فصل: قول القائل‏:‏ التوحيد لا لسان له والألسنة كلها لسانه

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجموع فتاوى ابن تيمية **


 وأما قول القائل‏:‏ التوحيد لا لسان له والألسنة كلها لسانه، فهذا ـ أيضًا ـ من قول أهل الوحدة، وهو ـ مع كفره ـ قول متناقض؛ فإنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن لسان الشرك لا يكون له لسان التوحيد، وأن أقوال المشركين الذين قالوا‏:‏ ‏{‏لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏23‏]‏، والذين قالوا‏:‏ ‏{‏مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى‏}‏‏[‏الزمر‏:‏3‏]‏، والذين قالوا‏:‏ ‏{‏وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏53، 54‏]‏، والذين قالوا‏:‏ ‏{‏حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏68‏]‏، ونحو هؤلاء ليس هذا هو لسان التوحيد‏.‏

وأما تناقض هذا القول على أصلهم، فإن الوجود إن كان واحدًا كان إثبات التعدد تناقضا، فإذا قال القائل‏:‏ الوجود واحد، وقال الآخر‏:‏ ليس بواحد، بل متعدد، كان هذان القولان متناقضين، فيمتنع أن يكون أحدهما هو الآخر‏.‏

وإذا قال قائل‏:‏ الألسنة كلها لسانه، فقد صرح، بالتعدد، في قوله‏:‏ الألسنة كلها، وذلك يقتضي ألا يكون هذا اللسان هو هذا اللسان، فثبت التعدد وبطلت الوحدة‏.‏

/وكل كلام لهؤلاء ولغيرهم فإنه ينقض أصلهم، فإنهم مضطرون إلى إثبات التعدد‏.‏

فإن قالوا‏:‏ الوجود واحد، بمعنى أن الموجودات اشتركت في مسمى الوجود فهذا صحيح، لكن الموجودات المشتركات في مسمى الواحد لا يكون وجود هذا عين وجود هذا، بل هذا اشتراك في الاسم العام الكلي، كالاشتراك في الأسماء التي يسميها النحاة اسم الجنس، ويقسمها المنطقيون إلى جنس، ونوع، وفصل، وخاصة، وعرض عام‏.‏

فالاشتراك في هذه الأسماء هو مستلزم لتباين الأعيان، وكون أحد المشتركين ليس هو الآخر‏.‏ وهذا مما يعلم به أن وجود الحق مباين لوجود المخلوقات، فإنه أعظم من مباينة هذا الموجود لهذا الموجود، فإذا كان وجود الفلك مباينًا مخالفًا لوجود الذرة والبعوضة، فوجود الحق ـ تعالى ـ أعظم مباينة لوجود كل مخلوق من مباينة وجود ذلك المخلوق لوجود مخلوق آخر‏.‏

وهذا وغيره مما يبين بطلان قول ذلك الشيخ حيث قال‏:‏ لا يعرف التوحيد إلا الواحد، ولا تصح العبارة عن التوحيد، وذلك أنه لا يعبر عنه إلا بغير، ومن أثبت غيرًا فلا توحيد له‏.‏

فإن هذا الكلام ـ مع كفره ـ متناقض، فإن قوله‏:‏ لا يعرف التوحيد إلا واحد يقتضي أن هناك واحدًا يعرفه وأن غيره لا يعرفه، هذا تفريق بين من يعرفه ومن لا يعرفه، وإثبات اثنين أحدهما يعرفه والآخر لا يعرفه، / وإثبات للمغايرة بين من يعرفه ومن لا يعرفه، فقوله بعد هذا‏:‏ ومن أثبت غيرًا فلا توحيد له يناقض هذا‏.‏

وقوله ‏:‏إنه لا تصح العبارة عن التوحيد كفر بإجماع المسلمين، فإن الله قد عبر عن توحيده، ورسوله عبر عن توحيده، والقرآن مملوء من ذكر التوحيد، بل إنما أرسل الله الرسل وأنزل الكتب بالتوحيد

وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏45‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏25‏]‏، ولو لم يكن يصح عنه عبارة لما نطق به أحد‏.‏

وأفضل ما نطق به الناطقون هو التوحيد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏من كان آخر كلامه لا إله إلا اللّه دخل الجنة‏)‏

لكن التوحيد الذي يشير إليه هؤلاء الملاحدة ـ وهو وحدة الوجود ـ أمر ممتنع في نفسه، لا يتصور تحققه في الخارج، فإن الوحدة العينية الشخصية تمتنع في الشيئين المتعددين، ولكن الوجود واحد في نوع الوجود، بمعنى‏:‏أن اسم الموجود اسم عام يتناول كل أحد، كما أن اسم الجسم والإنسان ونحوهما يتناول كل جسم وكل إنسان، وهذا الجسم ليس هو ذاك، وهذا الإنسان ليس هو ذاك، وكذلك هذا الوجود ليس هو ذاك‏.‏

/وقوله‏:‏ لا يعبر عنه إلا بغير، يقال له‏:‏ أولا‏:‏ التعبير عن التوحيد يكون بالكلام، والله يعبر عن توحيده بكلامه، فكلام الله وعلمه وقدرته وغير ذلك من صفاته، لا يطلق عليه عند السلف والأئمة القول بأنه الله، ولا يطلق عليه بأنه غير الله؛ لأن لفظ الغير قد يراد به ما يباين غيره، وصفات الله لا تباينه، ويراد به ما لم يكن إياه، وصفة الله ليست إياه، ففي أحد الاصطلاحين يقال‏:‏ إنه غيره، وفي الاصطلاح الآخر لا يقال‏:‏ إنه غير‏.‏

