فصل: باب: أين يكون اللعان:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



.باب: أين يكون اللعان:

9666- مقصود الباب ذكر ما يُؤَكَّدُ اللعان به، وهو أربعة أشياء: الألفاظ، والمكان، والزمان، وعددٌ من الناس.
فأما الألفاظ، فهي خمسة في الجانبين، وسيأتي شرحها في بابٍ.
فأما الزمان، فليقع اللعان بعد العصر فال الله تعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ} [المائدة: 106]، قيل في التفسير: أراد صلاةَ العصر، وإن لم يظهر ضررٌ في التأخير، ولم يثبت طلبٌ حثيثٌ يمنع منه، أخرناه إلى يوم الجمعة، فإنه معظَّم في النفوس، وروى أبو هريرة في حديثٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله شيئاًً إلا أعطاه إياه»، قال كعب الأحبار: هي بعد العصر، فقال أبو هريرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة بعد العصر» فقال كعب: أليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد في صلاةٍ ما دام ينتظر الصلاة»، أشار إلى أنه بعد العصر في انتظار المغرب، فهو في حكم المصلي.
" وكُتب إلى عمر رضي الله عنه في جارية ادُّعي عليها القذف، فأنكرت، فكتب في الجواب: احبسوها إلى ما بعد العصر، ثم حلّفوها، ففعل فاعترفت".
فهذا بيانُ الزمان.
وأما المكان، فليقع اللعان في أشرف المساجد وأحراها بالتعظيم، فإن كانت الواقعة في الحرم، فبين الركن والمقام، وإن كان بالمدينة، فبين المنبر ومدفن المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهو الروضة، وإن كان في القدس، فعند الصخرة، وفي سائر البلاد في المسجد الجامع في المقصورة.
وأما العدد فإنا نأمر بإجراء اللعان على رؤوس الأشهاد، فينبغي أن يكود الذين شهدوا غير ناقصين عن عدد بينة الزنا، وهم الذين نُؤثر أن يشهدوا حدّ الزنا، تأسياً بقوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2].
9667- فأما التغليظ بالزمان والمكان، فمستحق أو مستحب؟ فعلى قولين، ولا اختصاص للقولين في المكان والزمان باللعان؛ فإن كلَّ أمرٍ له خطرٌ كالدماء، والفروجِ، والمالِ إذا بلغ نصاب الزكاة، فتغليظُ الأَيْمان في جميع ذلك في المكان والزمان يخرّج على القولين.
وأما التغليظ بحضور جمعٍ من الناس، ففيه طريقان: من أصحابنا من يراه كالتغليظ بالمكان والزمان، ومنهم من قطع بأنه مستحَبٌّ غيرُ مستحَق.
وقد ذكر بعض الأصحاب في التغليظ بالزمان طريقين أيضاً:
أحدهما: القطع بأن التغليظ به مستحَب، فعلى هذا يجري القولان في المكان.
فأما تغليظ الأيمان بالأمور الخطيرة بألفاظ اليمين، فسيأتي مشروحاً في أدب القضاء.
ولا خلاف بين الأصحاب أن كَلِمَ اللعان لابد منها، كما سنصفها على الاتصال بهذا.
وإن كنا نحلّف كافراً، فقد قال الأصحاب: نحلفهم في البقاع التي يعظمونها، كالكنائس والبيع، فنأتيها، ونحلّفهم فيها.
واختلف أصحابنا في أن المجوس هل يحقفون في بيوت النيران: فمنهم من قال: لا نحلفهم فيها، فإنه لا أصل لتعظيم النيران، وبيوتها كمقارّ الأصنام.
ولم يختلف الأصحاب أنا لا نأتي بيوتَ الأصنام إن أمكن تصوُّرُها في طرف بلاد الإسلام، فأما الكنائس والبيع والصوامع؛ فإنها محال العبادات على الجملة.
واختلف الأصحاب في التغليظ بهذه الأسباب على الزنديق فمنهم من قال: لا معنى للتغليظ عليه، وهو لا يعبأ به شيئاً.
9668- ولكن لابد من أصل كلمات اللعان لإقامة الخصومة على قاعدة الشرع، ولئن أُكِّدت الألفاظ باللعن في حق المسلمين، فالزنديق به أولى.
