فصل: تفسير الآيات رقم (15- 16)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 16‏]‏

‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ‏(‏15‏)‏ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏16‏)‏‏}‏

ولما علم بذلك كله أحوال الفريقين، أقبل عليهم واعظاً منادياً متلطفاً مستعطفاً مرغباً مرهباً فقال‏:‏ ‏{‏يا أهل الكتاب‏}‏ أي عامة ‏{‏قد جاءكم رسولنا‏}‏ أي الذي أرسلناه مما لنا من العظمة فليظهرن بذلك على من ناواه ‏{‏يبين لكم‏}‏ أي يوضح إيضاحاً شافياً ‏{‏كثيراً مما كنتم‏}‏ أي بما لكم من جبلة الشر والخيانة ‏{‏تخفون من الكتاب‏}‏ أي العظيم المنزل عليكم، من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وحكم الزنا وغيرهما، لإحياء سنة وإماتة بدعة- كما مضى منه ما شاء الله في سورة البقرة، وذلك دال بلا شبهة على صحة رسالته ‏{‏ويعفوا عن كثيراً *‏}‏ أي فلا يفضحكم بإظهاره امتثالاً لأمرنا له بذلك- كما تقدم أنه إحسان منه صلى الله عليه وسلم إليكم، لأنه لا فائدة في إظهاره إلا فضيحتكم‏.‏

ولما أخبر عن فصله للخفايا، وكان التفصيل لا يكون إلا بالنور، اقتضى الحال توقع الإخبار بأنه نور، فقال مفتتحاً بحرف التوقيع والتحقيق‏:‏ ‏{‏قد جاءكم‏}‏ وعظمه بقوله معبراً بالاسم الأعظم‏:‏ ‏{‏من الله‏}‏ أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال ‏{‏نور‏}‏ أي واضح النورية، وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي كشف ظلمات الشك والشرك، ودل على جمعه مع فرقه بقوله‏:‏ ‏{‏وكتاب‏}‏ أي جامع ‏{‏مبين‏}‏ أي بين في نفسه، مبين لما كان خافياً على الناس من الحق‏.‏

ولما كانت هدايته مشروطة بشرط صلاح الجبلة، بين ذلك بقوله واصفاً له‏:‏ ‏{‏يهدي به‏}‏ أي الكتاب ‏{‏الله‏}‏ أي الملك الأعظم القادر على التصرف في البواطن والظواهر ‏{‏من اتبع‏}‏ أي كلف نفسه وأجهدها في الخلاص من أسر الهوى بأن تبع ‏{‏رضوانه‏}‏ أي غاية ما يرضيه من الإيمان والعمل الصالح، ومعلوم أن ذلك لا يكون إلا بتوفيقه، ثم ذكر مفعول ‏{‏يهدي‏}‏ فقال‏:‏ ‏{‏سبل‏}‏ أي طرق ‏{‏السلام‏}‏ أي الله، باتباع شرائع دينه والعافية والسلامة من كل مكروه ‏{‏وخرجهم من الظلمات‏}‏ أي كدورات النفوس والأهواء والوساس الشيطانية ‏{‏إلى النور‏}‏ أي الذي دعا إليه العقل فيصيروا عاملين بأحسن الأعمال كما يقتضيه اختيار من هو في النور ‏{‏بإذنه‏}‏ أي بتمكينه‏.‏

ولما كان من في النور قد يغيب عنه غرضه الأعظم فلا ينظره لغيبته عنه ببعده منه، وتكثر عليه الأسباب فلا يدري أيها الوصف أو يقرب إيصاله ويسهل أمره، قال كافلاً لهم بالنور مريحاً من تعب السير‏:‏ ‏{‏ويهديهم‏}‏ أي بما له من إحاطة العلم والقدرة ‏{‏إلى صراط مستقيم *‏}‏ أي طريق موصل إلى الغرض من غير عوج أصلاً، وهو الدين الحق، وذلك مقتض للتقرب المستلزم لسرعة الوصول‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 18‏]‏

‏{‏لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏17‏)‏ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ‏(‏18‏)‏‏}‏

ولما تم ذلك موضحاً لأن من لم يتبع الكتاب الموصوف كان كافراً وعن الطريق الأمم جائراً حائراً، وكان محصل حال اليهود كما رأيت فيما تقدم ويأتي من نصوص التوراة- أنهم لا يعتقدون على كثرة ما يرون من الآيات أن الله مع نبيهم دائماً، وكان أنسب الأشياء بعد الوعظ أن يذكر حال النصارى في نبيهم، فإنه مباين لحال اليهود من كل وجه، فأولئك على شك في أنه معه، وهؤلاء اعتقدوا أنه هو، فقال تعالى مبيناً أنهم في أظلم الظلام وأعمى العمى‏:‏ ‏{‏لقد‏}‏ أو يقال‏:‏ إن اليهود لما فرطوا فكفروا، أفهم ذلك أن النصارى لما أفرطوا كفروا، فصار حالهم كالنتيجة لما مضى فقال‏:‏ لقد ‏{‏كفر الذين قالوا‏}‏ مؤكدين لبعد ما قالوه من العقل فهو في غاية الإنكار ‏{‏إن الله‏}‏ أي على ما له من جميع صفات الكمال التي لا يجهلها من له أدنى تأمل إذا ترجى الهدى وانخلع من أسر الهوى ‏{‏هو المسيح‏}‏ أي عينه، وهو أقطع الكفر وأبينه بطلاناً، ووصفه بما هو في غاية الوضوح في بطلان قولهم لبعده عن رتبة الألوهية في الحاجة إلى امرأة فقال‏:‏ ‏{‏ابن مريم‏}‏ فهو محتاج إلى كفالتها بما لها من الأمومة‏.‏

ولما بطل مدعاهم على أتقن منهاج وأخصره، وكان بما دق على بعض الأفهام، أوضحه بقوله‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ دالاً على أن المسيح عليه السلام عبد مملوك لله، مسبباً عن كفرهم ‏{‏فمن يملك من الله‏}‏ أي الملك الذي له الأمر كله ‏{‏شيئاً‏}‏ أي من الأشياء التي يتوهم أنها قد تمنعه مما يريد، بحيث يصير ذلك المملوك أحق به منه ولا ينفذ له فيه تصرف ‏{‏إن أراد‏}‏ أي الله سبحانه ‏{‏أن يهلك المسيح‏}‏ وكرر وصفه بالنوبة إيضاحاً للمراد فقال‏:‏ ‏{‏ابن مريم‏}‏ وأزال الشبهة جداً بقوله‏:‏ ‏{‏وأمه‏}‏ ولما خصهما دليلاً على ضعفهما المستلزم للمراد، عم دلالة على عموم القدرة المستلزم لتمام القهر لكل من يماثلهما المستلزم لعجز الكل المبعد من رتبة الإلهية، فقال موضحاً للدليل بتسويتهما ببقية المخلوقات‏:‏ ‏{‏ومن في الأرض جميعاً‏}‏ أي فمن يملك منعه من ذلك‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ فإن ذلك كله لله، يهلكه كيف شاء متى شاء، عطف عليه ما هو أعم منه، فقال معلماً بأنه- مع كونه مالكاً مَلِكاً- له تمام التصرف‏:‏ ‏{‏ولله‏}‏ أي الملك الأعلى الذي لا شريك له ‏{‏ملك السماوات‏}‏ أي التي بها قيام الأرض ‏{‏والأرض وما بينهما‏}‏ أي ما بين النوعين وبين أفرادهما، بما به تمام أمرهما؛ ثم استأنف قوله دليلاً على ما قبله ونتيجة له‏:‏ ‏{‏يخلق ما يشاء‏}‏ على أي كيفية أراد- كما تقدم أن له أن يعدم ما يشاء كذلك، فلا عجب في خلقه بشراً من أنثى فقط، لا بواسطة ذكر، حتى يكون سبباً في ضلال من ضل به، ولما دل ذلك على تمام القدرة على المذكور عم فقال‏:‏ ‏{‏والله‏}‏ أي ذو الجلال والإكرام ‏{‏على كل شيء‏}‏ أي من ذلك وغيره ‏{‏قدير *‏}‏‏.‏

ولما عم سبحانه في ذكر فضائح بني إسرائيل تارة، وخص أخرى، عم بذكر طامة من طوامهم، حملهم عليها العجب والبطر بما أنعم الله به عليهم، فقال‏:‏ ‏{‏وقالت اليهود والنصارى‏}‏ أي كل طائفة قالت ذلك على حدتها خاصة لنفسها دون الخلق أجمعين ‏{‏نحن أبناؤا الله‏}‏ أي بما هو ناظر إلينا به من جميع صفات الكمال ‏{‏وأحباؤه‏}‏ أي غريقون في كل من الوصفين- كما يدل عليه العطف بالواو، ثم شرع ينقض هذه الدعوى نقضاً بعد نقض على تقدير كون البنوة على حقيقتها أو مجازها، والذي أورثهم هذه الشبهة- إن لم يكونوا قالوا ذلك عناداً- أن في موضع من التوراة عن قول الله تعالى لموسى عليه السلام‏:‏ شعبي بكري، وقال في أول نبوة موسى عليه السلام- كما ذكرته في الأعراف‏:‏ وقل لفرعون‏:‏ هكذا يقول الرب‏:‏ ابني بكري إسرائيل أرسل ليعبدني، فإن أبيت أن ترسل ابني فإني أقتل ابنك بكرك- ونحو هذا؛ وفي كثير مما بين أيديهم من الإنجيل عن قول عيسى عليه السلام‏:‏ افعلوا كذا لتكونوا بني أبيكم الذي في السماء- ونحو ذلك، وقد بينت معناه على تقدير صحته بما يوجب رده إلى المحكم بلا شبهة في أول سورة آل عمران؛ قال البيضاوي في أول سورة الكهف‏:‏ إنهم كانوا يطلقون الأب والابن في تلك الأديان بمعنى المؤثر والأثر، وقال في البقرة في تفسير ‏{‏بديع السماوات‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 117‏]‏‏:‏ أنهم كانوا يطلقون الأب على الله باعتبار أنه السبب الأصلي، ثم ظنت الجهلة منهم أن المراد به معنى الولادة، فلذاك كفر قائله ومنع منه منعاً مطلقاً انتهى‏.‏ فأول نقض نقض به سبحانه وتعالى هذه الدعوى بيان أنه يعذبهم فقال‏:‏ ‏{‏قل فلم يعذبكم‏}‏ أي إن كنتم جامعين بين كونكم أبناء وأحباء بين عطف النبوة وحنو المحبة ‏{‏بذنوبكم‏}‏ وعذابهم مذكور في نص توراتهم في غير موطن ومشهور في تواريخهم بجعلهم قردة وخنازير وغير ذلك، أي فإن كان المراد بالبنوة الحقيقة فابن الإله لا يكون له ذنب فضلاً عن أن يعذب به، لأن الابن لا يكون إلا من جنس الأب- تعالى الله عن النوعية والجنسية والصاحبة والولد علواً كبيراً‏!‏ وإن كان المراد المجاز، أي بكونه يكرمكم إكرام الولد والحبيب، كان ذلك مانعاً من التعذيب‏.‏

ولما كان معنى ذلك أن يعذذبكم لأنكم لستم أبناء ولا أحباء، عطف عليه نقضاً آخر أوضح من الأول فقال‏:‏ ‏{‏بل أنتم بشر ممن خلق‏}‏ وذلك أمر مشاهد، والمشاهدات من أوضح الدلائل، فأنتم مساوون لغيركم في البشرية والحدوث، لا مزية لأحد منكم على غيره في الخلق والبشرية، وهما يمنعان البنوة، فإن القديم لا يلد بشراً، والأب لا يخلق ابنه، فامتنع بهذين الوصفين البنوة، وامتنع بتعذيبهم أن يكونوا أحباء الله؛ فبطل الوصفان اللذان ادعوهما‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ يفعل بكم ما يفعل بسائر خلقه، وصل به قوله جواباً لمن يقول‏:‏ وما هو فاعل بمن خلق‏؟‏‏:‏ ‏{‏يغفر لمن يشاء‏}‏ أي من خلقه منكم ومن غيركم فضلاً منه تعالى ‏{‏ويعذب من يشاء‏}‏ عدلاً كما تشاهدونه يكرم ناساً منكم في هذه الدار ويهين آخرين‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ لأنه مالك خلقه وملكهم لا اعتراض عليه في شيء من أمره، عطف عليه قوله نقضاً ثالثاً بما هو أعم مما قبله فقال‏:‏ ‏{‏ولله‏}‏ أي الذي له الأمر كله، فلا كفوء له ‏{‏ملك السماوات‏}‏ وقدمها لشرفها دلالة على ملك غيرها من باب أولى، وصرح بقوله‏:‏ ‏{‏والأرض وما بينهما‏}‏ أي وأنتم مما بينهما، وقد اجتمع بذلك مع المُلكِ والإبداعِ المِلكُ والتصريف والتصرف التام، وذلك هو الغنى المطلق، ومن كان كذلك لم يكن محتاجاً إلى شيء من ولد ولا غيره، ولا يكون لأحد عليه حق، ولا يسوغ عليه اعتراض‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ فمنه وحده الابتداء، عطف عليه قوله‏:‏ ‏{‏وإليه‏}‏ أي وحده ‏{‏المصير *‏}‏ أي الصيرورة والرجوع وزمان ذلك ومكانه معنى في الدنيا بأنه لا يخرج شيء عن مراده، وحساً في الآخرة، فيحكم بين مصنوعاته على غاية العدل- كما هو مقتضى الحكمة وشأن كل ملك في إقامة ملكه بإنصاف بعض عبيده من بعض، لا يجوز عنده في موجب السياسة إطلاق قويهم على ضعيفهم، فإن ذلك يؤدي إلى خراب الملك وضعف الملك، فإذا كان هذا شأن الملوك في العبيد الناقصين فما ظنك بأحكم الحاكمين‏!‏ فإذا عاملهم كلهم بالعدل أسبغ على من يريد ملابس الفضل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏19‏]‏

‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏19‏)‏‏}‏

ولما دحضت حجتهم، ووضحت أكذوبتهم، اقتضى ذلك الالتفات إلى وعظهم على وجه الامتنان عليهم وإبطال ما عساهم يظنونه حجة، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏يا أهل الكتاب‏}‏ أي من الفريقين؛ ولما كان ما حصل لهم من الضلال بتضييع ما عندهم من البينات وتغييرها ما لا يتوقع معه الإرسال، قال معبراً بحرف التوقع‏:‏ ‏{‏قد جاءكم رسولنا‏}‏ أي الذي عظمته من عظمتنا، فإعظامه وإجلاله واجب لذلك، ثم بين حاله مقدماً له على متعلق جاء بياناً لأنه أهم ما إلى الرسل إليهم إرشاداً إلى قبول كل ما جاء به بقوله‏:‏ ‏{‏يبين لكم‏}‏ أي يوقع لكم البيان في كل ما ينفعكم بياناً شافياً لما تقدم وغيره‏.‏

ولما كان مجيئه ملتبساً ببيانه وظرفاً له غير منفك عنه، وكان بياناً مستعلياً على وقت مجيئه وما مضى قبله وما يأتي بعده ببقاء كتابه، محفوظاً لعموم دعوته وختامه وتفرده، فلا نبي بعده، قال معلقاً بجاء‏:‏ ‏{‏على فترة‏}‏ أي طويلة بالنسبة إلى ما كان يكون بين النبيِّين من بني إسرائيل، مبتدئة تلك الفترة ‏{‏من الرسل‏}‏ أي انقطاع من مجيئهم، شُبِّه فقدهم وبُعْد العهد بهم ونسيان أخبارهم، وبلاء رسومهم وآثارهم، وانطماس معالمهم وأنوارهم بشيء كان يفنى ففتر، لم يبق من وصفه المقصود منه إلا أثر خاف ورسم دارس، يقال‏:‏ فتر الشيء- إذا سكنت حدته وصار أقل مما كان عليه وذلك لأنه كان بين عيسى وبين النبي صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة فسد فيها أمر الناس، ولعله عبر بالمضارع في يبين إشارة إلى أن دينه وبيانه لا ينقطع أصلاً بحفظ كتابه، فكلما درست سنة منح الله بعالم يرد الناس إليها بالكتاب المعجز القائم أبداً، فلذلك لا يحتاج الأمر إلى نبي مجدد إلا عند الفتنة التي لا يطيقها العلماء، وهي فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج، ثم علل ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏أن‏}‏ أي كراهة أن ‏{‏تقولوا‏}‏ أي إذا حشرتم وسئلتم عن أعمالكم ‏{‏ما جاءنا‏}‏ ولتأكيد النفي قيل‏:‏ ‏{‏من بشير‏}‏ أي يبشرنا لنرغب فنعمل بما يسعدنا فنفوز ‏{‏ولا نذير‏}‏ أي يحذرنا لنرهب فنترك ما يشقينا فنسلم، لأن الإنسان موزَّع النقصان بين الرغبة والرهبة، وقد كان اختلط في تلك الفترة الحق بالباطل فالتبس الأمر وجهل الحال، لكنه لم يجهل جهلاً يحصل به عذر في الشرك، وسأبينه في أول ص‏.‏

ولما كان المعنى‏:‏ فلا تقولوا ذلك، سبب عنه قوله‏:‏ ‏{‏فقد جاءكم‏}‏ أي من هو متصف بالوصفين معاً فهو ‏{‏بشير ونذير‏}‏ أي كامل في كل من الوصفين وإن تباينا؛ ولما كان ربما كان توهم أحد من ترك الإرسال زمن الفترة، ومن ترك التعذيب بغير حجة الإرسال، وبالعدول عن بني إسرائيل إلى بني إسماعيل شيئاً في القدرة، قال كاشفاً لتلك الغمة‏:‏ ‏{‏والله‏}‏ أي جاءكم والحال أن الملك الذي له الكمال كله ‏{‏على كل شيء‏}‏ أي من أن يرسل في كل وقت وأن يترك ذلك، وأن يهدي بالبيان وأن يضل، ومن أن يعذب ولا يقبل عذراً وأن يغفر كل شيء وغير ذلك ‏{‏قدير *‏}‏ وفي الختم بوصف القدرة واتباعه تذكيرهم ما صاروا إليه من العز بالنبوة والملك بعدما كانوا فيه من الذل بالعبودية والجهل إشارة إلى أن إنكارهم لأن يكون من ولد إسماعيل عليه السلام نبي يلزم منه إنكارهم للقدرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏20- 21‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ‏(‏20‏)‏ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ‏(‏21‏)‏‏}‏

ولما ذكر سعة مملكته وتمام علمه وشمول قدرته أتبع ذلك الدلالة عليه بقصة بني إسرائيل في استنقاذهم من أسر العبودية والرق وإعلاء شأنهم وإيراثهم أرض الجبارين بعد إهلاك فرعون وجنوده وغير ذلك مما تضمنته القصة، إظهاراً- بعدم ردهم إلى مصر التي باد أهلها- لتمام القدرة وسعة الملك ونفوذ الأمر وهي مع ذلك دالة على نقضهم الميثاق وقساوتهم ونقض ما ادعوه من بنوتهم ومحبتهم، وذلك أنها ناطقة بتعذيبهم وتفسيقهم وتبرئهم من الله، ولا شيء من ذلك فعل حبيب ولا ولد، فقال عاطفاً على نعمة في ‏{‏واذكروا نعمة الله عليكم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 7‏]‏ تذكيراً لهذه الأمة بنعمة التوثيق للسمع والطاعة التي أباها بنو إسرائيل بعدما رأوا من الآيات، وبما كف عنهم على ضعفهم وشجع به قلوبهم، وألزمهم الطاعة وكره إليهم المعصية بضد ما فعل ببني إسرائيل- وغير ذلك مما يرشد إليه إنعام النظر في القصة‏:‏ ‏{‏وإذ‏}‏ أي واذكروا حين ‏{‏قال موسى لقومه‏}‏ أي من اليهود ‏{‏يا قوم اذكروا‏}‏ أي بالقلب واللسان، أي ذكر اعتبار واتعاظ بما لكم من قوة القيام بما تحاولونه ليقع منكم الشكر ‏{‏نعمة الله‏}‏ أي إنعام الملك الأعظم الذي له الإحاطة بالجلال والإكرام، وعبر عن الإنعام بالغاية لأنها المقصود ‏{‏عليكم‏}‏ وعظم ذلك التذكير بالاسم الأعظم، ونبه بذكر ظرفها على أجل النعم، وهي النبوة المنقذة لهم من النار فقال‏:‏ ‏{‏إذ‏}‏ أي حين ‏{‏جعل فيكم‏}‏ وبشرهم بمن يأتي بعده من الأنبياء من بني إسرائيل فجمع جمع الكثرة في قوله‏:‏ ‏{‏أنبياء‏}‏ أي يحفظونكم من المهالك الدائمة، ففعل معكم- بذلك وغيره من النعم التي فضلكم بها على العالمين في تلك الأزمان- فعل المحب مع حبيبه والوالد مع ولده، ومع ذلك عاقبكم حين عصيتم، وغضب عليكم إذ أبيتم، فعلم أن الإكرام والإهانة دائران بعد مشيئته على الطاعة والمعصية‏.‏

ولما نقلهم من الحيثية التي كانوا فيها عبيداً لفرعون، لا يصلحون معها لملك، ولا تحدثهم أنفسهم به، إلى حيثية الحرية القابلة لأن يكون كل منهم معها ملكاً بعد أن أرسل فيهم رسولاً وبشر بأنه يتبعه من الأنبياء ما لم يكن في أمة من الأمم غيرهم، قال‏:‏ ‏{‏وجعلكم ملوكاً‏}‏ أي فكما جعلكم كذلك بعد ما كنتم غير طامعين في شيء منه، فقد نقله منكم وجعله في غيركم بتلك القدرة التي أنعم عليكم بها، وذلك لكفركم بالنعم وإيثاركم الجهل على العلم، فإنكاركم لذلك وتخصيص النعم بكم تحكم وترجيح بلا مرجح، ويوضح ذلك أن كفر النعمة سبب لزوالها، وقد كانوا يهددون في التوراة وغيرها بما هم فيه الآن من ضرب الذلة والمسكنة التي لا يصلحون معها لملك إن هم كفروا- كما سيأتي بعض ذلك في هذه السورة‏.‏

ولما ذكرهم تعالى بما ذكرهم به من النعم العامة، أتبعه التذكير بنعمة خاصة فقال‏:‏ ‏{‏وآتاكم ما لم يؤت‏}‏ أي في زمانكم ولا فيما قبله من سالف الزمان- كما اقتضاه التعبير بلم ‏{‏أحداً من العالمين *‏}‏ من الآيات التي أظهرها على يد موسى عليه السلام، فأخرجكم بها من الظلمات إلى النور، والكتاب الذي جعله تبياناً لكل شيء؛ ثم أتبعه ما يقيد به هذه النعم من الشكر بامتثال الأمر في جهاد الأعداء في سياق مؤذن بالنصر معلم بأنه نعمة أخرى يجب شكرها، فلذلك وصله بما قبله وصل المعلول بالعلة فقال‏:‏ ‏{‏يا قوم ادخلوا‏}‏ عن أمر الله الذي أعلمكم بما صنع من الآيات أنه غالب على جميع أمره ‏{‏الأرض المقدسة‏}‏ أي المطهرة المباركة التي حكم الله أن يطهرها بأنبيائه ورسله من نجس الشرك وضر المعاصي والإفك، ويبارك فيها، ثم وصفها بما يوجب للمؤمن الإقدام لتحققه النصر فقال‏:‏ ‏{‏التي كتب الله‏}‏ أي الذي له الأمر كله فلا مانع لما أعطى ‏{‏لكم‏}‏ أي بأن تجاهدوا أعداءه فترثوا أرضهم التي لا مثل لها، فتحوزوا سعادة الدارين، وهي بيت المقدس والتي وعد أباكم إبراهيم عليه السلام أن تكون ميراثاً لولده بعد أن جعلها مهاجرة‏.‏

ولما أمرهم بذلك نهاهم عن التقاعد عنه، فقال مشيراً إلى أن مخالفة أمر الله لا تكون إلا بمعالجة للفطرة الأولى‏:‏ ‏{‏ولا ترتدوا‏}‏ أي تكلفوا أنفسكم الرجوع عن أخذها، وصوَّر لهم الفتور عن أخذها بما يستحيي من له همة من ذكره فقال‏:‏ ‏{‏على أدباركم‏}‏ ولما جمع بين الأمر والنهي، خوفهم عواقب العصيان معلماً بأن ارتدادهم سبب لهلاكهم بغير شك، فقال معبراً بصيغة الانفعال‏:‏ ‏{‏فتنقلبوا‏}‏ أي من عند أنفسكم من غير قالب يسلط عليكم ‏{‏خاسرين *‏}‏ أي بخزي المعصية عند الله وعار الجبن عن الناس وخيبة السعي من خيري الدارين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏22- 26‏]‏

‏{‏قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ‏(‏22‏)‏ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏23‏)‏ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ‏(‏24‏)‏ قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ‏(‏25‏)‏ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ‏(‏26‏)‏‏}‏

ولما كان هذا السياق محركاً للنفس إلى معرفة جوابهم عنه، أورده على تقدير سؤال من كأنه قال‏:‏ إن هذا لترغيب مشوق وترهيب مقلق، فما قالوا في جوابه‏؟‏ فقال‏:‏ ‏{‏قالوا‏}‏ معرضين عن ذلك كله بهمم سافلة وأحوال نازلة، مخاطبين له باسمه جفاء وجلافة وقلة أدب ‏{‏يا موسى‏}‏ وأكدوا قولهم تأكيد من هو محيط العلم، فقالوا مخاطبين بجرأة وقلة حياء لأعلم أهل زمانه‏:‏ ‏{‏إن فيها‏}‏ أي دون غيرها ‏{‏قوماً جبارين‏}‏ أي عتاة قاهرين لغيرهم مكرهين له على ما يريدون ‏{‏وإنا لن ندخلها‏}‏ خوفاً منهم ‏{‏حتى يخرجوا منها‏}‏ ثم صرحوا بالإتيان بالجملة الاسمية المؤكدة بتهالكهم على الدخول وأنه لا مانع لهم إلا الجبن فقالوا‏:‏ ‏{‏فإن يخرجوا منها‏}‏ أي بأي وجه كان، وعبروا بأداة الشك مع إعلام الله لهم بإهلاكهم على أيديهم جلافة منهم وعراقة طبع في التكذيب ‏{‏فإنا داخلون *‏}‏ فكأنه قيل‏:‏ إن هذه لسقطة ما مثلها، فما اتفق لهم بعدها‏؟‏ فقيل‏:‏ ‏{‏قال رجلان‏}‏ وأشار إلى كونهما من بني إسرائيل بقوله ذماً لمن تقاعس عن الأمر منهم‏:‏ ‏{‏من الذين يخافون‏}‏ أي يوجد منهم الخوف من الجبارين، ومع ذلك فلم يخافا وثوقاً منهما بوعد الله، ولما كان بنو إسرائيل أهلاً لأن يخافهم من يقصدونهم بالحرب لأن الله معهم بعونه ونصره، قرئ‏:‏ يخافون- مبيناً للمفعول ‏{‏أنعم الله‏}‏ أي بما له من صفات الكمال ‏{‏عليهما‏}‏ أي بالثبيت على العمل بحق النقابة، وهما يوشع بن نون وكالاب بن يوفنا- كما أنعم عليكم أيها العرب وخصوصاً النقباء بالثبات في كل موطن ‏{‏ادخلوا عليهم الباب‏}‏ أي باب قريتهم امتثالاً لأمر الله وإيقاناً بوعده‏.‏

ولما كانا يعلمان أنه لا بد من دخولهم عليهم وإن تقاعسوا وإن طال المدى، لأن الله وعد بنصرهم عليهم ووعده حق عبرا بأداة التحقيق خلاف ما مضى لجماهيرهم فقالا‏:‏ ‏{‏فإذا دخلتموه‏}‏ ثم أكد خبرهما إيقاناً بوعد الله فقالا‏:‏ ‏{‏فإنكم غالبون‏}‏ أي لأن الملك معكم دونهم ‏{‏وعلى الله‏}‏ أي الملك الأعظم الذي وعدكم بإرثها وحده ‏{‏فتوكلوا‏}‏ أي لا على عُدة منكم ولا عِدة ولا حول ولا قوة‏.‏

