فصل: تفسير الآيات (172- 176):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مدارك التنزيل وحقائق التأويل بـ «تفسير النسفي» (نسخة منقحة).



.تفسير الآيات (172- 176):

{لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (173) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175) يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)}
{لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح} أي لن يأنف {أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ} هو رد على النصارى {وَلاَ الملئكة} رد على من يعبدهم من العرب وهو عطف على {المسيح} {المقربون} أي الكروبيون الذين حول العرش كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومن في طبقتهم. والمعنى: ولا الملائكة المقربون أن يكونوا عباداً لله فحذف ذلك لدلالة عبد الله عليه إيجازاً. وتشبثت المعتزلة والقائلون بتفضيل الملك على البشر بهذه الآية وقالوا: الارتقاء إنما يكون إلى الأعلى. يقال: فلان لا يستنكف عن خدمتي ولا أبوه، ولو قال (ولا عبده) لم يحسن وكان معنى قوله {ولا الملائكة المقربون} ولا من هو أعلى منه قدراً وأعظم منه خطراً، ويدل عليه تخصيص المقربين. والجواب أنا نسلم تفضيل الثاني على الأول ولكن هذا لا يمس ما تنازعنا فيه، لأن الآية تدل على أن الملائكة المقربين بأجمعهم أفضل من عيسى، ونحن نسلم بأن جميع الملائكة المقربين أفضل من رسول واحد من البشر. إلى هذا ذهب بعض أهل السنة، ولأن المراد أن الملائكة مع ما لهم من القدرة الفائقة قدر البشر والعلوم اللوحية وتجردهم عن التولد الازدواجي رأساً لا يستنكفون عن عبادته، فكيف بمن يتولد من آخر ولا يقدر على ما يقدرون ولا يعلم ما يعلمون! وهذا لأن شدة البطش وسعة العلوم وغرابة التكون هي التي تورث الحمقى أمثال النصارى وهم الترفع عن العبودية حيث رأوا المسيح ولد من غير أب وهو يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى وينبئ بما يأكلون ويدخرون في بيوتهم، فبرءوه من العبودية فقيل لهم هذه الأوصاف في الملائكة أتم منها في المسيح، ومع هذا لم يستنكفوا عن العبودية فكيف المسيح! والحاصل أن خواص البشر وهم الأنبياء عليهم السلام أفضل من خواص الملائكة وهم الرسل منهم، كجبريل وميكائيل وعزرائيل ونحوهم، وخواص الملائكة أفضل من عوام المؤمنين من البشر، وعوام المؤمنين من البشر أفضل من عوام الملائكة، ودليلنا على تفضيل البشر على الملك ابتداء أنهم قهروا نوازع الهوى في ذات الله تعالى مع أنهم جبلوا عليها فضاهت الأنبياء عليهم السلام الملائكة عليهم السلام في العصمة وتفضلوا عليهم في قهر البواعث النفسانية والدواعي الجسدانية، فكانت طاعتهم أشق لكونها مع الصوارف بخلاف طاعة الملائكة لأنهم جبلوا عليها فكانت أزيد ثواباً بالحديث {وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ} يترفع ويطلب الكبرياء {فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً} فيجازيهم على استنكافهم واستكبارهم.
ثم فصل فقال:
{فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الذين استنكفوا واستكبروا فَيُعَذّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} فإن قلت: التفصيل غير مطابق للمفصل لأن التفصيل اشتمل على الفريقين والمفصل على فريق واحد، قلت: هو مثل قولك (جمع الإمام الخوارج) فمن لم يخرج عليه كساه وحمله، ومن خرج عليه نكل به.
وصحة ذلك لوجهين: أحدهما أنه حذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه لأن ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله تعالى بعد هذا: {فأما الذين آمنوا باللّه واعتصموا به}. والثاني أن الإحسان إلى غيرهم مما يغمهم فكان داخلاً في جملة التنكيل بهم فكأنه قيل: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وبما يصيبه من عذاب الله: {يَأَيُّهَا الناس قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ مّن رَّبّكُمْ} أي رسول يبهر المنكر بالإعجاز {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} قرآناً يستضاء به في ظلمات الحيرة {فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ بالله واعتصموا بِهِ} بالله أو بالقرآن {فَسَيُدْخِلُهُمْ في رَحْمَةٍ مَّنْهُ} أي جنة {وَفَضَّلَ} زيادة النعمة {وَيَهْدِيهِمْ} ويرشدهم {إِلَيْهِ} إلى الله أو إلى الفضل أو إلى صراطه {صراطا مُّسْتَقِيماً} ف {صراطاً} حال من المضاف المحذوف.
