فصل: فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْحَدِّ وَإِقَامَتِهِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير للعاجز الفقير



.فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْحَدِّ وَإِقَامَتِهِ:

(وَإِذَا وَجَبَ الْحَدُّ وَكَانَ الزَّانِي مُحْصَنًا رَجَمَهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَ) «لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رَجَمَ مَاعِزًا وَقَدْ أَحْصَنَ». وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ «وَزِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ» وَعَلَى هَذَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ.
قَالَ: (وَيُخْرِجُهُ إلَى أَرْضٍ فَضَاءٍ وَيَبْتَدِئُ الشُّهُودُ بِرَجْمِهِ ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ) كَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَلِأَنَّ الشَّاهِدَ قَدْ يَتَجَاسَرُ عَلَى الْأَدَاءِ ثُمَّ يَسْتَعْظِمُ الْمُبَاشَرَةَ فَيَرْجِعُ فَكَانَ فِي بُدَاءَتِهِ احْتِيَالٌ لِلدَّرْءِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا تُشْتَرَطُ بُدَاءَتُهُ اعْتِبَارًا بِالْجَلْدِ.
قُلْنَا: كُلُّ أَحَدٍ لَا يُحْسِنُ الْجَلْدَ فَرُبَّمَا يَقَعُ مُهْلِكًا وَالْإِهْلَاكُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ، وَلَا كَذَلِكَ الرَّجْمُ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ.
(فَإِنْ امْتَنَعَ الشُّهُودُ مِنْ الِابْتِدَاءِ سَقَطَ الْحَدُّ) لِأَنَّهُ دَلَالَةُ الرُّجُوعِ، وَكَذَا إذَا مَاتُوا أَوْ غَابُوا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ.
الشَّرْحُ:
(فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ إقَامَةِ الْحَدِّ):
بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَدِّ تَكُونُ إقَامَتُهُ فَذَكَرَ كَيْفِيَّتَهُ.
قولهُ: (وَإِذَا وَجَبَ الْحَدُّ وَكَانَ الزَّانِي مُحْصَنًا) هَذَا مِنْ الْأَحْرُفِ الَّتِي جَاءَ الْفَاعِلُ مِنْهَا عَلَى مُفْعَلٍ بِفَتْحٍ الْعَيْنِ، يَقول أَحْصَنَ يُحْصِنُ فَهُوَ مُحْصَنٌ فِي أَلْفَاظٍ مَعْدُودَةٍ هِيَ أَسْهَبَ فَهُوَ مُسْهَبٌ إذَا طَالَ وَأَمْعَنَ فِي الشَّيْءِ، وَمِنْهُ قول الْمُصَنِّفِ فِي خُطْبَةِ الْكِتَابِ مُعْرِضًا عَنْ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْإِسْهَابِ، وَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: اُدْعُ اللَّهَ لَنَا، فَقَالَ: أَكْرَهُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْهَبِينَ، بِفَتْحِ الْهَاءِ.
وَأَلْفَجَ بِالْفَاءِ وَالْجِيمِ: افْتَقَرَ فَهُوَ مُلْفَجٌ، الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ فِيهِ سِيَّانِ، وَيُقَالُ بِكَسْرِهَا أَيْضًا إذَا أَفْلَسَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ.
قولهُ: (رَجَمَهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَ) عَلَيْهِ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَقَدَّمَ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْكَارُ الْخَوَارِجِ الرَّجْمَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُمْ إنْ أَنْكَرُوا حُجِّيَّةَ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَجَهْلٌ مُرَكَّبٌ بِالدَّلِيلِ بَلْ هُوَ إجْمَاعٌ قَطْعِيٌّ، وَإِنْ أَنْكَرُوا وُقُوعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِنْكَارِهِمْ حُجِّيَّةَ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَهُوَ بَعْدَ بُطْلَانِهِ بِالدَّلِيلِ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الرَّجْمِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَاتِرُ الْمَعْنَى كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ وُجُودِ حَاتِمٍ وَالْآحَادُ فِي تَفَاصِيلِ صُوَرِهِ وَخُصُوصِيَّاتِهِ.
أَمَّا أَصْلُ الرَّجْمِ فَلَا شَكَّ فِيهِ، وَلَقَدْ كُوشِفَ بِهِمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَاشَفَ بِهِمْ حَيْثُ قَالَ: خَشِيت أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ حَتَّى يَقول قَائِلٌ: لَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، أَلَا وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أَحْصَنَ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد أَنَّهُ خَطَبَ وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةَ الرَّجْمِ فَقَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، وَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا مِنْ بَعْدِهِ.
وَإِنِّي خَشِيت أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ فَيَقول قَائِلٌ: لَا نَجَدُ الرَّجْمَ، الْحَدِيثَ.
وَقَالَ: لَوْلَا أَنْ يُقَالَ: إنَّ عُمَرَ زَادَ فِي الْكِتَابِ لَكَتَبْتهَا عَلَى حَاشِيَةِ الْمُصْحَفِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ: أَيْ الْمَشْهُورِ الْمَرْوِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ وَعَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الدَّارِ وَقَالَ: أُنْشِدُكُمْ بِاَللَّهِ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ، وَارْتِدَادٌ بَعْدَ إسْلَامٍ، وَقَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ فَعَلَامَ تَقْتُلُونِي» الْحَدِيثَ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عُثْمَانَ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا مِنْ إحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمَانٍ، وَزِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ، وَقَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ» وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالدَّارِمِيُّ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ فِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قول أَبِي قِلَابَةَ حَيْثُ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا قَطُّ إلَّا فِي ثَلَاثِ خِصَالٍ: رَجُلٌ قَتَلَ بِجَرِيرَةِ نَفْسِهِ فَقُتِلَ، وَرَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إحْصَانٍ، وَرَجُلٌ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ.
وَلَا شَكَّ فِي رَجْمِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ قول الْمُخَرِّجِ حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ يُرَادُ بِهِ الْمَتْنُ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَاقِعٌ فِي خُصُوصِ ذَلِكَ السَّنَدِ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الشُّهْرَةَ وَقَطْعِيَّةَ الثُّبُوتِ بِالتَّظَافُرِ وَالْقَبُولِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ إنْكَارَهُ إنْكَارُ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ بِالِاتِّفَاقِ، فَإِنَّ الْخَوَارِجَ يُوجِبُونَ الْعَمَلَ بِالْمُتَوَاتِرِ مَعْنًى أَوْ لَفْظًا كَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنَّ انْحِرَافَهُمْ عَنْ الِاخْتِلَاطِ بِالصَّحَابَةِ وَالْمُسْلِمِينَ وَتَرْكَ التَّرَدُّدِ إلَى عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّوَاةِ أَوْقَعَهُمْ فِي جَهَالَاتٍ كَثِيرَةٍ لِخَفَاءِ السَّمْعِ عَنْهُمْ وَالشُّهْرَةِ، وَلِذَا حِينَ عَابُوا عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْقول بِالرَّجْمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَلْزَمَهُمْ بِأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَمَقَادِيرِ الزَّكَوَاتِ، فَقَالُوا: ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ لَهُمْ: وَهَذَا أَيْضًا فَعَلَهُ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ.
قولهُ: (وَيُخْرِجُهُ إلَى أَرْضٍ فَضَاءٍ)؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «قَالَ فَرَجَمْنَاهُ يَعْنِي مَاعِزًا بِالْمُصَلَّى».
وَفِي مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد «فَانْطَلَقْنَا بِهِ إلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ»؛ لِأَنَّ الْمُصَلَّى كَانَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مُصَلَّى الْجَنَائِزِ فَيَتَّفِقُ الْحَدِيثَانِ.
وَأَمَّا مَا فِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ قوله: «فَأَمَرَ بِهِ فِي الرَّابِعَةِ فَأُخْرِجَ إلَى الْحَرَّةِ فَرُجِمَ بِالْحِجَارَةِ» فَإِنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ عَلَى أَنَّهُ اُتُّبِعَ حِينَ هَرَبَ حَتَّى أُخْرِجَ إلَى الْحَرَّةِ وَإِلَّا فَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّ الصِّحَاحَ وَالْحِسَانَ مُتَظَافِرَةٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا صَارَ إلَيْهَا هَارِبًا لَا أَنَّهُ ذَهَبَ بِهِ إلَيْهَا ابْتِدَاءً لِيُرْجَمَ بِهَا، وَلِأَنَّ الرَّجْمَ بَيْنَ الْجُدَرَانِ يُوجِبُ ضَرَرًا مِنْ بَعْضِ النَّاسِ لِبَعْضٍ لِلْمَضِيقِ.
قولهُ: (وَيَبْتَدِئُ الشُّهُودُ بِرَجْمِهِ ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ) وَهَذَا شَرْطٌ، حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ الشُّهُودُ عَنْ الِابْتِدَاءِ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَلَا يُحَدُّونَ هُمْ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَهُمْ لَيْسَ صَرِيحًا فِي رُجُوعِهِمْ.
وَلَوْ كَانَ ظَاهِرًا فِيهِ فَفِيهِ احْتِمَالُ كَوْنِهِمْ تَضْعُفُ نُفُوسُهُمْ عَنْ الْقَتْلِ وَإِنْ كَانَ بِحَقٍّ كَمَا تَرَاهُ فِي الْمُشَاهَدِ مِنْ امْتِنَاعِ بَعْضِ النَّاسِ مِنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ الْحَلَالِ لِلْأَكْلِ وَالْأُضْحِيَّةِ بَلْ وَمِنْ حُضُورِهَا، فَكَانَ امْتِنَاعُهُمْ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ شُبْهَةٌ فِي امْتِنَاعِ الْحَدِّ عَنْهُمْ.
وَقِيلَ يُحْدَوُنَّ وَالْأَوَّلُ رِوَايَةُ الْمَبْسُوطِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ شَرْطًا اعْتِبَارًا بِالْجَلْدِ: يَعْنِي إذَا ثَبَتَ الْحَدُّ بِالشَّهَادَةِ عَلَى غَيْرِ الْمُحْصَنِ لَا يُشْتَرَطُ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ ابْتِدَاءُ الشُّهُودِ.
وَأَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِالْفَرْقِ بِأَنَّ الْجَلْدَ لَا يُحْسِنُهُ كُلُّ أَحَدٍ، فَقَدْ يَقَعُ لِعَدَمِ الْخِبْرَةِ مُهْلِكًا وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ، بِخِلَافِ الرَّجْمِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْإِهْلَاكُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ ابْتِدَائِهِمْ بِالْجَلْدِ عَدَمُهُ فِي الرَّجْمِ، وَهَذَا دَفْعٌ لِإِلْحَاقِهِ.
وَأَمَّا إثْبَاتُ الْمَذْهَبِ فَبِقول عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ، فَإِنَّ قولهُ فِي ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ مَعْنَاهُ لِيُحْمَلَ عَلَى السَّمَاعِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَهُ بِأَنَّ امْتِنَاعَهُمْ دَلَالَةُ الرُّجُوعِ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ رُبَّمَا يَتَسَاهَلُ فِي الْأَدَاءِ فَعِنْدَ مُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ يَتَعَاظَمُ ذَلِكَ فَيَنْدَفِعُ الْحَدُّ بِتَحَقُّقِ هَذِهِ الدَّلَالَةِ.
وَهَذَا هُوَ قول الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ دَلَالَةُ الرُّجُوعِ.
وَقول بَعْضِهِمْ: إنَّهُ شُبْهَةُ الرُّجُوعِ حَقِيقَةً وَالرُّجُوعُ شُبْهَةٌ فَاحْتِمَالُهُ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ وَبِهَا لَا يَنْدَرِئُ الْحَدُّ عَلَى مَا عُرِفَ وَسَيَأْتِي، إنَّمَا يَصِحُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الِابْتِدَاءِ لَيْسَ ظَاهِرًا فِي الرُّجُوعِ بَلْ يَحْتَمِلُهُ احْتِمَالًا مَرْجُوحًا.
فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَى النَّاسِ خَوْرُ الطِّبَاعِ عَنْ الْقَتْلِ حَتَّى يَمْتَنِعَ كَثِيرٌ عَنْ ذَبْحِ الْمُبَاحِ كَالْأُضْحِيَّةِ وَالدَّجَاجَةِ فَكَيْفَ بِالْأَعْلَى، فَالِامْتِنَاعُ عَنْ قَتْلِهِ لَا يَكُونُ ظَاهِرًا فِي الرُّجُوعِ، بَلْ ظَاهِرٌ فِيمَا هُوَ الْغَالِبُ وَهُوَ عَدَمُ قَتْلِ الْإِنْسَانِ فَكَانَ فِي الِامْتِنَاعِ شُبْهَةُ الرُّجُوعِ لَا دَلَالَتُهُ، وَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّا لَمْ نَشْتَرِطْ الِابْتِدَاءَ بِقَتْلِهِ بَلْ بِرَمْيِهِ، حَتَّى لَوْ رَمَاهُ بِحَصَاةٍ صَغِيرَةٍ حَصَلَ الشَّرْطُ فَامْتِنَاعُهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ دَلِيلُ رُجُوعِهِ، لَكِنَّهُ دَلِيلٌ فِيهِ شُبْهَةٌ فَإِنَّهُ أَمَارَةٌ لَا يُقْطَعُ بِوُجُودِ الْمَدْلُولِ مَعَهُ فَكَانَ ثُبُوتُ الرُّجُوعِ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَالرُّجُوعُ الَّذِي فِيهِ شُبْهَةُ رُجُوعٍ بِخِلَافِ شُبْهَةِ الرُّجُوعِ وَاحْتِمَالِهِ.
لَا يُقَالُ: احْتِمَالُ الرُّجُوعِ رُجُوعٌ وَالرُّجُوعُ شُبْهَةٌ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ شُبْهَةٌ فِي الشَّهَادَةِ لَا شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ فِيهَا، وَحِينَ لَزِمَ كَوْنُ الثَّابِتِ بِالِامْتِنَاعِ رُجُوعًا فِيهِ شُبْهَةٌ كَانَ الثَّابِتُ قَذْفًا فِيهِ شُبْهَةٌ، بِخِلَافِ صَرِيحِ الرُّجُوعِ فَإِنَّ بِهِ يَظْهَرُ أَنَّ تِلْكَ الشَّهَادَةَ قَذْفٌ بِلَا شُبْهَةٍ فَيُحَدُّ بِهِ هُنَاكَ وَلَا يُحَدُّ بِدَلَالَةِ الرُّجُوعِ إذَا لَمْ تَكُنْ دَلَالَةً قَطْعِيَّةً يُوجَدُ مَعَهَا الْمَدْلُولُ قَطْعًا لِثُبُوتِ الشُّبْهَةِ فِي الْقَذْفِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا ثُبُوتُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَمَا أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّ عَلِيًّا كَانَ إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ الشُّهُودُ عَلَى الزِّنَا أَمَرَ الشُّهُودَ أَنْ يَرْجُمُوا ثُمَّ يَرْجُمَ هُوَ ثُمَّ يَرْجُمَ النَّاسُ، فَإِذَا كَانَ بِإِقْرَارٍ بَدَأَ هُوَ فَرَجَمَ ثُمَّ رَجَمَ النَّاسُ بَعْدَهُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ الْحَجَّاجِ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسِ إنَّ الزِّنَا زِنَاءَانِ زِنَا السِّرِّ، وَزِنَا الْعَلَانِيَةِ، فَزِنَا السِّرِّ أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ فَيَكُونَ الشُّهُودُ أَوَّلَ مَنْ يَرْمِي ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ، وَزِنَا الْعَلَانِيَةِ أَنْ يَظْهَرَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ فَيَكُونَ الْإِمَامُ أَوَّلَ مَنْ يَرْمِي، قَالَ:
وَفِي يَدِهِ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ فَرَمَاهَا بِحَجَرٍ فَأَصَابَ صُدْغَهَا فَاسْتَدَارَتْ وَرَمَى النَّاسُ بَعْدَهُ، وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَ لِشُرَاحَةَ زَوْجٌ غَائِبٌ بِالشَّامِ وَأَنَّهَا حَبِلَتْ، فَجَاءَ بِهَا مَوْلَاهَا إلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ زَنَتْ، فَاعْتَرَفَتْ فَجَلَدَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَحَفَرَ لَهَا إلَى السُّرَّةِ وَأَنَا شَاهِدٌ، ثُمَّ قَالَ: الرَّجْمُ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَوْ كَانَ شَهِدَ عَلَى هَذِهِ أَحَدٌ لَكَانَ أَوَّلَ مَنْ يَرْمِي الشَّاهِدُ يَشْهَدُ ثُمَّ يُتْبِعُ شَهَادَتَهُ حَجَرَهُ، وَلَكِنَّهَا أَقَرَّتْ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَرْمِيهَا فَرَمَاهَا بِحَجَرٍ ثُمَّ رَمَاهَا النَّاسُ.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْأَجْلَحِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ، وَفِيهِ: أَنَّهُ قَالَ لَهَا: لَعَلَّهُ وَقَعَ عَلَيْك وَأَنْتِ نَائِمَةٌ، قَالَتْ لَا، قَالَ: فَلَعَلَّهُ اسْتَكْرَهَك، قَالَتْ لَا، قَالَ: فَأَمَرَ بِهَا فَحُبِسَتْ، فَلَمَّا وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا أَخْرَجَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ فَضَرَبَهَا مِائَةً وَحَفَرَ لَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الرَّحْبَةِ وَأَحَاطَ النَّاسُ بِهَا. الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَيْضًا: أَنَّهُ صَفَّهُمْ ثَلَاثَ صُفُوفٍ ثُمَّ رَجَمَهَا ثُمَّ أَمَرَهُمْ فَرَجَمَ صَفٌّ ثُمَّ صَفٌّ ثُمَّ صَفّ.
وَأَوْرَدَ أَنَّ إثْبَاتَ اشْتِرَاطِ الْبُدَاءَةِ بِهَذَا زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ بِمَا هُوَ دُونَ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِصْلَاحُ الْإِيرَادِ أَنَّهُ تَقْيِيدٌ لِلْقَطْعِيِّ الْمُطْلَقِ فَكَانَ كَتَقْيِيدِ مُطْلَقِ الْكِتَابِ بِهِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحُكْمَ الْقَطْعِيَّ هُنَا هُوَ مَجْمُوعُ وُجُوبِ الرَّجْمِ وَدَرْئِهِ بِالشُّبْهَةِ، فَإِذَا دَلَّ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ عَلَى أَنَّ الْبُدَاءَةَ شَرْطٌ لَزِمَ أَنَّ عَدَمَهَا شُبْهَةٌ فَيَنْدَرِئُ بِهِ الْحَدُّ بِحُكْمِ الْقَطْعِ بِوُجُوبِ دَرْءِ هَذَا الْحُكْمِ الْقَطْعِيِّ بِالشُّبْهَةِ، وَمَوْتُ الشُّهُودِ مُسْقِطٌ أَوْ أَحَدِهِمْ، وَكَذَا إذَا غَابُوا أَوْ غَابَ أَحَدُهُمْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ بُدَاءَتَهُمْ مُسْتَحَبَّةٌ لَا مُسْتَحَقَّةٌ، فَإِذَا امْتَنَعُوا أَوْ غَابُوا أَوْ مَاتُوا يُقِيمُ الْحَدَّ، وَكَذَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِاعْتِرَاضِ مَا يَخْرُجُ عَنْ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ، كَمَا لَوْ ارْتَدَّ أَحَدُهُمْ أَوْ عَمِيَ أَوْ خَرِسَ أَوْ فَسَقَ أَوْ قَذَفَ فَحُدَّ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ؛ لِأَنَّ الْإِمْضَاءَ مِنْ الْقَضَاءِ فِي الْحُدُودِ، وَهَذَا إذَا كَانَ مُحْصَنًا.
وَفِي غَيْرِ الْمُحْصَنِ قَالَ الْحَاكِمُ فِي الْكَافِي: يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الْمَوْتِ وَالْغَيْبَةِ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ أَوْ مَرِيضًا لَا يَسْتَطِيعُ الرَّمْيَ وَحَضَرُوا يَرْمِي الْقَاضِي، وَلَوْ قُطِعَتْ بَعْدَ الشَّهَادَةِ امْتَنَعَتْ الْإِقَامَةُ.
وَقَدْ يُقَالُ: إذَا كَانَ شَرْطًا فَفَوَاتُ الشَّرْطِ كَيْفَ كَانَ يَمْنَعُ الْمَشْرُوطَ.
وَأَيْضًا عَجْزُهُمْ بِالضَّعِيفِ لَيْسَ فَوْقَ عَجْزِهِمْ بِالْمَوْتِ، إلَّا أَنَّ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ فَرَّقَ بِأَنَّهُمْ إذَا كَانُوا مَقْطُوعِي الْأَيْدِي لَمْ تَسْتَحِقَّ الْبُدَاءَةَ بِهِمْ، وَأَمَّا هَاهُنَا فَقَدْ اسْتَحَقَّتْ، فَإِذَا تَعَذَّرَ بِالْمَوْتِ أَوْ الْغَيْبَةِ صَارَ كَمَا لَوْ امْتَنَعُوا، وَهَذَا تَقْيِيدٌ لِشَرْطِيَّتِهِ بِكَوْنِ الشُّهُودِ قَادِرِينَ عَلَى الرَّجْمِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَعْنَى الْمُسْقِطَ يَجْمَعُهَا.
وَمِمَّا يُبْطِلُ الشَّهَادَةَ وَيُسْقِطُ الْحَدَّ أَنْ يَعْتَرِفَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالزِّنَا قَبْلَ الْقَضَاءِ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَوْ اعْتَرَفَ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالْحَدِّ عَنْ الْبَيِّنَةِ مَرَّةً يُسْقِطُهُ أَبُو يُوسُفَ؛ لِأَنَّ سُقُوطَهُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ كَانَ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الشَّهَادَةِ عَدَمُ الْإِقْرَارِ فَفَاتَ الشَّرْطُ قَبْلَ الْعَمَلِ بِهَا، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْإِمْضَاءَ مِنْ الْقَضَاءِ فِي الْحُدُودِ فَكَانَ كَالْأَوَّلِ، وَخَالَفَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ.

