فصل: (بَابُ الْوَطْءِ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ وَاَلَّذِي لَا يُوجِبُهُ):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير للعاجز الفقير



.(بَابُ الْوَطْءِ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ وَاَلَّذِي لَا يُوجِبُهُ):

قَالَ: (الْوَطْءُ الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ هُوَ الزِّنَا) وَإِنَّهُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ وَاللِّسَانِ: وَطْءُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ فِي الْقُبُلِ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ، وَشُبْهَةِ الْمِلْكِ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مَحْظُورٌ، وَالْحُرْمَةُ عَلَى الْإِطْلَاقِ عِنْدَ التَّعَرِّي عَنْ الْمِلْكِ وَشُبْهَتِهِ، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قولهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» ثُمَّ الشُّبْهَةُ نَوْعَانِ: شُبْهَةٌ فِي الْفِعْلِ وَتُسَمَّى شُبْهَةَ اشْتِبَاهٍ، وَشُبْهَةٌ فِي الْمَحَلِّ وَتُسَمَّى شُبْهَةً حُكْمِيَّةً.
فَالْأُولَى تَتَحَقَّقُ فِي حَقِّ مَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يُظَنَّ غَيْرُ الدَّلِيلِ دَلِيلًا وَلَا بُدَّ مِنْ الظَّنِّ لِيَتَحَقَّقَ الِاشْتِبَاهُ.
وَالثَّانِيَةُ تَتَحَقَّقُ بِقِيَامِ الدَّلِيلِ النَّافِي لِلْحُرْمَةِ فِي ذَاتِهِ وَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى ظَنِّ الْجَانِي وَاعْتِقَادِهِ.
وَالْحَدُّ يَسْقُطُ بِالنَّوْعَيْنِ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ.
وَالنَّسَبُ يَثْبُتُ فِي الثَّانِيَةِ إذَا ادَّعَى الْوَلَدَ، وَلَا يَثْبُتُ فِي الْأُولَى وَإِنْ ادَّعَاهُ لِأَنَّ الْفِعْلَ تَمَحَّضَ زِنًا فِي الْأُولَى؛ وَإِنْ سَقَطَ الْحَدُّ لِأَمْرٍ رَاجِعٍ إلَيْهِ وَهُوَ اشْتِبَاهُ الْأَمْرِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَمَحَّضْ فِي الثَّانِيَةِ فَشُبْهَةُ الْفِعْلِ فِي ثَمَانِيَةِ مَوَاضِعَ: جَارِيَةُ أَبِيهِ وَأُمُّهُ وَزَوْجَتُهُ، وَالْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، وَبَائِنًا بِالطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، وَأُمُّ وَلَدٍ أَعْتَقَهَا مَوْلَاهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، وَجَارِيَةُ الْمَوْلَى فِي حَقِّ الْعَبْدِ، وَالْجَارِيَةُ الْمَرْهُونَةُ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الْحُدُودِ.
فَفِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ إذَا قَالَتْ: ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي.
وَلَوْ قَالَ عَلِمْت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ وَجَبَ الْحَدُّ.
وَالشُّبْهَةُ فِي الْمَحَلِّ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ: جَارِيَةُ ابْنِهِ، وَالْمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا بَائِنًا بِالْكِنَايَاتِ، وَالْجَارِيَةُ الْمَبِيعَةُ فِي حَقِّ الْبَائِعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَالْمَرْهُونَةُ فِي حَقِّ الزَّوْجِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالْمُشْتَرِكَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَالْمَرْهُونَةُ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الرَّهْنِ.
فَفِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَا يَجِبُ الْحَدُّ وَإِنْ قَالَ عَلِمْت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ.
الشَّرْحُ:
(بَابُ الْوَطْءِ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ وَاَلَّذِي لَا يُوجِبُهُ) لَمَّا كَانَ الْكِتَابُ إنَّمَا هُوَ مَعْقُودٌ لِبَيَانِ الْحُدُودِ كَانَ الْحَدُّ هُوَ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ، فَلَزِمَ الِابْتِدَاءُ بِتَعْرِيفِهِ لُغَةً وَشَرْعًا فَفَعَلَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَرَادَ تَقْدِيمَ حَدِّ الزِّنَا فَقَدَّمَهُ وَأَعْطَى أَحْكَامَهُ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَقْصُودَةُ، وَذَلِكَ بِثُبُوتِ سَبَبِهِ.
وَحَاصِلُ أَحْكَامِهِ كَيْفِيَّةُ ثُبُوتِهِ وَشُرُوطُهَا وَكَيْفِيَّةُ إقَامَتِهِ وَشُرُوطُهَا فَكَانَ تَصَوُّرُ حَقِيقَةِ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ الزِّنَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَقْصُودِ الْكِتَابِ ثَانِيًا، وَإِنْ كَانَ بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّحَقُّقِ فِي الْوُجُودِ أَوَّلًا فَأَخَّرَ الْمُصَنِّفُ تَعْرِيفَهُ إلَى أَنْ فَرَغَ مِنْ الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ، وَذَكَرَ أَنَّ الزِّنَا فِي عُرْفِ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ: يَعْنِي لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ قَيْدٌ وَعَرَّفَهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ بِأَنَّهُ (وَطْءُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ فِي الْقُبُلِ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ وَشُبْهَةِ الْمِلْكِ) وَهَذَا لِأَنَّ فِي اللُّغَةِ مَعْنَى الْمِلْكِ أَمْرٌ ثَابِتٌ قَبْلَ مَجِيءِ هَذَا الشَّرْعِ وَإِنْ كَانَ هُوَ فِي نَفْسِهِ أَمْرًا شَرْعِيًّا، لَكِنْ ثُبُوتُهُ بِالشَّرْعِ الْأَوَّلِ بِالضَّرُورَةِ، وَالنَّاسُ لَمْ يُتْرَكُوا سُدًى فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ فَيَكُونُ مَعْنَى الْمِلْكِ أَمْرًا مَشْرُوعًا مِنْ بَعْثِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَوْ مِنْ قَبْلِ بَعْثِهِ بِوَحْيٍ يَخُصُّهُ: أَيْ يَخُصُّ الْمِلْكَ فَكَانَ ثُبُوتُهُ شَرْعًا مَعَ اللُّغَةِ مُطْلَقًا فِي الْوُجُودِ الدُّنْيَوِيِّ سَوَاءٌ كَانَتْ اللُّغَةُ عَرَبِيَّةً أَمْ غَيْرَهَا مَخْصُوصَةً بِالدُّنْيَا، وَإِنْ كَانَ الْوَضْعُ قَبْلَهَا فَثُبُوتُ الْمُسَمَّى فِي الدُّنْيَا وَالْوَضْعِ لِمَعْنًى مَعْقول قَبْلَ تَحَقُّقِهِ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ تَعْرِيفٌ لِلزِّنَا فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ، فَإِنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَخُصَّ اسْمَ الزِّنَا بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ مِنْهُ بَلْ هُوَ أَعَمُّ، وَالْمُوجِبُ لِلْحَدِّ مِنْهُ بَعْضُ أَنْوَاعِهِ، وَلِذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «
الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ»
وَلَوْ وَطِئَ رَجُلٌ جَارِيَةَ ابْنِهِ لَا يُحَدُّ لِلزِّنَا وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ بِالزِّنَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ زِنًا، وَإِنْ كَانَ لَا يُحَدُّ بِهِ، فَلَوْلَا قول الْمُصَنِّفِ الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ هُوَ الزِّنَا وَهُوَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ إلَخْ لَصَحَّ تَعْرِيفُهُ وَلَمْ يُرَدَّ عَلَيْهِ شَيْءٌ، لَكِنَّهُ لَمَّا قَالَ ذَلِكَ كَانَ ظَاهِرًا فِي قَصْدِهِ إلَى تَعْرِيفِ الزِّنَا الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ، وَحِينَئِذٍ يُرَدُّ عَلَى طَرْدِهِ وَطْءُ الصَّبِيَّةِ الَّتِي لَا تُشْتَهَى وَوَطْءُ الْمَجْنُونِ وَالْمُكْرَهِ، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ، فَإِنَّ الْجِنْسَ وَطْءُ الرَّجُلِ، فَالْأَوْلَى فِي تَعْرِيفِهِ أَنَّهُ وَطْءٌ مُكَلَّفٌ طَائِعٌ مُشْتَهَاةٌ حَالًا أَوْ مَاضِيًا فِي الْقُبُلِ بِلَا شُبْهَةِ مِلْكٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَخَرَجَ زِنَا الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُكْرَهِ وَبِالصَّبِيَّةِ الَّتِي تُشْتَهَى وَالْمَيِّتَةِ وَالْبَهِيمَةِ وَدَخَلَ وَطْءُ الْعَجُوزِ، وَلَكِنْ يُرَدُّ عَلَى عَكْسِهِ زِنَا الْمَرْأَةِ فَإِنَّهُ زِنًا وَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ جِنْسُ التَّعْرِيفِ.
وَمَا أُجِيبَ بِهِ مِنْ أَنَّ زِنَاهَا يَدْخُلُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ بِسَبَبِ التَّمْكِينِ طَوْعًا، إنْ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ لَهَا زِنًا حَقِيقَةً وَأَنَّ ذَلِكَ التَّمْكِينَ هُوَ مُسَمَّى زِنًا لُغَةً وَتُسَمَّى هِيَ زَانِيَةً حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً بِالتَّمْكِينِ، فَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ لَا يَشْمَلُهُ الْجِنْسُ الَّذِي هُوَ وَطْءُ الْمُكَلَّفِ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ عَيْنَ تَمْكِينِ الْمَرْأَةِ فَفَسَادُ الْحَدِّ بِحَالِهِ.
وَكَوْنُ فِعْلِهَا تَبَعًا لِفِعْلِهِ إنَّمَا هُوَ فِي الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ، وَالْكَلَامُ فِي تَنَاوُلِ اللَّفْظِ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهَا لَا تُسَمَّى زَانِيَةً حَقِيقَةً أَصْلًا وَأَنَّ تَسْمِيَتَهَا فِي قوله تَعَالَى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} بِطَرِيقِ الْمَجَازِ فَلَا حَاجَةَ إلَى أَنَّهُ تَبَعٌ بَلْ لَا يَجُوزُ إدْخَالُهُ فِي التَّعْرِيفِ.
وَعَلَى هَذَا كَلَامُ السَّرَخْسِيِّ وَالْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِمَا فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا مَكَّنَتْ الْبَالِغَةُ الْعَاقِلَةُ الْمُسْلِمَةُ مَجْنُونًا أَوْ صَبِيًّا عَلَى قول أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُحَدُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى مَا سَيَأْتِي.
وَبِمَا ذَكَرْنَا يَظْهَرُ فَسَادُ مَا أَجَابَ بِهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ فِعْلَ الْوَطْءِ أَمْرٌ مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا وُجِدَ فِعْلُ الْوَطْءِ بَيْنَهُمَا يَتَّصِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِهِ وَتُسَمَّى هِيَ وَاطِئَةً وَلِذَا سَمَّاهَا سُبْحَانَهُ زَانِيَةً.
وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْإِيرَادِ الْمَذْكُورِ عَلَى التَّعْرِيفِ مُغَالَطَةٌ، وَالْقَطْعُ بِأَنَّ وَطْأَهُ لَيْسَ يَصْدُقُ عَلَى تَمْكِينِهَا بِهُوَ هُوَ، فَإِذَا جَعَلَ الْجِنْسَ وَطْءَ الرَّجُلِ فَكَيْفَ يَنْتَظِمُ اللَّفْظُ تَمْكِينَ الْمَرْأَةِ وَكَوْنُ الْفِعْلِ الْجُزْئِيِّ الْخَارِجِيِّ إذَا وُجِدَ مِنْ الرَّجُلِ فِي الْخَارِجِ يَسْتَدْعِي فِعْلًا آخَرَ مِنْهَا إذَا كَانَتْ طَائِعَةً لَا يَقْتَضِي أَنَّ اللَّفْظَ الْخَاصَّ بِفِعْلِهِ يَشْمَلُهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
فَالْحَقُّ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ زَانِيَةً حَقِيقَةً وَأُرِيدَ شُمُولُ التَّعْرِيفِ لِزِنَاهَا فَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ قولهِ أَوْ تَمْكِينِهَا، بَلْ يَجِبُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا فَيُقَالُ: إدْخَالُ الْمُكَلَّفِ الطَّائِعِ قَدْرَ حَشَفَتِهِ قُبُلَ مُشْتَهَاةٍ حَالًا أَوْ مَاضِيًا بِلَا مِلْكٍ وَشُبْهَةٍ أَوْ تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ تَمْكِينُهَا لِيَصْدُقَ عَلَى مَا لَوْ كَانَ مُسْتَلْقِيًا فَقَعَدَتْ عَلَى ذَكَرِهِ فَتَرَكَهَا حَتَّى أَدْخَلَتْهُ فَإِنَّهُمَا يُحَدَّانِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَيْسَ الْمَوْجُودُ مِنْهُ سِوَى التَّمْكِينِ.
وَقولهُ لِأَنَّهُ فِعْلٌ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِأَخْذِ عَدَمِ الْمِلْكِ وَشُبْهَتِهِ فِي الزِّنَا: أَيْ إنَّمَا شُرِطَ ذَلِكَ لِأَنَّ الزِّنَا مَحْظُورٌ فَلَا بُدَّ فِي تَحَقُّقِهِ مِنْ ذَلِكَ.
وَقولهُ يُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ: أَيْ يُؤَيِّدُ الْأَمْرَيْنِ مَعًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَفَادَ عَدَمَ الْحُرْمَةِ الْمُطْلَقَةِ بِسَبَبِ دَرْءِ الْحَدِّ بِالشُّبْهَةِ أَفَادَ عَدَمَهَا، وَدَرْءُ الْحَدِّ عِنْدَ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ كَمَا فِي الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرِكَةِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى فَهُوَ بِدَلَالَتِهِ، ثُمَّ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ قِيلَ لَمْ يُحْفَظْ مَرْفُوعًا، وَذُكِرَ أَنَّهُ فِي الْخِلَافِيَّاتِ لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ فِي مُسْنَدِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» وَأَسْنَدَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ هُوَ النَّخَعِيُّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَأَنْ أُعَطِّلَ الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُقِيمَهَا بِالشُّبُهَاتِ.
وَأُخْرِجَ عَنْ مُعَاذٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالُوا: إذَا اشْتَبَهَ عَلَيْك الْحَدُّ فَادْرَأْهُ.
وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ أَصْحَابِهِمْ الظَّاهِرِيَّةِ أَنَّ الْحَدَّ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يَحِلُّ أَنْ يُدْرَأَ بِشُبْهَةٍ، وَشَنَّعَ بِأَنَّ الْآثَارَ الْمَذْكُورَةَ لِإِثْبَاتِ الدَّرْءِ بِالشُّبُهَاتِ لَيْسَ فِيهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ بَلْ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مِنْ طُرُقٍ لَا خَيْرَ فِيهَا، وَأَعَلَّ مَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِمَّا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ بِالْإِرْسَالِ وَهُوَ غَيْرُ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فَإِنَّهَا مَعْلُولَةٌ بِإِسْحَاقَ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ.
وَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِمَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ قولهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «وَمَنْ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنْ الْإِثْمِ أَوْ شَكَّ أَنْ يُوقِعَ مَا اسْتَبَانَ، وَالْمَعَاصِي حِمَى اللَّهِ تَعَالَى مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» فَإِنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّ مَنْ جَهِلَ حُرْمَةَ شَيْءٍ وَحِلَّهُ فَالْوَرَعُ أَنْ يُمْسِكَ عَنْهُ، وَمَنْ جَهِلَ وُجُوبَ أَمْرٍ وَعَدَمَهُ فَلَا يُوجِبُهُ، وَمَنْ جَهِلَ أَوْجَبَ الْحَدَّ أَمْ لَا وَجَبَ أَنْ يُقِيمَهُ، وَنَحْنُ نَقول: إنَّ الْإِرْسَالَ لَا يَقْدَحُ، وَإِنَّ الْمَوْقُوفَ فِي هَذَا لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّ إسْقَاطَ الْوَاجِبِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِشُبْهَةٍ خِلَافُ مُقْتَضَى الْعَقْلِ، بَلْ مُقْتَضَاهُ أَنَّ بَعْدَ تَحَقُّقِ الثُّبُوتِ لَا يَرْتَفِعُ بِشُبْهَةٍ، فَحَيْثُ ذَكَرَهُ صَحَابِيٌّ حُمِلَ عَلَى الرَّفْعِ.
وَأَيْضًا فِي إجْمَاعِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ «الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ» كِفَايَةٌ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: هَذَا الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَيْضًا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ.
وَفِي تَتَبُّعِ الْمَرْوِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ مَا يُقْطَعُ فِي الْمَسْأَلَةِ.
فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ لِمَاعِزٍ «لَعَلَّك قَبَّلْت، لَعَلَّك لَمَسْت، لَعَلَّك غَمَزْت» كُلُّ ذَلِكَ يُلَقِّنُهُ أَنْ يَقول: نَعَمْ بَعْدَ إقْرَارِهِ بِالزِّنَا، وَلَيْسَ لِذَلِكَ فَائِدَةٌ إلَّا كَوْنُهُ إذَا قَالَهَا تُرِكَ وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ.
وَلَمْ يَقُلْ لِمَنْ اعْتَرَفَ عِنْدَهُ بِدَيْنٍ لَعَلَّهُ كَانَ وَدِيعَةً عِنْدَك فَضَاعَتْ وَنَحْوُهُ، وَكَذَا قَالَ لِلسَّارِقِ الَّذِي جِيءَ بِهِ إلَيْه: «أَسَرَقْت مَا إخَالُهُ سَرَقَ» وَلِلْغَامِدِيَّةِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَكَذَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِشُرَاحَةَ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ لَعَلَّهُ وَقَعَ عَلَيْك وَأَنْتِ نَائِمَةٌ، لَعَلَّهُ اسْتَكْرَهَك، لَعَلَّ مَوْلَاك زَوَّجَك مِنْهُ وَأَنْتِ تَكْتُمِينَهُ، وَتُتْبَعُ مِثْلُهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ يُوجِبُ طَوْلًا.
فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ كَوْنُ الْحَدِّ يُحْتَالُ فِي دَرْئِهِ بِلَا شَكٍّ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الِاسْتِفْسَارَاتِ الْمُفِيدَةَ لِقَصْدِ الِاحْتِيَالِ لِلدَّرْءِ كُلُّهَا كَانَتْ بَعْدَ الثُّبُوتِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بَعْدَ صَرِيحِ الْإِقْرَارِ وَبِهِ الثُّبُوتُ، وَهَذَا هُوَ الْحَاصِلُ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ وَمِنْ قوله: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» فَكَانَ هَذَا الْمَعْنَى مَقْطُوعًا بِثُبُوتِهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَكَانَ الشَّكُّ فِيهِ شَكًّا فِي ضَرُورِيٍّ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَائِلِهِ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الِاخْتِلَافُ أَحْيَانًا فِي بَعْضٍ أَهِيَ شُبْهَةٌ صَالِحَةٌ لِلدَّرْءِ أَوْ لَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.
إذَا عُرِفَ هَذَا فَنَقول:
الشُّبْهَةُ مَا يُثْبِتُ الثَّابِتَ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ، وَلَا لِلْفُقَهَاءِ فِي تَقْسِيمِهَا وَتَسْمِيَتِهَا اصْطِلَاحَاتٌ؛ فَالشَّافِعِيَّةُ قَالُوا: الشُّبْهَةُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: فِي الْمَحَلِّ، وَالْفَاعِلِ، وَالْجِهَةِ.
أَمَّا الشُّبْهَةُ فِي الْمَحَلِّ فَوَطْءُ زَوْجَتِهِ الْحَائِضِ وَالصَّائِمَةِ وَالْمُحْرِمَةِ وَأَمَتِهِ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ وَجَارِيَةِ وَلَدِهِ وَلَا حَدَّ فِيهِ، وَلَوْ وَطِئَ أَمَتَهُ الْمُحَرَّمَةَ عَلَيْهِ بِرَضَاعٍ أَوْ نَسَبٍ أَوْ صِهْرِيَّةٍ كَأُخْتِهِ أَوْ بِنْتِهِ مِنْهُمَا أَوْ أُمِّهِ مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ مَوْطُوءَةِ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَأَمَّا الشُّبْهَةُ فِي الْفَاعِلِ فَمِثْلُ أَنْ يَجِدَ امْرَأَةً عَلَى فِرَاشِهِ فَيَطَأَهَا ظَانًّا أَنَّهَا امْرَأَتُهُ فَلَا حَدَّ، وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ ظَنَّ ذَلِكَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ.
وَأَمَّا الشُّبْهَةُ فِي الْجِهَةِ قَالَ الْأَصْحَابُ كُلُّ جِهَةٍ صَحَّحَهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَأَبَاحَ الْوَطْءَ بِهَا لَا حَدَّ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ يَعْتَقِدُ التَّحْرِيمَ كَالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ وَبِلَا شُهُودٍ.
وَأَصْحَابُنَا قَسَّمُوا الشُّبْهَةَ قِسْمَيْنِ: شُبْهَةٌ فِي الْفِعْلِ وَتُسَمَّى شُبْهَةَ اشْتِبَاهٍ، وَشُبْهَةُ مُشَابَهَةٍ: أَيْ شُبْهَةٌ فِي حَقِّ مَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ دُونَ مَنْ لَمْ يَشْتَبِهْ عَلَيْهِ.
وَشُبْهَةٌ فِي الْمَحَلِّ وَتُسَمَّى شُبْهَةً حُكْمِيَّةً وَشُبْهَةَ مِلْكٍ: أَيْ الثَّابِتُ شُبْهَةُ حُكْمِ الشَّرْعِ بِحِلِّ الْمَحَلِّ.
قولهُ: (فَالْأُولَى تَتَحَقَّقُ فِي حَقِّ مَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إلَخْ) أَيْ مَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ، وَلَا دَلِيلَ فِي السَّمْعِ يُفِيدُ الْحِلَّ، بَلْ ظُنَّ غَيْرُ الدَّلِيلِ دَلِيلًا كَمَا يُظَنُّ أَنَّ جَارِيَةَ زَوْجَتِهِ تَحِلُّ لَهُ لِظَنِّهِ أَنَّهُ اسْتِخْدَامٌ وَاسْتِخْدَامُهَا حَلَالٌ لَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ الظَّنِّ، وَإِلَّا فَلَا شُبْهَةَ أَصْلًا لِفَرْضِ أَنْ لَا دَلِيلَ أَصْلًا لِتَثْبُتَ الشُّبْهَةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ظَنُّهُ الْحِلَّ ثَابِتًا لَمْ تَكُنْ شُبْهَةٌ أَصْلًا (وَالثَّانِيَةُ) وَهِيَ الشُّبْهَةُ الْحُكْمِيَّةُ (تَتَحَقَّقُ بِقِيَامِ الدَّلِيلِ النَّافِي لِلْحُرْمَةِ فِي ذَاتِهِ) كَقولهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» سَوَاءٌ ظَنَّ الْحِلَّ أَوْ عَلِمَ الْحُرْمَةَ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ بِثُبُوتِ الدَّلِيلِ قَائِمَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلِمَهَا أَحَدٌ أَوْ لَمْ يَعْلَمْهَا.
قولهُ: (وَالْحَدُّ يَسْقُطُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ) يَعْنِي قولهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ»، (وَقولهُ وَالنَّسَبُ يَثْبُتُ فِي الثَّانِي) أَيْ فِي شُبْهَةِ الْمَحَلِّ (إذَا ادَّعَى الْوَلَدَ وَلَا يَثْبُتُ فِي الْأَوَّلِ، وَإِنْ ادَّعَاهُ لِأَنَّ الْفِعْلَ تَمَحَّضَ زِنًا) لِفَرْضِ أَنْ لَا شُبْهَةَ مِلْكٍ إلَّا أَنَّ الْحَدَّ سَقَطَ لِظَنِّهِ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَهُوَ أَمْرٌ رَاجِعٌ إلَيْهِ: أَيْ إلَى الْوَاطِئِ لَا إلَى الْمَحَلِّ، فَكَانَ الْمَحَلُّ لَيْسَ فِيهِ شُبْهَةُ حِلٍّ فَلَا يَثْبُتُ نَسَبٌ بِهَذَا الْوَطْءِ، وَكَذَا لَا تَثْبُتُ بِهِ عِدَّةٌ لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ مِنْ الزَّانِي.
قِيلَ هَذَا غَيْرُ مُجْرًى عَلَى عُمُومِهِ فَإِنَّ الْمُطَلَّقَةَ الثَّلَاثَ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهَا لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي شُبْهَةِ الْعَقْدِ فَيَكْفِي ذَلِكَ لِإِثْبَاتِ النَّسَبِ.
وَفِي الْإِيضَاحِ: الْمُطَلَّقَةُ بِعِوَضٍ وَالْمُخْتَلِعَةُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ كَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا.
قَالَ شَارِحٌ: بَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ.
وَثُبُوتُ نَسَبِ الْمَبْتُوتَةِ عَنْ ثَلَاثٍ أَوْ خُلْعٍ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ وَطْءٍ فِي الْعِدَّةِ بَلْ بِاعْتِبَارِ عُلُوقٍ سَابِقٍ عَلَى الطَّلَاقِ، وَلِذَا ذَكَرُوا أَنَّ نَسَبَ وَلَدِهَا يَثْبُتُ إلَى أَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ وَلَا يَثْبُتُ لِتَمَامِ سَنَتَيْنِ: يَعْنِي لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ أَمْكَنَ اعْتِبَارُ الْعُلُوقِ قَبْلَ الطَّلَاقِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لِتَمَامِهِمَا، وَأَنْتَ عَلِمْت فِي بَابِ ثُبُوتِ النَّسَبِ أَنَّهَا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِتَمَامِ سَنَتَيْنِ إنَّمَا لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ إذَا لَمْ يَدَّعِهِ، أَمَّا إذَا ادَّعَاهُ فَإِنَّهُ قَدْ نُصَّ عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ وَيُحْمَلُ عَلَى وَطْءٍ فِي الْعِدَّةِ بِشُبْهَةٍ، وَالْكَلَامُ هَاهُنَا مُطْلَقٌ فِي عَدَمِ ثُبُوتِ النَّسَبِ مُعَلَّلًا بِأَنَّهُ زِنًا مَحْضٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْجَمْعِ بِحَمْلِ أَحَدِ النَّصَّيْنِ عَلَى مَا هُوَ الْأَوْلَى فِي النَّظَرِ، وَذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ شُبْهَةِ الْعَقْدِ، بِخِلَافِ بَاقِي مَحَالِّ شُبْهَةِ الِاشْتِبَاهِ كَجَارِيَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّهُ لَا شُبْهَةَ عَقْدٍ فِيهِمَا فَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ بِالدَّعْوَةِ فَشُبْهَةُ الْفِعْلِ فِي ثَمَانِيَةِ مَوَاضِعَ: أَنْ يَطَأَ جَارِيَةَ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ وَكَذَا جَدُّهُ وَجَدَّتُهُ، وَإِنْ عَلَيَا أَوْ زَوْجَتُهُ، أَوْ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا فِي الْعِدَّةِ، أَوْ بَائِنًا عَلَى مَالٍ، وَكَذَا الْمُخْتَلِعَةُ بِخِلَافِ الْبَيْنُونَةِ بِلَا مَالٍ فَهِيَ مِنْ الْحُكْمِيَّةِ، أَوْ أُمِّ وَلَدِهِ الَّتِي أَعْتَقَهَا وَهِيَ فِي عِدَّتِهِ وَالْعَبْدُ يَطَأُ جَارِيَةَ مَوْلَاهُ، وَالْمُرْتَهِنُ يَطَأُ الْمَرْهُونَةَ فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الْحُدُودِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَالْمُسْتَعِيرُ لِلرَّهْنِ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَهِنِ (فَفِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَا حَدَّ إذَا قَالَ ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي، وَلَوْ قَالَ عَلِمْت أَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيَّ وَجَبَ الْحَدُّ) وَلَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا الظَّنَّ وَالْآخَرُ لَمْ يَدَّعِ لَا حَدَّ عَلَيْهِمَا حَتَّى يُقِرَّا جَمِيعًا بِعِلْمِهِمَا الْحُرْمَةَ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ إذَا ثَبَتَتْ فِي الْفِعْلِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ تَعَدَّتْ إلَى الْآخَرِ ضَرُورَةً.
وَالشُّبْهَةُ فِي الْمَحَلِّ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ: جَارِيَةُ ابْنِهِ، وَالْمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا بَائِنًا بِالْكِنَايَاتِ، وَالْجَارِيَةُ الْمَبِيعَةُ إذَا وَطِئَهَا الْبَائِعُ قَبْلَ تَسْلِيمِهَا إلَى الْمُشْتَرِي، وَالْمَجْعُولَةُ مَهْرًا إذَا وَطِئَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ تَسْلِيمِهَا إلَى الزَّوْجَةِ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِمَا لَمْ يَسْتَقِرَّ لِلزَّوْجَةِ وَالْمُشْتَرِي وَالْمَالِكُ كَانَ مُسَلَّطًا عَلَى وَطْئِهَا بِتِلْكَ الْيَدِ مَعَ الْمِلْكِ، وَمِلْكُ الْيَدِ ثَابِتٌ وَالْمِلْكُ الزَّائِلُ مُزَلْزَلٌ وَالْمُشْتَرِكَةُ بَيْنَ الْوَاطِئِ وَغَيْرِهِ، وَالْمَرْهُونَةُ إذَا وَطِئَهَا الْمُرْتَهِنُ فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الرَّهْنِ وَعَلِمْت أَنَّهَا لَيْسَتْ بِالْمُخْتَارَةِ (فَفِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَا يَجِبُ الْحَدُّ، وَإِنْ قَالَ: عَلِمْت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ) لِأَنَّ الْمَانِعَ هُوَ الشُّبْهَةُ وَهِيَ هَاهُنَا قَائِمَةٌ فِي نَفْسِ الْحُكْمِ: أَيْ الْحُرْمَةِ الْقَائِمَةِ فِيهَا شُبْهَةُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ نَظَرًا إلَى دَلِيلِ الْحِلِّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قولهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» وَنَحْوُهُ، وَلَا اعْتِبَارَ بِمَعْرِفَتِهِ بِالْحُرْمَةِ وَعَدَمِهَا.
وَفِي الْإِيضَاحِ فِي الْمَرْهُونَةِ إذَا قَالَ: ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي ذَكَرَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ، وَفِي كِتَابِ الْحُدُودِ يُحَدُّ، فَلَا يُعْتَبَرُ ظَنُّهُ لِأَنَّهُ لَا اسْتِيفَاءَ مِنْ عَيْنِهَا بَلْ مِنْ مَعْنَاهَا، فَلَمْ يَكُنْ الْوَطْءُ حَاصِلًا فِي مَحَلِّ الِاسْتِيفَاءِ أَصْلًا فَلَا شُبْهَةَ فِعْلٍ وَصَارَ كَالْغَرِيمِ إذَا وَطِئَ جَارِيَةَ الْمَيِّتِ.
وَجْهُ عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ انْعَقَدَ فِيهَا سَبَبُ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ وَيَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا وَمَالِكًا بِالْهَلَاكِ مِنْ وَقْتِ الرَّهْنِ فَصَارَ كَجَارِيَةٍ اشْتَرَاهَا وَالْخِيَارُ لِلْبَائِعِ.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ كِتَابِ الْحُدُودِ أَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ لَا يُفِيدُ مِلْكَ الْمُتْعَةِ بِحَالٍ فَهِيَ كَالْمُسْتَأْجَرَةِ لِلْخِدْمَةِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ، وَإِنْ اشْتَبَهَ إلَّا أَنَّ مِلْكَ الْعَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الرَّهْنِ سَبَبًا، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ فَإِنَّ الثَّابِتَ بِهَا مِلْكُ الْمَنْفَعَةِ وَلَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ سَبَبًا لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ وَبِخِلَافِ الْبَيْعِ بِالْخِيَارِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْمِلْكَ حَالَ قِيَامِ الْجَارِيَةِ، بِخِلَافِ الْمَرْهُونَةِ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ إلَّا مَعَ هَلَاكِهَا، فَلَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُ مِلْكِهَا سَبَبًا لِلِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فَكَانَ كَمِلْكِ الْمَنْفَعَةِ.
هَذَا وَقَدْ دَخَلَ فِي سَبَبِ الْمِلْكِ صُوَرٌ مِثْلُ وَطْءِ جَارِيَةِ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ وَالْمَدْيُونِ وَمُكَاتَبِهِ وَوَطْءِ الْبَائِعُ الْجَارِيَةَ الْمَبِيعَةَ بَعْدَ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَاَلَّتِي فِيهَا الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي، وَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ جَارِيَتَهُ الَّتِي هِيَ أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ وَجَارِيَتَهُ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَالِاسْتِقْرَاءُ يُفِيدُك غَيْرَ ذَلِكَ أَيْضًا كَالزَّوْجَةِ الَّتِي حَرُمَتْ بِرِدَّتِهَا أَوْ بِمُطَاوَعَتِهَا لِابْنِهِ أَوْ جِمَاعِهِ أُمَّهَا ثُمَّ جَامَعَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا عَلَيْهِ حَرَامٌ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى قَاذِفِهِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ لَمْ يُحَرِّمْ بِهِ فَاسْتُحْسِنَ أَنْ يُدْرَأَ بِذَلِكَ الْحَدُّ فَالِاقْتِصَارُ عَلَى السِّتَّةِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ ثُمَّ الشُّبْهَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَثْبُتُ بِالْعَقْدِ وَإِنْ كَانَ مُتَّفَقًا عَلَى تَحْرِيمِهِ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ، وَعِنْدَ الْبَاقِينَ لَا تَثْبُتُ إذَا عَلِمَ بِتَحْرِيمِهِ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِي نِكَاحِ الْمَحَارِمِ عَلَى مَا يَأْتِيك إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، إذَا عَرَفْنَا هَذَا.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (ثُمَّ الشُّبْهَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَثْبُتُ بِالْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ مُتَّفَقًا عَلَى تَحْرِيمِهِ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ، وَعِنْدَ الْبَاقِينَ لَا تَثْبُتُ هَذِهِ الشُّبْهَةُ إذَا عَلِمَ بِتَحْرِيمِهِ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِي نِكَاحِ الْمَحَارِمِ) فَصَارَتْ الشُّبْهَةُ عَلَى قول أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثَةً: شُبْهَةُ الْفِعْلِ، وَشُبْهَةُ الْمَحَلِّ، وَشُبْهَةُ الْعَقْدِ، وَكَذَا قَسَّمَهَا فِي الْمُحِيطِ.
وَذَكَرَ فِي شُبْهَةِ الْعَقْدِ أَنْ يَطَأَ الَّتِي تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شُهُودٍ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهَا وَهِيَ أَمَةٌ أَوْ وَطِئَ الْعَبْدُ مَنْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ.
قَالَ: وَلَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً عَلَى حُرَّةٍ أَوْ مَجُوسِيَّةٍ أَوْ خَمْسًا فِي عَقْدٍ أَوْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ بِوَطْءٍ وَقَالَ: عَلِمْت أَنَّهَا حَرَامٌ لَا حَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ الْحَدُّ.