ثم إن الشافعي لما ذكر التغليظ بالمكان قال في الحائض المسلمة: تلاعن على باب المسجد، وذكر أن المشركة تلاعن في المسجد، فاعترض المزني وقال: المشركة قد تكون حائضاً، وهي شرّ حالاً من المسلمة الحائض وهذا مما قدمنا الاختلافَ في أصله في كتاب الصلاة، فإن أصحابنا اختلفوا في أنا هل نمكِّن المشركَ الجنبَ من دخول مساجدنا: فمنهم من قال: لا نمكنه، ومنهم من قال: نمكنه، لأنه لا يؤاخذ بتفصيل عقد الإسلام في تعظيم الشعائر، وهذا نُجريه في المشركة، فإن علمنا كونها حائضاً، وخفنا تلويث المسجد، منعناها، وإن لم نخف التلويث، خرج على الخلاف الذي قدمناه.

.باب: سُنّة اللعان ونفيِ الولد وإلحاقِه بالأم وغيرِ ذلك:

9669- غرض الباب أن قضايا اللعان: درءُ الحد عن الزوج، ونفيُ الولد، ووقوعُ الفُرقة، وتأبُّدُ التحريم، وكل ذلك يتعلق بلعان الزوج وحده، لا حاجة في شيء منها إلى لعانها، ولا إلى قضاء القاضي، فإنا نحتاج إلى لعانها في إسقاط الحد عنها فحسب، وأبو حنيفة يخالف في ذلك، وقال: قضايا اللعان تتعلق بلعانهما جميعاً وتتعلق بقضاء القاضي، وأخذ الشافعي رضي الله عنه يحتج بما قررناه في المسائل.
ثم قال: وإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الله يعلم أن أحدكما كاذب!! فهل منكما تائب؟» هذا مما نؤثره للقضاة.
ثم إن الرسول حكم بالظاهر، ولم يتعلق بالأمارات المغلِّبة على الظنون، وكان قد ظهرت أمارةٌ دالّة على صدق الزوج، روي أنه عليه السلام قال: «إن جاءت به أدعج العينين، عظيم الإلْيتين، خَدَلّج الساقين لا أراه إلا وقد صدق عليها»، فجاءت به على النعت المكروه، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن أمره لبيّن، لولا ما حكم الله به» وروي أنه عليه السلام قال: «لولا الأيمان، لكان لي ولها شأن».
ومما نؤثره تهديد النساء في أمثال ذلك، فلعلهن ينزجرن، وقال صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، فليست من الله في شيء، ولن يُدخلها الله جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه، احتجب الله منه، وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين»، ومما جاء في تهديد النسوة ما روي في حديث المعراج أنه صلى الله عليه وسلم رأى نسوة معلقات بثُدُيِّهن، فسأل جبريل عن حالهن، فقال: «إنهن اللاتي ألحقن بأزواجهن من ليس منهم». وقال عليه السلام: «اشتد غضب الله على امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، يأكل جرايتهم، وينظر إلى عوراتهم» فنُؤثر للقاضي أن يذكر هذه الأشياء حالة إنشاء اللعان، والهمِّ بنفي نسب متعرض للثبوت.

.باب: كيف اللعان:

9670- مقصود هذا الباب بيانُ كَلِم اللعان وكيفيةُ صيغها، وهي بيّنة في كتاب الله تعالى، فيقول الزوج أربع مرات: أشهد بالله إنني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، وهذا الولد ولد زنا ما هو مني، إن كان ثَمَّ ولد، ويقول في الخامسة: لعنة الله عليّ إن كنتُ من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا، وتقابله المرأة فتشهدُ أربعَ شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به، وتقول في الخامسة: غضب الله عليّ إن كان من الصادقين فيما رماني به.
وذهب معظم الأصحاب إلى تعيين لفظ الشهادة؛ وفاءً بحقيقة الاتباع، وفي بعض التصانيف عن الشيخ أبي حامد أنه لم يُبعد إبدال لفظ الشهادة بالإقسام والحلف أو ترك هذه الصلات، فيقول: بالله إني لمن الصادقين.
والمذهب الظاهر أن اللعنَ في جانب الزوج والغضبَ في جانبها، فلو استعمل الزوجُ الغضبَ، والمرأةُ اللعنَ، فالمذهب أن ذلك لا يجزىء، وحكى بعض الأصحاب جواز ذلك، وعزى هذا إلى الشيخ أبي حامد.
9671- والمذهب أيضاً أنه يجب رعايةُ الترتيب، فلا يسوغُ تقديمُ اللعن على سائر الكَلِم، وكذلك القول في الغضب في جانبها.
ومن أصحابنا من جوّز ذلك، وهو يُحْكَى عن الشيخ أبي حامد أيضاً.