فلهذا لا يطلق أحدهما إلا مقرونًا ببيان المراد؛ لئلا يقول المبتدع‏:‏ إذا كانت صفة الله غيره فكل ما كان غير الله فهو مخلوق، فيتوسل بذلك إلى أن يجعل علم الله وقدرته وكلامه ليس هو صفة قائمة به، بل مخلوقة في غيره، فإن هذا فيه من تعطيل صفات الخالق وجحد كماله ما هو من أعظم الإلحاد، وهو قول الجهمية الذين كفرهم السلف والأئمة تكفيرا مطلقًا، وإن كان الواحد المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة التي يكفر تاركها‏.‏

وأيضا، فيقال لهؤلاء الملاحدة‏:‏ إن لم يكن في الوجود غيره بوجه من الوجوه لزم أن يكون كلام الخلق، وأكلهم وشربهم، ونكاحهم وزناهم، وكفرهم وشركهم وكل ما يفعلونه من القبائح هو نفس وجود الله‏.‏

ومعلوم أن من جعل هذا صفة لله كان من أعظم الناس كفرًا وضلالا، فمن قال‏:‏ إنه عين وجود الله كان أكفر وأضل، فإن الصفات والأعراض لا تكون عين الموجود القائم بنفسه، وأئمة هؤلاء الملاحدة ـ كابن عربي ـ يقول‏:‏

/وكل كلام في الوجود كلامه ** سواء علىنا نثره ونظامه

فيجعلون كلام المخلوقين ـ من الكفر والكذب وغير ذلك ـ كلامًا لله، وأما هذا الملحد فزاد على هؤلاء، فجعل كلام الخلق وعبادتهم نفس وجوده، لم يجعل ذلك كلامًا له، بل نفى أن يكون هذا كلامًا له لئلا يثبت غيرًا له‏.‏

وقد علم بالكتاب والسنة والإجماع، وبالعلوم العقلية الضرورية إثبات غير الله تعالى، وأن كل ما سواه من المخلوقات فإنه غير الله تعالى، ليس هو الله ولا صفة من صفات الله‏.‏

ولهذا أنكر الله على من عبد غيره ـ ولو لم يكن هناك غير لما صح الإنكار ـ قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ‏}‏‏[‏الزمر‏:‏64‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ‏}‏‏[‏الأنعام‏:‏14‏]‏، وقال تعالى ‏:‏‏{‏هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏3‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏114‏]‏‏.‏

وكذلك قول القائل‏:‏ وجدت المحبة غير المقصود؛ لأنها لا تكون إلا من غير لغير، وغير ما ثم، ووجدت التوحيد غير المقصود؛ لأن التوحيد ما يكون إلا من عبد لرب، ولو أنصف الناس ما رأوا عبدا ولا معبودًا ـ هو كلام فيه من الكفر والإلحاد والتناقض ما لا يخفى‏.‏

/فإن الكتاب والسنة وإجماع المسلمين أثبتت محبة الله لعباده المؤمنين، ومحبتهم له، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏165‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 54‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏24‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 4‏]‏، ‏{‏يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏195‏]‏، ‏{‏يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 222‏]‏، ‏{‏يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏24‏]‏‏.‏

وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏ثلاث مَنْ كُنَّ فيه وجد بِهِنَّ حلاوة الإيمان‏:‏ من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار‏)‏‏.‏

وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين ومحبتهم له، وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء ـ عليه السلام‏.‏

وأول من أظهر ذلك في الإسلام الْجَعْد بن درْهم، فَضَحَّى به خالد بن عبد الله القَسْرِى يوم الأضحى بواسط، وقال‏:‏ أيها الناس، ضَحُّوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مُضَحّ بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا ‏!‏ ثم نزل فذبحه‏.‏

وقوله ‏:‏المحبة ما تكون إلا من غير لغير، وغير ما ثم كلام باطل من كل وجه، فإن قوله ‏:‏لا تكون إلا من غير، ليس بصحيح، فإن الإنسان يحب نفسه وليس غيرًا لنفسه، والله يحب نفسه، وقوله‏:‏ ما ثم غير، باطل؛ فإن المخلوق/ غير الخالق، والمؤمنون غير الله وهم يحبونه، فالدعوى باطلة، فكل واحدة من مقدمتي الحجة باطلة ـ قوله‏:‏ لا تكون إلا من غير لغير وقوله‏:‏ غير ما ثم ـ فإن الغير موجود، والمحبة تكون من المحب لنفسه ولهذا كثير من الاتحادية يناقضه في هذا القول ويقول كما قال ابن الفارض‏.‏

وكذلك قوله‏:‏ التوحيد لا يكون إلا من عبد لرب، ولو أنصف الناس ما رأوا عابدًا ولا معبودًا كلا المقدمتين باطل، فإن التوحيد يكون من الله لنفسه، فإنه يوحد نفسه بنفسه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏18‏]‏، والقرآن مملوء من توحيد الله لنفسه، فقد وحد نفسه بنفسه، كقوله‏:‏ ‏{‏وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ‏[‏البقرة‏:‏163‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ‏}‏ ‏[‏النحل ‏:‏51‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُِ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏19‏]‏ وأمثال ذلك‏.‏

