في وصوله إلى ما يقصد منه- شائع. ولما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية، وحصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم بها ولم يبعثوا به إلى الحرم.
وقد ساق الإمام ابن القيم في زاد المعاد بعض ما في قصة الحديبية من القواعد الفقهية في فصل قال فيه: ومنها أن المحصر ينحر هديه حيث أحصر من الحلّ أو الحرم، وأنه لا يجب عليه أن يواعد من ينحره في الحرم إذا لم يصل إليه، وأنه لا يتحلل حتى يصل إلى محله، بدليل قوله تعالى: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} [الفتح: 25]. ومنها: أن الموضع الذي نحر فيه الهدي كان من الحل لا من الحرم، لأن الحرم كله محل الهدي.
وقال الإمام مالك في الموطأ: من حبس بعدوّ فجال بينه وبين البيت، فإنه يحل من كل شيء وينحر هديه، ويحلق رأسه حيث حبس، وليس عليه قضاء.
قال: فهذا الأمر عندنا فيمن أحصر بعدو، كما أحصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
{فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} أي: فمن كان منكم- معشر المحرمين- مريضاً مرضاً يتضرر معه بالشعر ويحوجه إلى الحلق، أو كان به أذى من رأسه- كجراحة وقمل- فعليه إن حلق، فدية من صيام أو صدقة أو نسك. وقد نزلت هذه الآية في كعب بن عجرة الأنصاري رضي الله عنه قال: حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ بك هذا..! أما تجد شاة؟» قلت: لا! قال: «صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك». فنزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة، رواه الشيخان وغيرهما، واللفظ للبخاري. وروى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ونحن محرمون، وقد حصرنا المشركون، وكانت لي وفرة، فجعلت الهوام تساقط على وجهي. فمرّ علي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أيؤذيك هوام رأسك؟» قلت: نعم. فأمره أن يحلق. قال: ونزلت هذه الآية. قال ابن عباس: إذا كان أو أو فأيّة أخذت أجزأ عنك. وعامة العلماء: أنه يخيّر في هذا المقام: إن شاء صام وإن شاء تصدق بفرق- وهو ثلاثة أصع، لكل مسكين نصف صاع وهو مدان- وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء، أي: ذلك فعل أجزأه. ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة، جاء بالأسهل فالأسهل. ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن عجرة، بذلك أرشده أولاً إلى الأفضل، فقال: «أما تجد شاة؟» فكل حسن في مقامه، ولله الحمد والمنة. أفاده ابن كثير.
تنبيه:
استفيد من الآية أحكام:
الأول: جواز الحلق من المحرم واللبس للمخيط للضرورة، ووجوب الفدية عليه، وذلك لبيان سبب النزول.
الثاني: تحريم الحلق ولبس المخيط لغير عذر، وهذا مأخوذ من المفهوم؛ لأنه مصرح به، وذلك إجماع.
الثالث: أن الفدية الواجبة تكون من أجناس الثلاثة، وهي: الصيام أو الصدقة، أو النسك، وقد ورد بيانها في حديث كعب.
الرابع: أن الفدية واجبة على التخيير كما بيَّنا.
قال الراغب: وظاهر الآية يقتضي أنه لا فرق بين قليل الشعر وكثيره، بخلاف ما قال أبو حنيفة رحمه الله، حيث لم يلزم إلا بحلق الثلث. وغيره لم يلزم إلا بحلق الربع.
لطيفة:
أصل النسك العبادة، وسميت ذبيحة الأنعام نسكاً؛ لأنها من أشرف العبادات التي يتقرب بها إلى الله تعالى.
قال أبو البقاء: والنسك- في الأصل- مصدر بمعنى المفعول؛ لأنه من نسك ينسك، والمراد به هاهنا المنسوك، ويجوز أن يكون اسماً لا مصدراً، ويجوز تسكين السين. انتهى.
