فصل: تفسير الآية رقم (7):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: محاسن التأويل



.تفسير الآية رقم (7):

القول في تأويل قوله تعالى: {لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمّا قَلّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مّفْرُوضاً} [7].
{لّلرّجَالِ} أي: الأولاد والأقرباء.
{نَصيِبٌ} أي: حظ.
{مّمّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} أي: المتوفون.
{وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمّا قَلّ مِنْهُ} أي: المال.
{أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مّفْرُوضاً} أي: مقطوعاً واجباً لهم، وإيراد حكم النساء على الاستقلال دون الدرج في تضاعيف أحكام الرجال، بأن يقال للرجال والنساء إلخ للاعتناء بأمرهن، والإشارة من أول الأمر إلى تفاوت ما بين نصيبي الفريقين، والمبالغة في إبطال حكم الجاهلية، فإنهم كانوا لا يورّثون النساء والأطفال، ويقولون، لا يرث إلا من طاعَنَ بالرماح، وذاد عن الحوزة، وحاز الغنيمة، وقد استدل بالآية على توريث ذوي الأرحام لأنهم من الأقربين، وهو استدلال وجيه، ولا حجة لمن حاول دفعه.

.تفسير الآية رقم (8):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مّعْرُوفاً} [8].
{وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ} أي: قسمة التركة.
{أُوْلُواْ الْقُرْبَى} ذوو القرابة ممن لا يرث، قدّمهم لأن إعطاءهم صدقة وصلة.
{وَالْيَتَامَى} الضعفاء بفقد الآباء.
{وَالمسَاكِينُ} الضعفاء بفقد ما يكفيهم من المال.
{فَارْزُقُوهُم مّنْهُ} أي: أعطوهم من الميراث شيئاً.
{وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مّعْرُوفاً} بتلطيف القول لهم والدعاء لهم بمثل: بارك الله عليكم.
قال ابن كثير في هذه الآية: المعْنَى أَنّهُ إِذَا حَضَرَ هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاء مِنْ الْقَرَابَة الّذِينَ لَا يَرِثُونَ، وَالْيَتَامَى وَالمسَاكِين قِسْمَة مَال جَزِيل فَإِنّ أَنْفُسهمْ تَتُوق إِلَى شَيْء مِنْهُ إِذَا رَأَوْا هَذَا يَأْخُذ وَهَذَا يَأْخُذ، وَهُمْ يَائِسُونَ لَا يُعْطُونَهُ شيئاً، فَأَمَرَ اللّه تَعَالَى وَهُوَ الرّءُوف الرّحِيم أَنْ يُرْضَخ لَهُمْ شَيْء مِنْ الْوَسَط يَكُون بِرّا بِهِمْ وَصَدَقَة عَلَيْهِمْ وَإِحْسَاناً إِلَيْهِمْ وَجَبْراً لِكَسْرِهِمْ.
كَمَا قَالَ اللّه تَعَالَى: {كُلُوا مِنْ ثَمَره إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقّه يَوْم حَصَاده} [الأنعام: من الآية 141].
وَذَمّ الّذِينَ يَنْقُلُونَ المال خِفْيَة، خَشْيَة أَنْ يَطّلِع عَلَيْهِمْ المحَاوِيج وَذَوُو الْفَاقَة كَمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ أَصْحَاب الْجَنّة: {إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنّهَا مُصْبِحِينَ} [القلم: من الآية 17]، {فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَنْ لَا يَدْخُلَنّهَا الْيَوْم عَلَيْكُمْ مِسْكِين} [القلم: 23- 24]: {دَمّرَ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالهَا} [محمد: 10] فَمَنْ جَحَدَ حَقّ اللّه عَلَيْهِ عَاقَبَهُ فِي أَعَزّ مَا يَمْلِكهُ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيث: «مَا خَالَطَتْ الصّدَقَة مَالاً إِلّا أَفْسَدَتْهُ»، أي: مَنْعهَا يَكُون سَبَب مَحْق ذَلِكَ المال بِالْكُلّيّةِ. انتهى.
وقد روى البخاريّ عن ابن عباس، في الآية قال: هي محكمة وليست بمنسوخة، وفي لفظ عنه: هي قائمة يعمل بها.
وروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، في هذه الآية: أنها واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم.
وروى عبد الرزاق في مصنفه أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه عبد الرحمن، وعائشة حية، فلم يدع في الدار مسكيناً ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه، وتلا: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى} الآية.