ولا خلاف بين أصحابنا أن معظم كَلِم اللعان لا يقوم مقام الكل، وخالف أبو حنيفة فيه، فأقامه.
ثم يتعلق بإقامة هذه الكَلِم ما هو من فن التأكيد، وفي الحديث: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعن بين العجلاني وامرأتِه على المنبر» وقد تردد الأصحاب في هذا: فمنهم من قال: كان الملاعِن على المنبر؛ لظاهر الحديث.
ومنهم من قال: لم يكن الملاعِن على المنبر. ثم اختلف هؤلاء في معنى الحديت: فقال قائلون: جرى اللعان على المنبر، وقال آخرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر.
ومما نرعاه في التأكيد أن الرجل يلاعن قائماً، فإذا انتهى إلى كلمة اللعن أتاه آتٍ من ورائه، وقبض على فيه، وقال صاحب المجلس: اتق الله؛ فإنها موجبة.
ثم تقام المرأة، فتلتعن، فإذا انتهت إلى كلمة الغضب أتتها امرأة من ورائها، وقبضت على فيها، وقال صاحب المجلس: اتقي الله؛ فإنها موجبة.
فصل:
قال: "ولو قذفها برجل ولم يلتعن... إلى آخره".
9672- إذا قذف الرجل امرأته برجل عيّنه، ثم لاعن وسماه، لم يجب عليه الحد لذلك الأجنبي، وإن كان محصناً على ظاهر الحال.
هذا مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه، ثم لا يجب حد الزنا على الأجنبي المسمَّى في القذف؛ إذ لو أوجبنا حدّ الزنا عليه، لاقتضى ذلك إثباتَ اللعان في جانبه، وهذا لا سبيل إلى القول به، ولا وجه لالتزامه حد الزنا بلعان الزوج.
ولو سمى الزوج ذلك الرجلَ في القذف، ثم لم يتعرض لذكره في اللعان، ففي المسألة قولان:
أحدهما: أنه يسقط حدّه كما لو سماه؛ لأنه صدق نفسه في ذلك الزنا باللعان.
والقول الثاني- أنه يُحد للأجنبي لأنه قذفه، ولم يُقم عليه حجةً على تصديق نفسه.
ثم إن فرعنا على هذا القول الأخير فأراد إسقاط الحد عن نفسه، فإنه يعيد اللعان بكماله، ويعيد ذكرَ المرأة قطعاً، ولا يمكنه أن يقتصر في اللعان المعاد على إثبات الزنا على الأجنبي المسمى.
ثم خلاف أبي حنيفة مشهور، ووجه الرد عليه مذكور، وقد صح أن العجلاني رمى زوجته بشريك بن سحماء، ولم يسمّه في اللعان، ولم يتعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لإيجاب الحد عليه.
وينشأ من هذا الذي ذكرناه أصلٌ، وهو أن من قذف بحضرة القاضي رجلاً، فهل يتعين على القاضي أن يُخبر ذلك المقذوفَ حتى يطلب حقَّه من حد القذف؟ فيه وجهان ذكرهما صاحب التقريب وغيُره:
أحدهما: أنه يجب؛ حتى لا يضيع حقٌّ مستحَق.
والثاني: لا يجب ذلك؛ لأن العقوبات مبناها على الدرء.
ثم تكلم الشافعي في حديث العسيف على ما سيأتي في موضعه، إن شاء الله عز وجل، وفيه أنه قال: "واغد يا أُنيس، فإن اعترفت فارجمها " ولم يكن غرضُ الرسول صلى الله عليه وسلم ببعثه أُنيساً أن يستنطقها بما يوجب عليها حدَّ الزنا، وإنما فعل ذلك ليخبرها بحقها في حدّ القذف " فإنَّ أبا العسيف قَذَفها: إذ قال: إن ابني زنا بامرأة هذا".
9673- ثم قال: "وأي الزوجين كان أعجمياً... إلى آخره".
إذا كان الزوج أعجمياً، التعن بلسانه والمترجم يترجم، ثم اختلف الأئمة في عدد المترجم، فقال قائلون: ينبغي أن يكونوا على عدد شهود الزنا، ومن أصحابنا من اكتفى بمترجمَيْن، وسيأتي ذكر هذا في كتاب الحدود، إن شاء الله عز وجل.

