فصل: ذكر ميدان القبق

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الخِطط المقريزية المسمى بـ «المواعظ والاعتبار بذكر الخِطط والآثار» **


 وأما ذات اليسار فإن من خرج من باب زويلة الآن يجد عن يساره شارعًا ينتهي به في العرض إلى الجبل وينتهي به في الطول إلى القرافة وجميع ما في هذه الجهة اليسرى كان فضاءً لا عمارة فيه البتة إلى ما بعد سنة خمسمائة من الهجرة فلما عمر الوزير الصالح طلائع بن رزبك جامع الصالح الموجود الآن خارج باب زويلة صار ما وراءه إلى نحو قطائع ابن طولون مقبرة لأهل القاهرة إلى أن زالت دولة الخلفاء الفاطميين وأنشأ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب قلعة الجبل على راس الشرق المطلّ على القطائع وصار يسلك إلى القلعة من هذه الجهة اليسرى فيما بين المقابر والجبل ثم حدثت بعد المحن هذه العمائر الموجودة هناك شيئًا بعد شيء من سنة سبعمائة وصار في هذه الشقة خط سوق البسطيين وخط الدرب الأحمر وخط جامع المارديني وخط سوق الغنم وخط التبانة وخط باب الوزير وقلعة الجبل والرميلة وخط القبيبات وخط باب القرافة‏.‏

وأما ما هو تجاه من خرج من باب زويلة فيُعرف بالشارع وقد تقدّم ذكره عند ذكر الأسواق من هذا الكتاب وهو ينتهي بالسالك إلى خط الصليبة المذكورة آنفًا وإلى خط الجامع الطولونيذ وخط المشهد النفيسي وإلى العسكر وكوم الجارح وغير ذلك من بقية خطط ظواهر القاهرة ومصر وكانت جهة القاهرة البحرية من ظاهرها فضاءً ينتهي إلى بركة الجب وإلى منية الاصبغ التي عرفت بالخندق وإلى منية مطر التي تعرف بالمطرية ولى عين شمس وما وراء ذلك إلاّ أنه كان تجاه القاهرة بستان ريدان ويُعرف اليوم بالريدانية وعند مصلّى العيد خارج باب النصر حيث يصلي الآن على الأموات كان ينزل هناك من يسافر إلى الشام‏.‏

فلما كان قبل سنة خمسمائة ومات أمير الجيوش بدر الجمالي في سنة سبع وثمانين وأربعمائة بُني خارج باب النصر له تربة دفن فيها وبني أيضًا خارج باب الفتوح منظرة قد ذكر خبرها عند ذكر المناظر من هذا الكتاب وصار أيضًا فيما بين باب الفتوح والمطرية بساتين قد تقدّم خبرها ثم عمرت الطائفة الحسينية بعد سنة خمسمائة خارج باب الفتوح عدّة منازل اتصلت بالخندق وصار خارج باب النصر مقبرة إلى ما بعد سنة سبعمائة فعمر الناس به حتى اتصلت العمائر من باب النصر إلى الريدانية وبلغت الغاية من العمارة ثم تناقصت من بعد سنة تسع وأربعين وسبعمائة لى أن فحش خرابها من حين حدثت المحن في سنة ست وثمانمائة فهذا حال ظواهر القاهرة منذ اختطت وإلى يومنا هذا ويحتاج ما ذُكر هنا إلى مزيد بيان والله أعلم‏.‏

 

ذكر ميدان القبق

هذا الموضع خارج القاهرة من شرقيها فيما بين النقرة التي ينزل من قلعة الجبل إليها وبين قبة النصر التي تحت الجبل الأحمر ويقال له أيضًا الميدان الأسود وميدان العيد والميدان الأخضر وميدان السباق وهو ميدان السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ الصالحيّ النجميّ بنى به مصطبة في المحرّم من سنة ست وستين وستمائة عندما احتفل برمي النشاب وأمور الحرب وحثّ الناس على لعب الرمح ورمي النشاب ونحو ذلك وصار ينزل كل يوم إلى هذه المصطبة من الظهر فلا يركب منها إلى العشاء الآخرة وهو يرمي ويحرّض الناس على الرمي والنضال والرهان فما بقي أمير ولا مملوك إلاّ وهذا شغله وتوفر الناس على لعب الرمح ورمي النشاب وما برح من بعده من أولاده والملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفيّ الصالحيّ النجميّ والملك الأشرف خليل بن قلاوون يركبون في الموكب لهذا الميدان وتقف الأمراء والمماليك السلطانية تسابق بالخيل فيه قدّامهم وتنزل العساكر فيه لرمي القبق‏.‏