ولما كان الإخلاص يلزمه التوكل وعدم الخوف من غير الله، ألهمهم بقوله؛ ‏{‏إن كنتم‏}‏ أي جبلة وطبعاً ‏{‏مؤمنين *‏}‏ أي عريقين في الإيمان بنبيكم صلى الله عليه وسلم والتصديق بجميع ما أتى به، فكأنه قيل‏:‏ لقد نصحا لهم وبرّا، واجتهدا في إصلاح الدين والدنيا فما خدعا ولا غرّا، فما قالوا‏؟‏ فقيل‏:‏ لم يزدهم ذلك إلا نفاراً واستضعافاً لأنفسهم لإعراضهم عن الله واستصغاراً لأنهم ‏{‏قالوا‏}‏ معرضين عمن خاطباهم غيرعادين لهما ‏{‏يا موسى‏}‏ وأكدوا نفيهم للإقدام عليهم بقولهم‏:‏ ‏{‏إنا‏}‏ وعظموا تأكيدهم بقولهم‏:‏ ‏{‏لن ندخلها‏}‏ وزادوه تأكيداً بقولهم‏:‏ ‏{‏أبداً‏}‏ وقيدوا ذلك بقولهم‏:‏ ‏{‏ما داموا‏}‏ أي الجبابرة ‏{‏فيها‏}‏ أي لهم اليد عليها، ثم اتبعوه بما يدل على أنهم في غاية الجهل بالله الفعال لما يريد‏.‏

الغني عن جميع العبيد، فقالوا مسببين عن نفيهم ذلك قولهم‏:‏ ‏{‏فاذهب أنت وربك‏}‏ أي المحسن إليك، فلم يذكروا أنه أحسن إليهم كثافة طباع وغلظ أكباد، بل خصوه بالإحسان، وهذا القول إن لم يكن قائلوه يعتقدون التجسيم فهم مشارفون له، وكذلك أمثاله، وكان اليهود الآن عريقين في التجسيم، ثم سببوا عن الذهاب قولهم‏:‏ ‏{‏فقاتلا‏}‏ ثم استأنفوا قولهم مؤكدين لأن من له طبع سليم وعقل مستقيم لا يصدق أن أحداً يتخلف عن أمر الله لا سيما إن كان بمشافهة الرسول‏:‏ ‏{‏إنا هاهنا‏}‏ أي خاصة ‏{‏قاعدون‏}‏ أي لا نذهب معكما، فكان فعلهم فعل من يريد السعادة بمجرد ادعاء الإيمان من غير تصديق له بامتحان بفعل ما يدل على الإيقان؛ روى البخاري في المغازي والتفسير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ «قال المقداد بن عمرو يوم بدر‏:‏ يا رسول الله‏!‏ لا نقول كما قال قوم موسى‏:‏ ‏{‏اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون‏}‏ ولكن امض ونحن معك، نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسرَّه» فكأنه قيل‏:‏ فما قال موسى عليه السلام‏؟‏ فقيل‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ لما أيس منهم معرضاً عنهم شاكياً إلى الله تعالى ‏{‏رب‏}‏ أي أيها المحسن إليّ‏.‏

ولما كان من حق الرسول أن يقيه كل أحد بنفسه وولده فكيف بما دون ذلك، فكان لا يصدق أحد أن أتباعه لا يطيعونه، جرى على طبع البشر وإن كان يخاطب علام الغيوب قال مؤكداً‏:‏ ‏{‏إني‏}‏ ولما فهم من أمر الرجلين لهم بالدخول أنهما قيّدا دخولهما بدخول الجماعة، خص في قوله‏:‏ ‏{‏لا أملك إلا نفسي وأخي‏}‏ أي ونحن مطيعان لما تأمر به ‏{‏فافرق بيننا‏}‏ أي أنا وأخي ‏{‏وبين القوم الفاسقين *‏}‏ أي الخارجين عن الطاعة قولاً وفعلاً، ولا تجمعنا معهم في بين واحد، في فعل ولا جزاء ‏{‏قال فإنها‏}‏ أي الأرض المقدسة ‏{‏محرمة عليهم‏}‏ أي بسبب أقوالهم هذه وأفعالهم، لا يدخلها ممن قاله هذه المقالة أو رضهيا أحد، بل يمكثون ‏{‏أربعين سنة‏}‏ ثم استأنف جواباً لمن تشعب فكره في تعرف حالهم في هذه الأربعين ومحلهم من الأرض قوله‏:‏ ‏{‏يتيهون‏}‏ أي يسيرون متحيرين ‏{‏في الأرض‏}‏ حتى يهلكوا كلهم، والتيه‏:‏ المفازة التي يحير سالكها فيضل عن وجه مقصده، روي أنهم أقاموا هذه المدة في ستة فراسخ يسيرون كل يوم جادين، ثم يمشون في الموضع الذي ساروا منه، ثم سبب عن إخباره بعقوبتهم قوله‏:‏ ‏{‏فلا تأس‏}‏ أي تحزن حزناً مؤيساً ‏{‏على القوم‏}‏ أي الأقوياء الأبدان الضعفاء القلوب ‏{‏الفاسقين *‏}‏ أي الخارجين من قيد الطاعات، ثم بعد هلاكهم أدخلها بنيهم الذين نشأوا في التيه لسلامتهم من اعوجاج طباعهم التي ألبستهم إياها بلاد الفراعنة، فإني كتبتها لبني إسرائيل، ولم أخبر بتعيينهم- وإن كانوا معينين في علمي- كما اقتضت ذلك حكمتي؛ وفي هذه القصة أوضح دليل على نقضهم للعهود التي بنيت السورة على طلب الوفاء بها وافتتحت بها، وصرح بأخذها عليهم في قوله‏:‏

‏{‏ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 12‏]‏ إلى أن قال‏:‏ ‏{‏وآمنتم برسلي وعزرتموهم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 12‏]‏ وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فيما يفعلونه معه، وتذكير له بالنعمة على قومه بالتوفيق، وترغيب لمن أطاع منهم وترهيب لمن عصى، ومات في تلك الأربعين كل من قال ذلك القول أو رضيه حتى النقباء العشرة، وكان الغمام يظلهم من حر الشمس، ويكون لهم عمود من نور بالليل يضيء هاهنا عليهم- وغير هذا من النعم، لأن المنع بالتيه كان تأديباً لهم لا غضباً فإنهم تابوا‏.‏

شرحُ هذه القصة ما بين أيديهم من التوراة وذكرُ بعض ما عذبهم فيه بذنوبهم، قال في السفر الرابع منها‏:‏ وكلم الرب موسى وقال له‏:‏ أرسل قوماً يجسون الأرض التي أعطى بني إسرائيل، فأرسلهم موسى من برية فاران رجالاً من رؤساء بني إسرائيل- اثني عشر رجلاً- فيهم كالاب بن يوفنا وهو ساع بن نون، ودعا موسى هوساع بن نون يوشع، وأرسلهم ليستخبروا أرض كنعان وقال لهم‏:‏ اعرفوا خبر الشعب الذي بها، أقوي هو أم ضعيف‏؟‏ أكثير هو أم قليل‏؟‏ وما خبر الأرض التي هم فيها، أمخصبة أم لا‏؟‏ أفيها شجر أم لا‏؟‏ وفي نسخة‏:‏ وما المدن التي يسكنونها‏؟‏ وإن كانت محوَّطاً عليها أم لا‏؟‏ وتقووا وخذوا من ثمار الأرض؛ فصعدوا فاستخبروا الأرض، وأخذوا من برية صين حتى انتهوا إلى راحوب التي في مدخل حمات، وصعدوا إلى التيمن فأتوا حبران- وفي نسخة‏:‏ حبرون- وكان بها بنو الجبابرة، ثم أتوا وادي العنقود وقطعوا قضيباً من الكرم فيه عنقود عنب، فحمله رجلان بأسطار، ودعوا اسم ذلك الموضع وادي العنقود من أجل ذلك، وأخذوا من الرمان والتين أيضاً، ورجعوا إلى موسى بعد أربعين ليلة إلى برية فاران إلى رقيم، وأخبروا موسى والجماعة كلها خبر الأرض وقالوا‏:‏ انطلقنا فإذا الأرض تغل اللبن والعسل وهذه ثمارها، ولكن الشعب الذي في الأرض عزيز قوي، وقراهم كبار مشيدة، ورأينا ثَمّ بني الجبابرة، ثم ذكر أن الكنعانيين على ساحل البحر إلى نهر الأردن، قالوا‏:‏ وكنا عندهم مثل الجراد، كذلك رأينا أنفسنا، فضجت الجماعة كلها ورفعوا أصواتهم بالبكاء، وبكوا في تلك الليلة بكاء شديداً، وتذمر جميع بني إسرائيل على موسى وهارون في ذلك اليوم وضجوا عليهما، وقال لهما محافل بني إسرائيل كلها‏:‏ يا ليتنا‏!‏ متنا بأرض مصر على يدي الرب، وليتنا متنا في هذه البرية ولا يدخلنا الرب إلى الإرض التي نصرع فيها قتلاً‏!‏ وتنتهب مواشينا وأهلونا‏!‏ كان المنون بأرض مصر خيراً لنا، وقال كل امرئ منهم لأخيه‏:‏ اجتمعوا حتى نصيّر علينا رئيساً، ونرجع إلى أرض مصر، فخر موسى وهارون على وجوههما ساجدين بين يدي جماعة بني إسرائيل كلها، فأما يشوع ابن نون وكالاب بن يوفنا اللذان كانا من الجواسيس فقالا‏:‏ الأرض مخصبة جداً، فإن شاء الرب دفعها إلينا، فهي أرض تغل السمن والعسل، فلا تعصوا الرب ولا تفتتنوا ولا تخافوا شعب هذه الأرض لأن أهلها مبذولون لنا مثل الطعام للأكل، واعلموا أن قويهم سيضعف وتزول عنهم شدتهم، ونحن الغالبون لأن الرب معنا، فلا تفرقوا منهم، وظهر مجد الرب بالسحابة في قبة الزمان تجاه بني إسرائيل، وقال الرب لموسى‏:‏ إلى متى يسخطني هذا الشعب‏؟‏ وكم إلى كم لا يصدقونني‏؟‏ ألم يروا جميع الآيات التي أتيتهم بها‏؟‏ سأضربهم بالموت وأهلكهم، وأصيرك الشعب أعظم من هذا وأعزّ منهم، فقال موسى أمام الرب‏:‏ يسمع أهل مصر الذين أخرجت هذا الشعب من بينهم بقوتك، ويقول لسكان هذه الأرض أيضاً الذين سمعوا أنك رب هذا الشعب، فإن أنت قتلت هذا الشعب جميعاً كرجل واحد تقول الشعوب التي بلغها خبرك‏:‏ إن الرب لم يقدر أن يدخل هذا الشعب الأر ض التي كان وعد إياهم، فلذلك قتلهم في البرية، فلتعظم قوتك الآن يا رب كما وعدت وقلت‏!‏ يا رب أنت ذو المودة والنعمة، تغفر الإثم والخطايا، وتزكي من ليس بمزكي، اغفر يا رب كما غفرت لهم مذ خرجوا من أرض مصر إلى الآن‏!‏ فقال الرب لموسى‏:‏ قد غفرت لهم لقولك ولكني حي قيوم، أقسم بذلك وبمجدي الذي امتلأت الأرض كلها منه أن جميع الرجال الذين عاينوا مجدي والآيات التي أظهرت لهم بمصر والفضاء، وجربوني عشر مرات، ولم يطيعوني ولم يقبلوا قولي، لا يعاينون الأرض التي أقسمت لآبائهم أني أعطيهم، ولا يدخلها أحد من الذين أغضبوني، فأقبلوا غداً وارتحلوا إلى طريق بحر سوف؛ وقال الرب‏:‏ إلى متى تغفرُ هذه الجماعة الرديئة بين يدي‏؟‏ فبي أقسم أنكم تصيرون إلى ما قلتم، وكما فكرتم ذلك يصيبكم في هذه البرية، فتسقط جثثكم فيها وتبلى أجسادكم ويهلك كل عددكم وحسابكم من ابن عشرين سنة إلى فوق، لأنكم تشوشتم وتذمرتم عليّ، لا تدخلوا الأرض التي رفعت يدي لأنزلكم فيها، لوا يدخلها إلا كالاب بن يوفنا ويوشع بن نون، وأما مواشيكم التي قلتم‏:‏ إنها تنتهب، وبنوكم الذين لا يعلمون الخير من الشر فهم يدخلون الأرض وأصيّرهم إليها وأورثهم الأرض، فأما جيفكم فتسقط وتبلى في هذه البرية‏.‏