متن الهداية:
(وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا ابْتَدَأَ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ) كَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
«وَرَمَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَامِدِيَّةَ بِحَصَاةٍ مِثْلِ الْحِمَّصَةِ وَكَانَتْ قَدْ اعْتَرَفَتْ بِالزِّنَا».
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا يَبْدَأُ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ) كَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا.
وَقوله: «وَرَمَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْغَامِدِيَّةَ بِحَصَاةٍ مِثْلِ الْحِمَّصَةِ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ عِمْرَانَ قَالَ: سَمِعْت شَيْخًا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيه: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ الْغَامِدِيَّةَ فَحَفَرَ لَهَا إلَى السُّرَّةِ» ثُمَّ ذَكَرَ إسْنَادًا آخَرَ وَزَادَ «ثُمَّ رَمَاهَا بِحَصَاةٍ مِثْلِ الْحِمَّصَةِ ثُمَّ قَالَ: ارْمُوا وَاتَّقُوا الْوَجْهَ، فَلَمَّا طَفَتْ أَخْرَجَهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا» وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَزَّارُ وَفِيهِ مَجْهُولٌ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ تَمَّ أَمْرُ هَذَا الْحَدِيثِ بِالصِّحَّةِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الِاشْتِرَاطِ.
فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ كَلَامِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ الْإِمَامُ لَا يَحِلُّ لِلْقَوْمِ رَجْمُهُ وَلَوْ أَمَرَهُمْ لِعِلْمِهِمْ بِفَوَاتِ شَرْطِ الرَّجْمِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ بِرَجْمِ مَاعِزٍ، فَإِنَّ الْقَطْعَ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَحْضُرْهُ بَلْ رَجَمَهُ النَّاسُ عَنْ أَمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ حَقِيقَةَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قول عَلِيٍّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالِابْتِدَاءِ اخْتِبَارًا لِثُبُوتِ دَلَالَةِ الرُّجُوعِ وَعَدَمِهِ، وَأَنْ يَبْتَدِئَ هُوَ فِي الْإِقْرَارِ لِيَنْكَشِفَ لِلنَّاسِ أَنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ فِي أَمْرِ الْقَضَاءِ بِأَنْ لَمْ يَتَسَاهَلْ فِي بَعْضِ شُرُوطِ الْقَضَاءِ بِالْحَدِّ، فَإِذَا امْتَنَعَ حِينَئِذٍ ظَهَرَتْ أَمَارَةُ الرُّجُوعِ فَامْتَنَعَ الْحَدُّ لِظُهُورِ شُبْهَةِ تَقْصِيرِهِ فِي الْقَضَاءِ وَهِيَ دَارِئَةٌ فَكَأَنَّ الْبُدَاءَةَ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ إذْ لَزِمَ عَنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لَا أَنَّهُ جَعَلَ شَرْطًا بِذَاتِهِ، وَهَذَا فِي حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُنْتَفٍ فَلَمْ يَكُنْ عَدَمُ رَجْمِهِ دَلِيلًا عَلَى سُقُوطِ الْحَدِّ إذَا لَمْ يَبْدَأْهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مُقْتَضَى مَا ذَكَرَ أَنَّهُ لَوْ بَدَأَ الشُّهُودُ فِيمَا إذَا ثَبَتَ بِالشَّهَادَةِ يَجِبُ أَنْ يُثَنِّيَ الْإِمَامُ، فَلَوْ لَمْ يُثَنِّ الْإِمَامُ يَسْقُطُ الْحَدُّ لِاتِّحَادِ الْمَأْخَذِ فِيهِمَا.
قَالُوا: وَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مَنْ رَجَمَ أَنْ يَقْصِدَ قَتْلَهُ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، وَلِأَنَّهُ تَيْسِيرٌ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ فَلَا يَقْصِدُهُ وَيَكْتَفِي بِغَيْرِهِ فِيهِ.

متن الهداية:
(وَيُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ) لِقولهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي مَاعِزٍ «اصْنَعُوا بِهِ كَمَا تَصْنَعُونَ بِمَوْتَاكُمْ» وَلِأَنَّهُ قُتِلَ بِحَقٍّ فَلَا يَسْقُطُ الْغُسْلُ كَالْمَقْتُولِ قِصَاصًا «وَصَلَّى النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الْغَامِدِيَّةِ بَعْدَمَا رُجِمَتْ».
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَيُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ لِقولهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَاعِزٍ «اصْنَعُوا بِهِ» الْحَدِيثَ) وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ بُرَيْدَةَ قَال: «لَمَّا رُجِمَ مَاعِزٌ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: اصْنَعُوا بِهِ مَا تَصْنَعُونَ بِمَوْتَاكُمْ مِنْ الْغُسْلِ وَالْكَفَنِ وَالْحَنُوطِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ» وَأَمَّا صَلَاتُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الْغَامِدِيَّةِ فَأَخْرَجَهُ السِّتَّةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ حُبْلَى مِنْ الزِّنَا فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَصَبْت حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ» الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، إلَى أَنْ قَال: «فَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَتُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ عَلَى سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وُجِدَتْ تَوْبَةٌ أَفْضَلُ مِنْ أَنَّهَا جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ» وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي أَمْرِ مَاعِزٍ «قَالَ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرًا وَصَلَّى عَلَيْهِ» قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: قِيلَ لِلْبُخَارِيِّ قوله: «وَصَلَّى عَلَيْهِ» قَالَهُ غَيْرُ مَعْمَرٍ؟ قَالَ لَا.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحُوهُ.
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ عَلَى مَاعِزٍ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ» فَفِيهِ مَجَاهِيلُ فَإِنَّ فِيهِ عَنْ أَبِي بِشْرٍ أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ.
نَعَمْ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي مَاعِزٍ «وَقَالَ لَهُ خَيْرًا وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ» مُعَارِضٌ صَرِيحٌ فِي صَلَاتِهِ عَلَيْهِ، لَكِنَّ الْمُثْبِتَ أَوْلَى مِنْ النَّافِي، لَكِنْ عَلَى أُصُولِ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ أَنَّ النَّفْيَ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا يُعْرَفُ بِدَلِيلٍ يُسَاوِي الْإِثْبَاتَ وَيَطْلُبُ التَّرْجِيحَ بِغَيْرِهِ لَا يَنْتَهِضُ؛ لِأَنَّ هَذَا النَّفْيَ وَهُوَ كَوْنُهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الصَّحَابِيَّ إذَا شَهِدَ الصَّلَاةَ بِتَمَامِهَا يَعْلَمُ عَدَمَ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوْ صَلَاتَهُ فَيَطْلُبُ التَّرْجِيحَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَعَنْ هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهِ غَيْرُ الْإِمَامِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ شَرْعًا لَا شَكَّ فِيهَا، فَإِنَّهُ مُسْلِمٌ قُتِلَ بِحَقٍّ فَيُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ كَالْمَقْتُولِ قِصَاصًا، بِخِلَافِ الشَّهِيدِ فَإِنَّهُ قُتِلَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَا يُغَسَّلُ لِيَكُونَ الْأَثَرُ شَاهِدًا لَهُ، وَالْإِظْهَارُ زِيَادَةُ تَشْرِيفِهِ بِقِيَامِ أَثَرِ الشَّهَادَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَأَمَّا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ صَلَّى عَلَى مَاعِزٍ فَفِي حَيِّزِ التَّعَارُضِ.
وَالْغَامِدِيَّةُ مِنْ بَنِي غَامِدٍ حَيٌّ مِنْ الْأَزْدِ.
قَالَهُ الْمُبَرِّدُ فِي الْكَامِلِ.
وَفِي كِتَابِ أَنْسَابِ الْعَرَبِ غَامِدٌ بَطْنٌ مِنْ خُزَاعَةَ، وَقَدْ سَمِعْت فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ «أَتَتْ امْرَأَةٌ مِنْ جُهَيْنَةَ».