والقبق عبارة عن خشبة عالية جدًّا تُنصب في براح من الأرض ويُعمل بأعلاها دائرة من خشب وتقف الرماة بقسيّها وترمي بالسهام جوف الدائرة لكي تمرّ من داخلها إلى غرض هناك قال جامع السيرة الظاهرية‏:‏ وفي سابع عشر المحرّم من سنة سبع وستين وستمائة حثّ السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ جميع الناس على رمي النشاب ولعب الرمح خصوصًا خواصه ومماليكه ونزل إلى الفضاء باب النصر ظاهر القاهرة ويُعرف بميدان العيد وبنى مصطبة هناك وأقام ينزل في كل يوم من الظهر ويركب منها عشاء الآخرة وهو واقف في الشمس يرمي ويحرّض الناس على الرمي والرهان فما بقي أمير ولا ملوك إلا وهذا شغله واستمرّ الحال ي كل يوم على ذلك حتى صارت تلك الأمكنة لا تسع الناس وما بقي لأحد شغل إلاّ لعب الرمح ورمي النشاب‏.‏

وفي شر رمضان سنة اثنتين وسبعين وستمائة تقدّم السلطان الملك الظاهر إلى عساكره بالتأهب للركوب واللعب بالقبق ورمي النشاب واتفقت نادرة غريبة وهو أنه أمر برش الميدان الأسود تحت القلعة لأجل الملعب فشرع الناس في ذلك وكان يومًا شديد الحرّ فأمل السلطان بتبطيل الرش رحمة للناس وقال‏:‏ الناس صيام وهذا يوم شديد الحرّ فبطل الرش وأرسل الله تعالى مطرًا جودًا استمرّ ليلتين ويومًا حتى كثر الوحل وتلبدت الأرض وسكن العجاج وبرد الجوّ ولطف الهواء فوكل السلطان من يحفظه من السَوْقِ فيه يوم اللعب وهو يوم الخميس السادس والعشرين من شهر رمضان وأمر بركوب جماعة لظيفة من كل عشرة اثنان وكذلك من كل أمير ومن كل مقدّم لئلا تضيق الدنيا بهم‏.‏

فركبوا في أحسن زيّ وأجمل لباس وأكمل شكل وأبهى منظر وركب السلطان ومعه من خواصه ومماليكه ألوف ودخلوا في الطعان بالرماح فكل من أصاب خلع عليه السلطان ثم ساق في مماليكه الخواص خاصة ورتبهم أجمل ترتيب واندفق بهم اندفاق البحر فشاهد الناس أبهة عظيمة ثم أقيم القبق ودخل الناس لرمي النشاب وجعل لمن أصاب من المفاردة رجال الحلقة والبحرية الصالحية وغيرهم بغلطاقًا بسنجاب وللمراء فرسًا من خيله الخاص بتشاهيره ومراواته الفضية والذهبية ومزاخمه وما زال في هذه الأيام على هذه الصورة يتنوّع في دخوله وخروجه تارة بالرماح وتارة بالنشاب وتارة بالدبابيس وتارة بالسيوف مسلولة وذلك أنه ساق على عادته في اللعب وسلّ سيفه وسلّ ماليكه سيوفهم وحمل هو ومماليكه حملة رجل واحد فرأى الناس منظرًا عجيبًا وأقام على ذلك كل يوم من بكرة النهار إلى قريب المغرب وقد ضُربت الخيام للنزول للوضوء والصلاة وتنوّع الناس في تبديل العُدد والآلات وتفاخروا وتكاثروا فكانت هذه الأيام من الأيام المشهودة ولم يبق أحد من أبناء الملوك ولا وزير ولا أمير كبير ولا صغير ولا مفردي ولا مقدّم من مقدّمي الحلقة ومقدّمي البحرية الصالحية ومقدّمي المماليك الظاهرية البحرية ولا صاحب شغل ولا حامل عصا في خدمة السلطان على بابه ولا حامل طير في ركاب السلطان ولا أحد من خواص كتاب السلطان إلاّ وشُرِّفَ بما يليق به على قدر منصبه ثم تعدّى إحسان السلطان لقضاة الإسلام والأئمة وشهود خزانة السلطان فشرّفهم جميعهم ثم الولاة كلهم وأصبحوا بكرة يوم الأحد ثمان عشري شهر رمضان لا بسين الخلع جميعهم في أحسن صورة وأبهج زي وأبهى شكل وأجمل زينة بالكلوتات الزركش بالذهب والملابس التي ما سمع بأن أحدًا جاد بمثلها وهي ألوف وخدم الناس جميعهم وقبلوا الأرض وعليهم الخلع وركبوا ولعبوا نهارهم على العادة والأموال تفرّق والأسمطة تصف والصدقات تنفق والرقاب تعتق‏.‏