متن الهداية:
(وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ وَقَالَ عَلِمْت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ حُدَّ) لِزَوَالِ الْمِلْكِ الْمُحَلَّلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَتَكُونُ الشُّبْهَةُ مُنْتَفِيَةً وَقَدْ نَطَقَ الْكِتَابُ بِانْتِفَاءِ الْحِلِّ وَعَلَى ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ، وَلَا يُعْتَبَرُ قول الْمُخَالِفِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافٌ لَا اخْتِلَافٌ، وَلَوْ قَالَ: ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي لَا يُحَدُّ لِأَنَّ الظَّنَّ فِي مَوْضِعِهِ لِأَنَّ أَثَرَ الْمِلْكِ قَائِمٌ فِي حَقِّ النَّسَبِ وَالْحَبْسِ وَالنَّفَقَةِ فَاعْتُبِرَ ظَنُّهُ فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ، وَأُمُّ الْوَلَدِ إذَا أَعْتَقَهَا مَوْلَاهَا وَالْمُخْتَلِعَةُ وَالْمُطَلَّقَةُ عَلَى مَالٍ بِمَنْزِلَةِ الْمُطَلَّقَةِ الثَّلَاثَ لِثُبُوتِ الْحُرْمَةِ بِالْإِجْمَاعِ وَقِيَامِ بَعْضِ الْآثَارِ فِي الْعِدَّةِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ (وَقَدْ نَطَقَ الْكِتَابُ بِانْتِفَاءِ الْمَحَلِّ) إذْ قَالَ تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} يَعْنِي الثَّالِثَةَ فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (وَعَلَى ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ فَلَا يُعْتَبَرُ قول الْمُخَالِفِ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَحَلِّ وَهُمْ الْإِمَامِيَّةُ وَالزَّيْدِيَّةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ بِكَلِمَةٍ لَا يَقَعُ بِهِ إلَّا وَاحِدَةٌ فَتَكُونُ حَلَالًا لِزَوْجِهَا (لِأَنَّهُ خِلَافٌ) بَعْدَ تَقَرُّرِ الْإِجْمَاعِ فَلَا يُعْتَبَرُ (لَا اخْتِلَافٌ) كَائِنٌ بَيْنَ الْأُمَّةِ حَالَ تَرَدُّدِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَهُمْ قَبْلَ تَقَرُّرِ الْإِجْمَاعِ لِيُعْتَبَرَ، وَهَذَا لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْ أَنَّ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ تَقَرَّرَ فِي زَمَنِ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي أَنَّهَا تَكُونُ وَاحِدَةً يَجِبُ كَوْنُهَا كَانَتْ مُقَيَّدَةً إلَى آخِرِ مَا يُعْلَمُ فِيمَا أَسْلَفْنَاهُ، وَصَحَّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وُقُوعُ الثَّلَاثِ خِلَافَ مَا نَقَلُوا عَنْهُ.
ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ تَرْتِيبَ الْمُصَنِّفِ بِالْفَاءِ قولهُ فَلَا يُعْتَبَرُ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْإِجْمَاعِ لَا عَلَى الْمَجْمُوعِ مِنْهُ وَمِنْ قولهِ نَطَقَ الْكِتَابُ بِانْتِفَاءِ الْحِلِّ لِأَنَّ مَحَلَّ انْتِفَاءِ الْحِلِّ فِي الْكِتَابِ مَا إذَا أَوْقَعَ الثَّالِثَةَ بَعْدَ تَقَدُّمِ ثِنْتَيْنِ، وَلَا خِلَافَ لِأَحَدٍ فِيهَا، إنَّمَا خِلَافُهُمْ فِي الثَّلَاثِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَلَيْسَ هُوَ مُتَنَاوَلَ النَّصِّ.
قولهُ: (وَلَوْ قَالَ: ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي لَا يُحَدُّ لِأَنَّ الظَّنَّ فِي مَوْضِعِهِ؛ لِأَنَّ أَثَرَ الْمِلْكِ قَائِمٌ) بِقِيَامِ الْعِدَّةِ حَتَّى يَثْبُتَ النَّسَبُ إذَا وَلَدَتْ، وَلَهُ حَبْسُهَا عَنْ الْخُرُوجِ وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا، وَلِذَا يَحْرُمُ عِنْدَنَا نِكَاحُ أُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا وَتَمْتَنِعُ شَهَادَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، فَأَمْكَنَ أَنْ نَقِيسَ حِلَّ الْوَطْءِ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ فَنَجْعَلَ الِاشْتِبَاهَ عَلَيْهِ عُذْرًا فِي سُقُوطِ الْحَدِّ عَنْهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَطِئَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً وَقَالَ: ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي أَوْ جَارِيَةً أَجْنَبِيَّةً عَلَى مَا يَأْتِي لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
قولهُ: (وَأُمُّ الْوَلَدِ إذَا أَعْتَقَهَا مَوْلَاهَا) وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ (وَالْمُخْتَلِعَةُ وَالْمُطَلَّقَةُ عَلَى مَالٍ كَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا لِثُبُوتِ الْحُرْمَةِ بِالْإِجْمَاعِ) يُرِيدُ حُرْمَةَ أَنْ يَطَأَهَا فِي الْعِدَّةِ، بِخِلَافِ الرَّجْعِيَّةِ فَإِنَّهُ لَا إجْمَاعَ فِي حُرْمَتِهِ.

