فصل: فصل: في تلف مال القراض، أو تلف بعضه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



.فصل: في تلف مال القراض، أو تلف بعضه:

4979- لا خلاف أنه إذا تلف جميع المال قبل التصرف، فقد انتهى العقد، وانقطعت علائقه.
وإن تلف البعضُ بأن كان رأسُ المال ألفاً، فتلفت خمسمائة، ففي المسألة وجهان:
أحدهما: أن القراض ينفسخ فيما تلف، ويبقى فيما بقي، وفائدة ذلك خروج التالف عن الحساب، والمصيرُ إلى أن رأس المال هو الذي بقي، حتى نقول: إذا تصرف العامل فيما بقي وربح، فلا يلزم جبرانُ الخمسمائة التالفة.
والوجه الثاني- أن القراض لا ينفسخ فيما تلف، وإذا اندفع العامل في العمل، فرأسُ المال ألف، ويجب جبران الخمسمائة التالفة.
ووجه الوجه الأول واضح، ووجه الثاني أن العقد إذا بقي ببقاء بعض رأس المال، فما جرى من النقصان يُعدُّ في عُرف المعاملة من النقصانات التي تجبرها الزيادات إذا اتفقت، ولعل الأقيس الأول.
4980- ولو اشترى بالألف التي دفعها إليه عبداً، ثم تلف الألفُ قبل أن يوفره على البائع، نظر: فإن كان اشترى العبد بعين الألف، انفسخ العقد بتلفه، وارتد العبد إلى البائع، ولا ضمان على المقارَض، وانقطعت علائق القراض.
وإن كان اشترى العبدَ في الذمة، فالعقد قائم، ثم فيه وجهان:
أحدهما: أنه ينقلب العقد إلى العامل، ويلزمه نقدُ الثمن من ماله؛ لأن رب المال لم يرض بأن يزيد تصرفُه على الألف المسلم إليه، ولا سبيل إلى الحكم بانفساخ العقد، فلا مسلك أقربُ من انقلاب العقد إلى من تولاه.
والوجه الثاني- أن العقد لا ينصرف عن رب المال؛ فإنه وقع له، ودخل العبد في ملكه تحقيقاً، فعليه بذلُ ألفٍ آخر في ثمن العبد، والألف الذي تلف لا ضمان بسببه على العامل، لكونه مؤتمناً.
فإن حكمنا بأن العقد ينصرف إلى العامل، فقد انقطع القراض، ولا كلام فيه، وعلى العامل ثمن العبد.
وإن حكمنا بأن العقد لا ينصرف إلى العامل، وعلى المالك بذلُ ألفٍ آخر، فرأسُ المال ألفٌ أو ألفان؟ فعلى وجهين مرتبين على الوجهين فيه إذا تلف من الألف خمسمائة. فإن قلنا: رأسُ المال الخمسمائة الباقية، فرأس المال الألف الواحد، وهذا أولى؛ فإن الألف الأول تلف بالكلية؛ وفي المسألة الأولى بقي من رأس المال شيء.
وإن قلنا: في تلف بعض رأس المال: إن رأس المال الألفُ الكامل، فرأس المال في هذه المسألة ألفان، والباقي في المسألة الأولى هو عُلقة العقد، ومنه ينشأ جبران النقصان، والباقي في المسألة الثانية علقة العقد، وبقاؤه على حكم القراض.
ولا يمتنع عندنا أن يقال: إذا تلف الألف، انفسخ القراض، وانقطع أثره، وخرج العقد عن موجب القراض بالكلية، ويبقى العبد مملوكاً لمن ملكه أولاً، فإن فرض ربحٌ، فهو المختص به.
ثم يتفرع على هذا المنتهى ترددٌ في أن العامل هل يتصرف في العبد بحكم الإذن الأول؟ والسبب فيه أن صيغة الإذن وإن كانت قائمة، فقد اختلفت الجهة، والوكالة لا تحتمل استرسال تصرفات الوكيل كذلك من غير ضبط.
وإن قلنا: ينفذ تصرفه؛ فإنه يستحق أجر مثل عمله، لا عن جهة فساد القراض، ولكن عن جهة توقعه العوض على مقابلة عمله.
فليفهم الناظر عن تأملٍ تام، فليس هذا مما تبتدره بوادر الأفهام.
4981- ولو اشترى المقارَض أولاً بالألف عبدين، وقبضهما، ثم تلف أحدهما في يده، إن قلنا: لو تلفت خمسمائة من الألف قبل التصرف، فرأس المال ألف، فهاهنا أولى؛ فإنه قد تأكد القراض بالتصرف والعمل، وإلا فوجهان.
وقال القاضي وطائفةٌ من المحققين: هذا في التصرف الأول، فأما إذا فرض تلفٌ في الصرف الثاني، والثالث، إلى حيث ينتهي، فلا خلاف أن رأس المال لا ينقص بالتلف.
وقال شيخي، وطائفة من الأصحاب: التلف مهما وقع، تضمن خلافاً في أن رأس المال هل ينتقص، وإنما النقصان الذي لا ينقص رأس المال في الحساب هو الخسران، وانحطاط الأسعار فأما تلف عيْن المال، فيخرّج على الخلاف.
ثم لا ينبغي أن يغفل هذا القائل عن تفصيلٍ: فإن فرض التلف قبل الربح، جرى الكلام ظاهراً، وإن فرض بعد ظهور الربح، فالتالف يقع على الوجه البعيد عن رأس المال والربح، وهذا خبطٌ وتخليط، والصحيح ما ذكره القاضي لا غير.
فإن قال مستبعدٌ: إذا ذَكَر خلافاً في التصرف الأول، فما الفرق بينه وبين التصرف الثاني؟ قيل: الصحيح في التصرف الأول أن رأس المال لا ينتقص بالتلف.
والوجه الآخر بعيد مشوّشٌ للقانون، ووجهه على بعده: أن العامل كانه يحصّل مالَ القراض بالتصرف الأول، والدراهمُ رأس المال. و العَرْض في التصرف الأول مال القراض، فكان تصرف الكسب هو الثاني.
ولا يجوز أن يكون بين العلماء خلاف في أن عبد القراض لو عاب، فانتقصت قيمته، ثم زال العيب، فرأس المال كما كان، وإذا كنا نحتمل إلحاق النتاج والثمار بالأرباح، فالوجه أن يحتمل إلحاق التلف بالخسران.
ثم قال الأصحاب: لو أتلف متلفٌ بعضَ مال القراض، لم ينفسخ القراض، وكذلك لو أُتلف كله، فيؤخذ البدل من المتلف، ويستمر القراض عليه، والمقارَض يستقل بالمطالبة، فإنه في تصرفاته واستقلاله بها يضاهي تصرف الملاك.
4982- ولو أتلف العامل شيئاً من مال القراض، نُظر: فإن لم يظهر ربحٌ، ضمن ما أتلفه للمالك، وانفساخُ القراض ثابت عندي.
وكذلك لو أتلف الكل، حصل الانفساخ؛ فإن ما يأتي به بعد الضمان لا يقع ملكاً لرب المال، فكيف يبقى القراض والحالة هذه؟ فالوجه أن نقول:
إذا أتلف الكلَّ، ضمن، وزال القراضُ، وإن أتلف البعضَ، ضمن، والقراضُ ينقطع في القدر الذي أتلفه، وجهاً واحداً، ويكون إتلاف العامل ذلك القدرَ في انفساخ القراض بمثابة إتلاف رب المال قدراً من رأس المال.
وسيظهر تعليل هذا على الوضوح في أثناء الفصل.
وليس تلف البعض بإتلاف العامل كتلفه بآفةٍ سماوية.
