فصل: تفسير الآيات (3- 5):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مدارك التنزيل وحقائق التأويل بـ «تفسير النسفي» (نسخة منقحة).



.تفسير الآيات (3- 5):

{لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5)}
{لاَهِيَةً} حال من ضمير يلعبون أو {وهم يلعبون} و{لاهية} حالان من الضمير في استمعوه. ومن قرأ {لاَهِيَةً} بالرفع يكون خبراً بعد خبر لقوله: {وهم} وارتفعت {قُلُوبِهِمْ} ب {لاهية} وهي من لها عنه إذا ذهل وغفل، والمعنى قلوبهم غافلة عما يراد بها، ومنها قال أبو بكر الوارق: القلب اللاهي المشغول بزينة الدنيا وزهرتها الغافل عن الآخرة وأهوالها {وَأَسَرُّواْ} وبالغوا في إخفاء {النجوى} وهي اسم من التناجي. ثم أبدل {الذين ظَلَمُواْ} من واو {وأسروا} إيذاناً بأنهم الموسومون بالظلم فيما أسروا به، أو جاء على لغة من قال (أكلوني البراغيث)، أو هو مجرور المحل لكونه صفة أو بدلاً من الناس، أو هو منصوب المحل على الذم، أو هو مبتدأ خبره {أسروا النجوى} فقدم عليه أي والذين ظلموا أسروا النجوى {هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السحر وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} هذا الكلام كله في محل النصب بدل من النجوى أي وأسروا هذا الحديث ويجوز أن يتعلق ب (قالوا) مضمراً والمعنى أنهم اعتقدوا أن الرسول لا يكون إلا ملكاً وأن كل من ادعى الرسالة من البشر وجاء بالمعجزة فهو ساحر ومعجزته سحر، فلذلك قالوا على سبيل الإنكار: أفتحضرون السحر وأنتم تشاهدون وتعاينون أنه سحر {قَالَ رَبّى} حمزة وعلي وحفص أي قال محمد وغيرهم {قل ربي} أي قل يا محمد للذين أسروا النجوى {يَعْلَمُ القول في السماء والأرض} أي يعلم قول كل قائل هو في السماء أو الأرض سراً كان أو جهراً {وَهُوَ السميع} لأقوالهم {العليم} بما في ضمائرهم.
{بَلْ قَالُواْ أضغاث أَحْلاَمٍ بَلِ افتراه بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} أضربوا عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام رآها في نومه فتوهمها وحياً من الله إليه، ثم إلى أنه كلام مفترى من عنده، ثم إلى أنه قول شاعر وهكذا الباطل لجلج والمبطل رجاع غير ثابت على قول واحد، ثم قالوا إن كان صادقاً في دعواه وليس الأمر كما يظن {فليأتنا بآية} بمعجزة {كَمَا أُرْسِلَ الأولون} كما أرسل من قبله باليد البيضاء والعصا وإبراء الأكمه وإحياء الموتى، وصحة التشبيه في قوله كما {أرسل الأولون} من حيث إنه في معنى كما أتى الأولون بالآيات لأن إرسال الرسل متضمن للإتيان بالآيات، ألا ترى أنه لا فرق بين قولك (أرسل محمد) وبين قولك (أتى بالمعجزة) فرد الله عليهم قولهم بقوله.

.تفسير الآيات (6- 9):

