فصل: الفصل الثالث والثمانون:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المدهش في المحاضرات (نسخة منقحة)



.الفصل الثالث والثمانون:

إخواني: أعجب العجائب أن النقاد يخافون دخول البهرج في أموالهم والمبهرج آمن، هذا الصديق يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد، وهذا عمر، يقول: يا حذيفة هل أنا منهم؟ والمخلط على بساط الأمن:
الناسكون يحاذرو ** ن وما بسيِّئةٍ ألمّوا

كانوا إذا راموا كلامًا ** مطلقًا خطموا وزموا

إن قيلت الفحشاء أو ** ظهرت عموا عنها وصموا

فمضوا وجاء معاشر ** بالمنكرات طموا وطموا

ففم لطعم فاغر ** ويدٌ على مالٍ تضمُّ

عدلوا عن الحسن الجميل ** وللخنا عمدوا وأموا

وإذا هم أعيتهم ** شنعاؤهم كذبوا وأموا

فالصدر يغلي بالهوا ** جس مثل ما يغلي المحم

لله درّ أقوام شغلهم حب مولاهم عن لذات دنياهم، اسمع حديثهم إن كنت ما تراهم، خوفهم قد أزعج وأقلق، وحذرهم قد أتلف وأحرق، وحادي جدهم مجد لا يترفق، كلما رأى طول الطريق نص وأعنق، وكيف يحسن الفتور؟ وأوقات السلامة تسرق دموعهم في أنهار الخدود تجري وتتدفق، يشتاقون إلى الحبيب إليهم أشوق، يا حسنهم في الدجى ونورهم قد أشرق، والحياء فائض والرأس قد أطرق، والأسير يتلظى ويترجى أن يعتق، إذا جاء الليل تغالب النوم والسهر، والخوف والشوق في مقدم عسكر اليقظة والكسل والتاني في كتيبة الغفلة، فإذا حمل الصبر حمل على القيام فانهزمت جنود الفتور، فما يطلع الفجر إلا وقد قسمت السهمان، سفر الليل، لا يطيقه إلا مضمر المجاعة، النحائب في الأول وحاملات الزاد في الأخير، قام المتهجدون على أقدام الجد تحت ستر الدجى يبكون على زمان ضاع في غير الوصال:
سقوا بمياه أعينهم ** هناك الضال والرندا

يا نفاس كبرق في ** أنين يشبه الرعدا

إن ناموا توسدوا أذرع الهمم وإن قاموا فعلى أقدام القلق، لما امتلأت أسماعهم بمعاتبة كذب من ادعى محبتي فإذا جن الليل نام عني، حلفت أجفانهم على جفاء النوم.
إن كان رضاكم في سهري ** فسلام الله على وسني

ما زالت مطايا السهر تذرع بيد الدجى، وعيون آمالها لا ترى إلا المنزل، وحادي العزم يقول في إنشاده: يا رجال الليل جدوا إلى أن نم النسيم بالفجر. فقام الصارخ ينعي الظلام فلما هم الليل بالرحيل، تشبثوا بذيل السحر.
فاستوقف العيس لي فإن علي ** خلب فؤادي تشد أرحلها

إن دثرت دارها فما دثرت ** منازل في القلوب تنزلها

قال علي بن بكار، منذ أربعين سنة ما أحزنني إلا طلوع الفجر، لو قمت في السحر لرأيت طريق العباد قد غص بالزحام، لو وردت ماء مدين وجدت عليه أمة من الناس يسقون:
بانوا وخلفت أبكي في ديارهم ** قل للديار سقاك الرائح الغادي

وقل لأظعانهم حييت من ظعن ** وقل لواديهم حييت من واد

يا بعيدًا عنهم يا من ليس منهم أليس لك نية في لحاقهم؟ أسرج كميتك، واجرر زمامك، يقف بك على المرعى، يا من يستهول أحال القوم تنقل في المراقي تعل. قال أبو يزيد: ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي حتى سقتها وهي تضحك.
ما زلتُ أُضحكُ إبلي كلما نظرت ** إلى من اختضبت أخفافها بدمي