متن الهداية:
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا وَكَانَ حُرًّا فَحَدُّهُ مِائَةُ جَلْدَةٍ) لِقولهِ تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} إلَّا أَنَّهُ انْتَسَخَ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ فَبَقِيَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مَعْمُولًا بِهِ.
قَالَ: (يَأْمُرُ الْإِمَامُ بِضَرْبِهِ بِسَوْطٍ لَا ثَمَرَةَ لَهُ ضَرْبًا مُتَوَسِّطًا) لِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ كَسَرَ ثَمَرَتَهُ.
وَالْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الْمُبَرِّحِ وَغَيْرِ الْمُؤْلِمِ لِإِفْضَاءِ الْأَوَّلِ إلَى الْهَلَاكِ وَخُلُوِّ الثَّانِي عَنْ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الِانْزِجَارُ (وَتُنْزَعُ عَنْهُ ثِيَابُهُ) مَعْنَاهُ دُونَ الْإِزَارِ لِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالتَّجْرِيدِ فِي الْحُدُودِ، وَلِأَنَّ التَّجْرِيدَ أَبْلَغُ فِي إيصَالِ الْأَلَمِ إلَيْهِ.
وَهَذَا الْحَدُّ مَبْنَاهُ عَلَى الشِّدَّةِ فِي الضَّرْبِ وَفِي نَزْعِ الْإِزَارِ كَشْفُ الْعَوْرَةِ فَيَتَوَقَّاهُ (وَيُفَرَّقُ الضَّرْبُ عَلَى أَعْضَائِهِ) لِأَنَّ الْجَمْعَ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ قَدْ يُفْضِي إلَى التَّلَفِ وَالْحَدُّ زَاجِرٌ لَا مُتْلِفٌ.
قَالَ: (إلَّا رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ وَفَرْجَهُ) لِقولهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلَّذِي أَمَرَهُ بِضَرْبِ الْحَدِّ «اتَّقِ الْوَجْهَ وَالْمَذَاكِيرَ» وَلِأَنَّ الْفَرْجَ مَقْتَلٌ وَالرَّأْسَ مَجْمَعُ الْحَوَاسِّ، وَكَذَا الْوَجْهُ وَهُوَ مَجْمَعُ الْمَحَاسِنِ أَيْضًا فَلَا يُؤْمَنُ فَوَاتُ شَيْءٍ مِنْهَا بِالضَّرْبِ وَذَلِكَ إهْلَاكٌ مَعْنًى فَلَا يُشْرَعُ حَدًّا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَضْرِبُ الرَّأْسَ أَيْضًا رَجَعَ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَضْرِبُ سَوْطًا لِقول أَبِي بَكْرٍ: اضْرِبُوا الرَّأْسَ فَإِنَّ فِيهِ شَيْطَانًا.
قُلْنَا: تَأْوِيلُهُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِيمَنْ أُبِيحَ قَتْلُهُ.
وَيُقَالُ: إنَّهُ وَرَدَ فِي حَرْبِيٍّ كَانَ مِنْ دُعَاةِ الْكَفَرَةِ وَالْإِهْلَاكُ فِيهِ مُسْتَحَقٌّ (وَيُضْرَبُ فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا قَائِمًا غَيْرَ مَمْدُودٍ) لِقول عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يُضْرَبُ الرِّجَالُ فِي الْحُدُودِ قِيَامًا وَالنِّسَاءُ قُعُودًا، وَلِأَنَّ مَبْنَى إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى التَّشْهِيرِ، وَالْقِيَامُ أَبْلَغُ فِيهِ.
ثُمَّ قولهُ: غَيْرَ مَمْدُودٍ، فَقَدْ قِيلَ الْمَدُّ أَنْ يُلْقَى عَلَى الْأَرْضِ وَيُمَدَّ كَمَا يُفْعَلُ فِي زَمَانِنَا، وَقِيلَ أَنْ يَمُدَّ السَّوْطَ فَيَرْفَعَهُ الضَّارِبُ فَوْقَ رَأْسِهِ، وَقِيلَ أَنْ يَمُدَّهُ بَعْدَ الضَّرْبِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ لَا يُفْعَلُ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْمُسْتَحَقِّ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (إنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا وَكَانَ حُرًّا فَحَدُّهُ مِائَةُ جَلْدَةٍ لِقولهِ تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}) وَإِنَّمَا قَدَّمَ الزَّانِيَةَ مَعَ أَنَّ الْعَادَةَ عَكْسُهُ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْأَصْلُ إذْ الدَّاعِيَةُ فِيهَا أَكْثَرُ وَلَوْلَا تَمْكِينُهَا لَمْ يَزْنِ، وَهَذَا عَامٌّ فِي الْمُحْصَنِ وَغَيْرِهِ نُسِخَ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ قَطْعًا، وَيَكْفِينَا فِي تَعَيُّنِ النَّاسِخِ الْقَاطِعِ بِرَجْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَكُونُ مِنْ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ.
الْقَطْعِيَّةِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ ادِّعَاءِ كَوْنِ النَّاسِخِ: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنْ اللَّهِ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
لِعَدَمِ الْقَطْعِ بِثُبُوتِ كَوْنِهَا قُرْآنًا ثُمَّ انْتِسَاخُ تِلَاوَتِهَا وَإِنْ ذَكَرَهَا عُمَرُ وَسَكَتَ النَّاسُ، فَإِنَّ كَوْنَ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ حُجَّةً مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَبِتَقْدِيرِ حُجِّيَّتِهِ لَا يُقْطَعُ بِأَنَّ جَمِيعَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانُوا إذْ ذَاكَ حُضُورًا ثُمَّ لَا شَكَّ أَنَّ الطَّرِيقَ فِي ذَلِكَ إلَى عُمَرَ ظَنِّيٌّ، وَلِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ: إنَّ الرَّجْمَ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: جَلَدْتهَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَرَجَمْتهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَنْسُبْهُ إلَى الْقُرْآنِ الْمَنْسُوخِ التِّلَاوَةِ، وَعُرِفَ مِنْ قولهِ ذَلِكَ أَنَّهُ قَائِلٌ بِعَدَمِ نَسْخِ عُمُومِ الْآيَةِ فَيَكُونُ رَأْيُهُ أَنَّ الرَّجْمَ حُكْمٌ زَائِدٌ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَهُوَ قول قِيلَ بِهِ، وَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِقولهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ» وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد «وَرَمْيٌ بِالْحِجَارَةِ» وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
قولهُ: (بِسَوْطٍ لَا ثَمَرَةَ لَهُ ضَرْبًا مُتَوَسِّطًا) قِيلَ الْمُرَادُ بِثَمَرَةِ السَّوْطِ عَذْبَتُهُ وَذَنَبُهُ مُسْتَعَارٌ مِنْ وَاحِدَةِ ثَمَرِ الشَّجَرِ.
وَفِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهِ عَقْدُ أَطْرَافِهِ.
وَرَجَّحَ الْمُطَرِّزِيُّ إرَادَةَ الْأَوَّلِ هُنَا لِمَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ عَلِيًّا جَلَدَ الْوَلِيدَ بِسَوْطٍ لَهُ طَرَفَانِ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً فَكَانَتْ الضَّرْبَةُ ضَرْبَتَيْنِ.
وَفِي الْإِيضَاحِ مَا يُوَافِقُهُ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يُضْرَبَ بِسَوْطٍ لَهُ ثَمَرَةٌ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ إذَا ضُرِبَ بِهَا تَصِيرُ كُلُّ ضَرْبَةٍ ضَرْبَتَيْنِ.
وَفِي الدِّرَايَةِ: لَكِنَّ الْمَشْهُورَ فِي الْكُتُبِ لَا ثَمَرَةَ لَهُ: أَيْ لَا عُقْدَةَ عَلَيْهِ.
وَقول الْمُصَنِّفِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ كَسَرَ ثَمَرَتَهُ لَا يَحْتَمِلُ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ أَصْلًا، بَلْ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ إمَّا الْعُقْدَةُ وَإِمَّا تَلْيِينُ طَرَفِهِ بِالدَّقِّ إذَا كَانَ يَابِسًا وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ حَنْظَلَةَ السَّدُوسِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ يُؤْمَرُ بِالسَّوْطِ فَتُقْطَعُ ثَمَرَتُهُ ثُمَّ يُدَقُّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ حَتَّى يَلِينَ ثُمَّ يُضْرَبَ بِهِ.
قُلْنَا لَهُ: فِي زَمَنِ مَنْ كَانَ هَذَا؟ قَالَ: فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ لَا يُضْرَبَ بِهِ وَفِي طَرَفِهِ يُبْسٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَجْرَحُ أَوْ يُبْرِحُ فَكَيْفَ إذَا كَانَ فِيهِ عُقْدَةٌ، وَيُفِيدُ ذَلِكَ مَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَصَبْت حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِسَوْطٍ فَأُتِيَ بِسَوْطٍ شَدِيدٍ لَهُ ثَمَرَةٌ، فَقَالَ: سَوْطٌ دُونَ هَذَا، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ لَيِّنٍ فَقَالَ: سَوْطٌ فَوْقَ هَذَا، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ بَيْنَ سَوْطَيْنِ فَقَالَ: هَذَا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ» وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَم: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِسَوْطٍ» فَذَكَرَهُ، وَذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ.
وَالْحَاصِلُ أَنْ يُجْتَنَبَ كُلٌّ مِنْ الثَّمَرَةِ بِمَعْنَى الْعُقْدَةِ وَمَعْنَى الْفَرْعِ الَّذِي يَصِيرُ ذَنَبَيْنِ تَعْمِيمًا لِلْمُشْتَرِكِ فِي النَّفْيِ؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَ الْعَدَدَ مِائَةً، وَلَوْ تُجُوِّزَ بِالثَّمَرَةِ فِيمَا يُشَاكِلُ الْعُقْدَةَ لِيَعُمَّ الْمَجَازُ مَا هُوَ يَابِسُ الطَّرَفِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا كَانَ أَوْلَى، فَإِنَّهُ لَا يُضْرَبُ بِمِثْلِهِ حَتَّى يُدَقَّ رَأْسُهُ فَيَصِيرَ مُتَوَسِّطًا.
قولهُ: (بَيْنَ الْمُوجِعِ وَغَيْرِ الْمُؤْلِمِ) فَيَكُونُ مُؤْلِمًا غَيْرَ مُوجِعٍ، فَلَزِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمُوجِعِ الْمُبَرِّحَ وَإِلَّا لَمْ يَسْتَقِمْ، وَوَجْهُ هَذَا ظَاهِرٌ.
وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ضَعِيفَ الْخِلْقَةِ فَخِيفَ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ يُجْلَدُ جَلْدًا خَفِيفًا يَحْتَمِلُهُ.
قولهُ: (وَتُنْزَعُ عَنْهُ ثِيَابُهُ) إلَّا الْإِزَارَ لِيَسْتُرَ عَوْرَتَهُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يُتْرَكُ عَلَيْهِ قَمِيصٌ أَوْ قَمِيصَانِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْجَلْدِ لَا يَقْتَضِي التَّجْرِيدَ.
وَقول الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَأْمُرُ بِالتَّجْرِيدِ فِي الْحُدُودِ زَادَ عَلَيْهِ شَارِحُ الْكَنْزِ فَقَالَ: صَحَّ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَأْمُرُ بِالتَّجْرِيدِ فِي الْحُدُودِ فَأُبْعِدَ عَمَّا قَالَ الْمُخَرِّجُ إنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ عَنْ عَلِيٍّ بَلْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهُ.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدِهِ عَنْه: «أَنَّهُ أَتَى بِرَجُلٍ فِي حَدٍّ فَضَرَبَهُ وَعَلَيْهِ كِسَاءٌ قَسْطَلَّانِيٌّ قَاعِدًا».
وَأَسْنَدَ إلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي الْمَحْدُودِ: أَيُنْزَعُ عَنْهُ ثِيَابُهُ؟ قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ فَرْوًا أَوْ مَحْشُوًّا.
وَأَسْنَدَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَا يَحِلُّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ تَجْرِيدٌ وَلَا مَدٌّ.
قولهُ (وَيُفَرَّقُ الضَّرْبُ عَلَى أَعْضَائِهِ)؛ لِأَنَّ جَمْعَهُ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ قَدْ يُفْسِدُهُ، وَاسْتَثْنَى الرَّأْسَ وَالْوَجْهَ وَالْفَرْجَ.
وَذَكَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِلَّذِي أَمَرَهُ بِضَرْبِ الْحَدِّ «اتَّقِ الْوَجْهَ وَالْمَذَاكِيرَ» وَلَمْ يَحْفَظْهُ الْمُخَرِّجُونَ مَرْفُوعًا بَلْ مَوْقُوفًا عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ سَكْرَانَ أَوْ فِي حَدٍّ فَقَالَ اضْرِبْ وَأَعْطِ كُلَّ عُضْوٍ حَقَّهُ وَاتَّقِ الْوَجْهَ وَالْمَذَاكِيرَ» رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفَيْهِمَا وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ وَقَدْ أُتِيَ بِرَجُلٍ: اضْرِبْ وَأَعْطِ كُلَّ عُضْوٍ حَقَّهُ.
قَالَ: رَوَيْنَا هَذَا الْقول عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَالنَّخَعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: «إذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ وَالْمَذَاكِيرَ» وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مُرَادًا عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّا نَقْطَعُ أَنَّ فِي حَالِ قِيَامِ الْحَرْبِ مَعَ الْكُفَّارِ لَوْ تَوَجَّهَ لِأَحَدٍ ضَرْبُ وَجْهِ مَنْ يُبَارِزُهُ وَهُوَ فِي مُقَابَلَتِهِ حَالَةَ الْحَمَلَةِ لَا يَكُفُّ عَنْهُ، إذْ قَدْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَقْتُلُهُ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ إلَّا مَنْ يُضْرَبُ صَبْرًا فِي حَدٍّ قَتْلًا أَوْ غَيْرَ قَتْلٍ.
وَفِي الْقَتْلِ صَرِيحُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رَجَمَ امْرَأَةً فَحَفَرَ لَهَا إلَى الثَّنْدُوَةِ ثُمَّ قَالَ: ارْمُوا وَاتَّقُوا الْوَجْهَ» وَحِينَئِذٍ فَلَا شَكَّ أَنَّ قول عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَعْطِ كُلَّ عُضْوٍ حَقَّهُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ هَكَذَا مُخْتَصَرًا عَلَيْهِ عَامٌّ مَخْصُوصٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُرِيدَانِ قَطْعًا ضَرْبَ الْوَجْهِ وَالْمَذَاكِيرِ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ الْمَخْصُوصِ، عَلَى أَنَّهُ ذُكِرَ فِي رِوَايَةٍ غَيْرِهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا حَكَيْنَاهُ آنِفًا.
وَبِمَا سَمِعْته تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ دَلِيلٌ عَلَى بَعْضِ الْمَطْلُوبِ، وَالْبَعْضُ الْآخَرُ وَهُوَ ضَرْبُ الرَّأْسِ مُلْحَقٌ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ أَنَّهُ مَجْمَعُ الْحَوَاسِّ الْبَاطِنَةِ فَرُبَّمَا تَفْسُدُ وَهُوَ إهْلَاكٌ مَعْنًى.
وَهَذَا مِنْ الْمُصَنِّفِ ظَاهِرٌ فِي الْقول بِأَنَّ الْعَقْلَ فِي الرَّأْسِ إلَّا أَنْ يَئُولَ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ.
وَمَا قِيلَ فِي الْمَنْظُومَةِ وَالْكَافِي إنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَخُصُّ الظُّهُورَ وَاسْتِدْلَالُ الشَّارِحِينَ عَلَيْهِ بِقولهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ «الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِك» غَيْرُ ثَابِتٍ فِي كُتُبِهِمْ، بَلْ الَّذِي فِيهَا كَقولنَا.
وَإِنَّمَا تِلْكَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ خَصَّ الظَّهْرَ وَمَا يَلِيهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالظَّهْرِ نَفْسُهُ: أَيْ حَدٌّ عَلَيْك بِدَلِيلِ مَا ثَبَتَ عَنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَمَا اسْتَنْبَطْنَاهُ مِنْ قولهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «إذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ» وَأَنَّهُ فِي نَحْوِ الْحَدِّ فَمَا سِوَاهُ دَاخِلٌ فِي الضَّرْبِ، ثُمَّ خَصَّ مِنْهُ الْفَرْجَ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي التَّعْزِيرِ: يُضْرَبُ الظَّهْرُ وَفِي الْحُدُودِ الْأَعْضَاءُ وَالْمَذَاكِيرُ جَمْعُ ذَكَرٍ بِمَعْنَى الْعُضْوِ فَرَّقُوا فِي جَمْعِهِ بَيْنَ الذَّكَرِ بِمَعْنَى الرَّجُلِ حَيْثُ قَالُوا ذُكْرَانٌ وَذُكُورَةٌ وَذِكَارَةٌ وَبِمَعْنَى الْعُضْوِ.
ثُمَّ جَمَعَهُ بِاعْتِبَارِ تَسْمِيَةِ مَا حَوْلَهُ مِنْ كُلِّ جُزْءٍ ذَكَرًا كَمَا قَالُوا: شَابَتْ مَفَارِقُهُ وَإِنَّمَا لَهُ مَفْرِقٌ وَاحِدٌ.
قولهُ: (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُضْرَبُ الرَّأْسُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً رَجَعَ إلَيْهِ) بَعْدَ أَنْ كَانَ أَوَّلًا يَقول: لَا يُضْرَبُ كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الَّذِي ذَكَرَهُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ عَنْ الْقَاسِمِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ انْتَفَى مِنْ أَبِيهِ فَقَالَ: اضْرِبْ الرَّأْسَ فَإِنَّ فِيهِ شَيْطَانًا.
وَالْمَسْعُودِيُّ مُضَعَّفٌ.
وَلَكِنْ رَوَى الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ صُبَيْغٌ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ عُمَرُ وَأَعَدَّ لَهُ عَرَاجِينَ النَّخْلِ فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ فَقَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ صُبَيْغٌ، فَأَخَذَ عُمَرُ عُرْجُونًا مِنْ تِلْكَ الْعَرَاجِينِ فَضَرَبَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ، وَجَعَلَ يَضْرِبُهُ حَتَّى دَمِيَ رَأْسُهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَسْبُك فَقَدْ ذَهَبَ الَّذِي كُنْت أَجِدُ فِي رَأْسِي.
وَهَذَا يُنَافِي جَوَابَ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مُسْتَحِقِّ الْقَتْلِ.
وَلَوْ قُلْنَا: إنَّ وَاقِعَةَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَتْ فِيهِ فَإِنَّ ضَرْبَ عُمَرَ الرَّأْسَ كَانَ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَكَذَا ضَرْبُ أَبِي بَكْرٍ لِلَّذِي انْتَفَى مِنْ أَبِيهِ.
هَذَا وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْمَشَايِخِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا الصَّدْرَ وَالْبَطْنَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ الصَّدْرُ مِنْ الْمَحَامِلِ، وَالضَّرْبُ بِالسَّوْطِ الْمُتَوَسِّطِ عَدَدًا يَسِيرًا لَا يَقْتُلُ فِي الْبَطْنِ فَكَيْفَ بِالصَّدْرِ.
نَعَمْ إذَا فُعِلَ بِالْعَصَا كَمَا يُفْعَلُ فِي زَمَانِنَا فِي بُيُوتِ الظَّلَمَةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُضْرَبَ الْبَطْنُ قولهُ: (وَيُضْرَبُ فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا) وَكَذَا التَّعْزِيرُ (قَائِمًا غَيْرَ مَمْدُودٍ لِقول عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَخْ) رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنِّفِهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: يُضْرَبُ الرَّجُلُ قَائِمًا وَالْمَرْأَةُ قَاعِدَةً فِي الْحُدُودِ (وَلِأَنَّ مَبْنَى الْحَدِّ عَلَى التَّشْهِيرِ) زَجْرًا لِلْعَامَّةِ عَنْ مِثْلِهِ (وَالْقِيَامُ أَبْلَغُ فِيهِ) وَالْمَرْأَةُ مَبْنَى أَمْرِهَا عَلَى السَّتْرِ فَيُكْتَفَى بِتَشْهِيرِ الْحَدِّ فَقَطْ بِلَا زِيَادَةٍ (وَقولهُ غَيْرَ مَمْدُودٍ قِيلَ الْمَدُّ أَنْ يُلْقَى عَلَى الْأَرْضِ كَمَا يُفْعَلُ فِي زَمَانِنَا، وَقِيلَ أَنْ يَمُدَّ السَّوْطُ بِأَنْ يَرْفَعَهُ الضَّارِبُ فَوْقَ رَأْسِهِ، وَقِيلَ أَنْ يَمُدَّهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ عَلَى جَسَدِ الْمَضْرُوبِ عَلَى الْجَسَدِ) وَفِيهِ زِيَادَةُ أَلَمٍ وَقَدْ يُفْضِي إلَى الْجُرْحِ (وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُفْعَلُ) فَلَفْظُ مَمْدُودٍ مُعَمَّمٌ فِي جَمِيعِ مَعَانِيهِ؛ لِأَنَّهُ فِي النَّفْيِ فَجَازَ تَعْمِيمُهُ، وَإِنْ امْتَنَعَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَقِفْ وَيَصْبِرْ لَا بَأْسَ بِرَبْطِهِ عَلَى أُسْطُوَانَةٍ أَوْ يُمْسَكُ.