{مَا آَمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (9)}
{مَا ءامَنَتْ قَبْلَهُمْ مِن قَرْيَةٍ} من أهل قرية {أهلكناها} صفة ل {قرية} عند مجيء الآيات المقترحة لأنهم طلبوها تعنتاً {أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} أي أولئك لم يؤمنوا بالآيات لما أتتهم أفيؤمن هؤلاء المقترحون لو أتيناهم بما اقترحوا مع أنهم أعني منهم، والمعنى أن أهل القرى اقترحوا على أنبيائهم الآيات وعاهدوا أنهم يؤمنون عندها فلما جاءتهم نكثوا وخالفوا فأهلكهم الله فلو أعطينا هؤلاء ما يقترحون لنكثوا أيضاً.
{وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً} هذا جواب قولهم هل هذا إلا بشر مثلكم {نُّوحِى إِلَيْهِمْ} {نُوحِى} حفص {فاسألوا أَهْلَ الذكر} العلماء بالكتابين فإنهم يعرفون أن الرسل الموحى إليهم كانوا بشراً ولم يكونوا ملائكة وكان أهل مكة يعتمدون على قولهم {إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} ذلك. ثم بين أنه كمن تقدمه من الأنبياء بقوله {وَمَا جعلناهم جَسَداً} وحد الجسد لإرادة الجنس {لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام} صفة ل {جسداً} يعني وما جعلنا الأنبياء قبله ذوي جسد غير طاعمين {وَمَا كَانُواْ خالدين} كأنهم قالوا هلا كان ملكاً لا يطعم ويخلد، إما معتقدين أن الملائكة لا يموتون أو مسمين بقاءهم الممتد وحياتهم المتطاولة خلودا {ثُمَّ صدقناهم الوعد} بإنجائهم والأصل في الوعد مثل {واختار موسى قَوْمَهُ} [الأعراف: 155] أي من قومه {فأنجيناهم} مما حل بقومهم {وَمَن نَّشَاء} هم المؤمنون {وَأَهْلَكْنَا المسرفين} المجاوزين الحد بالكفر ودل الإخبار بإهلاك المسرفين على أن من نشاء غيرهم.

.تفسير الآيات (10- 13):

{لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10) وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13)}
{لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ} يا معشر قريش {كتابا فِيهِ ذِكْرُكُمْ} شرفكم إن عملتم به أو لأنه بلسانكم أو فيه موعظتكم أو فيه ذكر دينكم ودنياكم والجملة أي فيه ذكركم صفة ل {كتاباً} {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} ما فضلتكم به على غيركم فتؤمنوا {وَكَمْ} نصب بقوله {قَصَمْنَا} أي أهلكنا {مِن قَرْيَةٍ} أي أهلها بدليل قوله {كَانَتْ ظالمة} كافرة وهي واردة عن غضب شديد وسخط عظيم لأن القصم أفظع الكسر وهو الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء بخلاف الفصم فإنه كسر بلا إبانة {وَأَنشَأْنَا} خلقنا {بَعْدَهَا قَوْماً ءاخَرِينَ} فسكنوا مساكنهم.
{فَلَمَّا أَحَسُّواْ} أي المهلكون {بَأْسَنَا} عذابنا أي علموا علم حس ومشاهدة {إِذَا هُمْ مّنْهَا} من القرية و{إذا} للمفاجأة و{هم} مبتدأ والخبر {يَرْكُضُونَ} يهربون مسرعين، والركض ضرب الدابة بالرجل فيجوز أن يركبوا دوابهم يركضونها هاربين من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب، أو شبهوا في سرعة عدوهم على أرجلهم بالراكبين الراكضين لدوابهم فقيل لهم {لاَ تَرْكُضُواْ} والقائل بعض الملائكة {وارجعوا إلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ} نعمتم فيه من الدنيا ولين العيش. قال الخليل: المترف الموسع عليه عيشه القليل فيه همه {ومساكنكم لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} أي يقال لهم استهزاء بهم: ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غداً عما جرى عليكم ونزل بأموالكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، أو ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجالسكم حتى يسألكم عبيدكم ومن ينفذ فيه أمركم ونهيكم ويقولوا لكم بم تأمرون وكيف نأتي ونذر كعادة المنعمين المخدمين، أو يسألكم الناس في أنديتكم المعاون في نوازل الخطوب، أو يسألكم الوافدون عليكم والطماع ويستمطرون سحاب أكفكم، أو قال بعضهم لبعض: لا تركضوا وارجعوا إلى منازلكم وأموالكم لعلكم تسألون مالاً وخراجاً فلا تقتلون، فنودي من السماء يا لثارات الأنبياء وأخذتهم السيوف فثم.