وأخرج سعيد بن منصور عن يحيى بن يعمر قال: ثلاث آيات مدنيات محكمات ضيّعهن كثير من الناس: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ} وآية الاستئذان: {وَالّذِينَ لم يَبْلُغُوا الْحُلم مِنكُمْ} وقوله: {إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنثَى} الآية.
وقد ذكر هاهنا كثير من المفسرين آثاراً عن بعض السلف بأن هذه الآية منسوخة بآية الميراث، وهي من الضعف بمكان، ولقد أبعد القائل بالنسخ عن فهم سر الآية فيما ندبت إليه من هذه المكرمة الجليلة، وهي إسعاف من ذكر من المال الموروث، والنفس الأبية تنفر من أن تأخذ المال الجزل، وذو الرحم حاضر محروم، ولا يسعَف ولا يساعَد، فالآية بينة بنفسها، واضحة في معناها وضوح الشمس في الظهيرة، لا تنسخ أو تقومَ الساعة.

.تفسير الآية رقم (9):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} [9].
{وَلْيَخْشَ الّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} في الآية وجوه.
الأول: أنها أمر للأوصياء بأن يخشوا الله تعالى ويتقوه في أمر اليتامى، فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريّهم الضعاف بعد وفاتهم.
الثاني: أنها أمر لمن حضر المريض من العوّاد عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم أو يخشوا أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم، فلا يتركوه أن يضرّ بهم بصرف المال عنهم.
الثالث: أنها أمر للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين، متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافاً مثلهم، هل يجوّزون حرمانهم؟
الرابع: أنها أمر للموصين بأن ينظروا للورثة فلا يسرفوا في الوصية.
كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده قال: يا رسول الله! إني ذو مال ولا يرثني إلى ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا»، قال: فالشطر؟ قال: «لا»، قال: فالثلث، قال: «الثلث، والثلث كثير»، ثم قال رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس».
وفي الصحيح عن ابن عباس قال: لو غض الناس إلى الربع؟ لأن رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم قال الثلث: والثلث كثير- أو كبير-.
والوجه الأول: حكاه ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس، قال ابن كثير: وهو قول حسن يتأيد بما بعده من التهديد في أكل أموال اليتامى ظلماً.
ونقل الرازي عن القاضي: إن هذا الوجه أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام، فجعل تعالى آخر ما دعاهم إلى حفظ مال اليتيم أن ينبههم على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها، ولا شك أنه من أقوى الدواعي والبواعث في هذا المقصود.
قال الزمخشري: والقول السديد من الأوصياء أن لا يؤذوا اليتامى، ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب، ويدعوهم بـ يا بنيّ ويا ولدي، ومن الجالسين إلى المريض أن يقولوا له، إذا أراد الوصية: لا تسرف في وصيتك فتجحف بأولادك، مثل قول رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم لسعد: «إنك إن تترك ولدك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس»، ومن المتقاسمين ميراثهم أن يلطفوا القول ويجملوه للحاضرين.
لطيفة:
لا بد من حمل قوله تعالى: {تركوا} على المشارفة: ليصح وقوع {خافوا} خيراً له، ضرورة أنه لا خوف بعد حقيقة الموت وترك الورثة، ونظيره: {وَإِذَا طَلّقْتُمُ النّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنّ فَأَمْسِكُوهُنّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرّحُوهُنّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: من الآية 231]، أي: شارفن بلوغ الأجل، ولهذا المجاز، في التعبير عن المشارفة على الترك، بالترك، سرّ بديع، وهو التخويف بالحالة التي لا يبقى معها مطمع في الحياة، ولا في الذبّ عن الذرية الضعاف، وهي الحالة التي، وإن كانت من الدنيا، إلا أنها لقربها من الآخرة، ولصوقها بالمفارقة، صارت من حَيّزها، ومعبراً عنها بما يعبر به عن الحالة الكائنة بعد المفارقة من الترك، كذا في الانتصاف.
تنبيه:
قال بعض المفسرين: إن يجب أن يحب الإِنسَاْن لأخيه ما يحب لنفسه ويحب لذرية غيره من المؤمنين ما يحب لذريته، وأن على وليّ اليتيم أن لا يؤذي اليتيم، بل يكلمه كما يكلم أولاده بالأدب الحسن والترحيب، ويدعوا اليتيم: يا بني، يا ولدي، وقد جاء في الرقة على الأيتام آثار كثيرة.
