فصل: تفسير الآيات (75- 81):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مدارك التنزيل وحقائق التأويل بـ «تفسير النسفي» (نسخة منقحة).



.تفسير الآيات (75- 81):

{إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75) وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77) أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)}
{إِذَا} لو قاربت تركن إليهم أدنى ركنة {إِذًا لأذقناك ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات} لأذقناك عذاب الآخرة وعذاب القبر مضاعفين لعظيم ذنبك بشرف منزلتك ونبوتك كما قال: {يانساء النبى مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بفاحشة} [الأحزاب: 30] الآية. وأصل الكلام لأذقناك عذاب الحياة وعذاب الممات لأن العذاب عذابان: عذاب في الممات وهو عذاب القبر، وعذاب في حياة الآخرة وهو عذاب النار. والعذاب يوصف بالضعف كقوله: {فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النار} [الأعراف: 38] أي مضاعفاً فكأن أصل الكلام لأذقناك عذاباً ضعفاً في الحياة وعذاباً ضعفاً في الممات، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه وهو الضعف، ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف فقيل ضعف الحياة وضعف الممات. ويجوز أن يراد بضعف الحياة عذاب الحياة الدنيا، وبضعف الممات ما يعقب الموت من عذاب القبر وعذاب النار. وفي ذكر الكيدودة وتقليلها مع إتباعها الوعيد الشديد بالعذاب المضاعف في الدارين دليل على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظم شأن فاعله، ولما نزلت كان عليه السلام يقول: «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} معيناً لك يمنع عذابنا عنك.
{وَإِن كَادُواْ} أي أهل مكة {لَيَسْتَفِزُّونَكَ} ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم {مّنَ الأرض} من أرض مكة {لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ} لا يبقون {خلافك} بعدك أي بعد إخراجك {خلافك} كوفي غير أبي بكر وشامي بمعناه {إِلاَّ قَلِيلاً} زماناً قليلاً فإن الله مهلكهم وكان كما قال: فقد أهلكوا ببدر بعد إخراجه بقليل، أو معناه ولو أخرجوك لاستؤصلوا عن بكرة أبيهم ولم يخرجوه بل هاجر بأمر ربه. وقيل: من أرض العرب أو من أرض المدينة {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا} يعني أن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم فسنة الله أن يهلكهم، ونصبت نصب المصدر المؤكد أي سن الله ذلك سنة {وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} تبديلاً.
{أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس} لزوالها. على هذه الآية جامعة للصلوات الخمس، أو لغروبها وعلى هذا يخرج الظهر والعصر {إلى غَسقِ الليل} هو الظلمة وهو وقت صلاة العشاء {وقرءان الفجر} صلاة الفجر سميت قرآناً وهو القراءة لكونها ركناً كما سميت ركوعاً وسجوداً، وهو حجة على الأَصم حيث زعم أن القراءة ليست بركن، أو سميت قرآناً لطول قراءتها وهو عطف على {الصلاة} {إن قرءان الفجر كان مشهوداً} يشهده ملائكة الليل والنهار ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار، أو يشهده الكثير من المصلين في العادة {وَمِنَ اليل} وعليك بعض الليل {فَتَهَجَّدْ} والتهجد ترك الهجود للصلاة ويقال في النوم أيضاً تهجد {بِهِ} بالقرآن {نَافِلَةً لَّكَ} عبادة زائدة لك على الصلوات الخمس، وضع {نافلة} موضع (تهجداً) لأن التهجد عبادة زائدة فكان التهجد والنافلة يجمعهما معنى واحد، والمعنى أن التهجد زيد لك على الصلوات المفروضة غنيمة لك أو فريضة عليك خاصة دون غيرك لأنه تطوع لهم {عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا} نصب على الظرف أي عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاماً محموداً، أو ضمن يبعثك معنى يقيمك وهو مقام الشفاعة عند الجمهور، ويدل عليه الأخبار أو هو مقام يعطى فيه لواء الحمد.
{وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ} هو مصدر أي أدخلني القبر إدخالاً مرضياً على طهارة من الزلات {وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ} أي أخرجني منه عند البعث إخراجاً مرضياً ملقى بالكرامة آمناً من الملامة، دليله ذكره على أثر ذكر البعث. وقيل: نزلت حين أمر بالهجرة يريد إدخال المدينة والإخراج من مكة، أو هو عام في كل ما يدخل فيه ويلابسه من أمر ومكان {واجعل لّي مِن لَّدُنْكَ سلطانا نَّصِيرًا} حجة تنصرني على من خالفني أو ملكاً وعزاً قوياً ناصراً للإسلام على الكفر مظهراً له عليه {وَقُلْ جَاء الحق} الإسلام {وَزَهَقَ} وذهب وهلك {الباطل} الشرك أو جاء القرآن وهلك الشيطان {إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا} كان مضمحلاً في كل أوان.

