فصل: تفسير الآية رقم (19):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نيل المرام من تفسير آيات الأحكام



.تفسير الآية رقم (19):

الآية السادسة:
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19)}.
معنى الآية يتضح بمعرفة سبب نزولها، وهو ما أخرجه البخاري وغيره عن ابن عباس قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته: إن شاء بعضهم تزوجها.
وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت.
وفي لفظ لأبي داود عنه في هذه الآية: كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو تردّ إليه صداقها. وفي لفظ لابن جرير وابن أبي حاتم عنه: فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت ذمية حبسها حتى تموت فيرثها. وقد روي هذا السبب بألفاظ.
{لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً} ولا يحل لكم أن {تَعْضُلُوهُنَّ} عن أن يتزوجهن غيركم {لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ} أي لتأخذوا ميراثهن إذا متن، أو ليدفعن إليكم صداقهن إذا أذنتم لهن بالنكاح. قال الزهري وأبو مجلز: كان من عادتهم إذا مات الرجل وله زوجة ألقى ابنه من غيرها أو أقرب عصبته ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا، وإن شاء عضلها لتفتدي منه بما ورثت من الميت، أو تموت فيرثها، فنزلت الآية.
وقيل: الخطاب لأزواج النساء إذا حبسوهنّ مع سوء العشرة طمعا في إرثهنّ أو يفتدين ببعض مهورهنّ. اختاره ابن عطية قال: ودليل ذلك قوله: {إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} فإنها إذا أتت بفاحشة فليس للوليّ حبسها حتى تذهب بمالها إجماعا من الأمة، وإنما ذلك للزوج. قال الحسن: إذا زنت البكر فإنها تجلد مائة وتنفى وتردّ إلى زوجها ما أخذت منه وقال أبو قلابة: إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارّها ويشقّ عليها حتى تفتدي منه.
قال السّدي: إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهنّ.
وقال قوم: الفاحشة البذاءة باللسان وسوء العشرة قولا وفعلا. وقال مالك وجماعة من أهل العلم: للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك هذا كله على أن الخطاب في قوله: {وَلا تَعْضُلُوهُنَّ} للأزواج، وقد عرفت مما قدمنا في سبب النزول أن الخطاب في قوله: {وَلا تَعْضُلُوهُنَّ} لمن خوطب بقوله: {لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً} فيكون المعنى: ولا يحلّ لكم أن تمنعوهن من الزواج {لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ} أي ما آتاهنّ من ترثونه {إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ}، فحينئذ جاز لكم حبسهن عن الأزواج.
ولا يخفى ما في هذا من التعسف مع عدم جواز حبس من أتت بفاحشة عن أن تتزوج وتستعفّ عن الزنا، وكما أن جعل قوله: ولا تعضلوهن خطابا للأولياء، فيه هذا التعسف! كذلك جعل قوله: {لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ} خطابا للأزواج فيه تعسف ظاهر مع مخالفة سبب نزول الآية الذي ذكرناه. والأولى أن يقال: إن الخطاب في قوله: {لا يَحِلُّ لَكُمْ}: للمسلمين: أي لا يحل لكم معاشر المسلمين أن ترثوا النساء كرها كما كانت تفعله الجاهلية، ولا يحلّ لكم معاشر المسلمين أن تعضلوا أزواجكم أي تحبسوهنّ عندكم، مع عدم رغبتكم فيهنّ، بل لقصد أن تذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ من المهر يفتدين به من الحبس والبقاء تحتكم، وفي عقدكم مع كراهتكم لهنّ {إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} جاز لكم مخالعتهنّ ببعض ما آتيتموهنّ.
{وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أي بما هو معرف في هذه الشريعة وبين أهلها من حسن المعاشرة، وهو خطاب للأزواج أو لما هو أعم، وذلك مختلف باختلاف الأزواج في الغنى والفقر والرفاعة والوضاعة {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ} لسبب من الأسباب من غير ارتكاب فاحشة ولا نشوز {فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19)}: أي فعسى أن يؤول الأمر إلى ما تحبونه من ذهاب الكراهة وتبدلها بالمحبة فيكون في ذلك خير كثير من استدامة الصحبة وحصول الأولاد. فيكون الجزاء على هذا محذوفا مدلولا عليه بعلته: أي فإن كرهتموهن فاصبروا ولا تفارقوهن بمجرد هذه النفرة فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل اللّه فيه خيرا كثيرا.
قيل: في الآية ندب إلى إمساك الزوجة مع الكراهة، لأنه إذا كره صحبتها وتحمّل ذلك المكروه طلبا للثواب وأنفق عليها وأحسن هو معاشرتها استحق الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى.

.تفسير الآية رقم (20):

الآية السابعة:
{وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (20)}.
{وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ}: أي زوجة {مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً}: المراد به هنا المال الكثير، وفيه دليل على جواز المغالاة في المهور {فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً}: قيل: هي محكمة، وقيل: هي منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة: {وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ} والأولى أن الكل محكم. والمراد هنا غير المختلعة فلا يحل لزوجها أن يأخذ مما آتاها شيئا.

.تفسير الآية رقم (22):

الآية الثامنة:
{وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا (22)}.
{وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ} نهى عما كانت عليه الجاهلية من نكاح نساء آبائهم إذا ماتوا، وهو شروع في بيان من يحرم نكاحه من النساء ومن لا يحرم.
{إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ} هو استثناء منقطع: أي لكن ما قد سلف في الجاهلية فاجتنبوه ودعوه، وقيل: إلا بمعنى بعد: أي بعد ما سلف.
وقيل: المعنى ولا ما سلف، وقيل: هو استثناء متصل من قوله: {ما نَكَحَ آباؤُكُمْ} يفيد المبالغة في التحريم بإخراج الكلام مخرج التعليق بالمحال: بمعنى إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوا فلا يحلّ لكم غيره!... وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والحاكم- وصححه- والبيهقي في سننه عن البراء، قال: «لقيت خالي ومعه الراية. قلت: أين تريد؟ قال: بعثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله». ثم بين سبحانه وجه النهي عنه فقال: {إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا (22)} هذه الصفات الثلاث تدل على أنه من أشدّ المحرمات وأقبحها، وقد كانت الجاهلية تسميه (نكاح المقت) وهو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها.
ويقال لهذا (الضّيزن) وأصل المقت: البغض.

.تفسير الآية رقم (23):

الآية التاسعة:
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (23)}.
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ} أي نكاحهنّ، وقد بيّن اللّه سبحانه في هذه الآية ما يحلّ وما يحرم من النساء فحرّم سبعا من النسب، وستا من الرضاع والصهر، وألحقت المتواترة تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، ووقع عليه الإجماع.
فالسبع المحرمات من النسب الأمهات. {وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ} أي البنات والأخوات والعمات والخالات {وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} هذا مطلق قيد بما ورد في السنة من كون الرضاع في الحولين إلا في مسألة قصة إرضاع سالم مولى أبي حذيفة. وظاهر النظم القرآني أنه يثبت حكم الرضاع بما يصدق عليه مسمى الرضاع لغة وشرعا، ولكنه قد ورد تقييده بخمس رضعات في أحاديث صحيحة عن جماعة من الصحابة. والبحث عن تقرير ذلك وتحقيقه يطول، وقد استوفاه الشوكاني في مصنفاته وقرر ما هو الحق في كثير من مباحث الرضاع، وذكرنا طرفا منه في شرحنا لبلوغ المرام.
{وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ} الأخت من الرضاع هي التي أرضعتها أمك بلبان أبيك سواء أرضعتها معك أو مع من قبلك أو بعدك من الأخوة والأخوات، والأخت من الأم: هي التي أرضعتها أمك بلبان رجل آخر.
{وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَ} فالمحرمات بالصهر والرضاع: الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة وأمهات النساء والربائب وحلائل الأبناء والجمع بين الأختين، فهؤلاء ست، والسابعة منكوحات الآباء، والثامنة الجمع بين المرأة وعمتها.