وأما المقدمة الثانية‏:‏ فقوله‏:‏ إن الناس لو أنصفوا ما رأوا عابدًا ولا معبودًا ـ مع أنه غاية في الكفر والإلحاد ـ كلام متناقض، فإنه إذا لم يكن ثم عابد ولا معبود بل الكل واحد، فمن هم الذين لا ينصفون إن كانوا هم الله‏؟‏ فيكون الله هو الذي لا ينصف، وإن كانوا غير الله فقد ثبت الغير، ثم إذا فسروه على كفرهم وقالوا‏:‏ إن الله هو الذي لا ينصف، وهو الذي يأكل، ويشرب ويكفر، كما يقول ذلك كثير منهم، مثل ما قال بعضهم لشيخه‏:‏ الفقير إذا صح أكل بالله، فقال له الآخر‏:‏ الفقير إذا صح أكل الله‏.‏

وقد صرح ابن عربي وغيره من شيوخهم بأنه هو الذي يجوع ويعطش، / ويمرض ويبول، ويَنْكَح ويُنكِح، وأنه موصوف بكل نقص وعيب؛ لأن ذلك هو الكمال عندهم‏.‏

كما قال في الفصوص‏:‏ فالعلى بنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستقصى به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية، سواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعًا، أو مذمومة عرفًا وعقلا وشرعًا، وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة‏.‏ وقال‏:‏ ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات، وأخبر بذلك عن نفسه وبصفات النقص والذم‏؟‏ ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الخالق‏؟‏ فهي كلها من أولها إلى آخرها صفات للعبد، كما أن صفات العبد من أولها إلى آخرها صفات الله تعالى‏.‏

وهذا المتكلم بمثل هذا الكلام يتناقض فيه، فإنه يقال له‏:‏ فأنت الكامل في نفسك، الذي لا ترى عابدًا ولا معبودًا نعاملك بموجب مذهبك فتضرب وتوجع، وتهان وتُصْفَع، وإذا تَظَلَّم ممن فعل به ذلك واشتكى وصاح منه وبكى، قيل له‏:‏ ما ثم غير، ولا عابد ولا معبود، فلم يفعل بك هذا غيرك، بل الضارب هو المضروب والشاتم هو المشتوم، والعابد هو المعبود‏.‏ فإن قال‏:‏ تظلم من نفسه واشتكى من نفسه، قيل له أيضا‏:‏ فقل‏:‏ عبد نفسه، فإذا أثبت ظالما ومظلوما وهما واحد، قيل له‏:‏ فأثبت عابدًا ومعبودًا وهما واحد‏.‏

ثم يقال له‏:‏ هذا الذي يضحك ويضرب، هو نفس الذي يبكي ويصيح‏؟‏ وهذا الذي شبع وروى، هو نفس هذا الذي جاع وعطش‏؟‏ فإن اعترف بأنه/ غيره أثبت المغايرة، وإذا أثبت المغايرة بين هذا وهذا، فبين العابد والمعبود أولى وأحرى‏.‏

وإن قال‏:‏ بل هو هو، عومل معاملة السوفسطائية، فإن هذا القول من أقبح السفسطة‏.‏ فيقال‏:‏ فإذا كان هو هو، فنحن نضربك ونقتلك، والشيء قتل نفسه وأهلك نفسه‏.‏

والإنسان قد يظلم نفسه بالذنوب فيقول‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏23‏]‏ لكون نفسه أمرته بالسوء، والنفس أمارة بالسوء، لكن جهة أمرها ليست جهة فعلها، بل لابد من نوع تعدد، إما في الذات وإما في الصفات، وكل أحد يعلم بالحس والاضطرار أن هذا الرجل الذي ظلم ذاك ليس هو إياه، وليس هو بمنزلة الرجل الذي ظلم نفسه‏.‏ وإذا كان هذا في المخلوقين، فالخالق أعظم مباينة للمخلوقين من هذا لهذا، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا‏.‏

ولولا أن أصحاب هذا القول كثروا وظهروا وانتشروا، وهم عند كثير من الناس سادات الأنام، ومشايخ الإسلام، وأهل التوحيد والتحقيق، وأفضل أهل الطريق، حتى فضلوهم على الأنبياء والمرسلين، وأكابر مشايخ الدين ـ لم يكن بنا حاجة إلى بيان فساد هذه الأقوال، وإيضاح هذا الضلال‏.‏

ولكن يعلم أن الضلال لا حد له، وأن العقول إذا فسدت لم يبق لضلالها حد معقول، فسبحان من فرق بين نوع الإنسان، فجعل منه من هو أفضل العالمين، وجعل منه من هو شر من الشياطين، ولكن تشبيه هؤلاء بالأنبياء/ والأولياء، كتشبيه مسيلمة الكذاب بسيد أولى الألباب، هو الذي يوجب جهاد هؤلاء الملحدين، الذين يفسدون الدنيا والدين‏.‏

