فصل: الفصل الأول: فيمن يثبت له حق الرجوع:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



. الفصل الأول: فيمن يثبت له حق الرجوع:

5856- فأما القول فيمن يرجع، فحاصل ما ذكره الأصحاب أربعة أوجه:
أحدها: أن الرجوع يختص بالوالد إذا وَهَب من ولد صلبه، ولا يثبت للأم، ولا للأجداد والجدات.
ومعتمد هذا الوجهِ، ما مهدناه من خروج الرجوع عن القياس، ووجوب اتباع النص وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لواهبٍ أن يرجع فيما وهب إلا الوالد»، فخصص الرجوع بالوالد، فيجب اختصاصه به.
5857- والوجه الثاني- أن الأم تَشْرك الأبَ في الرجوع إذا وَهَبت؛ فإنها في معناه، والولد ولدهما، وانتسابه إلى الأب ظاهر، واتصاله بالأم من جهة الولادة مستيقنٌ.
ثم هذا القائل يقول: حق الرجوع لا يعدوهما إلى الأجداد والجدات، ووجه هذا الوجه أن الوالد يثبت حق الرجوع له بالنص، والتحقت الأم به التحاق الجارية بالعبد في قوله صلى الله عليه وسلم: «من أعتق شِرْكاً له في عبد قُوّم عليه».
5858- والوجه الثالث: أن حق الرجوع يثبت للأصول فيما وهبوا لفصولهم، ولا فرق بين الأبوين وبين الأجداد والجدات، وبين من يلي منهم، وبين من لا يلي، وبين من يرث، وبين من لا يرث.
وهذا القائل ينحو بهذا الحق نحو القصاص؛ فإنه لا يجب على أصلٍ بقَتْل من ينتمي إليه بجهة الولادة بدرجة، أو درجات.
5859- والوجه الرابع- أن حق الرجوع يثبت للأب، ولكل أصلٍ يتصور أن يكون له ولاية على الذي وَهَب منه بالقرابة. فهذا إذن يختص بالوالد، والأجداد المتّصلين به إذا كانوا ورثة، وصاحب هذا لا يخصص حقَّ الرجوع بحال قيام الولاية؛ فإن الهبة قد تكون من الابن البالغ الرشيد، وقد يكون الأب أو الجد فاسقين غيرَ صالحين للولاية، فلا نظر إلى ثبوت الولاية وتحققها، وإنما النظر إلى كون الواهب صالحاً للولاية على الموهوب منه على الجملة إذا تجمعت الأسباب التي تقتضي قيامَ الولاية.
5860- ولا شك أن الأولاد لا يرجعون فيما وَهبوا لأصولهم. ومن يقع على جانبٍ من عمود النسب لا يرجع إذا وَهَب وأقبض. وكذلك القول في الأجنبي إذا وهب وأبرم هبته بالقبض.
فهذا تمام المقصود فيمن يملك الرجوع، وفيمن لا يملكه.
والفصل الثاني
معقود في الأوقات التي يثبت فيها الرجوع.
5861- فنقول: إن بقي المتهب، وبقيت العين الموهوبة، واستمر الملك المستفاد بالهبة، فيثبت حق الرجوع، ثم إن كانت العين الموهوبة غيرَ متغيرة عن صفتها الثابتة لها حالةَ القبض، فلا كلام.
وإن تغيرت صفتها بنقصانٍ وعيب، فللواهب الرجوع فيها، على ما هي عليها من الصفات، ولا رجوع له بأرش النقص؛ فإن العين الموهوبة لو تلفت، لم يجد الواهب رجوعاً بشيء إجماعاً، فنقصان الصفة يؤخد من المأخد الذي يُتلقَّى منه فوات الموصوف.
5862- وإن زادت العينُ الموهوبة، لم تخل الزيادة إما أن تكون متصلة وإما أن تكون منفصلة، فإن كانت منفصلة، فهي متروكة على المتهب مُبقَّاة على ملكه، لا رجوع فيها، وحق الرجوع ثابت في العين الموهوبة.
5863- وإن كانت الزيادة متصلة ككبر الغلام، وإرقال الوديّ، وسِمَنِ الهزيل، وما في معانيها، فهذه الزيادات لا أثر لها، وحق الرجوع قائم في العين على ما هي عليه. ثم إذا رجع في العين تبعتها الزوائد المتصلة، وهذا قياس الأصول.
ولا أثر للزيادة المتصلة إلا في الصداق عند تطليق الزوج زوجته قبل المسيس، على ما سيأتي شرح ذلك في كتاب الصداق، إن شاء الله عز وجل.
5864- ولو وهب جارية حبلى، وبقيت، كذلك إلى أن رجع، فالجارية تنقلب إلى الراجع حاملاً، كما خرجت في الهبة والإقباض عن ملكه حاملاً.
وإن كانت حائلاً عند الإقباض، فعلقت، وولدت قبل الرجوع، فالولد متروك على المتَّهِب، وحق الرجوع مختص بالأم.
وإن كانت حاملاً عند القبض، ووضعت قبل الرجوع، أو كانت حائلاً عند القبض، وعلقت بمولود رقيق، واتفق الرجوع قبل وضع الحمل، ففي الطريقين قولان: وقد قدمنا تحقيق ذلك ونظيرَه في الرهون والبياعات، ومسائل التفليس، وكل ما ذكرناه إذا اطرد الشرطان:
أحدهما: بقاء المتَّهِب، والآخر- اطراد الملك المستفاد بالهبة.