قال الطحاوي: وكل هذا من المحكم المتفق عليه، وغير جائز نكاح واحدة منهن بالإجماع إلا أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهنّ أزواجهنّ، فإن جمهور السلف ذهبوا إلى أن الأم تحرم بالعقد على الابنة ولا تحرم الابنة إلا بالدخول بالأم.
وقال بعض السلف: الأم والربيبة سواء لا تحرم واحدة منهما إلا بالدخول بالأخرى.
قالوا: ومعنى قوله: {وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ}: أي اللاتي دخلتم بهن. وزعموا أن قيد الدخول راجع إلى الأمهات والربائب جميعا، رواه خلاس عن عليّ. وروي عن ابن عباس وجابر وزيد بن ثابت وابن الزبير ومجاهد.
قال القرطبي: ورواية خلاس عن عليّ لا تقوم بها حجة ولا تصح روايته عند أهل الحديث، والصحيح عنه مثل قول الجماعة.
وقد أجيب عن قولهم إن قيد الدخول راجع إلى الأمهات والربائب بأن ذلك لا يجوز من جهة الإعراب، وبيانه أن الخبرين إذا اختلفا في العامل لم يكن نعتهما واحدا، فلا يجوز عند النحويين مررت بنسائك وهويت نساء زيد الظريفات، على أن يكون الظريفات نعتا للجميع فكذلك في الآية لا يجوز أن يكون {اللاتي دخلتم بهنّ} نعتا لهما جميعا لأن الخبرين مختلفان.
قال ابن المنذر: والصحيح قول الجمهور لدخول جميع أمهات النساء في قوله: {وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ}. ومما يدل على ما ذهب إليه الجمهور ما أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه من طريقين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال: «إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها، دخل بالابنة أو لم يدخل، وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج الابنة».
قال ابن كثير في تفسيره مستدلا للجمهور: وقد روي في ذلك خبر غير أن في إسناده نظرا، فذكر هذا الحديث ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فإن إجماع الأمة على صحة القول به يغني عن الاستشهاد على صحته بغيره.
قال في الكشاف: وقد اتفقوا على أن تحريم أمهات النساء مبهم دون تحريم الربائب على ما عليه ظاهر كلام اللّه تعالى. اهـ.
ودعوى الإجماع مدفوعة بخلاف من تقدم.
واعلم أنه يدخل في لفظ الأمهات أمهاتهنّ وجداتهنّ وأم الأب وجدّاته- وإن علون- لأن كلهن أمهات لمن ولده من ولدنه، وإن سفل.
ويدخل في لفظ البنات بنات الأولاد، وإن سلفن، والأخوات تصدق على الأخت لأبوين أو أحدهما.
والعمة: اسم لكل أنثى شاركت أباك أو جدّك في أصليه أو أحدهما. وقد تكون العمة من جهة الأم وهي أخت أب الأم.
والخالة: اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها أو أحدهما. وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك. وبنت الأخ اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة بواسطته ومباشرة وإن بعدت وكذلك بنت الأخت.
والمحرمات بالمصاهرة أربع: أمّ المرأة وابنتها وزوجة الأب وزوجة الابن.
والربيبة: بنت امرأة الرجل من غيره، سميت بذلك لأنه يربيها في حجره فهي مربوبة فعيلة بمعنى مفعولة.
قال القرطبي: واتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم، وإن لم تكن الربيبة في حجره، وشذ بعض المتقدّمين وأهل الظاهر فقالوا: لا تحرم الربيبة إلا أن تكون في حجر المتزوج بأمها، فلو كانت في بلد آخر وفارق الأم فله أن يتزوج بها. وقد روي ذلك عن عليّ.
قال ابن المنذر والطحاوي: لم يثبت ذلك عن عليّ لأنه رواه إبراهيم بن عبيد عن مالك بن أوس عن علي وإبراهيم هذا لا يعرف! وقال ابن كثير في تفسيره بعد إخراج هذا عن علي: وهذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه- على شرط مسلم.
