فصل: ثم دخلت سنة ست وخمسين وثلثمائة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم **


 ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة

فمن الحوادث فيها أنه في اليوم العاشر من المحرم أغلقت الأسواق ببغداد وعطل البيع ولم يذبح القصابون ولا طبخ الهراسون ولا ترك الناس أن يستقوا الماء ونصبت القباب في الأسواق وعلقت عليها المسموح وخرجت النساء منتشرات الشعور يلطمن في الأسواق وأقيمت النائحة على الحسين عليه وفي نصف ربيع الأول‏:‏ ورد الخبر بأن ألف رجل من الأرمن ساروا إلى الرها فاستاقوا خمسة آلاف رأس من الغنم وخمسمائة من البقر والدواب واستأسروا عشرة أنفس وانصرفوا موقرين‏.‏

وفي جمادى الآخرة‏:‏ قلد أبو بشر عمر بن أكثم القضاء بمدينة السلام بأسرها على أن يتولى ذلك بلا رزق وخلع عليه ورفع كان يحمله أبو العباس بن أبي الشوارب وأمر أن لا يمضي شيئًا من أحكام أبي العباس وفي شعبان‏:‏ قلد قضاءالقضاة وفي شعبان‏:‏ مات الدمستق الذي فتح بلدة حلب واسمه‏:‏ نقفور وفي ليلة الخميس ثامن عشر ذي الحجة‏:‏ وهو يوم ‏"‏ غدير خم ‏"‏ أشعلت النيران وضربت الدبادب والبوقات وبكر الناس إلى مقابر قريش قال ثابت بن سنان المؤرخ‏:‏ حدثني جماعة من أهل الموصل ممن أثق به‏:‏ أن بعض بطارقة الأرمن أنفذ في سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة إلى ناصر الدولة رجلين من الأرمن ملتصقين بينهما خمس وعشرون سنة سليمين ومعهما أبوهما وأن الالتصاق كان في المعدة ولهما بطنان وسرتان ومعدتان وأوقات جوعهما وعطشهما تختلف وكذلك أوقات البول والبراز ولكل واحد منهما صدر وكتفان وذراعان ويدان وفخذان وساقان وقدمان وإحليل وكان أحدهما يميل إلى النساء والآخر يميل إلى الغلمان وكان أحدهما إذا دخل إلى المستراح دخل قرينه معه وأن ناصر الدولة وهب لهما ألفي دينار وأراد أن يحدرهما إلى بغداد ثم انصرف رأيه عن ذلك‏.‏

أخبرنا محمد بن أبي طاهر أخبرنا علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال‏:‏ حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد وأبو عمر أحمد بن محمد الخلال قالا‏:‏ حدثنا جماعة كثيرة العدد من أهل الموصل وغيرهم ممن كنا نثق بهم ويقع لنا العلم بصحة ما حدثوا به لكثرته وظهوره وتواتره‏.‏