وإن ظهر الربح، فما يُتلفه منقسمٌ على رأس المال والربح، فلا يضمن نصيبه من الربح في ذلك المتلف، والكلام فيما يقابل رأسَ المال كالكلام في التلف السماوي، ولكنه يضمن لرب المال ما أتلفه عليه.
ثم يعترض في هذا إشكالٌ، وهو أنه يزدحم نوعان من الجبران:
أحدهما: الجبران بالضمان. والآخر- الجبران بالربح. وهذا محال؛ فيتجه القطع بانفساخ القراض في ذلك القدر من رأس المال، وإن وقع في أثناء التصرفات؛ فإن التفريع يقتضي ذلك؛ إذ ما يضمنه يقع خارجاً عن حساب القراض، وجبران المال بالربح مع الضمان محال، وليس كما لو فرض تلفٌ بآفة سماوية؛ فإن الجبران ثَمَّ محمولٌ على قياس الخسران؛ إذ لم يرجع إلى رب المال عوضٌ عن التالف، وهاهنا رجع العوض إليه خارجاً عن حكم القراض، فقد انفصل القراض فيه. وإذا تحقق الانفصال، فلا جبران.
ثم نقول: يغرَم للمالك حصته من الربح فيما أتلفه، وهذا أيضاً خارج بحكم التفاصل، فإتلاف العامل طائفةً من المال يخرجه من حكم القراض، كإتلاف رب المال، غيرَ أن إتلاف رب المال استرداد منه لمقدار من رأس المال، وتفاصلٌ في مقدار من الربح، وإتلافُ العامل يتضمن الإخراج عن القراض، ولكن بجهة الضمان، كما قررناه.
فرع:
4983- ذكر العراقيون مسألةً عن ابن سريج وهي أنه قال: لو قارض رجل رجلين على مال، وحصل في أيديهما ثلاثةُ آلاف، وقال رب المال: رأس المال ألفان والربح ألف وصدّقه أحد العاملَيْن، وكذبه الثاني، وقال: بل رأس المال ألف والربح ألفان، والتفريع على الصحيح: وهو أن هذا الاختلاف لا يقتضي تحالفاً، فالطريق فيه أن الذي ادعى أن رأس المال ألفٌ، فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف، أخذ من المال خمسمائة على تقدير أن الربح ألفان، والمسألة مفروضة فيه إذا كان الشرط على أن يكون نصف الربح للمالك، والنصف الآخر بين العاملين، فيخص أحدهما خمسمائة إذا كان الربح ألفين، ثم إن المالك يقول للعامل الثاني: قد ظلَمَنا العاملُ المنكر بمائتين وخمسين درهماً، وأنت قد صدقتني أن الربح ألف، فالمائتان والخمسون التي ظَلَمَ بها تنزل منزلة الخسران بيننا، فتحسب من الربح دون رأس المال، والآن بيننا خمسمائة من الربح، فنقتسم هذا القدر بيننا أثلاثاً؛ إذ لو اعترف العامل الآخر بأن الربح ألف، لكان الألف مقسوماً بيننا أرباعاً، الربع منه لكل واحد من العاملين، والنصف لي، ثم نسبة حصة كل عامل مع نصيبي تقع على وجه التثليث، فإن الخمسمائة حصتي، والمائتان والخمسون حصةُ كلٍّ عامل، وإذا ضمت حصة كل عامل إلى الخمسمائة، كانت ثلثَ الجملة، والآن لم يسلم من الربح بيني وبينك إلا خمسمائة، فنقسمها أثلاثاً على النسبة التي ذكرناها، ثلثاها لي وهي ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث، والباقي لك وهو مائة وستة وستون وثلثان.
هذا جواب ابن سريج. وهو حسنٌ بالغ، وفي تفريعه هذا أولاً: ما يدل على أن مقارضة رجلين على صفة التناصر والتعاون جائز؛ فإن التفريع الذي نظمه لا يستقيم إلا في الصورة التي ذكرناها؛ فإنه لو كان قارض كلَّ واحد على ألفٍ من الجملة على شرط التنصيف، فالمصدِّق يقول له: عاملتني على ألف، وقد ربحتُ خمسمائة، فاقسمها بيننا نصفين، وإذا جرت المُقارضةُ على أن يكون كل واحد من العاملين مقارضاً في جميع المال، ويكونان متعاونين على العمل، لا يستبد أحدُهما، فهما كالشخص الواحد، فيتعلق ما يقع من خسرانِ بهما جميعاً، ويتَّسقُ عليه جوابُ ابن سريج.
وقد قدمنا تردُّداً من طريق الاحتمال في مقارضة المتعاونين، والآن شهد تفريعُ ابن
سريج على تصحيحها، مع ما فيها من الإشكال، وليس عندي نقلٌ في إفساد مقارضة المتعاونين، والذي قدمته من التفصيل والتقسيم جرى ترديداً لوجوه الاحتمال. وليس عندي أيضاً نقلٌ صريح بأن كل واحد من العاملين لو كان يستقل بالعمل من غير احتياج إلى مراجعة الثاني، فالقراض فاسد، وإنما قلتُه عن احتمالٍ، وفسادٍ في التفريع بيّن.
فهذا منتهى المراد في ذلك.
4984- وفيما ذكره ابنُ سريج سؤالٌ، وعنه انفصالٌ، وفيه تمام المقصود.
فلو قال العامل المصدق: قد سلمتُ أنَّ صاحبي مُحِقٌّ في مائتين وخمسين، وإنما ظلمَ بما زاد على ذلك، فقدِّر كان الزائد تلف وفات مستدركُه، فالربح سبعمائةٍ وخمسون، فأعطني ربع سبعمائة وخمسين، وهو أكثر من ثلث خمسمائة. وهذا تلبيسٌ، فإنا إذا حسبنا المائتين والخمسين التي ظَلم بها خسراناً، فلا يخص المنكر بعد حط ذلك مائتان وخمسون، بل يخصه مائةٌ ونيفٌ وثمانون، فهو على هذا التقدير ظالمٌ ببعض المائتين والخمسين أيضاً، فلا وجه إلا أن تقسم الخمسمائة الحاصلة على نسبة الأثلاث. وهذا سديد.
فرع:
4985- السيد يعامل مكاتَبه، ورب المال لا يعامل المقارَض في مال القراض، والسيد لا يعامل العبدَ المأذون إذا لم يكن عليه ديْن.
وإن ركبه ديْن، فقد ذكر العراقيون وجهين في أن المولى هل يعامله على المال الذي في يده؟ وهذا لا أصل له، والوجه القطع بامتناع المعاملة؛ فإن ركوب الدين لا يتضمن إزالة ملك المولى عن الأعيان الكائنة في يد المأذون. والله أعلم بالصواب.
تم كتاب القراض بحمد الله ومنِّه.

.كتاب المساقاة:

4986- المساقاة: أن يعامل مالكُ النخيل والكروم من يحسن العملَ فيها، ليقوم بسقيها، وتعهدها، ويشترط للعامل جزاء معلوماً مما يخرج من الثمر.