والمقصود هنا‏:‏ رد هذه الأقوال، وبيان الهدى من الضلال‏.‏

وأما توبة من قالها وموته على الإسلام، فهذا يرجع إلى الملك العلام، فإن الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، ومن الممكنات أنه قد تاب على أصحاب هذه المقالات، والله تعالى غافر الذنب قابل التوب شديد العقاب، والذنب وإن عظم، والكفر وإن غلظ وجسم، فإن التوبة تمحو ذلك كله، والله ـ سبحانه ـ لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب، بل يغفر الشرك وغيره للتائبين، كما قال تعالى‏:‏ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏53‏]‏، وهذه الآية عامة مطلقة؛ لأنها للتائبين‏.‏

وأما قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 48‏]‏ فإنها مقيدة خاصة، لأنها في حق غير التائبين، لا يغفر لهم الشرك، وما دون الشرك معلق بمشيئة الله تعالى

وأما الحكاية المذكورة عن الذي قال‏:‏ إنه التقم العالم كله، وأراد أن يقول‏:‏ أنا الحق وأختها التي قيل فيها‏:‏ إن الإلهية لا يدعيها إلا أجهل خلق الله أو أعرف خلق الله ـ هو من هذا الباب‏.‏

/والفقير الذي قال‏:‏ ما خلق الله أقل عقلا ممن ادعى أنه إله ـ مثل فرعون ونمروذ وأمثالهما ـ هو الذي أصاب ونطق بالصواب، وسدد في الخطاب‏.‏

ولكن هؤلاء الملاحدة يعظمون فرعون وأمثاله، ويدعون أنهم خير من موسى وأمثاله، حتى إنه حدثني بهاء الدين عبد السيد الذي كان قاضي اليهود وأسلم وحسن إسلامه ـ رحمه الله ـ وكان قد اجتمع بالشيرازي أحد شيوخ هؤلاء، ودعاه إلى هذا القول، وزينه له فحدثني بذلك، فبينت له ضلال هؤلاء وكفرهم، وأن قولهم من جنس قول فرعون، فقال لي‏:‏ إنه لما دعاه حسن الشيرازي إلى هذا القول قال له‏:‏ قولكم هذا يشبه قول فرعون، فقال‏:‏ نعم، ونحن على قول فرعون، وكان عبد السيد إذ ذاك لم يسلم بعد، فقال‏:‏ أنا لا أدع موسى وأذهب إلى فرعون، قال له‏:‏ ولم‏؟‏ قال‏:‏ لأن موسى أغرق فرعون‏.‏ فانقطع، فاحتج عليه بالنصر القدري الذي نصر الله به موسى لا بكونه كان رسولا صادقا‏.‏ قلت لعبد السيد‏:‏ وأقر لك أنه على قول فرعون‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قلت‏:‏ فمع إقرار الخصم لا يحتاج إلى بينة، أنا كنت أريد أن أبين لك أن قولهم هو قول فرعون، فإذا كان قد أقر بهذا فقد حصل المقصود‏.‏

فهذه المقالات وأمثالها من أعظم الباطل، وقد نبهنا على بعض ما به يعرف معناها وأنه باطل، والواجب إنكارها، فإن إنكار هذا المنكر الساري في كثير من المسلمين أولى من إنكار دين اليهود والنصارى، الذي لا يضل به المسلمون، لاسيما وأقوال هؤلاء شر من أقوال اليهود والنصارى وفرعون، ومن عرف / معناها واعتقدها كان من المنافقين، الذين أمر الله بجهادهم بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عليهمْ‏}‏ ‏[‏التوبة73‏]‏ والنفاق إذا عظم كان صاحبه شرًا من كفار أهل الكتاب، وكان في الدرك الأسفل من النار‏.‏

وليس لهذه المقالات وجه سائغ، ولو قدر أن بعضها يحتمل في اللغة معنى صحيحًا فإنما يحمل عليها إذا لم يعرف مقصود صاحبها، وهؤلاء قد عرف مقصودهم، كما عرف دين اليهود والنصارى والرافضة، ولهم في ذلك كتب مصنفة، وأشعار مؤلفة، وكلام يفسر بعضه بعضا‏.‏

وقد علم مقصودهم بالضرورة، فلا ينازع في ذلك إلا جاهل لا يلفت إليه، ويجب بيان معناها وكشف مغزاها لمن أحسن الظن بها، وخيف عليه أن يحسن الظن بها أو أن يضل، فإن ضررها على المسلمين أعظم من ضرر السموم التي يأكلونها ولا يعرفون أنها سموم، وأعظم من ضرر السُّرَّاق والخونة، الذين لا يعرفون أنهم سراق وخونة‏.‏

فإن هؤلاء غاية ضررهم موت الإنسان أو ذهاب ماله، وهذه مصيبة في دنياه قد تكون سببا لرحمته في الآخرة، وأما هؤلاء فيسقون الناس شراب الكفر والإلحاد في آنية أنبياء الله وأولىائه، ويلبسون ثياب المجاهدين في سبيل الله، وهم في الباطن من المحاربين لله ورسوله، ويظهرون كلام الكفار والمنافقين، في قوالب ألفاظ أولياء الله المحققين، فيدخل الرجل معهم على أن يصير مؤمنا وليا لله، فيصير منافقا عدوا لله‏.‏

/ولقد ضربت لهم مرة مثلا بقوم أخذوا طائفة من الحجاج ليحجوا بهم، فذهبوا بهم إلى قبرص لينصروهم، فقال لي بعض من كان قد انكشف له ضلالهم من أتباعهم‏:‏ لو كانوا يذهبون بنا إلى قبرص لكانوا يجعلوننا نصارى، وهؤلاء كانوا يجعلوننا شرًا من النصارى، والأمر كما قاله هذا القائل