وفي الآية إشارة إلى إرشاد الآباء، الذي يخشون ترك ذرية ضعاف، بالتقوى في سائر شؤونهم حتى تحفظ أبناؤهم وتغاث بالعناية منه تعالى، ويكون في إشعارها تهديد بضياع أولادهم إن فقدوا تقوى الله تعالى، وإشارة إلى أن تقوى الأصول تحفظ الفروع.
وأن الرجال الصالحين يحفظون في ذريتهم الضعاف، كما في آية: {وَأَمّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامينِ يَتِيمينِ فِي المدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً} [الكهف: 82]، إلى آخرها، فإن الغلامين حُفِظا، ببركة صلاح أبيهما، في أنفسهما ومالهما.

.تفسير الآية رقم (10):

القول في تأويل قوله تعالى: {إِنّ الّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلما إِنّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} [10].
{إِنّ الّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلما} أي: على وجه الظلم من الورثة، أو أولياء السوء وقضاته، بخلاف أكل الفقير الناظر في أموالهم بقدر أجرته، كما تقدم.
{إِنّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} أي: ما يجر إلى النار ويؤدي إليها.
{وَسَيَصْلَوْنَ} أي: في القيامة.
{سَعِيراً} أي: ناراً مستعرة.
روى ابن حبان في صحيحه وابن مردويه وابن أبي حاتم عن أبي برزة أن رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم قال: «يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم ناراً»، قيل: يا رسول الله! من هم؟ قال: ألم تر أن الله قال: {إِنّ الّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلماً} الآية.
لطيفة:
قال الزمخشري: في بطونهم، أي: ملء بطونهم، يقال: أكل فلان في بطنه وفي بعض بطنه، قال الشاعر:
كلوا في بعض بطنكموا تعفوا ** فإن زمانكم زمن خميص

قال الناصر: ومثله: قد بدت البغضاء من أفواههم أي: شرقوا بها وقالوها بملء أفواههم، ويكون المراد بذكر البطون تصوير الأكل للسامع حتى يتأكد عنده بشاعة هذا الجرم بمزيد تصوير، ولأجل تأكيد التشنيع على الظالم لليتيم في ماله، خص الأكل، لأنه أبشع الأحوال التي يتناول مال اليتيم فيها، والله أعلم.
تنبيه:
روى أبو داود والنسائي والحاكم وغيرهم أنه لما نزلت هذه الآية انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه، فيحبس له حتى أكله أو يفسد، فاشتد عليهم ذلك، فذكروا ذلك لرسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم فأنزل الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} [البقرة: من الآية 220]، الآية، فخلطوا طعامهم بطعامه وشرابه بشرابه، وقد مضى ذلك في سورة البقرة.
قال الرازي رحمه الله: ومن كالجهال من قال: صارت هذه الآية منسوخة بتلك، وهو بعيد، لأن هذه الآية في المنع من الظلم، وهذا لا يصير منسوخاً بتلك، بل المقصود أن مخالطة أموال اليتامى، إن كان على سبيل الظلم، فهو من أعظم أبواب الإثم، كما في هذه الآية، وإن كان على سبيل التربية والإحسان، فهو من أعظم أبواب البر، كما في قوله: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}.
وقال رحمه الله قبل ذلك: ما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته تعالى وكثرة عفوه وفضله، لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى، بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى.

.تفسير الآية رقم (11):

القول في تأويل قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا السّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لم يَكُن لّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمّهِ الثّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمّهِ السّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيماً} [11].
وقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} شروع في تفصيل أحكام المواريث المجملة.
في قوله تعالى: {لّلرّجَالِ نَصِيبٌ} إلخ.
قال الحافظ ابن كثير: هَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة وَاَلّتِي بَعْدهَا وَالْآيَة الّتِي هِيَ خَاتِمَة هَذِهِ السّوَرة، هُنّ آيَات عِلْم الْفَرَائِض، وَهُوَ مُسْتَنْبَط مِنْ هَذِهِ الْآيَات الثّلَاث، وَمِنْ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ مِمّا هُوَ كَالتّفْسِيرِ لِذَلِكَ. انتهى.
والمعنى: يأمركم الله ويعهد إليكم في شأن ميراث أولادكم بعد موتكم.
{لِلذّكَرِ} أي: منهم.
{مِثْلُ حَظّ الأُنثَيَيْنِ} أي: نصيبهما اجتماعاً وانفراداً.