والحجور: جمع حجر بفتح الحاء وكسرها، والمراد أنهنّ في حضانة أمهاتهنّ تحت حماية أزواجهن، كما هو الغالب وقيل المراد بالحجور البيوت أي في بيوتكم.
حكاه الأثرم عن أبي عبيدة.
{فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ}: أي في نكاح الربائب، وهو تصريح بما دلّ عليه مفهوم ما قبله.
وقد اختلف أهل العلم في معنى الدخول الموجب لتحريم الربائب: فروي عن ابن عباس أنه قال: الدخول الجماع، وهو قول طاووس وعمرو بن دينار وغيرهما.
وقال مالك والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والليث: إن الزوج إذا لمس الأمّ بشهوة حرمت عليه ابنتها، وهو أحد قولي الشافعي.
قال ابن جرير والطبري: وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأته لا تحرّم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها، وقبل النظر إلى فرجها بشهوة ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع. انتهى.
وهكذا حكى الإجماع القرطبي فقال: وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حلّ له نكاح ابنتها واختلفوا في النظر: فقال الكوفيون إذا نظر إلى فرجها بشهوة كان بمنزلة اللمس بشهوة وكذا قال الثوري ولم يذكر الشهوة.
وقال ابن أبي ليلى: لا يحرم بالنظر حتى يلمس، وهو قول الشافعي.
والذي ينبغي التعويل عليه في مثل هذا الخلاف هو النظر في معنى الدخول شرعا أو لغة: فإن كان خاصا بالجماع فلا وجه لإلحاق غيره به من لمس أو نظر أو غيرهما، وإن كان معناه أوسع من الجماع بحيث يصدق على ما حصل فيه نوع استمتاع كان مناط التحريم هو ذلك.
وأما الربيبة في ملك اليمين فقد روي عن عمر بن الخطاب أنه كره ذلك.
وقال ابن عباس: أحلتهما آية وحرمتهما آية ولو لم أكن لأفعله.
وقال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل أن يطأ امرأة وابنتها من ملك اليمين لأن اللّه حرّم ذلك في النكاح، قال: {وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ}، وملك اليمين عندهم تبع للنكاح، إلا ما روي عن عمر وابن عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم انتهى.
{وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ} الحلائل: جمع حليلة وهي الزوجة، سميت بذلك لأنها تحلّ مع الزوج حيث حلّ، فهي فعلية بمعنى فاعلة. وذهب الزجاج وقوم إلى أنها من لفظ الحلال فهي حليلة بمعنى محللة وقيل: لأن كل واحد منهم يحل إزار صاحبه.
وقد أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء وما عقد عليه الأبناء على الآباء سواء كان مع العقد وطء أو لم يكن. لقوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ}، وقوله تعالى: {وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ}.
واختلف الفقهاء في العقد إذا كان فاسدا هل يقتضي التحريم أم لا كما هو مبين في كتب الفروع؟
وقال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم من علماء الأمصار أن الرجل إذا وطئ امرأة بنكاح فاسد لا تحرم على أبيه وابنه وعلى أجداده، وأجمع العلماء على أن عقد الشراء على الجارية لا يحرّمها على أبيه وابنه، لا أعلمهم يختلفون فيه فوجب تحريم ذلك تسليما لهم. ولو اختلفوا في تحريمها بالنظر دون اللمس لم يجز ذلك لاختلافهم. قال ولا يصح عن أحد من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خلاف ما قلناه.
{الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ} وصف للأبناء: أي دون من تبنيتم من أولاد غيركم، كما كانوا يفعلونه في الجاهلية. ومنه قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً}. ومنه قوله: {وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ}. ومنه: {ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ}.
وأما زوجة الابن من الرضاع فذهب الجمهور إلى أنها تحرم على أبيه، وقد قيل: إنه إجماع مع أن الابن من الرضاع ليس من أولاد الصلب. ووجهه ما صح عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من قوله: «يحرم من الرّضاع ما يحرم من النسب». ولا خلاف أن أولاد الأولاد، وإن سفلوا، بمنزلة أولاد الصلب في تحريم نكاح نسائهم على آبائهم.