وهذه المعاملة جائزة عندنا، خلافاً لأبي حنيفة، ومعتمد الشافعي في جوازها ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح خيبر، واقتسم بساتينها بين الغانمين وأجلى أهلَ خيبر عنها، فجاؤوا مستأمنين، فقالوا: نحن أعرف بالنخيل منكم، فأعطونا، نكفكم، فساقاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على شَطر ما يخرج منها من ثمر وزرع، وقال: "أقرّكم ما أقرّكم الله تعالى " وإنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك؛ لأن اليهود كانت لا ترى النسخ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أساس المعاملة على تجويزه، وأنبأهم أنه إن نُسخ، حَكَم بغير حكم المعاملة، ومثل هذا الشرط جائزٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الشرع كان عرضة التغايير في زمنه، ومثل هذا التردد لا يسوغ منا. ثم لما أدركت الثمار، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة إليهم خارصاً، فلما نَذِرُوا بقدومه، استقبلوه بحلي نسائهم، وأرادوا أن يخدعوه، فقال رضي الله عنه: هذا سحتٌ في ديننا، فلما أيسوا من هذه الجهة، أرادوا أن يستدرجوه بالكلام، فقالوا: أنت ابنُ أختنا، وإنما قالوا ذلك، لأن أمه كانت خيبرية، وقالوا: أنتَ أحب من قدم إلينا من هذه الجهة، فقال رضي الله عنه: أما أنا فقد قدمت من عند رجلٍ هو أحب إليَّ من نفسي التي بين جنبي، على قومٍ هم أبغض إليَّ من القردة والخنازير، فقالوا: إذاً لا يمكنك أن تعدل بيننا، فقال: أما حبي إياه لا يحملني على الميل إليه، وبُغضي إياكم لا يحملني على الحيف عليكم، فخرص عليهم مائة ألف وَسق، فقالوا: أجحفت بنا يا بن رواحة، فقال: إن شئتم، فلكم، وإن شئتم فلي، معناه: إن شئتم سلمتُ الجميع إليكم، وتضمنون نصيب المساكين، وإن شئتم سلمتم الجميع إليّ، وأضمن لكم نصيبكم، فقالوا: هذا هو العدل الذي قامت به السموات والأرض. قيل: لما رفعت تلك الثمار، لم ينتقص مما كان قال بعشرة أوسق.
ولأصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه أسئلة وعنها أجوبة مذكورة في الخلاف.
4987- وأول ما نرى تصديرَ الكتاب به ذكر أربعة عقودٍ متقاربة في الصور مختلفةٍ في الحكم، يصح من جملتها عقدان ويفسد عقدان: وهي المقارضة، والمساقاة، والمزارعة، والمخابرة، أما القراض، فقد وضح القول فيه، والمساقاة صحيحة، وقد عبرنا عن تصويرها، وسيأتي تفصيل أركانها، إن شاء الله عز وجل.
والمزارعة، والمخابرة عقدان فاسدان. أما المزارعة فهي أن يعامل مالك الأرض رجلاً على أن يزرعها ببذرٍ لرب الأرض، وللعامل بعض ما يخرج منها، وهي استئجار الزراع ببعض يخرج من الزرع، فالمعاملة فاسدة.
والمخابرة أن يدفع الأرض إليه ليزرعها ببذر نفسه على جزء من الزرع يشرطه المالك للأرض. والعبارة عن المخابرة إنها استئجار الأرض ببعض ما يخرج منها.
قال الشافعي رضي الله عنه: لم نردّ إحدى سنتيه بالأخرى. أشار إلى أن القياسَ التسويةُ بين المساقاة والمزارعة في الجواز والمنع، ولكن السنة فرقت بينهما ووردت بتجويز المساقاة وبالمنع من المخابرة. روي عن ابن عمر رضي الله عنه قال: كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك بأساً، حتى ورد علينا رافعُ بنُ خَديج فأخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة فتركناها بقول رافع. واستدل بعض الفقهاء بهذا الحديث على أن الأمر لا يلزم المأمور قبل اتصال الأمر به.
فهذا صورة هذه العقود.
4988- ثم قال العلماء: المساقاة تنزع إلى عقود، وتشبهها في أحكام: هي شبيهة بالسَّلَم، من حيث إن العامل يلتزم العمل في الذمة، ولا تبطل بموت العامل، وتشبه بيعَ العين الغائبة؛ إذ لا يجب فيها تسليم العوض في المجلس، بل لا سبيل إلى ذلك؛ فإن عوض العمل جزء من الثمار التي سيخلقها الله تعالى، وهي شبيهة بالإجارات؛ إذ المقصود منها العمل، وهي على الجملة معاملةٌ مستقلة بنفسها، ذاتُ خاصية، كما سيأتي شرح أحكامها، إن شاء الله تعالى.
ثم الكلام في ذكرها، وتمهيد قضاياها الجُملية يتعلق بفصول: منها في ذكر محلها، ومنها في ذكر وقتها، ومنها في ذكر أركانها في نفسها.
4989- فأما محلها، فلا خلاف أنها تصح في النخيل والكروم، واختلف قول الشافعي في أنها هل تجري في غير النخيل والكروم من الأشجار؟ ففي المسالة قولان مشهوران:
أحدهما: أنها تختص؛ فنها معاملة غيرُ مُنْقاسة، وقد ورد الشرع بها في النخيل، واتفق العلماء على أن الكروم في معنى النخيل، كما اتفقوا على أن الأَمَة في معنى العبد في قوله صلى الله عليه وسلم: «من أعتق شِركاً له من عبد قُوّم عليه».
والقول الثاني- أنها تصح على جميع الأشجار المثمرة؛ فإن مبنى المعاملة على مسيس الحاجة؛ إذْ مُلاك الأشجار يعجزون عن القيام بتعهد الأشجار، فأثبت الشارع هذه المعاملة، وأثبت حقَّ العامل في جزء من الثمار، حتى يحرص ويبذل المجهودَ في التعهد، والتفقّد، كما ذكرناه في عامل القراض، وهذا المعنى يعم الأشجار.
وقد رأى بعضُ أصحابنا بناءَ القولين على أن الخرصَ هل يجري فيما عدا النخيل والكروم، وسنذكر الخرص وأثره في هذه المعاملة.
فإن فرعنا على قول الاختصاص، فقد ذكر الشيخ أبو علي وجهين في شجر المُقل وسبب ذلك أنها شديدة الشبه بالنخيل، وثمرتها بارزة بروز العناقيد.
وإن قلنا بتصحيح المساقاة على سائر الأشجار المثمرة، فقد ذكر الشيخ أبو علي على هذا القول وجهين في شجر الخِلاف، وشجر الفرصاد، أما شجر الخلاف، فرَيْعُها أغصانُها تُقطع، ثم تُخلف، وأما شجرُ الفرصاد، فالمقصود منها الأوراق، ووجه التردد أن الأشجار المثمرة على حالٍ يقرب من النخيل والكروم.
وما لا يثمر، وإن كان يستفاد منه الأغصان والأوراق، يبعد بعداً ظاهراً.
ولا خلاف في منع المعاملة على البقول التي تبقى أصولُها في الأرض فتخلف على تردد الجزّ، وليست الجَزَّاتُ منها كأغصان الخلاف، وأوراق الفرصاد.
هذا تفصيل القول فيما يصح إيرادُ هذه المعاملةِ عليه.
4990- فأما الكلام في الوقت الذي تُبْتدأ فيه هذه المعاملة:
إذا جرت المساقاة قبل ظهور الثمر، صحت، وكانت مصادِفةً وقت الوفاق.
فلو خرجت الثمرةُ، ولكن لم يبدُ الصلاحُ فيها بعدُ، ففي صحة المساقاة بعد خروج الثمار قبل بدوّ الصلاح قولان: المنصوص عليه في الجديد أنها صحيحة، والمنصوص عليه في القديم أن المساقاة فاسدة.
التوجيه: من قال بالفساد، احتج بأن الثمار حدثت ملكاً لرب الأشجار، فإثبات
المعاملة يتضمن ربطَ استحقاق العامل بملكٍ حاضر لرب الأشجار، وهذا يناقض موضوع المعاملة؛ فإن مبناها على تعليق استحقاق العامل بما سيكون، فالثمار في الأشجار بمثابة الربح في معاملة القراض.