وقد رأيت وسمعت عمن ظن هؤلاء من أولياء الله، وأن كلامهم كلام العارفين المحققين من هو من أهل الخير والدين ما لا أحصيهم، فمنهم من دخل في إلحادهم وفهمه وصار منهم، ومنهم من كان يؤمن بما لا يعلم، ويعظم ما لا يفهم، ويصدق بالمجهولات‏.‏

وهؤلاء هم أصلح الطوائف الضالين، وهم بمنزلة من يعظم أعداء الله ورسوله، ولا يعلم أنهم أعداء الله ورسوله، ويوالى المشركين وأهل الكتاب، ظانا أنهم من أهل الإيمان وأولى الألباب، وقد دخل بسبب هؤلاء الجهال المعظمين لهم من الشر على المسلمين، ما لا يحصيه إلا رب العالمين‏.‏

وهذا الجواب لم يتسع لأكثر من هذا الخطاب، والله أعلم بالصواب‏.‏

 وسئل ‏:‏

ما تقول السادة العلماء، أئمة الدين، و هداة المسلمين ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ في الكلام الذي تضمنه كتاب ‏[‏فصوص الحكم‏]‏ وما شاكله من الكلام الظاهر في اعتقاد قائله‏:‏ أن الرب والعبد شيء واحد، ليس بينهما فرق، وأن ما ثمَّ غير، كمن قال في شعره‏:‏

أنا وهو واحد ما معنا شـــيء **

ومثل ‏:‏

أنا من أهوى، ومن أهوى أنا **

ومثل ‏:‏

إذا كنـــت ليلى وليـــلى أنا **

وكقول من قال‏:‏

لو عرف الناس الحق مــــا ** رأوا عابدًا ولا معبـــــــودًا‏.‏

وحقيقة هذه الأقوال لم تكن في كتاب الله عز وجل، ولا في السنة، ولا في كلام الخلفاء الراشدين، والسلف الصالحين‏.‏

ويدعي القائل لذلك‏:‏ أنه يحب الله سبحانه وتعالى، والله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏31‏]‏، والله سبحانه وتعالى ذكر خير /خلقه بالعبودية في غير موضع، فقال تعالى عن خاتم رسله صلى الله عليه وسلم‏:‏‏{‏فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏10‏]‏، وكذلك قال في حق عيسى عليه السلام‏:‏ ‏{‏إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عليه‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏59‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ‏}‏ الآية ‏[‏النساء‏:‏172‏]‏‏.‏

فالنصارى كفار بقولهم مثل هذا القول في عيسى بمفرده، فكيف بمن يعتقد هذا الاعتقاد‏:‏ تارة في نفسه، وتارة في الصور الحسنة من النسوان والمردان‏؟‏‏!‏

ويقولون‏:‏ إن هذا الاعتقاد له سر خفي، وباطن حق، وإنه من الحقائق التي لا يطلع عليها إلا خواص خواص الخلق‏.‏

فهل في هذه الأقوال سر خفي يجب على من يؤمن بالله واليوم الآخر وكتبه ورسله أن يجتهد على التمسك بها والوصول إلى حقائقها ـ كما زعم هؤلاء ـ أم باطنها كظاهرها‏؟‏ وهذا الاعتقاد المذكور هو حقيقة الإيمان بالله ورسوله، وبما جاء به، أم هو الكفر بعينه‏؟‏

وهل يجب على المسلم أن يتبع في ذلك قول علماء المسلمين، ورثة الأنبياء والمرسلين، أم يقف مع قول هؤلاء الضالين المضلين‏؟‏ وإن ترك ما أجمع عليه أئمة المسلمين، ووافق هؤلاء المذكورين، فماذا يكون من أمر الله له يوم الدين‏؟‏

أفتونا مأجورين، أثابكم الله الكريم‏.‏

/فأجاب شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن عبد السلام بن تيمية ـ رحمه الله‏:‏

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، ما تضمنه كتاب فصوص الحكم وما شاكله من الكلام‏:‏ فإنه كفر باطنا وظاهرًا، وباطنه أقبح من ظاهره‏.‏ وهذا يسمى مذهب أهل الوحدة، وأهل الحلول، وأهل الاتحاد‏.‏ وهم يسمون أنفسهم المحققين‏.‏

وهؤلاء نوعان‏:‏ نوع يقول بذلك مطلقًا، كما هو مذهب صاحب الفصوص ابن عربي وأمثاله‏:‏ مثل ابن سبعين، وابن الفارض، والقونوي، والششتري، والتلمساني، وأمثالهم ممن يقول‏:‏ إن الوجود واحد، ويقولون‏:‏ إن وجود المخلوق هو وجود الخالق، لا يثبتون موجودين خلق أحدهما الآخر، بل يقولون‏:‏ الخالق هو المخلوق، والمخلوق هو الخالق‏.‏

/ويقولون‏:‏ إن وجود الأصنام هو وجود الله، وإن عبَّاد الأصنام ما عبدوا شيئا إلا الله‏.‏

