فصل: الآيات (1ـ 3)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الدر المنثور في التفسير بالمأثور **


*2* -  سورة الاحزاب مدنية وآياتها ثلاث وسبعون

*3* -  مقدمة سورة الاحزاب

بسم الله الرحمن الرحيم

أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت سورة الاحزاب بالمدينة‏.‏

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير‏.‏ مثله‏.‏

وأخرج عبد الرزاق في المصنف والطيالسي وسعيد ابن منصور وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن منيع والنسائي وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف والدار قطني في الأفراد والحاكم وصححه وابن مردويه والضياء في المختارة عن زر قال‏:‏ قال لي أبي بن كعب‏:‏ كيف تقرأ سورة الاحزاب أو كم تعدها‏؟‏ قلت ثلاثا وسبعين آية فقال أبي‏:‏ قد رأيتها وانها لتعادل سورة البقرة، وأكثر من سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها ‏(‏الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم‏)‏ فرفع منها ما رفع‏.‏

وأخرج عبد الرزاق عن الثوري قال‏:‏ بلغنا ان ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقرأون القرآن أصيبوا يوم مسيلمة، فذهبت حروف من القرآن‏.‏

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن عباس قال‏:‏ أمر عمر بن الخطاب مناديا فنادى ان الصلاة جامعة، ثم صعد المنبر، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال‏:‏ يا ايها الناس لا تجزعن من آية الرجم فإنها آية نزلت في كتاب الله، وقرأناها ولكنها ذهبت في قرآن كثير ذهب مع محمد، وآية ذلك ان النبي صلى الله عليه وسلم قد رجم، وإن أبا بكر قد رجم، ورجمت بعدها، وابنه سيجيء قوم من هذه الامة يكذبون بالرجم‏.‏

وأخرج مالك والبخاري ومسلم وابن ضريس عن ابن عباس ان عمر قام، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال‏:‏ اما بعد أيها الناس ان الله بعث محمدا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها ‏(‏الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة‏)‏ ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده، فاخشى ان يطول بالناس زمان، فيقول قائل‏:‏ لا نجد آية الرجم في كتاب الله‏.‏‏!‏ فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله‏.‏

وأخرج أحمد والنسائي عن عبد الرحمن بن عوف ان عمر بن الخطاب خطب الناس فسمعته يقول‏:‏ إلا وإن ناس يقولون‏:‏ ما بال الرجم‏.‏‏.‏‏!‏ وفي كتاب الله الجلد، وقد رجم النبي صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده ولولا ان يقول قائلون، ويتكلم متكلمون‏:‏ ان عمر زاد في كتاب الله ما ليس منه لأثبتها كما نزلت‏.‏

وأخرج النسائي وابو يعلى عن كثير بن الصلت قال‏:‏ كنا عند مروان وفينا زيد بن ثابت فقال زيد‏:‏ ما تقرأ ‏(‏الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة‏)‏ قال مروان‏:‏ إلا كتبتها في المصحف‏؟‏ قال‏:‏ ذكرنا ذلك وفينا عمر بن الخطاب فقال‏:‏ اشفيكم من ذلك‏؟‏ قلنا‏:‏ فكيف‏؟‏ قال‏:‏ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله انبئني آية الرجم قال‏:‏ لا أستطيع الآن‏.‏

وأخرج ابن مردويه عن حذيفة قال‏:‏ قال لي عمر بن الخطاب‏:‏ كم تعدون سورة الاحزاب‏؟‏ قلت‏:‏ اثنتين أو ثلاثا وسبعين قال‏:‏ ان كانت لتقارب سورة البقرة، وإن كان فيها لآية الرجم‏.‏

وأخرج ابن الضريس عن عكرمة قال‏:‏ كانت سورة الاحزاب مثل سورة البقرة أو اطول، وكان فيها آية الرجم‏.‏

وأخرج ابن سعد عن سعيد بن المسيب ان عمر قال‏:‏ إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم، وأن يقول قائل‏:‏ لا نجد حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده فلولا ان يقول الناس‏:‏ أحدث عمر في كتاب الله لكتبتها في المصحف، لقد قرأناها ‏(‏الشيخ والشيخه إذا زنيا فارجموهما البته‏}‏ قال سعيد فما انسلخ ذو الحجة حتى طعن‏.‏

وأخرج ابن الضريس عن أبي امامة بن سهل بن حنيف ان خالته أخبرته قالت‏:‏ لقد أقرأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الرجم ‏(‏الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة‏)‏‏.‏

وأخرج ابن الضريس عن عمر قال ‏"‏قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت آية الرجم‏:‏ اكتمها يا رسول الله قال‏:‏ لا أستطيع ذلك‏"‏‏.‏

وأخرج ابن الضريس عن زيد بن أسلم ان عمر بن الخطاب خطب الناس، فقال‏:‏ لا تشكوا في الرجم، فإنه حق قد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجم أبو بكر، ورجمت، ولقد هممت ان أكتب في المصحف، فسأل أبي بن كعب عن آية الرجم، فقال أبي‏:‏ ألست أتيتني وانا أستقرئها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدفعت في صدري وقلت‏:‏ أتستقرئه آيه الرجم، وهم يتسافدون تسافد الحمر‏.‏

وأخرج البخاري في تاريخ عن حذيفة قال‏:‏ قرأت سورة الاحزاب على النبي صلى الله عليه وسلم فنسيت منها سبعين آية ما وجدتها‏.‏

وأخرج أبو عبيد في الفضائل وابن الأنباري وابن مردويه عن عائشة قالت‏:‏ كانت سورة الاحزاب تقرأ في زمان النبي صلى الله عليه وسلم مائتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلا على ما هو الآن‏.‏

*3* التفسير

-  يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما*واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا*وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا‏.‏

أخرج ابن جرير من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال‏:‏ ان أهل مكة منهم الوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة، دعوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يرجع عن قوله على أن يعطوه شطرا أموالهم، وخوفه المنافقون واليهود بالمدينة ان لم يرجع قتلوه، فأنزل الله ‏{‏يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين‏}‏‏.‏

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ‏{‏ولا تطع الكافرين‏}‏ أبي بن خلف ‏{‏والمنافقين‏}‏ أبو عامر الراهب، وعبد الله بن أبي بن سلول، والحد بن قيس‏.‏

-  قوله تعالى‏:‏ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم الائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل‏.‏

أخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال‏:‏ قام النبي صلى الله عليه وسلم يوما يصلي، فخطر خطرة فقال المنافقون الذين يصلون معه‏:‏ ألا ترى ان له قلبين‏؟‏ قلبا معكم‏.‏ وقلبا معهم‏.‏ فأنزل الله ‏{‏ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه‏}‏ ابن عباس

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق خصيف عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة قالوا‏:‏ كان رجل يدعى ذا القلبين، فأنزل الله ‏{‏ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه‏}‏‏.‏

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ كان رجل من قريش يسمى من دهائه ذا القلبين، فأنزل الله هذا في شأنه‏.‏

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال‏:‏ كان رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى ذا القلبين‏.‏ كان يقول‏:‏ لي نفس تأمرني، ونفس تنهاني، فأنزل الله فيه ما تسمعون‏.‏

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال‏:‏ ان رجلا من بني فهر قال‏:‏ ان في جوفي قلبين، اعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فنزلت‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي‏:‏ انها نزلت في رجل من قريش من بني جمح، يقال له‏:‏ جميل بن معمر‏.‏