{فَإِذَا أَمِنتُمْ} أي: كنتم آمنين من أول الأمر، أو صرتم بعد الإحصار آمنين: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ} أي: بإحرامه بها في أشهر الحج ليستفيد الحلّ حين وصوله إلى البيت، ويستمر حلالاً في سفره ذلك: {إِلَى الْحَجِّ} أي: إلى وقت الإحرام بالحج: {فَمَا} أي: فعليه ما: {اسْتَيْسَرَ} أي: تيسّر: {مِنَ الْهَدْيِ} من النعم، يكون هذا الهدي لأجل ما تمتع به بين النسكين من الحل.
وفي النهاية صورة التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، فإذا أحرم بالعمرة بعد إهلاله شوالاً فقد صار متمتعاً بالعمرة إلى الحج وسمي به؛ لأنه إذا قدم مكة، وطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة. حل من عمرته وحلق رأسه، وذبح نسكه الواجب عليه لتمتعه، وحل له كل شيء كان حرم عليه في إحرامه من النساء والطيب، ثم ينشئ بعد ذلك إحراماً جديداً للحج وقت نهوضه إلى منى، أو قبل ذلك، من غير أن يجب عليه الرجوع إلى الميقات الذي أنشأ منه عمرته، فذلك تمتعه بالعمرة إلى الحج، أي: انتفاعه وتبلغه بما انتفع به من حلق، وطيب، وتنظف، وقضاء تفث، وإلمامٍ بأهله إن كانت معه.
قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد: وكان من هديه صلى الله عليه وسلم ذبح هدي العمرة عند المروة، وهدي القران بمنى. وكذلك كان ابن عمر يفعل. ولم ينحر صلى الله عليه وسلم قط إلا بعد أن حل، ولم ينحره قبل يوم النحر ولا أحد من الصحابة البتة.
{فَمَن لَّمْ يَجِدْ} الهدي: {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} أي: بعد الإحرام وقبل الفراغ من أعماله، والأولى سادس ذي الحجة وسابعه وثامنه.
قال الراغب إن قيل: كيف قال: {فِي الْحَجِّ} ومتى أحرم يوم عرفة لا يمكنه صيام ثلاثة أيام في الحج لأنه منهيّ عنه في يوم النحر وأيام التشريق؟! قيل: الواجب على المتمتع أن يحرم بالحج على وجه يمكنه الإتيان بالصيام لثلاثة أيام. وذلك بتقديم الإحرام قبل يوم عرفة. وقد قال ابن عمر وعائشة: يصوم أيام التشريق، ويحملان النهي على صوم أيام منى على غير المتمتع.
{وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} أي: إلى أهليكم، أو إذا أخذتم في الرجوع بعد الفراغ من أعمال الحج.
قال الراغب: وإطلاق اللفظ يحتمل الأمرين جميعاً، فيصح حمله عليهما.
إلا أن الذي يرجع الوجه الأول ما روي في الصحيحين من حديث بن عُمَر الطويل وفيه: «فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله».
{تِلْكَ عَشَرَةٌ} فذلك حساب، أي: إجمال بعد تفصيل، وفائدتها: أن لا يتوهم أن الواو بمعنى أو وأن الكلام على التخيير. بل المجموع بدل الهدي..! وأن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلاً، فيحاط به من وجهين فيتأكد العلم، وفي المثل: علمان خير من علم. فإن أكثر العرب لا يعرف الحساب. فاللائق الخطاب الذي يفهمه الخاص والعام. وهو ما يكون بتكرار الكلام وزيادة الإفهام...
وفائدة ثالثة: وهو أن المراد بالسبعة: هو العدد دون الكثرة فإنه يطلق لهما...