ومن قال بالصحة، قال: المقصود العمل على النخيل بما يُصلح ثمارها، وكُثْرُ العمل باقٍ إذا لم يبدُ الصلاح بعدُ، وقال الشافعي في الجديد: إذا صحت المساقاة قبل وجود الثمار، فهي بعد وجودها أَجْوَزُ، وعن الغرر أبعد.
وحقيقة القولين تؤول إلى أنا في قولٍ نشترط أن يكون حدوث الثمار على الحقَّيْن، وإنما يتحقق هذا إذا جرت المساقاة قبل حدوثها.
وفي القول الثاني لا يشترط هذا، وإنما يُنظر إلى بقاء وقت العمل.
وما ذكرناه فيه إذا جرت المساقاة بعد وجود الثمار، قبل بُدوّ الصلاح، وأما إذا بدا الصلاح في الثمار، فيترتب ذلك على ما قبل بدوّ الصلاح؛ فإن منعنا المساقاة قبل بدو الصلاح، فلأن نمنعها بعد بدوّ الصلاح أولى.
وإن جوزناها قبل بدوّ الصلاح، ففي جواز إنشائها بعد بدوّ الصلاح وجهان:
أحدهما: أن المساقاة لا تصح؛ لأن معظم الأعمال على الأشجار تكون فائتة في هذا الوقت.
ولا خلاف أن الثمار إذا دنا قطافُها، لم يجز ابتداء المساقاة.
4991- والمعنى المعتبر في الباب أنا على القول القديم نشترط أن يكون وجود الثمار بعد لزوم المعاملة، لتوجد وتحدث على الحقّيْن. وفي القول الجديد نعتبر العمل، ثم ذكرنا مرتبتين إحداهما قبل بدو الصلاح، والأخرى بعد بدوّ الصلاح، ثم جوزنا إنشاء المساقاة قبل بدو الصلاح، لبقاء معظم العمل، وذكرنا خلافاً على القول الجديد بعد بدوّ الصلاح، لفوات معظم الأعمال، والمرعي في القول الجديد العملُ وبقاءُ مدته. ثم يُشترط أن يبقى عملٌ له أثر في الثمار، فإن بقي إلى الإرطاب وأوان القطاف أيامٌ لكن لو فرض عمل فيها لم تتأثر الثمار بها، فلا يصح ابتداء المساقاة، والحالة هذه.
ولا ينظر إلى انتفاع الأشجار وتأثيرها بتلك الأعمال، وإنما ينظر إلى تأثر الثمار.
فليفهم الناظر ذلك.
فإن قيل: لم تذكروا في المراتب التي نظمتموها التأبير في الثمار؟ قلنا: لا أثر للتأبير في الحكم الذي نبغيه، وإنما الأثر لبدوّ الصلاح وعدم بدوّه، وتأثيرُ التأبير في الخروج عن تبعية الأشجار في البيع المطلق.
هذا تمام البيان في الأوقات التي تُنشأ فيها المساقاة، مع ذكر الخلاف والوفاق في النفي والإثبات.
4992- فإذا نجز ذلك، فالقول بعده في أركان المساقاة، فنقول:
المساقاة مضاهية للقراض في المقصود، والتعلق بالمفقود، واحتمال الجهالة في العوض.
وبيان ذلك: أن القراض مقصودُه حملُ عاملٍ على الاسترباح؛ إذْ قد لا يحسنه ملاكُ الأموال ثم تعلّق القراض بالفائدة المنتظرة، كذلك مقصودُ المساقاة قيامُ من يحسن العملَ على الأشجار به؛ إذْ يغلب في النالس عدمُ الدراية بكيفية العمل على الأشجار، وجهة الاستثمار، ثم تعلق غرضُ العامل بالفائدة التي ستظهر، أو ستكمُل، كما مضى تفصيل ذلك، ثم يستحق العامل جزءاً من الثمار، وهي غيب أصلاً، وقدراً، كالأرباح في معاملة القراض. هذا وجه تشابه المعاملتين.
ثم المساقاة تمتاز عن المقارضة بأمرين متقاربين:
أحدهما: أن التأقيت شرطٌ في المساقاة، كما سنفصله، ووضعُ القراض على الإطلاق، وقد يكون التأقيت مفسداً له، على التفصيل الذي مضى، هذا أحد الوجهين.
والوجه الثاني- أن المساقاة معاملةٌ لازمةٌ، إذا عُقدت، وتمت، لم يتخير المالك، ولا العامل في الانفراد بالفسخ. والمقارضةُ جائزةٌ، وسبب الفرق بينهما في التأقيت والإطلاق، أن الأعمالَ المقصودةَ المؤثرةَ في الثمار مضبوطةٌ في الأوقات، يعرفها الدهاقنة، وأهل الخبرة. وإذا كانت متأقتةً فتأقيتها في العقد إعلامٌ مطابق لمقصود العقد، فكان مرعيّاً.
والأمر في الأرباح على الضِّد من ذلك؛ فإنه ليس لتحصيل الأرباح وقتٌ يتخيّر يُطلب إعلامه، فاقتضى ذلك الإطلاقَ في العقد.
ومن هذا المنشأ أخذنا افتراق المعاملتين في اللزوم والجواز؛ فإن القراض إذا استرسل على الزمان، فلو اتّصَف باللزوم، لكان عقداً مؤبداً، لا محيص عنه، وهذا غير محتملٍ في المعاملات، وإنما احتمله الشرع في النكاح؛ لأن مصالحه تتعلق باللزوم والدوام، ثم الشارعُ أثبت فيه حلاً للملك متعلقاً بمقصود صاحب الحق، وهو الطلاق.
ولما تأقتت المساقاةُ، لاق بها الحكم باللزوم؛ فإنها إلى الانقضاء. هذا بيان وضع المساقاة.
4993- ثم نقول بعد ذلك: المساقاة تستدعي أركاناً: منها ضربُ المدة، ثم ذكر الإمام في مدة المساقاة اختلافاً بين الأصحاب، فقال: منهم قال: ينبغي أن تكون مدة المساقاة كمدة الإجارة، فليقع تقديرها بالسنين والأشهر والأيام، كما تقدّر مُدد الإجارات، والآجال في البياعات، وهذا القائل لا يصحح المساقاة بذكر سنة إدراك الثمار؛ فإنّ الوقت في ذلك يتفاوت، فقد يستأخر إدراكُ الثمار لبرد الهواء، وكثرة الأنداء، وقد يتقدم إدراكها بنقيض ذلك، فالإحالة على مذة الإدراك إحالةٌ على مجهول.
والوجه الثاني- أنه لا يشترط في المساقاة ضربُ مدة الإجارة، ولكن لو ضُربت فيها مدة الإدراك، كفى، وذلك بأن يقول: ساقيتك لتعمل إلى صرام النخيل، وذلك أنّ الغرض من المعاملة تحصيلُ هذا المقصود، والسعيُ في تتمته، وهذا يحصل بما ذكرناه. ثم هذا القائل لا يمنع تأقيت المساقاة بمدة الإجارة، ولكن يشترط ضربَ مدة يجري فيها إدراكُ الثمار لا محالة، إن لم تفسدها الجوائح.
ثم إن شرطنا الإعلامَ بالسنة والشهور، كما في الإجارة والأجل، فلا كلام، وإن صححنا هذه المعاملة بناءً على إدراك الثمار، فلو قال رب الأشجار: ساقيتك سنةً، والتفريع على أن المعاملة تكتفي بسنة الإدراك. فالسنة المطلقةُ محمولةٌ على ماذا؟ فعلى وجهين:
أحدهما: أنها محمولة على السنة العربية.
والثاني: أنها محمولة على سنة الإدراك.
وسيكون لنا التفات على تفريع الوقت مرة أخرى، إذا خُضْنا في بيان الأعمال المطلوبة من العامل المساقَى.