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال ‏"‏صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة فسها فيها، فخطرت منه كلمة، فسمعها المنافقون، فأكثروا فقالوا‏:‏ ان له قلبين‏.‏ ألم تسمعوا إلى قوله وكلامه في الصلاة‏؟‏ ان له قلبا معكم، وقلبا مع أصحابه، فنزلت ‏{‏يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين‏}‏ إلى قوله ‏{‏ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه‏}‏ ‏"‏‏.‏

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الزهري في قوله ‏{‏ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه‏}‏ قال‏:‏ بلغنا ان ذلك كان في زيد بن حارثة، ضرب له مثلا يقول‏:‏ ليس ابن رجل آخر ابنك‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال‏:‏ كان الرجل يقول لامرأته‏:‏ أنت علي كظهر أمي‏.‏ فقال الله ‏{‏وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم‏}‏ وكان يقال‏:‏ زيد بن محمد‏.‏ فقال الله ‏{‏وما جعل أدعياءكم أبناءكم‏}‏‏.‏

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم‏}‏ أي ما جعلها أمك، واذا ظاهر الرجل من امرأته فإن الله لم يجعلها أمه، ولكن جعل فيها الكفارة ‏{‏وما جعل أدعياءكم أبناءكم‏}‏ يقول‏:‏ ما جعل دعيك إبنك‏.‏ يقول‏:‏ ان ادعى رجل رجلا فليس بابنه‏.‏ ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول‏"‏من ادعى إلى غير أبيه متعمدا حرم الله عليه الجنة‏"‏‏.‏

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبه وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏وما جعل أدعياءكم أبناءكم‏}‏ قال‏:‏ نزلت في زيد بن حارثة رضي الله عنه‏.‏

-  قوله تعالى‏:‏ ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكم ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما‏.‏

أخرج ابن أبي شيبه والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر‏:‏ أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد‏.‏ حتى نزل القرآن ‏{‏أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله‏}‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنت زيد بن حارثة بن شراحيل‏.‏

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عائشة ‏"‏أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عتبة بن عبد شمس، وكان ممن شهد بدرا تبنى سالما، وأنكحه بنت أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لا مرأة من الانصار، كما تبنى النبي صلى الله عليه وسلم زيدا، وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس اليه وورثه من ميراثه حتى أنزل الله في ذلك ‏{‏ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فاخوانكم في الدين ومواليكم‏}‏ فردوا إلى آبائهم، فمن لم يعلم له أب كان مولى وأخا في الدين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ ان سالما كان يدعى لأبي حذيفة رضي الله عنه، وإن الله قد أنزل في كتابه ‏{‏ادعوهم لآبائهم‏}‏ وكان يدخل علي، وأنا وحدي، ونحن في منزل ضيق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ارضعي سالما تحرمي عليه‏)‏‏.‏

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كان من أمر زيد بن حارثة رضي الله عنه أنه كان في أخواله بني معن من بني ثعل من طيء، فأصيب في غلمة من طيء، فقدم به سوق عكاظ، وانطلق حكيم بن حزام بن خويلد إلى عكاظ يتسوق بها، فأوصته عمته خديجة رضي الله عنها أي يبتاع لها غلاما ظريفا عربيا أن قدر عليه، فلما جاء وجد زيدا يباع فيها، فأعجبه ظرفه، فابتاعه فقدم به عليها وقال لها‏:‏ اني قد ابتعت لك غلاما ظريفا عربيا، فإن أعجبك فخذيه وإلا فدعيه، فإنه قد أعجبني، فلما رأته خديجة اعجبها، فأخذته فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عندها، فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم ظرفه، فاستوهبه منها فقالت‏:‏ هو لك فإن أردت عتقه فالولاء لي، فأبى عليها فوهبته له ان شاء أعتق وإن شاء أمسك قال‏:‏ فشب عند النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

ثم انه خرج في إبل طالب إلى الشام، فمر بأرض قومه‏.‏ فعرفه عمه، فقام إليه فقال‏:‏ من أنت يا غلام‏؟‏ قال‏:‏ غلام من أهل مكة‏.‏ قال‏:‏ من أنفسهم‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ فحر أنت أم مملوك‏؟‏ قال‏:‏ بل مملوك قال‏:‏ لمن‏؟‏ قال‏:‏ لمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب فقال له‏:‏ أعربي أنت أم عجمي‏؟‏ قال‏:‏ بل عربي قال‏:‏ ممن أهلك‏؟‏ قال‏:‏ من كلب قال‏:‏ من أي كلب‏؟‏ قال‏:‏ من بني عبدود قال‏:‏ ويحك‏.‏‏.‏‏!‏ ابن من أنت‏؟‏ قال‏:‏ ابن حارثة بن شراحيل قال‏:‏ وأين أصبت‏؟‏ قال‏:‏ في أخوالي قال‏:‏ ومن أخوالك‏؟‏ قال‏:‏ طي قال‏:‏ ما اسم أمك‏؟‏ قال‏:‏ سعدي‏.‏ فالتزمه وقال ابن حارثة‏:‏ ودعا أباه وقال‏:‏ يا حارثة هذا ابنك‏.‏ فأتاه حارثة، فلما نظر إليه عرفه قال‏:‏ كيف صنع مولاك إليك‏؟‏ قال‏:‏ يؤثرني على أهله وولده، ورزقت منه حبا، فلا أصنع إلا ما شئت‏.‏

فركب معه وأبوه وعمه وأخوه حتى قدموا مكة، فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له حارثة‏:‏ يا محمد أنتم أهل حرم الله وجيرانه، وعند بيته‏.‏ تفكون العاني، وتطعمون الاسير‏.‏ ابني عبدك، فامتن علينا، وأحسن إلينا في فدائه، فانك ابن سيد قومه فإنا سنرفع لك في الفداء ما أحببت‏.‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أعطيكم خيرا من ذلك قالوا‏:‏ وما هو‏؟‏ قال‏:‏ أخيره فإن اختاركم فخذوه بغير فداء، وإن اختارني فكفوا عنه قالوا‏:‏ جزاك الله خيرا فقد أحسنت، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا زيد اتعرف هؤلاء‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ هذا أبي وعمي وأخي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ فأنا من قد عرفته، فإن اخترتهم فأذهب معهم، وإن اخترتني فأنا من تعلم فقال زيد‏:‏ ما أنا بمختار عليك أحدا أبدا، أنت مني بمكان الوالد والعم قال له أبوه وعمه‏:‏ يا زيد تختار العبودية على الربوبية‏؟‏ قال‏:‏ ما أنا بمفارق هذا الرجل‏.‏

فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حرصه عليه قال‏:‏ أشهدوا أنه حر، وانه ابني يرثني وأرثه، فطلبت نفس أبيه وعمه، لما رأوا من كرامته عليه، فلم يزل في الجاهلية يدعى‏:‏ زيد بن محمد‏.‏ حتى نزل القرآن ‏{‏أدعوهم لآبائهم‏}‏ فدعي زيد بن حارثة‏.‏

وأخرج ابن عساكر من طريق زيد ابن شيبة عن الحسن بن عثمان رضي الله عنه قال‏:‏ حدثني عدة من الفقهاء وأهل العلم قالوا‏:‏ كان عامر بن ربيعة يقال له‏:‏ عامر بن الخطاب وإليه كان ينسب، فأنزل الله فيه، وفي زيد بن حارثة، وسالم مولى أبي حذيفة، والمقداد بن عمرو ‏{‏ادعوهم لآبائهم‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

وأخرج ابن جرير عن أبي بكرة رضي الله عنه أنه قال‏:‏ قال الله ‏{‏أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فاخوانكم في الدين ومواليكم‏}‏ فإنا ممن لا يعلم أبوه، وأنا من اخوانكم في الدين‏.‏