من اقتضى بسوي الهندي حاجته **أجاب كل سؤال عن هل بلم

للخفاجي:
ثورها ناشطة عقالها ** قد ملأت من بدنها جلالها

فلم تزل أشواقه تسوقها ** حتى رمت من الوجي رحالها

ما ذا على الناقة من غرامة ** لو أنه أنصف أو رثى لها

أراد أن تشرب ماء حاجر ** أريها تطلب أم كلالها

إن لها على القلوب ذمة ** لأنها قد عرفت بلبالها

كانت لها على الصبا تحية ** أعجلها السائق أن تنالها

وامتدت الفلاة دون خطوها ** كأنها قد كرهت زوالها

فعللوها بحديث حاجر ** ولتصنع الفلاة ما بدا لها

.الفصل الرابع والثمانون:

أخواني دنا رحيلكم وقد بان سبيلكم وسيهجركم خليلكم وقد نصحكم دليلكم.
يا مقيمين ارحلوا للذهاب ** بشفير القبور حط الركاب

نعموا الأوجه الحسان ** فما صونكموها إلا لعفر التراب

والبسوا ناعم الثياب ففي ** الحفرة تعرون عن جميع الثياب

قد نعتك الأيام نعيا صحيحا ** بفراق الأخوان والأصحاب

تذكر يا من جنى ركوب الجنازة وتصور ما من مأوى في طول المفازة ودع الدنيا مودعا للحلاوة والمزازة أرقم من قلبك ذكر الجزاء على جزازة كم ظالم تعدى وجار فما رعى الأهل ولا الجار حل به الموت فحل الأزرار وأدبر عن الأوامر فأحاط به الأدبار ودار عليه بالدوائر فأخرجه من الدار وخلا بعمله ثاني إثنين ولكن لا في الغار فانتبهوا فإنما هي جنة أو نار
تعلقت بآمال ** طوال أي آمال

واقبلت على الدنيا ** ملحا أي إقبال

فيا هذا تجهر لفراق ** الأهل والمال

فلا بد من الموت ** على حال من الحال

يا من يحدثه الأمل فيستمع ويخوفه الأجل فلا يرتدع وصل الصالحون إلى المنى يا منقطع وجوزوا على صبرهم أي والله لم يضع تلمح العواقب فتلمحها للعقل وضع كأنه ما جاع قط من شبع إذا تلاقحت غروس المجاهدة تلاحقت ثمار المدائح.
أفلح قوم إذا دعوا وثبوا ** لا يحسبون الأخطار إن ركبوا

سارون لا يسألون ما فعل ** الفجر ولا كيف مالت الشهب

عودهم هجرهم مطالبة ** الراحة أن يظفروا بما طلبوا

اشراف الأوصال أوصاف الأشراف سادات العادات عادات عادات السادات أحرار الشيم شيم الأحرار أقدموا على الفضائل وتأخرت وقدموا الأهم وأخرت الشجاع يلبس القلب على الدرع والجبان يلبس الدرع على القلب.
للمتنبي:
وتكاد الظبا لما عودوها ** تنتضي نفسها إلى الأعناق

وإذا أشفق الفوارس من وقع ** القنا أشفقوا من الإشفاق

ومعال لو ادعاها سواهم ** لزمته جناية السراق

لوح للقوم فأجابوا وكرر الصياح بك وما تلتفت إذا سمعوا موعظة غرست في قلوبهم نخيل العزائم ونبات عزمك عند الزواجر كنبات الكشوثا كم بين ثالثة الأثافي وسادسة الأصابع بع باعا من عيشك بفتر من حياتهم لو صدق عزمك قذفتك ديار الكسل إلى بيداء الطلب كان سلمان أعجميا فلما سمع بنبي عربي صار بدوي القلب.
للمهيار:
ولقد أحن إلى زرود وطينتي ** من غير ما فطرت عليه زرود