متن الهداية:
(وَإِنْ كَانَ عَبْدًا جَلَدَهُ خَمْسِينَ جَلْدَةً) لِقولهِ تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ} نَزَلَتْ فِي الْإِمَاءِ، وَلِأَنَّ الرِّقَّ مُنْقِصٌ لِلنِّعْمَةِ فَيَكُونُ مُنْقِصًا لِلْعُقُوبَةِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عِنْدَ تَوَافُرِ النِّعَمِ أَفْحَشُ فَيَكُونُ أَدْعَى إلَى التَّغْلِيظِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَإِنْ كَانَ عَبْدًا جَلَدَهُ خَمْسِينَ لِقولهِ تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ} نَزَلَتْ فِي الْإِمَاءِ) وَهُوَ أَيْضًا مِمَّا يُعْرَفُ مِنْ أَوَّلِ الْكَلَامِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِتَنْقِيحِ الْمَنَاطِ فَيَرْجِعُ بِهِ إلَى دَلَالَةِ النَّصِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الدَّلَالَةِ أَوْلَوِيَّةُ الْمَسْكُوتِ بِالْحُكْمِ مِنْ الْمَذْكُورِ، بَلْ الْمُسَاوَاةُ تَكْفِي فِيهِ.
وَقول بَعْضِهِمْ يَدْخُلُونَ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ عَكْسُ الْقَاعِدَةِ وَهِيَ تَغْلِيبُ الذُّكُورِ وَالنَّصُّ عَلَيْهِنَّ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ كَانَ فِي تَزَوُّجِ الْإِمَاءِ بِقولهِ تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا} إلَى قوله: {مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ} ثُمَّ تَمَّمَ حُكْمَهُنَّ إذَا زَنَيْنَ، وَلِأَنَّ الدَّاعِيَةَ فِيهِنَّ أَقْوَى وَهُوَ حِكْمَةُ تَقْدِيمِ الزَّانِيَةِ عَلَى الزَّانِي فِي الْآيَةِ، وَهَذَا الشَّرْطُ: أَعْنِي الْإِحْصَانَ لَا مَفْهُومَ لَهُ، فَإِنَّ عَلَى الْأَرِقَّاءِ نِصْفَ الْمِائَةِ أَحْصَنُوا أَوْ لَمْ يُحْصِنُوا.
وَأَسْنَدَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدٍ بْنِ خَالِدَ الْجُهَنِيَّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْأَمَةِ إذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ قَالَ: إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ وَهُوَ الْحَبْلُ» وَالْقَائِلُونَ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ يُجَوِّزُونَ أَنْ لَا يُرَادَ بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مَنْ أَحْصَنَ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ» وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ أَنْ لَا حَدَّ عَلَيْهَا حَتَّى تُحْصِنَ بِزَوْجٍ، وَعَلَى هَذَا هُوَ مُعْتَبَرُ الْمَفْهُومِ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ.
وَقُرِئَ إذَا أَحْصَنَ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَتُؤُوِّلَ عَلَى مَعْنَى أَسْلَمْنَ، وَحِينَ أَلْزَمَ سُبْحَانَهُ نِصْفَ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ إذَا أَحْصَنَّ لَزِمَ أَنْ لَا رَجْمَ عَلَى الرَّقِيقِ؛ لِأَنَّ الرَّجْمَ لَا يَتَنَصَّفُ، وَلِأَنَّ الرِّقَّ مُنَصِّفٌ لِلنِّعْمَةِ فَتَنْقُصُ الْعُقُوبَةُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عِنْدَ تَوَافُرِ النِّعَمِ أَفْحَشُ فَيَكُونُ أَدْعَى إلَى التَّغْلِيظِ؛ أَلَا تَرَى إلَى قولهِ سُبْحَانَهُ وَتعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ}.

متن الهداية:
(وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ)؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ تَشْمَلُهُمَا (غَيْرَ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يُنْزَعُ مِنْ ثِيَابِهَا إلَّا الْفَرْوُ وَالْحَشْوُ) لِأَنَّ فِي تَجْرِيدِهَا كَشْفُ الْعَوْرَةِ وَالْفَرْوُ وَالْحَشْوُ يَمْنَعَانِ وُصُولَ الْأَلَمِ إلَى الْمَضْرُوبِ وَالسَّتْرُ حَاصِلٌ بِدُونِهِمَا فَيُنْزَعَانِ (وَتُضْرَبُ جَالِسَةً) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا (وَإِنْ حُفِرَ لَهَا فِي الرَّجْمِ جَازَ)؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَفَرَ لِلْغَامِدِيَّةِ إلَى ثُنْدُوَتِهَا، وَحَفَرَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لِشُرَاحَةَ الْهَمْدَانِيَّةِ وَإِنْ تَرَكَ لَا يَضُرُّهُ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ وَهِيَ مَسْتُورَةٌ بِثِيَابِهَا، وَالْحَفْرُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ وَيُحْفَرُ إلَى الصَّدْرِ لِمَا رَوَيْنَا (وَلَا يُحْفَرُ لِلرَّجُلِ)؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا حَفَرَهُ لِمَاعِزٍ، وَلِأَنَّ مَبْنَى الْإِقَامَةِ عَلَى التَّشْهِيرِ فِي الرِّجَالِ، وَالرَّبْطُ وَالْإِمْسَاكُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ) لِشُمُولِ النُّصُوصِ إيَّاهُمَا، فَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُحْصَنًا رُجِمَ وَإِلَّا فَعَلَى كُلٍّ الْجَلْدُ، أَوْ أَحَدُهُمَا مُحْصَنًا فَعَلَى الْمُحْصَنِ الرَّجْمُ وَعَلَى الْآخَرِ الْجَلْدُ، وَكَذَلِكَ فِي ظُهُورِ الزِّنَا عِنْدَ الْقَاضِي بِالْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ يَكُونُ عَلَى مَا شُرِطَ.
وَقولهُ: غَيْرَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إلَخْ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قولهِ: سَوَاءٌ فَلَا يُنْزَعُ عَنْ الْمَرْأَةِ ثِيَابُهَا إلَّا الْمَحْشُوِّ وَالْفَرْوِ (وَلِأَنَّ فِي تَجْرِيدِهَا كَشْفَ الْعَوْرَةِ)؛ لِأَنَّ بَدَنَهَا كُلَّهُ عَوْرَةٌ إلَّا مَا عُرِفَ، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ (وَتُضْرَبُ) الْمَرْأَةُ (جَالِسَةً لِمَا رَوَيْنَا) يَعْنِي مِنْ كَلَامِ عَلِيٍّ (وَلِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا) قولهُ (وَإِنْ حَفَرَ لَهَا فِي الرَّجْمِ جَازَ) لِهَذَا وَلِذَلِكَ حَفَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْغَامِدِيَّةِ إلَى ثُنْدُوَتِهَا.
وَالثَّنْدُوَةُ بِضَمِّ الثَّاءِ وَالْهَمْزَةِ مَكَانَ الْوَاوِ وَبِفَتْحِهَا مَعَ الْوَاوِ مَفْتُوحَةً، وَالدَّالُ مَضْمُومَةٌ فِي الْوَجْهَيْنِ: ثَدْيُ الرَّجُلِ أَوْ لَحْمُ الثَّدْيَيْنِ، وَمَا قِيلَ الثَّدْيُ لِلْمَرْأَةِ وَالثَّنْدُوَةُ لِلرَّجُلِ هُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ بِحَدِيثِ الَّذِي وَضَعَ سَيْفَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ (وَلِذَا حَفَرَ عَلِيٌّ لِشُرَاحَةَ الْهَمْدَانِيَّةِ) بِسُكُونِ الْمِيمِ وَهِيَ قَبِيلَةٌ كَانَتْ عَيْبَةَ عَلِيٍّ، وَقَدْ مَدَحَهُمْ وَقَالَ فِي مَدِيحِهِ لَهُمْ:
فَلَوْ كُنْت بَوَّابًا عَلَى بَابِ جَنَّةٍ ** لَقُلْت لِهَمْدَانَ اُدْخُلِي بِسَلَامِ

وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ شُرَاحَةَ وَفِيهِ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ حَفَرَ لَهَا إلَى السُّرَّةِ.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَإِنْ تَرَكَ) الْحَفْرَ (لَمْ يَضُرَّهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ) يَعْنِي لَمْ يُوجِبْهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ هُوَ الْإِيجَابُ، وَقَالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَفَرَ لِلْغَامِدِيَّةِ.
وَمَعْلُومٌ أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ إلَّا أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ فَيَكُونُ مَجَازًا عَنْ أَمْرِهِ، وَإِلَّا كَانَتْ مُنَاقَضَةً غَرِيبَةً، فَإِنَّ مِثْلَهَا إنَّمَا يَقَعُ عِنْدَ بُعْدِ الْعَهْدِ، أَمَّا مَعَهُ فِي سَطْرٍ وَاحِدٍ فَغَرِيبٌ وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
قولهُ: (وَلَا يَحْفِرُ لِلرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَحْفِرْ لِمَاعِزٍ) تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَتَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَتِهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ حَفَرَ لَهُ وَهُوَ مُنْكَرٌ لِمُخَالَفَتِهِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةَ الْمَشْهُورَةَ وَالرِّوَايَاتِ الْكَثِيرَةَ الْمُتَضَافِرَةَ.
قولهُ: (وَلِأَنَّ مَبْنَى الْحَدِّ عَلَى التَّشْهِيرِ فِي الرِّجَالِ) لَا حَاجَةَ إلَى التَّخْصِيصِ، بَلْ الْحَدُّ مُطْلَقًا مَبْنِيٌّ عَلَى التَّشْهِيرِ، غَيْرَ أَنَّهُ يُزَادُ فِي شُهْرَتِهِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ، وَيَكْتَفِي فِي الْمَرْأَةِ بِالْإِخْرَاجِ وَالْإِتْيَانِ بِهَا إلَى مُجْتَمَعِ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ وَخُصُوصًا فِي الرَّجْمِ.
وَأَمَّا فِي الْجَلْدِ فَقَدْ قَالَ تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ} أَيْ الزَّانِيَةَ وَالزَّانِي، فَاسْتُحِبَّ أَنْ يَأْمُرَ الْإِمَامُ طَائِفَةً: أَيْ جَمَاعَةً أَنْ يَحْضُرُوا إقَامَةَ الْحَدِّ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الطَّائِفَةِ فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاحِدَةٌ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَإِسْحَاقُ اثْنَانِ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ ثَلَاثَةٌ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَشَرَةٌ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ أَرْبَعَةٌ.
وَأَمَّا قولهُ (وَالرَّبْطُ وَالْإِمْسَاكُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ) فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قول ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ تَجْرِيدٌ وَلَا مَدٌّ، وَلِأَنَّ مَاعِزًا انْتَصَبَ لَهُمْ قَائِمًا لَمْ يُمْسَكْ وَلَمْ يُرْبَطْ، إلَّا أَنْ لَا يَصْبِرَ وَأَعْيَاهُمْ فَحِينَئِذٍ يُمْسَكُ فَيُرْبَطُ، فَإِذَا هَرَبَ فِي الرَّجْمِ، فَإِنْ كَانَ مُقِرًّا لَا يُتْبَعُ وَتُرِكَ، وَإِنْ كَانَ مَشْهُودًا عَلَيْهِ اُتُّبِعَ وَرُجِمَ حَتَّى يَمُوتَ؛ لِأَنَّ هَرَبَهُ رُجُوعٌ ظَاهِرًا وَرُجُوعُهُ يَعْمَلُ فِي إقْرَارِهِ لَا فِي رُجُوعِ الشُّهُودِ.
وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ صِفَةَ الرَّجْمِ أَنْ يُصَفُّوا ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ كَصُفُوفِ الصَّلَاةِ كُلَّمَا رَجَمَهُ صَفٌّ تَنَحَّوْا.
وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْأَصْلِ، بَلْ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ فِي قِصَّةِ شُرَاحَةَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ الْأَجْلَحِ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَفِيهِ: أَحَاطَ النَّاسُ بِهَا وَأَخَذُوا الْحِجَارَةَ قَالَ: لَيْسَ هَكَذَا الرَّجْمُ إذَنْ يُصِيبُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، صُفُّوا كَصَفِّ الصَّلَاةِ صَفًّا خَلْفَ صَفٍّ، إلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ رَجَمَهَا ثُمَّ أَمَرَهُمْ فَرَجَمَ صَفٌّ ثُمَّ صَفٌّ ثُمَّ صَفٌّ.
وَلَا يُقَامُ حَدٌّ فِي مَسْجِدٍ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ وَلَا تَعْزِيرٌ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالتَّأْدِيبِ فِي الْمَسْجِدِ خَمْسَةَ أَسْوَاطٍ.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَقَامَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى الْحَدَّ فِي الْمَسْجِدِ فَخَطَّأَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَال: «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ، وَجَمِّرُوهَا فِي جُمَعِكُمْ وَصُفُّوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ» وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ خُرُوجُ النَّجَاسَةِ مِنْ الْمَحْدُودِ فَيَجِبُ نَفْيُهُ عَنْ الْمَسْجِدِ.

متن الهداية:
(وَلَا يُقِيمُ الْمَوْلَى الْحَدَّ عَلَى عَبْدِهِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ أَنْ يُقِيمَهُ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً مُطْلَقَةً عَلَيْهِ كَالْإِمَامِ، بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ مَا لَا يَمْلِكُهُ الْإِمَامُ فَصَارَ كَالتَّعْزِيرِ.
وَلَنَا قولهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «أَرْبَعٌ إلَى الْوُلَاةِ وَذَكَرَ مِنْهَا الْحُدُودَ» وَلِأَنَّ الْحَدَّ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْمَقْصِدَ مِنْهَا إخْلَاءُ الْعَالِمِ عَنْ الْفَسَادِ، وَلِهَذَا لَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ الْعَبْدِ فَيَسْتَوْفِيهِ مَنْ هُوَ نَائِبٌ عَنْ الشَّرْعِ وَهُوَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، بِخِلَافِ التَّعْزِيرِ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ وَلِهَذَا يُعَزَّرُ الصَّبِيُّ، وَحَقُّ الشَّرْعِ مَوْضُوعٌ عَنْهُ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَلَا يُقِيمُ الْمَوْلَى الْحَدَّ عَلَى عَبْدِهِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ: يُقِيمُهُ بِلَا إذْنٍ، وَعَنْ مَالِكٍ إلَّا فِي الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ.
وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيُّ مِنْ الْمَوْلَى أَنْ يَكُونَ ذِمِّيًّا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ امْرَأَةً.
وَهَلْ يَجْرِي ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ حَتَّى لَوْ كَانَ قَتْلًا بِسَبَبِ الرِّدَّةِ أَوْ قَطْعَ الطَّرِيقِ أَوْ قَطْعًا لِلسَّرِقَةِ، فَفِيهِ خِلَافٌ عِنْدَهُمْ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ نَعَمْ لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ، وَفِي التَّهْذِيبِ: الْأَصَحُّ أَنَّ الْقَتْلَ وَالْقَطْعَ إلَى الْإِمَامِ لَهُمْ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْأَمَةِ إذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ قَالَ: إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا أَدْرِي أَبَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ.
وَالضَّفِيرُ الْحَبْلُ.
وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ تَعْزِيرَهُ صِيَانَةً لِمِلْكِهِ عَنْ الْفَسَادِ فَكَذَا الْحَدُّ، وَلِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً مُطْلَقَةً عَلَيْهِ حَتَّى مَلَكَ مِنْهُ مَا لَا يَمْلِكُ الْإِمَامُ مِنْ التَّصَرُّفِ فَمِلْكُهُ لِلْإِقَامَةِ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ الْإِمَامِ.
وَلَنَا مَا رَوَى الْأَصْحَابُ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ مَوْقُوفًا وَمرفوعا: «أَرْبَعٌ إلَى الْوُلَاةِ: الْحُدُودُ، وَالصَّدَقَاتُ. وَالْجُمُعَاتُ، وَالْفَيْءُ» وَلِأَنَّ الْحَدَّ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَسْتَوْفِيهِ إلَّا نَائِبُهُ وَهُوَ الْإِمَامُ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَال يَتَوَقَّفُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَكَوْنُهُ حَقَّ اللَّهِ فَإِنَّمَا يَسْتَوْفِيهِ نَائِبُهُ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنَّ الِاسْتِنَابَةَ تُعْرَفُ بِالسَّمْعِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ اسْتَنَابَ فِي حَقِّهِ الْمُتَوَجِّهِ مِنْهُ عَلَى الْأَرِقَّاءِ مَوَالِيَهُمْ بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَدَلَالَتُهُ عَلَى الْإِقَامَةِ بِنَفْسِهِ ظَاهِرَةٌ وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْإِقَامَةَ بِنَفْسِهِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ أَمَرَ بِهِ غَيْرَهُ كَانَ مُمْتَثِلًا فَجَازَ كَوْنُ الْمُرَادِ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ لِيَأْمُرَ بِإِقَامَتِهِ، لَكِنْ مَا لَمْ يَثْبُتْ الْمُعَارِضُ الْمَذْكُورُ لَا يَجِبُ الْحَمْلُ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ عَلَى الظَّاهِرِ الْمُتَبَادَرِ مِنْ قول الْقَائِلِ: أَقَامَ فُلَانٌ الْحَدَّ عَلَى فُلَانٍ أَوْ جَلَدَ فُلَانٌ فُلَانًا، وَالْمُتَبَادَرُ أَنَّهُ بَاشَرَهُ أَوْ أَمَرَ بِهِ، عَلَى أَنَّ الْمُتَبَادَرَ أَحَدٌ دَائِرٌ فِيهِمَا لَا فِي ثَلَاثَةٍ وَهُمَا هَذَانِ مَعَ رَفْعِهِ إلَى الْحَاكِمِ لِيَحُدَّهُ، نَعَمْ مَنْ اسْتَقَرَّ اعْتِقَادُهُ عَلَى أَنَّ إقَامَةَ الْحُدُودِ إلَى الْإِمَامِ فَالْمُتَبَادَرُ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ الْأَخِيرِ بِخُصُوصِهِ.