5865- فإن مات المتهب، وخلفه ورثته، فلا رجوع بعد موت المتَّهِب إجماعاً؛ فإن الملك تحوّل إلى الورثة، وإنما يثبت الرجوع على الموهوب منه، وهذا يعارضه أن الواهب لو مات، سقط حقه من الرجوع، ولم يخلفه الورثة، ولم يقوموا مقامه.
هذا منتهى ما أردناه.
5866- وأما اطراد الملك المستفاد من الهبة، فالتفصيل فيه أن ملك المتهب لو زال عن رقبة الموهوب، فلا رجوع على المتهب، إذا كان لا يصادف العينَ الموهوبة في ملكه؛ فإن مما يجب القطع به أن حق الرجوع لا يتعلق إلا بعين الموهوب، فلو زال ملك المتهب زوالاً، لا يتحقق عوده مثل أن يَعتِق العبدُ الموهوب، فقد انقطع حق الرجوع بالكلية.
ولو استولد الجارية الموهوبة، كان الاستيلاد فيها بمثابة العتق؛ فإن المستولدة في حكم المستهلكة.
5867- ولو زال ملك المتهب عن الموهوب ببيع أو هبة، ثم عاد، فهل يثبت للواهب الرجوع؟ فعلى وجهين:
أحدهما: أنه يرجع لمصادفة العين الموهوبة ملكاًً، بحيث يتصور التصرف فيه.
والثاني: أنه لا يرجع؛ لأن الملك المستفاد بالهبة قد زال، وهذا ملكٌ جديد، وقد ذكرنا استقصاء القول في ذلك في كتاب التفليس.
5868- ولو كان وهب عصيراً، فاستحال خمراً، ثم عادت الخمر خلاً، فلا خلاف أن الواهب يرجع، وما تخلل من زوال الملك لا اعتبار به، وسبب القطع بما ذكرناه أن ما تخلل في حكم العارض، فإذا زال، قُدّر كأن لم يكن، والملك على الخل هو الملك الذي كان على العصير، وإنما يختلف الأصحاب إذا زال الملك، ثم حدث عن جهةٍ أخرى.
5869- ولو ارتد المتَّهِب، ثم عاد إلى الإسلام، فإن قلنا: الردة لا تزيل الملك، فلا أثر لها، وإن قلنا: إنها تزيل الملك، فإذا عاد المتّهِب مسلماً، فالمذهب الأصح أن الرجوع يثبت للواهب وجهاً واحداً، قياساً على انقلاب العصير خمراً، ثم انقلابها خلاً.
ومن أصحابنا من يُلحق مسألة الردة بصور الخلاف، ويقول: هي بمثابة ما لو زال ملك المتهب، ثم عاد بهبةٍ أو غيرها من الجهات الضرورية، أو الاختيارية.
5870- ومما يجب الاعتناء بدركه تفصيلُ القول في العوارض التي لا تتضمن زوال الملك، ولكنها تتضمّن الحجر، كالرهن المبرم بالقبض، والكتابة الصحيحة، فلا شك أن الراهن يمتنع عليه التصرف في المرهون على حسب ما كان يتصرف من قبل، وكذلك القول في الكتابة، ولكن الملك قائم فيهما.
5871- فنقول: أما إذا رهن المتّهِب العبدَ الموهوب، وأقبض، فنتكلم في استمرار الرهن. أولاً: قال علماؤنا: قد ذكرنا وجهين في أن هبة المرهون على التقدير الذي أوضحناه من قبلُ هل تصح؟ فإن حكمنا ببطلان هبة المرهون، وهو المذهب والقياس، فلا يصح الرجوع من الواهب مع استمرار الرهن.
وإن قلنا: هبة المرهون تصح، فلو رجع الواهب في المرهون، صح رجوعه. ثم ليس المعنيُّ بصحة الرجوع أن الواهب يتسلط على الرهن بالإبطال، فلا سبيل إلى إبطال حق المرتهن، ولكن فائدة تصحيح الرجوع حملُ الأمر على الوقف، فإن مست الحاجة إلى بيع الرهن في دين المرتهن بيعَ فيه، وتبيّن بطلان الرجوع، وإن انفك الرهن، تبيّنا أن الرجوع صح، واكتفينا بما جرى من الرجوع حالة استمرار الرهن، ولم نحوج الواهب إلى تجديد الرجوع، هذا فائدة تصحيح الرجوع في استمرار الرهن.
5872- ولو بيع الرهن، فلا مطمع في إثبات حق الرجوع للواهب بقيمة الموهوب على المتهب؛ فإنه برهنه تصرف في ملكه، ولا معترض عليه، فلئن أراد الراجع الرجوع بعد لزوم الرهن، فرجوعه موقوف على إمكان الاسترداد، فإذا لم يتفق التمكن منه، فلا معترض على المتهب، وليس المتهب على عهدة وعلقة ضمانٍ بسبب الرجوع من الواهب.