وتمكث بنوكم يترددون في هذه المفازة أربعين سنة، يعاقبون حتى تهلك جثثكم في هذه البرية على عدد الأيام التي اجتس الجواسيس الأرض فيها، لكل يوم سنة، وتعاقبون بإثمكم، لكل يوم سنة، أربعين سنة لأربعين يوماً، فتعلمون أني إنما فعلت ذلك لتذمركم بين يدي، أنا الرب قلت‏:‏ كذلك أصنع بهذه الجماعة الرديئة التي اجتمعت بين يدي، تهلك في هذه البرية، يموتون كلهم، والقوم الذين أرسلهم موسى أن يجتسوا الأرض له فانقلبوا وشغبوا عليه وأفسدوا الجماعة كلها، وذلك أنهم أخبروا الشعب في أمر الأرض خبراً رديئاً، ومات القوم الذين أخبروا الخبر السوء موت الفجاءة أمام الرب، فأما يشوع وكالاب فنجوا من الموت، ولم يهلكا مع الذين استخبروا الأرض، فأخبر موسى بني إسرائيل هذه الأقوال، وجلسوا في حزن شديد وقالوا‏:‏ نحن صاعدون إلى الموضع الذي أمر الرب ونقر بخطايانا، قال لهم موسى‏:‏ اعلموا أنكم لا تنجحون ولا يتم أمركم، لا تصعدوا لأن الرب ليس معكم لئلا يهزمكم أعداؤكم، فإن صعدتم هزمتم وقتلتم، لأنكم أغضبتم الرب ورجعتم عن قوله، فلذلك لا يكون الرب معكم، فصعد القوم إلى رأس الجبل، فأما تابوت عهد الرب وموسى النبي فلم يبرحا من العسكر، ونزل العملقانيون الذين يسكنون ذلك الجبل وحاربوهم وهزموهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وطردوهم إلى حرما؛ وكان ذكر قبل ذلك في السفر الثاني وقبل معصيتهم في أمر الجواسيس قتالهم في رفيدين ورقيم لعماليق فقال ما نصه‏:‏ وإن عماليق جاء ليقاتل بني إسرائيل برفيدين فقال موسى ليشوع‏:‏ اختر رجلاً من أهل الجلد والشدة واخراج بنا نقاتل عماليق غداً وأنا واقف على رأس الأكمة، وقضيب الله في يدي، فصنع يشوع كما قال له موسى فخرج إلى حرب عماليق، وصعد موسى وهارون وحور إلى رأس الجبل، وكان موسى إذا رفع يده قوى بنو إسرائيل، وإذا خفض يده قوى عماليق، فأعيت يدُ موسى فأخذ حجارة فوضعها تحته، ثم استوى عليها جالساً، وكان هارون وحور يدعمان يديه، أحدهما يميناً والآخر شمالاً حتى غربت الشمس، فهزم يشوع عماليق ومن معه وقتلوهم بحد السيف، فقال الرب لموسى‏:‏ اكتب هذا الأمر في سفر الكتاب وضعه أما يشوع بن نون، لأني أمحق وأبيد ذكر عماليق من تحت السماء، فبنى للرب مذبحاً، ودعا اسمه الله علمي، ثم قال‏:‏ وأرسل رسلاً من رقيم إلى ملك أدوم بأنهم نازلون في رقيم- القرية التي في حد بلاده- واستأذنه في الجواز في بلاده، فهددهم بالمقاتلة فقالوا‏:‏ لا نشرب لك ماء إلا بثمن، فقال‏:‏ لا تجوزوا في حدي، وخرج إليهم بجيش عظيم وسلاح شاك فصغا بنو إسرائيل عنه وظعنوا من رقيم، وأتى جميع بني إسرائيل إلى هور الجبل حيث توفي هارون، ثم قال‏:‏ ونزل موسى وإليعازر من الجبل، فرأت محافل بني إسرائيل كلها أن هارون قد توفي، وبكى على هارون جميع بني إسرائيل ثلاثين يوماً، وسمع الكنعاني ملك عراد الذي كان يسكن التيمن أن بني إسرائيل قد نزلوا في طريق الجواسيس فحاربهم وسبى منهم قوماً، فنذر بنو إسرائيل نذراًَ للرب وقالوا‏:‏ إن أنت دفعت إلينا هذا الشعب يا رب وقويتنا عليه جعلنا قراهم حريمة للرب، فسمع الرب أصوات بني إسرائيل ودفع إليهم الكنعانيين وقوّاهم عليهم، وهزموهم وقتلوهم وجعلوا قراهم حريمة للرب ودعوا اسم تلك البلاد حريمة، فظعن الشعب من هور الجبل في طريق بحر سوف ليدوروا حول أرض أدوم، ففزعت أنفس الشعب من شدة الطريق وكلّت، وتذمر الشعب على الله وعلى موسى وقالوا‏:‏ لِمَ أصعدتنا من مصر‏؟‏ لتميتنا في موضع ليس فيه خبز ولا ماء، قد ضاقت أنفسنا من قلة الطعام، فسلط الله عليهم حيات فنهشت قوماً من الشعب ومات منهم كثير، فاجتمعوا إلى موسى وقالوا‏:‏ قد أخطأنا إذ تذمرنا على الله وعليك، صل أمام الرب لتنصرف عنا الحيات، فصلى موسى فقال الرب له‏:‏ اتخذ حية من نحاس مثال الحية وارفعها على خشبة علامة، ومن نهشته حية ينظر إلى الحية المعلقة فيبرأ، ففعل ذلك، فطعن بنو إسرائيل فنزلوا أبوت، ثم ارتحلوا من أبوت ونزلوا على عين العبرانيين التي في البرية أمام أرض موآب في الجانب الشرقي وحيث مشارق الشمس، ثم ظعنوا من هناك ونزلوا وادي زرود، وارتحلوا من هناك ونزلوا عبر أرنون في البرية أمام أرض موآب في الجانبين التي تخرج من حد الأمورانيين وهي في حد الموآبيين، ولذلك يقال في كتاب حروب الرب‏:‏ واهب في سوفة ووادي أرنون ومصب الأودية المائلة إلى سكان عار التي تنتهي إلى حد الموآبيين؛ ثم أرسل بنو إسرائيل رسلاً إلى سيحون ملك الأمورانيين وقالوا له‏:‏ نجوز في أرضك من غير أن نطأ لك حقلاً ولا كرماً، ولا نشرب من ماء جناتك، ولكن نلزم الطريق الأعظم حتى نجوز أرضك، فأبى سيحون وجمع جميع أجناده وخرج إلى البرية وحارب بني إسرائيل، فقتل بنو إسرائيل سيحون وأصحابه وورثوا أرضه، وصعدوا إلى أرض متنين، وخرج عوج ملك متنين إليهم هو وأجناده ليحاربهم في أدرعى، وقال الرب لموسى‏:‏ لا تخفه لأني دافعة في يدك وأصيّر جميع شعبه وأرضه في يدك، فاصنع به كما صنعت بسيحون ملك الأمورانيين، فلما حاربوه قتل هو وبنوه وجميع شعبه ولم يبق منهم أحد، فظعن بنو إسرائيل ونزلوا عربات موآب التي عند أردن إريحا؛ ثم ذكر قصة بلعام بن باعور وغيرها وقال‏:‏ ثم قال الرب لموسى‏:‏ اصعد إلى هذا الجبل جبل العبرانيين، وانظر إلى أرض كنعان التي أعطى بني إسرائيل، فإذا نظرت إليها اجتمع معك شعبك، وصر إلى ما صار إليه آباؤك كما صار ‏[‏إليه‏]‏ هارون أخوك، فتكلم موسى أمام الرب وقال‏:‏ يأمر الله رجلاً يريد الجماعة ويدخل ويخرج أمامهم، ويدخلهم ويخرجهم لكيلا تكون جماعة الرب كالغنم التي ليس لها راعٍ، فقال الرب لموسى‏:‏ اعمد إلى يشوع بن نون- رجل عليه من الروح نعمة- فضع يدك عليه، وأقمه بين يدي إليعازر الحبر أمام الجماعة كلها ومن تجاههم قبلاً، وأعطه من المجد الذي عليك، فتطيعه جماعة بني إسرائيل كلها، ويقوم بين يدي إليعازر الحبر ليكون يسأل الرب عن حوائجه وسننه، ويحفظ بنو إسرائيل قوله، وعن قوله يخرجون وعن قوله يدخلون، وفعل موسى كالذي أمره الله في يوشع وغيره- ثم ذكره أشياء من القرابين والأعياد وفتح مدين وبقية قصة بلعام وغير ذلك ثم قال‏:‏ وكثرت مواشي بني روبيل وبني جاد جداً، ونظروا إلى يعزير وأرض جلعاد أنه موضع يصلح للمواشي فقالوا لموسى‏:‏ إن نحن ظفرنا منك برحمة ورأفة تعطي هذه الأرض لعبيدك ميراثاً ولا تجزنا نهر الأردن، فقال موسى‏:‏ إخوتكم يخرجون إلى الحرب وأنتم تستقرون هاهنا‏؟‏ لِمَ تكسرون قلوب إخوتكم أن لا يجوزوا إلى الأرض التي يعطيهم الرب ميراثاً‏!‏ هكذا صنع أيضاً آباؤكم فاشتد غضب الرب عليهم، وأقسم أنه لا يعاين أحد منهم الأرض التي وعدت بها آباءهم، لأنهم لم يتموا قولي ولم يتبعوا وصيتي ما خلا كالاب بن يوفنا القنزابي ويشوع بن نون، إنهما أتما قول الرب فاشتد غضب الرب على بني إسرائيل وتَوَّههُمْ في البرية أربعين سنة حتى هلك حقب الرجال الذين أسخطوا الرب، وأنتم اليوم أيضاً تريدون أن ينزل غضب الرب ببني إسرائيل، وإن أنتم انقلبتم عن أمر الرب أيضاً يعود أن يُتَوِّهَكم في التيه، فتفسدون على جميع هذا الشعب، فدنا منه القوم وقالوا‏:‏ نبني هاهنا قرى لعيالاتنا وحظائر لأنعامنا، ونحن نتسلح أمام بني إسرائيل حتى ندخلهم إلى مواضعهم ولا نرجع إلى بيوتنا حتى يرث بنو إسرائيل كل إنسان ميراثه، ولا نرث معهم من عبر الأردن وما خلف ذلك، لأنا قد قبضنا ميراثنا في مجاز الأردن في مشارق الشمس، فقال لهم موسى‏:‏ إذا أنتم فعلتم هذا الفعل وتسلحتم أمام ربكم، حينئذ ترجعون وتستجلبون أرضكم ويرضى بنو إسرائيل عنكم، وتصير هذه الأرض لكم ميراثاً، وإن لم تفعلوا هذا تصيروا أمام الرب خطأة، واعلموا أن خطاياكم تدرككم، ثم قال‏:‏ وهذه خطأ عن بني إسرائيل حيث خرجوا من أرض مصر- فذكر ما تقدم في البقرة، ثم قال‏:‏ وارتحلوا من مقبرة الشهوة ونزلوا حضروت، وظعنوا من حضروت ونزلوا رثما، وارتحلوا من رثما ونزلوا رمّون فرص، وظعنوا من رمّون فرص ونزلوا لبنا- وفي نسخة‏:‏ لبونا- وارتحلوا من لبنا ونزلوا أراسيا- وفي نسخة‏:‏ رسا- وظعنوا من أراسيا أو رسا ونزلوا قهاث- وفي نسخة‏:‏ بقهالاث- وارتحلوا من قهاث ونزلوا جبل شافار- وفي نسخة‏:‏ شافر- وارتحلوا من جبل شافار ونزلوا حرادة- وفي نسخة‏:‏ حرذا- وارتحلوا من حرادة- وفي نسخة‏:‏ حارذا- ونزلوا مقهلوث- وفي نسخة‏:‏ مهقلوث- وظعنوا من مقهلوث نزلوا تحاث- وارتحلوا من تحاث ونزلوا ترح، وارتحلوا من ترح ونزلوا مثقا، وارتحلوا من مثقا ونزلوا حشمونا، وظعنوا من حشمونا ونزلوا مسروت، وارتحلوا من مسروت ونزلوا بحيّ بني يعقان، وظعنوا من حيّ بني يعقان ونزلوا جبل جدجاد، وارتحلوا من جدجاد ونزلوا يطبث- وفي نسخة‏:‏ يطباثا- وظعنوا من يطبث ونزلوا عجرونا- وفي نسخة‏:‏ عبرونا- وارتحلوا من عجرونا ونزلوا عصيون جابر وهي قلزم، ورحلوا من عصيون جابر ونزلوا بَرَّصين- وفي نسخة‏:‏ برية صين المعروفة بقداش- وهي رقيم، وظعنوا من قداش ونزلوا هور الجبل الذي في أقاصي أرض أدوم- وفي نسخة‏:‏ وظعنوا من برية صين فنزلوا في قفر فاران وهي القدس، وارتحلوا من القدس فنزلوا في جبل هور بحذاء أرض أدوم وهي الروم- وصعد هارون الحبر عن قول الله إلى هور الجبل، وتوفي هناك في سنة أربعين بخروج بني إسرائيل من أرض مصر في الشهر الأول أول يوم منه، وقد كان أتى على هارون يوم توفي مائة وثلاث وعشرون سنة، وبلغ الكنعاني ملك حديا الساكن بالتيمن في أرض كنعان- وفي نسخة‏:‏ عراد الساكن في الداروم في بلد ماءب- أن بني إسرائيل أتوا حده، فينون من هور الجبل ونزلوا صلمونا، وارتحلوا من صلمونا ونزلوا فينون وظعنوا من فينون ونزلوا أبوث- وفي نسخة‏:‏ أباث- وارتحلوا من أبوث ونزلوا العين المعروفة بالعبرانيين على حد موآب- وفي نسخة‏:‏ ونزلوا عايا في العين على تخوم موآب- وارتحلوا من عايا فنزلوا جاد- وفي نسخة‏:‏ ورحلوا من عين العبرانيين ونزلوا ديبون قرية جاد- وارتحلوا من قرية جاد ونزلوا علمون التي دبلثيم- وفي نسخة‏:‏ دبلاثيم- وظعنوا من علمون التي دبلثيم- وفي نسخة‏:‏ دبلاثيم- فنزلوا جبل العبرانيين الذي أمام نابو، وارتحلوا من جبل العبرانيين ونزلوا عربة موآب التي بأردن يريحا- وفي نسخة‏:‏ ونزلوا مغارب موآب على الأردن قبالة يريحا- ونزلوا على شاطئ الأردن من عند أشيموت إلى آبل شاطيم التي عند عربة موآب- وفي نسخة‏:‏ قبالة مغارب موآب‏.‏

وكلم الرب موسى على مغارب موآب عند الأردن قبالة يريحا فقال‏:‏ كلم بني إسرائيل وقل لهم‏:‏ أنتم جائزون الأردن إلى أرض كنعان لتهلكوا جميع سكان الأرض، وتحرقوا بيوت أصنامهم المسبوكة، وتقلعوا مذابحهم كلها، وتصير الأرض إليكم وترثونها، فاقسموها لعشائركم سهاماً، وصيروا الكثير على قدر كثرتهم، والقليل على قدر قلتهم، وكل قبيلة على ما يرتفع السهم بها وتصيبها القرعة، وإن لم تهلكوا سكان الأرض من بين أيديكم فالذين يبقون منهم يكونون أسنة في أعينكم وسهاماً في أصداغكم، ويضيّقون عليكم في الأرض التي تسكنونها، وكما رأيت أن أصنع بهم كذلك أصنع بكم، فهكذا اقسموا الأرض في مواريثكم‏:‏ أرض كنعان بحدودها، فأما حد التيمن فيكون لكم من ساحل البحر الملح من ناحية المشرق، ويدور حدكم من التيمن إلى عقبة عقربيم ويجوز إلى صين، وتكون مخارجه من التيمن إلى رقيم الجائي، ويخرج من هناك إلى حصر إدار- وفي نسخة‏:‏ إلى رفح- ويجوز إلى عصمون إلى وادي مصر، وتكون مخارجه إلى ناحية البحر ويكون حد البحر حدكم والبحر الأعظم بحدوده، هذا حدكم من ناحية البحر وأما حدكم مما يلي الجربيا- وفي نسخة‏:‏ الشمال- فيكون من البحر الأعظم إلى هور الجبل، وحدود ذلك من الجبل إلى مدخل حماة، وتكون مخارج الجبل إلى صدد، ويخرج الحد إلى زفرون، وتكون مخارجه إلى حصر عينن، هذه حدودكم من ناحية الجربيا، وأما حدودكم من ناحية المشرق فحدوده من حصر عينن إلى شافم، وينزل الحد نم شافمم إلى ربلة إلى مشارق غاب، حتى ينتهي إلى بحر كنرت- وفي نسخة‏:‏ البحيرة الميتة- من مشارقه، ويدور حتى ينزل إلى حد الأردن، وتكون مخارجه إلى بحر الملح، هذه حدود الأرض التي ترثونها كما تدور ثم ذكر القسمة وشيئاً من الأحكام، ثم قال في أول السفر الخامس‏:‏ هذه الآيات والأقوال التي قال موسى لبني إسرائيل عند مجاز الأردن في البرية في عرابا- وفي نسخة‏:‏ البيداء وهو الجانب الغربي- حيال سوف بين فاران وبين تفال ولبان وحضروت وذي ذهب- وفي نسخة‏:‏ ودار الذهب وهو إشارة إلى الموضع الذي عبدوا فيه العجل- مسير أحد عشر يوماً من حوريب إلى ساعير وإلى رقام الجائي‏.‏

لما كان في سنة أربعين من خروج بني إسرائيل من مصر في الشهر الحادي عشر في أول يوم منه كلم موسى بني إسرائيل وأمرهم بعد قتلهم سيحون ملك الأمورانيين وعوج ملك متنين في مجاز الأردن في أرض موآب، قال‏:‏ إن الله قال لنا في حوريب‏:‏ قد طال مكثكم في هذا الجبل، انهضوا فارتحلوا من هاهنا وادخلوا جبل الأمورانيين وكل ما حوله إلى القرى والجبل وإلى ساحل البحر أسفل الجبال، والتيمن أرض الكنعانيين، ولبنان إلى النهر الكبير الذي هو الفرات، ادخلوا ورثوا الأرض التي وعد الله آباءكم إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يعطيهم، ويورثها نسلهم من بعدهم، ثم قال‏:‏ وأمرتكم في ذلك الزمان بما ينبغي أن تصنعوا، وارتحلنا من حوريب وسرنا في البرية العظيمة المرهوبة كما أمرنا الله ربنا، وانتهينا إلى رقيم الجائي، وقلت لكم‏:‏ قد انتهيتم إلى جبل الأمورانيين الذي أعطانا الله ربنا، اصعدوا ورثوا الأرض كما قال لكم الله رب آبائكم، لا تخافوا ولا تفزعوا، وتقدمتم إليّ بأجمعكم وقلتم‏:‏ نرسل بين أيدينا رجالاً يتجسسون لنا الأرض ويخبرونا بخبرها ويدلّونا على الطريق الذي نسير فيه والقرى التي ندخلها؛ فكان قولكم عندي حسناً، وعمدت إلى اثني عشر رجلاً منكم، من كل سبط منكم رجل، وأرسلتهم، وصعدوا إلى الجبل حتى انتهوا إلى وادي العنقود، واستخبروا الأرض وأخذوا من ثمار الأرض وأتوا به وأخبرونا وقالوا لنا‏:‏ ما أخصب الأرض التي يعطينا الله ربناَ‏!‏ ولم يعجبكم أن تصعدوا، ولكن اجتنبتم قول الله ربكم وأغضبتموه وتوشوشتم في خيمتكم وقلتم‏:‏ لبغض الرب أخرجنا من أرض مصر ليدفعنا في أيدي الأمورانيين ليهلكونا، إلى أين نصعد‏!‏ إخوتنا كسروا قلوبنا وقالوا‏:‏ الشعب أعظم وأعزّ منا وأقوى، وقراهم عظيمة مشيدة إلى السماء، ورأينا هناك أبناء جبابرة، وقلت لكم‏:‏ لا تخافوا ولا تفزعوا منهم، من أجل أن الله ربكم هو يسير أمامكم، وهو يجاهد عنكم كما صنع بكم في أرض مصر وفي البرية‏.‏

كما رأيتم أنه فداكم كما يفدي الوالد ولده في كل الأرض التي سلكتموها حتى انتهيتم إلى هذه البلاد، وبهذا القول لم تصدقوا أن الله ربكم يكمل لديكم أنه يسير أمامكم في الطريق ليهيئ لكم موضعاً تسكنون فيه، أليس هو الذي أراكم طريقاً تسلكون فيه بالليل بالنار، وستركم بالنهار من حر الشمس بالغمام، وسمع الرب كلامكم وأصواتكم وغضب وأقسم وقال‏:‏ لا يعاين أحد من هؤلاء القوم- أهل هذا الحقب الرديء- الأرض المخصبة التي أقسمت أن أعطي آباءهم غير كالاب بن يوفنا، إني أدفع إليه الأرض التي مشى فيها وأورثها ولده، لأنه أتم قول الرب وأكمل سنته، وقال لي‏:‏ وأنت أيضاً لا تدخلها، ولكن يشوع بن نون الذي يخدمك هو يدخل هناك، إياه قوِّ وأيد، لأنه هو الذي يورث بني إسرائيل الأرض المخصبة التي وعدت بها آباءهم أن أعطيهم، وأما مواشيكم التي قلتم‏:‏ إنها تنتهب، وبنوكم الذين لا يعلمون الخير من الشر، فهم يدخلون هناك، وإليهم أدفعها وهم يرثونها، فأما أنتم فاقبلوا وارتحلوا إلى البرية في طريق بحر سوف، فرددتم عليّ وقلتم‏:‏ أسأنا وأجرمنا بين يدي الله ربنا، نحن صاعدون ومجاهدون كما قال لنا، وتسلح كل امرئ منكم بسلاحه، وتهيأتم للصعود إلى الجبل، وقال الرب لي‏:‏ أنذرهم وقل لهم‏:‏ لا تصعدوا ولا تجاهدوا، لأني لست بينكم، لئلا يهزمكم أعداؤكم، وقلت ولم تقبلوا، اجتنبتم قول الرب وأغضبتموه وجسرتم وطلعتم إلى الجبل، فخرج الأموريون الساكنون في ذلك الجبل للقائكم وطردوكم كما تطرد الزنابير بالدخان، ودفعوكم من ساعير إلى حرما، وجلستم وبكيتم ولم يسمع الرب أصواتكم، فبكيتم أمام الرب في رقام أياماً كثيرة ما مكثتم فيها، فأقبلنا فارتحلنا في البرية في طريق بحر سوف كما قال الرب، وترددنا حول جبل ساعير أياماً كثيرة، وقال لي الرب‏:‏ قد طال ترددكم حول هذا الجبل اقبلوا إلى الجانب الجربي، فتقدم إلى الشعب وقل لهم‏:‏ أنتم تجوزون في حد إخوتكم بني عاسو- وفي نسخة‏:‏ عيصو- الذين يسكنون ساعير، فاحفظوا أن لا تولعوا بهم‏.‏

لأني لست أعطيكم من أرضهم ميراثاً ولا موضع قدم، ابتاعوا منهم طعاماً لمأكلكم وامتاروا منهم ماء بفضة لمشربكم، وليبارك الله ربكم عليكم ويبارك لكم في كل ما عملت أيديكم، كما علم أن يسوسكم في هذه البرية أربعين سنة، الله ربكم ما دام معكم لا يعوز بكم شيء، وجزنا طريق العربة- وفي نسخة‏:‏ البيداء- وأيلة، وأقبلنا وجزنا في البرية إلى طريق موآب، وقال لي الرب‏:‏ لا تضيق على الموآبيين ولا تحاربهم، لأني لست أعطيك من أرضهم ميراثاً، بل قد جعلت هذه الأرض ميراثاً لبني لوط هذه التي سكنها إمتى أولاً، شعباً كان عظيماً، كان الموآبيون يسمونهم إمتى، فأما ساعير فكان سكانها الحورانيين أولاً وورثها بنو عاسو، فقوموا الآن فجوزوا وادي زرد، فجزنا وادي زرد حينئذ، وكان عدد الأيام التي سرنا من رقيم إلى أن جزنا وادي زرد ثماني وثلاثين سنة، حتى هلك جميع الرجال الأبطال أهل ذلك الحقب من عسكر بني إسرائيل كما أقسم عليهم الرب، لأن يد الرب كانت عليهم حتى هلكوا، فلما ماتوا من الشعب كلمني الرب وقال لي‏:‏ أنت جائز اليوم إلى حد موآب، وتدنو من حد بني عمون فلا تتعرض لهم، لست أعطيك ميراثاً من أرض بني عمون، لأني قد جعلتها ميراثاً لبني لوط، فقم وارتحل وجز وادي أرنون، إني قد دفعت إليك سيحون ملك الأمورانيين فحاربه وأهلك أصحابه، فإني أبدأ فألقي خوفك وفزعك على الناس منذ يومك هذا، وعلى جميع الشعوب التي تحت السماء، حتى إذا سمعوا بخبرك فرقوا وفزعوا منك، وأرسلت رسلاً من برية قدموت إلى سيحون ملك حجبون بكلام طيب وبالسلام، وقلت له‏:‏ نجوز في أرضك ونسير في الطريق الأعظم، لا نميل يمنة ولا يسرة نمتار منكم طعاماً بفضة لمأكلنا، وكذلك نبتاع ماء لمشربنا بثمن، فدعونا نجز سائرين في الطريق كما صنع بنا بنو عاسو الذين في ساعير، والموآبيون الذي في عار، حتى يجوز في الأردن إلى الأرض التي يعطينا الله ربنا، لوم يسرَّ سيحون ملك حجبون أن نجوز في حده، لأن الله ربكم قسّى قلبه وعظم روحه ليدفعه في أيديكم، وخرج إلينا هو وجميع أجناده ليحاربونا في ياهاص، فدفعه الرب إلينا وقتلناه هو وجميع أجناده وفتحنا قراه وأهلكنا كل من كان في قراه، ولم يبق منهم أحد، وأهلكنا نساءهم وعيالاتهم، ولم يبق منهم أحد من حد عروعير التي على حد وادي أرنون، والقرية التي في الوادي وإلى جلعاد لم تفتنا قرية، بل دفعها الله ربنا في أيدينا جميعاً، فأما أرض بني عمون فلم نقربها، وكل ما كان على وادي يبوق وقرى الجبال أيضاً، وكل ما أمرنا الله ربنا به، ثم أقبلنا وصعدنا إلى أرض متنين، وخرج إلينا عوج ملك متنين هو وكل شيعته ليحاربنا في أدرعى، وقال لي الرب‏:‏ لا تفرق فإني قد دفعته في يديك، وأسلمت إليك كل أجناده وأرضه، وقتلناهم ولم يبق منهم أحد، وظفرنا بكل قراه في ذلك الزمان، ولم تفتنا قرية إلا أخذناها منهم ستين قرية، كل جبل أرجوب، كل القرى التي كانت أسوارها مشيدة محصنة بالأبواب الشديدة الموثقة، وأحرمناهن كما صنعنا بسيحون وأخذنا الأرض في ذلك الزمان من ملكي الأمورانيين اللذين كانا عند مجاز الأردن من وادي أرنون إلى جبل حرمون، فأما الصيدانيون فكانوا يدعون حرمون سريون، وأما الأمورانيون فكانوا يسمونها سنير، وأخذنا كل القرى التي كانت في الصحراء وكل جلعاد وكل متنين إلى سلكة وأدرعى، جميع قرى ملك عوج، لأن عوجاً كان الجبار الذي بقي وحده من الجبابرة، وكان سريره من حديد، وفي مدينة بني عمون التي تسمى ربة، طوله تسع أذرع وعرضه أربع أذرع بذراع الجبابرة، وورثنا هذه الأرض في ذلك الزمان؛ ثم قال‏:‏ أمرت يشوع في ذلك الزمان وقلت‏:‏ قد رأيت بعينيك ما صنع الله ربكم بملكي الأمورانيين، كذلك يصنع الرب بجميع المملكات التي تجوز إليها، لأن الله ربكم هو يجاهد عنكم، وتضرعت إلى الرب في ذلك الزمان وقلت‏:‏ أطلب إليك يا ربي وإلهي أن تظهر لعبدك عظمتك بيدك المنيعة وبذراعك العظيمة، أيّ إله في السماء أو في الأرض يعمل مثل أعمالك وجرائحك‏!‏ أتأذن لي الآن فأعبر وأعاين الأرض المخصبة التي في مجاز الأردن، هذا الجبل المخصب ولبنان، ولم يتسجب لي وقال لي الرب‏:‏ حسبك‏!‏ لا تعد أن تقول هذا القول بين يدي، اصعد رأس الأكمة وارفع عينيك إلى المغرب والمشرق وإلى الجربي والتيمن، وانظر إليها نظراً ولا تجز هذا الأردن، ومر يشوع وتقدم إليه وقوِّه وأيده، لأنه هو الذي يجوز أمام هذا الشعب وهو الذي يورثهم الأرض التي تراها، ونزلنا الوادي حيال بيت فغور‏:‏ ثم قال‏:‏ وأقسم- أي الرب-أني لا أجوز هذا الأردن ولا أدخل إلى الأرض التي أعطاكم الله ربكم ميراثاً، فأنا الآن متوفٍ في هذه الأرض، ولا أجوز هذا الأردن، فأما أنتم فتجوزون وترثون هذه الأرض المخصبة، احفظوا لا تنسوا عهد ربكم الذي عاهدكم، ولا تفسدوا وتتخذوا أصناماً وأشباهاً، من أجل أن الله ربكم هو نار محرقة وهو إله غيور، وإذا ولد لكم بنون وبنو بنين وعتقتم في الأرض‏.‏

واتخذتم أصناماً وأشباهاً وارتكبتم الشر أمام الله ربكم وأغضبتموه قد أشهد عليكم السماء والأرض أنكم تهلكون سريعاً من الأرض التي تجوزون لترثوها، ولا تكثر أيامكم فيها، ويبددكم الرب من بين الشعوب ويبقي منكم عدد قليل بين الشعوب التي يفرقكم الرب فيها، سلوا عن الأيام الأولى التي مضت قبلكم منذ يوم خلق الله الناس على الأرض من أقصى السماء إلى أقطارها، هل كان مثل هذا الأمر العظيم أو سمع بمثله قط‏؟‏ هل سمع شعب آخر صوت الله يكلمه من النار كما سمعتم أنتم، وجربوا الله الذي اتخذهم شعباً من الشعوب بالبلايا والآيات والأعاجيب والحروب واليد المنيعة والذراع العظيمة وبالمناظر العظيمة، كما صنع الله بأهل مصر تجاهكم أنتم وعاينتم وعلمتم أن الله هو رب كل شيء وليس إله غيره، أسمعكم صوته من السماء ليعلمكم وأراكم ناره العظيمة، وسمعتم أقاويله من النار، ولحبه لآبائكم اختار نسلهم من بعدهم، وأخرجكم بوجهه من مصر بقوته العظيمة، ليهلك من بين أيديكم شعوباً أعظم وأعزّ منكم ليدخلكم ويعطيكم أرضهم ميراثاً، لتعلموا يومكم هذا وتقبلوا بقلوبكم لأن الرب هو إله في السماء فوق وفي الأرض أسفل، وليس إله سواه، احفظوا سننه ووصاياه التي أمركم بها يومكم هذا لينعم عليكم وعلى أبنائكم من بعدكم ويطول مكثكم في الأرض التي يعطيكم الله ربكم طول الأيام‏.‏

هذه الشهادات والأحكام التي قص موسى على بني إسرائيل حيث خرجوا من أرض مصر، فانتهوا إلى مجاز الأردن في الوادي في مشارق الشمس، وإلى بحر العربة إلى سدود الفسجة، ثم قال بعد ذلك في أواخر هذا السفر بعد أن قص عليهم أحكاماً كثيرة وحِكَما عزيزة‏:‏ الرب يقبل بكم إلى الخير ويفرحكم كما فرح آباؤكم، وذلك إن أنتم سمعتم قول الله ربكم وحفظتم سننه ووصاياه المكتوبة في هذا الكتاب من كل قلوبكم وأنفسكم، من أجل أن هذه الوصية لم تخف عليكم ولم تغب، وليس هو بمستور في السماء فتقولوا‏:‏ من يصعد لنا إلى السماء ويأتينا به فنسمعه ونعمل به‏!‏ وليس بغائب عنكم في أقصى البحر فتقولوا‏:‏ من ينزل لنا إلى البحر ويأتينا به فنسمعه ونعمل به‏!‏ ولكن القول قريب من فمك وقلبك فاعمل به، وانظر أني قد صيّرت بين يديك اليوم الحياة والخير، فأخبرتك بالموت والشر، وأنا آمرك اليوم أن تحب الله ربك وتسلك في طرقه وتحفظ سننه ووصاياه وأحكامه، لتحيى وتكثر جداً، ويبارك الله ربك عليك، وينميك في الأرض التي تدخلها لترثها، وإن مال قلبك وزاغ ولم تسمع وضللت وتبعت الآلهة الأخرى وسجدت لها فقد بينت لكم اليوم أنكم تهلكون هلاكاً، ولا يطول مكثكم في الأرض التي تجوزون الأردن لترثوها، وأوعزت إليكم وناشدتكم السماء والأرض والحياة والموت- وفي نسخة‏:‏ وأشهدت عليكم السماء والأرض وجعلت بين يديكم الحياة والموت- وتلوت عليكم اللعن والدعاء، فاختر الحياة لتحيى أنت ونسلك إذا أحببت الله ربك وسمعت قوله ولحقت بعبادته، لأنه حياتك وطول عمرك، وتسكن في الأرض التي أقسم الرب لآبائك ووعد إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يعطيك؛ ثم انطلق موسى وكلم بني إسرائيل وقص عليهم هذه الأقوال كلها وقال لهم‏:‏ اليوم مائة وعشرون سنة، ولست أقدر على الدخول والخروج أيضاً، والرب قال‏:‏ إنك لا تجوز هذا الأردن، فالله ربكم هو يجوز أمامكم، وهو يهلك هذه الشعوب من بين أيديكم وترثونهم، ويشوع هو يجوز أمامكم كما قال الرب، وسيصنع بهم الرب كما صنع بسيحون وعوج ملكي الأمورانيين اللذين أهلكهما، ويهزمهم الله ربكم من بين أيديكم، فاصنعوا بهم حينئذ ما أمرتكم به، فتقوّوا واعتزوا ولا تخافوا ولا تفزعوا، ولا ترعب قلوبكم منهم، لأن الله ربكم سائر أمامكم، لا يخذلكم ولا يرفضكم؛ ودعا موسى يشوع بن نون وقال له بين يدي جماعة بني إسرائيل‏:‏ تقّو واعتز، لأنك أنت الذي تدخل هذا الشعب الأرض التي أقسم الله لآبائهم أن يعطيهم، وأنت تورثها أبناءهم، والرب هو يسير أمامكم وهو يكون معك ولا يخذلك ولا يرفضك، فلا تخف ولا تفزع ولا يرعب قلبك؛ وكتب موسى هذه التوراة وسننها ودفعها إلى الأحبار بني لاوي الذين يحملون تابوت عهد الرب وإلى جميع أشياخ بني إسرائيل؛ ثم قال‏:‏ وكلم الرب موسى في ذلك اليوم وقال له‏:‏ اصعد إلى جبل العبرانيين هذا جبل نابو الذي في أرض موآب حيال يريحا وانظر إلى أرض كنعان التي أعطى بني إسرائيل ميراثاً، ولتتوفّ هناك في الجبل الذي تصعد إليه واجتمع إلى آبائك، كما توفي أخوك هارون في الجبل وصار إلى قومه، ثم قال في آخر هذا السفر وهو آخر التوراة‏:‏ فطلع موسى من عربوب- وفي نسخة‏:‏ من بيداء موآب- إلى جبل نبو إلى رأس الأكمة التي قبالة وجه إريحا، وأراه الله جميع جلعد إلى دان وجميع أرض نفتالي وجميع أرض إفرائيم ومنشا، وجميع أرض يهودا إلى آخر البحر والبرية وما حول بقعة بلد إريحا مدينة النخل إلى صاغر، فقال الرب لموسى‏:‏ إن هذه هي في الأرض التي أقسمت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب وقلت‏:‏ إني لنسلكم أعطيها، قد أريتكها بعينيك، فأما أنت فما تدخلها، وقضى عبدالله موسى بأرض موآب بأمر الرب، فدفن- يعني في أرض موآب- حذاء بيت فاغور، ولم يعرف أحد أين قضى إلى يومنا هذا، وكان موسى وقت قضى ابن مائة وعشرين سنة، لم يضعف بصره ولم يشخ جداً؛ فناح بنو إسرائيل على موسى بعربوب- وفي نسخه‏:‏ في بيداء موآب- ثلاثين يوماً، وتمت أيام بكاء مأتم موسى؛ وامتلأ يشوع بن نون روَح الحكمة، لأن موسى وضع عليه يده، وأطاع له بنو إسرائيل وامتثلوا ما أمر الرب به موسى- انتهى ما أردته من أخبار التيه وما يتصل بذلك من مساواتهم لجميع الناس في العذاب بالمعاصي والإلطاف بالطاعات، الهادم لكونهم أبناء وأحباء‏.‏

وفيه مما يحتاج إلى تفسير‏:‏ الجربي، وهو نسبة إلى الجربياء- بكسر الجيم والموحدة، بينهما مهملة ساكنة ثم تحتانية ممدودة، وهي جهة الشمال، والتيمنُ- بفتح الفوقانية وإسكان التحتانية وضم الميم، وهو أفق اليمن الذي يقابل الشمال فالمراد الجنوب، وفيه قاصمة لهم من إنكار النسخ في أمرهم بنص التوراة بالدخول إلى يبت المقدس ثم نهيهم عن ذلك لما عصوا، فإنه قال‏:‏ اصعدوا ورثوا الأرض كما قال لكم الله رب آبائكم، لا تخافوا ولا تفزغوا، ولما عصوا هذا الأمر وأعلمهم موسى عليه السلام عليه السلام بغضب الله عليهم وعقوبته بالتيه أرادوا امتثال الأمر في الصعود توبة، فقال لهم موسى عليه السلام‏:‏ وقال لي الرب‏:‏ أنذرهم وقل لهم‏:‏ لا تصعدوا ولا تجاهدوا لأني لست بينكم، لئلا يهزمكم أعداؤكم- هذا نصه فراجعه‏.‏ وأما دخول أبنائهم إلى بلاد القدس وغلبتهم على أهلها وتبسطهم في أرضها تصديقاً لمواعد الله على يد يشوع بن نون عليه السلام فسيذكر إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى في سورة يونس عليه السلام‏:‏ ‏{‏ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 93‏]‏، ولكن أقدم هنا من أمر يوشع بعد موسى عليهما السلام- والمعونة بالله- ما يبنى عليه بعض مناسبات الآية التي بعدها، قال البغوي‏:‏ فتوجه- يعني يوشع- ببني إسرائيل إلى إريحا ومعه تابوت الميثاق، فأحاط بها ستة أشهر، ثم نفخوا في القرون وضج الشعب ضجة واحدة، فسقط سور المدينة ودخلوا، فقاتلوا الجبارين فقتلوهم، وكان القتال في يوم الجمعة، فبقيت منهم بقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت فقال‏:‏ اللهم أردد الشمس عليّ‏!‏ فردت عليه وزيد في النهار ساعة، ثم قتلهم أجمعين، وتبع ملوك الشام واستباح منهم واحداً وثلاثين ملكاً حتى غلب على جميع أرض الشام وفرق عماله في نواحيها، وجمع الغنائم فلم تنزل النار، فأوحى الله إلى يوشع أن فيها غلولاً فمرهم فليبايعوك، فبايعوه فالتصقت يد رجل منهم بيده، فقال‏:‏ هلمّ ما عندك‏!‏ فأتاه برأس ثور من ذهب مكلل باليواقيت والجواهر، فجعله في القربان وجعل الرجل معه، فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان- انتهى‏.‏ ورأيت أنا في تاريخ نبوة يوشع بعد موت موسى عليهما السلام ما ربما يخالف هذا في الأشهر والبلد، أما الأشهر فجعلها سبعة أيام، وأما البلدة التي وقفت عندها الشمس فجبعون لا إريحا، فإنه قال ما نصه‏:‏ قال الرب ليشوع‏:‏ انظر، إني قد دفعت في يدك إريحا وملكها وكل أجنادها، فليُحِطْ بالمدينة جميع الرجال المقاتلة، ودوروا حول المدينة في اليوم مرة، وافعلوا ذلك في ستة أيام، ويحمل سبعة من الكهنة سبعة أبواق ويهتفون أمام التابوت، حتى إذا كان اليوم السابع دوروا حول المدينة سبع مرات، ويهتف الكهنة بالقرون، وإذا هتفت الأبواق وسمعتم أصواتها يهتف جميع الشعب بأعلى أصواتهم صوتاً شديداً، فيقع سور المدينة مكانه، ويصعد الشعب كل إنسان حياله- انتهى‏.‏

ثم ذكر امتثالهم لأمر الله وفتحهم لإريحا على ما قال الله، وأما البلدة التي ردَّت فيها الشمس فهي جبعون، وذلك أنه ذكر بعد فتح إريحا هذه أن سكون جعبون وهم الحاوانيون صالحوا يوشع بحيلة فعلوها، ثم قال‏:‏ وهذه أسماء قراهم‏:‏ جبعون والكفيرة وبيروت ويعاريم، فلما سمع بذلك أدونصداق ملك أورشليم فرق فرقاً شديداً، لأن جبعون كانت مدينة عظيمة كمثل مدن الملك، وكان أهلها رجالاً جبابرة، فأرسل إلى هوهم ملك حبران- وفي موضع آخر‏:‏ حبرون- وإلى فرآم ملك يرموث، وإلى يافع ملك لخيس، وإلى دابير ملك عقلون- وقال لي بعض اليهود‏:‏ إن المراد بهذه عجلون- وقال لهم‏:‏ اصعدوا لتعينوني على محاربة أهل جبعون، لأنهم قد صالحوا يشوع، فاجتمع الخمسة من ملوك الأمورانيين وجميع عساكرهم فنزلوا على جبعون، فأرسل أهل جبعون إلى يشوع فصعد يشوع من الجلجال هو وجميع أبطال الشعب، فأوحى الرب إلى يشوع‏:‏ لا تخف ولا تفزع منهم، لأني قد أسلمتهم في يدك، فأتاهم بغتة، لأنه صعد من الجلجال الليل أجمع، فهزمهم الرب بين يدي آل إسرائيل وجرحوا منهم جرحى كثيرة في جبعون التي بحوران، وهربوا في طريق عقبة حوران ولم يزالوا يقتلون منهم إلى عزيقة ومقيدة، فلما هرب الذين بقوا منهم ونزلوا عقبة حوران أمطر الرب عليهم حجارة برد كبار من السماء إلى عزيقة وماتوا كلهم، فكان الذين ماتوا بحجارة البرد أكثر من الذين قتلوا، ثم قام يشوع أمام الرب مصلياً في اليوم الذي دفع الرب الأمورانيين في يدي بني إسرائيل وقال‏:‏ أيتها الشمس‏!‏ امكثي في جبعون ولا تسيري، وأنت أيها القمر‏!‏ لا تبرح قاعَ أيلون، فثبتت الشمس وقام القمر حتى انتقم الشعب من أعدائهم؛ فكتبت هذه الأعجوبة في سفر التسابيح، لأن الشمس وقفت في وسط السماء ولم تزل إلى الغروب، وصار النهار يوماً تاماً، ولم يكن مثل ذلك اليوم قبله ولا بعده- انتهى‏.‏ وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه القصة، روى الشيخان‏:‏ البخاري في الخمس والنكاح، ومسلم في المغازي عن أبي هريرة رضي الله عنه قالك «قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏» غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه‏:‏ لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولمّا يبن بها، ولا أحد بنى بيوتاً ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنماً أو خلفات وهو ينتظر ولادها، فغزا فدنا من القرية صلاةَ العصر أو قريباً من ذلك فقال للشمس‏:‏ إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا‏!‏ فحبست حتى فتح الله عليه فجمع الغنائم، فجاءت- يعني النار- لتأكلها فلم تطعمها، فقال‏:‏ إن فيكم غلولاً، فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده، فقال‏:‏ فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال‏:‏ فيكم الغلول، فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعوها، فجاءت النار فأكلتها ثم أحل الله لنا الغنائم، رأى بعض ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا «

وفي رواية المسند للحافظ نور الدين الهيثمي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إن الشمس لم يحبس على بشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس»، قال‏:‏ وهو في الصحيح ولم أر فيه حصراً كما هنا؛ وفي سيرة ابن إسحاق ما ينقضه، قال‏:‏ حدثنا يونس عن الأسباط بن نصر الهمداني عن إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي قال‏:‏ لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر قومه بالرفعة والعلامة عما في العير قالوا‏:‏ فمتى تجيء‏؟‏ قال‏:‏ يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينتظرون وقد ولى النهار ولم تجئ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس، ولم ترد الشمس على أحد إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى يوشع بن نون حين قاتل الجبارين يوم الجمعة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 29‏]‏

‏{‏وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ‏(‏27‏)‏ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ‏(‏28‏)‏ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

ولما كانت قصتهم هذه- في أمرهم بالدخول إلى الأرض المقدسة لما فيها من نقض العهود والتبرؤ من الله والحكم عليهم بالفسق والتعذيب- ناقضة لما ادعاه اليهود من البنوة، كان ذلك كافياً في إبطال مدعى النصارى لذلك، لأنهم أبناء اليهود، وإذا بطل كون أبيك ابانً لأحد بطل أن تكون أنت ابنه، لما كان ذلك كذلك ناسب أن تعقب بقصة ابني آدم لما يذكر، فقال تعالى عاطفاً على قوله‏:‏ ‏{‏وإذ قال موسى‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 20‏]‏ ‏{‏واتل عليهم‏}‏ أي على المدعوّين الذين من جملتهم اليهود تلاوة، وهي من أعظم الأدلة على نبوتك، لأن ذلك لا علم لك ولا لقومك به إلا من جهة الوحي ‏{‏نبأ ابني آدم‏}‏ أي خبرهما الجليل العظيم، تلاوة ملتبسة ‏{‏بالحق‏}‏ أي الخبر الذي يطابقه الواقع إذا تُعُرَّفَ من كتب الأولين وأخبار الماضين كائناً ذلك النبأ ‏{‏إذ‏}‏ أي حين ‏{‏قربا‏}‏ أي ابنا آدم؛ ولما لم يتعلق الغرض في هذا المقام ببيان أيّ نوع قربا منه، قال‏:‏ ‏{‏قرباناً‏}‏ أي بأن قرب كل واحد منهما شيئاً من شأنه أن يقرِّبَ إلى المطلوب مقاربتُه غاية القرب‏.‏

ولما كان المؤثر للحسد إنما هو عدم التقبل، لا بالنسبة إلى متقبل خاص، بناه للمفعول فقال‏:‏ ‏{‏فتُقبِّل‏}‏ أي قبل قبولاً عظيماً ظاهراً لكل أحد ‏{‏من أحدهما‏}‏ أبهمه أيضاً لعدم الاحتياج في هذا السياق إلى تعيينه ‏{‏ولم يتقبل من الآخر‏}‏ عَلِمَا ذلك بعلامة كانت لهم في ذلك، إما أكل النار للمقبول كما قالوه أو غير ذلك؛ ومناسبتها لما قبلها من حيث إنها أيضاً ناقضة لدعواهم البنوة، لأن قابيل ممن ولد في الجنة على ما قيل، ومع ذلك فقد عذب لما نقض العهد، فانتفى أن يكون ابناً وكان هو وغيره شرعاً واحداً دائراً أمرهم في العذاب والثواب على الوفاء والنقض، من وفى كان حبيباً ولياً، ومن نقض كان بغيضاً عدواً، وإذا انتفت البنوة عن ولد لآدم صفي الله مع كونه لصلبه لا واسطة بينهما ومع كونه وُلِدَ في الجنة دار الكرامة، فانتفاؤها عمن هو أسفل منه من باب الأولى، وكذا المحبة؛ ومن المناسبات أيضاً أن كفر بني إسرائيل بمحمد صلى الله عليه وسلم إنما هو للحسد، فنبهوا بقضة ابني آدم على أن الحسد يجر إلى ما لا يرضي الله وإلى ما لا يرضاه عاقل ويكب في النار؛ ومنها أن في قصة بني إسرائيل إحجامهم عن قتال أعداء الله البعداء منهم المأمورين بقتالهم الموعودين عليه بخيري الدارين، وأن الله معهم فيه، وفي قصة ابني آدم إقبال قابيل على قتل أخيه حبيب الله المنهي عن قتله المتوعد بأن الله يتبرأ منه إن قتله، ففي ذلك تأديب لهذه الأمة عند كل إقدام وإحجام، وتذكير بالنعمة في حفظهم من مثل ذلك، وأن فيها أن موسى وهارون عليهما السلام أخوان في غاية الطواعية في أنفسهما، ورحمة كل منهما للآخر والطاعة لله، وقصة ابني آدم بخلاف ذلك، وفي ذلك تحذير مما جر إليه وهو الحسد، وأن في قصة بني إسرائيل أنهم لما قدموا الغنائم للنار فلم تأكلها، عَلِمَ نبيهم صلى الله عليه وسلم أنها لم تقبل لغلول غَلّوه، فاستخرجه ووضعه فيها فأكلتها، ففي ذلك الاستدلال بعدم أكل النار على عدم القبول- كما في قصة ابني آدم، وأن بني إسرائيل عذبوا بالمنع من بيت المقدس بالتيه‏.‏

وقابيل نفي من الأرض التي كان فيها مقتل أخيه، وأن بني إسرائيل تاهوا أربعين سنة على عدد الأيام التي غاب فيها نقباؤهم في جسّ أخبار الجبابرة، وأن قابيل حمل هابيل بعد أن قتله أربعين يوماً- ذكره البغوي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ وقصده السباع فحمله على ظهره أربعين يوماً، وكل هذه محسنات والعمدة هو الوجه الأول وأحسن منه أن يكون الأمر لموسى عليه السلام عطفاً على النهي في لاتاس، والمعنى أن الأرض المقدسة مكتوبة لهم كما قَدمته أنت أول القصة في قولك‏:‏ ‏{‏التي كتب الله لكم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 21‏]‏ فأنا مورثها لا محالة لأبنائهم وأنت متوفٍ قبل دخولها، وقد أجريت سنتي في ابني آدم بأنهم إذا توطنوا واستراحوا تحاسدوا، وإذا تحاسدوا تدابروا فقتل بعضهم بعضاً، فاتل عليهم هذه القصة لتكون زاجرة لهم من أن يفعلوا ذلك إذا فرغوا من الجبابرة وأبادوهم وصفت لهم البلاد فتوطنوها، وأخرجت لهم بركاتها فأبطرتهم النعم، ونسوا غوائل النقم؛ ويكون ذلك وعظاً لهذه الأمة ومانعاً من فعل مثل ذلك بعد إكمال دينهم ووفاة نبيهم وإظهارهم على الدين كله، كما تقدم به الوعد لهم فقهروا العباد وفتحوا البلاد وانتثلوا كنوزها وتحكموا في أموالها، فنسوا ما كانوا فيه من القلة والحاجة والذلة فأبطرتهم النعم، وارتكبوا أفعال الأمم، وأعرضوا عن غوائل النقم- كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «دب إليكم داء الأمم قبلكم‏:‏ الحسد والبغضاء، الا والبغضاء هي الحالقة، لا أقول‏:‏ تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين» أخرجه الترمذي والإمام أحمد وأبو داود الطيالسي في مسنديهما والبزار- قال المندري‏:‏ بإسناد جيد- والبيهقي وقال‏:‏ «لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا» رواه الطبراني ورواته ثقات، وذكر الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي في القسم الثاني من سيرته في فتح جلولاء من بلاد فارس أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما أرسل الغنيمة إلى عمر رضي الله عنه أقسم عمر رضي الله عنه‏:‏ لا يخبأها سقف بيت حتى تقسم‏!‏ فوضعت في صحن المسجد، فبات عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن أرقم رضي الله عنهما يحرسانه، فلما جاء الناس كشف عنه فنظر عمر رضي الله عنه إلى ياقوتة وزبرجدة وجوهرة فبكى، فقال عبد الرحمن رضي الله عنه‏:‏ ما يبكيك يا أمير المؤمنين‏؟‏ فوالله إن هذا إلا موطن شكر‏!‏ فقال عمر‏:‏ والله ما ذاك يبكيني، وتالله ما أعطى الله هذا قوماً إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى بأسهم بينهم‏.‏

شرحُ قصة ابني آدم من التوراة، قال المترجم في أولها بعد قصة أكل آدم عليه السلام من الشجرة ما نصه‏:‏ فدعا آدم اسم امرأته حواء من أجل أنها كانت أم كل حيّ، وصنع الرب لآدم وامرأته سرابيل من الجلود وألبسهما، فأرسله الله من جنة عدن ليحرث الأرض التي منها أخذ، فأخرجه الله ربنا، فجامع آدم امرأته حواء فحبلت وولدت قايين وقالت‏:‏ لقد استفدت لله رجلاً، وعادت فولدت أخاه هابيل، فكان هابيل راعي غنم، وكان قايين يحرث الأرض، فلما كان بعد أيام جاء قايين من ثمر أرضه بقربان لله، وجاء هابيل أيضاً من أبكار غنمه بقربان، فسر الله بهابيل وقربانه ولم يسر بقايين وقربانه، فساء ذلك قايين جداً وهمَّ أن يسوءه وعبس وجهه، فقال الرب لقايين‏:‏ ما ساءك‏؟‏ ولِمَ كسف وجهك‏؟‏ إن أحسنت تقبلت منك، وإن لم تحسن فإن الخطيئة رابضة على الباب وأنت تقبل إليها وهي تتسلط عليك، فقال قايين لهابيل أخيه‏:‏ تتمشى بنا في البقعة، فبينما هما يتمشيان في الحرث وثب قايين على أخيه هابيل فقتله، فقال الله لقايين‏:‏ أين هابيل أخوك‏؟‏ فقال‏:‏ لا أدري، أرقيب أنا على أخي‏؟‏ قال الله‏:‏ ماذا فعلت‏!‏ فإن دم أخيك ينادي لي من الأرض، من الآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها فقبلت دم أخيك من يدك، فإذا أنت عملت في الأرض فإنها لا تعود تعطيك حراثها، وتكون فزعاً تائهاً في الأرض، فقال قايين للرب‏:‏ عظمت خطيئتي من أن تغفرها، وقد أخرجتني اليوم عن وجه الأرض، وأتوارى من قدامك وأكون فزعاً تائها في الأرض، وكل من وجدني يقتلني، فقال الله ربنا‏:‏ كلا‏!‏ ولكن كذلك كل قاتل، وأما قايين فإنه يجزى بدل الواحد سبعة، فخرج قايين من قدام الله فجلس في الأرض نود شرقي عدن- انتهى‏.‏ قال البغوي عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول‏:‏ إن آدم كان يغشى حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة فحملت فيها بقابيل وتوأمته- فذكر قصته في النكاح وقتله لأخيه وشرب الأرض لدمه قولو قابيل لله- حين قال له‏:‏ إنه قتله-‏:‏ إن كنت قتلته فأين دمه‏؟‏ فحرم الله على الأرض يومئذ أن تشرب دماً بعده أبداً- انتهى‏.‏

ولما أخبر الله تعالى بأن أحدهما فعل معه من عدم القبول ما غاظه، كان كأنه قيل‏:‏ فما فعل حين غضب‏؟‏ فقيل‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ أي لأخيه الذي قبل قربانه حسداً له ‏{‏لأقتلنك‏}‏ فكأنه قيل‏:‏ بما أجابه‏؟‏ فقيل‏:‏ نبهه أولاً على ما يصل به إلى رتبته ليزول حسده بأن ‏{‏قال إنما يتقبل الله‏}‏ أي يقبل قبولاً عظيماً المحيط لكل شيء قدرة وعلماً الملك الذي له الكمال كله، فليس هو محتاجاً إلى شيء، وكل شيء محتاج إليه ‏{‏من المتقين *‏}‏ أي العريقين في وصف التقوى، فلا معصية لهم يصرون عليها بشرك ولا غيره، فعدمُ تقبل قربانك من نفسك لا مني، فلم تقتلني‏؟‏ فقتلك لي مبعد لك عما حسدتني عليه‏.‏

ولما وعظه بما يمنعه من قتله ويقبل به على خلاص نفسه، أعلمه ثانياً أن الخوف من الله مَنَعَه من أن يمانعه عن نفسه مليناً لقلبه بما هو جدير أن يرده عنه خشية أن تجره الممانعة إلى تعدي الحد المأذون فيه، لأن أخاه كان عاصياً لا مشركاً، فقال مؤكداً بالقسم لأن مثل ما يخبر به عظيم لا يكاد يصدق‏:‏ ‏{‏لئن بسطت إليّ‏}‏ أي خاصة ‏{‏يدك لتقتلني‏}‏ أي لتوجد ذلك بأيّ وجه كان، ثم بالغ في إعلامه بامتناعه من الممانعة فقال‏:‏ ‏{‏ما أنا‏}‏ وأغرق في النفي فقال‏:‏ ‏{‏بباسط‏}‏ أي أصلاً، وقدم المفعول به تعميماً، ثم خص المتعلق لمناسبة الحال فقال‏:‏ ‏{‏يدي إليك لأقتلك‏}‏ أي في أيّ وقت من الأوقات، ولعله أتى بالجملة الاسمية المفيدة لنفي الثبات والدوام أدباً مع الله في عدم الحكم على المستقبل، ثم علله بقوله‏:‏ ‏{‏إني أخاف الله‏}‏ أي أستحضر جميع ما أقدر على استحضاره من كماله، ثم وصفه بالإحسان إلى خلقه ليكون ذلك مانعاً له من الإساءة إلى أحد منهم فقال‏:‏ ‏{‏رب العالمين *‏}‏ أي الذي أنعم عليهم بنعمة الإيجاد ثم التربية، فأنا لا أريد أن أخرب ما بنى، وهذا كما فعل عثمان رضي الله عنه‏.‏

ولما كان من النهايات للواصلين إلى حضرات القدس ومواطن الأنس بالله، المتمكنين في درجة الغناء عن غير الفاعل المختار أن لا يراد إلا ما يريد سبحانه، فإن كان طاعة أراده العبد ورضيه، وإن كان معصية أراده من حيث إنه مراد الله ولم يرضه لكونه معصية، فيرضى بالقضاء دون المقضي، وكأنه من الممكن القريب أن يكون هابيل قد كشف له عن أنه سبق في علم الله أن أخاه يقتله، قال مرهباً له معللاً بتعليل آخر صاد له أيضاً عن الإقدام على القتل‏:‏ ‏{‏إني أريد‏}‏ أي بعدم الممانعة لك ‏{‏أن تبوأ‏}‏ أي ترجع من قتلي إن قتلتني ‏{‏بإثمي‏}‏ أي الإثم الذي ينالك من أجل قتلك لي، وبعقوبته الذي من جملته أنه يطرح عليك من سيئاتي بمقدار ما عليك من حقي إذا لم تجد ما ترضيني به من الحسنات ‏{‏وإثمك‏}‏ أي الذي لا سبب لي فيه، وهو الذي كان سبباً لرد قربانك واجترائك عليّ وعدوانك، وأفوز أنا بأجري وأجرك، أي أجري الذي لا سبب لك فيه والأجر الذي أثمره استسلامي لك وكفُّ يدي عنك ‏{‏فتكون‏}‏ أي أنت بسبب ذلك ‏{‏من أصحاب النار‏}‏ أي الخالدين فيها جزاءً لك لظلمك بوضعك القتل في غير موضعه، ثم بين أن هذا يعم كل من فعل هذا الفعل فقال‏:‏ ‏{‏وذلك جزاء الظالمين *‏}‏ أي الراسخين في وصف الظلم كلهم، وأكون أنا من أصحاب الجنة جزاءً لي بإحساني في إيثار حياتك لإرادة المعصية من حيث كونها معصية بإرادة ظهور الكفار، لما علم من أن النصر بيد الله، فهو قادر على نصر الباقي بعد استشهاد الشهيد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 32‏]‏

‏{‏فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ‏(‏30‏)‏ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ‏(‏31‏)‏ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ‏(‏32‏)‏‏}‏

ولما كان هذا الوعظ جديراً بأن يكون سبباً لطاعته وزاجراً له عن معصيته، بين تعالى أنه قسا قلبه فجعله سبباً لإقدامه، فقال- مبيناً بصيغة التفعيل، إذ القتل لما جعل الله له من الحرمة وكساه من الهيبة لا يقدم عليه إلا بمعالجة كبيرة من النفس-‏:‏ ‏{‏فطوعت له‏}‏ أي الذي لم يتقبل منه ‏{‏نفسه قتل أخيه‏}‏ أي فعالجته معالجة كبيرة وشجعته، وسهلت له بما عندها من النفاسة على زعمها حتى غلبت على عقله فانطاع لها وانقاد فأقدم عليه؛ وتحقيق المعنى أن من تصور النهي عن الذنب والعقاب عليه امتنع منه فكان فعله كالعاصي عليه، ومن استولت عليه نفسه بأنواع الشبه في تزيينه صار فعله له وإقدامه عليه كالمطيع له الممكن من نفسه بعد أن كان عاصياً عليه نافراً عنه، ثم سبب عن هذا التطويع قوله‏:‏ ‏{‏فقتله‏}‏ وسبب عن القتل قوله‏:‏ ‏{‏فأصبح‏}‏ أي فكان في كل زمن ‏{‏من الخاسرين *‏}‏ أي العريقين في صفة الخسران بغضب الله عليه لاجترائه على إفساده مصنوعَه، وغضب أبناء جنسه عليه لاجترائه على أحدهم، وعبر بالإصباح والمراد جميع الأوقات، لأن الصباح محل توقع الارتياح، قيل‏:‏ إنه لم يدر كيف يقتله، فتصور له إبليس في يده طائر فشدخ رأسه بحجر فقتله، فاقتدى به قابيل، فأتى هابيل وهو نائمٌ فشدخ رأسه بحجر‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ ثم إنه لم يدر ما يصنع به، إذ كان أول ميت فلم يكن الدفن معروفاً، سبب عنه قولَه‏:‏ ‏{‏فبعث الله‏}‏ أي الذي له كمال القدرة والعظمة والحكمة؛ ولما كان المعنى يحصل بالغراب الباحث فقط قال‏:‏ ‏{‏غراباً يبحث‏}‏ أي يوجد البحث وهو التفتيش في التراب بتليين ما تراصّ منه وإزاحته من مكانه ليبقى مكانه حوزة خالية‏.‏

ولما كان البحث مطلق التفتيش، دل على ما ذكرته بقوله‏:‏ ‏{‏في الأرض‏}‏ ليواري غراباً آخر مات؛ ولما كان الغراب سبب علم ابن آدم القاتل للدفن، كان كأنه بحث لأجل تعليمه فقال تعالى‏:‏ ‏{‏ليريه‏}‏ أي الغراب يُرى ابن آدم، ويجوز أن يكون الضمير المستتر لله تعالى، والأول أولى لتوقيفه على عجزه وجهله بأن الغراب أعلم منه وأقرب إلى الخير ‏{‏كيف يواري‏}‏‏.‏

ولما كانت السوءة واجبة الستر، وكان الميت يصير بعد موته كله سوءة، قال منبهاً على ذلك وعلى أنها السبب في الدفن بالقصد الأول‏:‏ ‏{‏سوءة‏}‏ أي فضيحة ‏{‏أخيه‏}‏ أي أخي قابيل وهو هابيل المقتول، وصيغة المفاعلة تفيد أن الجثة تريد أن يكو القاتل وراءها، والقاتل يريد كون الجثة وراءه، فيكونان بحيث لا يرى واحد منهما الآخر، ولعل بعث الغراب إشارة إلى غربة القاتل باستيحاش الناس منه وجعله ما ينفر عنه ويقتله كل من يقدر عليه، ومن ثَمَّ سمى الغراب البين، وتشاءم به من يراه‏.‏

ولما كان كأنه قيل‏:‏ إن هذا لعجب، فما قال‏؟‏ قيل‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ الكلمة التي تستعمل عند الداهية العظيمة لما نبهه ذلك، متعجباً متحيراً متلهفاً عالماً أن الغراب أعلم منه وأشفق، منكراً على نفسه ‏{‏يا ويلتي‏}‏ أي احضُرْني يا ويل‏!‏ هذا أوانك أن لا يكون لي نديم غيرك؛ ولما تفجع غاية الفجيعة وتأسف كل الأسف، أنكر على نفسه فقال‏:‏ ‏{‏أعجزت‏}‏ أي مع ما جعل لي من القوة القاطعة ‏{‏أن أكون‏}‏ مع ما لي من الجوارح الصالحة لأعظم من ذلك ‏{‏مثل هذا الغراب‏}‏ وقوله مسبباً عن ذلك‏:‏ ‏{‏فأواري سوءة‏}‏ أي عورة وفضيحة ‏{‏أخي‏}‏ نصِبَ عطفاً على أكون لا على جواب الاستفهام، لأنه إنكاري فمعناه النفي، لأنه لم تكن وقعت منه مواراة لينكر على نفسه ويوبخها بسببها، ولو كانت وقعت لم يصح إنكارها على تقدير عدم العجز الذي أفادته الهمزة ‏{‏فأصبح‏}‏ بسبب قتله ‏{‏من النادمين *‏}‏ أي على ما فعل، لأنه فقد أخاه وأغضب ربه وأباه، ولم يفده ذلك ما كان سبب غيظه، بل زاده بعداً، وذكر أن آدم عليه السلام لما علم قتله رثاه بشعر، وعن ابن عباس رضي الله عنهما ردُّ ذلك، وأن الأنبياء عليهم السلام كلهم في النهي عن الشعر سواء، وقال صاحب الكشاف‏:‏ وقد صح أن الأنبياء معصومون من الشعر، «ولا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم هذا كفل من دمها بما سن» رواه مسلم وغيره عن عبدالله، وكذا «كل من سن سنة سيئة» ولهذا قال عليه السلام «إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون»، وهذا لأن الآدمي لنقصانه أسرع شيء إلى الاقتداء في النقائص، وهذا ما لم يتب الفاعل، فإذا تاب أو كان غير متعمد للفعل كآدم عليه السلام لم يكن ساناً لذلك فلا شيء عليه ممن عمل بذلك‏.‏

ولما علم بهذا أن الإنسان موضع العجلة الإقدام على الموبقات من غير تأمل، فكان أحوج شيء إلى نصب الزواجر، أتبعه تعالى قوله‏:‏ ‏{‏من أجل ذلك‏}‏ أي من غاية الأمر الفاحش جداً ومدته وعظم الأمر وشدة قبحه في نفسه وعند الله وصغره عند القاتل وحبسه ومنعه وجنايته وإثارته وتهييجه وجرأة الإنسان على العظائم بغير تأمل ‏{‏كتبنا‏}‏ أي بما لنا من العظمة ليفيد ذلك عظمة المكتوب والتنبيه على ما فيه من العجز ليفيد الانزجار ‏{‏على بني إسرائيل‏}‏ أي أعلمناهم بما لنا من العناية بهم في التوراة التي كتبناها لهم، ويفهم ذلك أيضاً أنهم أشد الناس جرأة على القتل، ولذلك كانوا يقتلون الأنيباء، فأعلمهم الله بما فيهم من التشديد، ولِمَا علم من الأدميين- لا سيما هم- من الجرأة عليه، ليقيم عليهم بذلك الحجة على ما يتعارفونه بينهم، ويكف عن القتل من سبقت له منه العناية بما يتصور من فظاعة القتل، وقبح صورته وفحش أمره، وعبر بأداة الاستعلاء التي هي للحتم من الوجوب والحرمة، لأن السياق للزجر، فهي تفهم المنع عن الإقدام على القتل في هذا المقام ‏{‏أنه من قتل نفساً‏}‏ أي من ابني آدم، وكأنه أطلق تعظيماً لهم إشارة إلى أن غيرهم جماد ‏{‏بغير نفس‏}‏ أي بغير أن تكون قتلت نفساً تستحق أن تقاد بها فاستباح قتلها لتلك النفس التي قتلتها ‏{‏أو‏}‏ قتلها بغير ‏{‏فساد‏}‏ وقع منها‏.‏

ولما كانت الأرض- مع أنها فراشنا فهي محل التوليد والتربية والتنمية- دار الكدر، وكان فساد من أفسد فراشه الموصوف- لا سيما وهو في كدر- دالاً على سوء جبلته، وكان سوء الجبلة موجباً للقتل، قال‏:‏ ‏{‏في الأرض‏}‏ أي يبيح ذلك الفساد دمها كالشرك والزنا بعد الإحصان وكل ما يبيح إراقة الدم، وقد علم بهذا أن قصة ابني آدم مع شدة التحامها بما قبل توطئة لما بعد، وتغليظُ أمر القتل تقدم عن التوراة في سورة البقرة، وقوله‏:‏ ‏{‏فكأنما قتل الناس جميعاً‏}‏ من جملة الأدلة المبطلة لما ادعوا من البنوة، إذ معناه أن الناس شرع واحد من جهة نفوسهم متساوون فيها‏.‏ كلهم أولاد آدم، لا فضل لأحد منهم على آخر في أصل تحريم القتل بغير ما ذكر من الموجب من قصاص أو فساد لا من بني إسرائيل ولا من غيرهم، وذلك كما قال تعالى في ثاني النقوض ‏{‏بل أنتم بشر ممن خلق‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 18‏]‏ فصار من قتل نفساً واحدة بغير ما ذكر فكأنما حمل إثم من قتل الناس جميعاً، لأن اجتراءه على ذلك أوجب اجتراء غيره، ومن سن سنة كان كفاعلها ‏{‏ومن أحياها‏}‏ أي بسبب من الأسباب كعفو، أو إنقاذ من هلكة كغرق، أو مدافعة لمن يريد أن يقتلها ظلماً ‏{‏فكأنما أحيا‏}‏ أي بذلك الفعل الذي كان سبباً للأحياء ‏{‏الناس جميعاً‏}‏ أي بمثل ما تقدم في القتل، والآية دالة على تعليمه سبحانه لعباده الحكمة، لما يعلم من طباعهم التي خلقهم عليها ومن عواقب الأمور- لا على أنه يجب عليه- رعاية المصلحة، ومما يحسن إيراده هاهنا ما ينسب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ورأيت من ينسبه للشافعي رحمه الله تعالى‏:‏

الناس من جهة التمثال أكفاء *** أبوهمُ آدم والأم حواء

نفس كنفس وأرواح مشاكلة *** وأعظمُ خلقت فيهم وأعضاء

فإن يكن لهمُ في أصلهم حسب *** يفاخرون به فالطين والماء

ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم *** على الهدى لمن استهدى أدلاء

وقدر كل امرئ ما كان يحسنه *** وللرجال علىلأفعال أسماء

وضد كل امرئ ما كان يجهله *** والجاهلون لأهل العلم أعداء

ففز بعلم تعش حياً به أبداً *** فالناس موتى وأهل العلم أحياء

ولما أخبر سبحانه أنه كتب عليهم ذلك، أتبعه حالاً منهم دالة على أنهم بعيدون من أن يكونوا أبناء وأحباء فقال‏:‏ ‏{‏ولقد‏}‏ أي والحال أنهم قد ‏{‏جاءتهم رسلنا‏}‏ أي على ما لهم من العظمة بإضافتهم إلينا واختيارنا لهم لأن يأتوا عنا، فهم لذلك أنصح الناس وأبعدهم عن الغرض وأجلّهم وأجمعهم للكمالات وأرفعهم عن النقائص، لأن كل رسول دال على مرسله ‏{‏بالبينات‏}‏ أي الآيات الواضحة للعقل أنها من عندنا، آمره لهم بكل خير، زاجرة عن كل ضير، لم نقتصر في التغليظ في ذلك على الكتاب بل وأرسلنا الرسل إليهم متواترة‏.‏

ولما كان وقوع الإسراف- وهو الإبعاد عن حد الاعتدال في الأمر منهم بعد ذلك- بعيداً- عبر بأداة التراخي مؤكداً بأنواع التأكيد فقال‏:‏ ‏{‏ثم إن كثيراً منهم‏}‏ أي بني إسرائيل، وبيَّنَ شدة عتوّهم بإصرارهم خلفاً بعد سلف فلم يثبت الجار فقال‏:‏ ‏{‏بعد ذلك‏}‏ أي البيان العظيم والزجر البليغ بالرسل والكتاب ‏{‏في الأرض‏}‏ أي التي هي مع كونها فراشاً لهم- ويقبح على الإنسان أن يفسد فراشه- شاغلة- لما فيها من عظائم الكدورات وترادف القاذورات- عن الكفاف فضلاً عن الإسراف ‏{‏لمسرفون *‏}‏ أي عريقون في الإسراف بالقتل وغيره‏.‏