متن الهداية:
قَالَ: (وَإِحْصَانُ الرَّجْمِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا عَاقِلًا بَالِغًا مُسْلِمًا قَدْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً نِكَاحًا صَحِيحًا وَدَخَلَ بِهَا وَهُمَا عَلَى صِفَةِ الْإِحْصَانِ) فَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ شَرْطٌ لِأَهْلِيَّةِ الْعُقُوبَةِ إذْ لَا خِطَابَ دُونَهُمَا، وَمَا وَرَاءَهُمَا يُشْتَرَطُ لِتَكَامُلِ الْجِنَايَةِ بِوَاسِطَةِ تَكَامُلِ النِّعْمَةِ إذْ كُفْرَانُ النِّعْمَةِ يَتَغَلَّظُ عِنْدَ تَكَثُّرِهَا، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْ جَلَائِلِ النِّعَمِ.
وَقَدْ شُرِعَ الرَّجْمُ بِالزِّنَا عِنْدَ اسْتِجْمَاعِهَا فَيُنَاطُ بِهِ.
بِخِلَافِ الشَّرَفِ وَالْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ مَا وَرَدَ بِاعْتِبَارِهِمَا وَنَصْبُ الشَّرْعِ بِالرَّأْيِ مُتَعَذِّرٌ، وَلِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ مُمْكِنَةٌ مِنْ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَالنِّكَاحُ الصَّحِيحُ مُمْكِنٌ مِنْ الْوَطْءِ الْحَلَالِ، وَالْإِصَابَةُ شِبَعٌ بِالْحَلَالِ، وَالْإِسْلَامُ يُمَكِّنُهُ مِنْ نِكَاحِ الْمُسْلِمَةِ وَيُؤَكِّدُ اعْتِقَادَ الْحُرْمَةِ فَيَكُونُ الْكُلُّ مَزْجَرَةً عَنْ الزِّنَا.
وَالْجِنَايَةُ بَعْدَ تَوَفُّرِ الزَّوَاجِرِ أَغْلَظُ وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِي اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ وَكَذَا أَبُو يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ لَهُمَا مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ قَدْ زَنَيَا» قُلْنَا: كَانَ ذَلِكَ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ ثُمَّ نُسِخَ، يُؤَيِّدُهُ قولهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «مَنْ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ».
وَالْمُعْتَبَرُ فِي الدُّخُولِ إيلَاجٌ فِي الْقُبُلِ عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ الْغُسْلَ.
وَشَرْطُ صِفَةِ الْإِحْصَانِ فِيهِمَا عِنْدَ الدُّخُولِ، حَتَّى لَوْ دَخَلَ بِالْمَنْكُوحَةِ الْكَافِرَةِ أَوْ الْمَمْلُوكَةِ أَوْ الْمَجْنُونَةِ أَوْ الصَّبِيَّةِ لَا يَكُونُ مُحْصَنًا، وَكَذَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ مَوْصُوفًا بِإِحْدَى هَذِهِ الصِّفَاتِ وَهِيَ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ عَاقِلَةٌ بَالِغَةٌ؛ لِأَنَّ النِّعْمَةَ بِذَلِكَ لَا تَتَكَامَلُ إذْ الطَّبْعُ يَنْفِرُ عَنْ صُحْبَةِ الْمَجْنُونَةِ، وَقَلَّمَا يَرْغَبُ فِي الصَّبِيَّةِ لِقِلَّةِ رَغْبَتِهَا فِيهِ وَفِي الْمَمْلُوكَةِ حَذَرًا عَنْ رِقِّ الْوَلَدِ وَلَا ائْتِلَافَ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي الدِّينِ.
وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ يُخَالِفُهُمَا فِي الْكَافِرَةِ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَقولهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «لَا تُحْصِنُ الْمُسْلِمَ الْيَهُودِيَّةُ وَلَا النَّصْرَانِيَّةُ وَلَا الْحُرَّ الْأَمَةُ وَلَا الْحُرَّةَ الْعَبْدُ».
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَإِحْصَانُ الرَّجْمِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا عَاقِلًا بَالِغًا مُسْلِمًا قَدْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً نِكَاحًا صَحِيحًا وَدَخَلَ بِهَا وَهُمَا عَلَى صِفَةِ الْإِحْصَانِ) قَيَّدَ بِإِحْصَانِ الرَّجْمِ؛ لِأَنَّ إحْصَانَ الْقَذْفِ غَيْرُ هَذَا كَمَا سَيَأْتِي.
وَالْإِحْصَانُ فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ، قَالَ تعالى: {لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} وَأَطْلَقَ فِي اسْتِعْمَالِ الشَّارِحِ بِمَعْنَى الْإِسْلَامِ وَبِمَعْنَى الْعَقْلِ وَبِمَعْنَى الْحُرِّيَّةِ مِنْه: {أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ} وَبِمَعْنَى التَّزْوِيجِ وَبِمَعْنَى الْإِصَابَةِ فِي النِّكَاحِ وَبِمَعْنَى الْعِفَّةِ، يُقَالُ أَحْصَنَتْ: أَيْ عَفَّتْ وَأَحْصَنَهَا زَوْجُهَا.
قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: الْمُتَقَدِّمُونَ يَقولونَ: إنَّ شَرَائِطَ الْإِحْصَانِ سَبْعَةٌ، وَعَدَّ مَا ذَكَرْنَا ثُمَّ قَالَ: فَأَمَّا الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ فَهُمَا شَرْطَا الْأَهْلِيَّةِ لِلْعُقُوبَةِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقولهِ فَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ شَرْطٌ لِأَهْلِيَّةِ الْعُقُوبَةِ، وَالْحُرِّيَّةُ شَرْطُ تَكْمِيلِ الْعُقُوبَةِ لَا شَرْطُ الْإِحْصَانِ عَلَى الْخُصُوصِ، وَشَرْطُ الدُّخُولِ ثَبَتَ بِقولهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ» وَالثِّيَابَةُ لَا تَكُونُ إلَّا بِالدُّخُولِ.اهـ.
وَاخْتُلِفَ فِي اثْنَيْنِ مِنْ هَذِهِ: الْإِسْلَامُ وَسَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ وَكَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ مُسَاوِيًا لِلْآخَرِ فِي شَرَائِطِ الْإِحْصَانِ وَقْتَ الْإِصَابَةِ بِحُكْمِ النِّكَاحِ فَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ أَمَةً أَوْ صَبِيَّةً أَوْ مَجْنُونَةً أَوْ كِتَابِيَّةً وَدَخَلَ بِهَا لَا يَصِيرُ الزَّوْجُ مُحْصَنًا بِهَذَا الدُّخُولِ، حَتَّى لَوْ زَنَى بَعْدَهُ لَا يُرْجَمُ عِنْدَنَا، وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَتْ الْحُرَّةُ الْبَالِغَةُ الْعَاقِلَةُ الْمُسْلِمَةُ مِنْ عَبْدٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ صَبِيٍّ وَدَخَلَ بِهَا لَا تَصِيرُ مُحْصَنَةً فَلَا تُرْجَمُ لَوْ زَنَتْ.
وَلَوْ تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ ذِمِّيَّةً فَأَسْلَمَتْ بَعْدَمَا دَخَلَ بِهَا فَقَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ: أَيْ أَنْ يَطَأَهَا إذَا زَنَى لَا يُرْجَمُ، وَكَذَا لَوْ أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ الَّتِي هِيَ زَوْجَةُ الْحُرِّ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ الْمُسْلِمِ بَعْدَمَا دَخَلَ بِهَا لَا يُرْجَمُ لَوْ زَنَى مَا لَمْ يَطَأْهَا بَعْدَ الْإِعْتَاقِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ بَلَغَتْ بَعْدَمَا دَخَلَ بِهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ وَكَذَا لَوْ كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ وَهُمَا مُحْصَنَانِ فَارْتَدَّا مَعًا بَطَلَ إحْصَانُهُمَا، فَإِذَا أَسْلَمَا لَا يَعُودُ إحْصَانُهُمَا حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ.
وَقولنَا يَدْخُلُ بِهَا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ: يَعْنِي تَكُونُ الصِّحَّةُ قَائِمَةً حَالَ الدُّخُولِ، حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَ مَنْ عُلِّقَ طَلَاقُهَا بِتَزَوُّجِهَا يَكُونُ النِّكَاحُ صَحِيحًا، فَلَوْ دَخَلَ بِهَا عَقِيبَهُ لَا يَصِيرُ مُحْصَنًا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ قَبْلَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِضَافَةَ فِي قولنَا شَرَائِطُ الْإِحْصَانِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بَيَانِيَّةً: أَيْ الشَّرَائِطُ الَّتِي هِيَ الْإِحْصَانُ، وَكَذَا شَرْطُ الْإِحْصَانِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِحْصَانَ الَّذِي هُوَ شَرْطُ الرَّجْمِ هُوَ الْأُمُورُ الْمَذْكُورَةُ، فَهِيَ أَجْزَاؤُهُ، وَهُوَ هَيْئَةٌ تَكُونُ بِاجْتِمَاعِهَا فَهِيَ أَجْزَاءُ عِلَّةٍ، وَكُلُّ جُزْءٍ عِلَّةٌ، فَكُلُّ وَاحِدٍ حِينَئِذٍ شَرْطُ وُجُوبِ الرَّجْمِ، وَالْمَجْمُوعُ عِلَّةٌ لِوُجُودِ الشَّرْطِ الْمُسَمَّى بِالْإِحْصَانِ، وَالشَّرْطُ يَثْبُتُ سَمْعًا أَوْ قِيَاسًا عَلَى مَا اخْتَارَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ.
لَا يُقَالُ: كَمَا أَنَّ الْحَدَّ لَا يَثْبُتُ قِيَاسًا فَكَذَا شُرُوطُهُ؛ لِأَنَّا نَقول: بَلْ يَجِبُ أَنْ تَثْبُتَ شُرُوطُهُ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ عَدَمَ جَوَازِ نَفْسِ الْحَدِّ إمَّا لِعَدَمِ الْمَعْقوليَّةِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِمَا ازْدَادَتْ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَإِثْبَاتُ الشَّرْطِ احْتِيَالٌ لِلدَّرْءِ لَا لِإِيجَابِهِ بَقِيَ الشَّأْنُ فِي تَحْقِيقِهِ، وَقَدْ أَثْبَتَ الْمُصَنِّفُ شَرْطَ اتِّفَاقِهِمَا فِي صِفَةِ الْإِحْصَانِ مَعَ غَيْرِهِ بِقولهِ: (وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْ جَلَائِلِ النِّعَمِ) فَإِنَّ مِنْ النِّعَمِ كَوْنَ كُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ مُكَافِئًا لِلْآخَرِ فِي صِفَاتِهِ الشَّرِيفَةِ ثُمَّ قَالَ: (وَقَدْ شُرِعَ الرَّجْمُ بِالزِّنَا عِنْدَ اسْتِجْمَاعِهَا فَيُنَاطُ بِهِ) أَيْ بِاسْتِجْمَاعِهَا، وَإِذَا نِيطَ بِكُلِّهَا يَلْزَمُ أَنْ يَنْتَفِيَ الْحَدُّ بِانْتِفَاءِ كُلٍّ مِنْهَا، وَمِنْ جُمْلَتِهَا كَوْنُ كُلٍّ مِثْلَ الْآخَرِ فَيَلْزَمُ اشْتِرَاطُهُ لِظُهُورِ أَثَرِ وُجُودِ الشُّبْهَةِ فِي دَرْءِ الْحَدِّ، وَعَدَمُ تَمَاثُلِهِمَا شُبْهَةٌ فِي تَصَوُّرِ الصَّارِفِ فَيَنْدَرِئُ بِهِ، وَبَيَانُهُ مَا ذُكِرَ فِي بَيَانِ كَوْنِهَا مِنْ جَلَائِلِ النِّعَمِ الصَّارِفَةِ عَنْ الزِّنَا بِكَمَالِ انْدِفَاعِ حَاجَتِهِ إلَى الْوَطْءِ عِنْدَهَا، فَكَوْنُهُ بَالِغًا؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ لَا تَكْمُلُ فِيهِ رَغْبَةُ الْكَبِيرَةِ وَبِالْعَكْسِ، وَكَذَا الْمَجْنُونَةُ لَا يُرْغَبُ فِيهَا بَلْ هِيَ مَحَلُّ نَفْرَةِ الطِّبَاعِ، وَكَذَا يَنْفِرُ الْمُسْلِمُ عَنْ صُحْبَةِ مَنْ يُفَارِقُهُ فِي دِينِهِ مِنْهُ وَمِنْهَا، وَكَذَا يَرَى الْحُرُّ انْحِطَاطًا بِتَزَوُّجِ الرَّقِيقِ فَلَا تَكْمُلُ الرَّغْبَةُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَإِذَا ظَهَرَ تَكَامُلُ الصَّارِفِ وَفِيهِ تَكَامُلُ النِّعْمَةِ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عِنْدَهَا أَفْحَشَ فَنَاسَبَ كَوْنَ الْعُقُوبَةِ أَغْلَظَ فَشُرِعَتْ لِذَلِكَ وَهِيَ الرَّجْمُ عِنْدَ اسْتِجْمَاعِهَا فَنِيطَ بِهِ: أَيْ بِالِاسْتِجْمَاعِ لَهَا (بِخِلَافِ الشَّرَفِ وَالْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ مَا وَرَدَ بِاعْتِبَارِهِمَا وَنَصْبُ الشَّرْعِ بِالرَّأْيِ مُمْتَنِعٌ) وَوَجْهُ عَدَمِ اعْتِبَارِهِمَا فِي تَكْمِيلِ الْعُقُوبَةِ أَنَّهُمَا لَا مَدْخَلَ لَهُمَا فِي تَكْمِيلِ الصَّارِفِ وَإِنْ كَانَتَا مِنْ جَلَائِلِ النِّعَمِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمُعْتَبَرُ، وَأَوْرَدَ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ كَوْنُ الزَّوْجِ كَافِرًا وَهِيَ مُسْلِمَةٌ كَمَا يُفِيدُهُ مَا ذُكِرَ فِي نَفْرَةِ الْمُسْلِمِ.
وَأُجِيبَ بِأَنْ يَكُونَا كَافِرَيْنِ فَتُسْلِمَ هِيَ فَيَطَأَهَا قَبْلَ عَرْضِ الْقَاضِي الْإِسْلَامَ عَلَيْهِ وَإِبَائِهِ، وَمَا لَمْ يُفَرِّقْ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بِإِبَائِهِ هُمَا زَوْجَانِ.
قولهُ: (وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِي اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ) أَيْ فِي الْإِحْصَانِ (وَكَذَا أَبُو يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ) وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَقول مَالِكٍ كَقولنَا: فَلَوْ زَنَى الذِّمِّيُّ الثَّيِّبُ الْحُرُّ، يُجْلَدُ عِنْدَنَا وَيُرْجَمُ عِنْدَهُمْ.
لَهُمْ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ امْرَأَةً مِنْهُمْ وَرَجُلًا قَدْ زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الزِّنَا؟ فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ إنَّ فِيهَا الرَّجْمَ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ارْفَعْ يَدَك، فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالَ: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فَأَمَرَ بِهِمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا» وَاَلَّذِي وَضَعَ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا.
وَأَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ إنَّمَا رَجَمَهُمَا بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ، فَإِنَّهُ سَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ أَوَّلًا، وَأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ عِنْدَمَا قَدِمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمَدِينَةَ ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ حَدِّ الزِّنَا وَلَيْسَ فِيهَا اشْتِرَاطُ الْإِسْلَامِ فِي الرَّجْمِ، ثُمَّ نَزَلَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ بِالرَّجْمِ بِاشْتِرَاطِهِ لِلْإِحْصَانِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَتْلُوٍّ، وَعُلِمَ ذَلِكَ مِنْ قولهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «مَنْ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: «مَنْ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» فَقَالَ إِسْحَاقُ رَفَعَهُ مَرَّةً فَقَالَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَقَّفَهُ مَرَّةً.
وَمِنْ طَرِيقِهِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ وَقَالَ: لَمْ يَرْفَعْهُ غَيْرُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَيُقَالُ إنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ.
قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَلَفْظُ إِسْحَاقَ كَمَا تَرَاهُ لَيْسَ فِيهِ رُجُوعٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ عَنْ الرَّاوِي أَنَّهُ مَرَّةً رَفَعَهُ وَمَرَّةً أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْفَتْوَى فَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مِثْلَهُ بَعْدَ صِحَّةِ الطَّرِيقِ إلَيْهِ مَحْكُومٌ بِرَفْعِهِ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ الرَّفْعُ وَالْوَقْفُ حُكِمَ بِالرَّفْعِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ إذَا خُرِّجَ مِنْ طُرُقٍ فِيهَا ضَعْفٌ لَمْ يَضُرَّ.
وَأَمَّا قولهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «لَا يُحْصِنُ الْمُسْلِمَ الْيَهُودِيَّةُ وَلَا النَّصْرَانِيَّةُ وَلَا الْحُرَّ الْأَمَةُ وَلَا الْحُرَّةَ الْعَبْدُ» فَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، وَمَعْنَاهُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِيَهُودِيَّةٍ فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَتَزَوَّجْهَا فَإِنَّهَا لَا تُحْصِنُك» وَضُعِّفَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ لَمْ يُدْرِكْ كَعْبًا، لَكِنْ رَوَاهُ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ.
وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الِانْقِطَاعَ عِنْدَنَا دَاخِلٌ فِي الْإِرْسَالِ بَعْدَ عَدَالَةِ الرُّوَاةِ، وَبَقِيَّةُ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ فِيهِ أَوَّلَ هَذَا الشَّرْحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ هُوَ شَاهِدٌ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فَيُحْتَجُّ بِهِ، وَلَا مَعْنَى لِفَصْلِ الْمُصَنِّفِ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ بِالْفُرُوعِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَهُمَا مَعًا فِي غَرَضٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الِاحْتِجَاجُ عَلَى أَبِي يُوسُفَ وَمَنْ مَعَهُ بَلْ كَانَ الْوَجْهُ جَمْعُهُمَا ثُمَّ يَقول هُنَا لِمَا ذَكَرْنَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَسْهَلَ مِمَّا ادَّعَى أَنْ يُقَالَ: حِينَ رَجَمَهُمَا كَانَ الرَّجْمُ ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّتُهُ فِي الْإِسْلَامِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قولهِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ» ثُمَّ الظَّاهِرُ كَوْنُ اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا، وَإِلَّا لَمْ يَرْجُمْهُمْ لِانْتِسَاخِ شَرِيعَتِهِمْ وَإِنَّمَا يَحْكُمُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا سَأَلَهُمْ عَنْ الرَّجْمِ فِي التَّوْرَاةِ لِيُبَكِّتَهُمْ بِتَرْكِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ فَحَكَمَ بِرَجْمِهِمَا بِشَرْعِهِ الْمُوَافِقِ لِشَرْعِهِمْ، وَإِذَا لَزِمَ كَوْنُ الرَّجْمِ كَانَ ثَابِتًا فِي شَرْعِنَا حَالَ رَجْمِهِمْ بِلَا اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ الْمُفِيدُ لِاشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ وَلَيْسَ تَارِيخٌ يُعْرَفُ بِهِ تَقَدُّمُ اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ أَوْ تَأَخُّرُهُ، فَيَكُونُ رَجْمُهُ الْيَهُودِيَّيْنِ وَقولهُ الْمَذْكُورُ مُتَعَارِضَيْنِ فَيَطْلُبُ التَّرْجِيحَ، وَالْقول يُقَدَّمُ عَلَى الْفِعْلِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ تَقْدِيمَ هَذَا الْقول يُوجِبُ دَرْءَ الْحَدِّ وَتَقْدِيمَ ذَلِكَ الْفِعْلِ يُوجِبُ الِاحْتِيَاطَ فِي إيجَابِ الْحَدِّ، وَالْأَوْلَى فِي الْحُدُودِ تَرْجِيحُ الدَّافِعِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ كُلَّ مُرَجَّحٍ فَهُوَ مَحْكُومٌ بِتَأَخُّرِهِ اجْتِهَادًا، وَلَقَدْ طَاحَ بِهَذَا دَفْعُ بَعْضِ الْمُعْتَرِضِينَ.
قولهُ: (وَالْمُعْتَبَرُ فِي الدُّخُولِ) الْمُحَقِّقِ لِلْإِحْصَانِ (إيلَاجٌ فِي الْقُبُلِ عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ الْغُسْلَ) وَهُوَ بِغَيْبُوبَةِ الْحَشَفَةِ فَقَطْ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ.
وَقولهُ حَتَّى لَوْ دَخَلَ بِالْمَنْكُوحَةِ الْكَافِرَةِ إلَخْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.