.تفسير الآيات (14- 17):

{قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17)}
{قَالُواْ يَا وَيْلَنَآ قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظالمين} اعترافهم بذلك حين لا ينفعهم الاعتراف.
{فَمَا زَالَت تِلْكَ} هي إشارة إلى يا ويلنا {دَعْوَاهُمْ} دعاءهم و{تلك} مرفوع على أنه اسم {زالت} و{دعواهم} الخبر ويجوز العكس {حتى جعلناهم حَصِيداً} مثل الحصيد أي الزرع المحصود ولم يجمع كما لم يجمع المقدر {خامدين} ميتين خمود النار و{حصيدا خامدين} مفعول ثان ل (جعل) أي جعلناهم جامعين لمماثلة الحصد والخمود كقولك (جعلته حلواً حامضاً) أي جعلته جامعاً للطعمين.
{وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} اللعب فعل يروق أوله ولا ثبات له، ولاعبين حال من فاعل {خلقنا} والمعنى وما سوينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من أصناف الخلق للهو واللعب، وإنما سويناها ليستدل بها على قدرة مدبرها ولنجازي المحسن والمسيء على ما تقتضيه حكمتنا، ثم نزه ذاته عن سمات الحدوث بقوله {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً} أي ولداً أو امرأة كأنه رد على من قال: عيسى ابنه ومريم صاحبته {لاتخذناه مِن لَّدُنَّا} من الولدان أو الحور {إِن كُنَّا فاعلين} أي إن كنا ممن يفعل ذلك ولسنا ممن يفعله لاستحالته في حقنا. وقيل: هو نفي كقوله {وإن أدري} [الأنبياء: 109] أي ما كنا فاعلين.

.تفسير الآيات (18- 21):

{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20) أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21)}
{بَلْ نَقْذِفُ} {بل} إضراب عن اتخاذ اللهو وتنزيه منه لذاته كأنه قال سبحاننا أن نتخذ اللهو بل من سنتنا أن نقذف أي نرمي ونسلط {بالحق} بالقرآن {عَلَى الباطل} الشيطان أو بالإسلام على الشرك أو بالجد على اللعب {فَيَدْمَغُهُ} فيكسره ويدحض الحق الباطل، وهذه استعارة لطيفة لأن أصل استعمال القذف والدمغ في الأجسام، ثم استعير القذف لإيراد الحق على الباطل والدمغ لإذهاب الباطل فالمستعار منه حسي والمستعار له عقلي فكأنه قيل: بل نورد الحق الشبيه بالجسم القوي على الباطل الشبيه بالجسم الضعيف فيبطله إبطال الجسم القوي الضعيف {فَإِذَا هُوَ} أي الباطل {زَاهِقٌ} هالك ذاهب {وَلَكُمُ الويل مِمَّا تَصِفُونَ} الله به من الولد ونحوه.
{وَلَهُ مَن في السماوات والأرض} خلقاً وملكاً فأنى يكون شيء منه ولداً له وبينهما تنافٍ ويوقف على {الأرض} لأن {ومن عنده} منزلة ومكانة لا منزلاً ولا مكاناً يعني الملائكة مبتدأ خبره {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} لا يتعظمون {عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} ولا يعيون {يُسَبّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ} حال من فاعل {يسبحون} أي تسبيحهم متصل دائم في جميع أوقاتهم لا تتخلله فترة بفراغ أو بشغل آخر فتسبيحهم جارٍ مجرى التنفس منا. ثم أضرب عن المشركين منكراً عليهم وموبخاً فجاء ب (أم) التي بمعنى (بل) والهمزة فقال: {أَمِ اتخذوا الِهَةً مّنَ الأرض هُمْ يُنشِرُونَ} يحيون الموتى ومن الأرض صفة ل {الهة} لأن الهتهم كانت متخذة من جواهر الأرض كالذهب والفضة والحجر أو تعبد في الأرض فنسبت إليها كقولك (فلان من المدينة) أي مدني، أو متعلق ب {اتخذوا} ويكون فيه بيان غاية الاتخاذ، وفي قوله {هم ينشرون} زيادة توبيخ وإن لم يدعوا أن أصنامهم تحيي الموتى، وكيف يدعون ومن أعظم المنكرات أن ينشر الموتى بعض الموات لأنه يلزم من دعوى الألوهية لها دعوى الإنشار، لأن العاجز عنه لا يصح أن يكون إلهاً إذ لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور والإنشار من جملة المقدورات. وقرأ الحسن {ينشرون} بفتح الياء وهما لغتان أنشر الله الموتى ونشرها أي أحياها.