ويقولون‏:‏ إن الحق يوصف بجميع ما يوصف به المخلوق من صفات النقص والذم‏.‏

ويقولون‏:‏ إن عبّاد العجل ما عبدوا إلا الله، وإن موسى أنكر على هارون لكون هارون أنكر عليهم عبادة العجل، وإن موسى كان ـ بزعمهم ـ من العارفين الذين يرون الحق في كل شيء، بل يرونه عين كل شيء، وأن فرعون كان صادقًا في قوله‏:‏ ‏{‏فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏24‏]‏، بل هو عين الحق، ونحو ذلك مما يقوله صاحب الفصوص‏.‏

ويقول أعظم محققيهم‏:‏ إن القرآن كله شرك؛ لأنه فرق بين الرب والعبد، وليس التوحيد إلا في كلامنا‏.‏

فقيل له‏:‏ فإذا كان الوجود واحدًا، فلم كانت الزوجة حلالا والأم حرامًا‏؟‏ فقال‏:‏ الكل عندنا واحد، ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا‏:‏ حرام‏.‏ فقلنا‏:‏ حرام عليكم‏.‏

وكذلك ما في شعر ابن الفارض في قصيدته التي سماها نظم السلوك كقوله ‏:‏

لها صلواتي بالمقـــام أقيمـــــــــها ** وأشهـــــد فيها أنها لي صلــت

كلانا مصــل واحــد ساجد إلــــى ** حقيقته بالجمع في كل سجـــدة

/وما كان لي صلى سواي، ولم تكن ** صلاتي لغيري في أدا كل سجدة

وقوله‏:‏

وما زلت إياها، وإياي لم تزل ** ولا فرق، بل ذاتي لذاتي أحبت

وقوله‏:‏

إلىَّ رسولا، كنت مني مرسلا ** وذاتي بآياتي علىّ استدلـــــــت

فأقوال هؤلاء ونحوها باطنها أعظم كفرًا وإلحادًا من ظاهرها، فإنه قد يظن أن ظاهرها من جنس كلام الشيوخ العارفين، أهل التحقيق والتوحيد، وأما باطنها فإنه أعظم كفرًا وكذبًا وجهلًا من كلام اليهود والنصارى وعبّاد الأصنام‏.‏

ولهذا فإن كل من كان منهم أعرف بباطن المذهب وحقيقته، كان أعظم كفرًا وفسقا، كالتلمساني، فإنه كان من أعرف هؤلاء بهذا المذهب، وأخبرهم بحقيقته، فأخرجه ذلك إلـى الفعل فكان يعظـم اليهود والنصـارى والمشركين، ويستحل المحرمات ويصنف للنصيرية كتبًا على مذهبهم، يقرهم فيها على عقيدتهم الشركية‏.‏

وكذلك ابن سبعين كان من أئمة هؤلاء، وكان له من الكفر والسحرـ / الذي يسمى السيميا ـ والموافقة للنصارى، والقرامطة والرافضة، ما يناسب أصوله‏.‏

فكل من كان أخبر بباطن هذا المذهب، ووافقهم عليه، كان أظهر كفرًا وإلحادًا‏.‏

وأما الجهال الذين يحسنون الظن بقول هؤلاء ولا يفهمونه، ويعتقدون أنه من جنس كلام المشايخ العارفين، الذين يتكلمون بكلام صحيح لا يفهمه كثير من الناس، فهؤلاء تجد فيهم إسلاما وإيمانًا، ومتابعة للكتاب والسنة بحسب إيمانهم التقليدي، وتجد فيهم إقرارا لهؤلاء وإحسانا للظن بهم، وتسليما لهم بحسب جهلهم وضلالهم، ولا يتصور أن يثني على هؤلاء إلا كافر ملحد، أو جاهل ضال‏.‏

وهؤلاء من جنس الجهمية الذين يقولون‏:‏ إن الله بذاته حال في كل مكان، ولكن أهل وحدة الوجود حققوا هذا المذهب أعظم من تحقيق غيرهم من الجهمية‏.‏

وأما النوع الثاني‏:‏ فهو قول من يقول بالحلول والاتحاد في معين، كالنصارى الذين قالوا بذلك في المسيح عيسى، والغالية الذين يقولون بذلك في علي بن أبي طالب وطائفة من أهل بيته، والحاكمية الذين يقولون بذلك في الحاكم، والحلاَّجية الذين يقولون بذلك في الحلاج، واليونسية الذين يقولون/ بذلك في يونس، وأمثال هؤلاء ممن يقول بإلهية بعض البشر، وبالحلول والاتحاد فيه، ولا يجعل ذلك مطلقا في كل شيء‏.‏

ومن هؤلاء من يقول بذلك في بعض النسوان والمردان، أو بعض الملوك أو غيرهم، فهؤلاء كفرهم شر من كفر النصارى الذين قالوا‏:‏ إن الله هو المسيح ابن مريم‏.‏

وأما الأولون‏:‏ فيقولون بالإطلاق‏.‏ ويقولون‏:‏ النصارى إنما كفروا بالتخصيص‏.‏

وأقوال هؤلاء شر من أقوال النصارى، وفيها من التناقض من جنس ما في أقوال النصارى، ولهذا يقولون بالحلول تارة، وبالاتحاد أخرى، وبالوحدة تارة، فإنه مذهب متناقض في نفسه، ولهذا يُلَبِّسون على من لم يفهمه‏.‏

فهذا كله كفر باطنا وظاهرًا بإجماع كل مسلم، ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر، كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين‏.‏