متن الهداية:
قَالَ: (وَلَا يُجْمَعُ فِي الْمُحْصَنِ بَيْنَ الرَّجْمِ وَالْجَلْدِ) لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَجْمَعْ، وَلِأَنَّ الْجَلْدَ يَعْرَى عَنْ الْمَقْصُودِ مَعَ الرَّجْمِ؛ لِأَنَّ زَجْرَ غَيْرِهِ يَحْصُلُ بِالرَّجْمِ إذْ هُوَ فِي الْعُقُوبَةِ أَقْصَاهَا وَزَجْرُهُ لَا يَحْصُلُ بَعْدَ هَلَاكِهِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَلَا يُجْمَعُ فِي الْمُحْصَنِ بَيْنَ الرَّجْمِ وَالْجَلْدِ) وَهُوَ قول مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَيُجْمَعُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ إلَى أَنَّهُ يُجْمَعُ.
لِلْجُمْهُورِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُجْمَعْ، وَهَذَا عَلَى وَجْهِ الْقَطْعِ فِي مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ وَصَاحِبَةِ الْعَسِيفِ، وَقَدْ تَظَافَرَتْ الطُّرُقُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ بَعْدَ سُؤَالِهِ عَنْ الْإِحْصَانِ وَتَلْقِينِهِ الرُّجُوعَ لَمْ يَزِدْ عَلَى الْأَمْرِ بِالرَّجْمِ فَقَالَ: «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ» وَقَالَ: «اُغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» وَلَمْ يَقُلْ فَاجْلِدْهَا ثُمَّ اُرْجُمْهَا.
وَقَالَ فِي بَاقِي الْحَدِيثِ «فَاعْتَرَفَتْ فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَتْ» وَكَذَا فِي الْغَامِدِيَّةِ وَالْجُهَنِيَّةِ إنْ كَانَتْ غَيْرَهَا لَمْ يَزِدْ عَلَى الْأَمْرِ بِرَجْمِهَا وَتَكَرَّرَ، وَلَمْ يَزِدْ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ فَقَطَعْنَا بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ الرَّجْمِ، فَقولهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «خُذُوا عَنِّي فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمٌ أَوْ رَمْيٌ بِالْحِجَارَةِ» يَجِبُ قَطْعًا كَوْنُهُ مَنْسُوخًا.
قَالَ: (وَلِأَنَّ الْجَلْدَ يُعْرِي عَنْ الْمَقْصُودِ) وَهُوَ الِانْزِجَارُ أَوْ قَصْدُ الِانْزِجَارِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ إذَا كَانَ لَاحِقًا كَانَ الْجَلْدُ خُلُوًّا عَنْ الْفَائِدَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي شُرِعَ لَهَا الْحَدُّ وَالنَّسْخُ قَدْ تَحَقَّقَ فِي حَقِّ الزِّنَا فَإِنَّهُ كَانَ أَوَّلًا الْأَذَى بِاللِّسَانِ عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ تَعَالَى مِنْ قوله: {وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا} ثُمَّ نُسِخَ بِالْحَبْسِ فِي حَقِّهِنَّ بِقولهِ تعالى: {وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} إلَى قوله: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} فَإِنَّهُ كَانَ قَبْلَ سُورَةِ النُّورِ لِقولهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» وَإِلَّا لَقَالَ خُذُوا عَنْ اللَّهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ.
وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ فَلَزِمَ نَسْخُهُ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ خُصُوصُ النَّاسِخِ.
وَأَمَّا جَلْدُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شُرَاحَةَ ثُمَّ رَجْمُهَا فَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ إحْصَانُهَا إلَّا بَعْدَ جَلْدِهَا، أَوْ هُوَ رَأْيٌ لَا يُقَاوِمُ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْقَطْعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (وَلَا يُجْمَعُ فِي الْبِكْرِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالنَّفْيِ) وَالشَّافِعِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا حَدًّا لِقولهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» وَلِأَنَّ فِيهِ حَسْمَ بَابِ الزِّنَا لِقِلَّةِ الْمَعَارِفِ.
وَلَنَا قوله تعالى: {فَاجْلِدُوا} جَعَلَ الْجَلْدَ كُلَّ الْمُوجَبِ رُجُوعًا إلَى حَرْفِ الْفَاءِ وَإِلَى كَوْنِهِ كُلَّ الْمَذْكُورِ، وَلِأَنَّ فِي التَّغْرِيبِ فَتْحَ بَابِ الزِّنَا لِانْعِدَامِ الِاسْتِحْيَاءِ مِنْ الْعَشِيرَةِ ثُمَّ فِيهِ قَطْعُ مَوَادِّ الْبَقَاءِ، فَرُبَّمَا تَتَّخِذُ زِنَاهَا مَكْسَبَةً وَهُوَ مِنْ أَقْبَحِ وُجُوهِ الزِّنَا، وَهَذِهِ الْجِهَةُ مُرَجَّحَةٌ لِقول عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَفَى بِالنَّفْيِ فِتْنَةٌ، وَالْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ كَشَطْرِهِ، وَهُوَ قولهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ» وَقَدْ عُرِفَ طَرِيقُهُ فِي مَوْضِعِهِ.

متن الهداية:
قَالَ: (إلَّا أَنْ يَرَى الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً فَيُغَرِّبَهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى) وَذَلِكَ تَعْزِيرٌ وَسِيَاسَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُفِيدُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَيَكُونُ الرَّأْيُ فِيهِ إلَى الْإِمَامِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ النَّفْيُ الْمَرْوِيُّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَلَا يُجْمَعُ فِي الْبِكْرِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالنَّفْيِ وَالشَّافِعِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا) وَكَذَا أَحْمَدُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ.
وَلَهُ فِي الْعَبْدِ أَقْوَالٌ يُغَرَّبُ سَنَةً، نِصْفَ سَنَةٍ، لَا يُغَرَّبُ أَصْلًا.
وَأَمَّا تَغْرِيبُ الْمَرْأَةِ فَمَعَ مَحْرَمٍ وَأُجْرَتُهُ عَلَيْهَا فِي قول، وَفِي بَيْتِ الْمَالِ فِي قول.
وَلَوْ امْتَنَعَ فَفِي قول يُجْبِرُهُ الْإِمَامُ، وَفِي قول لَا.
وَلَوْ كَانَتْ الطَّرِيقُ آمِنَةً فَفِي تَغْرِيبِهَا بِلَا مَحْرَمٍ قولانِ لِقولهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «خُذُوا عَنِّي» الْحَدِيثَ.
قولهُ: (لِقولهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ») أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «خُذُوا عَنِّي» الْحَدِيثَ، وَتَقَدَّمَ (وَلِأَنَّ فِيهِ حَسْمَ مَادَّةِ الزِّنَا لِقِلَّةِ الْمَعَارِفِ)؛ لِأَنَّهُ هُوَ الدَّاعِيَةُ إلَى ذَلِكَ، وَلِذَا قِيلَ لِامْرَأَةٍ مِنْ الْعَرَبِ: مَا حَمَلَك عَلَى الزِّنَا مَعَ فَضْلِ عَقْلِك؟ قَالَتْ: طُولُ السَّوَادِ وَقُرْبُ الْوِسَادِ.
وَالسَّوَادُ الْمُسَارَّةُ مِنْ سَاوَدَهُ إذَا سَارَّهُ.
وَلَنَا قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} شَارِعًا فِي بَيَانِ حُكْمِ الزِّنَا مَا هُوَ.
فَكَانَ الْمَذْكُورُ تَمَامَ حُكْمِهِ وَإِلَّا كَانَ تَجْهِيلًا، إذْ يُفْهَمُ أَنَّهُ تَمَامُ الْحُكْمِ وَلَيْسَ تَمَامَهُ فِي الْوَاقِعِ فَكَانَ مَعَ الشُّرُوعِ فِي الْبَيَانِ أَبْعَدَ مِنْ تَرْكِ الْبَيَانِ؛ لِأَنَّهُ يُوقِعُ فِي الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ وَذَلِكَ فِي الْبَسِيطِ وَلِأَنَّهُ هُوَ الْمَفْهُومُ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ جَزَاءً لِلشَّرْطِ فَيُفِيدُ أَنَّ الْوَاقِعَ هَذَا فَقَطْ، فَلَوْ ثَبَتَ مَعَهُ شَيْءٌ آخَرُ كَانَ شُبْهَةً مُعَارِضَةً لَا مُثْبِتَةً لِمَا سَكَتَ عَنْهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ الْمَمْنُوعَةُ.
وَأَمَّا مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ بَعْضِهِمْ مِنْ أَنَّ الزِّيَادَةَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إثْبَاتُ مَا لَمْ يُوجِبْهُ الْقُرْآنُ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ وَإِلَّا بَطَلَتْ أَكْثَرُ السُّنَنِ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ نَسْخًا وَتَسْمِيَتُهَا نَسْخًا مُجَرَّدُ اصْطِلَاحٍ، وَلِذَا زِيدَ فِي عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الْإِحْدَادُ عَلَى الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ التَّرَبُّصُ، فَهُوَ يُفِيدُ عَدَمَ مَعْرِفَةِ الِاصْطِلَاحِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الزِّيَادَةِ إثْبَاتَ مَا لَمْ يُثْبِتْهُ الْقُرْآنُ وَلَمْ يَنْفِهِ.
لَا يَقول بِهَذَا عَاقِلٌ فَضْلًا عَنْ عَالِمٍ، بَلْ تَقْيِيدُ مُطْلَقِهِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ الْإِطْلَاقَ مِمَّا يُرَادُ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ الْمُطْلَقِ، وَبِاللَّفْظِ يُفَادُ الْمَعْنَى، فَأَفَادَ أَنَّ الْإِطْلَاقَ مُرَادٌ وَبِالتَّقْيِيدِ يَنْتَفِي حُكْمُهُ عَنْ بَعْضِ مَا أَثْبَتَهُ فِيهِ اللَّفْظُ الْمُطْلَقُ.
ثُمَّ لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا نَسْخٌ، وَبِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ، وَظَنَّ الْمُعْتَرِضُ أَنَّ الْإِحْدَادَ زِيَادَةُ غَلَطٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَقْيِيدًا لِلتَّرَبُّصِ وَإِلَّا لَوْ تَرَبَّصَتْ وَلَمْ تُحَدَّ فِي تَرَبُّصِهَا حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ الْعِدَّةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تَكُونُ عَاصِيَةً بِتَرْكِ وَاجِبٍ فِي الْعِدَّةِ، فَإِنَّمَا أَثْبَتَ الْحَدِيثَ وَاجِبًا لَا أَنَّهُ قَيَّدَ مُطْلَقَ الْكِتَابِ.
نَعَمْ وَرُدَّ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ مَشْهُورٌ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِهِ اتِّفَاقًا، وَالْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَدَلَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إلَى ادِّعَاءِ نَسْخِ هَذَا الْخَبَرِ مُسْتَأْنِسًا لَهُ بِنَسْخِ شَطْرِهِ الثَّانِي وَهُوَ الدَّالُّ عَلَى الْجَمِيعِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ فَكَذَا نِصْفُهُ الْآخَرُ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِلَازِمٍ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ تُرْوَى جُمَلٌ بَعْضُهَا نُسِخَ وَبَعْضُهَا لَا.
وَلَوْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْأَوَّلَ وَادَّعَى أَنَّهُ آحَادٌ لَا مَشْهُورٌ وَتَلَقِّي الْأُمَّةِ بِالْقَبُولِ إنْ كَانَ إجْمَاعُهُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ فَمَمْنُوعٌ لِظُهُورِ الْخِلَافِ، وَإِنْ كَانَ إجْمَاعُهُمْ عَلَى صِحَّتِهِ بِمَعْنَى صِحَّةِ سَنَدِهِ فَكَثِيرٌ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ كَذَلِكَ فَلَمْ تَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهَا آحَادًا، وَقَدْ خُطِّئَ مَنْ ظَنَّهُ يَصِيرُ قَطْعِيًّا فَادَّعَى فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ذَلِكَ وَغَلِطَ عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ، وَإِذَا كَانَ آحَادًا وَقَدْ تَطَرَّقَ إلَيْهِ احْتِمَالُ النَّسْخِ بِقَرِينَةِ نَسْخِ شَطْرِهِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَنْزِلُ عَنْ الْآحَادِ الَّتِي لَمْ يَتَطَرَّقْ ذَلِكَ إلَيْهَا فَأَحْرَى أَنْ لَا يُنْسَخَ بِهِ مَا أَفَادَهُ الْكِتَابُ مِنْ أَنَّ جَمِيعَ الْمُوجِبِ الْجَلْدُ فَإِنَّهُ يُعَارِضُهُ فِيهِ، لَا أَنَّ الْكِتَابَ سَاكِتٌ عَنْ نَفْيِ التَّغْرِيبِ فَكَيْفَ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ التَّغْرِيبِ بِطَرِيقِ الْحَدِّ، فَإِنَّ أَقْصَى مَا فِيهِ دَلَالَةُ قوله: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» وَهُوَ عَطْفُ وَاجِبٍ عَلَى وَاجِبٍ وَهُوَ لَا يَقْتَضِيهِ، بَلْ مَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ قول أَبِي هُرَيْرَةَ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصِنْ بِنَفْيِ عَامٍ» وَإِقَامَةُ الْحَدِّ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ النَّفْيَ لَيْسَ فِي الْحَدِّ لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ، وَكَوْنُهُ اسْتَعْمَلَ الْحَدَّ فِي جُزْءِ مُسَمَّاهُ وَعَطَفَهُ عَلَى الْجُزْءِ الْآخَرِ بَعِيدٌ وَلَا دَلِيلَ يُوجِبُهُ، وَمَا ذَكَرَ مِنْ الْأَلْفَاظِ لَا يُفِيدُهُ فَجَازَ كَوْنُهُ تَغْرِيبًا لِمَصْلَحَةٍ.
وَأَمَّا مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فَرَأَى أَنَّ الْحَدِيثَ مَا دَلَّ إلَّا عَلَى الرَّجُلِ بِقوله: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ» فَلَمْ تَدْخُلْ الْمَرْأَةُ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُثْبِتُ الْأَحْكَامَ فِي النِّسَاءِ بِالنُّصُوصِ الْمُفِيدَةِ إيَّاهَا لِلرِّجَالِ بِتَنْقِيحِ الْمُنَاطِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ نَفْسَ الْحَدِيثِ يَجِبُ أَنْ يَشْمَلَهُنَّ فَإِنَّهُ قَال: «خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ» الْحَدِيثَ، فَنَصَّ عَلَى أَنَّ النَّفْيَ وَالْجَلْدَ سَبِيلٌ لَهُنَّ، وَالْبِكْرُ يُقَالُ عَلَى الْأُنْثَى؛ أَلَا تَرَى إلَى قوله: «الْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ» ثُمَّ عَارَضَ مَا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ مِنْ الْمَعْنَى بِأَنَّ فِي النَّفْيِ فَتْحَ بَابِ الْفِتْنَةِ لِانْفِرَادِهَا عَنْ الْعَشِيرَةِ وَعَمَّنْ تَسْتَحِي مِنْهُمْ إنْ كَانَ لَهَا شَهْوَةٌ قَوِيَّةٌ فَتَفْعَلُهُ، وَقَدْ تَفْعَلُهُ لِحَامِلٍ آخَرَ وَهُوَ حَاجَتُهَا إلَى مَا يَقُومُ بِأَوَدِهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى فِي إفْضَائِهِ إلَى الْفَسَادِ أَرْجَحُ مِمَّا ذَكَرَهُ مِنْ إفْضَاءِ قِلَّةِ الْمَعَارِفِ إلَى عَدَمِ الْفَسَادِ خُصُوصًا فِي مِثْلِ هَذَا الزَّمَانِ لِمَنْ يُشَاهِدُ أَحْوَالَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ فَيَتَرَجَّحُ عَلَيْهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْآثَارِ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي الْبِكْرِ يَزْنِي بِالْبِكْرِ يُجْلَدَانِ مِائَةً وَيُنْفَيَانِ سَنَةً.
قَالَ: وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَسْبُهُمَا مِنْ الْفِتْنَةِ أَنْ يُنْفَيَا.
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَفَى بِالنَّفْيِ فِتْنَةً.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: غَرَّبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ فِي الشَّرَابِ إلَى خَيْبَرَ فَلَحِقَ بِهِرَقْلَ فَتَنَصَّرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا أُغَرِّبُ بَعْدَهُ مُسْلِمًا.
نَعَمْ لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْإِمَامِ مَصْلَحَةٌ فِي التَّغْرِيبِ تَعْزِيرًا لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ وَهُوَ مَحْمَلُ التَّغْرِيبِ الْوَاقِعِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلصَّحَابَةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ.
فَفِي التِّرْمِذِيِّ: حَدَّثَنَا كُرَيْبٌ وَيَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ» إلَّا أَنَّهُ قَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وَكَذَا رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إدْرِيسَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ فَرَفَعُوهُ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ إدْرِيسَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ الْحَدِيثَ.
وَهَكَذَا رُوِيَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إدْرِيسَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَمِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَقولوا فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.اهـ.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ رِوَايَةَ ابْنِ نُمَيْرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ عَنْ ابْنِ إدْرِيسَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: إنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ الْحَدِيثَ.
لَمْ يَقُلْ فِيهِ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ الصَّوَابُ، لَكِنْ رَوَى النَّسَائِيّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ بِهِ مَرْفُوعًا، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ مِنْ جِهَةِ النَّسَائِيّ وَقَالَ: رِجَالُهُ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يُسْأَلُ عَنْهُ لِثِقَتِهِ وَشُهْرَتِهِ، وَقَالَ أَيْضًا: عِنْدِي أَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ ابْنِ إدْرِيسَ فِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي ثُبُوتِهِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتِلَافًا عَنْ الْحُفَّاظِ وَأَمَّا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ ذَلِكَ عَنْهُمَا أَيْضًا فِي الْمُوَطَّأِ.
وَأَمَّا رِوَايَتُهُ عَنْ عُثْمَانَ فَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ ابْنِ يَسَارٍ مَوْلًى لِعُثْمَانَ قَالَ: جَلَدَ عُثْمَانُ امْرَأَةً فِي زِنًا ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ الْمَهْرِيُّ إلَى خَيْبَرَ نَفَاهَا إلَيْهِ.
فَهَذَا التَّغْرِيبُ الْمَرْوِيُّ عَمَّنْ ذَكَرْنَا كَتَغْرِيبِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَصْرَ بْنَ حَجَّاجٍ وَغَيْرَهُ بِسَبَبِ أَنَّهُ لِجَمَالِهِ اُفْتُتِنَ بِهِ بَعْضُ النِّسَاءِ حَتَّى سَمِعَ قول قَائِلَةٍ:
هَلْ مِنْ سَبِيلٍ إلَى خَمْرٍ فَأَشْرَبَهَا ** أَوْ مِنْ سَبِيلٍ إلَى نَصْرِ بْنِ حَجَّاجِ