هذا مقدار غرضنا الآن في ذكر المدة.
4994- ولو اختار مالكُ الأشجار طريقَ الاستئجار على الأعمال، جاز؛ إذا كانت الأعمالُ معلومةً، ويتعين إذ ذاك الإعلامُ بمدة الإجارة، وليكن الأجرُ من غير الثمار إذا أنشئت المعاملةُ على صيغة الإجارة وحقيقتها. ولو قال: استأجرتُك، وذكر إعلاماً في المدة يصلح للبابَيْن، ولكنه أثبت للعامل جزءاً من الثمار، فالمذهب فساد الإجارة. ومن أصحابنا من قال: لا ننظر إلى اللفظ وننظر إلى المعنى، ولا يبعد استعمال لفظ الإجارة في معاملة المساقاة. وقد قدمنا لذلك نظائر. وسنعود إلى هذا، إن شاء الله.
وقد انقضى الآن ما نطلبه في هذا الركن، وهو التعرض لإعلام المدة.
4995- ومن أركان المعاملة ربطُها بجزءٍ من الثمار، كما ذكرناه في المقارضة، فإن وقع التوافق على غير الثمار، بأن سمى له دراهمَ معلومةً، أوْ ما في معناها، فقد خرجت المعاملةُ عن وضعها، والنظرُ بعد ذلك في استجماع ما جرى لشرائط الاستئجار.
ولو أراد عقد الإجارة بلفظ المساقاة، ففيه التردد الذي ذكرناه في عقد المساقاة بلفظ الإجارة.
فإذا تبين أن المساقاة تتعلق بجزءٍ من الثمار، فلابد من إعلامٍ بالجزئية، كما قدمناه في إعلام جزئية الربح في القراض، ويفسد إعلامُ الجزئية باستثناءٍ مُقَدَّرٍ منها، كما يفسد القراض بمثل ذلك، حتى لو قال رب الأشجار: صاعٌ من الثمار لي، والباقي منها مقسوم بيننا نصفين، أو ثلثاً وثلثين، أو على ما يتفقان عليه، فهذا باطل؛ فإن الثمار مغيبةٌ، فربما لا يوجد أكثر من صاع، فيكون هذا بمثابة ما لو شرط أن يكون كلُّ الثمار له، وهذا ممتنع، كنظيره من القراض.
ولو شرط جملة الثمار للعامل، ولم يستبق لنفسه شيئاً، فالمعاملة فاسدةٌ أيضاً.
وتفترق المساقاة والقراض عند إضافة جملة الثمار إلى إحدى الجهتين على الوجه الذي ذكرناه في القراض.
فإن قيل: إن كان لا يظهر في القراض غرض مالي في صرف جميع الربح إلى العامل، ويفسد القراض لأجله، فقد يقصد ربُّ الأشجار تنمية الأشجار، ويرى أن يجعل الثمار في المدة في مقابلة الأعمال المنمِّية للأشجار.
قلنا: لسنا ننكر كَوْنَ ذلك مقصوداً في مطرد العرف، ولكن الشرعَ وضع هذه المعاملةَ، واحتمل ما فيها من الجهالة لتحصيل الثمار، ولهذا تكون أعمالُ المساقَى مؤثرةً في تنمية الثمار، وليس عليه كلُّ عمل يفرض ويقدَّر في البستان، وإنما يمتاز عمله بما ذكرناه من تأثيره في الثمار، على ما سنصف ذلك من بعدُ، إن شاء الله.
وبالجملة كل معاملة تشتمل على جهالة، وقد ظهر احتمال الشرع لها، فهي مخصوصة بمورد الشريعة لا تتعداه. وقد نجز بيان هذا الركن.
4996- ومما يتعلق بهذه المعاملةِ على مناظرة القراض، القولُ في انفراد العامل باليد، وامتناعِ مداخلة المالك، وهذا يأتي مستقصىً في أثناء الكتاب بما فيه من وفاقٍ وخلافٍ، و عند ذلك نذكر ما لو شرط ربُّ الأشجار أن يعمل مع المساقَى غلامُ المالك.
4996/م- ولسنا نذكر ما يُشترط في المساقاة، وفي غيرها من المعاملات، كالإيجاب والقبول ونحوه. وإنما نشير إلى جمل القول في خصائصها.
ومما يتعين ذكره في هذا المنتهى: أنه لو لم يذكر لفظَ المساقاة، وذكر مقصودَها، فلا بأس، مثل أن يقول: خذ هذه النخيل، واعمل فيها كذا وكذا، ولك الثلث من ثمارها، فالمعاملة تصح بهذه الصيغة، كما تصح المقارضة بمثلها.
قال القاضي: "قد ذكرنا أن مقصود القراض إذا ذكر على هذه الصيغة، فلا حاجة إلى قبول العامل لفظاً، وليس الأمر كذلك في المساقاة؛ فإن القبول لابد منه هاهنا؛ إذ المساقاة معاملة لازمة، فيبعد ثبوتُها على اللزوم من غير التزام بالقبول، وليس كذلك القراض؛ فإنه من المعاملات الجائزة، فناظر التوكيلَ بالبيع، والأمرَ به".
وهذا الذي ذكره في المساقاة صحيح، لا كلام فيه، وما قدمه في القراض، فليس هو مساعداً عليه، وقد أوضحنا في ذلك ما يُقنع ويكفي.
فهذا آخر غرضنا من عقد الجُمل في وصف المعاملة، وذكر تراجم أركانها.
4997- والذي يليق بهذا المنتهى ذكرُ الخَرْص، وقد قدمنا في كتاب الزكاة جريانَ الخرص على الملاك لحقوق المساكين، وذكرنا اختلافَ القول في أن الخرص عبرةٌ فيها، أو تضمين، وفرَّعنا على كل قول ما يليق به. ولو رام ربُّ الأشجار أن يخرص الثمارَ على العامل، فهل للخرص أثر في ذلك؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: لا أثر له، وإنما وقع الحكم به في الزكاة توقيفاً، وإلا فهو تخمين، وحدسٌ، ورجمُ ظنٍّ.
ومن أصحابنا من قال: يثبت حكم الخرص هاهنا، كما يثبت في حقوق المساكين. وهذا القائل احتج بحديث عبد الله بن رواحة؛ فإنه خرص على أهل خيبر ثمار النخيل، ولا يمكن حملُ خَرصه على حقوق المساكين، فإنهم ما كانوا ملاك الثمار، والخرصُ في الزكاة على ملاك الثمار، لا على العاملين فيها.
ومن أصحابنا من قال: إنما جرى ذلك الخرص؛ لأن المعاملة كانت مع الكفار، ونحن قد نحتمل في المعاملة مع المشركين، ما لا نحتمله في المعاملة مع غيرهم.
وهذا غيرُ سديد، فإنا إنما نفرق بين المسلم وبين الكافر فيما يتعلق بالموادعة، والعهود، والمواثيق، فأما المعاملات الخاصة المتعلقة بالأموال، فلا ينبغي أن يقع فيها فرقٌ بين المسلم والمشرك.
ثم من أصحابنا من خرّج القولين في جواز المساقاة على ما عدا الكروم والنخيل من الأشجار على القولين في أن الخرص هل يجري في هذه المعاملة؟ وذلك لأن الخرص لا يتأتى فيما عدا النخيل والكروم، فإن ثمار النخيل والكروم عناقيدُ متدلّيةٌ بارزةٌ للناظرين، فيتأتى خرصُها، وما عداها من الثمار مستترٌ بالأوراق فيعسرُ الاطلاع عليها. وهذا البناءُ فيه نظر، لأنا وإن أثبتنا للخرص أثراً إذا جرى، فلا يُشترط إجراؤه في هذه المعاملة على ما سنعيد ذكره، إن شاء الله عز وجل- فلا معنى لأخذ اختلاف القول في جواز المساقاة من هذا المأخذ.