وقد اختلف أهل العلم في وطء الزنا: هل يقتضي التحريم أم لا؟ فقال أكثر أهل العلم: إذا أصاب رجل امرأة بزنا لم يحرم عليه نكاحها بذلك، وكذلك لا تحرم عليه امرأته إذا زنا بأمها أو بابنتها، وحسبه أن يقام عليه الحدّ، وكذلك يجوز له عندهم أن يتزوّج بأم من زنا بها وبابنتها.
وقالت طائفة من أهل العلم: إن الزنا يقتضي التحريم، حكي ذلك عن عمران بن حصين والشعبي وعطاء والحسن وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب.
الرأي، وحكى ذلك عن مالك، والصحيح عنه كقول الجمهور.
احتج الجمهور بقوله تعالى: {وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ}، وبقوله: {وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ}. والموطوءة بالزنا لا يصدق عليه أنها من نسائهم ولا من حلائل أبنائهم.
وقد أخرج الدارقطني عن عائشة قالت: سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن رجل زنى بامرأة فأراد أن يتزوجها أو ابنتها فقال: «لا يحرم الحرام الحلال»، واحتج المحرّمون بما روي في قصة جريج الثابتة في الصحيح أنه قال: «يا غلام من أبوك؟ فقال فلان الراعي» فنسب الابن نفسه إلى أبيه من الزنا، وهذا احتجاج ساقط.
واحتجوا أيضا بقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «لا ينظر اللّه إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها ولم يفصل بين الحلال والحرام». ويجاب عنه بأن هذا مطلق مقيد بما ورد من الأدلة الدالة على أن الحرام لا يحرّم الحلال.
ثم اختلفوا في اللواط هل يقتضي التحريم أم لا؟ فقال الثوري: إذا لاط بالصبيّ حرمت عليه أمه! وهو قول أحمد بن حنبل، قال: إذا تلوّط بابن امرأته أو أبيها أو أخيها حرمت عليه امرأته.
وقال الأوزاعي: إذا لاط بغلام وولد للمفجور به بنت لم يجز للفاجر أن يتزوجها لأنها بنت من قد دخل به.
ولا يخفى ما في قول هؤلاء من الضعف والسقوط النازل عن قول القائلين بأن وطء الحرام يقتضي التحريم بدرجات لعدم صلاحية ما تمسك به أولئك من الشبه على ما زعمه هؤلاء من اقتضاء اللواط للتحريم.
{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ}: أي وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين فهو في محل رفع عطفا على المحرمات السابقة، وهو يشمل الجمع بينهما بالنكاح والوطء بملك اليمين.
وقيل: إن الآية خاصة بالجمع في النكاح لا في ملك اليمين. وأما في الوطء بالملك اليمين فلا حق بالنكاح، وقد اجتمعت الأمة على منع جمعهما في عقد النكاح.
واختلفوا في الأختين بملك اليمين: فذهب كافة العلماء إلى أنه لا يجوز الجمع بينهما في الوطء بالملك فقط، وقد توقف بعض السلف في الجمع بين الأختين في الوطء بالملك.
واختلفوا في جواز عقد النكاح على أخت الجارية التي توطأ بالملك.
فقال الأوزاعي: إذا وطئ جارية له بملك اليمين لم يجز له أن يتزوّج أختها.
وقال الشافعي: مالك اليمين لا يمنع نكاح الأخت.
وقد ذهبت الظاهرية إلى جواز الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء، كما يجوز الجمع بينهما في الملك.
قال ابن عبد البر- بعد أن ذكر ما روي عن عثمان بن عفان من جواز الجمع بين الأختين في الوطء بالملك-: وقد روي مثل قول عثمان عن طائفة من السلف منهم ابن عباس ولكنهم اختلف عليهم ولم يلتفت أحد إلى ذلك من فقهاء الأمصار بالحجاز ولا بالعراق ولا ما وراءها من المشرق ولا بالشام ولا المغرب إلا من شذّ عن جماعتهم باتباع الظاهر ونفي القياس، وقد ترك من تعمد ذلك.
وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء كما لا يحل ذلك في النكاح، وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ} إلى آخر الآية أن النكاح بملك اليمين في هؤلاء كلهنّ سواء، فكذلك يجب أن يكون قياسا ونظر الجمع بين الأختين وأمهات النساء والربائب، وكذلك هو عند جمهورهم وهي الحجة المحجوج بها من خالفها وشذ عنها. واللّه المحمود انتهى.
وأقول: هاهنا إشكال وهو أنه قد تقرّر أن النكاح يقال على العقد فقط، وعلى الوطء فقط، والخلاف في كون أحدهما حقيقة والآخر مجازا، وكونهما حقيقتين معروف: فإن حملنا هذا التحريم المذكور في هذه الآية وهي قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ} إلى آخر الآية، على أن المراد تحريم العقد عليهنّ لم يكن في قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} دلالة على تحريم الجمع بين المملوكتين في الوطء بالملك؟ وما وقع من إجماع المسلمين على أن قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ} إلخ يستوي في الحرائر والإماء، والعقد، والملك لا يستلزم أن يكون محل الخلاف، وهو الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين مثل محل الإجماع، ومجرد القياس في مثل هذا الموطن لا تقوم به الحجة لما يرد عليه من النقوض، وإن حملنا التحريم المذكور في الآية على الوطء فقط لم يصح ذلك للإجماع على تحريم عقد النكاح على جميع المذكورات من أوّل الآية إلى آخرها فلم يبق إلا حمل التحريم في الآية على تحريم عقد النكاح، فيحتاج القائل بتحريم الجمع بين الأختين في الوطء بالملك إلى دليل، ولا ينفعه أن ذلك قول الجمهور، فالحق لا يعرف الرجال، فإن جاء به خالصا عن شوب الكدر فيها ونعمت، وإلا كان الأصل الحل، ولا يصح حمل النكاح في الآية على معنييه جميعا أعني العقد والوطء لأنه من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو ممنوع، أو من باب الجمع بين معنى المشترك، وفيه الخلاف المعروف في الأصول فتدبر هذا.
واختلف أهل العلم إذا كان الرجل يطأ مملوكته بالملك ثم أراد أن يطأ أختها أيضا بالملك؟ فقال علي وابن عمر والحسن البصري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق:
لا يجوز له وطء الثانية حتى يحرّم فرج الأخرى بإخراجها من ملكه ببيع أو عتق أو بأن يزوجها.
قال ابن المنذر: وفيه قول ثان لقتادة: وهو أنه ينوي تحريم الأولى على نفسه وأن لا يقربها، ثم يمسك عنهما حتى تستبرئ المحرمة ثم يغشى الثانية.
وفيه قول ثالث وهو أنه لا يقرب واحدة منهما، هكذا قاله الحكم وحماد. وروي معنى ذلك عن النخعي.
وقال مالك: إذا كان عنده أختان بملك فله أن يطأ أيتهما شاء، والكفّ عن الأخرى موكول إلى أمانته. فإن أراد وطء الأخرى يلزمه أن يحرّم على نفسه فرج الأولى بفعل يفعله من إخراج عن الملك أو تزويج أو بيع أو عتق أو كتابة أو إخدام طويل، فإن كان يطأ إحداهما ثم وثب على الأخرى من دون أن يحرّم الأولى وقف عنهما ولم يجز له قرب إحداهما حتى يحرّم الأخرى ولم يوكل ذلك إلى أمانته لأنه متهم.
قال القرطبي: وقد أجمع العلماء على أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقا يملك رجعتها إنه ليس له أن ينكح أختها حتى تنقضي عدة المطلقة، واختلفوا إذا طلقها طلاقا لا يملك رجعتها فقالت طائفة: ليس له أن ينكح أختها ولا رابعة حتى تنقضي عدّة التي طلق. روي ذلك عن علي عليه السلام وزيد بن ثابت ومجاهد وعطاء والنخعي والثوري وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي.