أما الأول: فإنه يعدّ كل ذكر بأنثيين، في مثل ابن مع بنتين، وابن ابنٍ مع بنتي ابن، وهكذا في السافلين، فيضعف نصيبه ويأخذ سهمين، كما أن لهما سهمين، وأما الثاني فإن له الكل وهو ضعف نصيب البنت الواحدة، لأنه جعل لها في حال انفرادها النصف، فاقتضى ذلك أن للذكر، عند انفراده، مثلي نصيبها عند انفرادها، وذلك الكامل، فالمذكور هنا ميراث الذكر مطلقاً، مجتمعاً مع الإناث ومنفرداً، كما حققه صاحب الانتصاف.
تنبيه:
قال السيوطيّ: استدل بالآية من قال بدخول أولاد الابن في لفظ الأولاد للإجماع على إرثهم، دون أولاد البنت.
لطائف:
الأولى: وجه الحكمة في تضعيف نصيب الذكر هو احتياجه إلى مؤنة النفقة ومعاناة التجارة والتكسب وتحمل المشاق، فهو إلى المال أحوج، ولأنه لو كمل نصيبها، مع أنها قليلة العقل، كثيرة الشهوة لأتلفته في الشهوات إسرافاً، ولأنها قد تنفق على نفسها فقط، وهو على نفسه وزوجته.
الثانية: لم يقل: للذكر ضعف نصيب الأنثى، لأن الضعف يصدق على المثلين فصاعداً، فلا يكون نصاً، ولم يقل: للأنثيين مثل حظ الذكر، ولا للأنثى نصف حظ الذكر، تقديماً للذكر بإظهار مزيته على الأنثى، ولم يقل: للذكر مثلاً نصيب الأنثى، لأنه المثل في المقدار لا يتعدد إلا بتعدد الأشخاص، ولم يعتبر ههنا.
الثالثة: إيثار اسمي الذكر والأنثى على ما ذكر أولاً من الرجال والنساء، للتنصيص على استواء الكبار والصغار من الفريقين في الاستحقاق، من غير دخل للبلوغ والكبر في ذلك أصلاً، كما هو زعم أهل الجاهلية حيث كانوا لا يورثون الأطفال، كالنساء.
الرابعة: استنبط بعضهم من هذه الآية أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالدة بولدها، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعلم أنه أرحم بهم منهم.
كما جاء في الحديث الصحيح، وقد رأى امرأة من السبي، فرق بينها وبين ولدها فجعلت تدور على ولدها، فلما وجدته من السبي أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته، فقال رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم لأصحابه: «أَتَرَوْنْ هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على ذلك؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فوالله! لَلّهُ أرحم بعباده من هذه بولدها».
{فَإِن كُن} أي: الأولاد، والتأنيث باعتبار الخبر وهو قوله تعالى: {نِسَاء} يعني بنات خلصاً ليس معهن ذكر.
{فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} خبر ثان أو صفة لنساء، أي: نساء زائدات على اثنتين.
{فَلَهُنّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} أي: المتوفى المدلول عليه بقرينة المقام.
تنبيه:
ظاهر النظم القرآني أن الثلثين فريضة الثلاث من البنات فصاعداً حيث لا ذكر معهن، ولم يسم للبنتين فريضة.
وقد اختلف أهل العلم في فريضتهما، فذهب الجمهور إلى أن لهما، إذا انفردتا عن البنين، الثلثين.
وذهب ابن عباس إلى أن فريضتهما النصف، احتج الجمهور بالقياس على الأختين، فإن الله سبحانه قال في شأنهما: {فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثّلُثَانِ} فألحقوا البنتين بالأختين في استحقاقهما الثلثين، كما ألحقوا الأخوات، إذا زدن على اثنتين، بالبنات، في الاشتراك في الثلثين.
وقيل: في الآية ما يدل على أن للبنتين الثلثين، وذلك أنه لما كان للواحدة مع أخيها الثلث، كان للابنتين، إذا انفردتا، الثلثان، هكذا احتج بهذه الحجة إسماعيل بن عياش والمبرد.
قال النحاس: وهذا الاحتجاج عند أهل النظر غلط، لأن الاختلاف في البنتين إذا انفردتا عن البنين، وأيضاً للمخالف أن يقول: إذا ترك بنتين وابناً فللبنتين النصف، فهذا دليل على أن هذا فرضهما.