ولكن هؤلاء يشبهون بشيء آخر، وهو ما يعرض لبعض العارفين في مقام الفناء والجمع والاصطلام والسكر، فإنه قد يعرض لأحدهم ـ لقوة استيلاء الوجد والذكر عليه ـ من الحال ما يغيب فيه عن نفسه وغيره، فيغيب بمعبوده عن عبادته، وبمعروفه عن معرفته، وبمذكوره عن ذكره، وبموجوده عن وجوده‏.‏

/ومثل هذا قد يعرض لبعض المحبين لبعض المخلوقين، كما يذكرون أن رجلا كان يحب آخر فألقى المحبوب نفسه في اليم، فألقى المحب نفسه خلفه، فقال له‏:‏ أنا وقعت، فما الذي أوقعك‏؟‏ فقال‏:‏ غبت بك عني، فظننت أنك أني‏.‏

وينشدون‏:‏

رق الزجاج، وراقت الخمر ** وتشاكلا، فتشابه الأمر

فكـأنمـا خمر ولا قـــــــدح ** وكـأنما قـدح ولا خمـــر

وهذه الحال تعرض لكثير من السالكين، وليست حالا لازمة لكل سالك، ولا هي أيضا غاية محمودة، بل ثبوت العقل والفهم والعلم مع التوحيد باطنا وظاهرًا كحال نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكمل من هذا وأتم‏.‏

والمعنى الذي يسمونه الفناء ينقسم ثلاثة أقسام‏:‏ فناء عن عبادة السوي، وفناء عن شهود السوي، وفناء عن وجود السوي‏.‏

فالأول‏:‏ أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه، وبخوفه عن خوف ما سواه، وبرجائه عن رجاء ما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه، وهذا هو حقيقة التوحيد والإخلاص الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو تحقيق ‏[‏لا إله إلا الله‏]‏ فإنه يفنى من قلبه كل تأله لغير الله، ولا يبقى في قلبه تأله لغير الله، وكل من كان أكمل في هذا التوحيد كان أفضل عند الله‏.‏

/ والثاني‏:‏ أن يفنى عن شهود ما سوى الله، وهذا الذي يسميه كثير من الصوفية حال الاصطلام والفناء والجمع، ونحو ذلك‏.‏

وهذا فيه فضيلة من جهة إقبال القلب على الله، وفيه نقص من جهة عدم شهوده للأمر على ما هو عليه، فإنه إذا شهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأنه المعبود لا إله إلا هو، الذي أرسل الرسل وأنزل الكتب، وأمر بطاعته وطاعة رسله، ونهى عن معصيته ومعصية رسله، فشهد حقائق أسمائه وصفاته وأحكامه خلقا وأمرًا ـ كان أتم معرفة وشهودًا، وإيمانًا وتحقيقا، من أن يفنى بشهود معنى عن شهود معنى آخر، وشهود التفرقة في الجمع، والكثرة في الوحدة، وهو الشهود الصحيح المطابق‏.‏ لكن إذا كان قد ورد على الإنسان ما يعجز معه عن شهود هذا وهذا، كان معذورًا للعجز، لا محمودًا على النقص والجهل‏.‏

والثالث‏:‏ الفناء عن وجود السوى، وهو قول الملاحدة أهل الوحدة كصاحب الفصوص وأتباعه الذين يقولون‏:‏ وجود الخالق هو وجود المخلوق، وما ثم غير ولا سوى في نفس الأمر‏.‏

فهؤلاء قولهم أعظم كفرًا من قول اليهود والنصارى وعباد الأصنام‏.‏

وأيضا، فإن ولاية الله هي موافقته بالمحبة لما يحب، والبغض لما يبغض والرضا بما يرضي، والسخط بما يسخط، والأمر بما يأمر به، والنهي عما ينهى عنه، والموالاة لأولىائه، والمعاداة لأعدائه، كما في صحيح البخاري / عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏يقول الله تعالى‏:‏ من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يسعى، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه‏)‏، فهذا أصح حديث روى في الأولياء‏.‏

فالملاحدة والاتحادية يحتجون به على قولهم، لقوله ‏(‏كنت سمعه وبصره ويده ورجله‏)‏ والحديث حجة عليهم من وجوه كثيرة‏:‏

منها قوله‏:‏ ‏(‏من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة‏)‏ فأثبت معاديا محاربًا ووليا غير المعادي، وأثبت لنفسه ـ سبحانه ـ هذا وهذا‏.‏

ومنها قوله‏:‏ ‏(‏وما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه‏)‏ فأثبت عبدًا متقربًا إلى ربه، وربا افترض عليه فرائض‏.‏

ومنها قوله‏:‏ ‏(‏ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه‏)‏ فأثبت متقرِِّبًا ومتقرَّبًا إليه، ومحبا ومحبوبًا غيره‏.‏ وهذا كله ينقض قولهم‏:‏ الوجود واحد‏.‏

ومنها قوله‏:‏ ‏(‏فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به‏)‏ إلى آخره، فإنه جعل لعبده بعد محبته هذه الأمور، وهو عندهم قبل المحبة وبعدها واحد، وهو عندهم هذه الأعضاء‏:‏ بطنه، وفرجه، وشعره، وكل شيء، لا تعدد عندهم، ولا كثرة في الوجود، ولكن يثبتون مراتب ومجالي ومظاهر، فإن جعلوها موجودة نقضوا قولهم‏.‏