متن الهداية:
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِّيَّةٌ أَوْ أَمْرُك بِيَدِك فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا ثُمَّ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ وَقَالَ: عَلِمْت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ لَمْ يُحَدَّ) لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِيهِ؛ فَمِنْ مَذْهَبِ عُمَرَ أَنَّهَا تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَكَذَا الْجَوَابُ فِي سَائِرِ الْجِنَايَاتِ وَكَذَا إذَا نَوَى ثَلَاثًا لِقِيَامِ الِاخْتِلَافِ مَعَ ذَلِكَ.
الشَّرْحُ:
وَبِخِلَافِ مَا إذَا طَلَّقَهَا بِالْكِنَايَةِ كَأَنْ (قَالَ أَنْتِ خَلِيَّةٌ أَوْ أَمْرُك بِيَدِك فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا) وَنَحْوُهُ (ثُمَّ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ وَقَالَ عَلِمْت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ لَا يُحَدُّ لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ) فِي الْكِنَايَةِ (فَمِنْ مَذْهَبِ عُمَرَ أَنَّهَا) أَيْ الْكِنَايَاتِ (رَجْعِيَّةٌ) وَكَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ.
فَفِي مُصَنِّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ: جَاءَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ امْرَأَتِي كَلَامٌ فَقَالَتْ: لَوْ كَانَ الَّذِي بِيَدِك مِنْ أَمْرِي بِيَدِي لَعَلِمْت كَيْفَ أَصْنَعُ، قَالَ: فَقُلْت لَهَا: قَدْ جَعَلْت أَمْرَك بِيَدِك فَقَالَتْ: أَنَا طَالِقٌ ثَلَاثًا.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَرَاهَا وَاحِدَةً وَأَنْتَ أَحَقُّ بِالرَّجْعَةِ، وَسَأَلْنَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: مَاذَا قُلْت؟ قَالَ: قُلْت أَرَاهَا وَاحِدَةً وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، قَالَ: وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ، وَزَادَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ: وَلَوْ رَأَيْت غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ تُصِبْ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُمَا فِي مُصَنَّفِهِ أَنَّهُمَا قَالَا فِي الْبَرِّيَّةِ وَالْخَلِيَّةِ هِيَ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ أَمْلَكُ بِرَجْعَتِهَا.
وَأَخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْآثَارِ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَا يَقولانِ فِي الْمَرْأَةِ إذَا خَيَّرَهَا زَوْجُهَا فَاخْتَارَتْهُ فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ وَزَوْجُهَا أَمْلَكُ بِهَا.
وَمِنْ مَذْهَبِ عَلِيٍّ فِي خَلِيَّةٍ وَبَرِّيَّةٍ أَنَّهَا ثَلَاثٌ عَلَى مَا أَخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا عَنْ غَيْرِهِمْ فِيهَا أَنَّهَا وَاحِدَةٌ أَوْ ثَلَاثٌ، وَبِهَذَا يُعْرَفُ خَطَأُ مَنْ بَحَثَ فِي الْمُخْتَلِعَةِ وَقَالَ: يَنْبَغِي كَوْنُهَا مِنْ ذَوَاتِ الشُّبْهَةِ الْحُكْمِيَّةِ لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي الْخُلْعِ، وَهَذَا غَلَطٌ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ فِيهِ إنَّمَا هُوَ فِي كَوْنِهِ فَسْخًا أَوْ طَلَاقًا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ الْحُرْمَةُ ثَابِتَةٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إنَّ الْمُخْتَلِعَةَ عَلَى مَالٍ تَقَعُ فُرْقَتُهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا، وَكَذَا لَوْ نَوَى ثَلَاثًا بِالْكِنَايَةِ فَوَقَعْنَ فَوَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ عَنْ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ وَقَالَ عَلِمْت أَنَّهَا حَرَامٌ لَا يُحَدُّ لِتَحَقُّقِ الِاخْتِلَافِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الشُّبْهَةِ الْحُكْمِيَّةِ، وَعُرِفَ أَنَّ تَحَقُّقَهَا لِقِيَامِ الدَّلِيلِ، وَالثَّابِتُ هُنَا قِيَامُ الْخِلَافِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ أَبُو حَنِيفَةَ حَتَّى لَمْ يُخَفِّفْ النَّجَاسَةَ بِهِ؛ فَوَجْهُهُ أَنَّ قول الْمُخَالِفِ عَنْ دَلِيلٍ قَائِمٍ أَلْبَتَّةَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْمُولٍ بِهِ كَمَا أَنَّ قولهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَنْت وَمَالُك لِأَبِيك» غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ فِي إثْبَاتِ حَقِيقَةِ مِلْكِ الْأَبِ لِمَالِ ابْنِهِ نَفْسِهِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يُلْغَزُ بِهَا فَيُقَالُ: مُطَلَّقَةٌ ثَلَاثًا وُطِئَتْ فِي الْعِدَّةِ وَقَالَ عَلِمْت حُرْمَتَهَا لَا يُحَدُّ، وَهِيَ مَا وُقُوعُ الثَّلَاثِ عَلَيْهَا بِالْكِنَايَةِ.

متن الهداية:
(وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَإِنْ قَالَ: عَلِمْت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ) لِأَنَّ الشُّبْهَةَ حُكْمِيَّةٌ لِأَنَّهَا نَشَأَتْ عَنْ دَلِيلٍ وَهُوَ قولهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «أَنْتِ وَمَالُك لِأَبِيك» وَالْأُبُوَّةُ قَائِمَةٌ فِي حَقِّ الْجَدِّ.
قَالَ: (وَيَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ) وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ)، وَإِنْ كَانَ وَلَدُهُ حَيًّا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ وِلَايَةُ تَمَلُّكِ مَالِ ابْنِ ابْنِهِ حَالَ قِيَامِ ابْنِهِ، وَتَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ نِكَاحِ الرَّقِيقِ ثُمَّ فِي الِاسْتِيلَادِ، وَهَذَا لِأَنَّ الشُّبْهَةَ حُكْمِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا عَنْ دَلِيلٍ هُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْقَطَّانِ وَالْمُنْذِرِيُّ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي مَالًا وَوَلَدًا وَأَبِي يُرِيدُ أَنْ يَجْتَاحَ مَالِي، فَقَالَ: أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك».
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَصْغَرِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ جَابِرٍ «جَاءَ رَجُلٌ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبِيهْ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مَالِيَهْ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: اُدْعُهُ لِيَهْ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إنَّ ابْنَك يَزْعُمُ أَنَّك تُرِيدُ أَنْ تَأْخُذَ مَالَهُ، فَقَالَ: سَلْهُ هَلْ هُوَ إلَّا عَمَّاتِهِ أَوْ قَرَابَاتِهِ أَوْ مَا أُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِي وَعِيَالِي، قَالَ: فَهَبَطَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الشَّيْخَ قَالَ فِي نَفْسِهِ شِعْرًا لَمْ تَسْمَعْهُ أُذُنَاهُ، فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: قُلْت فِي نَفْسِك شِعْرًا لَمْ تَسْمَعْهُ أُذُنَاك فَهَاتِهِ، فَقَالَ: لَا يَزَالُ يَزِيدُنَا اللَّهُ بِك بَصِيرَةً وَيَقِينًا، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقول:
غَذَوْتُك مَوْلُودًا وَمُنْتُكَ يَافِعًا ** تَعُلُّ بِمَا أَجْنِي عَلَيْك وَتَنْهَلُ

إذَا لَيْلَةٌ ضَافَتْك بِالسَّقَمِ لَمْ أَبَتْ ** لِسَقَمِك إلَّا سَاهِرًا أَتَمَلْمَلُ

تَخَافُ الرَّدَى نَفْسِي عَلَيْهَا وَإِنَّهَا ** لَتَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ حَتْمٌ مُوَكَّلُ

كَأَنِّي أَنَا الْمَطْرُوقُ دُونَك بِاَلَّذِي ** طَرَقْت بِهِ دُونِي فَعَيْنِي تُهْمِلُ

فَلَمَّا بَلَغْت السِّنَّ وَالْغَايَةَ الَّتِي ** إلَيْك مَرَامًا فِيك كُنْت أُؤَمِّلُ

جَعَلْت جَزَائِي غِلْظَةً وَفَظَاظَةً ** كَأَنَّك أَنْتَ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ

فَلَيْتُك إذْ لَمْ تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتِي ** فَعَلْت كَمَا الْجَارُ الْمُجَاوِرُ يَفْعَلُ

فَأَوْلَيْتَنِي حَقَّ الْجِوَارِ وَلَمْ تَكُنْ ** عَلَيَّ بِمَالٍ دُونَ مَالِكِ تَبْخَلُ

قَالَ: فَبَكَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَخَذَ بِتَلْبِيبِ ابْنِهِ وَقَالَ: اذْهَبْ أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك»
.
وَرُوِيَ حَدِيثُ جَابِرٍ الْأَوَّلُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ.
وَقول الْمُصَنِّفِ بَعْدَ هَذَا (وَيَثْبُتُ النَّسَبُ) يَقْتَضِي بِإِطْلَاقِهِ أَنْ يَثْبُتَ نَسَبُ وَلَدِ الْجَارِيَةِ مِنْ وَطْءِ وَالِدِ سَيِّدِهَا وَجَدِّهِ، وَإِنْ كَانَ وَلَدُهُ الَّذِي هُوَ سَيِّدُ الْأَمَةِ حَيًّا فَإِنَّهُ قَالَ فِي وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ: لَا حَدَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَيَثْبُتُ النَّسَبُ: أَيْ مِنْ وَاطِئِ جَارِيَةِ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ، لَكِنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ مَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ وَلَدِهِ فَقَطْ بِدَلِيلِ قولهِ: وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ وَهُوَ فَرْعُ تَمَلُّكِهَا وَالْجَدُّ لَا يَتَمَلَّكُهَا حَالَ حَيَاةِ الْأَبِ.
وَمَا وَقَعَ فِي نُسَخِ النِّهَايَةِ مِمَّا نَقَلَهُ عَنْ خِزَانَةِ الْفِقْهِ لِأَبِي اللَّيْثِ: إذَا زَنَى بِجَارِيَةِ نَافِلَتِهِ وَالْأَبُ فِي الْأَحْيَاءِ، وَقَالَ: ظَنَنْت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ لَا يُحَدُّ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ يَجِبُ الْحُكْمُ بِغَلَطِهِ، وَأَنَّهُ سَقَطَ عَنْهُ لَفْظَةُ لَا لِأَنَّ جَمِيعَ الشَّارِحِينَ لِهَذَا الْمَكَانِ مُصَرِّحُونَ بِعَدَمِ ثُبُوتِهِ، وَنَفْسُ أَبِي اللَّيْثِ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِأَنَّهُ مَحْجُوبٌ بِالْأَبِ.
وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي.
وَفِي الْمَبْسُوطِ: أَنَّ مَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ وَلَدِ وَلَدِهِ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ فَإِنْ كَانَ الْأَبُ حَيًّا لَمْ تَثْبُتْ دَعْوَةُ الْجَدِّ إذَا كَذَّبَهُ.
وَكَذَا الْوَلَدُ لِأَنَّ صِحَّةَ الِاسْتِيلَادِ تَبْتَنِي عَلَى وِلَايَةِ نَقْلِ الْجَارِيَةِ إلَى نَفْسِهِ وَلَيْسَ لِلْجَدِّ وِلَايَةُ ذَلِكَ فِي حَيَاةِ الْأَبِ، وَلَكِنْ إنْ أَقَرَّ بِهِ وَلَدُ الْوَلَدِ عَتَقَ بِإِقْرَارِهِ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ ثَابِتُ النَّسَبِ مِنْ الْجَدِّ وَأَنَّهُ عَمُّهُ فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْجَدِّ مِنْ قِيمَةِ الْأَمَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَلَّكْهَا، وَعَلَيْهِ الْعُقْرُ لِأَنَّ الْوَطْءَ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ وَسَقَطَ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَهِيَ الْبُنُوَّةُ فَيَجِبُ الْعُقْرُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ وَلَدَتْهُ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّا عَلِمْنَا أَنَّ الْعُلُوقَ كَانَ فِي حَيَاةِ الْأَب وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْجَدِّ عِنْدَ ذَلِكَ وِلَايَةُ نَقْلِهَا إلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَتْ وَلَدَتْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي الدَّعْوَةِ، صَدَّقَهُ ابْنُ الِابْنِ أَوْ كَذَّبَهُ؛ لِأَنَّ الْعُلُوقَ حَصَلَ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ، وَالْجَدُّ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ كَالْأَبِ فِي الْوِلَايَةِ فَلَهُ أَنْ يَنْقُلَهَا إلَى نَفْسِهِ بِدَعْوَةِ الِاسْتِيلَادِ.

متن الهداية:
(وَإِذَا وَطِئَ جَارِيَةَ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ أَوْ زَوْجَتِهِ وَقَالَ ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى قَاذِفِهِ، وَإِنْ قَالَ: عَلِمْت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ حُدَّ، وَكَذَا الْعَبْدُ إذَا وَطِئَ جَارِيَةَ مَوْلَاهُ) لِأَنَّ بَيْنَ هَؤُلَاءِ انْبِسَاطًا فِي الِانْتِفَاعِ فَظَنَّهُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ فَكَانَ شُبْهَةَ اشْتِبَاهٍ إلَّا أَنَّهُ زِنًا حَقِيقَةً فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ، وَكَذَا إذَا قَالَتْ الْجَارِيَةُ: ظَنَنْت أَنَّهُ يَحِلُّ لِي وَالْفَحْلُ لَمْ يَدَّعِ فِي الظَّاهِرِ لِأَنَّ الْفِعْلَ وَاحِدٌ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَإِذَا وَطِئَ جَارِيَةَ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ أَوْ زَوْجَتِهِ وَقَالَ ظَنَنْت حِلَّهَا لِي فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى قَاذِفِهِ) وَزُفَرُ يَحُدُّهُ لِقِيَامِ الْوَطْءِ الْخَالِي عَنْ الْمِلْكِ وَشُبْهَتِهِ وَلَا عِبْرَةَ بِتَأْوِيلِهِ الْفَاسِدِ، كَمَا لَوْ وَطِئَ جَارِيَةَ أَخِيهِ أَوْ عَمِّهِ عَلَى ظَنِّ الْحِلِّ (وَكَذَا الْعَبْدُ إذَا وَطِئَ جَارِيَةَ مَوْلَاهُ) فَقَالَ: ظَنَنْت حِلَّهَا لِي لَا يُحَدُّ، وَإِنْ قَالَ: عَلِمْت حُرْمَتَهَا حُدَّ (لِأَنَّ بَيْنَ هَؤُلَاءِ) أَيْ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَبَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَزَوْجَتِهِ وَالْعَبْدِ وَأَمَةِ سَيِّدِهِ (انْبِسَاطًا فِي الِانْتِفَاعِ فَظُنَّ مِنْهُ الِاسْتِمْتَاعُ) بِخِلَافِ مَا بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَأَخِيهِ وَعَمِّهِ عَلَى مَا يَأْتِي (فَكَانَ شُبْهَةَ اشْتِبَاهٍ إلَّا أَنَّهُ زِنًا حَقِيقَةً فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ) وَقولهُ (وَكَذَا الْجَارِيَةُ) أَيْ إذَا قَالَتْ الْجَارِيَةُ ظَنَنْت أَنَّ عَبْدَ مَوْلَايَ أَوْ ابْنَ مَوْلَايَ أَوْ مَوْلَاتِي يَحِلُّ لِي أَوْ زَوْجَ سَيِّدَتِي وَكَذَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ (وَالْفَحْلُ لَمْ يَدَّعِ) ذَلِكَ لَا يُحَدُّ (فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ الْفِعْلَ وَاحِدٌ) وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُحَدُّ الْفَحْلُ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ إنَّمَا تَمَكَّنَتْ فِي التَّبَعِ وَهِيَ الْمَرْأَةُ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ فِي الزِّنَا فَلَا تَكُونُ مُتَمَكِّنَةً فِي الْأَصْلِ، بِخِلَافِ ثُبُوتِهَا فِي جَانِبِ الْعَبْدِ إذَا قَالَ: ظَنَنْت حِلَّهَا لِأَنَّ الثُّبُوتَ فِي الْأَصْلِ يَسْتَتْبِعُ التَّبَعَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفِعْلَ لَمَّا كَانَ وَاحِدًا لَهُ نِسْبَةٌ إلَيْهِمَا كَانَ مَا يَثْبُت فِيهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِكُلٍّ مِنْ طَرَفَيْهِ.
وَأُورِدَ عَلَيْهِ مَا لَوْ زَنَى الْبَالِغُ بِصَبِيَّةٍ يُحَدُّ هُوَ دُونَهَا.
أُجِيبَ بِأَنَّ سُقُوطَ الْحَدِّ عَنْ الصَّبِيَّةِ لَا لِلشُّبْهَةِ فِي الْفِعْلِ فَإِنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ شُبْهَةٌ فَوَجَبَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ إيجَابُهُ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَهْلًا لِلْعُقُوبَةِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ الشُّبْهَةَ لَمَّا تَحَقَّقَتْ فِي الْفِعْلِ نَفَتْ الْحَدَّ عَنْ طَرَفَيْهِ، وَإِذَا سَقَطَ الْحَدُّ كَانَ عَلَيْهِ الْعُقْرُ لِزَوْجَتِهِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا لَوْ جَاءَتْ بِهِ جَارِيَةُ الزَّوْجَةِ وَغَيْرُهَا، وَإِنْ صَدَّقَتْهُ الزَّوْجَةُ أَنَّهُ وَلَدُهُ.

متن الهداية:
(وَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةَ أَخِيهِ أَوْ عَمِّهِ وَقَالَ: ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي حُدَّ) لِأَنَّهُ لَا انْبِسَاطَ فِي الْمَالِ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَكَذَا سَائِرُ الْمَحَارِمِ سِوَى الْوِلَادِ لِمَا بَيَّنَّا.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةَ أَخِيهِ أَوْ عَمِّهِ) وَنَحْوِهِمَا مِنْ كُلِّ قَرَابَةٍ غَيْرِ الْوِلَادِ كَالْخَالِ وَالْخَالَةِ (وَقَالَ ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي حُدَّ) لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ فِي الْمِلْكِ وَلَا فِي الْفِعْلِ لِعَدَمِ انْبِسَاطِ كُلٍّ فِي مَالِ الْآخَرِ، فَدَعْوَى ظَنِّهِ الْحِلَّ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الزِّنَا حَرَامٌ لَكِنَّهُ ظَنَّ أَنَّ وَطْأَهُ هَذِهِ لَيْسَ زِنًا مُحَرَّمًا فَلَا يُعَارِضُ مَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ قولهِ: شَرْطُ وُجُوبِ الْحَدِّ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الزِّنَا حَرَامٌ، وَإِنَّمَا يَنْفِيهِ مَسْأَلَةُ الْحَرْبِيِّ إذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ فَزَنَى وَقَالَ: ظَنَنْت أَنَّهُ حَلَالٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَيُحَدُّ، وَإِنْ كَانَ فَعَلَهُ أَوَّلَ يَوْمٍ دَخَلَ الدَّارَ لِأَنَّ الزِّنَا حَرَامٌ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ وَالْمِلَلِ لَا تَخْتَلِفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إذَا ادَّعَى مُسْلِمٌ أَصْلِيٌّ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ حُرْمَةَ الزِّنَا لَا يُحَدُّ لِانْتِفَاءِ شَرْطِ الْحَدِّ، وَلَوْ أَرَادَ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ شَرْطَ الْحَدِّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عِلْمُهُ بِالْحُرْمَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا لَا حَدَّ عَلَيْهِ كَانَ قَلِيلَ الْجَدْوَى أَوْ غَيْرَ صَحِيحٍ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا أَوْجَبَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَحُدَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي ثَبَتَ زِنَاهُ عِنْدَهُ عَرَفَ ثُبُوتَ الْوُجُوبِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ وَاجِبًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إلَّا وُجُوبُهُ عَلَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الزَّانِي أَنْ يَحُدَّ نَفْسَهُ وَلَا أَنْ يُقِرَّ بِالزِّنَا، بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى التَّوْبَةُ وَالْإِنَابَةُ، ثُمَّ إذَا اتَّصَلَ بِالْإِمَامِ ثُبُوتُهُ وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى الْإِمَامِ.
هَذَا وَأُورِدَ أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ أَخِيهِ وَعَمِّهِ وَنَحْوِهِمْ لَا يُقْطَعُ، فَظَهَرَ أَنَّ بَيْنَهُمَا انْبِسَاطًا.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْقَطْعَ مَنُوطٌ بِالْأَخْذِ مِنْ الْحِرْزِ وَدُخُولِهِ فِي بَيْتِ هَؤُلَاءِ بِلَا حِشْمَةٍ وَاسْتِئْذَانٍ عَادَةً يَنْفِي مَعْنَى الْحِرْزِ فَانْتَفَى الْقَطْعُ.
أَمَّا الْحَدُّ فَمَنُوطٌ بِعَدَمِ الْحِلِّ وَشُبْهَتِهِ وَهُوَ ثَابِتٌ هُنَا.

متن الهداية:
(وَمَنْ زُفَّتْ إلَيْهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ وَقَالَتْ النِّسَاءُ: إنَّهَا زَوْجَتُك فَوَطِئَهَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ) قَضَى بِذَلِكَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِالْعِدَّةِ، وَلِأَنَّهُ اعْتَمَدَ دَلِيلًا وَهُوَ الْإِخْبَارُ فِي مَوْضِعِ الِاشْتِبَاهِ، إذْ الْإِنْسَانُ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ امْرَأَتِهِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا فِي أَوَّلِ الْوَهْلَةِ فَصَارَ كَالْمَغْرُورِ، وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ لِأَنَّ الْمِلْكَ مُنْعَدِمٌ حَقِيقَةً.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَمَنْ زُفَّتْ) أَيْ بُعِثَتْ (إلَيْهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ وَقَالَ النِّسَاءُ هِيَ زَوْجَتُك فَوَطِئَهَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ) وَهَذِهِ إجْمَاعِيَّةٌ لَا يُعْلَمُ فِيهَا خِلَافٌ، ثُمَّ الشُّبْهَةُ الثَّابِتَةُ فِيهَا شُبْهَةُ اشْتِبَاهٍ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ الْمَشَايِخِ.
وَدُفِعَ بِأَنَّهُ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ هَذَا الْوَطْءِ وَلَا يَثْبُتُ مِنْ الْوَطْءِ عَنْ شُبْهَةِ الِاشْتِبَاهِ نَسَبٌ.
فَالْأَوْجَهُ أَنَّهَا شُبْهَةُ دَلِيلٍ، فَإِنَّ قول النِّسَاءِ: هِيَ زَوْجَتُك دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ مُبِيحٌ لِلْوَطْءِ، فَإِنَّ قول الْوَاحِدِ مَقْبُولٌ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَلِذَا حَلَّ وَطْءُ الْأَمَةِ إذَا جَاءَتْ إلَى رَجُلٍ وَقَالَتْ: مَوْلَايَ أَرْسَلَنِي إلَيْك هَدِيَّةً، فَإِذَا كَانَ دَلِيلًا غَيْرَ صَحِيحٍ فِي الْوَاقِعِ أَوْجَبَ الشُّبْهَةَ الَّتِي يَثْبُتُ مَعَهَا النَّسَبُ وَعَلَى الْمَزْفُوفَةِ الْعِدَّةُ.
قولهُ: (وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّ إحْصَانَهُ لَا يَسْقُطُ عِنْدَهُ بِهَذَا الْوَطْءِ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا عَلَى أَنَّهُ نِكَاحٌ صَحِيحٌ مُعْتَمَدًا دَلِيلًا وَلِذَا يَثْبُتُ النَّسَبُ وَالْمَهْرُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَيَكُونُ وَطْئًا حَلَالًا ظَاهِرًا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا تَبَيَّنَ خِلَافُ الظَّاهِرِ بَقِيَ الظَّاهِرُ مُعْتَبَرًا فِي إيرَاثِ الشُّبْهَةِ وَبِالشُّبْهَةِ سَقَطَ الْحَدُّ.
لَكِنْ سَقَطَ إحْصَانُهُ لِوُقُوعِ الْفِعْلِ زِنًا، وَهَذَا التَّوْجِيهُ يُخَالِفُ مُقْتَضَى كَوْنِهَا شُبْهَةَ مَحَلٍّ لِأَنَّ فِي شُبْهَةِ الْمَحَلِّ لَا يَكُونُ الْفِعْلُ زِنًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ شُبْهَةَ اشْتِبَاهٍ أَشْكَلَ عَلَيْهِ ثُبُوتُ النَّسَبِ وَأَطْلَقُوا أَنَّ فِيهَا لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ، وَإِنْ اُعْتُبِرَ شُبْهَةَ مَحَلٍّ اقْتَضَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ عَلِمْتهَا حَرَامًا عَلَيَّ لِعِلْمِي بِكَذِبِ النِّسَاءِ لَا يُحَدُّ وَيُحَدُّ قَاذِفًا.
وَالْحَقُّ أَنَّهُ شُبْهَةُ اشْتِبَاهٍ لِانْعِدَامِ الْمِلْكِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
وَكَوْنُ الْإِخْبَارِ يُطْلِقُ الْجِمَاعَ شَرْعًا لَيْسَ هُوَ الدَّلِيلَ الْمُعْتَبَرَ فِي شُبْهَةِ الْمَحَلِّ لِأَنَّ الدَّلِيلَ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ هُوَ مَا مُقْتَضَاهُ ثُبُوتُ الْمِلْكِ نَحْوُ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» وَالْمِلْكُ الْقَائِمُ لِلشَّرِيكِ لَا مَا يُطْلَقُ شَرْعًا مُجَرَّدُ الْفِعْلِ غَيْرَ أَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ الْحُكْمِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ: أَعْنِي عَدَمَ ثُبُوتِ النَّسَبِ لِلْإِجْمَاعِ فِيهِ.
وَبِهَذِهِ وَالْمُعْتَدَّةِ ظَهَرَ عَدَمُ انْضِبَاطِ مَا مَهَّدُوهُ مِنْ أَحْكَامِ الشُّبْهَتَيْنِ.