5873- وإن قلنا: لا يملك الواهب الرجوع في العين المرهونة، فإذا انفك الرهن، فالذي يجب القطع به أنه يرجع الآن؛ فإن الملك لم يتحول، وليس ملك المتهب بعد انفكاك الرهن ملكاًً جديداً، فكان بمثابة انقلاب العصير، وانقلاب الخمر، بل ما ذكرناه في الرهن أوضح؛ لأن ملك المتهب كان دائباً دائماً على العين المرهونة، وإنما طرأ حجرٌ، ثم زال، ولو استحال العصير الموهوب خمراً، لم تكن الخمر مملوكة، ثم لما انقلبت خلاً، ثبت الملك، ثم قضينا بثبوت حق الرجوع؛ مَصيراً إلى أن ملك الخمر سببه ملك العصير. وغلط بعضُ الأصحاب فقال: إذا قلنا: لا يرجع الواهب في استمرار الرهن، فلو انفك الرهن، ففي ثبوت حق الرجوع وجهان مرتبان على الوجهين فيه إذا زال الملك عن الموهوب وعاد.
ولعل هذا القائل يظن فرقاً؛ من جهة أن التصرف بالرهن، ثم السعي في الفك يتعلق بالاختيار، بخلاف الانقلاب الجاري في العصير.
وهذا عري عن التحصيل، فلا يقعن به اعتداد، مع القطع بأن الملك بعد الانفكاك-ملكَ الهبة- لم ينقطع. هذا قولنا في الرهن.
5874- فإما إذا كاتب المتهبُ العبدَ الموهوب، كتابةً صحيحة، فالمذهب منعُ بيع المكاتب، فعلى هذا يمتنع الرجوع. وليس يخرّج إمكان الرجوع إلا على التردد الذي ذكرناه في أثناء الرجوع في المرهون، على تأويل التوقف والانتظار، حتى إذا عجز المكاتَب، أو عجَّز نفسه، فيتبيّن أن الرجوع صحيح. وهذا على نهاية البعد.
وما عندي أن من يجوّز هبة المرهون على انتظار الانفكاك يجوّز هبة المكاتب إذا منعنا بيعه؛ فإن الملك في المرهون غيرُ ناقصٍ، ولكن الراهن محجور عليه، والملك في المكاتب ناقص.
5875- وإن جوزنا بيع المكاتب على قولٍ بعيد، فالبيع فيه لا يتضمن نقض الكتابة ويؤول فائدته إلى نزول المشتري منزلة البائع في قبض نجوم الكتابة واستحقاقِها، فالبيع وارد على الرقبة والفائدة عائدة إلى النجوم، فعلى هذا التأويل لوْ أراد الواهب الرجوع، تطرق الاحتمال إليه، من جهة أنه في التحقيق راجع في النجوم ويمكن أن يقال: يصح رجوعه نظراً إلى مورد النجوم، وهو الرقبة.
5876- ولو عجّز المكاتب نفسه وانقلب رقيقاً، وقد قدرنا صحة القول بالرجوع، وقع الاكتفاء بالرجوع السابق، كما ذكرناه في المرهون.
5877- ولو آجر المتهب العبدَ الموهوبَ، فإن قلنا: المستأجَر يباع، فيصح من الواهب الرجوع في عينه، والإجارة باقية إلى منتهى مدتها.
ولو قلت: لا يصح بيع المستأجر، وصححنا الرجوع في المرهون، على تقدير التوقف وانتظار ما يكون، فيصح الرجوع في العين المكراة، ولا حاجة إلى تقدير التوقف وليس إلا تمكين المستأجِر من استيفاء حقه من المنافع، وملك الراجع مستقر في رقبة المستأجَر، وإن منعنا الرجوع في المرهون، أمكن أن نتردد في الرجوع في المستأجَر، لاطراد الملك فيه، واختصاص حق المستأجِر بالمنافع.
5878- ويخرّج على هذا تردد فيه إذا وهب عبداً وأقبضه، ثم أبق من يد المتهب، فرجع الواهب في دوام الإباق، ففي صحة رجوعه احتمالٌ ظاهر، وإن كنا نقطع على هذا الطريق بإبطال هبة العبد الآبق؛ فإن الهبة تمليك، فيجوز أن تستدعي قدرة المالك على التسليم، والرجوعُ وإن كان تملكاًً جديداً، فهو جارٍ على مذهب البناء، ولا يتوقف عَوْدُ ملك الراجع على قبضه ما رجع فيه وحصول الملك في ابتداء الهبة يتوقف على إقباضِ الواهب.
فهذا منتهى القول في الأحوال التي تطرأ على الموهوب فيما يتعلق بحق رجوع الواهب.
فأما
الفصل الثالث
فمضمونه ما يقع الرجوع به من الألفاظ والتصرفات.
5879- فأما الألفاظ، فكل ما يعطي معنى الرجوع، فهو جارٍ صحيحٌ، فإذا قال: رجعت فيما وهبت أو استرجعته، أو نقضتُ ملكك فيه، أو رددته إلى ملكي، فكل ذلك رجوع.
5880- فأما إذا أقدم الواهب على تصرفٍ يستدعي ملكَ المتصرف فيه، كالبيع والعتق، فحاصل المذهب أوجه: أحدها: أن البيعَ والعتق ينفذان من الراجع، ويتبين انقلابُ الملك إليه قُبَيْل نفود التصرف.