أنهم شاهدوا بالموصل سنة نيف وأربعين وثلثمائة رجلين أنفذهما صاحب أرمينية إلى ناصر الدولة للأعجوبة منهما وكان لهما نحو من ثلاثين سنة وهما ملتزقان من جانب واحد ومن حد فويق الحقو إلى دوين الأبط وكان معهما أبوهما فذكر لهم أنهما ولدا كذلك توأمًا تراهما يلبسان قميصين وسراويلين كل واحد منهما لباسهما مفردًا إلا أنهما لم يكن يمكنهما لالتزاق كتفيهما وأيديهما في المشي لضيق ذلك عليهما فيجعل كل واحد منهما يده التي تلي أخاه من جانب الالتزاق خلف ظهر أخيه ويمشيان كذلك وإنما كانا يركبان دابة واحدة ولا يمكن أحدهما التصرف إلا بتصرف الآخر معه وإذا أراد أحدهما الغائط قام الآخر معه وإن لم يكن محتاجًا وأن اباهما حدثهم أنه لما ولدا أراد أن يفرق بينهما فقيل له‏:‏ أنهما يتلفان لأن التزاقهما من جنب الخاصرة وأنه لا يجوز أن يسلما فتركهما وكانا مسلمين فأجازهما ناصر الدولة وخلع قال أبو محمد‏:‏ وأخبرني جماعة أنهما خرجا إلى بلدهما فاعتل أحدهما ومات وبقي الآخر أيامًا حتى أنتن أخاه وأخوه حي لا يمكنه الترف ولا يمكن الأب دفن الميت إلى أن لحقت الحي علة من الغم والرائحة فمات أيضًا فدفنا جميعًا وكان ناصر الدولة قد جمع لهما الأطباء وقال‏:‏ هل من حيلة في الفصل بينهما فسألهما الأطباء عن الجوع هل تجوعان في وقت واحد فقال‏:‏ إذا جاع الواحد منا تبعه جوع الآخر بشيء يسير من الزمان وإن شرب أحدنا دواء مسهلًا انحل طبع الآخر بعد ساعة وقد يلحق أحدنا الغائط ولا يلحق الآخر ثم يلحقه بعد ساعة فنظروا فإذا لهما جوف واحد وسرة واحدة ومعدة واحدة وكبد واحد وطحال واحد وليس من الالتصاق أضلاع فعلموا أنهما إن فصلا تلفا ووجدوا لهما ذكران وأربع بيضات وكان ربما وقع بينهما خلاف وتشاجر فتخاصما أعظم خصومة حتى ربما حلف أحدهما لا أكلم الآخر أيامًا ثم يصطلحان‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

عمر بن أكثم بن أحمد بن حيان بن بشر أبو بشر الأسدي

ولد سنة أربع وثمانين ومائتين وولي القضاء ببغداد في أيام المطيع لله من قبل أبي السائب عتبة بن عبيد الله ثم ولي قضاء القضاة بعد ذلك وكان ينتحل مذهب الشافعي رحمه الله ولم يل قضاء القضاة من الشافعيين قبله غير أبي السائب فقط‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن جعفر قال‏:‏ لما افتتح المطيع لله والأمير معز الدولة أحمد بن بويه البصرة في سنة ست وثلاثين وثلثمائة خرج القاضي أبو السائب عتبة بن عبد الله إلى البصرة مهنيًا لهما وكان يكتب له على الحكم عمر بن أكثم وكان قد نشأ نشوءًا حسنًا على صيانة تامة فقبل الحكام شهادته ثم كتب للقضاة واستخلفه أبو السائب عند خروجه على الجانب الشرقي ثم جمع البلد لأبي السائب وهو بالبصرة مع المطيع فكتب بذلك إلى الحضرة واستخلفه على بغداد بأسرها فأجرى الأمور مجاريها فظهرت منه خشونة فانحسم عنه الطمع ثم أصعد أبو السائب ثم أصعد أبو السائب إلى الحضرة وعاد أبو بشر إلى كتابته وكان جد أبيه حيان قد تقلد القضاء في نواح كثيرة وتقلد أصبهان ثم تقلد الشرقية فنظرت فإذا أبو بشر قد جلس في الشرقية في الموضع الذي جلس فيه عند جد أبيه بعد مائة سنة توفي أبو بشر في ربيع الأول من هذه السنة‏.‏

محمد بن إسحاق بن مهران المنقري حدث عن أبي العباس البراثي والحسن بن الحباب وعلي بن حماد الخشاب وحديثه كثير المناكير روى عنه يوسف بن عمر القواس وابن رزقويه وتوفي في هذه السنة‏.‏

محمد بن أحمد بن موسى بن هارون بن الصلت أبو الطيب الأهوازي سكن بغداد وحدث بها عن أبي خليفة الفضل بن الحباب البصري وغيره روى عنه الدارقطني وكان صدوقًا وتوفي في هذه السنة‏.‏