{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ في الكلالة} كان جابر بن عبد الله مريضاً فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني كلالة فكيف أصنع في مالي؟ فنزلت {إِنِ امرؤا هَلَكَ} ارتفع {امرؤ} بمضمر يفسره الظاهر ومحل {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} الرفع على الصفة أي إن هلك امرؤ غير ذي ولد، والمراد بالولد الابن وهو مشترك يقع على الذكر والأنثى لأن الابن يسقط الأخت ولا تسقطها البنت {وَلَهُ أُخْتٌ} أي لأب وأم أو لأب {فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} أي الميت {وَهُوَ يَرِثُهَا} أي الأخ يرث الأخت جميع مالها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها {إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ} أي ابن لأن الابن يسقط الأخ دون البنت. فإن قلت: الابن لا يسقط الأخ وحده فالأب نظيره في الإسقاط، فلم اقتصر على نفي الولد؟ قلت: بين حكم انتفاء الولد ووكل حكم انتفاء الوالد إلى بيان السنة وهو قوله عليه السلام: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر» والأب أولى من الأخ {فَإِن كَانَتَا اثنتين} أي فإن كانت الأختان اثنتين دل على ذلك وله أخت {فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً} أي وإن كان من يرث بالإخوة. والمراد بالإخوة الإخوة والأخوات تغليباً لحكم الذكورة {رّجَالاً وَنِسَاء} ذكوراً وإناثاً {فَلِلذَّكَرِ} منهم {مِثْلُ حَظّ الأنثيين يُبَيّنُ الله لَكُمْ} الحق فهو مفعول {يبين} {أَن تَضِلُّواْ} كراهة أن تضلوا {والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ} يعلم الأشياء بكنهها قبل كونها وبعده.

.سورة المائدة:

.تفسير الآيات (1- 3):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)}
{يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود} يقال وفى بالعهد وأوفى به، والعقد العهد الموثق شبه بعقد الحبل ونحوه وهي عقود الله التي عقدها على عباده وألزمها إياهم من مواجب التكليف، أو ما عقد الله عليكم، أو ما تعاقدتم بينكم. والظاهر أنها عقود الله عليهم في دينه من تحليل حلاله وتحريم حرامه، وأنه كلام قدم مجملاً ثم عقب بالتفصيل وهو قوله {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام} والبهيمة كل ذات أربع قوائم في البر والبحر، وإضافتها إلى الأنعام للبيان وهي بمعنى {من} كخاتم فضة ومعناه، البهيمة من الأنعام وهي الأزواج الثمانية. وقيل: بهيمة الأنعام: الظباء وبقر الوحش ونحوهما {إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ} آية تحريمه وهو قوله {حرمت عليكم الميتة} الآية {غَيْرَ مُحِلّي الصيد} حال من الضمير في {لكم} أي أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الصيد {وَأَنتُمْ حُرُمٌ} حال من {محلى الصيد} كأنه قيل: أحللنا لكم بعض الأنعام في حال امتناعكم من الصيد وأنتم محرمون لئلا يضيق عليكم، والحرم جمع حرام وهو المحرم {إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} من الأحكام أو من التحليل والتحريم ونزل نهياً عن تحليل ما حرم {يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله} جمع شعيرة وهي اسم ما أشعر أي جعل شعاراً وعلماً للنسك به من مواقف الحج ومرامي الجمار والمطاف والمسعى والأفعال التي هي علامات الحاج يعرف بها من الإحرام والطواف والسعي والحلق والنحر {وَلاَ الشهر الحرام} أي أشهر الحج {وَلاَ الهدى} وهو ما أهدي إلى البيت وتقرب به إلى الله تعالى من النسائك وهو جمع هدية {وَلاَ القلائد} جمع قلادة وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة مزادة أو لحاء شجر أو غيره {وَلا ءَامّينَ البيت الحرام} ولا تحلوا قوماً قاصدين المسجد الحرام وهم الحجاج والعمار، وإحلال هذه الأشياء أن يتهاون بحرمة الشعائر وأن يحال بينها وبين المتنسكين بها، وأن يحدثوا في أشهر الحج ما يصدون به الناس عن الحج وأن يتعرضوا للهدى بالغصب أو بالمنع من بلوغ محله. وأما القلائد فجاز أن يراد بها ذوات القلائد وهي البدن وتعطف على الهدى للاختصاص لأنها أشرف الهدى كقوله: {وَجِبْرِيلَ وميكال} [البقرة: 98]. كأنه قيل: والقلائد منها خصوصاً، وجاز أن ينهى عن التعرض لقلائد الهدي مبالغة في النهي عن التعرض للهدي أي ولا تحلوا قلائدها فضلاً أن تحلوها كما قال: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [النور: 31] فنهى عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها {يَبْتَغُونَ} حال من الضمير في {آمين} {فَضْلاً مّن رَّبِّهِمْ} أي ثواباً {ورضوانا} وأن يرضى عنهم أي لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم تعظيماً لهم {وَإِذَا حَلَلْتُمْ} خرجتم من الإحرام {فاصطادوا} إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم بقوله {غير محلي الصيد وأنتم حرم}.
{وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ} جرم مثل كسب في تعديته إلى مفعول واحد واثنين، تقول جرم ذنباً نحو كسبه وجرمته ذنباً نحو كسبته إياه، وأول المفعولين ضمير المخاطبين والثاني {أن تعتدوا} {وأن صدوكم} متعلق بالشنآن بمنعى العلة وهو شدة البغض، وبسكون النون شامي وأبو بكر، والمعنى: ولا يكسبنكم بغض قوم لأن صدوكم الاعتداء ولا يحملنكم عليه. {إن صدوكم} على الشرط: مكي وأبو عمرو ويدل على الجزاء ما قبله وهو {لا يجرمنكم} ومعنى صدهم إياهم عن المسجد الحرام منع أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة، ومعنى الاعتداء الانتقام منهم بإلحاق مكروه بهم {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى} على العفو والإغضاء {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان} على الانتقام والتشفي، أو البر فعل المأمور، والتقوى ترك المحظور، والإثم ترك المأمور والعدوان فعل المحظور، ويحوز أن يراد العموم لكل بر وتقوى، ولكل إثم وعدوان فيتناول بعمومه العفو والانتصار {واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ} لمن عصاه وما اتقاه.
ثم بين ما كان أهل الجاهلية يأكلونه فقال: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة} أي البهيمة التي تموت حتف أنفها {والدم} أي المسفوح وهو السائل {وَلَحْمَ الخنزير} وكله نجس. وإنما خص اللحم لأنه معظم المقصود {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ} أي رفع الصوت به لغير الله وهو قولهم (باسم اللات والعزى) عند ذبحه {والمنخنقة} التي خنقوها حتى ماتت أو انخنقت بالشبكة أو غيرها {والموقوذة} التي أثخنوها ضرباً بعصا أو حجر حتى ماتت {والمتردية} التي تردت من جبل أو في بئر فماتت {والنطيحة} المنطوحة وهي التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح {وَمَا أَكَلَ السبع} بعضه ومات بجرحه {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} إلا ما أدركتم ذكاته وهو يضطرب اضطراب المذبوح، والاستثناء يرجع إلى المنخنقة وما بعدها، فإنه إذا أدركها وبها حياة فذبحها وسمى عليها حلت {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب} كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت يذبحون عليها يعظمونها بذلك ويتقربون إليها تسمى الأنصاب واحدها نصب، أو هو جمع والواحد نصاب {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام} في موضع الرفع بالعطف على الميتة أي حرمت عليكم الميتة وكذا وكذا والاستقسام بالأزلام وهي القداح المعلمة واحدها زلم وزلم، كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو غير ذلك يعمد إلى قداح ثلاثة على واحد منها مكتوب (أمرني ربي) وعلى الآخر (نهاني) والثالث (غُفْلٌ). فإن خرج الآمر مضى لحاجته، وإن خرج الناهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاده، فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة ما قسم له مما لم يقسم له بالأزلام.
قال الزجاج: لا فرق بين هذا وبين قول المنجمين (لا تخرج من أجل نجم كذا واخرج لطلوع نجم كذا). وفي شرح التأويلات رد هذا وقال: لا يقول المنجم (إن نجم كذا يأمر بكذا ونجم كذا ينهى عن كذا) كما كان فعل أولئك، ولكن المنجم جعل النجوم دلالات وعلامات على أحكام الله تعالى. ويجوز أن يجعل الله في النجوم معاني وأعلاماً يدرك بها الأحكام ويستخرج بها الأشياء ولا لائمة في ذلك إنما اللائمة عليه فيما يحكم على الله ويشهد عليه. وقيل: هو الميسر وقسمتهم الجزور على الأنصباء المعلومة {ذلكم فِسْقٌ} الاستقسام بالأزلام خروج عن الطاعة، ويحتمل أن يعود إلى كل محرم في الآية.
{اليوم} ظرف ل {يئس} ولم يرد به يوم بعينه وإنما معناه الآن، وهذا كما تقول (أنا اليوم قد كبرت) تريد الآن. وقيل: أريد يوم نزولها وقد نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع {يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} يئسوا منه أن يبطلوه أو يئسوا من دينكم أن يغلبوه لأن الله تعالى وفى بوعده من إظهاره على الدين كله {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} بعد إظهار الدين وزوال الخوف من الكفار وانقلابهم مغلوبين بعدما كانوا غالبين {واخشون} بغير ياء في الوصل والوقف أي أخلصوا لي الخشية.