ومن أصحابنا من قال: لا ينفد البيعُ والعتقُ. وهو الأصح؛ فإن ملك المتَّهِب تامٌّ، فلا يجوز الهجومُ على التصرف فيه من غير تقديم الرجوع.
والوجه الثالث: أن العتق ينفد متضمناً للرجوع، والبيعُ لا ينفذ، والفرق بينهما اختصاص العتق بسلطان النفود عن البيع.
5881- ولو وطىء الواهب الجارية الموهوبةَ، فلا شك في تحريم الوطء، وإن قصد به الرجوع؛ لاستحالة إباحة وطء الجارية لشخصين. ولا خلاف أن المتهب يستبيح وطأها قبل الرجوع؛ فتجويز الإقدام على الوطء في حق الواهب محال. ولكن إذا جرى الوطء حراماً، فالمذهب أنه لا يصح الرجوع به؛ فإنه تصرفٌ ممنوع، وليس كالبيع والعتقِ، إذا جعلناهما رجوعاًً؛ فإنا نسوِّغ الإقدام عليهما.
وأبعد بعض أصحابنا فجعل الوطء رجوعاً، كما أنه يقع فسخاً من البائع في زمان الخيار، والأصح أنه لا يكون رجوعاًً.
ثم إذا اتصل بالوطء الإعلاق، فالذي يظهر عندنا القطعُ به أن الاستيلاد لا يكون رجوعاً. فإن حكمنا به لأن نفود استيلاد الأب لا يتخصص بالجارية الموهوبة؛ بل هو جارٍ في كل جارية قِنَّةٍ للابن. فإذا كان حصول الملك بهذه الجهة لا يختص بالجارية الموهوبة، وتقدير الرجوع فيها، فلا أثر له في الرجوع.
وفيه احتمالٌ على بُعْد.
ثم من يقدر الاستيلاد رجوعاً، ففائدته أنه يثبت الاستيلاد، ولا يغرم قيمة الجارية للموهوب منه، وهذا إذا لم نجعل عين الوطء رجوعاً. فإن جعلناه رجوعاً، لم يخف الحكم، ثم إن قلنا: الوطءُ ليس رجوعاًً، وقدرنا الاستيلاد على الاحتمال البعيد رجوعاًً، فالوطء السابق المتقدم على العلوق يصادف ملك المتهب، فيتعلق به المهرُ، كما يتعلق بوطء الإنسان جاريةَ غيره.
وقد انتهى غرضُ الفصول، وضبط الأصول، ونحن نُتبعها على عادتنا بفروعٍ.
فرع:
5882- إذا وهب من ولده شيئاً، فوهبه الولدُ من ولده، وأقبض، فالمذهب الصحيح أن الجدّ لو أراد الرجوعَ، لم يجد إليه سبيلاً، إلا أن يعود الموهوب إلى ملك الواهب، فيجري الخلاف الممهد.
وأبعد بعض أصحابنا فجوّز للجد الرجوعَ على الحافد، تفريعاً على الأصح في أن الجد يرجع رجوعَ الأب. وهذا القائل يقول: لو وهب من حافده ابتداءً، لرجع، فليكن الأمر كذلك، وإن لم تصدر الهبة منه في حق الحافد. وهذا ليس بشيءٍ، ولكن أورده العراقيون، وغيرهم، من نقلة المذهب.
فرع:
5883- إذا أفلس المتَّهب، وأحاطت به الديون والعين الموهوبة قائمة، فهل يثبت للواهب الرجوع؟ فعلى وجهين مشهورين:
أحدهما: أنه يرجع ويستردها ملكاًً، كما يرجع البائع إذا أفلس المشتري بالثمن، وليس طريان الإفلاس بمثابة طريان الرّهن من الموهوب منه؛ فإن ذلك تصرّفٌ من قبله في ملكه تضمَّن حجراً عليه، وإثباتَ حقٍّ للمرتهن، بخلاف الإفلاس، والدليل عليه أن المشتري لو رهن ما اشتراه، لم يملك البائع الرجوع منه، ولو أفلس، كان البائع أولى بالرجوع في عين المبيع من سائر الغرماء.
والوجه الثاني- أنه لا يثبت الرجوع للواهب، لتعلق حق الغرماء بالعين الموهوبة، وليس رجوع الواهب كرجوع البائع؛ فإن للبائع تعلقاً بالبيع، لمكان الثمن، ولا حق للواهب في العين الموهوبة. ورجوعه ابتداء تملُّكٍ أثبته الشارع على خلاف القياس، وشرطه ألا يتعلق به حق متأكد لغير المتهب.

.فصل: مشتملٌ على الهبة العرية عن الثواب والهبة المشتملة عليه:

5884- فنقول: الهبة تنقسم ثلاثة أقسام: أحدها: هبةٌ مقيّدة بإسقاط الثواب.
والأخرى هبة مطلقة لا تعرّض فيها لثبوت الثواب، ولا بسقوطه.
والأخرى هبة مقيدة بشرط الثواب.
5885- فأما الهبة المقيدة بنفي الثواب، فهي التبرع المحض وفاقاً، ولا ثواب للواهب، مع التصريح بالنفي.