وما زال إلى أن أهلّ هلال شوّال فقام الناس وطلعوا للهناء فجلس لهم وعليهم خلعه ثم ركب يوم العيد إلى مصلاه في خيمة بشعار السلطنة وأبّهة الملك فصلى ثم طلع قلعة الجبل وجلس على الأسمطة وكان الاحتفال بها كبيرًا وأكل الناس ثم انتهبه الفقراء وقام إلى مقرّ سلطانه بالقبة السعيدة وقد غُلِقت وفرشت بأنواع الستور والكلل والفرش وكان قد تقدّم إلى الأمراء بإحضار أولادهم فأُحضروا وخَلع عليهم الخلع المفصلة على قدرهم فلما كان هذا اليوم أُحضروا وختنوا بأجمعهم بين يدي السلطان وأُخرجوا فحملوا بالمحفات إلى بيوتهم وعمّ الهناء كل دار ثم أُحضر الأمير نجم الدين خضر ولد السلطان فختن ورمى للناس جملة من الأموال اجتمع منها خزانة ملك كبير فرُّقت على من باشر الختان من الحكماء والمزينين وغيرهم‏.‏

وانقضت هذه الأيام وجرى السلطان فيها على عادته كما كان من كونه لم يكلّف أحدًا من خلق الله تعالى بهدية يهديها ولا تحفة يتحفه بها في مثل هذه المسرّة كما جرت عادة من تقدّمه من الملوك ولم يبق من لا شمله إحسانه غير أرباب الملاهي والأغاني فإنه كان من أيامه لم ينفق لهم مبلغ البتة‏.‏