متن الهداية:
(وَمَنْ وَجَدَ امْرَأَةً عَلَى فِرَاشِهِ فَوَطِئَهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) لِأَنَّهُ لَا اشْتِبَاهَ بَعْدَ طُولِ الصُّحْبَةِ فَلَمْ يَكُنْ الظَّنُّ مُسْتَنِدًا إلَى دَلِيلٍ، وَهَذَا لِأَنَّهُ قَدْ يَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا غَيْرُهَا مِنْ الْمَحَارِمِ الَّتِي فِي بَيْتِهَا، وَكَذَا إذَا كَانَ أَعْمَى لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّمْيِيزُ بِالسُّؤَالِ وَغَيْرِهِ، إلَّا إنْ كَانَ دَعَاهَا فَأَجَابَتْهُ أَجْنَبِيَّةٌ وَقَالَتْ: أَنَا زَوْجَتُك فَوَاقَعَهَا لِأَنَّ الْإِخْبَارَ دَلِيلٌ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَمَنْ وَجَدَ امْرَأَةً عَلَى فِرَاشِهِ فَوَطِئَهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ قَاسُوهَا عَلَى الْمَزْفُوفَةِ بِجَامِعِ ظَنِّ الْحِلِّ.
وَلَنَا أَنَّ الْمُسْقِطَ شُبْهَةُ الْحِلِّ وَلَا شُبْهَةَ هَاهُنَا أَصْلًا سِوَى أَنْ وَجَدَهَا عَلَى فِرَاشِهِ، وَمُجَرَّدُ وُجُودِ امْرَأَةٍ عَلَى فِرَاشِهِ لَا يَكُونُ دَلِيلَ الْحِلِّ لِيَسْتَنِدَ الظَّنُّ إلَيْهِ (وَهَذَا لِأَنَّهُ قَدْ يَنَامُ عَلَى الْفِرَاشِ غَيْرُ الزَّوْجَةِ) مِنْ حَبَائِبِهَا الزَّائِرَاتِ لَهَا وَقَرَابَاتِهَا فَلَمْ يَسْتَنِدْ الظَّنُّ إلَى مَا يَصْلُحُ دَلِيلَ حِلٍّ، فَكَانَ كَمَا لَوْ ظَنَّ الْمُسْتَأْجَرَةَ لِلْخِدْمَةِ وَالْمُودَعَةَ حَلَالًا فَوَطِئَهَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ.
قَالَ: (وَكَذَا إذَا كَانَ أَعْمَى) لِأَنَّ الْوُجُودَ عَلَى الْفِرَاشِ كَمَا ذَكَرْنَا لَيْسَ صَالِحًا لِاسْتِنَادِ الظَّنِّ إلَيْهِ (وَغَيْرَهُ) مِثْلُ مَا يَحْصُلُ بِالنِّعْمَةِ وَالْحَرَكَاتِ الْمَأْلُوفَةِ فَيُحَدُّ أَيْضًا (إلَّا إذَا دَعَاهَا فَأَجَابَتْهُ أَجْنَبِيَّةٌ وَقَالَتْ أَنَا زَوْجَتُك فَوَاقَعَهَا لِأَنَّ الْإِخْبَارَ دَلِيلٌ) وَجَازَ تَشَابُهُ النَّغْمَةِ خُصُوصًا لَوْ لَمْ تَطُلْ الصُّحْبَةُ، وَقَيَّدَ بِقولهِ وَقَالَتْ: أَنَا زَوْجَتُك لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَقُلْهُ بَلْ اقْتَصَرَتْ عَلَى الْجَوَابِ بِنَعَمْ وَنَحْوِهِ فَوَطِئَهَا يُحَدُّ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ يَكُونُ الْحَالُ مُتَوَسِّطًا فِي اطْمِئْنَانِ النَّفْسِ إلَى أَنَّهَا هِيَ.

متن الهداية:
(وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا فَوَطِئَهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَلَكِنْ يُوجَعُ عُقُوبَةً إذَا كَانَ عَلِمَ بِذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: عَلَيْهِ الْحَدُّ إذَا كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ فَيَلْغُو كَمَا إذَا أُضِيفَ إلَى الذُّكُورِ، وَهَذَا لِأَنَّ مَحَلَّ التَّصَرُّفِ مَا يَكُونُ مَحَلًّا لِحُكْمِهِ، وَحُكْمُهُ الْحِلُّ وَهِيَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْعَقْدَ صَادَفَ مَحَلَّهُ لِأَنَّ مَحَلَّ التَّصَرُّفِ مَا يُقْبَلُ مَقْصُودُهُ، وَالْأُنْثَى مِنْ بَنَاتِ آدَمَ قَابِلَةٌ لِلتَّوَالُدِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْعَقِدَ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إلَّا أَنَّهُ تَقَاعَدَ عَنْ إفَادَةِ حَقِيقَةِ الْحِلِّ فَيُورِثُ الشُّبْهَةَ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ مَا يُشْبِهُ الثَّابِتَ لَا نَفْسَ الثَّابِتِ، إلَّا أَنَّهُ ارْتَكَبَ جَرِيمَةً وَلَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ فَيُعَزَّرُ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا) بِأَنْ كَانَتْ مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهِ بِنَسَبٍ كَأُمِّهِ أَوْ ابْنَتِهِ (فَوَطِئَهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَدُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَزُفَرَ، وَإِنْ قَالَ: عَلِمْت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْمَهْرُ وَيُعَاقَبُ عُقُوبَةً هِيَ أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنْ التَّعْزِيرِ سِيَاسَةً لَا حَدًّا مُقَدَّرًا شَرْعًا إذَا كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا لَا حَدَّ وَلَا عُقُوبَةَ تَعْزِيرٍ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ) وَكَذَا مَالِكٌ وَأَحْمَدُ (يَجِبُ الْحَدُّ إذَا كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ) وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُوَسَّطَ الضَّمِيرُ الْمُنْفَصِلُ فَيَقول وَقَالَا هُمَا وَالشَّافِعِيُّ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْعَطْفَ عَلَى ضَمِيرِ الرَّفْعِ الْمُتَّصِلِ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَفْصِلَ بِضَمِيرٍ مُنْفَصِلٍ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى قول وَإِلَّا فَشَاذٌّ ضَعِيفٌ.
وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ كُلُّ مُحَرَّمَةٍ بِرَضَاعٍ أَوْ صِهْرِيَّةٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَفِي الْكَافِي لِحَافِظِ الدِّينِ: مَنْكُوحَةُ الْغَيْرِ وَمُعْتَدَّتُهُ وَمُطَلَّقَتُهُ الثَّلَاثَ بَعْدَ التَّزَوُّجِ كَالْمُحَرَّمِ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ النِّكَاحُ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ وَبِلَا شُهُودٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ عِنْدَ الْكُلِّ، وَكَذَا إذَا تَزَوَّجَ أَمَةً عَلَى حُرَّةٍ أَوْ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً أَوْ أَمَةً بِلَا إذْنِ سَيِّدِهَا أَوْ تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، أَمَّا عِنْدَهُ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا عِنْدَهُمَا لِأَنَّ الشُّبْهَةَ إنَّمَا تَنْتَفِي عِنْدَهُمَا إذَا كَانَ مُجْمَعًا عَلَى تَحْرِيمِهِ وَهِيَ حَرَامٌ عَلَى التَّأْبِيدِ.
وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ: أَرَادَ بِنِكَاحِ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا نِكَاحَ الْمَحَارِمِ وَالْمُطَلَّقَةِ الثَّلَاثَ وَمَنْكُوحَةِ الْغَيْرِ وَمُعْتَدَّةِ الْغَيْرِ وَنِكَاحَ الْخَامِسَةِ وَأُخْتِ الْمَرْأَةِ فِي عِدَّتِهَا وَالْمَجُوسِيَّةِ وَالْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ وَنِكَاحَ الْعَبْدِ أَوْ الْأَمَةِ بِلَا إذْنِ الْمَوْلَى وَالنِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ، فَفِي كُلِّ هَذَا لَا يَجِبُ الْحَدُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ قَالَ: عَلِمْت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ وَعِنْدَهُمْ يَجِبُ إذَا عَلِمَ بِالتَّحْرِيمِ وَإِلَّا فَلَا، ثُمَّ قَالَ: وَلَكِنَّهُمَا قَالَا فِيمَا لَيْسَ بِحَرَامٍ عَلَى التَّأْبِيدِ لَا يَجِبُ الْحَدُّ كَالنِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ فَقَدْ تَعَارَضَا حَيْثُ جَعَلَ فِي الْكَافِي الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةَ وَالْأَمَةَ بِلَا إذْنِ السَّيِّدِ، وَتَزَوُّجَ الْعَبْدِ بِلَا إذْنِ السَّيِّدِ مَحَلَّ الِاتِّفَاقِ عَلَى سُقُوطِ الْحَدِّ، وَجَعَلَهَا هَذَا الشَّارِحُ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ، فَعِنْدَهُمَا يُحَدُّ وَأَضَافَ إلَى ذَلِكَ مَا سَمِعْت، ثُمَّ لَا يَخْفَى مَا فِي عِبَارَتِهِ مِنْ عَدَمِ التَّحْرِيرِ، ثُمَّ قول حَافِظِ الدِّينِ فِي الْكَافِي فِي تَعْلِيلِ سُقُوطِ الْحَدِّ فِي تَزَوُّجِ الْمَجُوسِيَّةِ وَمَا مَعَهَا لِأَنَّ الشُّبْهَةَ إنَّمَا تَنْتَفِي عِنْدَهُمَا: يَعْنِي حَتَّى يَجِبَ الْحَدُّ إذَا كَانَ مُجْمَعًا عَلَى تَحْرِيمِهِ وَهِيَ حَرَامٌ عَلَى التَّأْبِيدِ يَقْتَضِي حِينَئِذٍ أَنْ لَا يُحَدَّ عِنْدَهُمَا فِي تَزَوُّجِ مَنْكُوحَةِ الْغَيْرِ وَمَا مَعَهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً عَلَى التَّأْبِيدِ، فَإِنَّ حُرْمَتَهَا مُقَيَّدَةٌ بِبَقَاءِ نِكَاحِهَا وَعِدَّتِهَا؛ كَمَا أَنَّ حُرْمَةَ الْمَجُوسِيَّةِ مُغَيَّاةٌ بِتَمَجُّسِهَا حَتَّى لَوْ أَسْلَمَتْ حَلَّتْ، كَمَا أَنَّ تِلْكَ لَوْ طَلُقَتْ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا حَلَّتْ وَأَنَّهُ لَا يُحَدُّ عِنْدَهُمَا إلَّا فِي الْمَحَارِمِ فَقَطْ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي.
وَاَلَّذِينَ يُعْتَمَدُ عَلَى نَقْلِهِمْ وَتَحْرِيرِهِمْ مِثْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ كَذَلِكَ ذَكَرُوا، فَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُمَا أَنَّهُ يُحَدُّ فِي ذَاتِ الْمَحْرَمِ وَلَا يُحَدُّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ: مِثْلُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً أَوْ خَامِسَةً أَوْ مُعْتَدَّةً.
وَعِبَارَةُ الْكَافِي لِلْحَاكِمِ تُفِيدُ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِمَّنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا فَدَخَلَ بِهَا قَالَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ فَعَلَهُ عَلَى عِلْمٍ لَمْ يُحَدَّ أَيْضًا وَيَوْجَعُ عُقُوبَةً فِي قول أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إنْ عَلِمَ بِذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ فِي ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ إلَى هُنَا لَفْظُهُ، فَعُمِّمَ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَحِلُّ لَهُ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ عَلَى قول أَبِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ خَصَّ مُخَالَفَتَهُمَا بِذَوَاتِ الْمَحَارِمِ مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ، فَاللَّفْظُ ظَاهِرٌ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الرِّوَايَاتِ.
وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَحَارِمِ رِوَايَةً عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ يُضْرَبُ عُنُقُهُ، وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ، وَقَصَرَ ابْنُ حَزْمٍ قَتْلَهُ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ امْرَأَةَ أَبِيهِ قَصْرًا لِلْحَدِيثِ الْآتِي عَلَى مَوْرِدِهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ تُضْرَبُ عُنُقُهُ، وَيُؤْخَذُ مَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ.
وَذَلِكَ لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ قَالَ: «لَقِيت خَالِي وَمَعَهُ رَايَةٌ فَقُلْت لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةَ أَبِيهِ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ وَآخُذَ مَالَهُ».
وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «مَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ مِنْهُ فَاقْتُلُوهُ» وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ عَقَدَ مُسْتَحِلًّا فَارْتَدَّ بِذَلِكَ، وَهَذَا لِأَنَّ الْحَدَّ لَيْسَ ضَرْبَ الْعُنُقِ وَأَخْذَ الْمَالِ بَلْ ذَلِكَ لَازِمٌ لِلْكُفْرِ.
وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيه: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ جَدَّهُ مُعَاوِيَةَ إلَى رَجُلٍ عَرَّسَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَهُ وَيُخَمِّسَ مَالَهُ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ فَارْتَدَّ بِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ عَرَّسَ بِهَا وَتَعْرِيسُهُ بِهَا لَا يَسْتَلْزِمُ وَطْأَهُ إيَّاهَا، وَغَيْرُ الْوَطْءِ لَا يُحَدُّ بِهِ فَضْلًا عَنْ الْقَتْلِ فَحَيْثُ كَانَ الْقَتْلُ كَانَ لِلرِّدَّةِ.
وَهَذَا لَا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، فَإِنَّ الْحُكْمَ لَمَّا كَانَ عَدَمُ الْحَدِّ وَالْقَتْلِ بِغَيْرِ الْوَطْءِ كَانَ قَتْلُهُ جَائِزًا كَوْنُهُ لِوَطْئِهِ وَكَوْنُهُ لِرِدَّتِهِ فَلَا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ لِلرِّدَّةِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ أَيْضًا لَا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ لِلْوَطْءِ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ وَذَلِكَ يَكْفِينَا.
وَقَالُوا: جَازَ فِيهِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَنَّهُ لِلِاسْتِحْلَالِ، أَوْ أَمَرَ بِذَلِكَ سِيَاسَةً وَتَعْزِيرًا.
وَجْهُ الْقَائِلِ بِالْحَدِّ أَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجٍ مُجْمَعٍ عَلَى تَحْرِيمِهِ مِنْ غَيْرِ مِلْكٍ وَلَا شُبْهَةِ مِلْكٍ وَالْوَاطِئُ أَهْلٌ لِلْحَدِّ عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ فَيَجِبُ الْحَدُّ كَمَا لَوْ لَمْ يُوجَدْ الْعَقْدُ وَلَيْسَ الْعَقْدُ شُبْهَةً لِأَنَّهُ نَفْسَهُ جِنَايَةٌ هُنَا تُوجِبُ الْعُقُوبَةَ انْضَمَّتْ إلَى الزِّنَا فَلَمْ تَكُنْ شُبْهَةً كَمَا لَوْ أَكْرَهَهَا وَعَاقَبَهَا ثُمَّ زَنَى بِهَا؛ وَمَدَارُ الْخِلَافِ أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ يُوجِبُ شُبْهَةً أَمْ لَا، فَعِنْدَهُمْ لَا كَمَا ذُكِرَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ وَزُفَرَ نَعَمْ، وَمَدَارُ كَوْنِهِ يُوجِبُ شُبْهَةً عَلَى أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَا هُوَ مَحَلُّهُ أَوْ لَا، فَعِنْدَهُمْ لَا لِأَنَّ مَحَلَّ الْعَقْدِ مَا يُقْبَلُ حُكْمُهُ وَحُكْمُهُ الْحِلُّ، وَهَذِهِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ فِي سَائِرِ الْحَالَاتِ فَكَانَ الثَّابِتُ صُورَةَ الْعَقْدِ لَا انْعِقَادَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا انْعِقَادَ فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ كَمَا لَوْ عُقِدَ عَلَى ذَكَرٍ، وَعِنْدَهُ نَعَمْ لِأَنَّ الْمَحَلِّيَّةَ لَيْسَتْ لِقَبُولِ الْحِلِّ بَلْ لِقَبُولِ الْمَقَاصِدِ مِنْ الْعَقْدِ وَهُوَ ثَابِتٌ وَلِذَا صَحَّ مِنْ غَيْرِهِ عَلَيْهَا، وَبِتَأَمُّلٍ يَسِيرٍ يَظْهَرُ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَوَارَدُوا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدَةٍ فِي الْمَحَلِّيَّةِ، فَهُمْ حَيْثُ نَفَوْا مَحَلِّيَّتَهَا أَرَادُوا بِالنِّسْبَةِ إلَى خُصُوصِ هَذَا الْعَاقِدِ: أَيْ لَيْسَتْ مَحَلًّا لِعَقْدِ هَذَا الْعَاقِدِ وَلِذَا عَلَّلُوهُ بِعَدَمِ حِلِّهَا، وَلَا شَكَّ فِي حِلِّهَا لِغَيْرِهِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ لَا مَحَلِّيَّتِهَا لِلْعَقْدِ مِنْ حَيْثُ هُوَ الْعَقْدُ، وَهُوَ حَيْثُ أَثْبَتَ مَحَلِّيَّتَهَا أَرَادَ مَحَلِّيَّتَهَا لِنَفْسِ الْعَقْدِ لَا بِالنَّظَرِ إلَى خُصُوصِ عَاقِدٍ وَلِذَا عَلَّلَ بِقَبُولِهَا مَقَاصِدَهُ.
فَإِنْ قُلْت: فَقَدْ أَطْلَقَ الْكُلَّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ عَدَمُ مَحَلِّيَّةِ الْمَحَارِمِ لِنِكَاحِ الْمُحَرَّمِ.
فَفِي الْأُصُولِ حَيْثُ قَالُوا: إنَّ النَّهْيَ عَنْ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ وَنِكَاحِ الْمَحَارِمِ مَجَازٌ عَنْ النَّفْيِ لِعَدَمِ مَحَلِّهِ، وَفِي الْفِقْهِ كَثِيرٌ وَمِنْهُ قولهُمْ مَحَلُّ النِّكَاحِ أُنْثَى مِنْ بَنَاتِ آدَمَ لَيْسَتْ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْمَحَلِّيَّةِ لِعَقْدِ النَّاكِحِ الْخَاصِّ.
وَأَنْتَ عَلِمْت أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ إنَّمَا أَثْبَتَ مَحَلِّيَّتَهَا لِلنِّكَاحِ فِي الْجُمْلَةِ لَا بِالنَّظَرِ إلَى خُصُوصِ نَاكِحٍ وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ.
بَقِيَ النَّظَرُ فِي أَنَّ أَيُّ الِاعْتِبَارَيْنِ فِي ثُبُوتِ الْمَحَلِّيَّةِ أَوْلَى كَوْنُهُ قَابِلًا لِلْمَقَاصِدِ أَوْ كَوْنُهُ حَلَالًا، إنْ نَظَرْنَا إلَى الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَتْبَعَ الْحِلُّ قِيَامَ الْحَاجَةِ لِتُدْفَعَ بِهِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ تَرَجَّحَ قولهُ، أَوْ إلَى السَّمْعِ أَعْنِي مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ وَهُوَ قول الْكُلِّ: إنَّ الْمَيْتَةَ لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ مَعَ أَنَّهَا إنَّمَا فِيهَا عَدَمُ الْحِلِّ تَرَجَّحُوا، وَقَدْ رُجِّحَ قول أَبِي حَنِيفَةَ بِقولهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» حُكِمَ بِالْبُطْلَانِ وَأَوْجَبَ الْمَهْرَ وَهُوَ مُسْقِطٌ لِلْحَدِّ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَوْنُهُ لَا يَعْتَقِدُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لَا يَضُرُّ لِأَنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِتَأْوِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ آيِلٌ إلَى الْبُطْلَانِ بِاعْتِرَاضِ الْوَلِيِّ بِأَنْ كَانَ غَيْرَ كُفْءٍ وَالْآخَرُ تَخْصِيصُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْأَةِ وِلَايَةٌ عَلَى نَفْسِهَا كَالْأَمَةِ وَالصَّبِيَّةِ، عَلَى هَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ أَقْرَبُ التَّأْوِيلَيْنِ لِنُدْرَةِ فَسْخِ وَلِيٍّ بِسَبَبِ عَدَمِ كَفَاءَةِ مَنْ زَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْهُ وَقَدْ حُكِمَ فِيهِ بِالْمَهْرِ إنْ دَخَلَ، لَكِنْ فِي الْخُلَاصَةِ قَالَ: الْفَتْوَى عَلَى قولهِمَا، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ تَحَقُّقَ الشُّبْهَةِ يَقْتَضِي تَحَقُّقَ الْحِلِّ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ لَا مَحَالَةَ شُبْهَةُ الْحِلِّ لَكِنْ حِلُّهَا لَيْسَ ثَابِتًا مِنْ وَجْهٍ وَإِلَّا وَجَبَتْ الْعِدَّةُ وَثَبَتَ النَّسَبُ.
وَدُفِعَ بِأَنَّ مِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ الْتَزَمَ ذَلِكَ.
وَعَلَى التَّسْلِيمِ فَثُبُوتُ النَّسَبِ وَالْعِدَّةِ أَقَلُّ مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ وُجُودُ الْحِلِّ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْمَحَارِمِ، وَشُبْهَةُ الْحِلِّ لَيْسَ ثُبُوتَ الْحِلِّ مِنْ وَجْهٍ فَإِنَّ الشُّبْهَةَ مَا يُشْبِهُ الثَّابِتَ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ فَلَا ثُبُوتَ لِمَا لَهُ شُبْهَةُ الثُّبُوتِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَلْزَمَ عُقُوبَتَهُ بِأَشَدَّ مَا يَكُونُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُثْبِتْ عُقُوبَةً هِيَ الْحَدُّ فَعُرِفَ أَنَّهُ زِنًا مَحْضٌ عِنْدَهُ إلَّا أَنَّ فِيهِ شُبْهَةً فَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ.
وَمِنْ شُبْهَةِ الْعَقْدِ مَا إذَا اسْتَأْجَرَهَا لِيَزْنِيَ بِهَا فَفَعَلَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَيُعَزَّرُ، وَقَالَ: هُمَا وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ: يُحَدُّ لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ لَا يُسْتَبَاحُ بِهِ الْبُضْعُ فَصَارَ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِلطَّبْخِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ ثُمَّ زَنَى بِهَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ اتِّفَاقًا.
وَلَهُ أَنَّ الْمُسْتَوْفَى بِالزِّنَا الْمَنْفَعَةُ وَهِيَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ لَكِنَّهُ فِي حُكْمِ الْعَيْنِ، فَبِالنَّظَرِ إلَى الْحَقِيقَةِ تَكُونُ مَحَلًّا لِعَقْدِ الْإِجَارَةِ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً، بِخِلَافِ الِاسْتِئْجَارِ لِلطَّبْخِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يُضَفْ إلَى الْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ وَالْعَقْدُ الْمُضَافُ إلَى مَحَلٍّ يُورِثُ الشُّبْهَةَ فِيهِ لَا فِي مَحَلٍّ آخَرَ.
وَفِي الْكَافِي: لَوْ قَالَ أَمْهَرْتُك كَذَا لِأَزْنِيَ بِكَ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: اسْتَأْجَرْتُك أَوْ خُذِي هَذِهِ الدَّرَاهِمَ لِأَطَأَك.
وَالْحَقُّ فِي هَذَا كُلِّهِ وُجُوبُ الْحَدِّ إذْ الْمَذْكُورُ مَعْنًى يُعَارِضُهُ كِتَابُ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} فَالْمَعْنَى الَّذِي يُفِيدُ أَنَّ فِعْلَ الزِّنَا مَعَ قولهِ: أَزْنِي بِك لَا يُجْلَدُ مَعَهُ لِلَفْظَةِ الْمَهْرِ مُعَارِضٌ لَهُ.