5886- وأما الهبة المطلقة، فقد أجمعوا على أن هبة الكبير ذي الدرجة ممن هو دونه لا تقتضي ثواباً؛ فإن اللفظ لا يقتضيه، وحكم العرف والعادة لا يقتضيه؛ فإن الكبير لا يستثيب من الصغير.
فأما إذا وهب الرجل ممن هو أكبر منه، وأطلق الهبة، ففي المسألة قولان:
أحدهما- أنه لا يثبت الثواب في مطلق الهبة؛ لأن لفظ الهبة مصرَّحٌ بالتبرع، وهو مناقض لاقتضاء العوض.
والقول الثاني- أنه يثبت الثواب حملاً لذلك على العرف الجاري بين الناس، والعرف نازل منزلة التقييد باللفظ.
ولو دارت الهبة بين قرينين متساويين في الدرجة، أو متدانيين، فقد ذكر العراقيون أن الهبة لا تقتضي ثواباً بين الأقران والأمثال، كما لا تقتضيه إذا كان الواهب أعلى درجة من المتهب.
والذي ذكره المراوزة أن هذا يلتحق بهبة الرجل الصغير القدر من الرفيع الدرجة؛ فإن الأقران يغلب فيهم طلب الثواب إذا تهادَوْا، والذي اختاره المراوزة أمثل.
5887- ولم يفصل أحدٌ من أصحابنا بين أن يقول الواهب: وهبت أو تبرعت، وبين أن يقول: ملكتك هذا. والهبة تصح بلفظ التمليك، وكان لا يبعد الفصل بين اللفظين، وإلحاق لفظ الهبة والتبرع بما يتقيد بنفي الثواب، بخلاف لفظ التمليك، والاحتمالُ في الفصل بين اللفظين ظاهر، وسيتبيّن بالتفريع.
فإن قلنا: لا يثبت الثواب في الهبة المطلقة، فلا كلام.
5888- وإن حكمنا بأن الثواب يثبت، ففي قدره أقوال ذكرها الأئمة بطرقٍ مختلفة: أحدها: أن الثواب ينبغي أن يكون على قدر قيمة الموهوب. وهذا أقصد المذاهب وأقربُها من الضبط، ووجهه بيّن؛ فإنه إذا لم يجر لمقدار الثواب ذكرٌ، ولابد من ضبطٍ يقف عنده، فأقرب معتبر قيمة الموهوب.
والقول الثاني- أنه إن استمسك المتَّهِب بالموهوب، تعين عليه أن يُرضي الواهب، ولا موقف إلا عند رضاه.
وقد روي: "أن أعرابياً وَهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعيراً، فأثابه عليه بعيرَيْن، فلم يرض، فزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يرض حتى آذى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: عزمت ألا أقبل الهدية إلا من قرشي".
وهذا القائل يقول: بناء ثبوت الثواب على العادة، ولم تجر العادة برضا الواهب بقدر قيمة الموهوب؛ فإنه لو حاول ذلك، تمكن من الوصول إليه بالبيع، ثم لا ضبطَ وراء ذلك إلا طلب رضا الواهب، غير أنه إذا أبى، وكان لا يرضى، فللموهوب منه ردُّ الموهوب، وللواهب الاسترداد قهراً، وهذا يدرأ سؤال من يقول: قد لا يرضى الواهب إلا بمالٍ عظيم القدر، فيقال: وجهُ دفع ذلك ردُّ الموهوب.
القول الثالث: أنه يقع الاكتفاء بأدنى ما يتمول؛ إذ لا تقدير، وليس في العادة أيضاًً ضبطٌ، ولا وجه لتعليق الأمر بالرضا، فنجعل كأن الثوابَ مطلق وننزله على أقل الدرجات.
والقول الرابع- أنه يُرجع في هذا إلى العادة، فكل ما يعدّ ثواباً، وإن كان أنقصَ قيمةً من الموهوب، وجب على الواهب الاكتفاءُ به. وهذا القائل لا يرضى بالأقل، ولا يتبع رضا الواهب، ولا يعتبر القيمة، بل يقول: كل ما يتساهل الناس في مثله في باب الثواب، تعيّن قبوله، ووجب الاكتفاء به.
وهذه الأقوال لا تُلفى منصوصة، وأنا أراها أوجهاً من أجوبة ابن سريج، وليس يخلو كلام الشافعي عن الإشعار بمعظمها.
التفريع:
5889- إن قدرنا الثواب بمبلغ قيمة الموهوب، فلو أراد المتَّهِب أن يرد الموهوبَ في عينه، فهذا فيه احتمال، ويتجه جدّاً أن يقال: يتعين الثواب؛ فإنه مضبوط، ويظهر أيضاًً جواز أن يتسلط على الردّ، حتى يقال: لا قرار للهبة إلا بأن يتفق بذلُ الثواب. وإذا رأينا لزوم الهبة، فلو أراد أن يردّ الموهوبَ ثواباًً، فهذا فيه احتمال.
والأوجه ألا يجوز؛ فإنّ هذا ليس معتاداً في الثواب، وتحويمنا في أصل الثواب، وتفصيلة على العادة، ولا خلاف أنه إذا أراد الثواب، لم يتعين عليه جنسٌ من الأجناس.
وإن فرّعنا على طلب الرضا، تخيّر الواهب والموهوب جميعاً؛ فهذه هبةٌ جرى القبض فيها، والخيار ثابتٌ في نقضها من الطرفين، وسبب ذلك تطرّق الثواب إلى الهبة وخروجُها عن حقيقة التبرع المحض.