وممن لعب بهذا الميدان القبق السلطان الملك الأشرف خليل بن قلاوون وعمل فيه المهمّ الذي لم يُعمل في دولة ملوك الترك بمصر مثله وذلك أن خوندار دوتكين ابنة نوكيه ويُقال نوغية السلحدارية اشتملت من السلطان الملك الأشرف على حمل فظنّ أنها تلد ابنًا ذكرًا يرث الملك من بعده فأخذ عندما قاربت الوضع في الاحتفال ورسم لوزيره الصاحب شمس الدين محمد بن السلعوس أن يكتب إلى دمشق بعلم مائة شمعدان نحاس مكفت بألقاب السلطان ومائة شمعدان أخر منها خمسون من ذهب وخمسون من فضة وخمسين سرجًا من سروج الزركش ومائة وخمسين سرجًا من الخميش وألف شمعت وأشياء كثيرة غير ذلك فقدّر الله تعالى أنها ولدت بنتًا فانقبض لذلك وكره إبطا ما قد وأشياء عنه عمله فأظهر أنه يريد ختام أخيه محمد وابن أخيه مظفر الدين موسى بن الملك الصالح علي بن قلاوون فرسم لنقيب الجيش والحاجب بإعلام الأمراء والعسكر أن يلبسوا كلهم آلة الحرب من السلاح الكامل هم وخيولهم ويصيروا بأجمعهم كذلك في الميدان الأسود خارج باب النصر فاهتم الأمراء والعسكر اهتمامً كبيرًا لذلك وأخذوا في تحسين العدد وبالغوا في التأنق وتنافسوا في إظهار التجمل الزائد وخرج في اليوم الرابع من إعلام الأمراء السوقة ونصبوا عدّة صواوين فيها سائر البقول والمآكل فصار بالميدان سوق عظيم ونزل السلطان من قلعة الجبل بعساكره وعليهم لامة الحرب وقد خرج سائر من في القاهرة ومصر من الرجال والنساء إلاّ من خلفه العذر لرؤية السلطان فأقام السلطان يومه وحصل في ذلك اليوم للناس بهذا الاجتماع من السرور ما يعزّ وجود مثله وأصبح السلطان وقد استعدّ العسكر بأجمعه لرمي القبق ورسم للحجاب بأن لا يمنعوا أحدًا من الجند ولا من المماليك ولا من غيرهم من الرمي ورسم للأمير بيسري والأمير بدر الدين بكتاش الفخريّ أمير سلاح أن يتقدّما الناس في الرمي فاستقبل الأمير بيسري القبق وتحته سرج قد صنع قربوسه الذي من خلفه وطيئًا فصار مستلقيًا على قفاه وهو يرمي ويصيب يمنة ويسرة والناس بأسرهم قد اجتمعوا للنظر حتى ضاق بهم الفضاء فلما فرغ دخل أمير سلاح من بعده وتلاه الأمراء على قدر منازلهم واحدًا واحدًا فرموا‏.‏

ثم دخل بعد الأمراء مقدّموا الحلقة ثم الأجناد والسلطان يعجب برميهم وتزايد سروره حتى فرغ الرمي فعاد إلى مخيّمه ودار السقاة على الأمراء بأواني الذهب والفضة والبلور يسقون السكَّرَ المذاب وشرب الأجناد من أحواض قد ملئت من ذلك وكانت عدّتها مائة حوض فشربوا ولهوا واستمرّوا على ذلك يومين وفي اليوم الثالث ركب السلطان واستدعى الأمير بيسري وأمره بالرمي فسأل السلطان أن يعفيه من الرمي ويمنّ عليه بالتفرّج في رمي النشاب من الأمراء وغيرهم فأعفاه ووقف مع السلطان في منزلته وتقدّم طفج وعين الغزال وأمير عمر وكيلكدي وقشتمر العجمي وبرلغي وأعناق الحسامي وبكتوت ونحو الخمسين من أمراء السلطان الشبان الذين أنشأهم من خاصكيته وعليهم تتريات حرير أطلس بطرازات زركش وكلوتات زركش وحوائص ذهب وكانوا من الجمال البارع بحيث يذهب حسنهم الناظر ويدهش جمالهم الخاطر فتعاظمت مسرّة السلطان برؤيتهم وكثر إعجابه وداخله العجب واستخفه الطرب وارتجب الدنيا بكثرة من حضر هناك من أرباب الملاهي والأغاني وأصحاب الملعوب‏.‏

فلما انقضى اللعب عاد السلطان إلى دهليزه في زينته ومرح في مشيته تيهًا وصلفًا فما هو إلاّ أنّ عبر الدهليز والناس من الطرب والسرور في أحسن شيء يقع في العالم وإذا بالجوّ قد أظلم وثار ريح عاصف أسود إلى أن طبق الأرض والسماء وقلع سائر تلك الخيم والقى الدهليز السلطانيّ وتزايد حتى أن الرجل لا يرى من بجانبه فاختلط الناس وماجوا ولم يُعرف الأمير من الحقير وأقبلت السوقة والعامّة تنهب وركب السلطان يريد النجاة بنفسه إلى القلعة وتلاحق العسكر به واختلفوا في الطرق لشدّة الهول فلم يعبر إلى القلعة حتى أشرف على التلف وحصل في هذا اليوم من نهب الأموال وانتهاك الحرم والنساء ما لا يمكن وصفه وما ظنّ كل أحد إلاّ أنّ الساعة قد قامت فتنغص سرور الناس وذهب ما كان هناك وما استقرّ السلطان بالقلعة حتى سكن الريح وظهرت الشمس وكأن ما كان لم يكن فأصبح السلطان وطلب أرباب الملاهي بأجمعهم وحضر الأمراء الختان أخيه وابن أخيه وعمل مهمّ عظيم في القاعة التي أنشأها بالقلعة وعرفت بالأشرفية وقد ذكر خبر هذا المهمّ عند ذكر القلعة من هذا الكتاب‏.‏