ويمكن تأييد ما احتج به الجمهور بأن الله سبحانه لما فرض للبنت الواحدة النصف إذا انفردت، بقوله: {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النّصْفُ} كان فرض البنتين، إذا انفردتا، فوق فرض الواحدة، وأوجب القياس على الأختين الاقتصار للبنتين على الثلثين.
وقيل إن {فوق} زائدة، والمعنى: إن كن نساء اثنتين، كقوله تعالى: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} [الأنفال: من الآية 12] أي: الأعناق.
ورد هذا النحاس وابن عطية فقالا: هو خطأ، لأن ظروف وجميع الأسماء لا يجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى.
قال ابن عطية: ولأن قوله {فوق الأعناق} هو الفصيح وليست {فوق} زائدة بل هي محكمة المعنى، لأن ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ، كما قال دريد بن الصمة: اخفض عن الدماغ وارفع عن العظم، فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال. انتهى.
وأيضاً لو كان لفظ {فوق} زائداً كما قالوا، لقال: فلهما ثلثا ما ترك، ولم يقل: فلهن ثلثا ما ترك.
وأوضح ما يحتج به للجمهور ما أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذيّ وابن ماجة وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم والبيهقيّ في سننه عَنْ جَابِرِ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرّبِيعِ بِابْنَتَيْهَا مِنْ سَعْدٍ إِلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللهُ عليّه وسلّم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدِ بْنِ الرّبِيعِ، قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيداً، وَإِنّ عَمّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا فَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا مَالاً، وَلاَ تُنْكَحَانِ إِلاّ وَلَهُمَا مَالٌ.
فقَالَ: «يَقْضِى اللّهُ فِي ذَلِكَ»، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللهُ عليّه وسلّم إِلَى عَمّهِمَا فَقَالَ: «أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثّلُثَيْنِ، وأُمّهُمَا الثّمُنَ، وَمَا بَقِىَ فَهُوَ لَكَ».
أخرجوه من طرق، عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر.
قال الترمذيّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَقِيلٍ، وَقَدْ رَوَاهُ شَرِيكٌ أَيْضاً عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَقِيلٍ من حديثه، كذا في فتح البيان.
{وَإِن كَانَتْ} أي: المولودة.
{وَاحِدَةً} أي: امرأة واحدة ليس معها أخ ولا أخت.
{فَلَهَا النّصْفُ} أي: نصف ما ترك، ولم يكمل لها لأنها ناقصة، ولذلك لم يُجعل لها الثلثان اللذان هما نصيب الابن معها، ثم ذكر، بعد ميراث الأولاد، ميراث الوالدين فقال: {وَلأَبَوَيْهِ} أي: الميت، وهو كناية عن غير مذكور، وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه، والمراد بالأبوين الأب والأم، والتثنية على لفظ الأب للتغليب.
{لِكُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا السّدُسُ مِمّا تَرَكَ} من المال.
{إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ} ذكر أو أنثى.
{فَإِن لم يَكُن لّهُ} للميت: {وَلَدٌ} ذكر أو أنثى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمّهِ الثّلُثُ} أي ثلث المال مما ترك، والباقي للأب للذكر مثل حظ الأنثيين لكن قرر لها الثلث تنزيلاً لها منزلة البنت مع الابن، لا منفردة، حطّاً لها عن درجتها، لقيام البنت مقام الميت في الجملة، قاله المهايميّ.
{فَإِن كَانَ لَهُ} أي: للميت: {إِخْوَةٌ} من الأب والأم، أو من الأب أو من الأم، ذكوراً أو إناثاً.
{فَلأُمّهِ السّدُسُ} يعني لأم الميت سدس التركة.
{مِن بَعْدِ وَصِيّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه الفروض المذكورة إنما تقسم للورثة من بعد إنفاذ وصية يوصي بها الميت إلى الثلث، ومن بعد قضاء دين على الميت.
وقرئ في السبع: {يوصي} مبنيًّا للمفعول وللفاعل.
قال الحافظ ابن كثير: أَجْمَعَ الْعُلَمَاء مِنْ السّلَف وَالْخَلَف عَلَى أَنّ الدّيْن مُقَدّم عَلَى الْوَصِيّة.