وإن جعلوها ثابتة في العدم ـ كما يقوله ابن عربي ـ أو جعلوها المعينات، والمطلق هو الحق، كانوا قد بنوا ذلك على قول من يقول‏:‏ المعدوم شيء، وقول من جعل الكليات ثابتة في الخارج زائدة على المعينات‏.‏

والأول‏:‏ قول طائفة من المعتزلة، وهو قول ابن عربي‏.‏

والثاني‏:‏ قول طائفة من الفلاسفة، وهو قول القونوي صاحب ابن عربي، وكلا القولين باطلان عند العقلاء، ولهذا كان التلمساني أحذق منهما فلم يثبت شيئا وراء الوجود‏.‏

كما قيل‏:‏

وما البحر إلا الموج، لا شيء غيره ** وإن فرقته كثرة المتعــــــدد

لكن هؤلاء الضلال من الفلاسفة والمعتزلة ما قالوا‏:‏ وجود المخلوق هو وجود الخالق، وهؤلاء الملاحدة قالوا‏:‏ هذا هو هذا، ولهذا صاروا يقولون بالحلول من وجه، لكون الوجود في كل الذوات، أو بالعكس، وبالاتحاد من وجه لاتحادهما، وحقيقة قولهم هي وحدة الوجود‏.‏

/في الحديث وجوه أخرى تدل على فساد قولهم‏.‏

والحديث حق، كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ولي الله لكمال محبته لله وطاعته لله يبقى إدراكه لله وبالله، وعمله لله وبالله، فما يسمعه مما يحبه الحق أحبه، وما يسمعه مما يبغضه الحق أبغضه، وما يراه مما يحبه الحق أحبه، وما يراه مما يبغضه الحق أبغضه، ويبقى في سمعه وبصره من النور ما يميز به بين الحق والباطل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته‏:‏ ‏(‏اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورا، واجعل لي نورا‏)‏

فولي الله فيه من الموافقة لله ما يتحد به المحبوب والمكروه، والمأمور والمنهي ونحو ذلك، فيبقى محبوب الحق محبوبه، ومكروه الحق مكروهه، ومأمور الحق مأموره، وولي الحق وليه، وعدو الحق عدوه، بل المخلوق إذا أحب المخلوق محبة تامة حصل بينهما نحو من هذا، حتى قد يتألم أحدهما بتألم الآخر، ويلتذ بلذته‏.‏

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر‏)‏؛ ولهذا كان المؤمن يسره ما يسر المؤمنين، ويسوؤه ما يسوؤهم، ومن لم يكن كذلك لم يكن منهم‏.‏

/فهذا الاتحاد الذي بين المؤمنين ليس هو أن ذات أحدهما هي بعينها ذات الآخر، ولا حلت فيه، بل هو توافقهما واتحادهما في الإيمان بالله ورسوله وشعب ذلك مثل محبة الله ورسوله، ومحبة ما يحبه الله ورسوله‏.‏

فإذا كان هذا معقولا بين المؤمنين فالعبد إذا كان موافقا لربه تعالى فيما يحبه ويبغضه، ويأمر به وينهى عنه، ونحو ذلك مما يحبه الرب من عبده‏:‏ كيف تكون ذات أحدهما هي الأخرى أو حالة فيها‏؟‏

فإذا عرفت هذه الأصول من الحلول والاتحاد المطلق والمعين، الذي هو باطل، ومما هو من أحوال أهل الإيمان، ومن ولاية الله تعالى وموافقته فيما يحبه ويرضاه وتوابع ذلك، تبين لك جواب مسائل السائل‏.‏

وهؤلاء قد يجدون من كلام بعض المشايخ كلمات مشتبهة مجملة، فيحملونها على المعاني الفاسدة، كما فعلت النصارى فيما نقل لهم عن الأنبياء، فيدعون المحكم، ويتبعون المتشابه

فقول القائل‏:‏ إن الرب والعبد شيء واحد، ليس بينهما فرق‏:‏ كفر صريح، لا سيما إذا دخل في ذلك كل عبد مخلوق، وأما إذا أراد بذلك عباد الله المؤمنين وأوليائه المتقين، فهؤلاء يحبهم ويحبونه ويوافقونه فيما يحبه ويرضاه ويأمر به، فقد رضي الله عنهم ورضوا عنه‏.‏

ولما رضوا ما يرضي وسخطوا ما يسخط، كان الحق يرضي لرضاهم ويغضب لغضبهم، إذ ذلك متلازم من الطرفين‏.‏

/ ولا يقال في أفضل هؤلاء‏:‏ إن الرب والعبد شيء واحد ليس بينهما فرق، لكن يقال لأفضل الخلق كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 10‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ‏}‏‏[‏النساء‏:‏ 80‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ‏}‏‏[‏التوبة‏:‏ 62‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 57‏]‏ وأمثال ذلك‏.‏ وأما سائر العباد، فإن الله خالقهم ومالكهم وربهم، وخالق قدرتهم وأفعالهم، ثم ما كان من أفعالهم موافقا لمحبته ورضاه، كان محبا لأهله مكرمًا لهم، وما كان منها مما يسخطه ويكرهه، كان مبغضا لأهله مهينا لهم‏.‏