.باب: ما يكون بعد التعان الزوجين من الفرقة:

9674- لعان الزوج يوقع الفرقة ويثبت الحرمة المؤبدة، فلا يحل للملاعن نكاحُ التي لاعن عنها أبداً، وهل يستحل وطأها بملك اليمين؟ فيه اختلافٌ ذكرتُه، وهو جارٍ في ثلاث مسائلَ على ثلاث مراتبَ: إحداها- إذا ظاهر وعاد، ثم اشترى التي ظاهر عنها، ففي استباحة وطئها بملك اليمين قبل التكفير وجهان.
وإذا طلقها ثلاثاً، واشتراها، ففي استباحة وطئها بملك اليمين قبل التحليل وجهان.
وإذا لاعن عنها، فاشتراها طريقان:
أحدهما: القطع بأنها لا تستباح بملك اليمين لتأبّد الحرمة.
والثانية- أن المسألة فيها على الخلاف.
وخالف أبو حنيفة في تأبيد الحرمة في خَبْطٍ من مذهبه معروف.
وكل لعان جرى في غير النكاح لأجل نفي الولد، ففي تعلّق الحرمة المؤبّدة به وجهان، وهذا يجري في البائنةِ، والمنكوحةِ نكاحاً فاسداً، واللعانُ إذا صادف الرجعيةَ، حرَّمها على الأبد؛ لأنها في حكم الزوجات، وهذا من أصدق الشواهد فيما ذكرناه.
9675- ثم قال: "وأيهما مات قبل يُكملُ الزوجُ اللعان... إلى آخره".
إذا مات أحدُ الزوجين قبل التلاعن، فنقول: إن مات الزوج أولاً قبل أن يستكمل كلماتِ اللعان، فالنكاح قائم والوِراثةُ باقيةٌ، ووجودُ تلك الكَلِم وعدمُها بمثابةٍ، ونَسبُ المولود الذي تعرض لنفيه ثابت، ولو أراد ورثة الزوج أن يلتعنوا لنفي ذلك المولود، لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً؛ فإن اللعان لا يصدر قطّ إلا من زوج، فإذا امتنع اللعان منهم، استحال انتفاء النسب بلا لعان، وليس هذا كالاستلحاق؛ فإنهم يحلّفون الموروث في الاستلحاق، كما مضى ذِكْرُه في كتاب الأقارير.
والنسب على الجملة يثبت على وجُوهٍ، وليس للنفي وجهٌ غيرُ ما أثبته الشرع.
فإن ماتت المرأة في خلال لعانه، فإن كان ثَمّ ولد، فالزوجِ يستكمل اللعان لنفيه.
وإن لم يكن ثَمّ ولد، وكان القذف في أصله موجباً للحد، فالحدّ يثبت موروثاً لولا اللعان، والزوج من الورثة، أيضاً.
وهذا يخرّج على أصلٍ وهو أن من قذف زوجته، وماتت الزوجة، وقضينا بأن إرث الحد كإرث المال، فالزوج يرث قسطاً من الحد، وهل يتضمن هذا سقوطَ جميع الحد؟ هذا مُرتَّب على ما إذا عفا بعض الورثة عن حقه من الحد، فهل يَسقط حقوقُ الباقين؟ فيه خلافٌ قدمته.
فإن قلنا: لا يسقط، فكأنا أثبتنا لكل واحد منهم حدّ القذف بكماله، فعلى هذا إذا ماتت الزوجة، فحد القذف يقام على الزوج-وإن كان من الورثة- فإن ما تقتضيه الوراثة سقوط حق الزوص بجهة الإرث.
وإذا كان إسقاط البعض لا يُسقط الحد في الباقين، فإذا أتى التبعيض من جهة الاستحقاق المستفاد من الوراثة، كان الجواب كذلك إذا قلنا: إسقاطُ البعض يوجب سقوطَ حقوق الباقين، فالحد يسقط إذا ماتت الزوجة؛ فإن الزوج قد ورثها.
وغرضنا الآن أن الزوجة إذا ماتت في أثناء لعانه، ولا ولد يُنفَى، فقد ماتت على النكاح، والحدُّ موروث، فإن أسقطنا الحدَّ، تركَ الزوجُ اللعان؛ إذ لا فائدة فيه.
وإن حكمنا بأن الحد باقٍ، فله أن يكمل اللعان حينئذ لدفع الحد.
9676- ثم إن ماتت في الأثناء، وقَرُب الزمانُ وأمكن البناء، قال القاضي: يبني على كَلِم اللعان، فلا يستأنفها، فإن طال الزمان استأنف اللعان.