وَرَوَى أَحْمَد وَالترمذيّ وَابْن مَاجَهْ وَأَصْحَاب التّفَاسِير مِنْ حَدِيث اِبْن إِسْحَاق عَنْ الْحَارِث بْن عَبْد اللّه الْأَعْوَر عَنْ عليّ بْن أَبِي طَالِب رَضِي اللّهُ عَنْهُ قَالَ: إِنّكُمْ تَقْرَءُونَ هذه الآية: {مِن بَعْدِ وَصِيّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} «وَإِنّ رَسُول اللّه صَلّى اللهُ عليّه وسلّم قَضَى بِالدّيْنِ قَبْل الْوَصِيّة، وَإِنّ أَعْيَان بَنِي الْأُمّ يَتَوَارَثُونَ دُون بَنِي الْعِلّات، الرّجُل يَرِث أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمّه دُون أَخِيهِ لِأَبِيهِ».
ثُمّ قَالَ الترمذيّ: لَا نَعْرِفهُ إِلّا مِنْ حَدِيث الْحَارِث، وَقَدْ تَكَلّمَ فِيهِ بَعْض أَهْل الْعِلْم، لَكِنْ كَانَ حَافِظاً لِلْفَرَائِضِ، مُعْتَنِياً بِهَا وَبِالْحِسَابِ، فَاَللّه أَعْلَم.
قال السيوطيّ في الإكليل: في الآية أن الميراث إنما يقسم بعد قضاء الدين وتنفيذ الوصايا، وفيها مشروعية الوصية، واستدل بتقديمها في الذّكر من قال بتقديمها على الدين في التركة، وأجاب من أخرها بأنها قدمت لئلا يتهاون بها، واستدل بعمومها من أجاز الوصية بما قل أو كثر، ولو استغرق المال، ومن أجازها للوارث والكافر، حربياً أو ذمياً، واستدل بها من قال: إن الدّين يمنع انتقال التركة إلى ملك الوارث، ومن قال إن دين الحج والزكاة مقدم على الميراث، لعموم قوله: {أَوْ دَيْنٍ} انتهى.
وقد روى الإمام أحمد وابن ماجة بسند صحيح عَنْ سَعْدِ بْنِ الْأَطْوَلِ أَنّ أَخَاهُ مَاتَ وَتَرَكَ ثَلَاثَ مِائَةِ دِرْهَمٍ، وَتَرَكَ عِيَالاً فَأَرَدْتُ أَنْ أُنْفِقَهَا عَلَى عِيَالِهِ، فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللهُ عليّه وسلّم: «إِنّ أَخَاكَ مُحْتَبَسٌ بِدَيْنِهِ فَاقْضِ عَنْهُ»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ! قَدْ أَدّيْتُ عَنْهُ، إِلّا دِينَارَيْنِ ادّعَتْهُمَا امرأة وَلَيْسَ لَهَا بَيّنَةٌ، قَالَ: «فَأَعْطِهَا فَإِنّهَا مُحِقّةٌ».
لطيفة:
فائدة: وصف الوصية بقوله: {يُوصِي بِهَا} هو الترغيب في الوصي والندب إليها.
وإيثار أو المفيدة للإباحة في قوله: أو دين، على الواو للدلالة على تساويهما في الوجوب، وتقدمهما على القسمة مجموعين أو منفردين، وتقديم الوصية على الدّين، ذكْراً مع تأخرها عنه حكماً، ما قدمنا من إظهار كمال العناية بتنفيذها، لكونها مظنة التفريط في أدائها، ولاطرّادها، بخلاف الدين-، أفاده أبو السعود.
{آبَاؤكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} أي: لا تعلمون من أنفع لكم ممن يرثكم من أصولكم وفروعكم في عاجلكم وآجلكم، والمعنى: فرض الله الفرائض، على ما هو، على حكمة، ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم، فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة، والتفاوت في السهام بتفاوت المنافع، وأنتم لا تدرون تفاوتها، فتولى الله ذلك فضلاً منه، ولم يكلها إلى اجتهادكم لعجزكم عن معرفة المقادير، وهذه الجملة اعتراضية مؤكدة لأمر القسمة، وردّ لما كان في الجاهلية.
قال السمرقندي: ويقال: معنى الآية أن الله تعالى علمكم قسمة المواريث، وأنكم لا تدرون أيهم أقرب موتاً فيرث منه الآخر. انتهى.
{فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ} نصبت نصب مصدر مؤكد لفعل محذوف، أي: فرض الله ذلك فرضاً، أو لقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ} فإنه في معنى: يأمركم ويفرض عليكم.
{إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيما} أي: بالمصالح والرتب: {حَكِيماً} أي: في كل ما قضى وقدر، فيدخل فيه بيان أنصباء الذكر والأنثى، دخولاً أولياً.