{اليوم} ظرف لقوله {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} بأن كفيتم خوف عدوكم وأظهرتكم عليهم كما يقول الملوك: (اليوم كمل لنا الملك) أي كفينا من كنا نخافه، أو أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام والتوقيف على شرائع الإسلام وقوانين القياس {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين وهدم منار الجاهلية ومناسكهم {وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً} حال. اخترته لكم من بين الأديان وآذنتكم بأنه هو الدين المرضي وحده {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] {فَمَنِ اضطر} متصل بذكر المحرمات، وقوله {ذلكم فسق} اعتراض أكد به معنى التحريم، وكذا ما بعده لأن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإسلام المنعوت بالرضا دون غيره من الملل ومعناه، فمن اضطر إلى الميتة أو إلى غيرها {فِي مَخْمَصَةٍ} مجاعة {غَيْرَ} حال {مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} مائل إلى إثم أي غير متجاوز سد الرمق {فَإِنَّ الله غَفُورٌ} لا يؤاخذه بذلك {رَّحِيمٌ} بإباحة المحظور للمعذور.

.تفسير الآيات (4- 5):

{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5)}
{يَسْئَلُونَكَ} في السؤال معنى القول فلذا وقع بعده {مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} كأنه قيل: يقولون لك ماذا أحل لهم. وإنما لم يقل (ماذا أحل لنا) حكاية لما قالوا، لأن {يسألونك} بلفظ الغيبة كقولك (أقسم زيد ليفعلن) ولو قيل (لأفعلن) وأحل لنا لكان صواباً. و{ماذا} مبتدأ و{أحل لهم} خبره كقولك (أي شيء أحل لهم) ومعناه ماذا أحل لهم من المطاعم كأنهم حين تلى عليهم ما حرم عليه من خبيثات المآكل سألوا عما أحل لهم منها فقال: {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات} أي ما ليس بخبيث منها أو هو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب الله أو سنة أو إجماع أو قياس {وَمَا عَلَّمْتُمْ} عطف على {الطيبات} أي أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم فحذف المضاف، أو تجعل {ما} شرطية وجوابها {فكلوا} {مّنَ الجوارح} أي الكواسب للصيد من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والعقاب والصقر والبازي والشاهين، وقيل: هي من الجراحة فيشترط للحل الجرح {مُكَلِّبِينَ} حال من {علمتم}. وفائدة هذه الحال مع أنه استغنى عنها ب {علمتم} أن يكون من يعلم الجوارح موصوفاً بالتكليب، والمكلب مؤدب الجوارح ومعلمها مشتق من الكلب، لأن التأديب في الكلاب أكثر فاشتق من لفظه لكثرته في جنسه، أو لأن السبع يسمى كلباً ومنه الحديث: «اللهم سلط عليه كلباً من كلابك» فأكله الأسد. {تُعَلِّمُونَهُنَّ} حال أو استئناف ولا موضع له. وفيه دليل على أن على كل آخذ علماً أن لا يأخذه إلا من أقتل أهله علماً وأنحرهم دراية، فكم من آخذ عن غير متقن قد ضيع أيامه وعض عند لقاء النحارير أنامله. {مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله} من التكليب {فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} الإمساك على صاحبه أن لا يأكل منه فإن أكل منه لم يؤكل إذا كان صيد كلب ونحوه، فأما صيد البازي ونحوه فأكله لا يحرمه وقد عرف في موضعه.
والضمير في {واذكروا اسم الله عَلَيْهِ} يرجع إلى ما أمسكن على معنى وسموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى ما علمتم من الجوارح أي سموا عليه عند إرساله {واتقوا الله} واحذروا مخالفة أمره في هذا كله {إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب} إنه محاسبكم على أفعالكم ولا يلحقه فيه لبث. {اليوم} الآن {أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات} كرره تأكيداً للمنة {وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ} أي ذبائحهم لأن سائر الأطعمة لا يختص حلها بالملة {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} فلا جناح عليكم أن تطعموهم لأنه لوكان حراماً عليهم طعام المؤمنين لما ساغ لهم إطعامهم {والمحصنات مِنَ المؤمنات} هن الحرائر أو العفائف، وليس هذا بشرط لصحة النكاح بل هو للاستحباب لأنه يصح نكاح الإماء من المسلمات ونكاح غير العفائف.
وتخصيصهن بعث على تخير المؤمنين لنطفهم وهو معطوف على {الطيبات} أو مبتدأ والخبر محذوف أي والمحصنات من المؤمنات حل لكم {والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ} هن الحرائر الكتابيات أو العفائف الكتابيات {إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أعطيتموهن مهورهن {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين} متزوجين غير زانين {وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} صدائق والخدن يقع على الذكر والأنثى {وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان} بشرائع الإسلام وما أحل الله وحرم {فَقَدْ حَبِطَ} بطل {عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين}.