قال: "وإذا ساقى على نخلٍ، وكان فيه بياضٌ... إلى آخره".
4998- قد ذكرنا فيما قدمنا فسادَ المزارعة، والمخابرة، إذا جُرّدَ القصدُ إليهما، وأُفردا، وهذا الفصلُ معقودٌ في الأراضي التي تكون في ظلّ النخيل، ويعتاد أربابُها زراعتَها، ثم سقيها مع النخيل.
فإذا كانت بحيث لا يتوصل إلى سقي النخيل إلا بسقيها؛ وإلى العمل على النخيل إلا بالعمل عليها، فيجوز على الجملة المزارعةُ عليها تبعاً للنخيل في المساقاة.
والأصل في ذلك ما روّيناه أن النبي صلى الله عليه وسلم " ساقى أهل خيبر على أن لهم نصفَ الثمر والزرع". وهذا نص في هذا المقصود، والحاجة ماسة من طريق المعنى إلى تجويز هذه المزارعة، ولو منعناها، لتعطلت تلك الأرأضي إذا لم تزرع، وإن كان يزرعها المالك يتعطل عمل المساقَى عليها، ويقع مجاناً؛ إذ لا يتوصل إلى العمل على النخيل إلا بالعمل عليها، وقد يجوز الشيء تبعاً، وإن كان يمتنع ثبوتُه مقصوداً متبوعاً، وهذا كالحمل في البطن يتعلق به استحقاقُ المشتري إذا أشترى الأصلَ، ولا يتأتى فرض تملكه على الابتداء، والثمرة قبل التَّأْبير تتبعُ الشجرةَ في مطلق البيع، وقد لا يجوز بيعُها وحدها، وكذلك تتبع الثمارُ الأشجارَ بعد الظهور قبل بدوّ الصلاح في أن لا يشترط القطع فيها إذا بيعت مع الأشجار، ولو بيعت وحدها قبل بُدوّ الصلاح، فلابد من شرط القطع، ونظائرُ ذلك كثير.
فإذا تمهد هذا الأصلُ، ووضح أن المزارعة إذا صححناها؛ فإنّا نصححها على طريق التبعية للنخيل، فلو عامل المساقَى على النخيل، وعامل غيرَه على الأراضي التي في خللها، فالمزارعة على تيك الأراضي فاسدة؛ لأنها أثبتت مقصودة مع عامل منفرد، وفيه خبطٌ آخر؛ فإن من ينفرد بقبول المزارعة لو عمل على تلك الأراضي، لعمل على النخيل، والمساقَى لو عمل على النخيل، لعمل عليها، فلا يتأتى انفصال الأمر في ذلك.
ولو أدرج المزارعة والمساقاة تحت عبارةٍ، واتَّحد العاملُ، ولم يتفاوت المقدار المشروط من الزرع والثمرة، فهذا هو الذي يصح وفاقاً، وهو أن يقول: عاملتك على النخيل والأراضي التي في خللها على أن لك النصف من الثمر والزرع، فهذا جائز لما ذكرناه.
4999- فلو اتحد العامل والمالك، ولكنه أفرد المزارعة على الأراضي بعقد، وأفرد المساقاة على النخيل بعقد، فحاصل ما ذكره الأصحاب في ذلك ثلاثة أوجه:
أحدها: أن المزارعة فاسدة؛ لأنها أُفردت مقصودةً بالعقد وأُخرجت عن حقيقة التبعية، وهذا هو الأقيس.
والوجه الثاني- أنها تصح؛ فإن العامل إذا اتحد، ولم يؤد إلى اختلاط العمل، فالمقصود حاصل، ولا أثر للإفراد والجمع.
والوجه الثالث: وهو أعدل الوجوه- أن المساقاةَ إذا تقدمت، وثبتت المزارعةُ بعدها، فنحكم بصحتها؛ فإنها تدخل على المساقاة، وتلحقها لحوقَ التابع المتبوعَ.
فإذا تقدمت المزارعة، لم تصح؛ فإنها أُثبتت متبوعةً مقصودةً على سبيل الاستفتاح.
ويشهد لهذا أن من باع الأشجار وعليها ثمارٌ مؤبرة، فالثمار تبقى لبائع الأشجار، فلو باع الثمارَ بعد بَيعْ الأشجار من مشتري الأشجار، ففي اشتراط القطع خلاف ذكرناه في كتاب البيع. ولو باع منه الثمار أولاً، ولم يشترط القطعَ، وهي غيرُ مزهية، فلو باع الأشجار ممن اشترى تلك الثمار، فبيعُ الثمار مقر على حكم البطلان.
ثم من يرى تصحيح المزارعة وإن تقدمت، فيضطر فيها إلى تقدير الوقف والتبيّن؛ فإنه لو فرض الاقتصارُ على المزارعة، فهي فاسدةٌ لا شك فيه، فكأن المساقاة بعدها تُبيِّن صحتها. وهذا فيه بُعد، ولكن أشار إليه الشيخ أبو علي.
ولو كان لهذا الوجه صحةٌ وثبوتٌ، فلابد من طرده في مسالة بيع الثمار إذا تقدم واستأخر عنه بيع الأشجار.
5000- ومما نفرّعه في ذلك أنه لو قال المالك: زارعتك على هذه الأراضي بالنصف، وساقيتُك على النخيل بالنصف، وقدّم لَفْظَيْه على النسق الذي ذكرناه، على قبول العامل. ثم قال العامل: قبلتهما، فللأصحاب طريقان: منهم من ألحق ذلك بمحل الصحة وجهاً واحداً.
ومنهم من ذكر في هذه الصورة، اختلافاً، لتمييز المزارعة في الذكر عن المساقاة، ثم يُرتِّب هذا القائلُ هذا الخلافَ على ما لو أفرد كل واحد منهما بعقدٍ، وقبولٍ، على حكم التمييز.
وقد قال القاضي: "لو قال: زارعتك على هذه الأراضي، وساقيتك على النخيل بالنصف، فهذا يصح وجهاً واحدأ، وإن تعدّدت العبارة عن مقصود الأراضي والنخيل؛ إذا كان ذكرُ الجزئية بعدهما راجعةً إليهما. ومسألة التردد فيه إذا ذُكر جزئيةُ المزارعة، ثم ذُكر المساقاة وجزئيتُها، ثم ذكر القبول بعد ذلك".
وهذا الذي ذكره صحيح، فلا يشترط في تصوير الوفاق أن نذكر عبارةً واحدةً صالحةً لهما، مثل أن يقول: عاملتك، أو ما جرى هذا المجرى.
ولو جمع بين الأراضي والنخيل في العقد واللفظ، ولكنه غاير بين الجزئين فقال: ساقيتك على هذه النخيل، وزارعتك على هذه الأراضي على أن لك من الثمر النصفَ، ومن الزرع الثلث، فقد اختلف أصحابنا: فمنهم مَنْ صحح ذلك، لاتحاد العقد والعاقد، وجريان التبعية. ومنهم من لم يصحح المزارعةَ؛ لأنها ميزت على الصيغة المغايرة عن النخيل، وأفردت بقسطٍ وجزء، فكان ذلك خارماً للتبعية.
ثم لا يخفَى أن الخلاف في ذلك يترتب على الخلاف فيه إذا أُفردت المزارعة بعقدٍ تقديماً أو تأخيراً، ولا يشكل وجه الترتيب.
و كل ما ذكرناه فيه إذا جرت المزارعة على الأرض، مع المساقاة في النخيل، واتحد العامل.