وفائدة رابعة: أشار لها الراغب وهو:
إن قوله: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} استطراد في الكلام، وتنبيه على فضيلة علم العدد، ولذا قيل: العدد أول العلوم وأشرفها. أما أنه أول، فلأن ما عداه معدول منه، وبه يفصل ويميز. وأما كونه أشرف، فلأنه لا اختلاف فيه ولا تغير، بل هو لازم طريقة واحدة، فذكر العشرة ووصفها بالكاملة؛ إذ هي عدد كمل فيه خواص الأعداد، فإن الواحد مبدأ العدد، والاثنين أول العدد، والثلاثة أول عدد فرد، والأربعة أول عدد زوج محدود- أي: مجتمع من ضرب عدد في نفسه- والخمسة أول عدد دائر، والستة أول عدد نام- أي: إذا أخذ جميع أجزائه لم يزد عليه ولم ينقص منه- والسبعة أول عدد أول- أي: لا يتقدمه عدد بعده- والثمانية أول عدد زوج الزوج- والتسعة أول عدد مثلث، والعشرة أول عدد ينتهي إليه العدد؛ لأن ما بعده يكون مكرراً بما قبله، فإذن العشرة هي العدد الكامل...
{كَامِلَةٌ} صفة مؤكدة لعشرة تفيد المبالغة في المحافظة على العدد، ففيه زيادة توصية لصيامها، وأن لا يتهاون بها، ولا ينقص من عددها، كأنها قيل: تلك عشرة كاملة، فراعوا كمالها ولا تنقصوها {ذَلِكَ} أي: وجوب دم التمتع أو بدله لمن لم يجد: {ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أي: بل كان أهلله على مسافة الغيبة منه. وأما من كان أهله حاضريه- بأن يكون ساكناً في مكة- فهو في حكم القرب من الله، فالله تعالى يجبره بفضله.
هذا، وقال بعض المجتهدين: إن ذلك إشارة إلى التمتع المفهوم من قوله: {فَمَنْ تَمَتَّعَ} وليست للهدي والصوم، فلا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام عنده.
وروى ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: يا أهل مكة! لا متعة لكم أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم، إنما يقطع أحدكم وادياً أو قال: يجعل بينه وبين الحرم وادياً- ثم يهل بعمرة..!
وروى عبد الرزاق عن طاووس قال: المتعة للناس لا لأهل مكة. ثم قال وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاووس، والله أعلم.
والأهل: سكن المرء من زوج ومستوطن. والحضور: ملازمة الموطن.
{وَاتَّقُواْ اللّهَ}- في الجناية على إحرامه-: {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} لمن جنى على إحرامه أكثر من شدة الملوك على من أساء الأدب بحضرته. وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتربية المهابة وإدخال الروعة.
تنبيهات:
الأول: في قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ} الآية، دليل على مشروعية التمتع، كما جاء في الصحيحين عن عِمْرَان بن حصين قال: أنزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينزل قرآن يحرمه، ولم ينه عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء.
وروى مالك في الموطأ عن عبد الله عن عمر أنه قال: والله! لأن اعتمر قبل الحج وأهدي أحب إلي من أن أعتمر بعد الحج في ذي الحجة..!.
وفي الصحيحين: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عَمْرة». يعني كما فعل أصحابه صلى الله عليه وسلم عن أمره.
الثاني: قال ابن القيم في زاد المعاد: قد أثبت أن التمتع أفضل من الإفراد لوجوه كثيرة:
منها: أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بفسخ الحج إليه، ومحال أن ينقله من الفاضل إلى المفضول الذي هو دونه.
ومنها: أنه تأسف على كونه لم يفعله بقوله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها متعة».
ومنها: أنه أمر به كل من لم يسق الهدي.
ومنها: أن الحج الذي استقر عليه فعله وفعل أصحابه، القران ممن ساق الهدي، والتمتع لمن لم يسق الهدي. ولوجوه كثيرة غير هذه..!.
الثالث: قال الراغب لا يجب الدم أو بدله في التمتع إلا بأربع شرائط:
إيقاع العمرة في أشهر الحج والتحلل منها فيه.
والثاني: أن يثني الحج من سنته.
والثالث: أن لا يرجع إلى الميقات لإنشاء الحج.
الرابع: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام.