فصل: تفسير الآيات رقم (74- 76)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏74- 76‏]‏

‏{‏أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏74‏)‏ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ‏(‏75‏)‏ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏76‏)‏‏}‏

ولما كان من شأن العاقل أنه لا يقدم على باطل، فإن وقع ذلك منه وشعر بنوع ضرر يأتي بسببه بادر إلى الإقلاع عنه، تسبب عن هذا الإنذار- بعد بيان العوار- الإنكارُ عليهم في عدم المبادرة إلى التوبة إيضاحاً لأن معنى كفروا‏:‏ داموا عليه، فقال‏:‏ ‏{‏أفلا يتوبون‏}‏ أي يرجعون بعد هذا الكفر الذي لا أوضح من بطلانه ولا أبين من فساده والوعيد الشديد ‏{‏إلى الله‏}‏ أي المتصف بكل وصف جميل ‏{‏ويستغفرونه‏}‏ أي يطلبون منه غفران ما أقدموا عليه من العار البين العوار؛ ولما كان التقدير‏:‏ فالله تواب حكيم، عطف عليه قوله‏:‏ ‏{‏والله‏}‏ ويجوز أن يكون التقدير‏:‏ والحال أن المستجمع لصفات الكمال أزلاً وأبداً ‏{‏غفور‏}‏ أي بليغ المغفرة، يمحو الذنوب فلا يعاقب عليها ولا يعاتب ‏{‏رحيم *‏}‏ أي بالغ الإكرام لمن أقبل إليه‏.‏

ولما أبطل الكفر كله بإثبات أفعاله من إرساله وإنزاله وغير ذلك من كماله، وأثبت التوحيد على وجه عام، أتبع ذلك تخصيص ما كفر به المخاطبون بالإبطال، فكان ذلك دليلاً على وجه عام، أتبع ذلك تخصيص ما كفر به المخاطبون بالإبطال فكان ذلك دليلاً خاصاً بعد دليل عام، فقال تعالى على وجه الحصر في الرسلية رداً على من يعتقد فيه الإلهية واصفاً له بصفتين لا يكونان إلا لمصنوع مربوب‏:‏ ‏{‏ما المسيح‏}‏ أي الممسوح بدهن القدس المطهر المولود لأمه ‏{‏ابن مريم إلا رسول‏}‏ وبين أنه ما كان بدعاً ممن كان قبله من إخوانه بقوله‏:‏ ‏{‏قد خلت من قبله الرسل‏}‏ أي فما من خارقة له، وإلا وقد كان مثلها أو أعجب منها لمن قبله كآدم عليه السلام في خلقه من تراب، وموسى عليه السلام في قلب العصى حية تسعى- ونحو ذلك‏.‏

ولما كفروا بأمه أيضاً عليهما السلام بين ما هو الحق في أمرها فقال‏:‏ ‏{‏وأمه صدّيقة‏}‏ أي بليغة الصدق في نفسها والتصديق لما ينبغي أن يصدق، فرتبتها تلي رتبة الأنبياء، ولذلك تكون من أزواج نبينا صلى الله عليه وسلم في الجنة‏.‏ وهذه الآية من أدلة من قال‏:‏ إن مريم عليها السلام لم تكن نبية، فإنه تعالى ذكر أشرف صفاتها في معرض الرد على من قال بإلهيتهما إشارة إلى بيان ما هو الحق في اعتقاد ما لهما من أعلى الصفات، وأنه من رفع واحداً منها فرق ذلك فقد أطراه، ومن نقصه عنه فقد ازدراه، فالقصد العدل بين الإفراط والتفريط باعتقاد أن أعظم صفات عيسى عليه السلام الرسالة، وأكمل صفات أمه الصديقية‏.‏

ولما كان المقام مقام البيان عن نزولهما عن رتبة الإلهية، ذكر أبعد الأوصاف منها فقال‏:‏ ‏{‏كانا يأكلان الطعام‏}‏ وخص الأكل لأنه مع كونه ضعفاً لازماً ظاهراً هو أصل الحاجات المعترية للإنسان فهو تنبيه على غيره، ومن الأمر الجلي أن الإله لا ينبغي أن يدنو إلى جنابه عجز أصلاً، وقد اشتمل قوله تعالى ‏{‏وقال المسيح‏}‏ وقوله ‏{‏كانا يأكلان الطعام‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 75‏]‏ على أشرف أحوال الإنسان وأخسها، فأشرفها عبادة الله، وأخسها الاشتغال عنها بالأكل الذي هو مبدأ الحاجات‏.‏

ولما أوضح ما هو الحق في أمرهما حتى ظهر كالشمس بُعدُهما عما أدعوه فيهما، أتبعه التعجب من تمام قدرته على إظهار الآيات وعلى الإضلال بعد ذلك البيان فقال‏:‏ ‏{‏انظر كيف نبين لهم الآيات‏}‏ أي نوضح إيضاحاً شافياً العلامات التي من شأنها الهداية إلى الحق والمنع من الضلال؛ ولما كان العمى عن هذا البيان في غاية البعد، أشار إليه بأداة التراخي فقال‏:‏ ‏{‏ثم انظر أنَّى‏}‏ أي كيف ومن أين؛ ولما كان العجب قبولهم للصرف وتأثرهم به، لا كونه من صارف معين، بنى للمفعول قوله‏:‏ ‏{‏يؤفكون *‏}‏ أي يصرفون عن الحق وبيان الطريق صرفَ من لا نور له أصلاً من أي صارف كان، فصرفهم في غاية السفول، وبيان الآيات في غاية العلو، فبينهما بون عظيم‏.‏

ولما نفى عنهما الصلاحية لرتبة الإلهية للذات، أتبعها نفي ذلك من حيث الصفات، فقال منكراً مصرحاً بالإعراض عنهم إشارة إلى أنهم ليسوا أهلاً للإقبال عليهم‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ أي للنصارى أيها الرسول الأعظم ‏{‏أتعبدون‏}‏ ونبه على أن كل شيء دونه، وأنهم اتخذوهم وسيلة إليه بقوله‏:‏ ‏{‏من دون الله‏}‏ ونبه بإثبات الاسم الأعظم على أن له جميع الكمال، وعبر عما عبدوه بأداة ما لا يعقل تنبيهاً على أنه سبحانه هو الذي أفاض عليه ما رفعه عن ذلك الحيز، ولو شاء لسلبه عنه فقال‏:‏ ‏{‏ما لا يملك لكم ضراً‏}‏ أي من نفسه فتخشوه ‏{‏ولا نفعاً‏}‏ أي فترجوه، ليكون لكم نوع عذر أو شبهة، ولا هو سميع يسمع كل ما يمكن سمعه بحيث يغيث المضطر إذا استغاث به في أي مكان كان ولا عليم يعلم كل ما يمكن علمه بحيث يعطي على حسب ذلك، وكل ما يملك من ذلك فبتمليك الله له كما ملككم من ذلك ما شاء‏.‏

ولما نفى عنه ما ذكر تصريحاً وتلويحاً، أثبته لنفسه المقدسة كذلك فقال‏:‏ ‏{‏والله‏}‏ أي والحال أن الملك الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى والكمال كله ‏{‏هو‏}‏ أي خاصة ‏{‏السميع العليم *‏}‏ وهو وحده الضار النافع، يسمع منكم هذا القول ويعلم هذا المعقد السيئ، وإنما قرن بالسميع العليم، دون البصير لإرادة التهديد لمن عبد غيره، لأن العبادة قول أو فعل، ومن الفعل ما محله القلب وهو الاعتقاد، ولا يدرك بالبصر بل بالعلم، والآية- كما ترى- من الاحتباك‏:‏ دل بما أثبته لنفسه على سبيل القصر على نفيه في الجملة الأولى عن غيره، وبما نفاه في الجملة الأولى عن غيره على إثباته له- والله الموفق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏77- 78‏]‏

‏{‏قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ‏(‏77‏)‏ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ‏(‏78‏)‏‏}‏

ولما قامت الأدلة على بطلان قول اليهود ثم على بطلان مدعى النصارى، ولم يبق لأحد علة، أمره صلى الله عليه وسلم أن ينهى الفريقين عن الغلو بالباطل في أمر عيسى عليه السلام‏:‏ اليهود بإنزاله عن رتبته، والنصارة برفعه عنها بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل يا أهل الكتاب‏}‏ أي عامة ‏{‏لا تغلوا‏}‏ أي تجاوزوا الحد علواً ولا نزولاً ‏{‏في دينكم‏}‏‏.‏

ولما كان الغلو ربما أطلق على شدة الفحص عن الحقائق واستنباط الخفي من الأحكام والدقائق من خبايا النصوص، نفى ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏غير الحق‏}‏ وعرّفه ليفيد أن المبالغة في الحق غير منهي عنها، وإنما المنهي عنه تجاوز دائرة الحق بكمالها، ولو نكر لكان من جاوز حقاً إلى غيره واقعاً في النهي، كما جاوز الاجتهاد في الصلاة النافلة إلى الجد في العلم النافع، ولو قيل‏:‏ باطلاً، لأوهم أن المنهي عنه المبالغة في الباطل، لا أصله ومطلقه‏.‏

ولما نهاهم أن يضلوا بأنفسهم، نهاهم أن يقلدوا في ذلك غيرهم فقال‏:‏ ‏{‏ولا تتبعوا‏}‏ أي فاعلين فعل من يجتهد في ذلك ‏{‏أهواء قوم‏}‏ أي هَوَوا مع ما لهم من القوة، فكانوا أسفل سافلين، والهوى لا يستعمل إلا في البشر ‏{‏قد ضلوا‏}‏ ولما كان ضلالهم غير مستغرق للزمان الماضي، أدخل الجار فقال‏:‏ ‏{‏من قبل‏}‏ أي من قبل زمانكم هذا عن منهاج العقل فصبروا على ضلالهم وأنسوا بما تمادوا عليه في محالهم ‏{‏وأضلوا‏}‏ أي لم يكفهم ضلالُهم في أنفسهم حتى أضلوا غيرهم ‏{‏كثيراً‏}‏ أي من الناس بتماديهم في الباطل من التثليث وغيره حتى ظن حقاً ‏{‏وضلوا‏}‏ أي بعد بعث النبي صلى الله عليه وسلم بمنابذة الشرع ‏{‏عن سواء‏}‏ أي عدل ‏{‏السبيل *‏}‏ أي الذي لا سبيل في الحقيقة غيره، لأن الشرع هو الميزان القسط والحكم العدل، وهذا إشارة إلى أنهم إن لم ينتهوا كانوا على محض التقليد لأسلافهم الذين هم في غاية البعد عن النهج وترك الاهتداء بنور العلم، وهذا غاية في التبكيت، فإن تقليدهم لو كان فيما يشبه الحق كان جهلاً، فكيف وإنما هو تقليد في هوى‏.‏

ولما نهاهم عن ذلك وقبحه عليهم‏.‏ علله محذراً منه بقوله تعالى بانياً للمفعول، لأن الفاعل معروف بقرينة من هو على لسانهما‏:‏ ‏{‏لعن‏}‏ ووصفهم بما نبه على علة لعنهم بقوله‏:‏ ‏{‏الذين كفروا‏}‏ وصرح بنسبتهم تعييناً لهم وتبكيتاً وتقريعاً فقال‏:‏ ‏{‏من بني إسرائيل‏}‏ وأكد هذا اللعن وفخمه بقوله‏:‏ ‏{‏على لسان داود‏}‏ أي الذي كان على شريعة موسى عليه السلام، وذلك باعتدائهم في السبت فصاروا قردة ‏{‏وعيسى ابن مريم‏}‏ أي الذي نسخ شرع موسى عليه السلام، بكفرهم بعد المائدة فمسخوا خنازير، لأنهم خالفوا النبيين معاً، فلا هم تعبدوا بما دعاهم إليه داود عليه السلام من شرعهم الذي هم مدعون التمسك به، وعارفون بأن ما دعاهم إليه منه حقاً، ولا هم خرجوا عنه إلى ما أمروا بالخروج إليه على لسان موسى عليه السلام في بشارته به متقيدين بطاعته، فلم تبق لهم علة من التقيد به ولا التقيد بحق دعاهم إليه غيره، فعلم قطعاً أنهم مع الهوى كما مضى، ولم ينفعهم مع نسبتهم إلى واحدة من الشريعتين نسبتهم إلى إسرائيل عليه السلام، فإنه لا نسب لأحد عند الله دون التقوى لا سيما في يوم الفصل إذ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين‏.‏

ولما أخبر بلعنهم وأشار إلى تعليله بكفرهم، صرح بتعليله بقوله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ أي اللعن التام ‏{‏بما‏}‏ أي بسبب ما ‏{‏عصوا‏}‏ أي فعلوا في ترك أحكام الله فعل العاصي على الله ‏{‏وكانوا يعتدون *‏}‏ أي كانت مجاوزة الحدود التي حدها الله لهم خلقاً‏.‏

ذكر الإشارة إلى لعنهم في الزبور والإنجيل، قال في المزمور السابع والسبعين من الزبور‏:‏ أنصت يا شعبي لوصاياي، قربوا أسماعكم إلى قول فمي، فإني أفتح بالأمثال فمي، وأنطق بالسرائر الأزلية التي سمعناها وعرفناها وأخبرنا آباؤنا بها ولم يخفوها عن أبنائهم ليعرفوا الجيل الآتي تسابيح الرب وقوته وعجائبه التي صنعها، أقام شهادته في يعقوب وجعل ناموساً في إسرائيل كالذي أوصى آباءنا ليعلموا أبناءهم، لكيما يخبر الجيل الآخر البنين الذين يولدون ويقومون، ويعلمون أيضاً بنيهم أن يجعلوا توكلهم على الله ولا ينسوا أعمال الرب، ويتبعوا وصاياه لئلا يكونوا كآبائهم الجيل المنحرف المخالف الخلف الذي لم يثق قلبه ولم يؤمن بالله المفرج عنه، بنو إفرام الذين أوتروا ورفعوا عن قسيهم وانهزموا في يوم القتال لأنهم لم يحفظوا عهد الرب ولم يشاؤوا أن يسيروا في سبله، ونسوا حسن أعماله وصنائعه التي أظهرها قدام آبائهم، العجائب التي صنعها بأرض مصر في مزارع صاعان، فلق البحر وأجازهم وأقام المياه كالزقاق، هداهم بالنهار في الغمام وفي الليل أجمع بمصابيح النار، فلق صخرة في البرية وسقاهم منها كاللجج العظيمة، أخرج الماء من الحجر فجرت المياه كجري الأنهار، وعاد الشعب أيضاً في الخطيئة، وأسخطوا العلي حيث لم يكن ماء، جربوا الله في قلوبهم بمسألة الطعام لنفوسهم، وقذفوا على الله وقالوا‏:‏ هل يقدر أن يصنع لنا مائدة في البرية، لأنه ضرب الصخرة فجرت المياه وفاضت الأودية، هل يستطيع أن يعطينا خبزاً أو يعد مائدة لشعبه، سمع الرب فغضب واشتعلت النار في يعقوب، وصعد الرجزُ على إسرائيل لأنهم لم يؤمنوا بالله ولا رجوا خلاصه، فأمر السحاب من فوق وانفتحت أبواب السماء ليشبعوا، أهاج ريح التيمن من السماء وأتى بقوة العاصف، وأنزل اللحم مثل التراب وطير السماء ذات الأجنحة مثل رمل البحار، يسقطن في محالهم حول خيامهم، فأكلوا وشبعوا جداً، أعطاهم شهوتهم ولم يحرمهم إرادتهم، فبينما الطعام في أفواههم إذ غضب الله نزل عليهم فقتل في كثرتهم وصرع في مختاري إسرائيل، ومع هذا كله أخطؤوا إليه أيضاً ولم يؤمنوا بعجائبه، فنيت بالباطل أيامهم، وتصرمت عاجلاً سنوهم، فحين قتلهم رغبوا إلى الله وعادوا وابتكروا إليه وذكروا أن الله معينهم وأن الله العلي مخلصهم، أحبوه بأفواههم وكذبوه بألسنتهم، ولم تخلص له قلوبهم ولم يؤمنوا بعهده، وهو رحيم رؤوف، يغفر ذنوبهم ولا يهلكهم، ويرد كثرة سخطه عنهم ولا يبعث كل رجزه، وذكر أنهم لحم وروح يذهب ولا يعود، مراراً كثيرة أسخطوه في البرية وأغضبوه في أرض ظامئة، وعادوا وجربوا الله وأسخطوا قدوس إسرائيل، ولم يذكروا يده في يوم نجاهم من المضطهدين- انتهى‏.‏

هذا بعض ما في الزبور، وأما الإنجيل فطافح بذلك، منه ما في إنجيل متى، قال‏:‏ وانتقل يسوع من هناك وجاء إلى عبر الجليل، وصعد إلى الجبل وجلس هناك، وجاء إليه جمع كبير معهم خرس وعمى وعرج وعسم وآخرون كثيرون، فخروا عند رجليه فأبرأهم، وتعجب الجمع لأنهم نظروا الخرس يتكلمون والصم يسمعون والعرج يمشون والعمى يبصرون، ومجدوا إله إسرائيل، وإن يسوع دعا تلاميذه وقال لهم‏:‏ إني أتحنن على هذا الجمع، لأن لهم معي ثلاثة أيام ههنا، وليس عندهم ما يأكلون، ولا أريد أطلقهم صياماً لئلا يضيعوا في الطريق، قال مرقس‏:‏ لأن منهم من جاء من بعيد- انتهى‏.‏ قال له التلاميذ‏:‏ من أين نجد من خبز القمح في البرية ما يشبع هذا الجمع‏؟‏ فقال لهم يسوع‏:‏ كم عندكم من الخبز‏؟‏ فقالوا‏:‏ سبعة أرغفة ويسير من السمك، فأمر الجمع أن يجلس على الأرض وأخذ السبع خبزات والسمك وبارك وكسر وأعطى تلاميذه، وناول التلاميذ الجمع، فأكل جميعهم وشبعوا ورفعوا فضلات الكسر سبع قفاف مملوءة، وكان الذين أكلوا نحو أربعة آلاف رجل سوى النساء والصبيان، وأطلق الجمع وصعد السفينة وجاء إلى تخوم مجدل- وقال مرقس‏:‏ إلى نواحي مابونا- وجاء الفريسيون والزنادقة يجربونه ويسألونه أن يريهم آية من السماء، فأجابهم يسوع قائلاً‏:‏ إذا كان المساء قلتم‏:‏ إن السماء صاحية- لاحمرارها، وبالغداة تقولون‏:‏ اليوم شتاء- لاحمرار جو السماء العبوس، أيها المراؤون‏!‏ تعلمون آية هذا الزمان، الجيل الشرير الفاسق يطلب آية، ولا يعطى إلا آية يونان النبي- وتركهم ومضى، ثم جاء التلاميذ إلى العبر ونسوا أن يأخذوا خبزاً- قال مرقس‏:‏ ولم يكن في السفينة إلا رغيف واحد- وإن يسوع قال لهم‏:‏ انظروا وتحرزوا من خمير الفريسيين والزنادقة- وقال مرقس‏:‏ وخمير هيرودس- ففكروا قائلين‏:‏ إنا لم نجد خبزاً، فعلم يسوع فقال لهم‏:‏ لماذا تفكرون في نفوسكم يا قليلي الأمانة‏؟‏ إنكم ليس معكم خبز، أما تفهمون ولا تذكرون الخمس خبزات لخمسة آلاف وكم سلاً أخذتم‏؟‏ والسبع خبزات لأربعة آلاف، وكم قفة أخذتم‏؟‏ لماذا لا تفهمون‏؟‏ لأني لم أقل لكم من أجل الخبز، حينئذ فهموا أنه لم يقل لهم أن يتحرزوا من خمير الخبز، لكن من تعليم الزنادقة والفريسيين، وقال لوقا‏:‏ تحرزوا لأنفسكم من خمير الفريسيين الذي هو الرياء، لأنه ليس خفي إلا سيظهر، ولا مكتوم إلا سيعلم، الذي تقولونه في الظلام سيسمع في النور، والذي وعيتموه في الآذان سوف ينادى به على السطوح، أقول لكم‏:‏ يا أحبائي لا تخافوا ممن يقتل الجسد، وبعد ذلك ليس له أن يفعل أكثر، خافوا ممن إذا قتل له سلطان أن يلقى في نار جهنم- وسيأتي بقية الإشارة إلى لعنهم في سورة الصف إن شاء الله تعالى، والعسم جمع أعسم- بمهملتين، وهو من في يده أو قدمه اعوجاج أو يده يابسة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏79- 81‏]‏

‏{‏كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ‏(‏79‏)‏ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ‏(‏80‏)‏ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ‏(‏81‏)‏‏}‏

ولما علل تعالى لعنهم بعصيانهم وغلوهم في الباطل، بينه مخصصاً للعلماء منهم بزيادة تهديد، لأنهم مع كونهم على المنكر لا ينهون غيرهم عنه، مع أنهم أجدر من غيرهم بالنهي، فصاروا عليّ منكرين شديدي الشناعة، وسكوتهم عن النهي مغوٍ لأهل الفساد ومغرٍ لهم ولغيرهم على الدخول فيه والاستكبار منه فقال تعالى‏:‏ ‏{‏كانوا لا يتناهون‏}‏ أي لا ينهى بعضهم بعضاً، وبين إغراقهم في عدم المبالاة بالتنكير في سياق النفي فقال‏:‏ ‏{‏عن منكر‏}‏‏.‏

ولما كان الفعل ما كان من الأعمال عن داهية من الفاعل سواء كان عن علم أو لا، عبر به إشارة إلى أن لهم في المناكر غرام من غلبته الشهوة، ولم يبق لهم نوع علم، فقال‏:‏ ‏{‏فعلوه‏}‏؛ ولما كان من طبع الإنسان النهي عن كل ما خالفه طبعاً أو اعتقاداً، لا سيما إن تأيد بالشرع، فكان لا يكف عن ذلك إلا بتدريب النفس عليه لغرض فاسد أداه إليه، أكد مقسماً معبراً بالفعل الذي يعبر به عما قد لا يصحبه علم ولا يكون إلا عن داهية عظيمة فقال‏:‏ ‏{‏لبئس ما كانوا‏}‏ أي جبلة وطبعاً ‏{‏يفعلون *‏}‏ إشارة إلى أنهم لما تكررت فضائحهم وتواترت قبائحهم صاروا إلى حيز ما لا يتأتى منه العلم‏.‏

ولما أخبر بإقرارهم على المناكر، دل على ذلك بأمر ظاهر منهم لازم ثابت دائم مقوض لبنيان دينهم، فقال موجهاً بالخطاب لأصدق الناس فراسة وأوفرهم علماً وأثبتهم توسماً وفهماً‏:‏ ‏{‏ترى كثيراً منهم‏}‏ أي من أهل الكتاب؛ ولما كان الإنسان لا ينحاز إلى حزب الشيطان إلا بمنازعة الفطرة الأولى السليمة، أشار إلى ذلك بالتفعل فقال‏:‏ ‏{‏يتولون‏}‏ أي يتبعون بغاية جهدهم ‏{‏الذين كفروا‏}‏ أي المشركين مجتهدين في ذلك مواظبين عليه، وليس أحد منهم ينهاهم عن ذلك ولا يقبحه عليهم، مع شهادتهم عليهم بالضلال هم وأسلافهم إلى أن جاء هذا النبي الذي كانوا له في غاية الانتظار وبه في نهاية الاستبشار، وكانوا يدعون الإيمان به ثم خالفوه، فمنهم من استمر على المخالفة ظاهراً وباطناً، ومنهم من ادعى أنه تابع واستمر على المخالفة باطناً، فكانت موالاته للمشركين دليلاً على كذب دعواه ومظهرة لما أضمره من المخالفة وأخفاه‏.‏

ولما كان ذلك منهم ميلاً مع الهوى بغير دليل أصلاً قال‏:‏ ‏{‏لبئس ما قدمت‏}‏ أي تقديم النزل للضيف ‏{‏لهم أنفسهم‏}‏ أي التي من شأنها الميل مع الهوى ثم بين المخصوص بالذم- وهو ما قدمتُ- بقوله‏:‏ ‏{‏إن سخط الله‏}‏ أي وقع سخطه بجميع ما له من العظمة ‏{‏عليهم‏}‏ ولما كان من وقع السخط عليه يمكن أن يزول عنه، قال مبيناً أن مجرد وقوعه جدير بكل هلاك‏:‏ ‏{‏وفي العذاب‏}‏ أي الكامل من الأدنى في الدنيا والأكبر في الآخرة ‏{‏هم خالدون *‏}‏‏.‏

ولما كان هذا دليلاً على كفرهم، دل عليه بقوله‏:‏ ‏{‏ولو‏}‏ أي فعلوا ذلك مع دعواهم الإيمان والحال أنهم لو ‏{‏كانوا‏}‏ أي كلهم ‏{‏يؤمنون‏}‏ أي يوجد منهم إيمان ‏{‏بالله‏}‏ أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة بكل شيء ‏{‏والنبي‏}‏ أي الذي له الوصلة التامة بالله، ولذا أتبعه قوله‏:‏ ‏{‏وما أنزل إليه‏}‏ أي من عند الله أعم من القرآن وغيره إيماناً خالصاً من غير نفاق ‏{‏ما اتخذوهم‏}‏ أي المشركين مجتهدين في ذلك ‏{‏أولياء‏}‏ لأن مخالفة الاعتقاد تمنع الوداد، فمن كان منهم باقياً على يهوديته ظاهراً وباطناً، فالألف في «النبي» لكشف سريرته للعهد، أي النبي الذي ينتظرونه ويقولون‏:‏ إنه غير محمد صلى الله عليه وسلم أو للحقيقة أي لو كانوا يؤمنون بهذه الحقيقة- أي حقيقة النبوة- ما والوهم، فإنه لم يأت نبي إلا بتكفير المشركين- كما أشار إلى ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله «الأنبياء أولاد علات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد» كما سيأتي قريباً في حديث أبي هريرة، يعني- والله أعلم- أن شرائعهم وإن اختلفت في الفروع فهي متفقة في الأصل وهو التوحيد، ومن كان منهم قد أظهر الإيمان فالمراد بالنبي في إظهار زيغه وميله وحيفه محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه نهى عن موالاة المشركين، بل عن متاركتهم، ولم يرض إلا بمقارعتهم ومعاركتهم‏.‏

ولما أفهمت الشرطية عدم إيمانهم، استثنى منها منبهاً بوضع الفسق موضع عدم الإيمان على أنه الحامل عليه فقال‏:‏ ‏{‏ولكن كثيراً منهم فاسقون‏}‏ أي متمكنون في خلق المروق من دوائر الطاعات‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏82- 85‏]‏

‏{‏لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ‏(‏82‏)‏ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ‏(‏83‏)‏ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ‏(‏84‏)‏ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏85‏)‏‏}‏

ولما دل كالشمس ميلهُم إلى المشركين دون المؤمنين على أنهم في غاية العداوة لهم، صرح تعالى بذلك على طريق الاستنتاج، فقال دالاً على رسوخهم في الفسق‏:‏ ‏{‏* لتجدن أشد الناس‏}‏ أي كلهم ‏{‏عداوة للذين آمنوا‏}‏ أي أظهروا الإقرار بالإيمان فكيف بالراسخين فيه ‏{‏اليهود‏}‏ قدمهم لأنهم أشد الفريقين لأنه لا أقبح من ضال على علم ‏{‏والذين أشركوا‏}‏ لما جمعهم من الاستهانة بالأنبياء هؤلاء جهلاً وأولئك عناداً وبغياً، فعرف أن من صدق في إيمانه لا يواليهم بقلبه ولا بلسانه، وأنهم ما اجتمعوا على الموالاة إلا لاجتماعهم في أشدّية العداوة لمن آمن، فهذه الآية تعليل لما قبلها، كأنه قيل‏:‏ هب أنهم لا يؤمنون بالله والنبي، وذلك لا يقتضي موادة المشركين فلِمَ والوهم حينئذ‏؟‏ فقيل‏:‏ لأن الفريقين اجتمعوا في أشدية العداوة للذين آمنوا‏.‏

ولما أخبر تعالى بأبعد الناس مودة لهم، أخبر بضدهم فقال‏:‏ ‏{‏ولتجدن أقربهم‏}‏ أي الناس ‏{‏مودة للذين آمنوا‏}‏ أي أوجدوا الإيمان بالقلب واللسان ‏{‏الذين قالوا‏}‏ وفي التوريك على قولهم إشارة إلى أنهم ما كانوا على حقيقة النصرانية ‏{‏إنا نصارى‏}‏ أي لقلة اهتمامهم بالدنيا بمجرد قولهم ذلك ولو لم يكونوا عريقين في الدين وإقبالهم على علم الباطن، ولذلك علله بقوله‏:‏ ‏{‏ذلك بأن منهم قسيسين‏}‏ أي مقبلين على العلم، من القس، وهو ملامة الشيء وتتبعه ‏{‏ورهباناً‏}‏ أي في غاية التخلي من الدنيا؛ ولما كان التخلي منها موجباً للبعد من الحسد، وهو سبب لمجانبة التكبر قال‏:‏ ‏{‏وأنهم لا يستكبرون *‏}‏ أي لا يطلبون الرفعة على غيرهم ولا يوجدونها‏.‏

ولما كان ذلك علة في الظاهر ومعلولاً في الباطن لرقة القلب قال‏:‏ ‏{‏وإذا سمعوا‏}‏ أي أتباع النصرانية ‏{‏ما أنزل إلى الرسول‏}‏ أي الذي ثبتت رسالته بالمعجز، فكان من شأنه أن يبلغ ما أنزل إليه للناس ‏{‏ترى أعينهم‏}‏ ولما كان البكاء سبباً لامتلاء العين بالدمع وكان الامتلاء سبباً للفيض الذي حقيقته السيلان بعد الامتلاء، عبر بالمسبب عن السبب فقال‏:‏ ‏{‏تفيض من الدمع‏}‏ أصله‏:‏ يفيض دمعها ثم تفيض هي دمعاً، فهو من أنواع التمييز، ثم علل الفيض بقوله‏:‏ ‏{‏مما عرفوا من الحق‏}‏ أي وليس لهم غرض دنيوي يمنعهم عن قبوله، ثم بين حالهم في مقالهم بقوله‏:‏ ‏{‏يقولون ربنا‏}‏ أي أيها المحسن إلينا ‏{‏آمنا‏}‏ أي بما سمعنا ‏{‏فاكتبنا‏}‏‏.‏

ولما كان من شأن الشاهد إحضار القلب وإلقاء السمع والقيام التام بما يتلى عليه ويندب إليه قال‏:‏ ‏{‏مع الشاهدين *‏}‏ أي أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة، فإن تقويتنا على ذلك ليست إلا إليك ‏{‏وما‏}‏ أي ويقولون‏:‏ ما، أي أيّ شيء حصل أو يحصل ‏{‏لنا‏}‏ حال كوننا ‏{‏لا نؤمن بالله‏}‏ أي الذي لا كفوء له ولا خير إلا منه ‏{‏وما‏}‏ أي وبما ‏{‏جاءنا من الحق‏}‏ أي الأمر الثابت الذي مهما عرض على الواقع طابقه الواقع سواء كان حالاً أو ماضياً أو آتياً‏.‏

ولما كانوا يهضمون أنفسهم، عبروا بالطمع الذي لا نظر معه لعمل فقالوا‏:‏ ‏{‏ونطمع أن يدخلنا ربنا‏}‏ أي بمجرد إحسانه، لا بعمل منا، ولجريهم في هذا المضمار عبروا بمع دون «في» قولهم‏:‏ ‏{‏مع القوم الصالحين *‏}‏ هضماً لأنفسهم وتعظيماً لرتبة الصلاح‏.‏

ولما ذكر قولهم الدال على حسن اعتقادهم وجميل استعدادهم، ذكر جزاءهم عليه فقال‏:‏ ‏{‏فأثابهم الله‏}‏ أي الذي له جميع صفات الكمال ‏{‏بما قالوا‏}‏ أي جعل ثوابهم على هذا القول المستند إلى خلوص النية الناشئ عن حسن الطوية ‏{‏جنات تجري‏}‏ ولما كان الماء لو استغرق المكان أفسد، أثبت الجار فقال‏:‏ ‏{‏من تحتها الأنهار‏}‏ ولما كانت اللذة لا تكمل إلا بالدوام قال‏:‏ ‏{‏خالدين فيها‏}‏‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ لإحسانهم، طرد الأمر في غيرهم فقال‏:‏ ‏{‏وذلك‏}‏ أي الجزاء العظيم ‏{‏جزاء المحسنين *‏}‏ أي كلهم، واختلفوا في هذه الواقعة بعد اتفاقهم على أنها في النجاشي وأصحابه، وذلك مبسوط في شرحي لنظمي للسيرة النبوية، فمن ذلك أنه لما قدم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من مهاجرة الحبشة مع أصحابه رضي الله عنهم قدم معهم سبعون رجلاً بعثهم النجاشي رضي الله عنه وعن الجميع وفداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليهم ثياب الصوف، اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام، وهم بحيرا الراهب وأبرهة وإدريس وأشرف وثمامة وقثم ودريد وأيمن، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يس إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا‏:‏ ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى‏!‏ فأنزل الله فيهم هذه الآية ‏{‏لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 82‏]‏- إلى آخرها، ذكر ذلك الواحدي في أسباب النزول بغير سند، ثم أسند عن سعيد بن جبير في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 82‏]‏ قال‏:‏ بعث النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيار أصحابه ثلاثين رجلاً، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يس فبكوا، فنزلت فيهم هذه الآية‏.‏ وإذا نظرت مكاتبات النبي صلى الله عليه وسلم للملوك ازددت بصيرة في صدق هذه الآية، فإنه ما كاتب نصرانياً إلا آمن، أو كان ليناً ولو لم يسلم كهرقل والمقوقس وهوذة بن علي وغيرهم، وغايتهم أنهم ضنوا بملكهم، وأما غير النصارى فإنهم كانوا على غاية الفظاظة ككسرى فإنه مزق كتابه صلى الله عليه وسلم ولم يجز رسوله بشيء، وأما اليهود فكانوا جيران الأنصار ومواليهم وأحبابهم، ومع ذلك فأحوالهم في العداوة غاية، كما هو واضح في السير، مبين جداً في شرحي لنظمي للسيرة، وكان السر في ذلك- مع ما تقدم من باعث الزهد- أنه لما كان عيسى عليه السلام أقرب الأنبياء زمناً من زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان المنتمون إليه ولو كانوا كفرة أقرب الأمم مودة لاتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى ذلك يشير ما رواه الشيخان في الفضائل عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، الأنبياء أولاد علات- وفي رواية‏:‏ أبناء، وفي رواية‏:‏ إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وليس بيني وبينه، وفي رواية‏:‏ وليس بيني وبين عيسى- نبي‏.‏

وفي رواية لمسلم‏:‏ «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة، قالوا‏:‏ كيف يا رسول الله‏!‏ قال‏:‏ الأنبياء إخوة من علات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، فليس بيننا نبي»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏86- 87‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ‏(‏86‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ‏(‏87‏)‏‏}‏

ولما ذكر سبحانه وتعالى جزاء المطيعين المبادرين إلى الإذعان ترغيباً، ذكر جزاء من لم يفعل فعلهم ترهيباً فقال‏:‏ ‏{‏والذين كفروا‏}‏ أي ستروا ما أوضحته له عقولهم من الدلالة على صحة ما دعتهم إليه الرسل ‏{‏وكذبوا‏}‏ أي عناداً ‏{‏بآياتنا‏}‏ أي بالعلامات المضافة لعظمها إلينا ‏{‏أولئك‏}‏ أي البعداء من الرحمة ‏{‏أصحاب الجحيم *‏}‏ أي الذين لا ينفكون عنها، لا غيرهم من العصاة المؤمنين وإن كثرت كبائرهم‏.‏

ولما مدح سبحانه الرهبان، وكان ذلك داعياً إلى الترهب، وكانت الرهبانية حسنة بالذات قبيحة بالعرض، شريفة في المبدأ دنية في المآل، فإنها مبنية على الشدة والاجتهاد في الطاعات والتورع عن أكثر المباحات، والإنسان مبني على الضعف مطبوع على النقائص، فيدعوه طبعه ويساعده ضعفه إلى عدم الوفاء بما عاقد عليه، ويسرع بما له من صفة العجلة إليه، فيقع في الخيانة كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فما رعوها حق رعايتها‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 27‏]‏ عقب ذلك بالنهي عنها في هذا الدين والإخبار عنه بأنه بناه على التوسط رحمة منه لأهله ولطفاً بهم تشريفاً لنبيهم صلى الله عليه وسلم، ونهاهم عن الإفراط فيه والتفريط فقال تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا‏}‏ أي وجد منهم الإقرار بذلك ‏{‏لا تحرموا‏}‏ أي تمنعوا أنفسكم بنذر أو يمين أو غيرهما تصديقاً لما أقررتم به، ورغبهم في امتثال أمره بأن جعله موافقاً لطباعهم ملائماً لشهواتهم فقال‏:‏ ‏{‏طيبات ما‏}‏ أي المطيبات وهي اللذائذ التي ‏{‏أحل الله‏}‏ وذكر هذا الاسم الأعظم مرغب في ذلك، فإن الإقبال على المنحة يكون على مقدار المعطي، وأكد ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏لكم‏}‏ أي وأما هو سبحانه فهو منزه عن الأغراض، لا ضر يلحقه ولا نفع، لأن له الغنى المطلق‏.‏

ولما أطلق لهم ذلك، حثهم على الاقتصاد، وحذرهم من مجاوزة الحد إفراطاً وتفريطاً فقال‏:‏ ‏{‏ولا تعتدوا‏}‏ فدل بصيغة الافتعال على أن الفطرة الأولى مبنية على العدل، فعدولها عنه لا يكون إلا بتكلف، ثم علل ذلك بقوله مؤكداً لاستبعاد أن ينهى عن الإمعان في العبادة‏:‏ ‏{‏إن الله‏}‏ أي وهو الملك الأعظم ‏{‏لا يحب المعتدين *‏}‏ أي لا يفعل فعل المحب من الإكرام للمفرطين في الورع بحيث يحرمون ما أحللت، ولا للمفرطين فيه الذين يحللون ما حرمت، أي يفعلون فعل المحرم من المنع وفعل المحلل من التناول، وما ذكر من سبب نزول الآية واضح في ذلك؛ روى الواحدي في أسباب النزول بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ إني إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت إلى النساء وإني حرمت عليّ اللحم، فنزلت‏:‏ ‏{‏لا تحرموا ما أحل الله لكم‏}‏ ونزلت‏:‏ ‏{‏وكلوا مما رزقكم الله‏}‏

‏[‏المائدة‏:‏ 88‏]‏ «‏.‏ وأخرجه الترمذي في التفسير من جامعه وقال‏:‏ حسن غريب، ورواه خالد الحذاء عن عكرمة مرسلاً‏.‏ وقال الواحدي‏:‏ وتبعه عليه البغوي‏:‏ قال المفسرون‏:‏» جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناس ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف فرق الناس وبكوا، فاجتمع عشرة من الصحابة رضي الله عنهم في بيت عثمان بن مظعون الجمحي، وهم أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن، واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبّوا المذاكير؛ فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم‏:‏ «ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى يا رسول الله‏!‏ وما أردنا إلا الخير، فقال‏:‏ إني لم أومر بذلك، إن لأنفسكم عليكم حقاً، فصوموا وأفطروا‏.‏ وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، ومن رغب عن سنتي فليس مني؛ ثم جمع الناس فخطبهم فقال‏:‏ ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا‏!‏ أما‏!‏ إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً، فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم، ورهبانيتهم الجهاد، واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع»، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقالوا‏:‏ يا رسول الله‏!‏ فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها‏؟‏ وكانوا حلفوا على ما عليه اتفقوا، فأنزل الله عز وجل قوله تعالى ‏{‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 89، والبقرة‏:‏ 225‏]‏، ولا تعارض بين الخبرين لإمكان الجمع بأن يكون الرجل لما سمع تذكير النبي صلى الله عليه وسلم سأل، ولو لم يجمع صح أن يكون كل منهما سبباً، فالشيء الواحد قد يكون له أسباب جمة، بعضها أقرب من بعض، فمن الأحاديث الواردة في ذلك ما روى البغوي بسنده من طريق ابن المبارك في كتاب الزهد عن سعد بن مسعود «أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ائذن لنا في الاختصاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ليس منا من خصي ولا اختصى، إن خصاء أمتي الصيام، فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ ائذن لنا في السياحة، فقال‏:‏ إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله‏.‏ فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ ائذن لنا في الترهب، فقال‏:‏ إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد انتظاراً لصلاة»

وللشيخين والترمذي والنسائي والدارمي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أيضاً قال‏:‏ «أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أذن له- وفي رواية‏:‏ ولو أجاز له- التبتل لاختصينا» وللدارمي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أيضاً قال‏:‏ «لما كان من أمر عثمان بن مظعون رضي الله عنه الذي كان ممن ترك النساء بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا عثمان‏!‏ إني لم أومر بالرهبانية، أرغبت عن سنتي‏؟‏ قال‏:‏ لا يا رسول الله‏!‏ قال‏:‏ إن من سنتي أن أصلي وأنام وأصوم وأطعم وأنكح وأطلق، فمن رغب عن سنتي فليس مني، يا عثمان‏!‏ إن لأهلك عليك حقاً، ولعينك عليك حقاً، قال سعد‏:‏ فوالله لقد كان أجمع رجال من المؤمنين على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هو أقر عثمان على ما هو عليه أن نختصي فنتبتل» وقال شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف‏:‏ وروى الطبراني من طريق ابن جريج عن مجاهد قال‏:‏ «أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح» ومن طريق ابن جريج عن عكرمة «أن عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالماً مولى أبي حذيفة في جماعة رضي الله عنهم تبتلوا فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم‏}‏- الآية، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إن لأنفسكم عليكم حقاً، فصوموا وأفطروا وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا» وللترمذي عن سمرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل‏.‏

وقرأ قتادة‏:‏ ‏{‏ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية‏}‏ وللنسائي عن عائشة رضي الله عنها نحوه وأشار إليه الترمذي‏.‏ وللطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهياً شديداً‏.‏ يقول‏:‏ «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» ومنها ما روى الشيخان عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال‏:‏ «كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا شيء- وفي رواية‏:‏ نساء، وفي رواية‏:‏ كنا ونحن شباب- فقلنا‏:‏ يا رسول الله‏!‏ ألا نستخصي‏؟‏ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب، ثم قرأ علينا عبد الله ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم‏}‏» الآية‏.‏

ومنها ما روى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ «قلت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ إني رجل شاب، وإني أخاف على نفسي العنت ولا أجد ما أتزوج به النساء- قال النسائي‏:‏ أفاختصي- فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا أبا هريرة‏!‏ جف القلم بما أنت لاق، فاختص على ذلك أو ذر- وقال النسائي‏:‏ أو دع» ومنها ما روى الشيخان وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم- وفي رواية مسلم والنسائي أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر- فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا‏:‏ وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم‏:‏ أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر‏:‏ أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر‏:‏ وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً؛ وفي رواية‏:‏ وقال بعضهم لا آكل اللحم، وقال بعضهم‏:‏ لا أنام على فراش؛ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه وقال‏:‏ ما بال أقوام كذا وكذا‏!‏ وفي رواية‏:‏ فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال‏:‏ أنتم الذين قلتم كذا وكذا‏!‏ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له‏!‏ لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» والمبهمون في الحديث- قال شيخنا في مقدمة شرحه للبخاري- هم ابن مسعود وأبو هريرة وعثمان بن مظعون، وسيأتي مفرّقاً ما يشير إلى ذلك، يعني ما قدمته أنا، قال‏:‏ وقيل‏:‏ هم سعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب، وفي مصنف عبد الرزاق من طريق سعيد بن المسيب أن منهم علياً وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم، وقال شيخنا في تخريج أحاديث الكشاف‏:‏ إن هذا أصلُ ما رواه الواحدي عن المفسرين، وللشيخين والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم»، وفي رواية‏:‏ «ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» ولأبي داود عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

«لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم» وللإمام أحمد في المسند عن أنس رضي الله عنه والحاكم في علوم الحديث في فن الغريب- وهذا لفظه- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، ولا تبغض عبادة الله إليك، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى» المتين‏:‏ الصلب الشديد، والإيغال‏:‏ المبالغة، والمنبت- بنون وموحدة وفوقانية مشددة هو الذي انقطع ظهره، وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا؛ وفي بعض الروايات‏:‏ والقصد القصد تبلغوا» ولمسلم وابن ماجه- وهذا لفظه- عن حنظلة الكاتب التميمي الأسيدي رضي الله عنه قال‏:‏ «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا الجنة والنار حتى كانا رأي العين، فقمت إلى أهلي وولدي فضحكت ولعبت، قال‏:‏ فذكرت الذي كنا فيه، فخرجت فلقيت أبا بكر رضي الله عنه فقلت‏:‏ نافقت نافقت‏!‏ فقال أبو بكر‏:‏ إنا لنفعله، فذهب حنظلة فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا حنظلة‏!‏ لو كنتم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم أو على طرقكم، يا حنظلة‏!‏ ساعة وساعة» ولفظ مسلم من طرق جمعت متفرقها عن حنظلة- وكان من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ «لقيني أبو بكر رضي الله عنه فقال‏:‏ كيف أنت يا حنظلة‏؟‏ قلت‏:‏ نافق حنظلة‏!‏ قال‏:‏ سبحان الله‏!‏ ما تقول‏؟‏ قلت‏:‏ نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة كانا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيراً، قال أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت‏:‏ نافق حنظلة يا رسول الله‏!‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏» وما ذاك «‏؟‏ قلت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كانا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏» والذي نفسي بيده‏!‏ أن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة وساعة- ثلاث مرات «» وفي رواية‏:‏ قال‏:‏ «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعظنا فذكرنا النار- وفي رواية‏:‏ الجنة والنار- ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة، فخرجت فلقيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال‏:‏ وأنا قد فعلت مثل ما تذكر، فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ نافق حنظلة‏!‏ فقال‏:‏ مه‏؟‏ فحدثته بالحديث، فقال أبو بكر‏:‏ وأنا قد فعلت مثل ما فعل، فقال‏:‏ يا حنظلة‏!‏ ساعة وساعة، فلو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلم عليكم في الطرق»

ومن هنا تبين لك مناسبة أول المجادلة لآخر الحديد التي كاع في معرفتها الأفاضل، وكع عن تطلبها لغموضها الأكابر الأماثل، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك وإيضاح ما فيه من لطيف المسالك، ومن هذه الآية وقع الالتفات إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أحلت لكم بهيمة الأنعام‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 1‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل أحل لكم الطيبات‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 4‏]‏ وما أحسن تصديرها بيا أيها الذين آمنوا- كما صدر أول السورة به، وقد مضى بيان جميع ما مضى في الوفاء بالعقود، فكان كأنه تعالى قال‏:‏ أوفوا بالعقود، فلا تتهاونوا بها فتنقضوها، ولا تبالغوا فيها فتكونوا معتدين فتضعفوا، فإنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه، بل سددوا وقاربوا، والقصد القصد تبلغوا، وقال ابن الزبير بعد قوله‏:‏ ‏{‏ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 14‏]‏ ثم فصل للمؤمنين أفعال الفريقين- أي اليهود والنصارى- ليتبين لهم فيما نقضوا، ثم بين تفاوتهم في البعد عن الاستجابة فقال تعالى‏:‏ ‏{‏لتجدن أشد الناس عداوة‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 82‏]‏‏.‏ ثم نصح عباده وبين لهم أبواباً منها دخول الامتحان، وهي سبب في كل الابتلاء، فقال‏:‏ ‏{‏لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 87‏]‏ فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم شارعين لأنفسكم وظالمين- انتهى‏.‏ و‏{‏ما أحل‏}‏ شامل لكل ما كانوا أرادوا أن يتورعوا عنه من المآكل والملابس والمناكح والنوم وغير ذلك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏88- 89‏]‏

‏{‏وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ‏(‏88‏)‏ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏89‏)‏‏}‏

ولما كان الحال لما ألزموا به أنفسهم مقتضياً للتأكيد، أمر بالأكل بعد أن نهى عن الترك ليجتمع على إباحة ذلك الأمر والنهيُ فقال‏:‏ ‏{‏وكلوا‏}‏ ورغبهم فيه بقوله‏:‏ ‏{‏مما رزقكم الله‏}‏ أي الملك الأعظم الذي لا يرد عطاؤه‏.‏

ولما كان الرزق يقع على الحرام، قيده بعد القيد بالتبعيض بقوله‏:‏ ‏{‏حلالاً‏}‏ ولما كان سبحانه قد جعل الرزق شهياً، وصفه امتناناً وترغيباً فقال‏:‏ ‏{‏طيباً‏}‏ ويجوز أن يكون قيداً محذراً مما فيه شبهة تنبيهاً على الورع، ويكون معنى طيبه تيقن حله، فيكون بحيث تتوفر الدواعي على تناوله ديناً توفّرها على تناول ما هو نهاية في اللذة شهوة وطبعاً، وأن يكون مخرجاً لما تعافه النفس مما أخذ في الفساد من الأطعمة لئلا يضر، قال ابن المبارك‏:‏ الحلال ما أخذ من جهته، والطيب ما غذّي ونميّ، فأما الطين والجوامد وما لا يغذي فمكروه إلا على جهة التداوي، وأن يكون مخرجاً لما فوق سد الرمق في حالة الضرورة، ولهذا وأمثاله قال‏:‏ ‏{‏واتقوا الله‏}‏ أي الملك الذي له الجلال والإكرام من أن تحلوا حراماً أو تحرموا حلالاً، ثم وصفه بما يوجب رعي عهوده والوقوف عند حدوده فقال‏:‏ ‏{‏الذي أنتم به مؤمنون *‏}‏ أي ثابتون على الإيمان به، فإن هذا الوصف يقتضي رعي العهود، وخص سبحانه الأكل، والمراد جميع ما نهي عن تحريمه من الطيبات، لأنه سبب لغيره من المتمتعات، فلما نزلت- كما نقل البغوي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما- هذه الآية قالوا‏:‏ يا رسول الله‏!‏ وكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها‏؟‏ وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه- كما تقدم، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يؤاخذكم الله‏}‏ أي على ما له من تمام الجلال ‏{‏باللغو‏}‏ وهو ما يسبق إليه اللفظ من غير قصد ‏{‏في أيمانكم‏}‏ على أني لم أعتمد على سبب النزول في المناسبة إلا لدخوله في المعنى، لا لكونه سبباً، فإنه ليس كل سبب يدخل في المناسبة- كما بينته في أول غزوة أحد في آل عمران، وإنما كان السبب هنا داخلاً في مناسبة النظم، لأن تحريم ما أحل يكون تارة بنذر وتارة بيمين، والنذر في المباح- وهو مسألتنا- لا ينعقد وكفارته كفارة يمين، فحينئذ لم تدع الحاجة إلا إلى التعريف بالأيمان وأحكامها، فقسمها سبحانه إلى قسمين‏:‏ مقصود وغير مقصود، فأما غير المقصود فلا اعتبار به، وأما المقصود فقسمان‏:‏ حلف على ماض، وحلف على آت، فأما الحلف على الماضي فهو اليمين الغموس التي لا كفارة لها عند بعض العلماء، وسيأتي في آية الوصية، وأما الحلف على الآتي- وهو الذي يمكن التحريم به- فذكر حكمه هنا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن يؤاخذكم‏}‏‏.‏

ولما كان مطلق الحلف الذي منه اللغو يطلق عليه عقد لليمين، أعلم أن المؤاخذة إنما هي بتعمد القلب، وهو المراد بالكسب في الآية الأخرى، فعبر بالتفعيل في قراءة الجماعة، والمفاعلة على قراءة ابن عامر تنبيهاً على أن ذلك هو المراد من قراءة حمزة والكسائي بالتخفيف فقال ‏{‏بما عقدتم الأيمان‏}‏ أي بسبب توثيقها وتوكيدها وإحكامها بالجمع بين اللسان والقلب، سواء كان على أدنى الوجوه كما تشير إليه قراءة التخفيف، أو على أعلاها كما تشير إليه قراءة التشديد، فلا يحل لكم الحنث فيها إلا بالكفارة بخلاف اللغو فإنه باللسان فقط، فلا عقد فيه فضلاً عن تعقيد، و«ما» مصدرية‏.‏

ولما أثبت المؤاخذة سبب عنها قوله‏:‏ ‏{‏فكفارته‏}‏ أي الأمر الذي يستر النكث والحنث عن هذا التعقيد، ويزيل أثره بحيث تصيرون كأنكم ما حلفتم ‏{‏إطعام عشرة مساكين‏}‏ أي أحرار مساكين، لكل مسكين ربع صاع، وهو مدمن طعام، وهو رطل وثلث ‏{‏من أوسط ما‏}‏ كان عادة لكم أنكم ‏{‏تطعمون أهليكم‏}‏ أي من أعدله في الجودة والقدر كمية وكيفية، فهو مد جيد من غالب القوت، سواء كان من الحنطة أو من التمر أو غيرهما‏.‏

ولما بدأ بأقل ما يكفي تخفيفاً ورحمة، عطف على الإطعام ترقياً قوله‏:‏ ‏{‏أو كسوتهم‏}‏ أي بثوب يغطي العورة من قميص أو إزار أو غيرهما مما يطلق عليه اسم الكسوة ‏{‏أو تحرير‏}‏ أي إعتاق ‏{‏رقبة‏}‏ أي مؤمنة سليمة عما يخل بالعمل- كما تقدم في كفارة القتل- حملاً لمطلق الكفارات على ذلك المقيد، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ما استأذنه أحد في إعتاق رقبة في كفارة إلا اختبر إيمانها، هذا ما على المكلف على سبيل التخيير من غير تعيين‏.‏ والتعيين إليه إذا كان واجداً للثلاثة أو لأحدها، والإتيان بأحدها مبرئ من العهدة، لأن كل واحد من الثلاثة بعينه أخص من أحدها على الإبهام، والإتيان بالخاص يستلزم الإتيان بالعام ‏{‏فمن لم يجد‏}‏ أي واحداً منها فاضلاً عن قوته وقوت من تلزمه مؤنته ‏{‏فصيام‏}‏ أي فالكفارة صيام ‏{‏ثلاثة أيام‏}‏ ولو متفرقة‏.‏

ولما تم ذلك‏.‏ أكده في النفوس وقرره بقوله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ أي الأمر العدل الحسن الذي ذكر ‏{‏كفارة أيمانكم‏}‏ أي المعقدة ‏{‏إذا حلفتم‏}‏ وأردتم نكثها سواء كان ذلك قبل الحنث أو بعده‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ فافعلوا ما قدرتم عليه منه، عطف عليه لئلا تمتهن الأيمان لسهولة الكفارة قوله‏:‏ ‏{‏واحفظوا أيمانكم‏}‏ أي فلا تحلفوا ما وجدتم إلى ذلك سبيلاً، ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم، فإنه سبحانه عظيم، ومن أكثر الحلف وقع في المحذور ولا بد، وإذا حلفتم فلا تحنثوا دون تكفير، ويجوز للمكفر الجمع بين هذه الخصال كلها واستشكل، وحلُّه بما قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في التلويح في بحث أو‏:‏ والمشهور في الفرق بين التخيير والإباحة أنه يمنتع في التخيير الجمع ولا يمتنع في الإباحة، لكن الفرق هاهنا أنه لا يجب في الإباحة الإتيان بواحد وفي التخيير يجب، وحينئذ إن كان الأصل فيه الحظر وثبت الجواز بعارض الأمر- كما إذا قال‏:‏ بع من عبيدي هذا أو ذاك- يمتنع الجمع ويجب الاقتصار على الواحد‏.‏

لأنه المأمور به‏.‏ وإن كان الأصل فيه الإباحة ووجب بالأمر واحد- كما في خصال الكفارة- يجوز الجمع بحكم الإباحة الأصلية، وهذا يسمى التخيير على سبيل الإباحة- انتهى‏.‏

ولما اشتملت هذه الآيات من البيان على ما يدهش الإنسان كان كأنه قيل‏:‏ هل يبين كل ما يحتاج إليه هكذا‏؟‏ فنبه من هذه الغفلة بقوله‏:‏ ‏{‏كذلك‏}‏ أي مثل هذا البيان العظيم الشأن ‏{‏يبين الله‏}‏ أي على ما له من العظمة ‏{‏لكم آياته‏}‏ أي أعلام شريعته وأحكامه على ما لها من العلو بإضافتها إليه‏.‏

ولما اشتمل ما تقدم من الأحكام والحِكَم والتنبيه والإرشاد والإخبار بما فيها من الاعتبار على نِعَم جسيمة وسنن جليلة عظيمة، ناسب ختمُها بالشكر المُربى لها في قوله على سبيل التعليل المؤذن بقطعها إن لم توجد العلة‏:‏ ‏{‏لعلكم تشكرون *‏}‏ أي يحصل منكم الشكر بحفظ جميع الحدود الآمرة والناهية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏90- 92‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏90‏)‏ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ‏(‏91‏)‏ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ‏(‏92‏)‏‏}‏

ولما تم بيان حال المأكل وكان داعية إلى المشرب، احتيج إلى بيانه، فبين تعالى المحرم منه‏.‏ فعلم أن ما عداه مأذون في التمتع به، وذلك محاذٍ في تحريم شيء مقترن باللازم بعد إحلال آخر لما في أول السورة من تحريم الميتة وما ذكر معها بعد إحلال بهيمة الأنعام وما معها، فقال تعالى مذكراً لهم بما أقروا به من الإيمان الذي معناه الإذعان‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا‏}‏ أي أقروا به‏.‏ ونبههم على ما يريد العدو بهم من الشر بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما الخمر‏}‏ وهي كل ما أسكر سواء فيه قليله وكثيره، وأضاف إليها ما واخاها في الضرر ديناً ودنيا وفي كونه سبباً للخصام وكثرة اللغط المقتضي للحلف والإقسام تأكيداً لتحريم الخمر بالتنبيه على أن الكل من أفعال الجاهلية، فلا فرق بين شاربها والذابح على النصب والمعتمد على الأزلام فقال‏:‏ ‏{‏والميسر‏}‏ أي الذي تقدم ذكره في البقرة ‏{‏والأنصاب والأزلام‏}‏ المتقدم أيضاً ذكرُهما أول السورة، والزلم‏:‏ القدح لا ريش له- قاله البخاري؛ وحكمة ترتيبها هكذا أنه لما كانت الخمر غاية في الحمل على إتلاف المال، قرن بها ما يليها في ذلك وهو القمار، ولما كان الميسر مفسدة المال، قرن به مفسدة الدين وهي الأنصاب، ولما كان تعظيم الأنصاب شركاً جلياً إن عبدت، وخفياً إن ذبح عليها دون عبادة، قرن بها نوعاً من الشرك الخفي وهو الاستقسام بالأزلام‏:‏ ثم أمر باجتناب الكل إشارة وعبارة على أتم وجه فقال‏:‏ ‏{‏رجس‏}‏ أي قذر أهل لأن يبعد عنه بكل اعتبار حتى عن ذكره سواء كان عيناً أو معنى، وسواء كانت الرجسية في الحس أو المعنى، ووحد الخبر للنص على الخمر والإعلام بأن أخبار الثلاثة حذفت وقدرت، لأنها أهل لأن يقال في كل واحد منها على حدتها كذلك ولا يكفي عنها خبر واحد على سبيل الجمع؛ ثم زاد في التنفير عنها تأكيداً لرجسيتها بقوله‏:‏ ‏{‏من عمل الشيطان‏}‏ أي المحترق البعيد، ثم صرح بما اقتضاه السياق من الاجتناب فقال‏:‏ ‏{‏فاجتنبوه‏}‏ أي تعمدوا أن تكونوا عنه في جانب آخر غير جانبه‏.‏ وأفرد لما تقدم من الحِكَم، ثم علل بما يفهم أنه لا فوز بشيء من المطالب مع مباشرتها فقال‏:‏ ‏{‏لعلكم تفلحون *‏}‏ أي تظفرون بجميع مطالبكم، روى البخاري في التفسير عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ «لقد حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء» وفي رواية‏:‏ «نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب» وفي رواية عنه‏:‏ «سمعت عمر على منبر النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة‏:‏ من العنب- وفي رواية‏:‏ من الزبيب- والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل» وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ «ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا، وإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلاناً وفلاناً إذ جاء رجل فقال‏:‏ حرمت الخمر، قالوا‏:‏ أهرق هذه القلال يا أنس‏!‏ فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل» وفي رواية عنه‏:‏ «حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد خمر الأعناب إلا قليلاً، وعامة خمرنا البسر والتمر» قال الأصبهاني‏:‏ وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام‏.‏

ولما كانت حكمة النهي عن الأنصاب والأزلام قد تقدمت في أول السورة، وهي أنها فسق، اقتصر على بيان علة النهي عن الخمر والميسر إعلاماً بأنهما المقصودان بالذات، وإن كان الآخرينَ ما ضما إلا لتأكيد تحريم هذين- كما تقدم، لأن المخاطب أهل الإيمان، وقد كانوا مجتنبين لذينك، فقال مؤكداً لأن الإقلاع عما حصل التمادي في المرون عليه يحتاج إلى مثل ذلك‏:‏ ‏{‏إنما يريد الشيطان‏}‏ أي بتزيين الشرب والقمار لكم ‏{‏أن يوقع بينكم العداوة‏}‏‏.‏

ولما كانت العداوة قد تزول أسبابها، ذكر ما ينشأ عنها مما إذا استحكم تعسر أو تعذر زواله، فقال‏:‏ ‏{‏والبغضاء في الخمر والميسر‏}‏ أي تعاطيهما لأن الخمر تزيل العقل، فيزول المانع من إظهار الكامن من الضغائن والمناقشة والمحاسدة، فربما أدى ذلك إلى حروب طويلة وأمور مهولة، والميسر يذهب المال فيوجب ذلك الإحنة على من سلبه ماله ونغص عليه أحواله‏.‏

ولما ذكر ضررهما في الدنيا، ذكر ضررهما في الدين فقال‏:‏ ‏{‏ويصدكم عن ذكر الله‏}‏ أي الملك الأعظم الذي لا إله لكم غيره ولا كفوء له، وكرر الجار تأكيداً للأمر وتغليظاً في التحذير فقال‏:‏ ‏{‏وعن الصلاة‏}‏ أما في الخمر فواضح، وأما في الميسر فلأن الفائز ينسى ببطر الغلبة، والخائب مغمور بهمه، وأعظم التهديد بالاستفهام والجملة الاسمية الدالة على الثبات بعد التأكيد بالحصر والضم إلى فعل الجاهلية وبيان الحِكَم الداعية إلى الترك والشرور المنفرة عن الفعل فقال‏:‏ ‏{‏فهل أنتم منتهون *‏}‏ أي قبل أن يقع بكم ما لا تطيقون‏.‏

ولما كان ذلك مألوفاً لهم محبوباً عندهم، وكان ترك المألوف أمرّ من ضرب السيوف، أكد دعوتهم إلى اجتنابه محذراً من المخالفة بقوله عاطفاً على ما تقديره‏:‏ فانتهوا‏:‏ ‏{‏وأطيعوا الله‏}‏ أي الملك الأعلى الذي لا شريك له ولا أمر لأحد سواه، أي فيما أمركم به من اجتناب ذلك، وأكد الأمر بإعادة العامل فقال‏:‏ ‏{‏وأطيعوا الرسول‏}‏ أي الكامل في الرسلية في ذلك، وزاد في التخويف بقوله‏:‏ ‏{‏واحذروا‏}‏ أي من المخالفة، ثم بلغ الغاية في ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏فإن توليتم‏}‏ أي بالإقبال على شيء من ذلك، وأشار بصيغة التفعل إلى أن ذلك إنما يعمل بمعالجة من النفس للفطرة الأولى، وعظم الشأن في ابتداء الجزاء بالتنبيه بالأمر بالعلم فقال‏:‏ ‏{‏فاعلموا‏}‏ أنكم لم تضروا إلا أنفسكم، لأن الحجة قد قامت عليكم، ولم يبق على الرسول شيء لأنكم علمتم ‏{‏أنما على رسولنا‏}‏ أي البالغ في العظمة مقداراً يجل عن الوصف بإضافته إلينا ‏{‏البلاغ المبين *‏}‏ أي البين في نفسه الموضح لكل من سمعه ما يراد منه لا غيره، فمن خالف فلينظر ما يأتيه من البلاء من قِبَلنا، وهذا ناظر إلى قوله‏:‏

‏{‏بلغ ما أنزل إليك من ربك‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 67‏]‏ فكأنه قيل‏:‏ ما عليه إلا ما تقدم من إلزامنا له به من البلاغ، فمن اختار لنفسه المخالفة كفر، والله لا يهدي من كان مختاراً لنفسه الكفر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏93- 94‏]‏

‏{‏لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏93‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏94‏)‏‏}‏

ولما كانوا قد سألوا عند نزول الآية عما من شأن الأنفس الصالحة الناظرة للورع المتحرك للسؤال عنه، وهو من مات منهم وهو يفعلهما، قال جواباً لذلك السؤال‏:‏ ‏{‏ليس على الذين آمنوا وعملوا‏}‏ أي تصديقاً لإيمانهم ‏{‏الصالحات جناح‏}‏ فبين سبحانه أن هذا السؤال غير وارد لأنهم لم يكونوا منعوا منهما، وكانوا مؤمنين عاملين للصالحات متقين لما يسخط الرب من المحرمات، وقد بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ «حرمت الخمر ثلاث مرات‏:‏ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ‏{‏يسئلونك عن الخمر والميسر‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 219‏]‏، فقال الناس‏:‏ لم يحرم علينا، إنما قال‏:‏ إن فيهما إثماً، وكانوا يشربون الخمر حتى إذا كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين المغرب فخلط في قراءته، فأنزل الله تعالى ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 43‏]‏ فكانوا يشربونها حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق، فنزلت ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 90‏]‏، فقالوا‏:‏ انتهينا يا رب‏!‏ وقال الناس‏:‏ يا رسول الله‏!‏ ناس قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر وقد جعله الله رجساً من مل الشيطان‏!‏ فأنزل الله ‏{‏ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 93‏]‏، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم» ولا يضر كونه من رواية أبي معشر وهو ضعيف لأنه موافق لقواعد الدين، وروى الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ «كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة رضي الله عنه وما شرابهم إلا الفضيخ‏:‏ البسر والتمر، وإذا منادٍ ينادي‏:‏ ألا‏!‏ إن الخمر قد حرمت، فقال لي أبو طلحة رضي الله عنه‏:‏ اخرج فاهرقها، فهرقتها، فقال بعض القوم‏:‏ قد قتل فلان وفلان وهي في بطونهم‏؟‏ فأنزل الله تعالى ‏{‏ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح‏}‏ على أنه لو لم يرد هذا السببُ كانت المناسبة حاصلة، وذلك أنه تعالى لما أباح الطيب من المأكل وحرم الخبيث من المشرب، نفى الجناح عمن يأكل ما أذن فيه أو يشرب عدا ما حرمه‏.‏ فأتى بعبارة تعم المأكل والمشرب فقال‏:‏ ‏{‏فيما طعموا‏}‏ أي مأكلاً كان أو مشرباً، وشرط ذلك عليهم بالتقوى ليخرج المحرمات فقال‏:‏ ‏{‏إذا ما اتقوا‏}‏ أي أوقعوا جميع التقوى التي تطلب منهم فلم يطعموا محرماً‏.‏

ولما بدأ بالتقوى وهي خوف الله الحامل على البعد عن المحرمات، ذكر أساسها الذي لا تقبل إلا به فقال‏:‏ ‏{‏وآمنوا‏}‏ ولما ذكر الإقرار باللسان، ذكر مصداقه فقال‏:‏ ‏{‏وعملوا‏}‏ أي بما أداهم إليه اجتهادهم بالعلم لا اتفاقاً ‏{‏الصالحات ثم اتقوا‏}‏ أي فاجتنبوا ما جدد عليهم تحريمه ‏{‏وآمنوا‏}‏ أي بأنه من عند الله، وأن الله له أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، وهكذا كلما تكرر تحريم شيء كانوا يلابسونه‏.‏

ولما كان قد نفى الجناح أصلاً ورأساً، شرط الإحسان فقال‏:‏ ‏{‏ثم اتقوا وأحسنوا‏}‏ أي لازموا التقوى إلى أن أوصلتهم إلى مقام المراقبة، وهي الغنى عن رؤية غير الله، فأفهم ذلك أن من لم يبلغ رتبة الإحسان لا يمتنع أن يكون عليه جناح مع التقوى والإيمان، يكفر عنه بالبلايا والمصائب حتى ينال ما قدر له مما لم يبلغه عمله من درجات الجنان، ومما يدل على نفاسة التقوى وعزتها أنه سبحانه لما شرطها في هذا العموم، حث عليها عند ذكر المأكل بالخصوص- كما مضى فقال «واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون»، وهذا في غاية الحث على التورع في المأكل والمشرب وإشارة إلى أنه لا يوصل إلى مقام الإحسان إلا به- والله الموفق؛ ولما كان التقدير‏:‏ فإن الله يحب المتقين المؤمنين، عطف عليه قوله‏:‏ ‏{‏والله‏}‏ أي الذي له صفات الكمال ‏{‏يحب المحسنين‏}‏‏.‏

ولما ذكر ما حرم من الطعام في كل حال، وكان الصيد ممن حرم في بعض الأوقات، وكان من أمثل مطعوماتهم، وكان قد ذكر لهم بعض أحكامه عقب قوله‏:‏ ‏{‏أحلت لكم بهيمة الأنعام‏}‏ ‏{‏وأحل لكم الطيبات‏}‏ أخذ هنا في ذكر شيء من أحكامه، وابتدأها- لأنهم خافوا على من مات منهم على شرب الخمر قبل تحريمها بأنه يبتليهم لتمييز الورع منهم من غيره- بالصيد في الحال التي حرمه عليهم فيها كما ابتلى إسرائيل في السبت، فكان ذلك سبباً لجعلهم قردة، ومنَّ سبحانه على الصحابة من هذه الأمة بالعصمة عند بلواهم بياناً لفضلهم على من سواهم، فقال تعالى منادياً لهم بما يكفّهم ذكره عن المخالفة‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا‏}‏ أي أوقعوا الإيمان ولو على أدنى وجوهه، فعم بذلك العالي والداني ‏{‏ليبلونكم الله‏}‏ أي يعاملكم معاملة المختبر في قبولكم تحريم الخمر وغيره المحيط بكل شيء قدرة وعلماً، وذكر الاسم الأعظم إشارة بالتذكير بما له من الجلال إلى أن له أن يفعل ما يشاء، وأشار إلى تحقير البلوى تسكيناً للنفوس بقوله‏:‏ ‏{‏بشيء من الصيد‏}‏ أي الصيد في البر في الإحرام، وهو ملتفت إلى قوله‏:‏ ‏{‏هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 60‏]‏ وشارح لما ذكر أول السورة في قوله ‏{‏غير محلي الصيد وأنتم حرم‏}‏، وما ذكر بعد المحرمات من قوله‏:‏ ‏{‏فكلوا مما أمسكن عليكم‏}‏

‏[‏المائدة‏:‏ 4‏]‏، ووصف المبتلى به بوصف هو من أعلام النبوة فقال‏:‏ ‏{‏تناله أيديكم‏}‏ أي إن أردتم أخذه سالماً ‏{‏ورماحكم‏}‏ إن أردتم قتله، ثم ذكر المراد من ذلك وهو إقامة الحجة على ما يتعارفه العباد بينهم فقال‏:‏ ‏{‏ليعلم الله‏}‏ أي وهو الغني عن ذلك بما له من صفات الكمال التي لا خفاء بها عند أحد يعلم هذا الاسم الأعظم ‏{‏من يخافه بالغيب‏}‏ أي بما حجب به من هذه الحياة الدنيا التي حجبتهم عن أن يعرفوه حق معرفته سبحانه، والمعنى أنه يخرج بالامتحان ما كان من أفعال العباد في عالم الغيب إلى عالم الشهادة، فيصير تعلق العلم به تعلقاً شهودياً كما كان تعلقاً غيبياً لتقوم بذلك الحجة على الفاعل في مجاري عاداتهم، ويزداد من له اطلاع على اللوح المحفوظ من الملائكة إيماناً ويقيناً وعرفاناً، وقد حقق سبحانه معنى هذه الآية فابتلاهم بذلك عام الحديبية حتى كان يغشاهم الصيد في رحالهم ويمكنهم أخذه بأيديهم‏.‏

ولما كان هذا زاجراً في العادة عن التعرض لما وقعت البلوى به وحاسماً للطمع فيه بمن اتسم بما جعل محط النداء من الإيمان، سبب عنه قوله‏:‏ ‏{‏فمن اعتدى‏}‏ أي كلف نفسه مجاوزة الحد في التعرض له؛ ولما كان سبحانه يقبل التوبة عن عباده، خص الوعيد بمن استغرق الزمان بالاعتداء فأسقط الجار لذلك فقال‏:‏ ‏{‏بعد ذلك‏}‏ أي الزجر العظيم ‏{‏فله عذاب أليم *‏}‏ بما التذَّ من تعرضه إليه لما عرف بالميل إلى هذا أنه إلى ما هو أشهى منه كالخمر وما معها أميل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏95‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ‏(‏95‏)‏‏}‏

ولما أخبرهم بالابتلاء صرح لهم بما لوح إليه بذكر المخافة من تحريم التعرض لما ابتلاهم به، فقال منوِّهاً بالوصف الناهي عن الاعتداء‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا‏}‏ وذكر القتل الذي هو أعم من الذبح إشارة إلى أن الصيد- لما عنده من النفرة المانعة من التمكن من ذبحه- يحبس بأي وجه كان من أنواع القتل فقال‏:‏ ‏{‏لا تقتلوا الصيد‏}‏ أي لا تصطادوا ما يحل أكله من الوحش، وأما غير المأكول فيحل قتله، فإنه لاحظ للنفس في قتله إلا الإراحة من أذاه المراد بالفسق في قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «خمس في الدواب فواسق، لا جناح على من قتلها في حل ولا حرم» وذكر منهن السبع العادي، فدل الحكم برفع الجناح عقب الوصف بالفسق على أنه علة الإباحة، ولا معنى لفسقها إلا أذاها ‏{‏وأنتم حرم‏}‏ أي محرومون أو في الحرم‏.‏

ولما كان سبحانه عالماً بأنه لا بد أن يوافق موافق تبعاً لأمره ويخالف مخالف موافقة لمراده، شرع لمن خالف كفارة تخفيفاً منه على هذه الأمة ورفعاً لما كان على من كان من قبلها من الآصار، فقال عاطفاً على ما تقديره‏:‏ فمن انتهى فله عند ربه أجر عظيم‏:‏ ‏{‏ومن قتله منكم متعمداً‏}‏ أي قاصداً للصيد ذاكراً للإحرام إن كان محرماً، والحرم إن كان فيه عالماً بالتحريم‏.‏

ولما كان هذا الفعل العمد موجباً للإثم والجزاء، ومتى اختل وصف منه كان خطأ موجباً للجزاء فقط، وكان سبحانه قد عفا عن الصحابة رضي الله عنهم العمد الذي كان سبباً لنزول الآية كما في آخرها، لم يذكره واقتصر على ذكر الجزاء فقال‏:‏ ‏{‏فجزاء‏}‏ أي فمكافأة ‏{‏مثل ما قتل‏}‏ أي أقرب الأشياء به شبهاً في الصورة لا النوع، ووصف الجزاء بقوله‏:‏ ‏{‏من النعم‏}‏ لما قتله عليه، أي عليه أن يكافئ ما قتله بمثله، وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، هذا على قراءة الجماعة بإضافة «جزاء» إلى «مثل»، وأما على قراءة الكوفيين ويعقوب بتنوين «جزاء» ورفع «مثل» فالأمر واضح‏.‏

ولما كان كأنه قيل‏:‏ بما تعرف المماثلة‏؟‏ قال‏:‏ ‏{‏يحكم به‏}‏ أي بالجزاء؛ ولما كانت وجوه المشابهة بين الصيد وبين النعم كثيرة، احتاج ذلك إلى زيادة التأمل فقال‏:‏ ‏{‏ذوا عدل منكم‏}‏ أي المسلمين، وعن الشافعي أن الذي له مثل ضربان‏:‏ ما حكمت فيه الصحابة، وما لم تحكم فيه، فما حكمت فيه لا يعدل إلى غيره لأنه قد حكم به عدلان فدخل تحت الآية، وهم أولى من غيرهم لأنهم شاهدوا التنزيل وحضروا التأويل؛ وما لم يحكموا به يرجع فيه إلى اجتهاد عدلين، فينظر إلى الأجناس الثلاثة من الأنعام، فكل ما كان أقرب شبهاً به يوجبانه؛ فإن كان القتل خطأ جاز أن يكون الفاعل أحد الحكمين، وإن كان عمداً فلا، لأنه يفسق به‏.‏

ولما كان هذا المثل يساق إلى مكة المشرفة على وجه الإكرام والنسك رفقاً بمساكينها، قال مبيناً لحاله من الضمير في «به»‏:‏ ‏{‏هدياً‏}‏ ولما كان الهدي هو ما تقدم تفسيره، صرح به فقال‏:‏ ‏{‏بالغ الكعبة‏}‏ أي الحرم المنسوب إليها، وإنما صرح بها زيادة في التعظيم وإعلاماً بأنها هي المقصودة بالذات بالزيارة والعمارة لقيام ما يأتي ذكره، تذبح الهدي بمكة المشرفة ويتصدق به على مساكين الحرم، والإضافة لفظية لأن الوصف بشبه «يبلغ» فلذا وصف بها النكرة‏.‏