وأخرج ابن جرير عن قتادة ‏{‏أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله‏}‏ أعدل عند الله ‏{‏فإن لم تعلموا آباءهم فاخوانكم في الدين ومواليكم‏}‏ فإذا لم تعلم من أبوه فانما هو أخوك في الدين ومولاك‏.‏

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله ‏{‏فإن لم تعلموا آباءهم فاخوانكم في الدين ومواليكم‏}‏ قال‏:‏ ان لم تعرف أباه فأخوك في الدين ومولاك مولى فلان‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في الآية يقول‏:‏ ان لم تعلموا لهم آباء تدعوهم إليهم فانسبوهم اخوانكم في الدين إذ تقول‏:‏ عبد الله، وعبد الرحمن، وعبيد الله، وأشباههم من الاسماء، وأن يدعى إلى اسم مولاه‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏فإن لم تعلموا آباءهم فاخوانكم في الدين ومواليكم‏}‏ يقول‏:‏ أخوك في الدين ومولاك مولى بني فلان‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن سالم بن أبي الجعد قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏ادعوهم لآبائهم‏}‏ لم يعرفوا لسالم أبا ولكن مولى أبي حذيفة إنما كان حليفا لهم‏.‏

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏{‏وليس عليكم جناح فيما اخطأتم به‏}‏ قال‏:‏ هذا من قبل النهي في هذا وغيره ‏{‏ولكن ما تعمدت قلوبكم‏}‏ بعد ما أمرتم وبعد النهي‏.‏

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ قال‏:‏ لو دعوت رجلا لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه لم يكن عليك بأس، ولكن ما أردت به العمد‏.‏

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏والله ما أخشى عليك الخطأ، ولكن أخشى عليك العمد‏"‏‏.‏

وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏اني لست أخاف عليكم الخطأ، ولكن أخاف عليكم العمد‏"‏‏.‏

-  قوله تعالى‏:‏ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا‏.‏

أخرج البخاري وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرأوا ان شئتم ‏{‏النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم‏}‏ فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا فإن ترك دينا، أو ضياعا، فليأتني فأنا مولاه‏"‏‏.‏

وأخرج الطيالسي وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"‏كان المؤمن إذا توفي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم سأل هل عليه دين‏؟‏ فإن قالوا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ هل ترك وفاء لدينه‏؟‏ فإن قالوا‏:‏ نعم‏.‏ صلى عليه، وإن قالوا‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ صلوا على صاحبكم، فلما فتح الله علينا الفتوح قال‏:‏ أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن ترك دينا فإلي، ومن ترك مالا فللوارث‏"‏‏.‏

وأخرج أحمد وأبو داود وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يقول‏:‏ ‏"‏أنا أولى بكل مؤمن من نفسه‏.‏ فايما رجل مات وترك دينا فإلي، ومن ترك مالا فهو لورثته‏"‏‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبه وأحمد والنسائي عن بريدة رضي الله عنه قال‏:‏ غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت عليا، فتنقصته فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغير وقال‏:‏ ‏"‏يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم‏؟‏ قلت‏:‏ بلى يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ من كنت مولاه فعلي مولاه‏"‏‏.‏

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏وأزواجه أمهاتهم‏}‏ قال‏:‏ يعظم بذلك حقهن‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏وأزواجه أمهاتهم يقول‏:‏ أمهاتهم في الحرمة، لا يحل لمؤمن ان ينكح امرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ان طلق، ولا بعد موته‏.‏ هي حرام على كل مؤمن مثل حرمة أمه‏.‏

وأخرج ابن سعد وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عائشة ان امرأة قالت لها‏:‏ يا أمي فقالت‏:‏ أنا أم رجالكم ولست أم نسائكم‏.‏

وأخرج ابن سعد عن أم سلمة قالت‏:‏ أنا أم الرجال منكم والنساء‏.‏

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور واسحق بن راهويه وابن المنذر والبيهقي عن بجالة قال‏:‏ مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بغلام وهو يقرأ في المصحف ‏(‏النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم‏)‏ فقال‏:‏ يا غلام حكها فقال‏:‏ هذا مصحف أبي فذهب اليه فسأله فقال‏:‏ انه كان يلهيني القرآن، ويلهيك الصفق بالأسواق‏.‏

وأخرج الفريابي وابن مردويه والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما انه كان يقرأ هذه الآية ‏(‏النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم‏)‏‏.‏

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه انه قرأ ‏(‏النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم‏)‏‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال‏:‏ كان في الحرف الأول ‏(‏النبي أولى بالمؤمنين من أنفسه وهو أب لهم‏)‏‏.‏

وأخرج ابن جرير عن الحسن قال‏:‏ في القراءة ‏(‏النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم‏)‏‏.‏

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏وأولوا الأرحام بعضهم ألوى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين‏}‏ قال‏:‏ لبث المسلمون زمانا يتوارثون بالهجرة، الاعرابي المسلم لا يرث من المهاجر شيئا‏.‏ فأنزل الله هذه الآية، فخلط المؤمنين بعضهم ببعض، فصارت المواريث بالملل‏.‏

وأخرج الفريابي ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏إلا ان تفعلوا إلى أوليائكم معروفا‏}‏ قال‏:‏ توصون لحلفائكم الذين والى بينهم النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار‏.‏

وأخرج ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن علي بن الحنفية رضي الله عنه في قوله ‏{‏إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا‏}‏ قال‏:‏ نزلت هذه الآية في جواز وصية المسلم لليهودي والنصراني‏.‏

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم‏}‏ قال‏:‏ القرابه من أهل الشرك ‏{‏معروفا‏}‏ قال‏:‏ وصية ولا ميراث لهم ‏{‏كان ذلك في الكتاب مسطورا‏}‏ قال‏:‏ وفي بعض القراءات ‏(‏كان ذلك عند الله مكتوبا‏)‏ أن لا يرث المشرك المؤمن‏.‏

وأخرج عبد الرزاق عن قتادة والحسن رضي الله عنه في قوله ‏{‏إلا ان تفعلوا إلى أوليائكم معروفا‏}‏ قالا‏:‏ إلا أن يكون لك ذو قرابة على دينك فتوصي له بالشيء، وهو وليك في النسب، وليس وليك في الدين‏.‏

-  قوله تعالى‏:‏ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا*ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما‏.‏

أخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏واذ أخذنا من النبيين ميثاقهم‏}‏ قال‏:‏ في ظهر آدم ‏{‏وأخذنا منهم ميثاقا غليظا‏}‏ قال‏:‏ أغلظ مما أخذه من الناس ‏{‏ليسأل الصادقين عن صدقهم‏}‏ قال‏:‏ المبلغين من الرسل المؤدين‏.‏

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏واذ أخذنا من النبيين ميثاقهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ أخذ الله على النبيين خصوصا ان يصدق بعضهم بعضا، وأن يتبع بعضهم بعضا‏.‏

وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن أبي مريم الغساني رضي الله عنه‏:‏ ان إعرابيا قال‏:‏ يا رسول الله ما أول نبوتك‏؟‏ قال‏:‏ أخذ الله مني الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم، ثم تلا ‏{‏واذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا عليظا‏}‏ ودعوة أبي إبراهيم قال ‏{‏وابعث فيهم رسولا منهم‏}‏ ‏(‏البقرة، الآية 129‏)‏ وبشارة المسيح بن مريم، ورأت أم رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامها‏:‏ أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام‏.‏