متن الهداية:
(وَمَنْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ يُعَزَّرُ) لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَمَنْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ) بِأَنْ أَوْلَجَ فِي مَغَابِنِ بَطْنِهَا وَنَحْوِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا يَعُمُّ الدُّبُرَ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْآتِيَةُ (يُعَزَّرُ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ) مُحَرَّمٌ (لَيْسَ فِيهِ تَقْدِيرٌ) فَفِيهِ التَّعْزِيرُ، وَمِثْلُهُ مَا إذَا أَتَتْ امْرَأَةٌ امْرَأَةً أُخْرَى فَإِنَّهُمَا يُعَزَّرَانِ لِذَلِكَ.

متن الهداية:
(وَمَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي الْمَوْضِعِ الْمَكْرُوهِ أَوْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيُعَزَّرُ، وَزَادَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَيُودَعُ فِي السِّجْنِ، وَقَالَا: هُوَ كَالزِّنَا فَيُحَدُّ) وَهُوَ أَحَدُ قوليْ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ فِي قول يُقْتَلَانِ بِكُلِّ حَالٍ لِقولهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «اُقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ» وَيُرْوَى «فَارْجُمُوا الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ» وَلَهُمَا أَنَّهُ فِي مَعْنَى الزِّنَا لِأَنَّهُ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ فِي مَحَلٍّ مُشْتَهًى عَلَى سَبِيلِ الْكَمَالِ عَلَى وَجْهٍ تَمَحَّضَ حَرَامًا لِقَصْدِ سَفْحِ الْمَاءِ.
وَلَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِزِنًا لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي مُوجِبِهِ مِنْ الْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ وَهَدْمِ الْجِدَارِ وَالتَّنْكِيسِ مِنْ مَكَان مُرْتَفِعٍ بِاتِّبَاعِ الْأَحْجَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الزِّنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إضَاعَةُ الْوَلَدِ وَاشْتِبَاهُ الْأَنْسَابِ، وَكَذَا هُوَ أَنْدَرُ وُقُوعًا لِانْعِدَامِ الدَّاعِي مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَالدَّاعِي إلَى الزِّنَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ.
وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى السِّيَاسَةِ أَوْ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ إلَّا أَنَّهُ يُعَزَّرُ عِنْدَهُ لِمَا بَيَّنَّاهُ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَمَنْ أَتَى امْرَأَةً) أَيْ أَجْنَبِيَّةً (فِي الْمَوْضِعِ الْمَكْرُوهِ) أَيْ دُبُرِهَا (أَوْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ) وَيُسْجَنُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَتُوبَ، وَلَوْ اعْتَادَ اللِّوَاطَةَ قَتَلَهُ الْإِمَامُ مُحْصَنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ سِيَاسَةً، أَمَّا الْحَدُّ الْمُقَدَّرُ شَرْعًا فَلَيْسَ حُكْمًا لَهُ وَقَالَا هُوَ كَالزِّنَا، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ تُفِيدُ اعْتِرَافَهُمَا بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَفْسِ الزِّنَا بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الزِّنَا فَيُحَدُّ جَلْدًا إنْ لَمْ يَكُنْ أَحْصَنَ وَرَجْمًا إنْ أَحْصَنَ.
وَذَكَرَ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْغُلَامِ.
أَمَّا لَوْ وَطِئَ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا حُدَّ بِلَا خِلَافٍ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْكُلَّ عَلَى الْخِلَافِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الزِّيَادَاتِ، وَلَوْ فَعَلَ هَذَا بِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ فَاسِدٍ لَا يُحَدُّ إجْمَاعًا، كَذَا فِي الْكَافِي.
نَعَمْ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّعْزِيرِ وَالْقَتْلِ لِمَنْ اعْتَادَهُ إنْ رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ، لَكِنْ لِلشَّافِعِيِّ فِي عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ وَمَنْكُوحَتِهِ قولانِ، وَهَلْ تَكُونُ اللِّوَاطَةُ فِي الْجَنَّةِ: أَيْ هَلْ يَجُوزُ كَوْنُهَا فِيهَا، قِيلَ إنْ كَانَ حُرْمَتُهَا عَقْلًا وَسَمْعًا لَا تَكُونُ، وَإِنْ كَانَ سَمْعًا فَقَطْ جَازَ أَنْ تَكُونَ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ فِيهَا لِأَنَّهُ تَعَالَى اسْتَبْعَدَهُ وَاسْتَقْبَحَهُ فَقَال: {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ} وَسَمَّاهُ خَبِيثَةً فَقَال: {كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ} وَالْجَنَّةُ مُنَزَّهَةٌ عَنْهُمَا (وَقَالَ) الشَّافِعِيُّ (فِي قول: يُقْتَلَانِ) فَفِي وَجْهٍ بِالسَّيْفِ (بِكُلِّ حَالٍ) أَيْ بِكْرَيْنِ كَانَا أَوْ ثَيِّبَيْنِ، وَفِي قول يُرْجَمَانِ بِكُلِّ حَالٍ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَفِي قول آخَرَ وَهُوَ الْمُصَحَّحُ مِنْ مَذْهَبِهِ يُحَدُّ جَلْدًا وَتَغْرِيبًا إنْ كَانَ بِكْرًا وَرَجْمًا إنْ أَحْصَنَ.
وَجْهُ الْقَتْلِ مَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوهُ، الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو فَقَال: «مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ» وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْقَتْلَ.
وَرُوِيَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَال: «اُقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» وَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَلَا يُعْلَمُ أَحَدٌ رَوَاهُ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ غَيْرُ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ الْعُمْرِيُّ، وَهُوَ يُضَعِّفُ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَبْلِ حِفْظِهِ، وَبِسَنَدِ السُّنَنِ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو صَدُوقٌ، لَكِنَّهُ رَوَى عَنْ عِكْرِمَةَ مَنَاكِيرَ.
وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: ثِقَةٌ يُنْكَرُ عَلَيْهِ حَدِيثُ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «اُقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ الْجَمَاعَةُ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِطَرِيقٍ آخَرَ وَسَكَتَ عَنْهُ.
وَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ بِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْعُمَرِيَّ سَاقِطٌ، وَإِذَا كَانَ الْحَدِيثُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ مِنْ التَّرَدُّدِ فِي أَمْرِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْدَمَ بِهِ عَلَى الْقَتْلِ مُسْتَمِرًّا عَلَى أَنَّهُ حَدٌّ، وَلَوْ سَلِمَ حُمِلَ عَلَى قَتْلِهِ سِيَاسَةً.
وَلَهُمَا أَنَّهُ فِي مَعْنَى الزِّنَا لِأَنَّهُ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ فِي مَحَلٍّ مُشْتَهًى عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ لِمُجَرَّدِ قَصْدِ سَفْحِ الْمَاءِ بَلْ أَبْلَغُ حُرْمَةً وَتَضْيِيعًا لِلْمَاءِ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ قَدْ تَنْكَشِفُ فِي الزِّنَا بِالْعَقْدِ وَقَدْ يُتَوَهَّمُ الْوَلَدُ فِيهِ، بِخِلَافِ اللِّوَاطَةِ فِيهِمَا فَيَثْبُتُ حُكْمُ الزِّنَا لَهُ بِدَلَالَةِ نَصِّ حَدِّ الزِّنَا لَا بِالْقِيَاسِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَيْسَ بِزِنًا وَلَا مَعْنَاهُ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ حَدٌّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِي مُوجِبِهِ: فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ فِيهِ التَّحْرِيقَ بِالنَّارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُهْدَمُ عَلَيْهِ الْجِدَارُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْقِيهِ مِنْ مَكَان مُرْتَفِعٍ مَعَ إتْبَاعِ الْأَحْجَارِ، فَلَوْ كَانَ زِنًا فِي اللِّسَانِ أَوْ فِي مَعْنَاهُ لَمْ يَخْتَلِفُوا بَلْ كَانُوا يَتَّفِقُونَ عَلَى إيجَابِ حَدِّ الزِّنَا عَلَيْهِ.
فَاخْتِلَافُهُمْ فِي مُوجِبِهِ وَهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مُسَمَّى لَفْظِ الزِّنَا لُغَةً وَلَا مَعْنَاهُ، وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِقول الْقَائِلِ:
مِنْ كَفِّ ذَاتِ حِرٍ فِي زِيِّ ذِي ** ذَكَرٍ لَهَا مُحِبَّانِ لُوطِيٌّ وَزَنَّاءٌ

فَلِعَدَمِ مَعْرِفَةِ مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ الْبَيْتُ، وَقول مَنْ قَالَ حَيْثُ قَالَ قَائِلُهُمْ وَذِكْرُ الْبَيْتِ غَلَطٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ بَلْ هُوَ مِنْ شِعْرِ أَبِي نُوَاسٍ مِنْ قَصِيدَتِهِ الَّتِي أَوَّلُهَا:
دَعْ عَنْك لَوْمِي فَإِنَّ اللُّوَّمَ إغْرَاءُ ** وَدَاوِنِي بِاَلَّتِي كَانَتْ هِيَ الدَّاءُ

وَهِيَ قَصِيدَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي دِيوَانِهِ، وَهُوَ مُوَلَّدٌ لَا تَثْبُتُ اللُّغَةُ بِكَلَامِهِ مَعَ أَنَّهُ يَنْبَغِي تَطْهِيرُ كُتُبِ الشَّرِيعَةِ عَنْ أَمْثَالِهِ.
وَأَيْضًا لَا يُثْبِتُ دَلَالَةً لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُحَرَّمَ فِي الزِّنَا لَيْسَ إضَاعَةَ الْمَاءِ مِنْ حَيْثُ هُوَ إضَاعَتُهُ لِجَوَازِ إضَاعَتِهِ بِالْعَزْلِ بَلْ إفْضَاؤُهُ إلَى إضَاعَةِ الْوَلَدِ الَّذِي هُوَ إهْلَاكٌ مَعْنًى، فَإِنَّ وَلَدَ الزِّنَا لَيْسَ لَهُ أَبٌ يُرَبِّيهِ وَالْأُمُّ بِمُفْرَدِهَا عَاجِزَةٌ عَنْهُ فَيَشِبُّ عَلَى أَسْوَإِ الْأَحْوَالِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَدَّعِيهِ بَعْضُ السُّفَهَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ شَرْعًا لِيَخْتَصَّ بِهِ وَيَنْفَعَهُ وَيَشْتَبِهَ عَلَى مَنْ هُوَ لَهُ فَيَقَعَ التَّقَاتُلُ وَالْفِتْنَةُ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي اللِّوَاطِ (وَكَذَا هُوَ أَنْدَرُ وُقُوعًا مِنْ الزِّنَا لِانْعِدَامِ الدَّاعِي مِنْ الْجَانِبَيْنِ) عَلَى الِاسْتِمْرَارِ، بِخِلَافِ الزِّنَا لِتَحَقُّقِهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِمْرَارِ لِنُدْرَةِ وُقُوعِ الزِّنَا بِصَبِيَّةٍ لَا تُشْتَهَى أَصْلًا إذْ قَلَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ، وَلَا عِبْرَةَ بِأَوْكَدِيَّةِ الْحُرْمَةِ فِي ثُبُوتِ عَيْنِ مُوجِبِ الْآخَرِ، وَلِذَا لَا يُحَدُّ بِشُرْبِ الْبَوْلِ الْمُجْمَعِ عَلَى نَجَاسَتِهِ وَيُحَدُّ بِشُرْبِ الْخَمْرِ، فَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ لَا يَثْبُتَ الْحَدُّ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ إلَّا إذَا كَانَ فِي الْمُسَاوِي مِنْ كُلِّ وَجْهٍ دُونَ الْأَعْلَى بَلْ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ لَهُ زَاجِرٌ قَوِيٌّ وَقَدْ لَا إلَّا إيعَادَ عِقَابِ الْآخِرَةِ.
وَأَمَّا تَخْرِيجُ مَا عَنْ الصَّحَابَةِ فَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعُزَيْرِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ دَاوُد بْنِ بَكْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ: أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ كَتَبَ إلَى أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ وَجَدَ رَجُلًا فِي بَعْضِ نَوَاحِي الْعَرَبِ يُنْكَحُ كَمَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، فَجَمَعَ أَبُو بَكْرٍ الصَّحَابَةَ فَسَأَلَهُمْ، فَكَانَ مِنْ أَشَدِّهِمْ فِي ذَلِكَ قولا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: هَذَا ذَنْبٌ لَمْ يَعْصِ بِهِ إلَّا أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ صَنَعَ اللَّهُ بِهَا مَا عَلِمْتُمْ، نَرَى أَنْ نُحَرِّقَهُ بِالنَّارِ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ قَالَ: وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ فِي كِتَابِ الرِّدَّةِ فِي آخِرِ رِدَّةِ بَنِي سُلَيْمٍ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ: حَدَّثَنَا غَسَّانُ بْنُ مُضَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا حَدُّ اللِّوَاطَةِ؛ قَالَ: يُنْظَرُ إلَى أَعْلَى بِنَاءٍ فِي الْقَرْيَةِ فَيُرْمَى مِنْهُ مُنَكَّسًا ثُمَّ يُتْبَعُ بِالْحِجَارَةِ.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا، وَكَأَنَّ مَأْخَذَ هَذَا أَنَّ قَوْمَ لُوطٍ أُهْلِكُوا بِذَلِكَ حَيْثُ حُمِلَتْ قُرَاهُمْ وَنُكِّسَتْ بِهِمْ، وَلَا شَكَّ فِي اتِّبَاعِ الْهَدِيمِ بِهِمْ وَهُمْ نَازِلُونَ.
وَذَكَرَ مَشَايِخُنَا عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ يُحْبَسَانِ فِي أَنْتَنِ الْمَوَاضِعِ حَتَّى يَمُوتَا نَتِنًا.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِتَسْمِيَتِهَا فَاحِشَةً فِي قوله تعالى: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ} فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْفَاحِشَةَ لَا تَخُصُّ لُغَةً الزِّنَا، قَالَ تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} وَقول الْمُصَنِّفِ: إلَّا أَنَّهُ يُعَزَّرُ لِمَا بَيَّنَّا. أَيْ مِنْ أَنَّهُ مُنْكَرٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ.

متن الهداية:
(وَمَنْ وَطِئَ بَهِيمَةً لَا حَدَّ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الزِّنَا فِي كَوْنِهِ جِنَايَةً وَفِي وُجُودِ الدَّاعِي لِأَنَّ الطَّبْعَ السَّلِيمَ يَنْفِرُ عَنْهُ وَالْحَامِلُ عَلَيْهِ نِهَايَةُ السَّفَهِ أَوْ فَرْطُ الشَّبَقِ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ سَتْرُهُ إلَّا أَنَّهُ يُعَزَّرُ لِمَا بَيَّنَّاهُ، وَاَلَّذِي يُرْوَى أَنَّهُ تُذْبَحُ الْبَهِيمَةُ وَتُحْرَقُ فَذَلِكَ لِقَطْعِ التَّحَدُّثِ بِهِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَمَنْ وَطِئَ بَهِيمَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) وَكَذَا إذَا زَنَى بِمَيِّتَةٍ لِأَنَّهُ لِلزَّجْرِ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى الزَّجْرِ فِيمَا طَرِيقُ وُجُودِهِ مُنْفَتِحٌ سَالِكٌ.
وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَرْغَبُ فِيهِ الْعُقَلَاءُ وَلَا السُّفَهَاءُ، وَإِنْ اتَّفَقَ لِبَعْضِهِمْ ذَلِكَ لِغَلَبَةِ الشَّبَقِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى الزَّاجِرِ لِزَجْرِ الطَّبْعِ عَنْهُ (وَلِهَذَا لَا يَجِبُ سَتْرُهُ فِي الْبَهِيمَةِ إلَّا أَنَّهُ يُعَزَّرُ لِمَا بَيَّنَّا) مِنْ أَنَّهُ مُنْكَرٌ لَيْسَ فِيهِ تَقْدِيرٌ شَرْعِيٌّ فَفِيهِ التَّعْزِيرُ (وَاَلَّذِي يُرْوَى أَنَّهُ تُذْبَحُ الْبَهِيمَةُ وَتُحْرَقُ فَذَلِكَ لِقَطْعِ) امْتِدَادِ (التَّحَدُّثِ بِهِ) كُلَّمَا رُئِيَتْ فَيَتَأَذَّى الْفَاعِلُ بِهِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
وَإِذَا ذُبِحَتْ وَهِيَ مِمَّا لَا تُؤْكَلُ ضَمِنَ قِيمَتَهَا إنْ كَانَ مَالِكُهَا غَيْرَهُ لِأَنَّهَا ذُبِحَتْ لِأَجْلِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا تُؤْكَلُ أُكِلَتْ، وَضَمِنَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تُؤْكَلُ، وَالْمُرَادُ بِالْمَرْوِيِّ مَا رَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوهَا» قُلْت لَهُ: مَا شَأْنُ الْبَهِيمَةِ قَالَ: مَا أَرَاهُ قَالَ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُؤْكَلَ لَحْمُهَا أَوْ يُنْتَفَعُ بِهَا وَقَدْ عَمِلَ بِهَا مَا عَمِلَ.
وَلَعَلَّ قول ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا هُوَ الْمُتَمَسِّكُ لِأَبِي يُوسُفَ فِي عَدَمِ أَكْلِهَا إلَّا أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي عَيَّنَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ قَطْعِ التَّعْيِيرِ أَقْرَبُ إلَى النَّفْسِ.
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ إسْمَاعِيلَ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ وَالْبَاقُونَ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى عَمْرٍو هَذَا، وَأَمَّا إبْرَاهِيمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ أَحْمَدُ ثِقَةٌ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْحُفَّاظِ، وَضَعَّفَ أَبُو دَاوُد هَذَا الْحَدِيثَ بِطَرِيقٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ: «لَيْسَ عَلَى الَّذِي يَأْتِي الْبَهِيمَةَ حَدٌّ» وَهُوَ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ الرَّفْعُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِهِمَا وَتَأْوِيلِهِ الْمَذْكُورِ آنِفًا، وَمُحَالٌ أَنْ يُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَتْلُ ثُمَّ يُخَالِفُهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ الْأَوَّلِ، وَلَفْظُه: «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ».
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو بِزِيَادَةٍ. وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.