ولما كان سبحانه رحيماً بهذه الأمة، خيرها بين ذلك وبين ما بعد فقال‏:‏ ‏{‏أو‏}‏ عليه ‏{‏كفارة‏}‏ هي ‏{‏طعام مساكين‏}‏ في الحرم بمقدار قيمة الهدي، لكل مسكين مد ‏{‏أو عدل ذلك‏}‏ أي قيمة المثل ‏{‏صياماً‏}‏ في أيّ موضع تيسر له، عن كل مد يوم، فأو للتخيير لأنه الأصل فيها، والقول بأنها للترتيب يحتاج إلى دليل‏.‏

ولما كان الأمر مفروضاً في المتعمد قال معلقاً بالجزاء، أي فعليه أن يجازي بما ينقص المال أو يؤلم الجسم ‏{‏ليذوق وبال‏}‏ أي ثقل ‏{‏أمره‏}‏ وسوء عاقبته ليحترز عن مثل ما وقع فيه؛ ولما كان هذا الجزاء محكوماً به في دار العمل التي لا يطلع أهلها بمجرد عقولهم فيها على غيب، ولا يعرفون عاقبة أمر إلاّ تخرصاً، طرد الحكم في غير المتعمد لئلا يدعي المتعمد أنه مخطئ، كل ذلك حمى لحرمة الدين وصوناً لحرمة الشرع وحفظاً لجانبه ورعاية لشأنه، ولما كان قد مضى منهم قبل نزولها من هذا النوع أشياء، كانوا كأنهم قالوا‏:‏ فكيف نصنع بما أسلفنا‏؟‏ قال جواباً‏:‏ ‏{‏عما سلف‏}‏ أي تعمده، أي لكم من ذلك، فمن حفظ نفسه بعد هذا فاز ‏{‏ومن عاد‏}‏ إلى تعمد شيء من ذلك ولو قل؛ ولما كان المبتدأ متضمناً معنى الشرط، قرن الخبر بالفاء إعلاماً بالسببية فقال‏:‏ ‏{‏فينتقم الله‏}‏ أي الذي له الأمر كله ‏{‏منه‏}‏ أي بسبب عوده بما يستحقه من الانتقام‏.‏

ولما كان فاعل ذلك منتهكاً لحرمة الإحرام والحرم، وكان التقدير‏:‏ فالله قادر عليه، عطف على ذلك ما اقتضاه المقام من الإتيان بالاسم الأعظم ووصف العزة فقال‏:‏ ‏{‏والله‏}‏ أي الملك الأعلى الذي لا تداني عظمتَه عظمةٌ ‏{‏عزيز‏}‏ لا يغلب ‏{‏ذو انتقام *‏}‏ ممن خالف أمره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏96- 97‏]‏

‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ‏(‏96‏)‏ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏97‏)‏‏}‏

ولما كان هذا عاماً في كل صيد، بين أنه خاص بصيد البر فقال‏:‏ ‏{‏أحل لكم صيد البحر‏}‏ أي اصطياده، أي الذي مبناه غالباً على الحاجة، والمراد به جميع المياه من الأنهار والبرك وغيرها ‏{‏وطعامه‏}‏ أي مصيده طرياً وقديداً ولو كان طافياً قذفه البحر، وهو الحيتان بأنواعها وكل ما لا يعيش في البر، وما أكل مثله في البر‏.‏

ولما أحل ذلك ذكر علته فقال‏:‏ ‏{‏متاعاً لكم‏}‏ أي إذا كنتم مسافرين أو مقيمين ‏{‏وللسيارة‏}‏ أي يتزودونه إلى حيث أرادوا من البر أو البحر، وفي تحليل صيد البحر حال الابتلاء من النعمة على هذه الأمة ما يبين فضلها على من كان قبلها ممن جعل صيد البحر له محنة يوم الابتلاء- ولله الحمد، والظاهر أن المراد بصيد البحر الفعل، لأن ثَمَّ أمرين‏:‏ الاصطياد والأكل، والمراد بيان حكمهما، فكأنه أحل اصطياد حيوان البحر، وأحل طعام البحر مطلقاً ما اصطادوه وما لم يصطادوه، سواء كانوا مسافرين أو مقيمين، وذلك لأنه لما قدَّم تحريم اصطياد ما في البر بقوله ‏{‏لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 95‏]‏ أتبعه بيان إحلال اصطياد مصيد البحر في حال تحريم ذلك، ثم أتبعه بيان حرمة مصيد البر بقوله‏:‏ ‏{‏وحرم عليكم صيد البر‏}‏ أي اصطياده وأكل ما صيد منه لكم وهو ما لا عيش له إلاّ فيه، وما يعيش فيه وفي البحر، فإن صيدَ للحلال حل للمحرم أكله، فإنه غير منسوب إليه اصطياده بالفعل ولا بالقوة ‏{‏ما دمتم حرماً‏}‏ لأن مبنى أمره غالباً في الاصطياد والأكل مما صيد على الترف والرفاهية، وقد تقدم أيضاً حرمة اصطياد مصيد البر وحرمة الأكل مما صيد منه، وتكرر ذلك بتكرر الإحرام في آية ‏{‏غير محلي الصيد‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 1‏]‏ وآية ‏{‏لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 95‏]‏ فلا يعارضه مفهوم ‏{‏ما دمتم حرماً‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 96‏]‏ وعبر بذلك ليكون نصاً في الحرمة في كل جزء من أجزاء وقت الإحرام إلى تمام التحلل- والله أعلم، ولا يسقط الجزاء بالخطأ والجهل كسائر محظورات الإحرام‏.‏

ولما كان الاصطياد بحشر المصيد إلى حيث يعجز عن الخلاص منه، وكانت حالة الإحرام أشبه شيء بحالة الحشر في التجرد عن المخيط والإعراض عن الدنيا وتمتعاتها، ختم الآية بقوله عطفاً على ما تقديره‏:‏ فلا تأكلوا شيئاً منه في حال إحرامكم‏:‏ ‏{‏واتقوا الله‏}‏ أي الذي له الأمر كله في ذلك وفي غيره من الاصطياد وغيره ‏{‏الذي إليه تحشرون *‏}‏ ليكون العرض عليه نصبَ أعينكم فتكونوا مواظبين على طاعته محترزين عن معصيته‏.‏

ولما كان الإحرام وتحريم الصيد فيه إنما هو لقصد تعظيم الكعبة، بين تعالى حكمة ذلك وأنه كما جعل الحرم والإحرام سبباً لأمن الوحش والطير جعله سبباً لأمن الناس وسبباً لحصول السعادة دنيا وأخرى، فقال مستأنفاً بياناً لحكمة المنع في أول السورة من استحلال من يقصدها للزيارة‏:‏ ‏{‏جعل الله‏}‏ أي بما له من العظمة وكمال الحكمة ونفوذ الكلمة ‏{‏الكعبة‏}‏ وعبر عنها بذلك لأنها مأخوذة من الكعب الذي به قيام الإنسان وقوامه، وبيّنها مادحاً بقوله‏:‏ ‏{‏البيت الحرام‏}‏ أي الممنوع من كل جبار دائماً الذي تقدم في أول السورة أني منعتكم من استحلال من يؤمّه ‏{‏قياماً للناس‏}‏ أي في أمر معاشهم ومعادهم لأنها لهم كالعماد الذي يقوم به البيت، فيأمن به الخائف ويقوى فيه الضعيف ويقصده التجار والحجاج والعمّار فهو عماد الدين والدنيا‏.‏

ولما ذكر ما به القوام من المكان، أتبعه ذلك من الزمان فقال‏:‏ ‏{‏والشهر الحرام‏}‏ أي الذي يفعل فيه الحج وغيره يأمن فيه الخائف‏.‏

ولما ذكر ما به القوام من المكان والزمان، أتبعه ما به قوام الفقراء من شعائره فقال‏:‏ ‏{‏والهدي‏}‏ ثم أتبعه أعزَّه وأخصه فقال‏:‏ ‏{‏والقلائد‏}‏ أي والهدي العزيز الذي يقلد فيذبح ويقسم على الفقراء، وفي الآية التفات إلى ما في أول السورة من قوله ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 2‏]‏- فقوانينُها أن من قصدها في شهر الحرام لم يتعرض له أحد ولو كان قتل ابنه، ومن قصدها في غيره ومعه هدي قلده أو لم يقلده أو لم يكن معه هدي وقلد نفسه من لَحاء شجر الحرم لم يعرِض له أحد حتى أن بعضهم يلقي الهدي وهو مضطر فلا يعرض له ولو مات جوعاً، وسواء في ذلك صاحبه وغيره لأن الله تعالى أوقع في قلوبهم تعظيمها، لأنه تعالى جبل العرب على الشجاعة ليفتح بهم البلاد شرقاً وغرباً ليظهرعموم رسالة نبيهم صلى الله عليه وسلم، فلزم من ذلك شدة حرصهم على القتل والغارات، وعلم أن ذلك إن دام بهم شَغلَهم عن تحصيل ما يحتاجون إليه لعيشهم، فأدى إلى فنائهم، فجعل بيته المكرم وما كان من أسبابه أماناً يكون به قوام معاشهم ومعايشهم، فكان ذلك برهاناً ظاهراً على أن الإله عالم بجميع المعلومات وأن له الحكمة البالغة‏.‏

ولما أخبر بعلة التعظيم لما أمر بتعظيمه من نظم أمور الناس، ذكر علة ذلك الجعل فقال‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ أي الجعل العظيم الذي تم أمره على ما أراد جاعله سبحانه ‏{‏لتعلموا‏}‏ أي بهذا التدبير المحكم ‏{‏أن الله‏}‏ أي الذي له الكمال كله الذي جعل ذلك ‏{‏يعلم ما في السماوات‏}‏ فلذلك رتبها ترتيباً فصلت به الأيام والليالي، فكانت من ذلك الشهور والأعوام، وفصّل من ذلك ما فصل للقيام المذكور ‏{‏وما في الأرض‏}‏ فلذلك جعل فيها ما قامت به مصالح الناس وكف فيه أشدهم وأفتكهم عن أضعفهم وآمن فيه الطير والوحش، فيؤدي ذلك من له عقل رصين وفكر متين إلى أن يعلم أن فاعل ذلك من العظمة ونفوذ الكلمة بحيث يستحق الإخلاص في العبادة وأن يمتثل أمره في إحلال ما أحل من الطعام وتحريم ما حرم من الشراب وغير ذلك‏.‏

ولما ذكر هذا العلم العظيم، ذكر ما هو أعم منه فقال‏:‏ ‏{‏وأن‏}‏ أي ولتعلموا أن ‏{‏الله‏}‏ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً الذي فعل ذلك فتم له ‏{‏بكل شيء عليم *‏}‏ وإلاّ لما أثبت جميع مقتضيات ذلك ونفى جميع موانعه حتى كان، ولقد اتخذ العرب- كما في السيرة الهشامية وغيرها- طواغيت، وهي بيوت جعل لها سدنة وحجاباً وهدايا أكثروا منها، وعظمت كل قبيلة ما عندها أشد تعظيم وطافوا به فلم يبلغ شيء منها ما بلغ أمر الكعبة المشرفة ولا قارب، ليحصل العلم بأنه سبحانه لا شيء مثله ولا شريك له‏.‏