وقد قدمنا صورة المزارعة، وأوضحنا أن البذر فيها يكون من جهة مالك الأرض، والعمل من الزراع.
5001- فلو ساقى المالك رجلاً على النخيل وخابره على الأراضي المتخللة.
والمخابرة أن يكون البذر من العامل، ويقع شرط جزء من الزرع لمالك الأرض عوضاً عن منفعة أرضه.
فلو جرت هذه المعاملة في الأراضي في ضمن المساقاة على النخيل، ففي المسألة وجهان ذكرهما الشيخ أبو علي:
أحدهما: أن المخابرة صحيحة لمعنى التبعية؛ فإنها في معنى المزارعة، وكل واحدة منهما باطلة لو أفردت.
والوجه الثاني- أن المخابرةَ فاسدة؛ لأنها لا تُضاهي المساقاة؛ من جهة أن وضع المساقاة على شرط شيء من الثمار للعامل، والأصل أن تكون الثمار لمالك الأشجار، والمزارعة في معناها؛ فإن الغلّة تبعُ البذر، فالأصل أن تكون الغلةُ بكمالها للمزارع، فإذا شُرط جزء منها للعامل؛ فإن ذلك كشرط جزء من الثمار للعامل؛ وليس كذلك المخابرة؛ فإن البذر فيها من العامل، والأصل أن تكون الغلة له.
وكل هذه المسائل تدور على التبعية، ومراعاتها.
وكل ما ذكرناه فيه إذا كانت الأراضي بحيث لا يتأتى إفرادها بالسقي والعمل دون النخيل، وكانت مع ذلك قليلةً، لا يجرّد القصدُ إلى إفرادها.
5002- فأما إذا كانت تلك الأراضي كثيرة، وكان يمكن إفرادُها بالعمل فيها، فلا تجوز المزارعة عليها مع النخيل، وإن احتوى عليها حائط واحد.
ولو كثرت الأراضي، ولكنها كانت لا تفرد بالعمل، ولا يتأتَّى إفرادها، ففي المسألة وجهان:
أحدهما: أن المزارعة فاسدة؛ لأنها بكثرتها يمتنع تقديرها تبعاً.
والثاني: وهو الأصح- أن المزارعة تصح؛ فإنها تابعة في العمل؛ من جهة أنه لا يتأتَّى إفرادُها بالعمل عليها.
ثم اختلف أئمتنا المعتبرون في ذلك: فمنهم من اعتبر كثرة الأراضي، وقال: إن كانت أكثر من مغارس النخيل، أو كانت مثلَها، فتقع في الخلاف، وإن كانت أقلَّ من النخيل، فالتبعية ثابتةٌ والمزارعة صحيحة، على شرط التبعية.
ومن أئمتنا من راعى الرَّيْعَ، وقال: إن كان ريْعُ النخيل أكثرَ فالأراضي تابعةٌ، وإن كان ريعُ الأراضي أكثرَ، أو كان مماثلاً، فلا تبعية.
وبالجملة كل ما ذكرناه فيه، إذا كان لا يتأتى إفراد الأراضي بالعمل فيها دون النخيل، فإن كان يتأتى ذلك، فلا وجه لتصحيح المزارعة أصلاً. هكذا ذكره الأئمة رضي الله عنهم.
فصل:
قال: "ولا تجوز المساقاة إلا على جزء معلوم... إلى آخره".
5003- الثمار في المساقاة بمثابة الربح في القراض، وعوض العامل في المعاملتين جزءٌ من الفائدة الحاصلة بأثر عمل العامل، ثم سبيل الإعلام الجزئية، وقد ذكرنا تفاصيلها في القراض.
وجُملة تلك المسائل في هذا الفن تعود هاهنا: فإذا قال المالك للعامل: لك نصف الثمار ولي نصفُها، صحَّ ذلك. ولو قال: لي نصف الثمار، وسكت عن النصف الثاني، أو قال: لك نصف الثمار، وسكت عن إضافة النصف الثاني إلى نفسه، فالخلاف في ذلك كالخلاف في نظيره من القراض.
ولو سمى للعامل في مقابلة عمله ثمرة نخلة، أو نخلات، فالمساقاة فاسدةٌ؛ لأن تيك إن لم تُثمر، تجرّد عملُه على باقي النخيل عن مقابل، وإن أثمرت، ولم يثمر غيرُها، فلا يَسْلَمُ لرب النخيل شيء، وهذه المعاملة لا يجوز أن يعدل عن موضوعها.
ولو شرط للعامل صاعاً، ثم جعل الباقي نصفين، أو شرط لنفسه صاعاً، فذلك فاسد، كنظيره من القراض. وكذلك لو شرط أن تكون الثمار نصفين، ثم إنّ أحدهما يردُّ على الآخر صاعاً، فيفسد؛ إذ قد لا يكون النصف إلا صاعاً، وهو بمثابة ما لو شرط لصاحبه صاعاً، ثم قدّر القسمة بعده.
وكل هذه الفصول متكررة، اكتفينا بالرمز إليها.
5004- والذي يجب الاعتناء بدَرْكه: أن شرط جميع الثمار للعامل فاسدٌ مفسد للمعاملة، وكان لا يمتنع من طريق المعنى تجويز ذلك اكتفاءً من مالك الأشجار بتنميتها، وقد يقع هذا غرضاً في أوّل نماء الأشجار الحديثة، المحتاجة إلى التعهد، ولكن لا يسوغ هذا، كما لا يسوغ شرطُ تمام الربح للعامل.
ومبنى المعاملةِ على تمليك حق المالك في اقتضاء ملك الثمرة لمالك الأشجار، وصرف شيء منه إلى العامل، والغرضُ من صرف شيء إليه أن يسعى في تكثيره، بناءً على أن ما يبقى للمالك عند عمل العامل أكثرُ من كل الثمرة لو لم يكن عمل.
هذا هو المفهوم من وضع هذه المعاملة.
وقال القاضي في أثناء هذه المسائل: "لو باع نصفاً من صُبرة، وصاعاً من النصف الآخر، لم يجز؛ لأنه لم يمحض الجزئية".
وهذا لستُ أراه كذلك؛ فإن هذا التفريع إنما يحسن إذا جوزنا بيع صاع من صُبرة مجهولة الصيعان، وفيه خلافٌ، ذكرناه؛ فإن جوزنا هذا، فبَيعُ النصف من الصُّبرة المجهولة جائزٌ؛ فيقع النصفُ الثاني كصُبرة مجهولةٍ، بيع صاعٌ منها، ولا يجوز غير هذا.
فصل:
قال: "ولو دخل في النخيل على الإجارة... إلى آخره".
5005- هذه المعاملة تنعقد بلفظ المساقاة وهو خِصِّيصٌ بها، نصٌّ فيها، ولو لم يأت بها، وذكر المعاملةَ، صح العقدُ، ولابد من القبول.
ولو قال: خذ هذه النخيل، واسقها، وتعهدها، واعمل فيها كذا وكذا، على أن ما رزق الله من الثمار، فهو بيننا نصفان، جاز هذا.
ولا بدّ من القبول باتفاق الأئمة، بخلاف نظيره في القراض؛ فانا ذكرنا فيه تردداً.
والفارق أن المساقاة لازمة، فلابد فيها من التزام، وإنما يحصل الالتزام بالقبول، والقراض جائزٌ، فضاهى الوكالة. وقد مضى هذا.
ثم إن قال: خذ، فلابد من شرحٍ للأعمال التي تستحق على العامل، على تفصيلها.
وإن قال: ساقيتك، كفى أن يذكر جزئية الثمار، ويقبل العامل، ولا حاجة إلى تفصيل الأعمال؛ فإنها بيّنة في موضوع العقد، كما سنشرحها.