وأخرج الطيالسي والطبراني وابن مردويه عن أبي العالية رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏خلق الله الخلق، وقضى القضية، وأخذ ميثاق النبيين، وعرشه على الماء، فأخذ أهل اليمين بيمينه، وأخذ أهل الشمال بيده الأخرى، وكلتا يدي الرحمن يمين، فأما أصحاب اليمين فاستجابوا اليه فقالوا‏:‏ لبيك ربنا وسعديك قال ‏{‏ألست بربكم‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى‏}‏ ‏(‏الأعراف، الآية 172‏)‏ فخلط بعضهم ببعض فقال قائل منهم‏:‏ يا رب لم خلطت بيننا فإن ‏{‏لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون‏}‏‏؟‏‏؟‏ قال‏:‏ ان يقولوا يوم القيامة ‏{‏انا كنا عن هذا غافلين‏}‏‏؟‏‏؟‏ ثم ردهم في صلب آدم عليه السلام فأهل الجنة أهلها، وأهل النار أهلها، فقال قائل‏:‏ فما العمل إذا‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يعمل كل قوم لمنزلتهم، فقال‏:‏ ابن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ اذن نجتهد يا رسول الله‏"‏‏.‏

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قيل يا رسول الله متى أخذ ميثاقك‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏وآدم بين الروح والجسد‏"‏‏.‏

وأخرج ابن سعد رضي الله عنه قال‏:‏ قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ متى استنبئت‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏وآدم بين الروح والجسد حين أخذ مني الميثاق‏"‏‏.‏

وأخرج البزار والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ ‏"‏قيل يا رسول الله متى كنت نبيا‏؟‏ قال‏:‏ وآدم بين الروح والجسد‏"‏‏.‏

وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه والطبراني والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي معا في الدلائل عن ميسرة الفخر رضي الله عنه قال‏:‏ قلت يا رسول الله متى كنت نبيا‏؟‏ قال‏:‏ وآدم بين الروح والجسد‏"‏‏.‏

وأخرج الحاكم وأبو نعيم والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"‏قيل للنبي صلى الله عليه وسلم متى وجبت لك النبوة‏؟‏ قال‏:‏ بين خلق آدم ونفخ الروح فيه‏"‏‏.‏

وأخرج أبو نعيم والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"‏قيل للنبي صلى الله عليه وسلم متى وجبت لك النبوة‏؟‏ قال‏:‏ بين خلق آدم ونفخ الروح فيه‏"‏‏.‏

وأخرج أبو نعيم عن الصنابحي قال‏:‏ قال عمر رضي الله عنه‏:‏ متى جعلت نبيا‏؟‏ قال ‏"‏وآدم منجدل في الطين‏"‏‏.‏

وأخرج ابن سعد عن ابن أبي الجدعاء رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"‏قلت يا رسول الله متى جعلت نبيا‏؟‏ قال‏:‏ وآدم بين الروح والجسد‏"‏‏.‏

وأخرج ابن سعد عن مطرف بن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه‏"‏ان رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم متى كنت نبيا‏؟‏ قال‏:‏ وآدم بين الروح والطين‏"‏‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبه عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ‏{‏واذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح‏}‏ قال‏:‏ ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول‏"‏كنت أول الأنبياء في الخلق، وآخرهم في البعث‏"‏‏.‏

وأخرج ابن أبي عاصم والضياء في المختارة عن أبي بن كعب ‏{‏واذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح‏}‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏اولهم نوح، ثم الأول فالاول‏"‏‏.‏

وأخرج الحسن بن سفيان وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والديلمي وابن عساكر من طريق قتادة عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله الله ‏{‏واذ أخذنا من النبيين ميثاقهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ قال ‏"‏كنت أول النبيين في الخلق، وآخرهم في البعث، فبدئ به قبلهم‏"‏‏.‏

وأخرج البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ خيار ولد آدم خمسة‏.‏ نوح‏.‏ وإبراهيم‏.‏ وموسى‏.‏ وعيسى‏.‏ ومحمد، وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏ميثاقهم‏}‏ عهدهم‏.‏

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس ‏{‏واذ أخذنا من النبيين ميثاقهم‏}‏ قال‏:‏ إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم‏.‏

وأخرج أبو نعيم والديلمي عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏ليس من عالم إلا وقد أخذ الله ميثاقه يوم أخذ ميثاق النبيين، يدفع عنه مساوئ عمله لمحاسن عمله، إلا انه لا يوحي اليه‏"‏‏.‏

-  قوله تعالى‏:‏ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا*إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا*هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا*وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا‏.‏

أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وابن عساكر وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل من طرق عن حذيفة قال ‏"‏ لقد رأيتنا ليلة الاحزاب، ونحن صافون قعود، وأبو سفيان ومن معه من الاحزاب فوقنا، وقريظة اليهود أسفل نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة، ولا أشد ريحا منها، أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحد منا اصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون ‏{‏ان بيوتنا عورة وما هي بعورة‏}‏ فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، يتسللون ونحن ثلثمائة أو نحو ذلك، إذ استقبلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا رجلا حتى مر علي، وما علي جنة من العدو، ولا من البرد إلا مرط لامرأتي، ما يجاوز ركبتي، فأتاني وأنا جاث على ركبتي فقال‏:‏ من هذا‏؟‏ قلت‏:‏ حذيفة فتقاصرت إلى الأرض فقلت‏:‏ بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم فقال‏:‏ قم‏.‏ فقمت فقال‏:‏ انه كان في القوم خبر، فاتني بخبر القوم قال‏:‏ وأنا من أشد الناس فزعا، وأشدهم قرا، فخرجت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اللهم احفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته، قال‏:‏ فو الله ما خلق الله فزعا ولا قرا في جوف إلا خرج من جوفي، فما أجد منه شيئا، فلما وليت قال‏:‏ يا حذيفة لا تحدث في القوم شيئا حتى تأتيني، فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم، نظرت في ضوء نار لهم توقد، واذا برجل أدهم ضخم يقول بيده على النار، ويمسح خاصرته ويقول‏:‏ الرحيل‏.‏‏.‏‏.‏ الرحيل‏.‏‏.‏‏.‏ ثم دخل العسكر فإذا في الناس رجال من بني عامر يقولون‏:‏ الرحيل‏.‏‏.‏‏.‏ الرحيل يا آل عامر لا مقام لكم، واذا الرحيل في عسكرهم ما يجاوز عسكرهم شبرا فوالله أني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم، ومن بينهم الريح يضربهم بها، ثم خرجت نحو النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انتصفت في الطريق أو نحو ذلك، إذا أنا بنحو من عشرين فارسا متعممين، فقالوا‏:‏ اخبر صاحبك ان الله كفاه القوم، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يشتمل في شملة يصلي، وكان إذا حز به أمر صلى، فأخبرته خبر القوم أني تركتهم يرتحلون‏.‏ فأنزل الله ‏{‏يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذا جاءتكم جنود‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

وأخرج الفريابي وابن عساكر عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال‏:‏ قال رجل‏:‏ لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحملته ولفعلت‏.‏ فقال حذيفة‏:‏ لقد رأيتني ليلة الاحزاب ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل في ليلة باردة ما قبله ولا بعده برد كان أشد منه، فحانت مني التفاتة، فقال ‏"‏ألا رجل يذهب إلى هؤلاء فيأتينا بخبرهم - جعله الله معي يوم القيامة - قال‏:‏ فما قام منه انسان قال‏:‏ فسكتوا، ثم عاد‏.‏‏.‏‏.‏ فسكتوا، ثم قال‏:‏ يا أبا بكر، ثم قال‏:‏ استغفر الله رسوله، ثم قال‏:‏ إن شئت ذهبت فقال‏:‏ يا عمر فقال‏:‏ استغفر الله رسوله، ثم قال‏:‏ يا حذيفة فقلت‏:‏ لبيك‏.‏ فقمت حتى أتيت، وإن جنبي ليضربان من البرد، فمسح رأسي ووجهي، ثم قال‏:‏ أئت هؤلاء القوم حتى تأتينا بخبرهم، ولا تحدث حدثا حتى ترجع، ثم قال‏:‏ اللهم احفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته، حتى يرجع‏.‏ قال فلان‏:‏ يكون أرسلها كان أحب الي من الدنيا وما فيها‏.‏ قال‏:‏ فانطلقت، فأخذت أمشي نحوهم كأني أمشي في حمام قال‏:‏ فوجدتهم قد أرسل الله عليهم ريحا، فقطعت أطنابهم، وذهبت بخيولهم، ولم تدع شيئا إلا أهلكته، قال‏:‏ وأبو سفيان قاعد يصطلي عند نار له، قال فنظرت اليه، فأخذت سهما، فوضعته في كبد قوسي قال‏:‏ - وكان حذيفة راميا - فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏لا تحدثن حدثا حتى ترجع‏"‏ قال‏:‏ فرددت سهمي في كنانتي قال‏:‏ فقال رجل من القو‏:‏ إلا فيكم عين للقوم‏؟‏ فأخذ كل بيد جليسه، فأخذت بيده جليسي فقلت‏:‏ من أنت‏؟‏ قال‏:‏ سبحان الله‏!‏ أما تعرفني‏؟‏ أنا فلان بن فلان فإذا رجل من هوازن، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر، فلما أخبرته فضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل، وذهب عني الدفء، فأدناني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنامني عند رجليه، وألقى علي طرف ثوبه، فإن كنت لألزق بطني وصدري ببطن قدميه، فلما أصبحوا هزم الله الأحزاب، وهو قول ‏{‏فارسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها‏}‏‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود‏}‏ قال‏:‏ كان يوم أبي سفيان يوم الاحزاب‏.‏

وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال‏:‏ قلنا يوم الخندق‏:‏ يا رسول الله هل من شيء نقول‏:‏ فقد بلغت القلوب الحناجر‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏نعم‏.‏ قولوا‏:‏ اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، قال‏:‏ فضرب الله وجوه أعدائه بالريح فهزمهم الله بالريح‏"‏‏.‏

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي عن مجاهد ‏{‏إذ جاءتكم جنود‏}‏ قال‏:‏ الاحزاب‏.‏ عيينة بن بدر، وأبو سفيان، وقريظة ‏{‏فأرسلنا عليهم ريحا‏}‏ قال‏:‏ يعني ريح الصبا أرسلت على الاحزاب يوم الخندق حتى كفأت قدورهم على أفواهها، ونزعت فساطيطهم حتى اظعنتهم ‏{‏وجنودا لم تروها‏}‏ يعني الملائكة قال‏:‏ ولم تقاتل الملائكة يومئذ‏.‏

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في الكني وابن مردويه وأبو الشيخ في العظمة وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ لما كانت ليلة الأحزاب جاءت الشمال إلى الجنوب قالت‏:‏ انطلقي فانصري الله ورسوله، فقالت الجنوب‏:‏ ان الحرة لا تسري بالليل، فغضب الله عليها وجعلها عقيما، فأرسل الله عليهم الصبا، فأطفأت نيرانهم، وقطعت أطنابهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور، فذلك قوله ‏{‏فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها‏}‏ ‏"‏‏.‏

وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يقاتل من أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس، وتهب الرياح‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبه والبخاري والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة في قوله ‏{‏إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم‏}‏ قالت‏:‏ كان ذلك يوم الخندق‏.‏

وأخرج ابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل منطريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال‏:‏ ‏"‏خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق عام الأحزاب، فخرجت لنا من الخندق صخرة بيضاء مدورة، فكسرت حديدنا وشقت علينا، فشكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ المعول من سلمان، فضرب الصخر ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لا بتي المدينه حتى لكأن مصباحا في جوف ليل مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكبر المسلمون، ثم ضربها الثانية، فصدعها وبرق منها برقة أضاء ما بين لا بتيها، فكبر وكبر المسلمون، ثم ضربها الثالثة، فصدعها وبرق منها برقة أضاء ما بين لا بتيها، وكبر وكبر المسلمون، فسألناه فقال‏:‏ أضاء لي في الاولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، وأضاء لي في الثانية قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، وأضاء لي في الثالثة قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل ان أمتي ظاهرة عليها، فابشروا بالنصر‏.‏ فاستبشر المسلمون وقالوا‏:‏ الحمد لله موعد صادق بأن وعدنا النصر بعد الحصر، فطلعت الأحزاب فقال المسلمون ‏{‏هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا ايمانا وتسليما‏}‏ وقال المنافقون‏:‏ إلا تعجبون‏!‏ يحدثكم ويعدكم ويمنيكم الباطل، يخبر أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة، ومدائن كسرى، وانها تفتح لكم، وانكم تحفرون الخندق ولا تستطيعون ان تبرزوا، وأنزل القران مردويهن ‏{‏واذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا‏}‏ ‏"‏‏.‏

وأخرج ابن اسحق وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ أنزل الله في شأن الخندق، وذكر نعمه عليهم، وكفايته إياهم عدوهم بعد سوء الظن، ومقالة من تكلم من أهل النفاق ‏{‏يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فارسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها‏}‏ وكانت الجنود التي أتت المسلمين‏.‏ أسد‏.‏ وغطفان‏.‏ وسليما‏.‏ وكانت الجنود التي بعث الله عليهم من الريح الملائكة فقال ‏{‏إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم‏}‏ فكان الذين جاؤهم من فوقهم بني قريظة، والذين جاؤهم من أسفل منهم قريشا، وأسدا، وغطفان فقال‏:‏ ‏{‏هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا، واذ يقول المنافقون والذي في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا‏}‏ يقول‏:‏ معتب بن قشير ومن كان معه على رأيه ‏{‏واذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي‏}‏ يقول أوس بن قيظي ومن كان معه على مثل رأيه ‏{‏ولو دخلت عليهم من أقطارها‏}‏ إلى ‏{‏واذا لا تمتعون إلا قليلا‏}‏ ثم ذكر يقين أهل الإيمان حين أتاهم الاحزاب فحصروهم وظاهرهم بنو قريظة، فاشتد عليهم البلاء، فقال‏:‏ ‏{‏ولما رأى المؤمنون الأحزاب‏}‏ إلى ‏{‏إن الله كان غفورا رحيما‏}‏ قال‏:‏ وذكر الله هزيمة المشركين، وكفايته المؤمنين، فقال‏:‏ ‏{‏ورد الله الذين كفروا بغيظهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عروة بن الزبير ومحمد بن كعب القرظي قالا‏:‏ قال معتب بن قشير‏:‏ كان محمدا يرى أن يأكل من كنز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن ان يذهب إلى الغائطن وقال أوس بن قيظي في ملأ من قومه من بني حارثة ‏{‏ان بيوتنا عورة‏}‏ وهي خارجة من المدينة‏:‏ إئذن لنا فنرجع إلى نسائنا وأبنائنا وذرارينا، فأنزل الله على رسوله حين فرغ منهم ما كانوا فيه من البلاء يذكر نعمته عليهم، وكفايته اياهم بعد سوء الظن منهم، ومقالة من قال من أهل النفاق ‏{‏يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فارسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها‏}‏ فكانت الجنود، قريشا، وغطفان، وبني قريظة وكانت الجنود التي أرسل عليهم مع الريح الملائكة ‏{‏إذ جاؤكم من فوقكم‏}‏ بنو قريظة ‏{‏ومن أسفل منكم‏}‏ قريش‏.‏ وغطفان‏.‏ إلى قوله ‏{‏ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا‏}‏ يقول‏:‏ معتب بن قشير وأصحابه ‏{‏واذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب‏}‏ يقول‏:‏ أوس بن قيظي ومن كان معه على ذلك من قومه‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبه عن البراء بن عازب قال‏:‏ لما كان حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان نحفر الخندق، عرض لنا في بعض الجبل عظيمة شديدة لا تدخل فيها المعاول، فاشتكينا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآها أخذ المعول، وألقى ثوبه وقال‏:‏ ‏"‏بسم الله، ثم ضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال‏:‏ الله أكبر‏.‏ أعطيت مفاتيح الشام، والله اني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية، فقطع ثلثا آخر فقال‏:‏ الله أكبر‏.‏ أعطيت مفاتيح فارس، والله اني لأبصر قصور المدائن البيض، ثم ضرب الثالثة فقال‏:‏ بسم الله‏.‏ فقطع بقية الحجر وقال‏:‏ الله أكبر‏.‏ أعطيت مفاتيح اليمن، والله اني لأبصر أبواب صنعاء‏"‏‏.‏