.تفسير الآيات (22- 24):

{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24)}
{لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله} أي غير الله وصفت الهة ب {إلا} كما وصفت ب (غير) لو قيل الهة غير الله، ولا يجوز رفعه على البدل لأن (لو) بمنزلة (إن) في أن الكلام معه موجب والبدل لا يسوغ إلا في الكلام غير الموجب كقوله تعالى: {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امرأتك} [هود: 81] ولا يجوز نصبه استثناء لأن الجمع إذا كان منكراً لا يجوز أن يستثنى منه عند المحققين لأنه لا عموم له بحيث يدخل فيه المستثنى لولا الاستثناء، والمعنى لو كان يدبر أمر السماوات والأرض آلهة شتى غير الواحد الذي هو فاطرهما {لَفَسَدَتَا} لخربتا لوجود التمانع وقد قررناه في أصول الكلام.
ثم نزه ذاته فقال: {فسبحان الله رَبّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ} من الولد والشريك.
{لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} لأنه المالك على الحقيقة، ولو اعترض على السلطان بعض عبيده مع وجود التجانس وجواز الخطأ عليه وعدم الملك الحقيقي لاستقبح ذلك وعد سفهاً، فمن هو مالك الملوك ورب الأرباب وفعله صواب كله أولى بأن لا يعترض عليه {وَهُمْ يُسْئَلُونَ} لأنهم مملوكون خطاؤون فما أخلقهم بأن يقال لهم لم فعلتم في كل شيء فعلوه. وقيل: وهم يسئلون يرجع إلى المسيح والملائكة أي هم مسئولون فكيف يكونون آلهة والألوهية تنافي الجنسية والمسئولية {أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ ءالِهَةً} الإعادة لزيادة الإفادة فالأول للإنكار من حيث العقل، والثاني من حيث النقل أي وصفتم الله تعالى بأن يكون له شريك فقيل لمحمد {قُلْ هَاتُواْ برهانكم} حجتكم على ذلك وذا عقلي وهو يأباه كما مر، أو نقلي وهو الوحي وهو أيضاً يأباه فإنكم لا تجدون كتاباً من الكتب السماوية إلا وفيه توحيده وتنزيهه عن الأنداد {هذا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ} يعني أمته {وَذِكْرُ مَن قَبْلِى} يعني أمم الأنبياء من قبلي وهو وارد في توحيد الله ونفي الشركاء عنه. {معي} حفص. فلما لم يمتنعوا عن كفرهم أضرب عنهم فقال: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحق} أي القرآن وهو نصب ب {يعلمون} وقرئ {الحق} أي هو الحق {فَهُمُ} لأجل ذلك {مُّعْرِضُونَ} عن النظر فيما يجب عليهم.