ولو قال: عاملتك على هذه النخيل، ففي اشتراط تفصيل الأعمال تردد واحتمال.
ولو قال: استأجرتك لتعمل في هذه النخيل، ولك النصف من ثمارها، لم يصح ذلك أصلاً قبل بُدوّ الثمار.
5006- فإن قيل: هلاّ صححتم المساقاة بلفظ الإجارة، والإجارةُ موضوعة لاستحقاق المنافع، وفي المساقاة استحقاق المنافع؟ قلنا: الإجارةُ صريحةٌ في بابها، وهي ممكنةٌ فيما نحن فيه، وكل لفظٍ صريحٍ استعمل في مكان إمكان استعماله، لم يجز أن يُصرف بالنية إلى غيره، كالطلاق لا يصرف إلى الظهار، والظهار لا يصرف إلى الطلاق.
فإذا كانت المساقاة لا تصح بلفظ الإجارة، والإجارةُ تستدعي عوضاً معلوماً مَوْجوداً، أو ملتزماً في الذمة. ولو استأجر إنساناً ليعمل عملاً في غير البستان، وجعل أجرته جزءاً من ثمرة البستان، فالإجارة فاسدة، لا شك في فسادها، فالاستئجار على العمل على النخيل بهذه المثابة.
هذا إذا جرت لفظة الإجارة، والثمار معدومة، فإن كانت موجودةً، فاستأجره على أعمالٍ معلومةٍ ببعضٍ من تلك الثمار، لم يخلُ إما أن يكون ذلك قبل بدوّ الصلاح، وإما أن يكون بعد بدوّ الصلاح. فإن كان قبل البدوّ، لم يصح؛ لأن بيع الثمار قبل البدوّ مشروط بشرط القطع، ولا يتأتى القطع في جزءٍ مشاعٍ. وإن فُرض استئصال الثمار بالقطع، تضمّن تقرير العقد على البعفقطعَ ما ليس معقوداً عليه، وهذا فاسد غير محتمل.
وإن بدا الصلاح، فاستأجره على أعمالٍ، وجعل أجرته نصف الثمار، صحت الإجارة، ويحمل الأمر على التبقية إلى أوان الجداد.
وإن استأجره ليعمل على النخيل أعمالاً بيّنها، وأعلمها، وشرط أجرته ثمرةَ نخلة أو نخلات بعينها، فإن لم تكن الثمار خارجةً، لم تصح الإجارة، وإن خرجت، فإن كان قبل بدوّ الصلاح، جاز بشرط القطع، وإن كان بعده، جاز مطلقاً.
والأجرةُ في الإجارة حكمها حكم العوض في البيع في كل تفصيل.
فصل:
قال: "وكل ما كان فيه مستزاذٌ في الثمرة... إلى آخره".
5007- مقصود الفصل بيان ما على العامل من الأعمال، ونحن نفصلها، ثم نعود، فنضبطها من جهة المعنى على أقصى الإمكان، إن شاء الله.
فعلى العامل السقي وتنقية الأنهار مما فيها لسَوْق الماء، وعليه كنسُ الآبار من الحمأة، وتصريفُ الجريد، وتأبيرُ النخيل، وقطعُ الحشيش المضرّ، وقد تمس الحاجة إلى تقليب الأرض في المغارس، وهو عليه أيضاً، وعليه الجِدادُ، ونقلُ الثمار إلى الجرين، وتجفيفُها. فهذه الأعمال على العامل.
5008- فأما ما يتعلق بإصلاح الحائط، وبناء الجدران، ونصب الأبواب، وشراء الدولاب، وحفرِ بئرٍ جديد، ونهرٍ، فهذه الفنون تجب على رب النخيل.
5009- والضبط فيما على العامل، أن ما يتعلق بتنمية الثمار، ولا يتأصل عمارةً في البستان ثابتةً، فهو على العامل، وما يتعلق بالعمارات الدائمة في البستان، فليس على العامل.
وعبّر بعضُ الأصحاب، فقال: ما تكرر في كل عامٍ، ولا يبقى أثره بعد مضي السنة، فهو الذي يلتزمه العامل، وما لا يتكرر في كل عام، ويبقى أثره بعد مضي السنة وخروج العامل عن العمل، فهو في جانب رب النخيل.
ونحن نعلم أن الأعمال المنمِّيةَ للثمار تؤثر أثراً ظاهراً في الأشجار؛ إذْ لو قُطع السقي في سنةٍ، لتأثرت الأشجار تأثراً بيّناً، وكذلك إذا تُرك تصريف الجريد عن النخيل تأثرت، والنخلة تُخْلِف كلّ سنة ضغثاً من السعف والجرائد، وتجف، ولو لم تقطع، لتضررت النخلة.
فإذا كنا نعلم ذلك، ونستيقن أن الأشجار تنتفع بأعمال العامل، فالوجه ما ذكرناه من تكرر العمل في كل سنة، فالواجب ما يؤثر في الثمرة، ويتكرر في كل سنة، ولا يثبت أثراً دائماً.
5010- وتردد أئمتنا في القيام بحفظ النخيل، فمنهم من قال: على العامل؛ فإنه مما تتأثر به الثمار بأن لا تسرق، وليس هو أمراً دائماً، فشابه السقي.
ومن أصحابنا من قال: ليس ذلك على العامل، وهو القياس؛ فإنه ليس عملاً ينمِّي الثمار بطباعه، وإنما هو حفظٌ عن اللصوص، لا يعدُّ من أعمال المُساقَى.
ولو حصل أدنى ثُلمةٍ في الحائط، وكان يهون ردْمها، فقد ردّد القاضي جوابه فيه أيضاً؛ فإنه من الأمر الهين، الذي لا يعد من الآثار المتخلّدة. والمسألة محتملة.
فلو قيل: قطعتم القولَ بأن القطاف على العامل، وليس القطاف منمِّياً للثمار.
قلنا: هو إصلاحٌ لها، وكذلك النقل إلى الجرين، والتجفيف.
ثم إن جرى العقد بلفظ المساقاة، فلا حاجة إلى تفصيل هذه الأعمال ذكراً؛ فإنها مقتضى المساقاة.
وظاهر نص الشافعي يوهم أنه لابد من ذكرها؛ لأنه قال في الأعمال: "جاز شرطها على العامل"، ولو كانت المساقاة مقتضيةً لها، لما كان لشرطها على العامل معنى، وقد رمز إلى هذا بعض الأصحاب، وصار إلى أن أعمال المساقاة مختلفة الأصناف، وقد يُفرض الذهول عن بعضها وتختلف عاداتُ أهل النواحي فيها، فالاقتصار على إطلاق لفظ المساقاة لا يفيد إعلامَنا. وهذا وإن أمكن توجيهه، فلا ينبغي أن يُعتدَّ به مذهباً إذا كان المذكورُ لفظَ المساقاة.
والوجه القطعُ بأن المساقاةَ تُغني عن تفصيل الأعمال، ولو فصلت مع هذا اللفظ لم يضر، وعليه يُحمل كلامُ الشافعي رضي الله عنه.
5011- ولو شرط مع الأعمال المستحقة في المعاملة ما ليس مستحقاً، كحفر بئرٍ جديدٍ، أو ما في معناه، فالمعاملة تفسد عندنا؛ فإن ما شرط لا يُستحَقُّ إلا بطريق الاستئجار، والاستئجار يستدعي عوضاً يليق بالإجارة، فإذا وقع الاقتصار على ذكر جزء من الثمار، لم يكن ذلك على وفق الاستئجار، فيبقى ذلك المزيد مشروطاً في العقد على حكم الفساد، فيفسد وتفسد، وأجاز مالك: أن يشترط في العقد كل ما كان من مصلحة الحائط. وهذا باطل.