.تفسير الآيات (82- 85):

{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (83) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (84) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)}
{وَنُنَزّلُ} وبالتخفيف: أبو عمرو {مِن القرآن} {من} للتبيين {مَا هُوَ شِفَاء} من أمراض القلوب {وَرَحْمَةً} وتفريج للكروب وتطهير للعيوب وتكفير للذنوب {لِلْمُؤْمِنِينَ} وفي الحديث: «من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله» {وَلاَ يَزِيدُ الظالمين} الكافرين {إَلاَّ خَسَارًا} ضلالاً لتكذيبهم به وكفرهم {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان} بالصحة والسعة {أَعْرَضَ} عن ذكر الله أو أنعمنا بالقرآن أعرض {وَنَأَى بِجَانِبِهِ} تأكيد للإعراض لأن الإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه والنأي بالجانب أي يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره، أو أراد الاستكبار لأن ذلك من عادة المستكبرين {نأى} بالأمالة: حمزة وبكسرها عليَّ {وَإِذَا مَسَّهُ الشر} الفقر والمرض أو نازلة من النوازل {كَانَ يَئُوساً} شديد اليأس من روح الله {قُلْ كُلٌّ} أي كل أحد {يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ} على مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلال {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلاً} أسد مذهباً وطريقة.
{وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى} أي من أمر يعلمه ربي، الجمهور على أنه الروح الذي في الحيوان، سألوه عن حقيقته فأخبر أنه من أمر الله أي مما استأثر بعلمه. وعن أبي هريرة: لقد مضى النبي صلى الله عليه وسلم وما يعلم الروح، وقد عجزت الأوائل عن إدراك ماهيته بعد إنفاق الأعمار الطويلة على الخوض فيه. والحكمة في ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له ليدل على أنه عن إدراك خالقه أعجز، ولذا رد ما قيل في حده أنه جسم دقيق هوائي في كل جزء من الحيوان. وقيل: هو خلق عظيم روحاني أعظم من الملك. وعن ابن عباس رضي الله عنهما هو جبريل عليه السلام: {نزل به الروح الأمين على قلبك} [الشعراء: 193] وعن الحسن: القرآن دليله: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} [الشورى: 52] ولأن به حياة القلوب و{من أمر ربي} أي من وحيه وكلامه ليس من كلام البشر. ورُوي أن اليهود بعثت إلى قريش أن سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح، فإن أجاب عن الكل أو سكت عن الكل فليس بنبي، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي، فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة فندموا على سؤالهم. وقيل: كان السؤال عن خلق الروح يعني أهو مخلوق أم لا. وقوله: {من أمر ربي} دليل خلق الروح فكان هذا جواباً {وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً} الخطاب عام فقد رُويَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك قالوا: نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه فقال: «بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلاً» وقيل: هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة وقد تلوت {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم الله. فالقلة والكثرة من الأمور الإضافية، فالحكمة التي أوتيها العبد خير كثير في نفسها إلا أنها إذا أضيفت إلى علم الله تعالى فهي قليلة. ثم نبه على نعمة الوحي وعزاه بالصبر على أذى الجدال في السؤال بقوله:

.تفسير الآية رقم (86):

{وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86)}
{وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} {لنذهبن} جواب قسم محذوف مع نيابته عن جزاء الشرط، واللام الداخلة على (إن) توطئة للقسم، والمعنى إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من الصدور والمصاحف فلم نترك له أثراً {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً} أي ثم لا تجد لك بعد الذهاب به من يتوكل علينا باسترداده وإعادته محفوظاً مسطوراً.