وما برح هذا الميدان فضاء من قلعة الجبل إلى قبة النصر ليس فيه بنيان وللملوك فيه من الأعمال ما تقدّم ذكره إلى أن كانت سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون فترك النزول إليه وبنى مسطبة برسم طعم طيور الصيد بالقرب من بركة الحبش وصار ينزل هنالك ثم ترك تلك المسطبة في سنة عشرين وسبعمائة وعاد إلى ميدان القبق هذا وركب إليه على عادة من تقدّمه من الملوك إلى أن بنيت فيه الترب شيئًا بعد شيء حتى انسدّت طريقه واتصلت المباني من ميدان قبق إلى تربة الروضة خارج باب البرقية وبطل السباق منه ورمي القبق فيه من آخر أيام الملك الناصر محمد بن قلاون كما ذكر عند ذكر المقابر من هذا الكتاب وأنا أدركت عواميد من رخام قائمة بهذا الفضاء تعرف بين الناس بعواميد السباق بين كل عمودين مسافة بعيدة وما جرت قائمة هنالك إلى ما بعد سنة ثمانين وسبعمائة فهُدمت عندما عمّر الأمير يونس الدوادار الظاهريّ تربته تجاه قبة النصر ثم عمّر أيضًا الأمير قجماس ابن عمّ الملك الظاهر برقوق تربة هنالك وتتابع الناس في البنيان إلى أن صار كما هو الآن والله أعلم‏.‏

برّ الخليج الغربي قد تقدّم أنَّ هذا الخليج حُفِرَ قبل الإسلام بدهر وأن عمرو بن العاص رضي الله عنه جدّد حفره في عام الرمادة بإشارة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى صبّ ماء النيل في بحر القلزم وجرت فيه السفن بالغلال وغيرها حتى عبرت منه إلى البحر الملح وأنه ما برح على ذلك إلى سنة خمسين ومائة فطُمّ ولم يبق منه إلا ما هو موجود الآن إلاّ أنَّ فم هذا الخليج الذي يصبّ فيه الماء من بحر النيل لم يكن عند حفره هذا الفم الموجود الآن ولست أدري أين كان فمه عند ابتداء حفره في الجاهلية فإن مصر فُتحت وماء النيل عند الموضع الذي فيه الآن جامع عمرو بن العاص بمصر وجميع من عند سوق المعاريج الذي هو الآن بمصر إلى تجاه الكبش من غربيه وجميع ما هو الآن موجود من الأرض التي فيما بين خط السبع سقايات إلى سوق المعاريج انحسر عنه الماء شيئًا بعد شيء وغرس بساتين فعمل عبد العزيز بن مروان أمير مصر قنطرة على فم هذا الخليج في سنة تسع وستين من الهجرة بأوّله عند ساحل الحمراء ليتوصل من فوق هذه القنطرة إلى جنان الزهريّ الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى‏.‏