أما البناء في قِصَر الزمان، فعلّته أن المقصود الذي بُني اللعانُ عليه نفيُ الحد، وذلك مُسَتَمدُّه لا تبدّل فيه-وإن انتهى النكاح نهايته- ويستحيل أن يلزَمه الحدُّ، لا محالة، وقد أنشأ القذفَ في النكاح، فلا يجد دفعاً للحد الذي يلتزمه، فبان أن المقصود واحدٌ، لم يتبدل.
وهذا فيه نظر.
وفي كلام الأصحاب... من قِبل أن مستحِقّ الحد قد تبدل، فكانت الزوجةُ هي المستحِقة، وانتقل الاستحقاق منها إلى الورثة.
ويجوز أن يقال: اللعان لا يجري في معارضة استحقاق الورثة، وإنما يجري لدفع الحد، من غير نظر إلى من يستحِق؛ إذ لو كنا ننظر إلى المستحِق، لأبطلنا اللعان بالموت قبل تمام الكلمات من الزوج، فإذا لم نحكم ببطلان اللعان مع القطع بأن اللعان لا يتعلق بغير الزوجة، دل أن وراثة الورثة لا تغير حكماً، ولا تثبت لكلمات اللعان حكمَ التقطع.
فإذا فرض ابتداء اللعان بعد موت الزوجة، فمعتمد اللعان انتفاء الحد من أصله، وليس يتضمن قطع حدٍّ وجب؛ فإن الحد الواجب لا يدرؤه إلا إبراء المستحق، فوضح أن مستند اللعان هذا، وذلك لا يختلف بتبدل المستحِق، فليقع التعويل عليه، وما عداه من الإحواج إلى ابتداء اللعان ظنٌّ من بعض الأصحاب لا يُلحَق بالمذهب.
هذا إذا حصل الموت في أثناء كلم اللعان، وأراد الزوج البناء على الاتصال.
9677- فأما إذا تخلل فصلٌ فكبف السبيل فيه؟
نُقدم عليه أصلاً فنقول: إن كلماتِ اللعان لو انقطعت بفصولٍ متخِّلَةٍ وِفاقيّة، فهل نحكم بتقطّعها حُكْماً وبطلانِها؛ حتى نقول: يجب إعادتُها، أم يجوز البناء عليها والاعتداد بما مضى؟
فيه تردُّدٌ للأصحاب، وكذلك ذُكر هذا التردُّد في أيمان القسامة إذا تخللها فصلٌ بقطع تواصلها.
وتحقيق القول في ذلك أن كَلِم اللعان لابد منها، والاقتصارُ على بعضها إعراض عن طريق الاتباع؛ حيث لا مسلك إلا الاتباع.
فأما إبدال لفظ الشهادة بغيره، فقد ظن بعض الأصحاب توهينَ الأمر فيه؛ لقرب المعنى والمقصودِ، وهذا غير صحيح، والوجه التزام صيغ الكلم، وفاءً بحق الاتباع.
وعكسُ كلمات اللعان وتركُ ترتيبها في معنى إبدال لفظ الشهادة بغيره.
فأما الوِلاء، فهو الأصل، وإن فُرض تقطّعٌ فالإتيان بالكلم ظاهرٌ، وقد نفهم من الوِلاء مزيدَ تأثير في التغليظ، فكذلك القول في القسامة، فليس أثر المولاة بين خمَسين يميناً بمثابة أثر خمسين يميناً في خمسين مجلساً، فيمكن حمل هذا التردد على ما يتعلق بالتعظيم والتفخيم كإجراء اللعان في مشهدٍ وإيقاعِه في مكان مخصوص، وزمانٍ مخصوص، ولسنا ننكر أن تأثير الوِلاء أظهرُ من تأثير المكان والزمان، لاختصاصه بعَيْن الكلم، وليس ثرك الوِلاء في معنى ترك اللفظ أو تبديله.
فهذا مراتب الكلام في ذلك، ولا يستريب ذو تحصيل أن ما صورناه في التقطيع الوفاقي.
فأما إذا عرض السلطان أيمان القسامة، وفُرض النكولُ عن بعضها، فهو نكول محقق، وللنكول حكمه. نعم، لا يؤثر النكول في اللعان؛ من جهة أن الزوج لو صرح بالنكول عن اللعان، ثم رغب فيه مُكِّن منه، فلا فرق بين أن تكون الفصول الواقعة وفاقية قدَريّة، وبين أن تكون مترتبة على نكول من الزوج وعَوْد.