متن الهداية:
(وَمَنْ زَنَى فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْبَغْيِ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ).
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يُحَدُّ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ بِإِسْلَامِهِ أَحْكَامَهُ أَيْنَمَا كَانَ مَقَامُهُ.
وَلَنَا قولهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي دَارِ الْحَرْبِ» وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الِانْزِجَارُ وَوِلَايَةُ الْإِمَامِ مُنْقَطِعَةٌ فِيهِمَا فَيُعَرَّى الْوُجُوبُ عَنْ الْفَائِدَةِ، وَلَا تُقَامُ بَعْدَ مَا خَرَجَ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْعَقِدْ مُوجِبَةً فَلَا تَنْقَلِبُ مُوجِبَةً.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَمَنْ زَنَى فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْبَغْيِ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا) فَأَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي بِهِ (لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ) وَمَالِكٍ (يُحَدُّ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ بِإِسْلَامِهِ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ أَيْنَمَا كَانَ مَقَامُهُ) قُلْنَا: سَلَّمْنَا أَنَّهُ مُلْتَزَمٌ لِلْأَحْكَامِ، لَكِنَّ الْحَدَّ لَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ مُلْتَزَمَهُ بِالْتِزَامِهِ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ، بَلْ إنَّمَا يَتَضَمَّنُ الْتِزَامُهُ تَسْلِيمَ نَفْسِهِ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ عِنْدَ الْقَاضِي فَقَضَى بِإِقَامَتِهِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي هَذَا بَلْ فِي نَفْسِ وُجُوبِ الْحَدِّ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ عِنْدَ ثُبُوتِهِ عِنْدَهُ فَهَذَا الدَّلِيلُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ.
فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ الْإِقَامَةُ عَلَى الزَّانِي مُطْلَقًا أَيْنَمَا كَانَ زِنَاهُ.
وَحِينَئِذٍ نَقول: امْتَنَعَ بِالنَّصِّ وَهُوَ قولهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي دَارِ الْحَرْبِ» وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ مَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ وَلَا قُدْرَةَ لِلْإِمَامِ عَلَيْهِ حَالَ كَوْنِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا وُجُوبَ، وَإِلَّا عُرِّيَ عَنْ الْفَائِدَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الِاسْتِيفَاءُ لِيَحْصُلَ الزَّجْرُ، وَالْفَرْضُ أَنْ لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ، وَإِذَا خَرَجَ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبًا لِلْإِيجَابِ حَالَ وُجُودِهِ لَمْ يَنْقَلِبْ مُوجِبًا لَهُ حَالَ عَدَمِهِ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ وَهُوَ قولهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي دَارِ الْحَرْبِ» لَمْ يُعْلَمْ لَهُ وُجُودٌ.
وَرَوَى مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: «مَنْ زَنَى أَوْ سَرَقَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَصَابَ بِهَا حَدًّا ثُمَّ هَرَبَ فَخَرَجَ إلَيْنَا فَإِنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ»، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ قَالَ: قَالَ أَبُو يُوسُفَ: حَدَّثَنَا بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ زَيْدِ ابْنِ ثَابِتٍ قَالَ: لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَخَافَةَ أَنْ يَلْحَقَ أَهْلُهَا بِالْعَدُوِّ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَإِلَى عُمَّالِهِ: أَنْ لَا تُقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ حَتَّى يَخْرُجُوا إلَى أَرْضِ الْمُصَالَحَةِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمَنْ هَذَا الشَّيْخُ وَمَكْحُولٌ لَمْ يُدْرِكْ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا نَوْعُ انْقِطَاعٍ، وَمُعْتَقَدُ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْإِرْسَالِ، وَأَنَّ حَذْفَ الشَّيْخِ لَا يَكُونُ مِنْ الْعَدْلِ الْمُجْتَهَدِ إلَّا لِلْعِلْمِ بِثِقَتِهِ فَلَا يَضُرُّ عَلَى رَأْيِ مُثْبِتِي الْمُرْسَلِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ كَوْنِ الْمُرْسَلِ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّأْنِ وَالْعَدَالَةِ، وَهَذَا الْأَخِيرُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْن أَبِي مَرْيَمَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ عُمَيْرٍ بِهِ، وَزَادَ: لِئَلَّا تَحْمِلَهُ حَمِيَّةُ الشَّيْطَانِ أَنْ يَلْحَقَ بِالْكُفَّارِ انْتَهَى.
أَثَرٌ آخَرُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا: حَدَّثَتَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ رُومَانٍ: أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ نَهَى أَنْ يُقَامَ عَلَى أَحَدٍ حَدٌّ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ.
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقول: «لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي السَّفَرِ» انْتَهَى.
وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ «فِي الْغَزْوِ» وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ الْأَوْزَاعِيُّ يَرَوْنَ أَنْ لَا يُقَامَ الْحَدُّ فِي الْغَزْوِ بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ مَخَافَةَ أَنْ يَلْحَقَ مَنْ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِالْعَدُوِّ، فَإِذَا رَجَعَ الْإِمَامُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَعَ الْأَوْزَاعِيِّ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، فَمَذْهَبُهُمْ تَأْخِيرُ الْحَدِّ إلَى الْقُفُولِ، وَبُسْرُ بْنُ أَرْطَاةَ وَيُقَالُ ابْنُ أَبِي أَرْطَاةَ اُخْتُلِفَ فِي صُحْبَتِهِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ: أَهْلُ الْمَدِينَةِ يُنْكِرُونَ سَمَاعَ بُسْرٍ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ يَقول: بُسْرُ بْنُ أَرْطَاةَ رَجُلُ سُوءٍ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَذَلِكَ لِمَا اُشْتُهِرَ مِنْ سُوءِ فِعْلِهِ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْحَرَّةِ.اهـ.
فَلَوْ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ مَنْ رَضِيَ مَا وَقَعَ عَامَ الْحَرَّةِ وَكَانَ مِنْ أَعْوَانِهَا.
وَالْحَقُّ أَنَّ هَذِهِ الْآثَارَ لَوْ ثَبَتَتْ بِطَرِيقٍ مُوجِبٍ لِلْعَمَلِ مُعَلَّلَةً بِمَخَافَةِ لَحَاقِ مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ بِأَهْلِ الْحَرْبِ وَأَنَّهُ يُقَامُ إذَا خَرَجَ وَكَوْنُهُ يُقِيمُهُ إذَا خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ خِلَافُ الْمَذْهَبِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ مَعْنَى قولهِ فِي الْآثَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ حَتَّى يَخْرُجُوا إلَى أَرْضِ الْمُصَالَحَةِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يُقِيمُ حَدَّ الزِّنَا الَّذِي كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَلْ إنَّهُ إذَا صَارَ إلَى أَرْضِ الْمُصَالَحَةِ يُقِيمُ عَلَيْهِ حَدَّ الزِّنَا إذَا زَنَى.
قُلْنَا: أَظْهَرُ الِاحْتِمَالَيْنِ الْأَوَّلُ، وَلَوْ سَلِمَ احْتِمَالُهُمَا عَلَى السَّوَاءِ فَلَا يَتَرَجَّحُ الثَّانِي، وَعَلَى اعْتِبَارِ الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ هُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ مَعَ أَنَّهُ مُعَارَضَةٌ بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَال: «أَقِيمُوا حُدُودَ اللَّهِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَلَا تُبَالُوا فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ» وَالْمُرْسَلُ حُجَّةٌ مُوجِبَةٌ.
قَالَ: وَرَوَيْنَاهُ بِإِسْنَادٍ مَوْصُولٍ فِي السُّنَنِ فَلَا شَكَّ فِي عَدَمِ صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ مِنْ الْأَصْلِ، وَأَيْضًا مُعَارِضٌ إطْلَاقَ {فَاجْلِدُوا} وَنَحْوِهِ فَيَكُونُ زِيَادَةً.
فَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّهُ عَامٌّ خُصَّ مِنْهُ مَوَاضِعُ الشُّبْهَةِ فَهُوَ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الزِّنَا نَفْسَهُ مَأْخُوذٌ فِيهِ عَدَمُهَا فَإِنَّهُ الْوَطْءُ فِي غَيْرِ مِلْكٍ وَشُبْهَتِهِ، فَتَرْتِيبُهُ سُبْحَانَهُ إيجَابَ الْحَدِّ عَلَى الزِّنَا تَرْتِيبُ ابْتِدَاءٍ عَلَى مَا لَا شُبْهَةَ فِيهِ فَتَكُونُ هَذِهِ الْأَخْبَارُ مُخَصِّصًا أَوَّلُ، وَأَمَّا الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ الْمَذْكُورُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عَجْزَ الْإِمَامِ عَنْ الْإِقَامَةِ حَالَ دُخُولِ الزِّنَا فِي الْوُجُودِ يُوجِبُ أَنْ لَا فَائِدَةَ فِي الْإِيجَابِ، إنَّمَا ذَلِكَ لَوْ عَجَزَ مُطْلَقًا فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ الْوُجُوبُ فِي الْحَالِ مُعَلَّقًا بِالْقُدْرَةِ، وَلَكِنَّهُ يُجَابُ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِهَذَا الْكَلَامِ.
وَتَصْحِيحُهُ أَنْ يُقَالَ: جَازَ أَنْ يَثْبُتَ فِي الْحَالِ تَعْلِيقُ الْإِيجَابِ بِالْقُدْرَةِ: أَيْ إذَا قَدَرْت فَأَقِمْ عَلَيْهِ، فَالْوُجُوبُ مَعْدُومٌ فِي الْحَالِ وَمَوْجُودٌ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْقُدْرَةِ فِي الْمَأْكَلِ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ كَذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ جَوَابُهُ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مُمْكِنٌ لَكِنْ أَيْنَ دَلِيلُهُ، فَإِنَّ الْآيَاتِ إنَّمَا تُفِيدُ تَنْجِيزَ الْوُجُوبِ لَا تَعْلِيقَهُ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْقُدْرَةَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ فَنَعْلَمُ انْتِفَاءَ مُقْتَضَاهَا فِي الزَّانِي فِي دَارِ الْحَرْبِ فَأَيْنَ دَلِيلُ تَعْلِيقِ الْإِيجَابِ حَالَ زِنَا الزَّانِي فِي دَارِ الْحَرْبِ بِاقْتِدَارِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ لَمْ يَثْبُتْ تَعْلِيقُهُ كَمَا لَمْ يَثْبُتْ تَنْجِيزُهُ.
فَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّ تَعْلِيقَهُ يَثْبُتُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْآثَارِ الْمُفِيدَةِ أَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَقَامَهُ يُدْفَعُ بِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ مَرَاسِيلِ أَبِي دَاوُد وَهُوَ يُرَجِّحُ الِاحْتِمَالَ الْمُخَالِفَ لِلْمَذْهَبِ مِنْ ذَيْنِك الِاحْتِمَالَيْنِ.
وَأَيْضًا قَدْ يُقَالُ عَلَيْهِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ حَالَ الزِّنَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ الْإِقَامَةُ، بَلْ إنَّمَا يَجِبُ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، فَقَبْلَ الثُّبُوتِ عِنْدَهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبٌ أَصْلًا.
وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ زَنَى فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي بَعْدَ الْخُرُوجِ أَوْ شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ تَقَادُمٍ وَعِنْدَ ذَلِكَ هُوَ قَادِرٌ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ إيجَابُ الْإِقَامَةِ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

متن الهداية:
وَلَوْ غَزَا مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْإِقَامَةِ بِنَفْسِهِ كَالْخَلِيفَةِ وَأَمِيرِ مِصْرَ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى مَنْ زَنَى فِي مُعَسْكَرِهِ لِأَنَّهُ تَحْتَ يَدِهِ، بِخِلَافِ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ وَالسَّرِيَّةِ لِأَنَّهُ لَمْ تُفَوَّضْ إلَيْهِمَا الْإِقَامَةُ.
الشَّرْحُ:
قَالَ: (وَلَوْ غَزَا مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْإِقَامَةِ بِنَفْسِهِ كَالْخَلِيفَةِ وَأَمِيرِ الْمِصْرِ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى مَنْ زَنَى فِي مُعَسْكَرِهِ لِأَنَّهُ تَحْتَ يَدِهِ فَالْقُدْرَةُ ثَابِتَةٌ عَلَيْهِ) بِخِلَافِ مَا لَوْ خَرَجَ مِنْ الْمُعَسْكَرِ فَدَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَزَنَى ثُمَّ عَادَ إلَى الْمُعَسْكَرِ لَا يُقِيمُهُ.
وَيُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ زَنَى فِي الْعَسْكَرِ وَالْعَسْكَرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي أَيَّامِ الْمُحَارَبَةِ قَبْلَ الْفَتْحِ لَهُ أَنْ يُقِيمَهُ لِلْوِلَايَةِ حِينَئِذٍ، أَمَّا أَمِيرُ الْعَسْكَرِ وَالسَّرِيَّةِ فَلَا يُقِيمُهُ لِأَنَّهُ لَمْ تُفَوَّضْ إلَيْهِمَا الْإِقَامَةُ.

متن الهداية:
(وَإِذَا دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَنَا بِأَمَانٍ فَزَنَى بِذِمِّيَّةٍ أَوْ زَنَى ذِمِّيٌّ بِحَرْبِيَّةٍ يُحَدُّ الذِّمِّيُّ وَالذِّمِّيَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا يُحَدُّ الْحَرْبِيُّ وَالْحَرْبِيَّةُ وَهُوَ قول مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الذِّمِّيِّ) يَعْنِي إذَا زَنَى بِحَرْبِيَّةٍ، فَأَمَّا إذَا زَنَى الْحَرْبِيُّ بِذِمِّيَّةٍ لَا يُحَدَّانِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ قول أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَوَّلًا (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُحَدُّونَ كُلُّهُمْ) وَهُوَ قولهُ الْآخَرُ.
لِأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ الْتَزَمَ أَحْكَامَنَا مُدَّةَ مُقَامِهِ فِي دَارِنَا فِي الْمُعَامَلَاتِ، كَمَا أَنَّ الذِّمِّيَّ الْتَزَمَهَا مُدَّةَ عُمُرِهِ وَلِهَذَا يُحَدُّ حَدَّ الْقَذْفِ وَيُقْتَلُ قِصَاصًا، بِخِلَافِ حَدِّ الشُّرْبِ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ إبَاحَتَهُ.
وَلَهُمَا أَنَّهُ مَا دَخَلَ لِلْقَرَارِ بَلْ لِحَاجَةٍ كَالتِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا فَلَمْ يَصِرْ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا وَلِهَذَا يُمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَلَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ وَلَا الذِّمِّيُّ بِهِ، وَإِنَّمَا الْتَزَمَ مِنْ الْحُكْمِ مَا يَرْجِعُ إلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ وَهُوَ حُقُوقُ الْعِبَادِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا طَمِعَ فِي الْإِنْصَافِ يَلْتَزِمْ الِانْتِصَافَ، وَالْقِصَاصُ وَحَدُّ الْقَذْفِ مِنْ حُقُوقِهِمْ، أَمَّا حَدُّ الزِّنَا فَمَحْضُ حَقِّ الشَّرْعِ.
وَلِمُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ الْفَرْقُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي بَابِ الزِّنَا فِعْلُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ تَابِعَةٌ لَهُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَامْتِنَاعُ الْحَدِّ فِي حَقِّ الْأَصْلِ يُوجِبُ امْتِنَاعَهُ فِي حَقِّ التَّبَعِ، أَمَّا الِامْتِنَاعُ فِي حَقِّ التَّبَعِ لَا يُوجِبُ الِامْتِنَاعَ فِي حَقِّ الْأَصْلِ.
نَظِيرُهُ إذَا زَنَى الْبَالِغُ بِصَبِيَّةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ وَتَمْكِينُ الْبَالِغَةِ مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيهِ أَنَّ فِعْلَ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ زِنًا لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالْحُرُمَاتِ عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا بِالشَّرَائِعِ عَلَى أَصْلِنَا وَالتَّمْكِينُ مِنْ فِعْلٍ هُوَ زِنًا مُوجِبٌ لِلْحَدِّ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِأَنَّهُمَا لَا يُخَاطَبَانِ، وَنَظِيرُ هَذَا الِاخْتِلَافِ إذَا زَنَى الْمُكْرَهُ بِالْمُطَاوِعَةِ تُحَدُّ الْمُطَاوِعَةُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ لَا تُحَدُّ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَإِذَا دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَنَا بِأَمَانٍ) وَهُوَ الْمُسْتَأْمَنُ (فَزَنَى بِذِمِّيَّةٍ إلَخْ) حَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ إذَا زَنَى الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ بِالْمُسْلِمَةِ أَوْ الذِّمِّيَّةِ فَعَلَيْهِمَا الْحَدُّ دُونَ الْحَرْبِيِّ فِي قول أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ أَوَّلًا: لَا حَدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: عَلَيْهِمَا الْحَدُّ جَمِيعًا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ بِقولهِ الْأَوَّلِ، فَصَارَ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قول أَبِي حَنِيفَةَ تُحَدُّ الْمَزْنِيُّ بِهَا الْمُسْلِمَةُ وَالذِّمِّيَّةُ، وَقول مُحَمَّدٍ لَا يُحَدُّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَقول أَبِي يُوسُفَ يُحَدُّ كُلُّهُمْ.
وَتَقْيِيدُ الْمَسْأَلَةِ بِالْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ لِأَنَّهُ لَوْ زَنَى بِحَرْبِيَّةٍ مُسْتَأْمَنَةٍ لَا يُحَدُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَحُدَّانِ.
ذَكَرَهُ فِي الْمُخْتَلِفِ، وَإِنْ زَنَى الْمُسْلِمُ أَوْ الذِّمِّيُّ بِالْحَرْبِيَّةِ الْمُسْتَأْمَنَةِ حُدَّ الرَّجُلُ فِي قول أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَحُدَّانِ جَمِيعًا.
وَالْأَصْلُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لَا يَجِبُ عَلَى الْحَرْبِيِّ حَدٌّ مِنْ الْحُدُودِ سِوَى حَدِّ الْقَذْفِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَدُّ زِنًا وَلَا سَرِقَةٍ وَلَا شُرْبِ خَمْرٍ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجِبُ الْكُلُّ إلَّا حَدَّ الشُّرْبِ، فَحَدُّ الشُّرْبِ لَا يَجِبُ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ، وَحَدُّ الْقَذْفِ يَجِبُ اتِّفَاقًا لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ الْعَبْدِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ، عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجِبُ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَجِبُ.
وَجْهُ قول أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ الْتَزَمَ أَحْكَامَنَا مُدَّةَ مُقَامِهِ فِي دَارِنَا فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالسِّيَاسَاتِ، كَمَا أَنَّ الذِّمِّيَّ الْتَزَمَهَا مُدَّةَ عُمُرِهِ وَلِهَذَا يُحَدُّ لِلْقَذْفِ وَيُقْتَلُ قِصَاصًا وَيُمْنَعُ مِنْ الزِّنَا وَشِرَاءِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَالْمُصْحَفِ وَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِمَا، بِخِلَافِ حَدِّ الشُّرْبِ لِأَنَّهُ مُعْتَقِدٌ إبَاحَتَهُ.
وَوَجْهُ قول أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَدْخُلْ لِلْقَرَارِ بَلْ لِحَاجَةٍ يَقْضِيهَا وَيَرْجِعُ وَعَلَيْنَا أَنْ نُمَكِّنَهُ مِنْ الرُّجُوعِ بِشَرْطِهِ لَمْ يَكُنْ بِالِاسْتِئْمَانِ مُلْتَزِمًا جَمِيعَ أَحْكَامِنَا فِي الْمُعَامَلَاتِ، بَلْ مَا يَرْجِعُ مِنْهَا إلَى تَحْصِيلِ مَقْصِدِهِ وَهُوَ حُقُوقُ الْعِبَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ مُلْتَزِمًا الْإِنْصَافَ وَكَفَّ الْأَذَى، إذْ قَدْ الْتَزَمْنَا لَهُ بِأَمَانِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَالْقِصَاصُ وَحَدُّ الْقَذْفِ مِنْ حُقُوقِهِمْ فَلَزِمَاهُ، أَمَّا حَدُّ الزِّنَا فَخَالِصُ حَقِّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَكَذَا الْمُغَلَّبُ فِي السَّرِقَةِ حَقُّهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ وَصَاحِبُهُ تَعَالَى مَنَعَنَا مِنْ اسْتِيفَائِهِ عِنْدَ إعْطَاءِ أَمَانِهِ، بِخِلَافِ الْمَنْعِ مِنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَالْمُصْحَفِ وَالْإِجْبَارِ عَلَى بَيْعِهِمَا فَإِنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ لِأَنَّ فِي اسْتِخْدَامِهِ قَهْرًا وَإِذْلَالًا لِلْمُسْلِمِ، وَكَذَلِكَ فِي اسْتِخْفَافِهِ بِالْمُصْحَفِ وَالزِّنَا مُسْتَثْنًى مِنْ كُلِّ عُهُودِهِمْ.
وَلِمُحَمَّدٍ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ إذَا زَنَى بِمُسْتَأْمَنَةٍ حَيْثُ يَجِبُ الْحَدُّ عِنْدَهُ عَلَى الْفَاعِلِ وَبَيْنَ الْمُسْلِمَةِ أَوْ الذِّمِّيَّةِ إذَا زَنَتْ بِمُسْتَأْمَنٍ حَيْثُ لَا يَجِبُ الْحَدُّ عِنْدَهُ عَلَيْهِمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الزِّنَا فِعْلُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ تَبَعٌ لِكَوْنِهَا مَحَلًّا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، فَامْتِنَاعُ الْحَدِّ فِي حَقِّ الْأَصْلِ يُوجِبُ امْتِنَاعَهُ فِي التَّبَعِ، بِخِلَافِ امْتِنَاعِهِ فِي التَّبَعِ لَا يُوجِبُ امْتِنَاعَهُ فِي حَقِّ الْأَصْلِ أَيْ دَلِيلُهُ إذَا زَنَى الْبَالِغُ الْعَاقِلُ بِصَبِيَّةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ يُحَدُّ هُوَ دُونَهَا، وَفِي تَمْكِينِ الْبَالِغَةِ الصَّبِيَّ أَوْ الْمَجْنُونَ لَا تُحَدُّ، وَتَمْكِينُهَا إنَّمَا يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَيْهَا إذَا مَكَّنَتْ مِنْ فِعْلٍ مُوجِبٍ لَهُ وَفِعْلُ الْحَرْبِيِّ لَيْسَ مُوجِبًا لَهُ فَلَا يَكُونُ تَمْكِينُهَا مُوجِبًا عَلَيْهَا.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ فِعْلَ الْمُسْتَأْمَنِ زِنًا لِكَوْنِهِ مُخَاطَبًا بِالْحُرُمَاتِ كَحُرْمَةِ الْكُفْرِ وَالزِّنَا فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ، بِخِلَافِ قول الْعِرَاقِيِّينَ إلَّا أَنَّهُ امْتَنَعَ حَدُّهُ لِأَنَّ إقَامَتَهُ بِالْوِلَايَةِ وَالْوِلَايَةُ مُنْدَفِعَةٌ عَنْهُ بِإِعْطَاءِ الْأَمَانِ إلَّا فِيمَا الْتَزَمَهُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَقَدْ مَكَّنَتْ مِنْ فِعْلٍ هُوَ زِنًا لَا قُصُورَ فِيهِ وَهُوَ الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ عَلَيْهَا وَصَارَ كَمَا لَوْ مَكَّنَتْ مُسْلِمًا فَهَرَبَ تُحَدُّ هِيَ لِأَنَّ الْمَانِعَ خَصَّهُ وَتَبَعِيَّتُهَا فِي الْفِعْلِ لَا فِي حُكْمِهِ، بِخِلَافِ تَمْكِينِهَا صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا لِأَنَّهُمَا لَمَّا لَمْ يُخَاطَبَا لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُمَا زِنًا فَلَمْ تُمَكِّنْ مِنْ الزِّنَا، وَنَظِيرُهُ لَوْ زَنَى مُكْرَهٌ بِمُطَاوِعَةٍ تُحَدُّ الْمُطَاوِعَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا تُحَدُّ.