وقالت طائفة: له أن ينكح أختها وينكح الرابعة لمن كان تحته أربع وطلق واحدة منهنّ طلاقا بائنا يروى ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن والقاسم وعروة بن الزبير وابن أبي ليلى والشافعي وأبي ثور وأبي عبيد. قال ابن المنذر: ولا أحسبه إلا قول مالك. وهو أيضا إحدى الروايتين عن زيد بن ثابت وعطاء.
وقوله: {إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ} يحتمل أن يكون معناه معنى ما تقدم من قوله: {وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ}، ويحتمل معنى آخر، وهو جواز ما سلف وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية كان النكاح صحيحا، وإذا جرى في الإسلام خيّر بين الأختين، والصواب الاحتمال الأول.
{إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (23)} بكم فيما سلف قبل النهي {وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ} عطف على المحرّمات المذكورات. وأصل التحصن التمنع، ومنه قوله تعالى: {لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} أي: لتمنعكم، والحصان: المرأة العفيفة لمنعها نفسها، والمصدر الحصانة بفتح الحاء، والمراد بالمحصنات هنا ذوات الأزواج.
وقد ورد الإحصان في القرآن بمعان، هذا أحدها، والثاني: يراد به الحرّة. ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ}، وقوله: {وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ}، والثالث: يراد به العفيفة، ومنه قوله تعالى: {مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ}، وقوله: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ}. والرابع: المسلمة، ومنه قوله تعالى: {فَإِذا أُحْصِنَّ} أي أسلمن.
وقد اختلف أهل العلم في تفسير هذه الآية هنا فقال ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو قلابة ومكحول والزهري: المراد بالمحصنات هنا: المسبيات ذوات الأزواج خاصة، أي هنّ محرّمات عليكم {إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ} بالسبي من أرض الحرب، فإن تلك حلال، وإن كان لها زوج. وهو قول الشافعي: أي أن السبي يقطع العصمة وبه قال ابن وهب وابن عبد الحكم وروياه عن مالك، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
واختلفوا في استبرائها بماذا يكون؟ كما هو مدوّن في كتب الفروع.
وقالت طائفة: المحصنات في هذه الآية العفائف، وبه قال أبو العالية وعبيدة السلماني وطاووس وسعيد بن جبير وعطاء، رواه عبيدة عن عمر. ومعنى الآية عندهم: كل النساء حرام إلا ما ملكت أيمانكم، أي تملكون عصمتهنّ بالنكاح وتملكون الرقبة بالشراء. وحكى ابن جرير الطبري أن رجلا قال لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية فلم يقل فيها شيئا؟ فقال: كان ابن عباس لا يعلمها. وروى ابن جرير أيضا عن مجاهد أنه قال: لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل.
انتهى.
ومعنى الآية- واللّه أعلم- واضح لا سترة به: أي وحرمت عليكم المحصنات من النساء: أي المزوجات، أعمّ من أن يكنّ مسلمات أو كافرات إلا ما ملكت أيمانكم منهنّ. أما بالسبي فإنها تحلّ ولو كانت ذات زوج، أو شراء فإنها تحلّ ولو كانت متزوجة. وينفسخ النكاح الذي كان عليها لخروجها عن ملك سيدها الذي زوجها، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. {كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} منصوب على المصدرية: أي كتب اللّه ذلك كتابا.
وقال الزجاج والكوفيون: إنه منصوب على الإغراء، أي الزموا كتاب اللّه. وهو إشارة إلى التحريم المذكور في قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ} إلخ. {وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ}: وفيه دليل على أنه يحل لهم نكاح ما سوى المذكورات، وهذا عام مخصوص بما صح عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها.
ومن ذلك نكاح المعتدة، وكذلك نكاح أمة على حرّة، وكذا القادر على الحرة، وكذلك تزوج خامسة، وكذا الملاعنة للملاعن وقيل: لا حاجة إلى التنبيه على هذا فإن الكلام في المحرمات المؤبدة، وما ذكر محرمات لعارض ممكن الزوال. نعم يظهر ذلك في الملاعنة فانظر.