وإن رأينا الاكتفاء بأقل ما يتمول، ففي تخير الواهب احتمال ظاهر، وإذا أثاب بقدر قيمة الموهوب، فلا خيار للواهب على هذا الوجه الذي انتهينا إليه.
وإن فرعنا على اتباع العادة في قدر الثواب، ولم نجزم قولَنا بلزوم قدر القيمة، فإن أثاب بقدر القيمة، فلا خيار، وإن أثاب بما ينقص عن قيمة الموهوب، ولكن يُعتاد مثلُه ثواباً، فالظاهر أنه لا خيار، وإن جرى نزاعٌ في حكم العرف، رفع الأمر إلى الحاكم، ورجع إلى أرباب العرف.
فهذا منتهى ما أردناه الآن في الهبة المطلقة.
5890- فأما القسم الثالث: وهو تقييد الهبة بالثواب، فلا يخلو الثواب إما أن يكون مقدراً، وإما أن يكون مبهماً.
فإن كان مقدراً، فالأصح الصحةُ. وذكر بعضُ الأصحاب قولاً في الفساد؛ بناءً على أن الهبة المطلقة لا تقتضي الثوابَ، ومصيراً إلى أن الجمع بين الهبة وبين إلزام الثواب تناقضٌ. وهذا وإن كان متجهاً بعض الاتجاه، فهو غريب في الحكاية.
وإذا صححنا وأثبتنا الثواب فقد اختلف أصحابنا في أن ذلك: هبةٌ أو بيعٌ؟ فذهب المحققون إلى أنه بيعٌ في جميع أحكامه، ولا يتوقف ثبوت الملك على الإقباض، ويتعلق به عُهَدُ البيع، واستحقاقُ الشفعة.
ومن أصحابنا من قال: هو على حكم الهبة، حتى لا يلزم إلا بالإقباض، ولا تثبت الشفعة فيه.
وهذا بعيدٌ جداً، ذكره بعض المصنفين، ورمز إليه صاحب التقريب وغيره. ولو صح، فلا حيلة في دفع الشفعة أوقعُ منها، فإن معظم الحيل المذكورة في دفع الشفعة تتضمن خطراً على من يتمسك به، كما قررناه في آخر الشفعة. وهذا لا خطر فيه. هذا إذا كان الثواب مُقدَّراً.
5891- فأما إذا كان الثواب مجهولاً، غير مقدر، فقد اختلف ترتيب الأئمة، فقال قائلون: إن حكمنا بأن مطلق الهبة لا يقتضي ثواباً، فذكر الثواب المجهول يُفسد الهبة، وفي ذكر الثواب المعلوم خلافٌ، كما قدمناه. وإن قلنا: يثبت الثواب في الهبة المطلقة، فإذا ذكر من غير تقدير، صحت الهبة؛ فإنّ ذكره كذلك يضاهي حكمَ الإطلاق، والتصريح بما يقتضيه مطلق العقد غيرُ ضائرٍ.
و قال العراقيون لو ذكر ثواباًً معلوماً، ففي صحة الهبة خلاف، ولو ذكره مجهولاً، صح؛ تفريعاً على أن الهبة المطلقة تقتضي ثواباً.
فجعلوا إعلام الثواب حيث انتهى الكلام إليه أولى باقتضاء الفساد، وعللوا ذلك بأن إعلامه إخراجُ الهبة عن حيّز بابها، وإلحاقٌ لها بالبيع المحض، وعقد البيع المحض بلفظ الهبة فاسدٌ. فأما الثواب المبهم، فلا يليق بالمعتاد في الهبة.
وقالوا: لما كان التأبيد لائقاً بمقصود النكاح مع الجهل بمنقرض العمر، كان هذا النوع من الجهل شرطاً في صحة النكاح. هذا ترتيبٌ.
وقال قائلون: إعلام الثواب أولى بالتصحيح. وإن ذكر الثواب مجهولاً، فهو أولى بالفساد؛ لأنه لو أُطلق احتُمل الجهل في التوقّع، وإذا ذكر، فقد ألحق بالأعواض، فيجب الوفاء بشرط العوض.
وهذا له وجه. وما ذكره العراقيون أفقه.
فرع:
5892- قال العراقيون: إذا صحت هبةٌ بثواب وسلم المتّهب الثواب إلى الواهب، فوجد به عيباً. قالوا: له ردّه. فإذا ردّه، استرد الموهوب بعينه، إن كان باقياً، وإن كان تالفاً، ذكروا فيه وجهين:
أحدهما: أنه لا يرد العوض، ولا حقَّ له أصلاً؛ فإن الموهوب إذا تلف، بطلت الحقوق فيه، وانقطعت العلائق. والدليل عليه أن الأب إذا وهب لولده شيئاً، وسلمه، فتلف في يده لم يملك الرجوعَ وتغريمَه القيمة.
والوجه الثاني- أنه يرد الثوابَ، ويسترد قيمة الموهوب.