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏{‏إذ جاؤكم من فوقكم‏}‏ قال عيينة بن حصن ‏{‏ومن أسفل منكم‏}‏ قال‏:‏ سفيان بن حرب‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبه عن عائشة في قوله ‏{‏إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم‏}‏ قال‏:‏ كان ذلك يوم الخندق‏.‏

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم‏}‏ قال‏:‏ نزلت هذه الآية يوم الاحزاب، وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا فخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل أبو سفيان بقريش ومن معه من الناس حتى نزلوا ‏[‏‏؟‏‏؟‏‏]‏ بعفوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عيينة بن حصن أخو بني بدر بغطفان ومن تبعه حتى نزلوا بعفوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكاتبت اليهود أبا سفيان فظاهروه، فبعث الله عليهم الرعب والريح‏.‏ فذكر أنهم كانوا كلما بنوا بناء قطع الله أطنابه، وكلما ربطوا دابة قطع الله رباطها، وكلما أوقدوا نارا أطفأها الله، حتى لقد ذكر لنا أن سيد كل حي يقول‏:‏ يا بني فلان هلم إلي‏.‏ حتى إذا اجتمعوا عنده قال‏:‏ النجاة‏.‏‏.‏‏.‏ النجاة‏.‏‏.‏‏.‏ أتيتم لما بعث الله عليهم الرعب‏.‏

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏{‏إذ جاؤكم من فوقكم‏}‏ قال‏:‏ عيينة بن حصن في أهل نجد ‏{‏ومن أسفل منكم‏}‏ قال‏:‏ أبو سفيان بن حرب في أهل تهامة، ومواجهتهم قريظة‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏واذ زاغت الأبصار‏}‏ قال‏:‏ شخصت الأبصار‏.‏

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏وبلغت القلوب الحناجر‏}‏ قال‏:‏ شخصت من مكانها فلولا انه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبه وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله ‏{‏وبلغت القلوب الحناجر‏}‏ قال‏:‏ فزعها ولفظ ابن أبي شيبه قال‏:‏ ان القلوب لو تحركت أو زالت خرجت نفسه، ولكن إنما هو الفزع‏.‏

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ‏{‏وتظنون بالله الظنونا‏}‏ قال‏:‏ ظنون مختلفة ظن المنافقون ان محمدا وأصحابه يستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعدهم الله ورسوله حق انه سيظهر على الدين كله‏.‏

‏(‏يتبع‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏

‏(‏تابع‏.‏‏.‏‏.‏ 1‏)‏‏:‏ - قوله تعالى‏:‏ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم‏.‏‏.‏‏.‏ ‏.‏‏.‏‏.‏

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏{‏وتظنون بالله الظنونا‏}‏ قال‏:‏ هم النافقون يظنون بالله ظنونا مختلفة‏.‏ وفي قوله ‏{‏هنالك ابتلي المؤمنون‏}‏ قال‏:‏ محصوا‏.‏ وفي قوله ‏{‏واذ يقول المنافقون‏}‏ تكلموا بما في أنفسهم من النفاق، وتكلم المؤمنون بالحق والإيمان ‏{‏قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله‏}‏‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبه والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ لما حفر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الخندق، وأصاب النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين جهد شديد، فمكثوا ثلاثا لا يجدون طعاما حتى ربط النبي صلى الله عليه وسلم على بطنه حجرا من الجوع‏.‏

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال‏:‏ قال المنافقون يوم الاحزاب حين رأوا الأحزاب قد اكتنفوهم من كل جانب، فكانوا في شك وريبة من أمر الله قالوا‏:‏ ان محمدا كان يعدنا فتح فارس والروم، وقد حصرنا ههنا حتى ما يستطيع يبرز أحدنا لحاجته‏.‏ فأنزل الله ‏{‏واذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا‏}‏‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال‏:‏ حفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق، واجتمعت قريش، وكنانه، وغطفان، فاستأجرهم أبو سفيان بلطيمة قريش، فاقبلوا حتى نزلوا بفنائه، فنزلت قريش أسفل الوادي، ونزلت غطفان عن يمين ذلك، وطليحة الأسدي في بني أسد يسار ذلك، وظاهرهم بنو قريظة من اليهود على قتال النبي صلى الله عليه وسلم، فلما نزلوا بالنبي صلى الله عليه وسلم تحصن بالمدينة، وحفر النبي صلى الله عليه وسلم الخندق، فبينما هو يضرب فيه بمعوله إذ وقع المعول في صفا، فطارت منه كهيئة الشهاب من النار في السماء، وضرب الثاني فخرج مثل ذلك، فرأى ذلك سلمان رضي الله عنه فقال‏:‏ يا رسول الله قد رأيت خرج من كل ضربة كهيئة الشهاب، فسطع إلى السماء ‏(‏ص 578‏؟‏ ‏؟‏ - ص 579‏؟‏ ‏؟‏‏)‏‏.‏

وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة ‏{‏ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها‏}‏ قال‏:‏ لأعطوها يعني إدخال بني حارثة أهل الشام على المدينة‏.‏

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏{‏ولو دخلت عليهم من أقطارها‏}‏ قال‏:‏ من نواحيها ‏{‏ثم سئلوا الفتنة لآتوها‏}‏ قال‏:‏ لو دعوا إلى الشرك لأجابوا‏.‏

وخ ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏ولو دخلت عليهم من أقطارها‏}‏ قال‏:‏ من أطرافها ‏{‏ثم سئلوا الفتنة‏}‏ يعني الشرك‏.‏

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏ولو دخلت عليهم من أقطارها‏}‏ أي لو دخل عليهم من نواحي المدينة ‏{‏ثم سئلوا الفتنة‏}‏ قال‏:‏ الشرك ‏{‏لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا‏}‏ يقول‏:‏ لأعطوه طيبة به أنفسهم ‏{‏وما تلبثوا بها إلا يسيرا‏}‏ ‏{‏ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل‏}‏ قال‏:‏ كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله سبحانه أهل بدر من الفضيلة والكرامة قالوا‏:‏ لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن، فساق الله اليهم ذلك حتى كان في ناحية المدينة، فصنعوا ما قص الله عليكم‏.‏ وفي قوله ‏{‏قل لن ينفعكم الفرار ان فررتم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ قال‏:‏ لن تزدادوا على آجالكم التي أجلكم الله، وذلك قليل وإنما الدنيا كلها قليل‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الربيع بن خثيم رضي الله عنه في قوله ‏{‏واذا لا تمتعون إلا قليلا‏}‏ قال‏:‏ ما بينهم وبين الأجل‏.‏