وقد أبعد من قال: إن تحريم الجمع بين المذكورات مأخوذ من الآية هذه لأنه حرّم الجمع بين الأختين، فيكون ما في معناه في حكمه: وهو الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، وكذلك تحريم نكاح الأمة لمن يستطيع نكاح حرّة فإنه يخصص هذا العموم.
{أَنْ تَبْتَغُوا} في محل نصب على العلة: أي حرّم عليكم ما حرّم وأحلّ لكم ما أحلّ لأجل أن تبتغوا {بِأَمْوالِكُمْ} النساء اللاتي أحلهنّ اللّه لكم ولا تبتغوا به الحرام فيذهب، حال كونكم {مُحْصِنِينَ}: أي متعففين عن الزنا {غَيْرَ مُسافِحِينَ} أي غير زانين.
والسفاح: الزنا، وهو مأخوذ من سفح الماء: أي صبه وسيلانه. فكأنه سبحانه أمرهم بأن يطلبوا بأموالهم النساء على وجه النكاح، لا على وجه السفاح.
وقيل: إن قوله: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ} بدل من {ما} في قوله: {ما وَراءَ ذلِكُمْ} أي: وأحلّ لكم الابتغاء بأموالكم. والأوّل أولى. وأراد اللّه سبحانه بالأموال المذكورة ما يدفعونه في مهور الحرائر وأثمان الإماء.
{فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} كلمة «ما» موصولة، والفاء في قوله: {فَآتُوهُنَّ} لتضمن الموصول معنى الشرط والعائد محذوف: أي فأتوهنّ أجورهنّ عليه.
وقد اختلف أهل العلم في معنى الآية، فقال الحسن ومجاهد وغيرهما: المعنى فيما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء الشرعي {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي مهورهنّ.
وقال الجمهور: إن المراد بهذه الآية نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام ويؤيد ذلك قراءة أبيّ بن كعب وابن عباس وسعيد بن جبير: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَ إلى أجل مسمّى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} ثم نهى عنها النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كما صح ذلك من حديث عليّ عليه السلام قال: «نهى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر». وهو في الصحيحين وغيرهما.
وفي صحيح مسلم من حديث سبرة بن معبد الجهني عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال يوم فتح مكة: «يا أيّها النّاس إنّي قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء واللّه قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهنّ شيء فليخلّ سبيلها ولا تأخذوا مما أتيتموهنّ شيئا». وفي لفظ لمسلم أن ذلك كان في حجة الوداع، فهذا هو الناسخ.
وقال سعيد بن جبير: نسختها آية الميراث إذ المتعة لا ميراث فيها، وقال القاسم بن محمد وعائشة: تحريمها ونسخها في القرآن، وذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (29) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30)} وليست المنكوحة بالمتعة من أزواجهم ولا مما ملكت أيمانهم فإن من شأن الزوجة أن ترث وتورث، وليست المتمتع بها كذلك.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال بجواز المتعة وأنها باقية لم تنسخ.
وروي عنه أنه رجع عن ذلك عند أن بلغه الناسخ.
وقد قال بجوازها جماعة من الروافض، ولا اعتبار بأقوالهم. وقد أتعب نفسه بعض المتأخرين بتكثير الكلام على هذه المسألة وتقوية ما قاله المجوّزون لها وليس هذا المقام مقام بيان بطلان كلامه.
وقد طول الشوكاني رحمه اللّه البحث ودفع الشبهة الباطلة التي تمسك بها المجوّزون لها في شرحه للمنتقى فليرجع إليه. وأشرنا إليه في مسك الختام شرح بلوغ المرام {الْفَرِيضَةِ}: تنصب على المصدرية المؤكدة، أو على الحال أي مفروضة.
{وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ}: أي من زيادة أو نقصان في المهر، فإن ذلك سائغ عند التراضي. هذا عند من قال بأن الآية في النكاح الشرعي.
وأما عند الجمهور القائلين بأنها في المتعة، فالمعنى التراضي في زيادة مدّة المتعة أو نقصانها أو في زيادة ما دفعه إليها في مقابل الاستمتاع بها أو نقصانه.