.تفسير الآيات (87- 91):

{إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91)}
{إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا} أي إلا إن يرحمك ربك فيرده عليك كأن رحمته تتوكل عليه بالرد، أو يكون على الاستثناء المنقطع أي ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به، وهذا امتنان من الله تعالى ببقاء القرآن محفوظاً بعد المنة العظيمة في تنزيله وتحفيظه ونزل جواباً لقول النضر: {لو نشاء لقلنا مثل هذا} [الأنفال: 21]
{قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} معيناً و{لا يأتون} جواب قسم محذوف، ولولا اللام الموطئة لجاز أن يكون جواباً للشرط كقوله:
يقول لا غائب مالي ولا حرم

لأن الشرط وقع ماضياً أي لو تظاهروا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في بلاغته وحسن نظمه وتأليفه لعجزوا عن الإتيان بمثله {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} رددنا وكررنا {لِلنَّاسِ فِي هذا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} من كل معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه {فأبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} جحوداً. وإنما جاز {فأبى أكثر الناس إلا كفوراً} ولم يجز (ضربت إلا زيداً) لأن أبى متأول بالنفي كأنه قيل: فلم يرضوا إلا كفوراً. ولما تبين إعجاز القرآن وانضمت إليه المعجزات الأخر ولزمتهم بالحجة وغلبوا اقترحوا الآيات فعل المبهوت المحجوج المتحير.
{وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تفْجُرَ لَنَا} وبالتخفيف: كوفي {مِنَ الأرْضِ} أي مكة {يَنبُوعاً} عيناً غزيرة من شأنها أن تنبع بالماء لا تقطع، يفعول من نبع الماء {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ} والتشديد هنا مجمع عليه {الأنْهَارَ خَلالَهَا} وسطها {تَفْجيراً}.

.تفسير الآيات (92- 94):

{أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94)}
{أَوْ تُسْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً} بفتح السين: مدني وعاصم. أي قطعاً يقال: أعطني كسفة من هذا الثوب. وبسكون السين: غيرهما جمع كسفة كسدرة وسدر يعنون قوله {إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء} [سبأ: 9] {أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً} كفيلاً بما تقول شاهداً بصحته، والمعنى أو تأتي بالله قبيلاً وبالملائكة قبلاً كقوله: (كنت منه ووالدي برياً) أو مقابلاً كالعشير بمعنى المعاشر ونحوه: {لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا} [الفرقان: 21] أو جماعة حالاً من الملائكة {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ} ذهب {أَوْ ترقى في السَّمَآءِ} تصعد إليها {وَلَنْ نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ} لأجل رقيك {حتى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا} وبالتخفيف: أبو عمرو {كِتاباً} أي من السماء فيه تصديقك {تقرؤُه} صفة كتاب {قُلْ} {قال} مكي وشامي أي قال الرسول {سُبْحَانَ رَبِّي} تعجب من اقتراحاتهم عليه {هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} أي أنا رسول كسائر الرسل بشر مثلهم، وكان الرسل لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله عليهم من الآيات فليس أمر الآيات إلى إنما هو إلى الله، فما بالكم تتخيرونها علي {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ} يعني أهل مكة، ومحل {أَن يُؤْمِنُوا} نصب بأنه مفعول ثان ل {منع} {إِذْ جَآءَهُمُ الهدى} النبي والقرآن {إِلاَّ أَن قَالُوا} فاعل {منع} والتقدير: وما منعهم الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا قولهم {أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} أي إلا شبهة تمكنت في صدورهم وهي إنكارهم أن يرسل الله البشر، والهمزة في {أبعث الله} للإنكار وما أنكروه ففي قضية حكمته منكر.
ثم رد الله عليهم بقوله:

.تفسير الآيات (95- 97):

{قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (95) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (96) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97)}
{قُل لَّوْ كَانَ فِي الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ} على أقدامهم كما يمشي الإنس، ولا يطيرون بأجنحتهم إلى السماء فيسمعوا من أهلها ويعلموا ما يجب علمه {مُطْمَئِنِّينَ} حال أي ساكنين في الأرض قارين {لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} يعلمهم الخير ويهديهم المراشد، فأما الإنس فإنما يرسل الملك إلى مختار منهم للنبوة فيقوم ذلك المختار بدعوتهم وإرشادهم و{بشراً} و{ملكاً} حالان من {رسولاً} {قُلْ كفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} على أني بلغت ما أرسلت به إليكم وأنكم كذبتك وعاندتم. {شهيداً} تمييز أو حال {إِنَّهُ كَان بِعِبَادِهِ} المنذرين والمنذرين {خَبِيراً} عالماً بأحوالهم {بَصِيراً} بأفعالهم فهو مجازيهم وهذه تسلية لرسول الله عليه السلام ووعيد للكفرة {وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ} وبالياء: يعقوب وسهل، وافقهما أبو عمرو، ومدني في الوصل أي من وفقه الله لقبول ما كان من الهدى فهو المهتدي عند الله {وَمَنْ يُضْلِلْ} أي ومن يخذله ولم يعصمه حتى قبل وساوس الشيطان {فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ} أي أنصاراً {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ على وُجُوهِهِمْ} أي يسحبون عليها كقوله {يوم يسحبون في النار على وجوههم} [القمر: 48] وقيل لرسول الله عليه الصلاة والسلام كيف يمشون على وجوههم؟ قال: «إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم» {عُمْياً وَبُكْماً وَصُمَّاً} كما كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ويتصامون عن استماعه، فهم في الآخرة كذلك لا يبصرون ما يقر أعينهم ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم ولا ينطقون بما يقبل منهم {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ} طفئ لهبها {زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} توقدا.

.تفسير الآيات (98- 101):

{ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (98) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (99) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (100) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (101)}
{ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوآ أَئذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} أي ذلك العذاب بسبب أنهم كذبوا بالإعادة بعد الإفناء فجعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجزائهم تأكلها ثم يعيدها، لا يزالون على ذلك ليزيد في تحسرهم على تكذيبهم البعث.
{أَوَ لَمْ يَرَوْا} أو لم يعلموا {أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ قَادِرٌ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} من الإنس {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجلاً لاَّ رَيْبَ فِيه} وهو الموت أو القيامة {فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كَفُوراً} جحوداً مع وضوح الدليل {قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ} تقديره: لو تملكون أنتم لأن {لو} تدخل على الأفعال دون الأسماء فلابد من فعل بعدها فأضمر تملك على شريطة التفسير وأبدل من الضمير المتصل وهو الواو ضمير منفصل وهو أنتم لسقوط ما يتصل به من اللفظ ف {أنتم} فاعل الفعل المضمر و{تملكون} تفسيره، وهذا هو الوجه الذي يقتضيه علم الإعراب. وأما ما يقتضيه علم البيان فهو أن {أنتم تملكون} فيه دلالة على الاختصاص وأن الناس هم المختصون بالشح المتبالغ {خَزَآئِنَ رَحْمَةِ ربي} رزقه وسائر نعمه على خلقه {إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنفَاقِ} أي لبخلتم خشية أن يفنيه الإنفاق {وَكَانَ الإنْسانُ قَتُوراً} بخيلاً.
{وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} عن ابن عباس رضي الله عنهما: هي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والطور الذي نتقه على بني إسرائيل. وعن الحسن: الطوفان والسنون ونقص الثمرات مكان الحجر والبحر والطور {فَاسْألْ بني إِسْرَاءِيلَ} فقلنا له اسأل بني إسرائيل أي سلهم من فرعون وقل له أرسل معي بني إسرائيل. وقوله {إِذْ جاءهم} متعلق بقوله المحذوف أي فقلنا له سلهم حين جاءهم {فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأظُنُّكَ ياموسى مَسْحُوراً} سحرت فخولط عقلك.