وهذا الذي ذكروه كلامٌ مختلط؛ فإنهم إن فرضوا هذا في الهبة المطلقة، أو في هبةٍ ذُكر فيها ثواب مطلق مجهول، فلا يقع الثواب معيّناً، بل يقع في ذمة المتهب، وسبيل ما وقع في الذمة إذا صادف القابض به عيباً أن يُستبدل، فأما أن يُردّ وتُسترد العين، فلا معنى له. وهذا بيّن لا خفاء به، ولا اتجاه لما ذكروه إلا في الثواب المعين. ولو فرض تعيين الثواب، خرج هذا على ما قدّمناه من أن الهبة تلتحق بالبيع المحض، فإذا التحقت به، فلا معنى لذكر الخلاف عند تلف الموهوب، بل يجب القطع بالرجوع إلى القيمة عند تلف الموهوب.
وما ذكره الأصحاب في المسلك البعيد، من افتقار الهبة إلى القبض في إفادة الملك مع ذكر العوض المقدّر، أو المعيّن بعيدٌ، ثم إنما ذكر الأصحاب الخلاف في هذا الحكم؛ فإن القبض من خصائص الهبة وفي الشفعة، فإنها لا تثبت إلا في المعاوضات المحضة، فإن تعدى متعدٍّ هذين الحكمين، وطرد الخلاف الذي ذكره العراقيون في تلف الموهوب، كان في نهاية البعد؛ فإن من طلب عوضاًً وقدّره، استحال أن يسقط تبعيّةً في أحكام الأعواض، هذا لا سبيل إلى احتماله، ولا مساغ له أصلاً.
5893- وقد رأيت لبعض الأصحاب تردداً في أن الأب إذا وهب من ابنه بثواب قدّره، فهل يملك الرجوع في الهبة؟ هذا يخرّج على أن المعاملة بيعٌ، أو هبةٌ؟ فإن قلنا: إنها بيعٌ، فلا رجوع. وإن قلنا: فيها معنى الهبة، فالرجوع محتمل، ثم إن رجع في الموهوب، ردّ العوض.
وهذا وإن كان بعيداً، فله اتجاه على حال، وأما ما ذكره العراقيون، فلا وجه له أصلاً كيفما فرضنا الهبة.
فرع:
5894- إذا وهب حلياً من ذهب أو فضة، وثبت في الهبة ثواب مطلق، على ما تقدّم، فما دام المجلس جامعاً، فله أن يُثيبه نقداً، بحيث لا يؤدي إلى الربا.
فإن كان المبذول أقلَّ، أو أكثر، فهذا فيه احتمال ظاهر، خارجٌ على ما ذكرناه، من أن حقيقة الأعواض هل تثبت؟ والذي مال إليه معظم الأصحاب، وقطع به العراقيون: أنه يجب محاذرة صورة الربا؛ فإن الثواب على كل حالٍ عوضُ الموهوب، ويحتمل عندنا على بعدٍ خلافُ ذلك. والظاهر ما ذكروه.
ووجه الاحتمال أن باذل الثواب في حكم واهبٍ جديد، وكأنه يقابل هبةً بهبة، ولولا ذلك، لبطلت حقيقة الهبة.
5895- ولا خلاف أن الثواب إذا لم يجر له ذكر، أو جرى ذكره مطلقاًً مجهولاً، فالملك في الموهوب موقوف على الإقباض، وإنما التردد في الثواب المقدّر، أو المعين.
وهذا يتطرق إليه خلل، من أنا لا نشترط في الثواب لفظ الثواب وإجراءَ الإيجاب والقبول، وعن هذا لزم ظهور ما ذكر العراقيون، حتى لا يُعتدَّ بغيره من المذهب.
5896- ومما ذكروه أنه إن فارق المجلس، فإن أثابه عَرْضاً، أو ثوباً، جاز. وإن أثابه نقداً، لم يجز؛ فإنه يكون صَرْفاً، ومن شرط الصرف تقابض العوضين في المجلس، وهذا الذي ذكروه حسنٌ، وفيه من طريق المباحثة الاحتمال البعيد. والله أعلم.
فرع:
5897- إذا وهب شيئاً مطلقاًً، وحكمنا بأن مطلقَها يقتضي الثوابَ، ونزَّلنا الثواب على مقدار القيمة، فعلى هذا لو قبض الموهوب، فزادت في يده زيادة متصلة، أو نقصت، فالاعتبار بأية قيمة؟
ذكر صاحب التقريب تفصيل الزيادة والنقصان.
فنبدأ بالزيادة، ونفرض ارتفاع القيمة بسببها، قال صاحب التقريب: في المسألة وجهان:
أحدهما: أنا نعتبر قيمة يوم القبض؛ فإن وفى به المتَّهِب، فقد خرج عما عليه.
والوجه الثاني- أنا نعتبر قيمة الموهوب يوم بذل الثواب؛ فإن بذلها، خرج عن العهدة، وإلا كان الثواب قائماً، ولا خلاف أن الزيادة بعد بذل القيمة لا حكم لها.
هذا حكم الزيادة.
أما إذا قبض الموهوب، ونقص في يده بعيبٍ طرأ، ففي المسألة الوجهان في أن الاعتبار بقيمة يوم القبض، أو بقيمة يوم بذل الثواب؟ ولكن إن اعتبرنا قيمةَ يوم بذل الثواب، وهذا أضعف الوجهين هاهنا؛ لأن فيه بخساً، وإجحافاً بالواهب، فلا كلام.