إلَى فَتًى مَاجِدِ الْأَعْرَاقِ مُقْتَبَلٍ ** سَهْلِ الْمُحَيَّا كَرِيمٍ غَيْرِ مِلْجَاجِ

وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ نَفْيًا، وَعَلَى هَذَا كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ السُّلُوكِ الْمُحَقِّقِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضِيَ عَنَّا بِهِمْ وَحَشَرَنَا مَعَهُمْ كَانُوا يُغَرِّبُونَ الْمُرِيدَ إذَا بَدَا مِنْهُ قُوَّةُ نَفْسٍ وَلَجَاجٍ لِتَنْكَسِرَ نَفْسُهُ وَتَلِينَ، وَمِثْلُ هَذَا الْمُرِيدُ أَوْ مَنْ هُوَ قَرِيبٌ مِنْهُ هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ رَأْيُ الْقَاضِي فِي التَّغْرِيبِ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ فِي نَدَمٍ وَشِدَّةٍ، وَإِنَّمَا زَلَّ زَلَّةً لِغَلَبَةِ النَّفْسِ.
أَمَّا مَنْ لَمْ يَسْتَحِ وَلَهُ حَالٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِغَلَبَةِ النَّفْسِ فَنَفْيُهُ لَا شَكَّ أَنَّهُ يُوَسِّعُ طُرُقَ الْفَسَادِ وَيُسَهِّلُهَا عَلَيْهِ.

متن الهداية:
(وَإِذَا زَنَى الْمَرِيضُ وَحَدُّهُ الرَّجْمُ رُجِمَ)؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ مُسْتَحَقٌّ فَلَا يَمْتَنِعُ بِسَبَبِ الْمَرَضِ (وَإِنْ كَانَ حَدُّهُ الْجَلْدَ لَمْ يُجْلَدْ حَتَّى يَبْرَأَ) كَيْ لَا يُفْضِيَ إلَى الْهَلَاكِ وَلِهَذَا لَا يُقَامُ الْقَطْعُ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَإِذَا زَنَى الْمَرِيضُ وَحَدُّهُ الرَّجْمُ) بِأَنْ كَانَ مُحْصَنًا حُدَّ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ قَتْلُهُ وَرَجْمُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَقْرَبُ إلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ حَدُّهُ الْجَلْدَ لَا يُجْلَدُ حَتَّى يَبْرَأَ)؛ لِأَنَّ جَلْدَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَدْ يُؤَدِّي إلَى هَلَاكِهِ وَهُوَ غَيْرُ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَرَضُ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَالسُّلِّ أَوْ كَانَ خَدْلَجًا ضَعِيفَ الْخِلْقَةِ فَعِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُضْرَبُ بِعِثْكَالٍ فِيهِ مِائَةٌ شِمْرَاخٍ فَيُضْرَبُ بِهِ دُفْعَةً، وَقَدْ سَمِعْت فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُصُولِ كُلِّ شِمْرَاخٍ إلَى بَدَنِهِ، وَكَذَا قِيلَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ حِينَئِذٍ مَبْسُوطَةً، وَلِخَوْفِ التَّلَفِ لَا يُقَامُ الْحَدُّ فِي الْبَرْدِ الشَّدِيدِ وَالْحَرِّ الشَّدِيدِ، بَلْ يُؤَخَّرُ إلَى اعْتِدَالِ الزَّمَانِ، وَهَذَا فِي الْبَرْدِ عِنْدَ مَنْ يَرَى تَجْرِيدَ الْمَحْدُودِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ، أَمَّا الْحَرُّ فَلَا.
نَعَمْ لَوْ كَانَ ضَرْبُ الْحَدِّ مُبَرِّحًا صَحَّ ذَلِكَ لَكِنَّهُ شَدِيدٌ غَيْرُ مُبَرِّحٍ وَلَا جَارِحٍ فَلَا يَقْتَضِي الْحَالُ تَأْخِيرَ حَدِّهِ لِلْبَرْدِ وَالْحَرِّ، بِخِلَافِ الْقَطْعِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَإِنَّهُ جُرْحٌ عَظِيمٌ يُخَافُ مِنْهُ السِّرَايَةُ بِسَبَبِ شِدَّةِ الْفَصْلَيْنِ.

متن الهداية:
(وَإِنْ زَنَتْ الْحَامِلُ لَمْ تُحَدَّ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا) كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى هَلَاكِ الْوَلَدِ وَهُوَ نَفْسٌ مُحْتَرَمَةٌ (وَإِنْ كَانَ حَدُّهَا الْجَلْدَ لَمْ تُجْلَدْ حَتَّى تَتَعَالَى مِنْ نِفَاسِهَا) أَيْ تَرْتَفِعَ يُرِيدُ بِهِ تَخْرُجُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ النِّفَاسَ نَوْعُ مَرَضٍ فَيُؤَخَّرُ إلَى زَمَانِ الْبُرْءِ.
بِخِلَافِ الرَّجْمِ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ لِأَجْلِ الْوَلَدِ وَقَدْ انْفَصَلَ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يُؤَخَّرُ إلَى أَنْ يَسْتَغْنِيَ وَلَدُهَا عَنْهَا إذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُومُ بِتَرْبِيَتِهِ؛ لِأَنَّ فِي التَّأْخِيرِ صِيَانَةَ الْوَلَدِ عَنْ الضَّيَاعِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ لِلْغَامِدِيَّةِ «بَعْدَمَا وَضَعَتْ ارْجِعِي حَتَّى يَسْتَغْنِيَ وَلَدُك» ثُمَّ الْحُبْلَى تُحْبَسُ إلَى أَنْ تَلِدَ إنْ كَانَ الْحَدُّ ثَابِتًا بِالْبَيِّنَةِ كَيْ لَا تَهْرُبَ، بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْهُ عَامِلٌ فَلَا يُفِيدُ الْحَبْسُ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَإِذَا زَنَتْ الْحَامِلُ) لَمْ تُحَدَّ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا وَلَوْ جَلْدًا (كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى هَلَاكِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ نَفْسٌ مُحْتَرَمَةٌ)؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ لَا جَرِيمَةَ مِنْهُ، فَلَوْ وَلَدَتْ أَوْ كَانَتْ نُفَسَاءَ فَحَتَّى تَتَعَالَى مِنْ نِفَاسِهَا فِي الْجَلْدِ، وَلَوْ أَطَالَتْ فِي التَّأْخِيرِ وَتَقول لَمْ أَضَعْ بَعْدُ أَوْ شُهِدَ عَلَى امْرَأَةٍ بِالزِّنَا فَقَالَتْ أَنَا حُبْلَى تُرَى لِلنِّسَاءِ وَلَا يُقْبَلُ قولهَا، فَإِنْ قُلْنَ هِيَ حَامِلٌ أَجَّلَهَا حَوْلَيْنِ فَإِنْ لَمْ تَلِدْ رَجَمَهَا (ثُمَّ الْحُبْلَى تُحْبَسُ إنْ ثَبَتَ زِنَاهَا بِالْبَيِّنَةِ إلَى أَنْ تَلِدَ) وَإِنْ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ لَا تُحْبَسُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ؛ لِأَنَّ لَهَا الرُّجُوعَ مَتَى شَاءَتْ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا وَلَدَتْ لَا تُحَدُّ حَتَّى تَفْطِمَ الْوَلَدَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يُرَبِّيهِ.
وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْغَامِدِيَّةِ «أَنَّهُ رَدَّهَا حَتَّى يَسْتَغْنِيَ فَرَجَعَتْ ثُمَّ جَاءَتْ بِهِ وَفِي يَدِهِ كِسْرَةٌ وَقَالَتْ هَا قَدْ فَطَمْته» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ قَال: «اذْهَبِي حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِك، قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتْ الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَ: إذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: إلَيَّ رَضَاعُهُ، قَالَ: فَرَجَمَهَا» وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ رَجَمَهَا حِينَ وَضَعَتْ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
وَالطَّرِيقَانِ فِي مُسْلِمٍ وَهَذَا أَصَحُّ طَرِيقًا؛ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ وَفِيهِ مَقَالٌ.
وَقِيلَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ امْرَأَتَيْنِ وَوَقَعَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ نِسْبَتُهَا إلَى الْأَزْدِ.
وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ جُهَيْنَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِيهِ رَجَمَهَا بَعْدَ أَنْ وَضَعَتْ».