محمد بن أحمد بن يوسف بن جعفر أبو الطيب المقرئ غلام ابن شنبوذ خرج من بغداد وتغرب وحدث بجرجان وأصبهان عن إدريس بن عبد الكريم وابن شنبوذ وغيرهما وتوفي في هذه السنة‏.‏

 ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وثلثمائة

فمن الحوادث فيها أنه عمل في عاشوراء مثل ما عمل في السنة الماضية من تعطيل الأسواق وإقامة النواح فلما أضحى النهار يومئذ وقعت فتنة عظيمة في قطيعة أم جعفر وطريق مقابر قريش بين السنة والشيعة ونهب الناس بعضهم بعضًا ووقعت بينهم جراحات‏.‏

وورد الخبر بنزول جيش ضخم من الروم على المصيصة وفيه الدمستق وأقام عليها سبعة أيام ونقب في سورها نيفًا وستين نقبًا ولم يصل ودافعه أهلها وانصرف إذ قصرت به الميرة بعد أن أقام ببلاد الإلام خمسة عشر يومًا وأحرق الدمستق المصيصة وأذنة وطرطوس وذلك لمعاونتهم أهل مصيصة على الروم فظفر بهم الروم فقتلوا نحو خمسة آلاف رجل وقتل أهل أذنة وأهل طرسوس من الروم عددًا كثيرًا وقال الدمستق قبل انصرافه عن المصيصة‏:‏ يا أهل المصيصة إني منصرف عنكم لا لعجز عن فتح مدينتكم ولكن لضيق العلوفة وأنا عائد إليكم بعد هذا الوقت فمن أراد منكم الهرب فليهرب قبل رجوعي فمن وجدته قتلته‏.‏

وورد الخبر في ربيع الأول‏:‏ أن الغلاء بأنطاكية وسائر الثغور اشتد حتى لم يقدر على الخبز وانتقل من الثغور إلى دمشق وغيرها خمسون ألفًا هربًا من الغلاء‏.‏

وفي جمادى الأولى‏:‏ ورد الخبر بأن الهجريين أنفذوا سرية إلى طبرية واستمدوا من سيف الدولة حديدًا فقلع أبواب الرقة - وكانت من حديد - وأخذ كل حديد وجد حتى أخذ صنجات وفي جمادى الآخرة‏:‏ أراد معز الدولة الإصعاد إلى الموصل فانحدر إلى الخليفة فودعه وخرج‏.‏

وروى هلال بن المحسن الصابي عن أبي الحسن ابن الخراساني حاجب معز الدولة قال‏:‏ كنت مع معز الدولة بحضرة المطيع فلما تقوض المجلس قال لي‏:‏ قل للخليفة‏:‏ أريد أن أطوف الدار وأشاهدها وأتأمل صحونها وبساتينها فيتقدم إلي من يمشي معي ويطيفني‏.‏