ويشوقني عجف الحجاز وقد ضفا ** ريف العراق وظله الممدود

ويطرب الشادي وليس يهزني ** وينال مني السائق الغريد

أين وصفك من هذه الأوصاف أين شجرة الزيتون من شجر الصفصاف صعد القوم ونزلت وجدوا في الجد وهزلت.
شم العرانين في أنافهم أنف ** من القبيح وفي أعناقهم صيد

إن تلقهم تلق منهم في مجالسهم ** قوما إذا سئلوا جادوا بما وجدوا

نالوا السماء وحطوا من نفوسهم ** إن الكرام إذا انحطوا فقد صعدوا

إن بينك وبين القوم كما بين اليقظة والنوم أين مسك من حماة ونجور من بخار وصفوة من قذى.
دخلوا على عابد فقالوا له لو رفقت بنفسك فقال من الرفق أتيت إسمع يا كسلان كانوا في طلب العلى يجتهدون ولا يرضون بدون على أنهم يعانون فيما يعانون القوم مع الحق حاضرون عن الخلق غائبون فقولوا لعاذليهم لمن تعذلون.
للمهيار:
كثر فيك اللوم ** فأين سمعي منهم

قلبي واللوم عليك ** منجد ومتهم

قالوا سهرت والعيون ** الساهرات نوم

وليس من جسمك ** إلا جلدة وأعظم

وما عليهم سهري ** ولا رُقادي لهمُ

وهل سماتُ الحبِّ ** إلاّ سهرٌ وسقمُ

خذ أنت في شأنكَ ** يا دمعي وخلي عنهم

كان بشر لا ينام الليل ويقول أخاف أن يأتي أمر وأنا نائم:
رقد الُّمّارُ وأرّقه ** همٌّ للبين يردده

فبكاه النجمُ ورقَّ له ** مما يرعاه ويرصده

وغدًا يقضي أو بعد غدٍ ** هل من نظرٍ يتزوّده

يهوى المشتاق لقاءكم ** وصروف الدهر تقيده

بقي بشر خمسين سنة يشتهي شهوة، فما صفا له درهم، وبضائع أعماركم كلها منفقة في الشهوات من الشبهات، أبشروا بطول المرض يا مخلطين:
وا ويلاه من ضياع كل العمر ** قد مرَّ جميعه بمر الهجر

ضاعت حيلي وضلَّ عني صبري ** يا قوم عجزت من تلافي أمري

يا من فاتوه وتخلف بل ثراهم من دمع الأسف.
دع شأنَ عينيكَ يا حزين وشأنَها ** وضع اليدين على الحشا وتململ

هذا وإن فراقهم ولقل ما ** يُغني وقوفك ساعة في المنزل

جز بنادي المحبة وناد بالقوم تراهم كالفراش تحت النيران.
للشريف الرضيّ:
يا دارُ من قتلَ الهوى بعدي ** وجدوا ولا مثلَ الذي عندي

لو حرّكتْ ذاكَ الرّمادّ يدٌ ** لرأت بقايا الجمر والوَقدِ

تشتد عليهم نار الخوف فيشرفون على التلف، لولا نسيم بذكراهم يروحني، ينبسطون انبساط المحب، ثم ينقبضون انقباض الخائف، هذا اللينوفر ينشر أجنحة الطرب في الدجى، فإذا أحس بالفجر جمع نفسه واستحى من فارط فإذا طلعت الشمس نكس رأسه في الماء خجلًا من انبساطه:
أباسطه على جزع ** كشرب الطائر الفزع

رأى ماءً فأطمعه ** وخاف عواقب الطمع

فصادف فرصة فدنا ** ولم يلتذ بالجرع

كلما جاء كلامي صعد، كلما زادت الوقود فاحت ريح العود، أفيكم مستنشق؟ أو كلّكم مزكوم؟ إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن، باح مجنون عامر بهواه.
وما بحت حتى استنطق الشوق أدمعي ** وأذكرني عهد الحمى المتقادم

أتجدون يا إخواني ما أجد من ريح النسيم؟
ألا يا نسيم الريح مالك كلما ** تجاوزت ميلًا زاد نشرك طيبا

أظن سليمى خبرت بسقامنا ** فأعطتك ريّاها فجئت طبيبا