9678- ثم قال: "فإن امتنع أن يكمل اللعان، حُدّ لها... إلى آخره "
هذا بيّنٌ؛ فإذا كانت محصنةً وقذفها، ثم امتنع عن اللعان حَدَدْناه لها إن كان حُرّاً ثمانين، وإن كان عبداً، فأربعين، وإن قذفها برجل بعينه بكلمة واحدة، فقال: زنا بك فلان، فقد ذكرنا أن من قذف شخصين بكلمة واحدة يلزمه حدان أم حدٌّ؟ وسنعيد القولين، والتفريعُ عليهما.
فإن قال لامرأته: زنا بك فلان، فقد قذف شخصين بكلمة واحدة، وقد رأى أصحابنا أن يُجروا القولين في هذه الصورة مرتَّبَيْن على ما إذا قذف أجنبيين أو أجنبيتين، وزعموا أن قذف الزوجة بأجنبي أولى بالاتحاد؛ فإنه نسبهما إلى فعل واحد، فاقتضى ذلك في اتحاد الحدّ تأكيداً.
وقد يخطر لمن يتمسك بطرق الترجيح أن القذف في حق الأجنبي يخالف حكمُه حكمَ القذف في حق الزوج، فيعادل هذا الاختلافُ ما أشرنا إليه من اتحاد الفَعْلة، ويقتضي هذا التعادل الاستواء في المرتبة، فيقال له: اللعان كما يدفع حدّ الزوجة يدفع حدّ الأجنبي، فلا اختلاف إذاً من هذا الوجه، والأمر في ذلك قريب، بعد جريان الخلاف واطراد القولين.
نعم، لو قال لرجل وامرأة أجنبيين: زنيتَ أنت بهذه، فاتحاد الحد في هذه الصورة مرتب على ما إذا قال لأجنبيين: زنيتما؛ لما ذكرناه من اتحاد الفعل.
هذا إذا امتنع الرجل عن اللعان.
9679- فلو أكمل اللعان، وامتنعت المرأة من اللعان، فنقول: يلزمها الحدُّ إذا تحقق امتناعها، فإن كانت بكراً، جُلدتْ وغُرّبت، وإن كانت ثيّباً، رُجمت.
وإذا كان حدّها بالسياط، فلا نحدُّها في شدة الحر والبرد، وهذا مطرد في كل حد هو جلدٌ، على ما سيأتي في الحدود، إن شاء الله.
وإن كانت محصنة تَوَجَّه الرجمُ، ثم المنصوص عليه: أنا لا نؤخر إقامة الرجم عليها عن شدة الحر والبرد، ونص الشافعي على أن من أقر بالزنا، وكان محصناً قال: لا نرجمه في شدة الحر والبرد، بل يؤخر.
وقال المرتِّبون: إن ثبت الزنا بالبيّنة العادلة، فلا توقّف؛ فإن الرجم قتلٌ، ولا محاذرة من الهلاك، ولا نبني الأمر على إمكان رجوع العدول عن شهاداتهم في أخطر الأمور، ومن ظن بهم هذا، فقد حطّهم عن رتبة العدالة، ولا ينتظم في وضع الشرع بناء الأمر الثابت بشهادة الشهود على خروجهم عن كونهم شهوداً.
9680- فأما إذا ثبت الرجم بالإقرار أو بلعان الزوج للشافعي نصان كما حكيناهما: نصّه في اللعان أنه لا يؤخَّر، ونصه في الأقارير أنه يؤخَّر ويتوقف، فاختلف أصحابنا في المسألة على طريقين: منهم من قال: فيهما قولان بالنقل والتخريج:
أحدهما: أنا نتأنى فيهما إلى مُضيّ الحر والبرد؛ لأن المقرَّ قد يصيبه أحجارٌ، فيرجع، والملاعِنُ قد يكون كاذباً ثم يشاهد المرجومة، فيرِقُّ لها، ويرى تعريضَ نفسه لحد القذف أهونَ مما يتداخله من الرقة عليها.
فإن كان هذا ممكناً، لم نبتدىء الحد لتوقع ما ذكرناه، ولا يُقدّرُ مثلُ هذا في شهادة العدول.
ومن أصحابنا من أقر النصّين في اللعان والإقرار قرارهما، وفَرَّق بأن المُقر هو المرجوم، فيغلبُ أن يرجع؛ فإن الرجوع عن الإقرار مما تستحث عليه الطبيعة والشريعةُ، وهذا في الجملة بيّن: أما حث الشرع، فسنذكر في الحدود أنا لا نؤثر للإنسان أن يقر على نفسه بفاحشة، وقد قال عليه السلام: «من أتى من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله»، وهذا يستحثه والمقر صادقٌ، ثم يطرد هذا في الرجوع عن الإقرار، وفيه مسألتُنا، فأما تكذيبُ الزوج نفسَه في كَلِم اللعان، فهو مما لا نستحث عليه، ولا نأمر به، هذه الطريقةُ المشهور.