فقلت له ذلك فتقدم إلى خادمه شاهك وحاجبه ابن أبي عمرو فمشيا بين يديه وأنا وراءهما بعدنا عن حضرة الخليفة فقالا له‏:‏ لا يجوز أن نتخرق الدار في أكثر من نفسين أو ثلاثة فاختر من تريد واردد الباقين فأخذ أبا جعفر الصيمري معه ونحن عشرة من غلمانه وحجابه ووقف باقي الجند والحواشي في صحن السلام ودخلنا ومضى الأمير مسرعًا فلحقته وجذبت قباءه من خلفه فالتفت إلي فقلت له بالفارسية وأصحاب الخليفة لا يعرفونها‏:‏ في أي موضع أنت حتى تسترسل هذا الاسترسال وتعدو من غير تحفظ ولا استظهار ألا تعلم أنه قد فتك في هذا الدار بألف أمير ووزير وما كان غرضك في أن تطوف وحدك أليس لو وقف لنا عشرة نفر من الخدم أو غيرهم في هذه الممرات الضيقة لأخذونا فقال له الصميري‏:‏ قد صدقك فقال‏:‏ قد كان ذلك غلطًا والآن فإن رجعنا الساعة علم أننا قد فزعنا وخفنا وسقطنا بذلك من أعينهم وضعفت هيبتنا في صدورهم ولكن احتفوا بي فإن مائة من هؤلاء لا يقاوموننا ونحن قال‏:‏ فسعينا سعيًا حثيثًا وانتهيتا إلى دار فيها صنم من صفر على صورة امرأة وبين يديه أصنام صغار كالوصائف فرأينا من ذلك ما أعجبنا وتحير معز الدولة وسأل عن الصنم فقيل له‏:‏ هذا صنم حمل في أيام المقتدر بالله من بلد الهند لما فتح صاحب عمان ذلك البلد وقيل‏:‏ إنه كان يعبد هناك‏:‏ فقال معز الدولة‏:‏ إني قد استحسنت هذا الصنم وشغفت به ولو كانت مكانه جارية لاشتريتها بمائة ألف دينار على قلة رغبتي في الجواري وأريد أن أطلبه من الخليفة ليكون قريبًا مني فأراه في كل وقت فقال له الصميري لا تفعل فإنه ينسبك في ذلك إلى ما ترتفع عنه‏.‏

قال‏:‏ وبادرنا بالخروج فما رجعت إلينا عقولنا إلا بعد اجتماعنا مع أصحابنا ونزل معز الدولة الطيار فقال لأبي جعفر الصميري‏:‏ قد ازدادت محبتي للمطيع لله وثقتي به لأنه لو كان يضمر لي سوءًا أو يريده بي لكنا اليوم في قبضة فقال الصميري‏:‏ الأمر على ذلك وصعد معز الدولة إلى داره وأمر بحمل عشرة آلاف درهم إلى نقيب الطالبيين ليفرقها فيهم شكرًا لله على سلامته‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

بكار بن أحمد بن بكار بن بنان بن بكار بن زياد ولد في صفر سنة خمس وسبعين ومائتين وحدث عن عبد الله بن أحمد وغيره وروى عنه أبو الحسن الحمامي وكان ثقة ينزل بالجانب الشرقي في سوق يحيى توفي في ربيع الأول من هذه السنة ودفن عند قبر أبي حنيفة في مقبرة الخيزران‏.‏

ثوابة بن أحمد بن ثوابة بن مهران بن عبد الله أبو الحسن الموصلي‏:‏ قدم بغداد وحدث بها عن أبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى وغيره روى عنه الدارقطني وابن رزقويه وكان صدوقًا‏.‏

توفي في محرم هذه السنة‏.‏

جعفر بن محمد بن أحمد بن الحكم أبو محمد المؤدب واسطي الأصل سمع الباغندي والكديمي وعبد الله بن أحمد روى عنه ابن رزقويه وأبو علي بن شاذان وكان ثقة كثير الحديث‏.‏

توفي في رمضان هذه السنة‏.‏

شجاع بن جعفر بن أحمد أبو الفوارس الوراق الواعظ كان يذكر أنه من ولد أبي أيوب الأنصاري وحدث عن عباس الدوري وابن أبي خثيمة عبد الله بن محمد لن عبد الله بن عبد الرحمن أبو بكر الرازي الأصل النسائي روى عن الجنيد وسمنون وأبي عثمان وغيرهم‏.‏

وكتب الحديث ورواه وكان ثقة توفي في هذه السنة‏.‏

عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن الواثق بالله أبو محمد الهاشمي سمع أبا مسلم الكجي وأبا شعيب الحراني ويوسف القاضي وجعفر الفريابي روى عنه الدارقطني وابن رزقويه وكان ثقة توفي في ذي الحجة‏.‏

محمد بن إسماعيل بن موسى بن هارون أبو الحسين الرازي المكتب سكن بغداد بقصر عيسى وحدث عن أبي حاتم الرازي وإبراهيم الحربي وغيرهما وهو ضعيف وله أحاديث منكرة منها‏:‏ ما أخبرنا به عبد الرحمن بن محمد‏.‏