متن الهداية:
قَالَ: (وَإِذَا زَنَى الصَّبِيُّ أَوْ الْمَجْنُونُ بِامْرَأَةٍ طَاوَعَتْهُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهَا).
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَإِذَا زَنَى الصَّبِيُّ أَوْ الْمَجْنُونُ بِامْرَأَةٍ طَاوَعَتْهُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهَا. وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهَا وَهُوَ) أَيْ قول زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ (رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ) وَهُوَ قول مَالِكٍ وَأَحْمَدَ.

متن الهداية:
(وَإِنْ زَنَى صَحِيحٌ بِمَجْنُونَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ يُجَامَعُ مِثْلُهَا حُدَّ الرَّجُلُ خَاصَّةً) وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ.
لَهُمَا أَنَّ الْعُذْرَ مِنْ جَانِبِهَا لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْحَدِّ مِنْ جَانِبِهِ فَكَذَا الْعُذْرُ مِنْ جَانِبِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُؤَاخَذٌ بِفِعْلِهِ.
وَلَنَا أَنَّ فِعْلَ الزِّنَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا هِيَ مَحَلُّ الْفِعْلِ وَلِهَذَا يُسَمَّى هُوَ وَاطِئًا وَزَانِيًا وَالْمَرْأَةُ مَوْطُوءَةً وَمَزْنِيًّا بِهَا، إلَّا أَنَّهَا سُمِّيَتْ زَانِيَةً مَجَازًا تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ كَالرَّاضِيَةِ فِي مَعْنَى الْمَرْضِيَّةِ، أَوْ لِكَوْنِهَا مُسَبِّبَةً بِالتَّمْكِينِ فَتَعَلَّقَ الْحَدُّ فِي حَقِّهَا بِالتَّمْكِينِ مِنْ قَبِيحِ الزِّنَا وَهُوَ فِعْلُ مَنْ هُوَ مُخَاطَبٌ بِالْكَفِّ عَنْهُ وَمُؤْتَمٌّ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ، وَفِعْلُ الصَّبِيِّ لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يُنَاطُ بِهِ الْحَدُّ.
الشَّرْحُ:
(وَإِنْ زَنَى صَحِيحٌ) أَيْ عَاقِلٌ بَالِغٌ (بِمَجْنُونَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ يُجَامَعُ مِثْلُهَا حُدَّ الرَّجُلُ خَاصَّةً)، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ.
لَهُمَا أَنَّ الْعُذْرَ مِنْ جَانِبِهَا لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْحَدِّ مِنْ جَانِبِهِ فَكَذَا الْعُذْرُ مِنْ جَانِبِهِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَهُ مِنْ جَانِبِهَا (وَهَذَا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُؤَاخَذٌ بِفِعْلِهِ) وَقَدْ فَعَلَتْ مَا هِيَ بِهِ زَانِيَةٌ لِأَنَّ حَقِيقَةَ زِنَاهَا انْقِضَاءُ شَهْوَتِهَا بِآلَتِهِ وَقَدْ وُجِدَ؛ أَلَا يُرَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سَمَّاهَا زَانِيَةً وَهُوَ لَيْسَ إلَّا بِذَلِكَ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا زَانِيَةٌ حَقِيقَةً كَوْنُهَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا، فَلَوْ لَمْ يُتَصَوَّرْ زِنَاهَا لَمْ يُحَدَّ قَاذِفُهَا كَالْمَجْبُوبِ (وَلَنَا أَنَّ فِعْلَ الزِّنَا إنَّمَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ) لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ أَخَذُوا جِنْسَ تَعْرِيفِهِ وَطْءَ الرَّجُلِ فَكَانَتْ خَارِجَةً (وَإِنَّمَا هِيَ مَحَلٌّ وَلِهَذَا يُسَمَّى هُوَ وَاطِئًا وَزَانِيًا وَهِيَ مَوْطُوءَةً وَمَزْنِيًّا بِهَا إلَّا أَنَّهَا سُمِّيَتْ زَانِيَةً مَجَازًا تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ) كَـ: {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} وَ: {مَاءٍ دَافِقٍ} أَيْ مُرْضَيَةٍ وَمَدْفُوقٍ (أَوْ لِكَوْنِهَا مُسَبِّبَةً) لِزِنَا الزَّانِي (بِالتَّمْكِينِ فَتَعَلَّقَ الْحَدُّ حِينَئِذٍ فِي حَقِّهَا بِالتَّمْكِينِ) مِنْ فِعْلٍ هُوَ زِنَاهَا وَالزِّنَا فِعْلُ مَنْ هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ آثِمٌ بِهِ (وَفِعْلُ الصَّبِيِّ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا يُنَاطُ بِهِ الْحَدُّ) وَعَلَى هَذَا لَوْ قُلْنَا: إنَّهَا بِالتَّمْكِينِ زَانِيَةٌ حَقِيقَةً لُغَةً لَا يَضُرُّنَا لِأَنَّهَا إنَّمَا تُسَمَّى زَانِيَةً حَقِيقَةً بِالتَّمْكِينِ مِمَّا هُوَ زِنًا وَهُوَ مُنْتَفٍ مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهَا زَانِيَةٌ حَقِيقَةً مَعَ أَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهَا مَزْنِيٌّ بِهَا حَقِيقَةً فَيَلْزَمُ كَوْنُ إطْلَاقِ اسْمِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِالنِّسْبَةِ إلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ حَقِيقَةً وَهُوَ بَاطِلٌ؟ فَالْجَوَابُ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَبْطُلُ لَوْ كَانَ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ مُنْتَفٍ فَإِنَّ تَسْمِيَتَهَا زَانِيَةً بِاعْتِبَارِ تَمْكِينِهَا طَائِعَةٌ لِقَضَاءِ شَهْوَتِهَا مِنْ فِعْلٍ هُوَ زِنًا وَمُزْنِيَةٌ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا مَحَلًّا لِلْفِعْلِ الَّذِي هُوَ زِنًا، فَلَوْ مَنَعَ وَقِيلَ بَلْ تَرَتُّبُ الْحَدِّ إنَّمَا هُوَ عَلَى تَمْكِينِهَا مِنْ الْوَطْءِ الْمُفْضِي إلَى اشْتِبَاهِ النَّسَبِ وَتَضْيِيعِ الْوَلَدِ وَهُوَ الْمَعْنَى الْمُحَرِّمُ لِلزِّنَا سَوَاءٌ وَقَعَ زِنًا أَوْ لَا.
فَالْجَوَابُ أَنَّ تَسْمِيَتَهَا زَانِيَةً حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا كَوْنُهُ بِالتَّمْكِينِ مِنْ الزِّنَا أَنْسَبُ مِنْ كَوْنِهِ بِمَا لَيْسَ زِنًا، وَلَوْ لَمْ يَلْزَمْ جَازَ كَوْنُهُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَدَارَ تَمْكِينُهَا الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ بَيْنَ كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلْحَدِّ وَكَوْنِهِ غَيْرَ مُوجِبٍ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِوُجُوبِ الدَّرْءِ فِي مِثْلِهِ بِذَلِكَ، لَكِنْ بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: كَوْنُ الزِّنَا فِي اللُّغَةِ هُوَ الْفِعْلَ الْمُحَرَّمَ مِمَّنْ هُوَ مُخَاطَبٌ مَمْنُوعٌ بَلْ إدْخَالُ الرَّجُلِ قَدْرَ حَشَفَتِهِ قُبُلَ مُشْتَهَاةٍ حَالًا أَوْ مَاضِيًا بِلَا مِلْكٍ وَشُبْهَةٍ، وَكَوْنُهُ بَالِغًا عَاقِلًا لِاعْتِبَارِهِ مُوجِبًا لِلْحَدِّ شَرْعًا فَقَدْ مَكَّنَتْ مِنْ فِعْلٍ هُوَ زِنًا لُغَةً، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَى فَاعِلِهِ حَدٌّ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا يُوجِبُ التَّفْصِيلَ بَيْنَ تَمْكِينِهَا صَبِيًّا فَلَا تُحَدُّ وَمَجْنُونًا فَتُحَدُّ لِأَنَّ قولهُمْ وَطِئَ الرَّجُلُ يَخُصُّ الْبَالِغَ لَكِنْ لَا قَائِلَ بِالْفَصْلِ.
وَاَلَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ قُوَّةِ كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُمْ لَا يُسَمُّونَ فِعْلَ الْمَجْنُونِ زِنًا وَلَوْ احْتَمَلَ ذَلِكَ وَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ احْتِيَاطٍ فِي الدَّرْءِ لَا فِي الْإِيجَابِ فَلَا تُحَدُّ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِمَّا ذَكَرْنَاهُ يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ لَوْ كَانَ تَمْكِينُ الْمَرْأَةِ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا يَمْنَعُ الْحَدَّ عَنْهَا لَاسْتَفْسَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَامِدِيَّةَ حِينَ أَقَرَّتْ بِالزِّنَا «هَلْ زَنَى بِك مَجْنُونٌ أَوْ صَبِيٌّ»، كَمَا أَنَّهُ اسْتَفْسَرَ مَاعِزًا فَقَالَ: «أَبِك جُنُونٌ» حِينَ كَانَ جُنُونُهُ يُسْقِطُ عَنْهُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا قَالَتْ: زَنَيْت فَقَدْ اعْتَرَفَتْ بِتَمْكِينِ غَيْرِ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ فَلَا مَعْنَى لِاسْتِفْسَارِهَا عَنْ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَاعِزٍ فَإِنَّهُ اسْتَرَابَ أَمْرَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَلِذَا لَمْ يَسْأَلْ الْغَامِدِيَّةَ أَبِك جُنُونٌ مَعَ أَنَّهَا مِثْلُ مَاعِزٍ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ بِجُنُونِهَا.
وَأُورِدَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْعُقْرُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي غَيْرِ الْمَلِكِ لَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِهِمَا، أَمَّا الْعُقْرُ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَوْ الْحَدُّ كَمَا لَوْ زَنَى الصَّبِيُّ بِصَبِيَّةٍ أَوْ مُكْرَهَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَهْرُ وَهُنَا لَا يَجِبُ.
أُجِيبَ بِالْفَرْقِ وَهُوَ أَنَّ الْإِيجَابَ عَلَيْهِ هُنَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، لِأَنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ لَرَجَعَ وَلِيُّ الصَّبِيِّ عَلَى الْمَرْأَةِ لِأَنَّهَا لَمَّا طَاوَعَتْهُ صَارَتْ آمِرَةً لَهُ بِالزِّنَا مَعَهَا وَقَدْ لَحِقَ الصَّبِيُّ غُرْمٌ بِذَلِكَ الْأَمْرِ وَصَحَّ الْأَمْرُ مِنْهَا لِوِلَايَتِهَا عَلَى نَفْسِهَا فَلَا يُفِيدُ الْإِيجَابُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ مُكْرَهَةً أَوْ صَبِيَّةً لَا يَرْجِعُ وَلِيُّ الصَّبِيِّ عَلَى الْمَرْأَةِ لِعَدَمِ صِحَّةِ أَمْرِهَا لِعَدَمِ وِلَايَتِهَا، وَفِي الْمُكْرَهَةِ عَدَمُ الْأَمْرِ أَصْلًا فَكَانَ الْإِيجَابُ مُفِيدًا.
وَأَمَّا إيرَادُ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ كُلَّمَا انْتَفَى الْحَدُّ عَنْ الرَّجُلِ انْتَفَى عَنْ الْمَرْأَةِ وَهِيَ مَنْقُوضَةٌ بِزِنَا الْمُكْرَهِ بِالْمُطَاوَعَةِ وَالْمُسْتَأْمَنِ بِالذِّمِّيَّةِ وَالْمُسْلِمَةِ فَوُرُودُهُ بِنَاءً عَلَى كَوْنِ هَذِهِ قَاعِدَةً وَهُوَ مَمْنُوعٌ، بَلْ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِيرَادِ ثُمَّ تَكَلُّفِ الدَّفْعِ.

متن الهداية:
قَالَ: (وَمَنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ حَتَّى زَنَى فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقول أَوَّلًا يُحَدُّ، وَهُوَ قول زُفَرَ لِأَنَّ الزِّنَا مِنْ الرَّجُلِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بَعْدَ انْتِشَارِ الْآلَةِ وَذَلِكَ دَلِيلُ الطَّوَاعِيَةِ.
ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ فَقَالَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ سَبَبَهُ الْمُلْجِئَ قَائِمٌ ظَاهِرًا، وَالِانْتِشَارُ دَلِيلٌ مُتَرَدِّدٌ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ قَصْدٍ لِأَنَّ الِانْتِشَارَ قَدْ يَكُونُ طَبْعًا لَا طَوْعًا كَمَا فِي النَّائِمِ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً، وَإِنْ أَكْرَهَهُ غَيْرُ السُّلْطَانِ حُدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَالَا: لَا يُحَدُّ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عِنْدَهُمَا قَدْ يَتَحَقَّقُ مِنْ غَيْرِ السُّلْطَانِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَثِّرَ خَوْفُ الْهَلَاكِ وَأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَلَهُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ مِنْ غَيْرِهِ لَا يَدُومُ إلَّا نَادِرًا لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الِاسْتِعَانَةِ بِالسُّلْطَانِ أَوْ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُمْكِنُهُ دَفْعُهُ بِنَفْسِهِ بِالسِّلَاحِ، وَالنَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الْحَدُّ، بِخِلَافِ السُّلْطَانِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِعَانَةُ بِغَيْرِهِ وَلَا الْخُرُوجُ بِالسِّلَاحِ عَلَيْهِ فَافْتَرَقَا.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَمَنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ حَتَّى زَنَى فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ أَوَّلًا يَقول يُحَدُّ وَهُوَ قول زُفَرَ) وَهُوَ قول أَحْمَدَ (لِأَنَّ الزِّنَا مِنْ الرَّجُلِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بَعْدَ انْتِشَارِ الْآلَةِ وَهَذَا آيَةُ الطَّوَاعِيَةِ) فَاقْتُرِنَ بِالْإِكْرَاهِ مَا يَنْفِيهِ قَبْلَ تَحَقُّقِ الْفِعْلِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ كَانَ حَالَ فِعْلِهِ إيَّاهُ غَيْرَ مُكْرَهٍ فَبَطَلَ أَثَرُ الْإِكْرَاهِ السَّابِقِ وَوَجَبَ الْحَدُّ، بِخِلَافِ إكْرَاهِ الْمَرْأَةِ عَلَى الزِّنَا فَإِنَّهُ بِالتَّمْكِينِ وَلَيْسَ مَعَ التَّمْكِينِ دَلِيلُ الطَّوَاعِيَةِ فَلَا تُحَدُّ إجْمَاعًا (ثُمَّ رَجَعَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ: لَا يُحَدُّ الرَّجُلُ الْمُكْرَهُ أَيْضًا لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُلْجِئَ إلَى الْفِعْلِ قَائِمٌ ظَاهِرًا) وَهُوَ قِيَامُ السَّيْفِ وَنَحْوِهِ، وَالِانْتِشَارُ لَا يَسْتَلْزِمُ الطَّوَاعِيَةَ بَلْ هُوَ مُحْتَمِلٌ لَهُ إذْ يَكُونُ مَعَهُ وَيَكُونُ طَبْعًا لِقُوَّةِ الْفُحُولِيَّةِ.
وَقَدْ يَكُونُ لِرِيحٍ تُسْفَلُ إلَى الْحَجَرِ حَتَّى يُوجَدَ مِنْ النَّائِمِ وَلَا قَصْدَ مِنْهُ فَلَا يُتْرَكُ أَثَرُ الْيَقِينِ وَهُوَ الْإِكْرَاهُ إلَى الْمُحْتَمَلِ (فَإِنْ أَكْرَهَهُ غَيْرُ السُّلْطَانِ حُدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْإِكْرَاهِ مِنْ غَيْرِهِ فَكَانَ مُخْتَارًا فِي الزِّنَا، وَكَذَا عِنْدَ زُفَرَ وَأَحْمَدَ لِأَنَّهُ، وَإِنْ تَحَقَّقَ الْإِكْرَاهُ مِنْ غَيْرِ السُّلْطَانِ عِنْدَهُمَا لَكِنْ قَالَا الِانْتِشَارُ دَلِيلُ الطَّوَاعِيَةِ فَقَالَا يُحَدُّ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يُحَدُّ لِتَحَقُّقِ الْإِكْرَاهِ مِنْ غَيْرِ السُّلْطَانِ) وَالِانْتِشَارُ لَا يَسْتَلْزِمُ الطَّوَاعِيَةَ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا.
قَالَ الْمَشَايِخُ: وَهَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ، فَفِي زَمَنِ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ لِغَيْرِ السُّلْطَانِ مِنْ الْقُوَّةِ مَا لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِالسُّلْطَانِ، وَفِي زَمَنِهِمَا ظَهَرَتْ الْقُوَّةُ لِكُلِّ مُتَغَلِّبٍ فَيُفْتَى بِقولهِمَا وَعَلَيْهِ مَشَى صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي الْإِكْرَاهِ حَيْثُ قَالَ: وَالسُّلْطَانُ وَغَيْرُهُ سِيَّانِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْقُدْرَةِ عَلَى إيقَاعِ مَا تَوَعَّدَ بِهِ.