وذكر صاحب التقريب ما ذكرناه وطريقتين أخريين:
إحداهما: طرد القولين في شهادة الشهود أيضاًً، بناء على تقدير الرجوع، سيّما وأدبُ الدين أن يحضروا موضع إقامة الحد، قال الله: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ} [النور: 2]، قال معظم المفسرين: أراد شهود الزنا، فلعل الغرض أن يعاينوا؛ فإنْ كان من رَيْبٍ، رجعوا إذا عاينوا.
والطريقة الأخرى: القطع بأن الثابت بالإقرار لا يؤخَّر قولاً واحداً، والقولان في الثابت بشهادة الشهود واللعان؛ فإن الإنسان لا يقر بما يوجب هلاكه إلا على ثَبَتٍ وتوطين نفس على ما يلقاه، فالرجوع بعيدٌ-وإن كان مقبولاً لو وقع- والشهادةُ واللعانُ في معرض الريْب، وهذه الطريقة فاسدة مخالفة لما عليه جماهير الأصحاب.
فصل:
9681- ثم قال: "وزعم بعض الناس ألا يلاعن بحملٍ... إلى آخره "
أراد أبا حنيفة فإن من مذهبه أنه لا يجوز اللعان على الحمل.
مقصود الفصل الكلامُ في نفي الحمل باللعان، والترتيبُ فيه أن الزوج إذا أبان زوجته، ثم قذفها، وثَمَّ ولدٌ متعرِّضٌ للثبوت، فقد ذكرنا أن للزّوج أن يلتعن لنفي النسب، فلو كان بها حملٌ، وقد ظهرت الأمارة، فقذفها، وأراد نفيَ الحمل باللعان، فهل له ذلك؟ فعلى قولين:
أحدهما: له النفي؛ فإن حكم اللحوق يثبت في الحمل، كما يثبحت في الولد المنفصل، فأشبه الحملُ الولدَ المنفصل.
والثاني: لا يلتعن؛ فإن الحمل غيرُ مستيقَنٍ، واللعان خطرُه عظيم، فلا يسوغ الإقدام عليه بما ليس مستيقناً.
وبنى بعض أصحابنا القولين على القولين في أن الحمل هل يُعْرف؟ وقد أطلق الأئمة في ذلك قولين، ونحن نشرحهما في هذا المقام، ونستعين بالله تعالى.
اتفق العلماء على أن الحمل غيرُ مستيقن، فكيف يفرض التردد في أن الحمل هل يعرف؟ وكم من امرأة يبدو عليها مخايل الحمل غير أنه يتبين أن الذي بها ريح غليظة مختنقة في الرحم تجد المرأة لها من خُبْث النفس، والغثيانِ، ورُبوِّ البطن، واحتباسِ الحيض، ما تراه الحامل، ثم تنفُش الريح، وينفتح... الرحم.
هذا لا ننكره، وقد يتفق تورّمٌ في الرحم على نحو ما ذكرناه.
فإطلاق القولين في أن الحمل هل يُعلم لا وجه له، إلا أن يُحمل على التعبير عن الأحكام التي تنفي وتثبت، فعلى هذا تكون العبارة مائلةً عن النظم السديد؛ فإنا إذا قلنا في هذا الحكم مثلاً: الحمل هل يُنْفى باللعان؟ فعلى قولين بناء على أن الحمل هل يُعلم، رجع حاصل القول إلى أن الحمل هل يُلْحَقُ في اللعان عنه بالمعلوم أم لا؟
9682- فحاصل الكلام أن القولين أصلهما أن الحمل في هذا الحكم هل يلحق بالمعلومات؟
ونحن نقول: أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الخَلِفاتِ من الإبل في الدية، وهذا حكم بثبوت الحمل والاكتفاء بالأمارة، ولا يتجه غيرُه؛ لأنا لو أوجبنا الفُصلان، لزِدْنا على العدد، والرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يُثبت الحمل صفةً، ثم لا فَوْت؛ فإن بان بعض الخَلِفات حوائل بدّلناها.