أخبرنا أبو بكر علي بن ثابت الخطيب أخبرنا علي بن أحمد الوزان أخبرنا محمد بن إسماعيل بن موسى حدثنا عمرو بن تميم بن سيار قال حدثنا هوذة بن خليفة عن ابن جريج عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أن سركم أن تزكو صلاتكم فقدموا خياركم‏"‏‏.‏

قال الخطيب‏:‏ هذا حديث منكر بهذا الإسناد ورجاله كلهم ثقات والحمل فيه على الرازي وكان أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري يكذبه في رواياته‏.‏

محمد بن المهلب ويلقب بندار ويكنى أبا الحسين الشيرازي كان الشبلي يعظمه وتوفي في هذه السنة‏.‏

محمد بن محمد بن الحسن أبو عبد الله التروغندي الطوسي صحب أبا عثمان الحيري وكان علي الهمة له كرامات توفي في هذه السنة‏.‏

محمد بن أبي الطيب أحمد بن أبي القاسم عبد الله بن محمد يكنى أبا الفتح البغوي حدث عن بشر بن موسى وجده البغوي‏.‏

وتوفي في يوم السبت لاثنتي عشرة بقيت من المحرم أبو إسحاق الهجيمي ولد في سنة خمسين ومائتين وسمع الحديث وأقسم لا يحدث أو يجوز المائة فأبر الله عز وجل قسمه فجازها وحدث في المحرم سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة وتوفي في هذه السنة رحمه الله وإيانا وجميع المسلمين‏.‏

 ثم دخلت سنة أربع وخمسين وثلثمائة

فمن الحوادث فيها أنه عمل في يوم عاشوراء ماجرت به عادة القوم من إقامة النوح وتعليق المسوح وفي ليلة السبت الثالث عشر من صفر‏:‏ انكسف القمر كله وفي ليلة الثلاثاء لعشر بقين من ربيع الآخر‏:‏ كبس مسجد براثا وقتل في قوامه نفسان‏.‏

وفي نيسان‏:‏ جاء برد كبار جدًا حكى بعض من يوثق به أنه وزن بردة فكان فيها مائة درهم‏.‏

وفي يوم الأربعاء لأربع خلون من جمادى الآخرة من هذه السنة‏:‏ تقلد أبو أحمد الحسين بن موسى الموسوي نقابة الطالبيين بأسرهم سوى أبي الحسن بن أبي الطيب وولده فإنهم استعفوا منه فرد وفي سحر يوم السبت لثمان بقين من جمادى الأولى‏:‏ ماتت أخت معز الدولة فركب الخليفة المطيع لله في طيارة وأصعد إليه إلى بستان الصميري الذي ذكرنا أنه بناه في حوادث تلك السنة وكان صعود الخليفة إليه بسبب تعزيته بأخته فلما بلغ معز الدولة صعود الخليفة إليه في دجلة نزل إليه معز الدولة ووقف في الدرجة ولم يكلفه الصعود فعزاه الخليفة فشكره معز الدولة وقبل الأرض دفعات ثم انحدر المطيع إلى دار الخليفة‏.‏

وورد الخبر أن ملك الروم جاء إلى المصيصة ففتحها وقتل من أهلها مقتلة عظيمة وساق من بقي وكانوا نحو مائتي ألف وقد ذكرنا أنه كان في العام الماضي أتى نحوها ولم ينل منها لأجل قلة الميرة عليه وقال ما قال فلما كان في هذه السنة وهي سنة أربع وخمسين وثلثمائة فتحها عنوة ومضى إلى طرسوس طالبًا لحصارها فأذعنوا بالطاعة فأعطاهم الأمان فدخلها وأمرهم بالانتقال عنها فانتقلوا وجعل المسجد الجامع اصطبلًا لدوابه ونقل ما فيه من القناديل إلى بلده وأحرق المنبر ثم أمر بعمارتها فتراجع أهلها وتنصر بعضهم‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ جعل المسير بالحاج إلى أبي أحمد الحسين بن موسى النقيب وعمل يوم غدير خم ببغداد ما تقدم ذكره من إشعال النار في ليلته وضرب الدبابات والبوقات وبكور الناس إلى مقابر قريش‏.‏

أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد أبو الطيب الجعفي الشاعر المتنبي كان أبو يعرف بعبدان قال شيخنا ابن ناصر‏:‏ سمعت أبا زكريا يقول‏:‏ سمعت أبا القاسم بن برهان يقول‏:‏ عبدان بفتح العين جمع عبدانة وهي النخلة الطويلة ومن قال‏:‏ عبدان بكسر العين فقد أخطأ‏.‏

ولد المتنبي بالكوفة سنة ثلاث وثلثمائة ونشأ بالشام فأكثر المقام بالبادية وطلب الأدب وعلم العربية وفاق أهل عصره في الشعر واتصل بالأمير أبي الحسن بن حمدان المعروف بسيف الدولة فانقطع إليه وأكثر القول في مديحه ثم مضى إلى مصر فمدح بها كافورًا الخادم الأخشيدي ثم ورد بعد ذلك بغداد‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت أخبرنا علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال‏:‏ حدثني أبو الحسن محمد بن يحيى العلوي قال‏:‏ كان المتنبي وهو صبي ينزل في جوار بالكوفة وكان أبو يعرف بعبدان السقاء يستقي لنا ولأهل المحلة ونشأ هو محبًا للعلم والأدب وصحب الأعراب فجاءنا بعد سنين بدويًا قحًا وكان تعلم الكتابة والقراءة وأكثر من ملازمة الوراقين‏.‏

فأخبرني وراق كان يجلس إليه قال لي‏:‏ ما رأيت أحفظ من هذا الفتى ابن عبدان قلت له‏:‏ كيف قال‏:‏ كان اليوم عندي وقد أحضر رجل كتابًا من كتب الأصمعي نحو ثلاثين ورقة ليبيعه فأخذ ينظر فيه طويلًا فقال له الرجل‏:‏ يا هذا أريد بيعه وقد قطعتني عن ذلك وإن كنت تريد حفظه فهذا إن شاء الله سيكون بعد شهر فقال له‏:‏ فإن كنت قد حفظته في هذه المدة فمالي عليك قال‏:‏ أهب لك الكتاب قال‏:‏ فأخذت الدفتر من يده فأقبل يتلو علي إلى آخره ثم استلمه فجعله في كمه فقام صاحبه وتعلق به وطالبه بالثمن فقال‏:‏ ما إلى ذلك سبيل قد وهبته لي فمنعناه منه وقلنا له‏:‏ أنت شرطت على نفسك هذا للغلام فتركه عليه‏.‏

قال المحسن‏:‏ وسألت المتنبي عن نسبه فما اعترف لي به وقال‏:‏ أنا رجل أختط القبائل وأطوي البوادي وحدي ومتى انتيبت لم آمن أن يأخذني بعض العرب بطائلة بيننا وبين القبيلة التي انتسب إليها ما دمت غير منتسب إلى أحد فأنا أسلم على جميعهم‏.‏

قال المحسن‏:‏ واجتمعت بعد موت المتنبي بعد سنين مع القاضي أبي الحسن ابن أم شيبان الهاشمي وجرى ذكر المتنبي فقال‏:‏ كنت أعرف أباه بالكوفة شيخًا يسمى‏:‏ عبدان يستقي على بعير له وكان جعفيًا صحيح النسب قال‏:‏ وكان المتنبي لما خرج إلى كلب فأقام بينهم ادعى أنه علوي حسني ثم ادعى بعد ذلك النبوة ثم عاد يدعي أنه علوي إلى أن شهد عليه بالشام بالكذب في الدعوتين وحبس دهرًا طويلًا وأشرف على القتل ثم استتيب وأشهد عليه بالتوبة وأطلق‏.‏