وموضع هذه القنطرة بداخل حرك أقبغا المجاور لخط السبع سقايات وما برحت هذه القنطرة عندها السدّ الذي يُفتح عند الوفاء إلى ما بعد الخمسمائة من الهجرة فانحسر ماء النيل عن الأرض وغرست بساتين فعمل الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب بن شادي هذه القنطرة التي تُعرف اليوم بقنطرة السدّ خارج مصر ليتوصل من فوقها إلى بستان الخشاب وّزيد في طول الخليج ما بين قنطرة السباع الآن وبين قنطرة السدّ المذكورة وصار ما في شرقيه مما انحصر عنه الماء بستانًا عُرف ببستان الحارة وما في غربيه يُعرف ببستان المحليذ وكان بطرف خط السبع سقايات كنيسة الحمراء وعدّة كنائس أُخرَ بعضها الآن بحر أقبغا تُعرف بزاوية الشيخ يوسف العجميّ لسكناه بها عندما هُدمت بعد سنة عشرين وسبعمائة وما برحت هذه البساتين موجودة إلى أن استولى عليها الأمير أقبغا عبد الواحد استدار الملك الناصر محمد بن قلاون وقلع أخشابها وأذن للناس في عمارتها فحركها الناس وبنوا فيها الآدر وغيرها فعرفت بحرك أقبغا‏.‏

وبأوّل هذا الخليج الآن من غربيه منشأة المهرانيّ وقد تقدّم خبرها في هذا الكتاب عند ذكر مدينة مصر ويجاور منشأة المهرانيّ بستان الخشاب وبعضه الآن يُعرف بالمريس وبعضه عمله الملك الناصر محمد بن قلاون ميدانًا يشرف على النيل من غربيه ويُعرف ساحل النيل هناك بموردة الجبس كما ذكر الميادين من هذا الكتاب ويجاور بستان الخشاب جنان الزهريّ وهذه المواضع التي ذكرت كلها ما انحسر عنه النيل ما خلا جنان الزهريذ فإنها من قبل ذلك وستقف على خبرها وخبر ما يجاورها من الأحكار إن شاء الله تعالى‏.‏

الأحكار التي في غربيّ الخليج قاب ابن سيده‏:‏ الاحتكار جمع الطعام ونحوه مما يؤكل واحتباسه انتظار وقت الغلاء به‏.‏

والحكرة والحكر جميعًا‏:‏ ما احتُكر وحكره حكرًا ظلمه وتنقضه وأساء معاشرته‏.‏

انتهى‏.‏

فالتحكير على هذا‏:‏ المنع‏.‏

فقول أهل مصر‏:‏ حكر فلان أرض فلان يعنون منع غيره من البناء عليها‏.‏

حكر الزهريّ هذا الحكر يدخل فيه جميع برّ ابن التبان الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وشق الثعبان وبطن البقرة وسويقة القيمريّ وسويقة صفية وبركة الشقاف وبركة السباعين وقنطرة الخرق وحدرة المرادنيين وحرك الحلبيّ وحكر البواشقيّ وحكر كرجي وما بجانبه إلى قناطر السباع وميدان المهاري إلى الميدان الكبير السلطانيّ بموردة الجبس‏.‏

وكان هذا قديمًا يُعرف بجنان الزهريّ ثم عُرف ببستان الزهري‏.‏

قال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس في تاريخ الغرباء‏:‏ عبد الوهاب بن موسى بن عبد العزيز بن عمرو بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ يُكنى أبا العباس وأمّه أم عثمان بنت عثمان بن العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان مدنيّ قدم مصر وولي الشُرَطُ بفسطاط مصر وحدّث يَروي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة روى عنه من أهل مصر أصبغ بن الفرج وسعيد بن أبي مريم وعثمان بن صالح وسعيد بن عفير وغيرهم‏.‏

وهو صاحب الجنان التي بالقنطرة قنطرة عبد العزيز بن مروان تُعرف بجنان الزهريّ وهو حبسٌ على ولده إلى اليوم‏.‏

وكان كتاب حبس الجنان عند جدّي يونس بن عبد الأعلى وديعة عليه مكتوب ودية لولد ابن العباس الزهريّ لا يدفع لأحد إلاّ أن يغري به سلطان والكتاب عندي إلى الآن‏.‏

توفي عبد الوهاب بن موسى بمصر في رمضان سنة عشرة ومائتين‏.‏

وقال القاضي أبو عبد الله بن محمد بن سلامة بن جعفر القضاعيّ في كتاب معرفة الخطط والآثار‏:‏ حبس الزهريّ هو الجنان التي عند القنطرة بالحمراء وهو عبد الوهاب بن موسى بن عبد العزيز الزهريّ قدم مصر وولي الشُرَطُ بها والجنان حبس على ولده‏.‏