ووجوب الإنفاق على المعتدة البائنة الحامل على طريقين: منهم من خرجه على ما ذكرناه من القولين، فقال في قول: يجب تنجيز الإنفاق، ثم إن بانت حائلاً، استرْدَدْنا ما أنفقناه؛ فإن في تأخير الإنفاق إضراراً بيّناً ناجزاً، واستردادُ النفقة أهون من تعجيل الإضرار بالحمل على الانتظار.
ومن أصحابنا من خرّج الإنفاق على قولين مَصيراً إلى أن الأصل براءة الذمة عن النفقة، وقد انقطع عصام النفقة، ولم نستيقن سبباً متجدداً، وإذا ظهرت أمارُة الحمل، لم نُقم حدّاً ولا قصاصاً محافظةً على الحمل، فلا ضرار في تأخّر العقوبة.
وفي نفي الحمل باللعان تردُّد، وهو أنا في وجهٍ نرى النسب حريّاً بالثبوت فلا نبتدر، بل نتوقف إلى وقوع الاستقلال، وفي قولٍ يجوز اللعان خيفة أن يموت الزوج، فيلتحق الولد الدَّعي بشجرته، وليس منه، فالأحكام إذاً على التفاوت: لا خيفةَ، فيجري بعضها على القطع بوجود الحمل، وبعضها على الاختلاف والتردّد، فأطلق بعضُ الناس قولَيْن في أن الحملَ هل يُعلم؟
9683- هذا كله في الحمل بعد البينونة، فأما إذا كان الحمل في قيام الزوجية، فالذي ذهب إليه المحققون أنه يجوز نفيه باللعان.
وذهب بعض أصحابنا إلى تخريج القولين في حمل النكاح أيضاًً، وهذا إن كان محتملاً في مسلك المعنى، فتقريب حالة الزوجية من حالة البينونة في أن نفس النسب فيهما على وتيرة واحدة، كما أن اللحوق فيهما على وتيرة واحدة لا سبيل إلى القول به؛ لما صح أن العجلاني لاعن عن امرأته، ونفى حملَها، ثم أتت به بعد اللعان على النعت المكروه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لولا الإيمان، لكان لي ولها شأن»، وهذا لا دَفْع له، وفي الحديث أنه برّأ ظهره، ونفى نسبه.
وقد يتجه فرقٌ من طريق المعنى؛ فإن اللعان في صلب النكاح، يجد معتمداً؛ إذ يُتصور جريانُ اللعان دون النسب المتعرض للثبوت فلا يمتنع أن يجرى اللعان على أصله، ثم الحمل ينتفي تبعاً.
والتبعيةُ ليست منكرة في الحمل، فإن الحمل قد يثبت مبيعاً تبعاً للأم. نعم، لا يفرد الحمل بالبيع، فلذلك لا يمتنع ألا يفرد بالنفي بعد البينونة، والفرق بين ما يثبت تابعاً وبين ما يثبت مقصوداً بيّنٌ في أصول الشريعة، فالثمار قبل الزَّهو لا تباع مُطْلقة، فإذا بيعت مع الأشجار، بيعت مُطْلقة، وزالت التبعية إلى غير ذلك من الأمثلة.
هذا ما أردنا أن نذكره في نفي الحمل.
ثم سيأتي بابٌ في أن نفي الولد على الفور على الأصح من المذهب، ونفيُ الحمل ليس على الفور وفاقاً، لما فيه من التردد. فلئن كنا نحمل تأخير النفي في الولد على الرضا به واستلحاقه، فهذا لا يتجه في الحمل؛ فإن الرجل ربما يبني الأمرَ على أن ما يَحسَبه حملاً ليس بحمل، فإذا لم يكن كُفي التعرضَ للشهرة والفضيحة، فلا يتجرّد في التأخير وجهُ الرضا، وهذا لم أر فيه خلافاًً.
9684- ثم تعرض الشافعي لمحاجّة يطول ذكرها، فقال: "وزعم بعض الناس أن لو جامعها وهو يعلم حملها... إلى آخره".
أراد بهذا أبا يوسف؛ فإنه قال: إذا أتت المرأة بولدٍ، أُمهل الزوج في النفي مدة النفاس: أربعين يوماً، وعند أبي حنيفة يُمهل بعد الولادة ثلاثة أيام، وسيأتي أقوال الشافعي في ذلك، وإنما نَقِم في هذا الفصل مذهبَ من يقدِّر بمدة النفاس، وأطال في هذا كلامه ولسنا له الآن.
وذكر محاجة أخرى في ماهيّة اللعان وأنه عقوبة أو حُجة، وتعرض للحبس في اللعان، وقد استقصينا هذه المسالك في (الأساليب).