.تفسير الآيات (25- 28):

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28)}
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ} {إِلاَّ نُوحِى} كوفي غير أبي بكر وحماد {أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون} وحدوني فهذه الآية مقررة لما سبقها من آي التوحيد {وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً سُبْحَانَهُ} نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله فنزه ذاته عن ذلك ثم أخبر عنهم بأنهم عباد بقوله {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} أي بل هم عباد مكرمون مشرفون مقربون وليسوا بأولاد إذ العبودية تنافي الولادة {لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول} أي بقولهم فأنيبت اللام مناب الإضافة، والمعنى أنهم يتبعون قوله فلا يسبق قولهم قوله ولا يتقدمون قوله بقولهم {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} أي كما أن قولهم تابع لقوله فعملهم أيضاً مبني على أمره لا يعملون عملاً لم يأمروا به {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} أي ما قدموا وأخروا من أعمالهم {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى} أي لمن رضي الله عنه وقال لا إله إلا الله {وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} خائفون.

.تفسير الآيات (29- 31):

{وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29) أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31)}
{وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ} من الملائكة {إِنّى إله مّن دُونِهِ} من دون الله {إني} مدني وأبو عمرو {فَذَلِكَ} مبتدأ أي فذلك القائل خبره {نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} وهو جواب الشرط {كذلك نَجْزِى الظالمين} الكافرين الذين وضعوا الإلهية في غير موضعها وهذا على سبيل الفرض والتمثيل لتحقق عصمتهم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة والضحاك: قد تحقق الوعيد في إبليس فإنه ادعى الإلهية لنفسه ودعا إلى طاعة نفسه وعبادته.
{أَوَلَمْ يَرَ الذين كَفَرُواْ} {ألم ير} مكي {أَنَّ السماوات والأرض كَانَتَا} أي جماعة السماوات وجماعة الأرض فلذا لم يقل كن {رَتْقاً} بمعنى المفعول أي كانتا مرتوقتين وهو مصدر فلذا صلح أن يقع موقع مرتوقتين {ففتقناهما} فشققناهما، والفتق الفصل بين الشيئين والرتق ضد الفتق. فإن قيل: متى رأوهما رتقاً حتى جاء تقريرهم بذلك؟ قلنا: إنه وارد في القرآن الذي هو معجزة فقام مقام المرئي المشاهد، ولأن الرؤية بمعنى العلم وتلاصق الأرض والسماء وتباينهما جائزان في العقل، فالاختصاص بالتباين دون التلاصق لابد له من مخصص وهو القديم جل جلاله. ثم قيل: إن السماء كانت لاصقة بالأرض لافضاء بينهما ففتقناهما أي فصلنا بينهما بالهواء. وقيل: كانت السماوات مرتتقة طبقة واحدة ففتقها الله تعالى وجعلها سبع سماوات، وكذلك الأرض كانت مرتتقة طبقة واحدة ففتقها وجعلها سبع أرضين. وقيل: كانت السماء رتقاً لا تمطر والأرض رتقاً لا تنبت ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات {وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَئ حَىّ} أي خلقنا من الماء كل حيوان كقوله {والله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاء} [النور: 45] أو كأنما خلقناه من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه كقوله {خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37]
{أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} يصدقون بما يشاهدون.
{وَجَعَلْنَا في الأرض رَوَاسِىَ} جبالاً ثوابت من رسا إذا ثبت {أَن تَمِيدَ بِهِمْ} لئلا تضطرب بهم فحذف (لا) واللام، وإنما جاز حذف (لا) لعدم الالتباس كما تزاد لذلك في {لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب} [الحديد: 29] {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً} أي طرقاً واسعة جمع فج وهو الطريق الواسع ونصب على الحال من {سُبُلاً} متقدمة، فإن قلت: أي فرق بين قوله تعالى: {لّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً} [نوح: 20] وبين هذه؟ قلت: الأول للإعلام بأنه جعل فيها طرقاً واسعة، والثاني لبيان أنه حين خلقها خلقها على تلك الصفة فهو بيان لما أبهم ثم {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} ليهتدوا بها إلى البلاد المقصودة.