وقال القاضي تاج الدين محمد بن عبد الوهاب بن المتوّج في كتاب إيقاظ المتغفل واتعاظ المتأمّل‏:‏ حبس الزهريّ فذكره ثم قال‏:‏ وهذا الحبس أكثرِ الآن أحكار ما بين بركة الشقاف وخليج شق الثعبان وقد استولى وكيل بيت المال على بعضه وباع من أرضه وآجرّ منها واجتمع هو ومحبسه بين يدي الله عز وجلّ‏.‏

انتهى‏.‏

ولما طال الأمد صار لزهريّ عدّة بساتين منها بستان أبي اليمان وبستان السراج وبستان الحبانية وبستان عزاز وبستان تاج الدولة قيماز وبستان الفرغانيّ وبستان أرض الطيلسان وبستان البطرك وغيط الكرديّ وغيط الصفار ثم عرف ببرّ ابن التبان بعد ذلك‏.‏

قال القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر في كتاب الروضة البهية الزاهرة في خطط المعزية القاهرة‏:‏ شاطىء الخليج المعروف ببرّ التبان‏.‏

ابن التبان المذكور‏:‏ هو رئيس المراكب في الدولة المصرية وكان له قدر وأبهة في الأيام الآمرية وغيرها ولما كان في الأيام الآمرية تقدّم إلى الناس بالعمارة قبالة الخرق غربيّ الخليج فأوّل من اتبدأ وعمر الرئيس ابن التبان فإنه أنشأ مسجدًا وبستانًا ودارًا فعُرفت تلك الخطة به إلى الآن ثم بنى سعد الدولة والي القاهرة وناهض الدولة عليّ وعديّ الدولة أبو البركات محمد بن عثمان وجماعة من فراشي الخاص‏.‏

واتصلت العمارة بالآجرّ والسقوف النقية والأبواب المنظومة من باب البستان المعروف بالعدّة على شاطىء الخليج الغربيّ إلى البستان المعروف بأبي اليمن‏.‏

ثم ابتنى جماعة غيرهم ممن يرغب في الأجرة والرجة على التراع التي تتصرّف من الخليج إلى الزهريّ والبساتين من المنازل والدكاكين شيئًا كثيرًا وهي الناحية المعروفة الآن بشق الثعبان وسويقة القميريّ إلى أن وصل البناء إلى قبالة البستان المعروف بنور الدولة الربعيّ وهذا البستان معروف في هذا الوقت بالخطة المذكورة وهو متلاشي الحال بسبب ملوحة بئره وبستان نور الدولة هو الآن الميدان الظاهريّ والمناظر به وتفرّقت الشوارع والطرق وسُكِنت الدكاكين والدور وكثر المترّددون إليه والمعاش فيه إلى أن استناب والي القاهرة بها نائبًا عنه ثم تلاشت تلك الأحوال وتغيرت إلى أن صارت أطلالًا وعفت تلك الآثار‏.‏

ثم بعد ذلك حكر آدر أو بساتين وبُني على غير تلك الصفة المقدّم ذكرها وبُني على ما هو عليه ثم حُكر بستان الزهريّ آدرًا ولم يبق منه إلاّ قطعة كبيرة بستانًا وهو الآن أحكار تعرف بالزهريذ ويعرف البرّ جميعه ببرّ ابن التبان إلى هذا الوقت وولايته تعرف بولاية الحكمر وبني به حمام الشيخ نجم الدين بن الرفعة وحمام تُعرف بالقيمري وحمام تعرف بحمّام الداية انتهى‏.‏

بستان أبي اليمان يُعرف اليوم مكانه بحرك أقبغا وفيه جامع الست مسكة وسويقة السباعين‏.‏

وبستان السراج في أرض باب اللوق يُعرف موضعه الآن بحرك الخليليّ ويأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى‏.‏