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ‏{‏قد يعلم الله المعوقين منكم‏}‏ قال‏:‏ المنافقين يعوقون الناس عن محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله ‏{‏قد يعلم الله المعوقين منكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ قال‏:‏ هذا يوم الاحزاب، انصرف رجل من عند النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد أخاه بين يديه شواء ورغيف فقال له‏:‏ أنت ههنا في الشواء والرغيف والنبيذ ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف‏.‏ قال‏:‏ هلم الي لقد بلغ بك وبصاحبك - والذي يحلف به - لا يستقي لها محمد أبدا قال‏:‏ كذبت - والذي يحلف به - وكان أخاه من أبيه وأمه، والله لأخبرن النبي صلى الله عليه وسلم بأمرك، وذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره، فوجده قد نزل جبريل عليه السلام بخبره، ‏{‏قد يعلم المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم الينا ولا يأتون البأس إلا قليلا‏}‏‏.‏

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏قد يعلم الله المعوقين منكم‏}‏ قال‏:‏ هؤلاء أناس من المنافقين كانوا يقولون‏:‏ لإخوانهم‏:‏ ما محمدا وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحما لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه، دعوا هذا الرجل فإنه هالك ‏{‏والقائلين لإخوانهم‏}‏ أي من المؤمنين ‏{‏هلم الينا‏}‏ أي دعوا محمدا وأصحابه فإنه هالك ومقتول ‏{‏ولا يأتون البأس إلا قليلا‏}‏ قال‏:‏ لا يحضرون القتال إلا كارهين‏.‏ وإن حضروه كانت أيديهم من المسلمين، وقلوبهم من المشركين‏.‏

-  قوله تعالى‏:‏ أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا‏.‏

أخرج الفريابي وابن أبي شيبه وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏أشحة عليكم‏}‏ بالخير المنافقون‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏{‏أشحة عليكم‏}‏ قال‏:‏ فيالغنائم، إذا أصابها المسملون شاحوهم عليها قالوا بالسنتهم‏:‏ لستم باحق بها منا قد شهدنا وقاتلنا‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون اليك‏}‏ قال‏:‏ إذا حضروا القتال والعدو ‏{‏رأيتهم ينظرون اليك‏}‏ أجبن قوم، وأخذله للحق ‏{‏تدور أعينهم‏}‏ قال‏:‏ من الخوف‏.‏

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ‏{‏تدور أعينهم‏}‏ قال‏:‏ فرقا من الموت‏.‏

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏سلقوكم‏}‏ قال‏:‏ استقبلوكم‏.‏

‏(‏ص 582‏؟‏ ‏؟‏ - ص 583‏؟‏ ‏؟‏‏)‏

ابن عمر رضي الله عنهما‏.‏ انه سئل عن رجل معتمر طاف بالبيت‏:‏ أيقع على امرأته قبل ان يطوف بالصفا والمروة‏؟‏ فقال‏:‏ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطاف بالبيت، وصلى خلف المقام ركعتين، وسعى بين الصفا والمروة، ثم قرأ ‏{‏لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة‏}‏‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه ان رجلا أتى ابن عباس رضي الله عنهما فقال‏:‏ إني نذرت أن أنحر نفسي‏.‏ فقال ابن عباس ‏{‏لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة‏}‏ ‏{‏وفديناه بذبح عظيم‏}‏ فأمره بكبش‏.‏

وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق والبخاري ومسلم وابن ماجه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ إذا حرم الرجل عليه امرأته فهو يمين يكفرها، وقال ‏{‏لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة‏}‏‏.‏

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أهل وقال‏:‏ ان حيل بيني وبينه فعلت كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معه، ثم تلا ‏{‏لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة‏}‏‏.‏

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ هم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ان ينهي عن الحبرة من صباغ البول، فقال له رجل‏:‏ أليس قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها‏؟‏ قال عمر رضي الله عنه‏:‏ بلى‏.‏ قال الرجل‏:‏ ألم يقل الله ‏{‏لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة‏}‏‏؟‏ فتركها عمر‏.‏

وأخرج أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما ان عمر رضي الله عنه أكب على الركن فقال‏:‏ أني لا علم انك حجر، ولو لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك، واستلمك، ما استلمتك‏.‏ ولا قبلتك ‏{‏لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة‏}‏‏.‏

وأخرج أحمد وأبو يعلى عن يعلى بن أمية رضي الله عنه قال‏:‏ طفت مع عمر رضي الله عنه، فلما كنت عند الركن الذي يلي الباب مما يلي الحجر، أخذت بيده ليستلم فقال‏:‏ ما طفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قلت‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ فهل رأيته يستلمه‏؟‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ ما بعد عنك فإن لك في رسول الله أسوة حسنة‏.‏

وأخرج عبد الرزاق عن عيسى بن عاصم عن أبيه قال‏:‏ صلى ابن عمر رضي الله عنهما صلاة من صلاة النهار في السفر، فرأى بعضهم يسبح، فقال ابن عمر رضي الله عنهما‏:‏ لو كنت مسبحا لأتممت الصلاة، حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان لا يسبح بالنهار، وحججت مع أبي بكر، فكان لا يسبح بالنهار، وحججت مع عمر، فكان لا يسبح بالنهار، وحججت مع عثمان رضي الله عنه، فكان لا يسبح بالنهار، ثم قال ابن عمر رضي الله عنه ‏{‏لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة‏}‏

-  قوله تعالى‏:‏ ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما‏.‏

أخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الطلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏ولما رأى المؤمنون الأحزاب‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلى آخر الآية قال ان الله تعالى قال لهم في سورة البقرة ‏{‏أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء‏}‏ ‏(‏البقرة، الآية 214‏)‏ فلما مسهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق ‏{‏قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله‏}‏ فتأول المؤمنون ذلك فلم يزدهم إلا ايمانا وتسليما‏.‏

وأخرج جويبر عن الضحاك رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ أنزلت هذه الآية قبل ‏[‏‏؟‏‏؟‏‏]‏ تحول ‏{‏أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏ وصدق الله ورصوله فيما أخبرا به من الوحي قبل أن يكون‏.‏

وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ أنزل الله في سورة البقرة ‏{‏أم حسبتم ان تدخلوا الجنة‏}‏‏.‏

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏{‏وما زادهم إلا ايمانا وتسليما‏}‏ قال‏:‏ ما زادهم البلاء إلا ايمانا بالرب، وتسليما للقضاء‏.‏

-  قوله تعالى‏:‏ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا*ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما‏.‏

- أخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري والترمذي ‏(‏ص 586‏؟‏ ‏؟‏ - ص 587‏؟‏ ‏؟‏‏)‏

النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏يا طلحة أنت ممن قضى نحبه‏"‏‏.‏

وأخرج سعيد بن منصور وأبو يعلى وابن المنذر وأبو نعيم وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة‏"‏‏.‏

وأخرج ابن مردويه من حديث جابر بن عبد الله عنه‏.‏ مثله‏.‏

وأخرج ابن منده وابن عساكر عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت‏"‏دخل طلحة بن عبيد الله على النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا طلحة‏.‏ أنت ممن قضى نحبه‏"‏‏.‏

وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه انهم قالوا‏:‏ حدثنا عن طلحة قال‏:‏ ذاك امروء نزل فيه آية من كتاب الله ‏{‏فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر‏}‏ طلحة ممن قضى نحبه لا حساب عليه فيما يستقبل‏.‏

وأخرج سعيد بن منصور وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس أنه كان يقرأ ‏{‏فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر‏}‏ وآخرون ‏{‏ما بدلوا تبديلا‏}‏‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏فمنهم من قضى نحبه‏}‏ قال‏:‏ الموت على ما عاهدوا الله عليه ‏{‏ومنهم من ينتظر‏}‏ على ذلك‏.‏

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنهما ان نافع بن الأزرق سأله عن قوله ‏{‏قضى نحبه‏}‏ قال‏:‏ أجله الذي قدر له‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت قول لبيد‏:‏

ألا تسألان المرء ماذا يحاول * أنحب فيقضى أم ضلال وباطل

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏فمنهم من قضى نحبه‏}‏ قال‏:‏ عهده ‏{‏ومنهم من ينتظر‏}‏ يوما فيه جهاد، فيقضى نحبه يعني عهده بقتال أو صدق في لقاء‏.‏

وأخرج أحمد والبخاري وابن مردويه عن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏يوم الأحزاب الآن نغزوهم ولا يغزونا‏"‏‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال ‏"‏حبسنا يوم الخندق عن الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، حتى كان بعد العشاء بهك‏؟‏‏؟‏ كفينا ذلك‏.‏ فأنزل الله ‏{‏وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا‏}‏ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأقام، ثم صلى الظهر كما كان يصليها قبل ذلك، ثم أقام فصلى العصر كما كان يصليها قبل ذلك، ثم أقام المغرب فصلاها كما كان يصليها قبل ذلك، ثم أقام العشاء فصلاها كما كان يصليها قبل ذلك‏.‏ وذلك قبل أن تنزل صلاة الخوف ‏{‏فإن خفتم فرجالا أو ركبانا‏}‏ ‏(‏البقرة، الآية 239‏)‏‏.‏

وأخرج الحاكم وصححه عن عيسى بن طلحة قال‏:‏ دخلت على أم المؤمنين وعائشة بنت طلحة وهي تقول لأمها أسماء‏:‏ أنا خير منك، وأبي خير من أبيك، فجعلت أسماء تشتمها وتقول‏:‏ أنت خير مني فقالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ ألا أقضين بينكما‏؟‏ قالت‏:‏ بلى‏.‏ قالت‏:‏ فإن أبا بكر رضي الله عنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له‏:‏ ‏"‏أنت عتيق من النار قالت‏:‏ فمن يومئذ سمى عتيقا، ثم دخل طلحة رضي الله عنه فقال‏:‏ أنت يا طلحة ممن قضى نحبه‏"‏‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن اللهف عن أبيه رضي الله عنه في قوله ‏{‏فمنهم من قضى نحبه‏}‏ قال‏:‏ نذره وقال الشاعر‏:‏

قضت من يثرب نحبها فاستمرت

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله ‏{‏فمنهم من قضى نحبه‏}‏ قال‏:‏ مات على ما هو عليه من التصديق والإيمان ‏{‏ومنهم من ينتظر‏}‏ ذلك ‏{‏وما بدلوا تبديلا‏}‏ ولم يغيروا كما غير المنافقون‏.‏

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه‏}‏ على الصدق والوفاء ‏{‏ومنهم من ينتظر‏}‏ من نفسه الصدق والوفاء ‏{‏وما بدلوا تبديلا‏}‏ يقول‏:‏ ما شكوا ولا ترددوا في دينهم، ولا استبدلوا به غيره ‏{‏ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم‏}‏ قال‏:‏ يميتهم على نفاقهم فيوجب لهم العذاب، أو يتوب عليهم قال‏:‏ يخرجهم من النفاق بالتوبة حتى يموتوا وهم تائبون من النفاق، فيغفر لهم‏.‏

‏(‏ص 590‏؟‏ ‏؟‏ - ص 591‏؟‏ ‏؟‏‏)‏

أعناقهم وكانوا أربعمائة مقاتل، فقتلوا حتى أتوا على آخرهم ‏{‏وتأسرون فريقا‏}‏ قال‏:‏ الذين سبوا وكانوا فيها سبعمائة سبي‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله ‏{‏وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم‏}‏ قال‏:‏ قريظة، والنضير أهل الكتاب ‏{‏وأرضا لم تطؤها‏}‏ قال‏:‏ خيبر‏.‏ فتحت بعد قريظة‏.‏

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏وأرضا لم تطؤها‏}‏ قال‏:‏ كنا نحدث أنها مكة، وقال الحسن رضي الله عنه‏:‏ هي أرض الروم وفارس، وما فتح عليهم‏.‏

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله ‏{‏وأرضا لم تطؤها‏}‏ قال‏:‏ يزعمون أنها خيبر، ولا أحسبها إلا كل أرض فتحها الله على المسلمين، أو هو فاتحها إلى يوم القيامة‏.‏

وأخرج ابن سعد عن سعيد بن جبير قال‏:‏ كان يوم الخندق بالمدينة فجاء أبو سفيان بن حرب ومن تبعه من قريش، ومن تبعه من كنانة، وعيينة بن حصن ومن تبعه من غطفان، وطليحة ومن تبعه من بني أسد، وأبو الأعور ومن تبعه من بني سليم وقريظة، كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فنقضوا ذلك، وظاهروا المشركين، فأنزل الله فيهم ‏{‏وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم‏}‏ فأتى جبريل عليه السلام ومعه الريح، فقال حين سرى جبريل عليه السلام‏:‏ ألا أبشروا ثلاثا‏.‏ فأرسل الله عليهم، فهتكت القباب، وكفأت القدور، ودفنت الرجال، وقطعت الاوتاد، فانطلقوا لا يلوي أحد على أحد، فأنزل الله ‏{‏إذ جاءتكم جنود فارسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها‏}‏‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبه وأحمد وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ ‏"‏خرجت يوم الخندق أقفو الناس فإذا أنا بسعد بن معاذ ورماه رجل من قريش يقال له ابن العرقة بسهم، فأصاب أكحله، فقطعه، فدعا الله سعد، فقال‏:‏ اللهم لا تمتني حتى تقرعيني من قريظة، وبعث الله الريح على المشركين ‏{‏وكفى الله المؤمنين القتال‏}‏ ولحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأمر بقبة من أدم، فضربت على سعد رضي الله عنه في المسجد قالت‏:‏ فجاء جبريل عليه السلام - وإن على ثناياه نقع الغبار - فقال‏:‏ أوقد وضعت السلاح‏؟‏ لا والله ما وضعت الملائكة السلاح بعد، أخرج إلى بني قريظة فقاتلهم‏.‏ فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لامته، وأذن في الناس بالرحيل‏:‏ أن يخرجوا، فأتاهم فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، فلما اشتد حصرهم، واشتد البلاء عليهم فقيل لهم‏:‏ أنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا‏:‏ ننزل على حكم سعد بن معاذ، فنزلوا وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ، فأتى به على حمار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ احكم فيهم فقال‏:‏ اني أحكم فيهم‏.‏ أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم، قال‏:‏ فلقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله‏"‏‏.‏

وأخرج البيهقي عن موسى بن عقبة رضي الله عنه قال‏:‏ أنزل الله في قصة الخندق، وبني قريظة تسعا وعشرين آية فاتختها ‏{‏يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود‏}‏ والله تعالى أعلم‏.‏