وإن اعتبرنا قيمة يوم القبض، فإن بذلها المتَّهب، فلا كلام، وإن امتنع، وَرَدَّ الموهوبَ، فقد ذكرنا في هذا المقام تردّداً في الرَّد، وجرى صاحب التقريب على الرد، فإن رد الموهوب، فهل يغرم أرش النقص؟ فعلى وجهين ذكرهما صاحب التقريب:
أحدهما: أنه يغرَم أرش النقص.
والثاني: لا يغرم؛ فإن الهبة ليست عقد ضمان، وهذا التفريع يُنبه على حقائق الأصول.
فصل:
5898- قد ذكرنا أن للأب الرجوعَ فيما وهب لولده، ونحن نقول: لا يستحب للإنسان أن يخص بعضَ أولاده بنِحلةٍ؛ فإن ذلك قد يكون سبباً لقطيعة الرحم، وقد يحمل المحروم على خلاف البر.
وإذا استحسنا التسوية فيهم، فقد ذكر شيخي وجهين في الابن والبنت:
أحدهما: أنا نرعى في الاستحباب التسوية بينهما.
والثاني: أنا نجعل النحلة على نسبة الميراث: للذكر مثل حظ الأنثيين.
وقد ذكر. العراقيون هذين المذهبين عن السلف، ولم يجعلوهما وجهين للأصحاب.
والجملة أن المرعيَّ في هذا طلبُ الرضا، والأمر يقرب مأخذه فيما يتعلق بالاستحباب.
5899- ومما ذكره الشيخ أبو علي في شرح التلخيص أن ابن سريج ذكر وجهاً أن الأب إنما يملك الرجوع إذا نوى بهبته استجلابَ مزيدٍ في البر، أو دفعَ عقوق، فإذا لم يحصِّل غرضَه؛ فيرجع إذ ذاك، فأما إذا أطلق الهبة، ولم يقصد هذا، فلا رجوع له.
وهذا خرمٌ عظيم، وخروج عن المذهب، ولهذا لم أذكره في سياق فصول رجوع الوالد فيما وهب.
فرع:
5900- إذا ملّك الرجل رجلاً شيئاً، وأقبضه إياه، ثم اختلفا، فقال القابض: اتهبتُه، ووهبتنيه، وقال المقبض: قد بعتُه منك بكذا، وسلمته إليك مبيعاً، والثمن عليك؟ ذكر صاحب التقريب قولين:
أحدهما: أن القول قول المتَّهِب؛ فإنهما اتفقا على ملكه، والمُقبض يدّعي عليه عوضاً، والأصل براءة ذمته منه، فقد ثبت الملك وفاقاً وآل الخلاف إلى ادعاء شغل الذمة، والأصل براءتها.
والقول الثاني- أنه لا يثبت الملك مجاناً؛ فإن القول قول المالك في سبيل إزالة الملك، فيتحالفان، وينفي كل واحدٍ منهما بيمينه ما ادعاه صاحبه.
ثم حكم التحالف انتفاء الهبة، وانتفاء العوض المدّعى، ونتيجة ذلك ردُّ العين إلى المقبض.
وهذا يلتفت على تعذر عوض العين. واليأس منه في الحال.
5901- وما أطلقه هذا القائل من التحالف ليس على قياس التحالف المذكور في اختلاف المتبايعين في مقدار الثمن على ما تفصّل المذهب فيه؛ فإن كل واحد من المتداعيين في هذه المسألة يحلّف صاحبه على نفي ما يدعيه عليه، فإن حلف المقبض على نفي الهبة، وحلف القابض على نفي الثمن، كان سبيل رد العين على المقبض بعد إقراره بأنه قد ملّك القابضَ العينَ، وسلّمها إليه قريباً من استرداد المبيع ممّن قبضه، تفريعاً على أن البائع مأمور بتسليم المبيع أولاً، إذا امتنع عن تأدية الثمن.
وقد ذكرنا نص الشافعي، في ذلك في كتاب البيع، وتصرُّفَ الأصحاب فيه، ولعل الظاهر أنه ينفرد المسترد في مسألتنا بفسخ البيع. وإذا كان كذلك، لم يتعرض له، ولم يقل: افسخ البيع أولاً، إذا كان الفسخ مما ينفرد به، فيؤول ذلك إلى الحكم الواقع بين العبد وبين ربه.
فليتأمل الناظر هذا الموضع.
وهذا حُكْمُنا على الظاهر، فإن كان مدعي البيع صادقاً في علم الله تعالى، فالحكم ما ذكرناه ظاهراً وباطناًً، وإن كان مدعي الهبة صادقاً، فمدعي البيع ظالمٌ باسترداد العين، والعين مبقّاة على ملك المتَّهب القابض باطناً.
وقد ذكرنا في تحالف المتبايعين قولاً: أن الحالف يجمع بين النفي والإثبات، وذكرنا تفصيلاً فيمن نبدأ به، وأوضحنا انفصال التحالف في ذلك الموضع عن غيره، وهاهنا كل واحد يحلف على النفي، والمدعي على الحقيقة ابتداء هو الذي يدعي البيع والثمنَ، ثم صاحب اليد بعد ذلك ينتصب مدعياً.
هذا منتهى القول في ذلك.