وقيماز هو تاج الدولة صهر الأمير بهرام الأرمنيّ وزير الخليفة الحافظ لدين الله وقتل عند دخول الصالح طلائع بن رزيك إلى القاهرة في سنة تسع وأربعين وخمسمائة وعزاز هو غلام الوزير شاور بن مجير السعديّ وزير الخليفة العاضد لدين الله‏.‏

حكر الخليلي هذا الحكر هو الخط الذي بقرب سويقة السباعين وجامع الست مسكة وهو بجوار حكر الزهريّ وكان بستانًا يُعرف ببستان أبي اليمان ومنهم من يكتب بستان أبي اليمن بغير ألف بعد الميم ثم عرف ببستان ابن جن حلوان وهو الجمال محمد بن الزكي يحيى بن عبد المنعم بن منصور التاجر‏.‏

في ثمرة البساتين عُرف بابن جن حلوان في سنة إحدى وتسعين وستمائة وحدّ هذا البستان القبليّ إلى الخليج وكان فيه بابه الهماليا والحدّ البحريّ ينتهي إلى غيظ قيماز والشرقيّ إلى الآدر المحتكرة والغربيّ ينتهي إلى قطعة تعرف قيدمًا بابن أبي التاج‏.‏

ثم عرب ببستان ابن السراج واستأجره ابن جن حلوان من الشيخ نجم الدين بن الرفعة الفقيه المشهور في سنة ثمان وثمانين وستمائة فعرف به‏.‏

ثم إن هذا البستان حكر بعد ذلك فعرف بحكر الخليليّ وهو‏.‏

‏.‏

‏.‏

حكر قوصون هذا الحكر مجاور لقناطر السباع كان بستانين أحدهما يُعرف بالمخاريق الكبرى والآخر يعرف بالمخاريق الصغرى فأمّا المخاريق الكبرى‏:‏ فإن القاضي الرئيس الأجل المختار العدل الأمين زكيّ الدين أبا العباس أحمد بن مرتضى بن سيد الأهل بن يوسف وقف حصة من جميع البستان المذكور الكبير المعروف بالمخاريق الكبرى الذي بين القاهرة ومصر بعدوة الخليج فيما بين البستانين المعروف أحدهما بالمخاريق الصغرى ويُعرف قديمًا بالشيخ الأجل ابن أبي أسامة ثم عُرف بغيره والبستان الذي يُعرف بدويرة دينار يفصل بينهما الطريق بخط بستان الزهريّ وبستان أبي اليمن وكنائس النصارى قبالة جماميز السعدية والسبع سقايات ولهذا البستان حدود أربعة‏:‏ القبليّ ينتهي إلى الخليج الفاصل بينه وبين المواضع المعروفة بجماميز السعدية والسبع سقايات والحدّ الشرقيّ ينتهي إلى البستان المعروف بالمخاريق الصغرى المقابل للمجنونة والبحريّ ينتهي إلى البستان المعروف قديمًا بابن أبي أسامة الفاصل بينه وبين بستان أبي اليمن المجاور للزهريّ والحدّ الغربيّ ينتهي إلى الطريق‏.‏

وجُعل هذا البستان على القربات بعد عمارته وشرط أن الناظر يشتري في كل فصل من فصول الشتاء ما يراه من قماش الكتان الخام أو القطن ويصنع ذلك جبابًا وبغالطيق محشوّة قطنًا ويفرّقها على الأيتام الذكور والإناث الفقراء غير البالغين بالشارع الأعظم خارج باب زويلة لكل واحد جبة أو بغلطاق فإنه تعذر ذلك كان على الأيتام المتصفين بالصفة المذكورة بالقاهرة ومصر وقرافتيهما فإن تعذر ذلك كان للفقراء والمساكين أينما وجدوا‏.‏

وتاريخ كتاب هذا الوقف في ذي الحجة سنة ستين وستمائة وأما المخاريق الصغرى فإنه بعدوة الخليج قبالة المجنونة بالقرب من بستان أبي اليمن ثم عرف أخيرًا ببستان بهادر رأس نوبة ومساحته خمسة عشر فدّانًا فاشتراه الأمير قوصون وقلع غروسه وأذن للناس في البناء عليه فحكروه وبنوا يه الآدر وغيرها وعرف بحكر قوصون‏.‏