متن الهداية:
(وَمَنْ أَقَرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي مَجَالِسَ مُخْتَلِفَةٍ أَنَّهُ زَنَى بِفُلَانَةَ وَقَالَتْ هِيَ: تَزَوَّجَنِي أَوْ أَقَرَّتْ بِالزِّنَا وَقَالَ الرَّجُلُ تَزَوَّجْتهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ فِي ذَلِكَ) لِأَنَّ دَعْوَى النِّكَاحِ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَهُوَ يَقُومُ بِالطَّرَفَيْنِ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً، وَإِذَا سَقَطَ الْحَدُّ وَجَبَ الْمَهْرُ تَعْظِيمًا لِخَطَرِ الْبُضْعِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَمَنْ أَقَرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ إلَخْ) هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا أَنْ يُقِرَّ الرَّجُلُ فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ أَنَّهُ زَنَى بِفُلَانَةَ حَتَّى كَانَ إقْرَارُهُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ وَقَالَتْ هِيَ بَلْ تَزَوَّجَنِي أَوْ أَقَرَّتْ هِيَ كَذَلِكَ بِالزِّنَا مَعَ فُلَانٍ وَقَالَ الرَّجُلُ بَلْ تَزَوَّجْتُهَا لَمْ يُحَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فِي الصُّورَتَيْنِ لِأَنَّ دَعْوَى النِّكَاحِ تَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَبِتَقْدِيرِ صِدْقِ مُدَّعِي النِّكَاحِ مِنْهُمَا يَكُونُ النِّكَاحُ ثَابِتًا فَلَا حَدَّ، وَبِتَقْدِيرِ كَذِبِهِ لَا نِكَاحَ فَيَجِبُ الْحَدُّ فَلَا يُحَدُّ وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ فِي صُورَتَيْ دَعْوَاهُ النِّكَاحَ وَدَعْوَاهُ الزِّنَا، وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ فِي صُورَةِ دَعْوَاهُ النِّكَاحَ مُعْتَرِفَةً بِأَنْ لَا مَهْرَ لَهَا لِدَعْوَاهَا الزِّنَا لِأَنَّهُ لَمَّا حَكَمَ الشَّرْعُ بِسُقُوطِ الْحَدِّ عَنْهَا مَعَ ثُبُوتِ الْوَطْءِ بِاعْتِرَافِهِمَا بِهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي جِهَتِهِ كَانَتْ مُكَذَّبَةً شَرْعًا، وَالْوَطْءُ لَا يَخْلُو عَنْ عَقْدٍ أَوْ عُقْرٍ فَلَزِمَ لَهَا الْمَهْرُ، وَإِنْ رَدَّتْهُ إلَّا أَنْ تُبْرِئَهُ مِنْهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ وُجُوبَ الْمَهْرِ هُوَ فِيمَا إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى قَبْلَ أَنْ يُحَدَّ الْمُقِرُّ، فَإِنْ حُدَّ ثُمَّ ادَّعَى الْآخَرُ النِّكَاحَ لَا مَهْرَ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يُنْقَضُ بَعْدَ الْإِقَامَةِ.
ثَانِيهِمَا أَنْ يُقِرَّ أَرْبَعًا كَذَلِكَ أَنَّهُ زَنَى بِفُلَانَةَ وَقَالَتْ فُلَانَةُ: مَا زَنَى بِي وَلَا أَعْرِفُهُ، أَوْ أَقَرَّتْ هِيَ بِالزِّنَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ مَعَ فُلَانٍ وَقَالَ فُلَانٌ: مَا زَنَيْت بِهَا وَلَا أَعْرِفُهَا لَا يُحَدُّ الْمُقِرُّ بِالزِّنَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يُحَدُّ الْمُقِرُّ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ وَعَدَمُ ثُبُوتِ الزِّنَا فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُقِرِّ لَا يُورِثُ شُبْهَةَ الْعَدَمِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ كَمَا لَوْ كَانَتْ غَائِبَةً وَسَمَّاهَا.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحَدَّ انْتَفَى فِي حَقِّ الْمُنْكَرِ بِدَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلنَّفْيِ عَنْهُ فَأَوْرَثَ شُبْهَةَ الِانْتِفَاءِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ لِأَنَّ الزِّنَا فِعْلٌ وَاحِدٌ يَتِمُّ بِهِمَا، فَإِنْ تَمَكَّنَتْ فِيهِ شُبْهَةٌ تَعَدَّتْ إلَى طَرَفَيْهِ وَهَذَا لِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ بِالزِّنَا مُطْلَقًا إنَّمَا أَقَرَّ بِالزِّنَا بِفُلَانَةَ وَقَدْ دَرَأَ الشَّرْعُ عَنْ فُلَانَةَ وَهُوَ عَيْنُ مَا أَقَرَّ بِهِ فَيَنْدَرِئُ عَنْهُ ضَرُورَةً، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَطْلَقَ فَقَالَ: زَنَيْت فَإِنَّهُ، وَإِنْ احْتَمَلَ كَذِبَهُ لَكِنْ لَا مُوجِبٌ شَرْعِيٌّ يَدْفَعُهُ، وَبِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ غَائِبَةً لِأَنَّ الزِّنَا لَمْ يَنْتَفِ فِي حَقِّهَا بِدَلِيلٍ يُوجِبُ النَّفْيَ وَهُوَ الْإِنْكَارُ، حَتَّى لَوْ حَضَرَتْ وَأَقَرَّتْ أَرْبَعًا حُدَّتْ فَظَهَرَ أَنَّ الْغَيْبَةَ لَيْسَتْ مُعْتَبَرَةً، بَلْ الِاعْتِبَارُ لِلْإِنْكَارِ وَعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ، فَإِذَا أَنْكَرَتْ ثَبَتَتْ شُبْهَةٌ يُدْرَأُ بِهَا الْحَدُّ عَنْهُ، وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ إنْكَارَهَا فَلَا شُبْهَةَ فَيُحَدُّ.
فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ الْحَدُّ عَلَى الرَّجُلِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَهُمَا كَمَا فِي صُورَةِ دَعْوَى النِّكَاحِ لِأَنَّ الْحَدَّ لَمَّا سَقَطَ بِإِنْكَارِ وَصْفِ الْفِعْلِ وَهُوَ الزِّنَا كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ بِدَعْوَى النِّكَاحِ فَإِنْكَارُ أَصْلِ الْفِعْلِ أَوْلَى.
قُلْنَا: خَصَّا تِلْكَ الْمَسْأَلَةَ بِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الرَّجُلِ لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، فَإِنَّهُ رَوَى «أَنَّ رَجُلًا أَقَرَّ بِالزِّنَا أَرْبَعًا بِامْرَأَةٍ فَأَنْكَرَتْ، فَحَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، وَلَوْ لَمْ تَدَّعِ الْمَرْأَةُ النِّكَاحَ وَأَنْكَرَتْ وَادَّعَتْ عَلَى الرَّجُلِ الْقَذْفَ يُحَدُّ حَدَّ الْقَذْفِ وَلَا يُحَدُّ حَدَّ الزِّنَا.

متن الهداية:
(وَمَنْ زَنَى بِجَارِيَةٍ فَقَتَلَهَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ وَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ) مَعْنَاهُ: قَتَلَهَا بِفِعْلِ الزِّنَا لِأَنَّهُ جَنَى جِنَايَتَيْنِ فَيُوَفِّرُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمَهُ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ لِأَنَّ تَقَرُّرَ ضَمَانِ الْقِيمَةِ سَبَبٌ لَمِلْكِ الْأَمَةِ فَصَارَ كَمَا إذَا اشْتَرَاهَا بَعْدَ مَا زَنَى بِهَا وَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ، وَاعْتِرَاضُ سَبَبِ الْمِلْكِ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ يُوجِبُ سُقُوطَهُ، كَمَا إذَا مَلَكَ الْمَسْرُوقَ قَبْلَ الْقَطْعِ.
وَلَهُمَا أَنَّهُ ضَمَانُ قَتْلٍ فَلَا يُوجِبُ الْمِلْكَ لِأَنَّهُ ضَمَانُ دَمٍ، وَلَوْ كَانَ يُوجِبُهُ فَإِنَّمَا يُوجِبُهُ فِي الْعَيْنِ كَمَا فِي هِبَةِ الْمَسْرُوقِ لَا فِي مَنَافِعِ الْبُضْعِ لِأَنَّهَا اُسْتُوْفِيَتْ وَالْمِلْكُ يَثْبُتُ مُسْتَنِدًا فَلَا يَظْهَرُ فِي الْمُسْتَوْفَى لِكَوْنِهَا مَعْدُومَةً، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا زَنَى بِهَا فَأَذْهَبَ عَيْنَهَا حَيْثُ تَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَيَسْقُطُ الْحَدُّ لِأَنَّ الْمِلْكَ هُنَالِكَ يَثْبُتُ فِي الْجُثَّةِ الْعَمْيَاءِ وَهِيَ عَيْنٌ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَمَنْ زَنَى بِجَارِيَةٍ فَقَتَلَهَا) أَيْ بِفِعْلِ الزِّنَا (فَإِنَّهُ يُحَدُّ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا)، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْجَارِيَةِ لِتَكُونَ صُورَةَ الْخِلَافِ، فَإِنَّهُ لَوْ زَنَى بِحُرَّةٍ فَقَتَلَهَا يُحَدُّ اتِّفَاقًا وَيَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ.
وَقولهُ (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ) ذَكَرَهُ بِلَفْظِ عَنْ لِيُفِيدَ أَنَّهُ لَيْسَ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ عَنْهُ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا خِلَافَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَعَادَتُهُ إذَا كَانَ خِلَافُهُ ثَابِتًا ذَكَرَهُ، وَكَذَا الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْكَافِي خِلَافًا، وَإِنَّمَا نَقَلَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ خِلَافَهُ فَقَالَ ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْأَمَالِي أَنَّ هَذَا قول أَبِي حَنِيفَةَ خَاصَّةً، وَفِي قول أَبِي يُوسُفَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَحَيْثُ نَقَلَ قولهُ خَاصَّةً ذَكَرَهُ فِي الْمَنْظُومَةِ فِي بَابِ قول أَبِي يُوسُفَ عَلَى خِلَافِ قول أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا قول لِمُحَمَّدٍ فِيهَا.
وَقِيلَ الْأَشْبَهُ كَوْنُ قول مُحَمَّدٍ مِثْلَ قول أَبِي حَنِيفَةَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَا قول لَهُ بِأَنْ تُوقَفَ لِذِكْرِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ هَذَا قول أَبِي حَنِيفَةَ خَاصَّةً لِأَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ فِي عِدَادِ تَلَامِذَتِهِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ مَا قَالَهُ قولا يَنْقُلُهُ هُوَ، وَعَلَى كَوْنِ الْخِلَافِ هَكَذَا مَشَى الْمُصَنِّفُ حَيْثُ قَالَ: وَلَهُمَا أَنَّهُ ضَمَانُ قَتْلٍ.
وَجْهُ قول أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ لِأَنَّ تَقَرُّرَ ضَمَانِ الْقِيمَةِ عَلَى الزَّانِي بِسَبَبِ أَنَّ قَتْلَهُ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْأَمَةِ، وَإِذَا مَلَكَهَا قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ سَقَطَ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ مَلَكَ السَّارِقُ الْمَسْرُوقَ قَبْلَ الْقَطْعِ حَيْثُ يَسْقُطُ، بِخِلَافِ الْحُرَّةِ لِأَنَّهَا لَا تُمْلَكُ بِالضَّمَانِ، وَعَلَى هَذَا قَالَ فِيمَا لَوْ زَنَى بِهَا ثُمَّ قَتَلَهَا أَوْ مَلَكَهَا بِالْفِدَاءِ بِأَنْ زَنَى بِجَارِيَةٍ جَنَتْ عَلَيْهِ فَدُفِعَتْ إلَيْهِ بِالْجِنَايَةِ أَوْ بِالشِّرَاءِ أَوْ النِّكَاحِ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُحَدُّ فِي الْكُلِّ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: بِالدَّفْعِ يَثْبُتُ الْمِلْكُ مُسْتَنِدًا، وَكَذَا إذَا مَلَكَهَا بِالشِّرَاءِ أَوْ النِّكَاحِ لِأَنَّ اعْتِرَاضَ سَبَبِ الْمِلْكِ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ يُسْقِطُ الْحَدَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ زَنَى وَجَنَى فَيُؤَاخَذُ بِمُوجِبِ كُلٍّ مِنْ الْفِعْلَيْنِ، وَلَا مُنَافَاةَ فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِّ وَالضَّمَانِ، وَكَوْنُ الضَّمَانِ يَمْنَعُ الْحَدَّ لِاسْتِلْزَامِهِ الْمِلْكَ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ هَذَا ضَمَانُ دَمٍ حَتَّى وَجَبَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَلَا تَجِبُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَهُوَ يُوجِبُ مِلْكًا لِأَنَّ مَحَلَّ الْمِلْكِ الْمَالُ، وَالدَّمُ لَيْسَ بِمَالٍ، ثُمَّ تَنْزِلُ فَقَالَ مَا حَاصِلُهُ: إنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّ الضَّمَانَ يُوجِبُ الْمِلْكَ لَكَانَ يُوجِبُهُ فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الِاسْتِنَادِ، وَالِاسْتِنَادُ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي الْقَائِمِ دُونَ الْفَائِتِ، وَمَنَافِعُ الْبُضْعِ الَّتِي اُسْتُوْفِيَتْ فَائِتَةٌ وَلَيْسَ مَحَلُّهَا وَهُوَ الْعَيْنُ قَائِمًا لِيُثْبِتَ شُبْهَةَ قِيَامِ الْمَنَافِعِ فَتَثْبُتُ شُبْهَةُ مِلْكِهَا فَلَمْ يَظْهَرْ الْمِلْكُ فِيهَا لَا شُبْهَتُهُ فَلَمْ يَكُنْ كَالْمَسْرُوقِ، وَلَمْ يُفِدْ الْمِلْكُ الْمُسَبَّبُ عَنْ الضَّمَانِ مِلْكَ تِلْكَ الْمَنَافِعِ لِيَسْقُطَ الْحَدُّ، بِخِلَافِ السَّرِقَةِ فَإِنَّ شَرْطَ إقَامَةِ حَدِّ السَّرِقَةِ الْخُصُومَةُ وَبِالْهِبَةِ انْقَطَعَتْ، بِخِلَافِ حَدِّ الزِّنَا فَبَطَلَ الْقِيَاسُ، وَمَآلُ هَذَا التَّقْرِيرِ إلَى أَنَّ الثَّابِتَ بِهَذَا الضَّمَانِ شُبْهَةُ شُبْهَةِ مِلْكِ تِلْكَ الْمَنَافِعِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ شُبْهَةُ مِلْكِ الْعَيْنِ لَا حَقِيقَتُهُ، وَبِحَقِيقَتِهِ تَثْبُتُ شُبْهَةُ مِلْكِ الْمَنَافِعِ، فَإِذَا كَانَ الثَّابِتُ شُبْهَةَ مِلْكِ الْعَيْنِ فَهُوَ شُبْهَةُ شُبْهَةِ مِلْكِ الْمَنَافِعِ وَشُبْهَةُ الشُّبْهَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ.
وَحَاصِلُ التَّقْرِيرِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ أَثْبَتَ شُبْهَةَ مِلْكِ الْمَنَافِعِ الْمُسْتَوْفَاةِ وَنَحْنُ نَفَيْنَاهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُثْبِتُ بِالضَّمَانِ حَقِيقَةَ مِلْكِ الْمَنَافِعِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ بِقَلِيلِ تَأَمُّلٍ يَظْهَرُ مَا فِي تَقْرِيرِ الْمُصَنِّفِ لِلتَّنَزُّلِ مِنْ التَّسَاهُلِ.
وَبِالْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ يَتَّضِحُ حُسْنُ اتِّصَالِ قولهِ (بِخِلَافِ مَا إذَا زَنَى بِهَا فَأَذْهَبَ عَيْنَهَا حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا وَيَسْقُطُ بِهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَمَّةَ يَثْبُتُ فِي الْجُثَّةِ الْعَمْيَاءِ وَهِيَ عَيْنٌ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً) أَيْ فِي مِلْكِ الْمَنَافِعِ تَبَعًا فَيَنْدَرِئُ عَنْهَا الْحَدُّ، أَمَّا هَاهُنَا فَالْعَيْنُ فَائِتَةٌ بِالْقَتْلِ فَلَا تُمْلَكُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا يُقَالُ: هَذَا التَّمْلِيكُ بِطَرِيقِ الِاسْتِنَادِ فَلَا يَضُرُّهُ انْتِفَاءُ الْمَمْلُوكِ.
لِأَنَّا نَقول: الْمُسْتَنَدُ يُثْبَتُ أَوَّلًا ثُمَّ يُسْتَنَدُ، فَاسْتَدْعَى ثُبُوتَ الْمَحَلِّ حَالَ الْأَوَّلِيَّةِ وَهُوَ مُنْتَفٍ.
وَثَمَرَتُهُ أَنَّ الثَّابِتَ فِي الْمَنَافِعِ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ الْحَدُّ وَلَوْ تَمَّ مِلْكُ الْمَقْتُولِ لِأَنَّ بَعْضَ الْقِيمَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَصِيرَ بِإِزَاءِ مَنَافِعِ الْبُضْعِ الَّتِي يَجِبُ الْحَدُّ لِأَجْلِهَا فَيَجِبُ أَنْ لَا يُحَدَّ، وَإِلَّا وَجَبَ ضَمَانَانِ بِإِزَاءِ مَضْمُونٍ وَاحِدٍ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُوضَعْ الْفِعْلُ لِلْقَتْلِ كَانَ أَوَّلُهُ كَجِرَاحَةٍ انْدَمَلَتْ ثُمَّ حَدَثَ الْقَتْلُ فَكَانَ الضَّمَانُ كُلُّهُ بِإِزَائِهِ.
وَفِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ: لَوْ غَصَبَهَا ثُمَّ زَنَى بِهَا ثُمَّ ضَمِنَ قِيمَتَهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
أَمَّا لَوْ زَنَى بِهَا ثُمَّ غَصَبَهَا وَضَمِنَ قِيمَتَهَا لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ.
وَفِي جَامِعِ قَاضِي خَانَ: لَوْ زَنَى بِحُرَّةٍ ثُمَّ نَكَحَهَا لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِالِاتِّفَاقِ.

متن الهداية:
قَالَ: (وَكُلُّ شَيْءٍ صَنَعَهُ الْإِمَامُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ إمَامٌ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ إلَّا الْقِصَاصُ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِهِ وَبِالْأَمْوَالِ) لِأَنَّ الْحُدُودَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَإِقَامَتُهَا إلَيْهِ لَا إلَى غَيْرِهِ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ، بِخِلَافِ حُقُوقِ الْعِبَادِ لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِيهِ وَلِيُّ الْحَقِّ إمَّا بِتَمْكِينِهِ أَوْ بِالِاسْتِعَانَةِ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْقِصَاصُ وَالْأَمْوَالُ مِنْهَا.
وَأَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ قَالُوا الْمُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّ الشَّرْعِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الْحُدُودِ الَّتِي هِيَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلَهُ الْإِمَامُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ إمَامٌ) مِمَّا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ كَالزِّنَا وَالشُّرْبِ وَالْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ (لَا يُؤَاخَذُ بِهِ إلَّا الْقِصَاصُ وَالْمَالُ) فَإِنَّهُ إذَا قَتَلَ إنْسَانًا أَوْ أَتْلَفَ مَالَ إنْسَانٍ يُؤَاخَذُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الْمُكَلَّفُ بِإِقَامَتِهِ وَتَعَذَّرَ إقَامَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّ إقَامَتَهُ بِطَرِيقِ الْخِزْيِ وَالنَّكَالِ، وَلَا يَفْعَلُ أَحَدٌ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَلَا وِلَايَةَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ لِيَسْتَوْفِيَهُ.
وَفَائِدَةُ الْإِيجَابِ الِاسْتِيفَاءُ.
فَإِذَا تَعَذَّرَ لَمْ يَجِبْ، بِخِلَافِ حُقُوقِ الْعِبَادِ كَالْقِصَاصِ وَضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ لِأَنَّ حَقَّ اسْتِيفَائِهَا لِمَنْ لَهُ الْحَقُّ فَيَكُونُ الْإِمَامُ فِيهِ كَغَيْرِهِ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى الْمَنَعَةِ فَالْمُسْلِمُونَ مَنَعَتُهُ فَيُقَدَّرُ بِهِمْ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ فَكَانَ الْوُجُوبُ مُفِيدًا، وَالْمُغَلَّبُ فِي حَدِّ الْقَذْفِ حَقُّ الشَّرْعِ فَكَانَ كَبَقِيَّةِ الْحُدُودِ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ بِدُونِ قَضَاءِ الْقَاضِي وَالْقَضَاءُ لِتَمْكِينِ الْوَلِيِّ مِنْ اسْتِيفَائِهِ لَا أَنَّهُ شَرْطٌ.
وَأُورِدَ عَلَيْهِ مَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُ الْحُكْمَ فِيهِ بِمَا يَثْبُتُ عِنْدَهُ كَمَا فِي الْأَمْوَالِ، غَيْرَ أَنَّهُ إذَا صَحَّتْ هَذِهِ الِاسْتِنَابَةُ فَوَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِلْعَبْدِ اسْتَوْفَاهُ الْعَبْدُ، أَوْ حَقٌّ لِلَّهِ اسْتَوْفَاهُ ذَلِكَ النَّائِبُ.
وَقِيلَ لَا مُخَلِّصَ إلَّا إنْ ادَّعَى أَنَّ قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا} يُفْهِمُ أَنَّ الْمُخَاطَبَ فِيهِ بِالْجَلْدِ الْإِمَامُ أَنْ يَجْلِدَ غَيْرَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ يُقَالُ أَيْنَ دَلِيلُ إيجَابِ الِاسْتِنَابَةِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.