قال المحسن‏:‏ وحدثني أبو علي بن أبي حامد قال‏:‏ سمعت خلقًا كثيرًا بحلب يحكون وأبو الطيب المتنبي بها إذ ذاك تنبأ في بادية السماوة ونواحيها إلى أن خرج بها لؤلؤ أمير حمص فقاتله وأسره وشرد من كان اجتمع إليه من كلب وكلاب وغيرهما من قبائل العرب وحبسه دهرًا طويلًا فاعتل وكاد يتلف فسئل عن أمره فاستتابه وكتب عليه ببطلان ما ادعاه ورجوعه إلى الإسلام قال‏:‏ وكان قد تلا على البوادي كلامًا ذكر أنه قرآنًا أنزل عليه فمن ذلك‏:‏ ‏"‏ والنجم السيار والفلك الدوار والليل والنهار إن الكافر لفي أخطار إمض على سنتك واقف أثر من كان قبلك من المرسلين فإن الله قامع بك زيغ من ألحد في دينه وضل عن سبيله ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وكان المتنبي إذا شوغب في مجلس سيف الدولة فذكر أن له هذا القرآن وأمثاله مما يحكي عنه فينكره ويجحده‏.‏

قال‏:‏ وقال ابن خالويه النحوي يومًا في مجلس سيف الدولة‏:‏ لولا أن الآخر جاهل لما رضي أن يدعى بالمتنبي لأن ‏"‏ متنبي ‏"‏ معناه‏:‏ كاذب ومن رضي أنه يدعي بالكذب فهو كاذب فهو جاهل فقال له‏:‏ أنا لست أرضى أن أدعى به وإنما يدعوني به من يريد الغض مني ولست أقدر على الامتناع قال المحسن‏:‏ فأما أنا فسألته في الأهواز سنة أربع وخمسين وثلثمائة عن معنى المتنبي فأجابني بجواب مغالط لي وقال‏:‏ هذا شيء كان في الحداثة أوجبته الصورة فاستحييت أن أستقصي عليه فأمسكت‏.‏

ذكر مقتل المتنبي أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت الحافظ قال‏:‏ حدثني علي بن أيوب قال‏:‏ خرج المتنبي من بغداد إلى فارس فمدح عضد الدولة وأقام عنده مديدة ثم رجع من شيراز يريد بغداد فقتل بالطريق بالقرب من النعمانية في شهر رمضان وقيل‏:‏ في شعبان من سنة أربع وخمسين وثلثمائة وفي سبب قتله ثلاثة أقوال‏:‏ أحدها‏:‏ أنه كان معه مال كثير فقتله العرب لأخذ ماله فذكر بعض العلماء أنه وصل إليه عضد الدولة أكثر من مائتي ألف درهم والقصيدة قصيدته التي يقول فيها‏:‏

ولو أني استطعت غضضت طرفي ** فلم أبصر به حتى أراكا

وفي آخرها‏:‏

وأنى شئت يا طرقي فكوني ** أذاة أو نجاة أو هلاكا

فجعل قافية البيت الهلاك فهلك وذلك أنه ارتحل عن شيراز بحسن حال وكثرة مال ولم يستصب خفيرًا فخرج عليه أعراب فحاربهم فقتل هو وابنه محمد وفتى من غلمانه وفاز الأعراب بأمواله وكان قتله بشط دجلة في موضع يعرف بالصافية يوم الأربعاء لثلاث بقين من رمضان سنة أربع وخمسين وثلثمائة واسم قاتله‏:‏ فاتك بن أبي الجهل الأسدي‏.‏

والثاني‏:‏ أن سبب قتله‏:‏ كلمة قالها عن عضد الدولة فدس عليه من قتله‏.‏

وذكر مظفر بن علي الكاتب قال‏:‏ اجتمعت برجل من بني ضبة يكنى‏:‏ أبا رشيد فذكر أنه حضر قتل المتنبي وأنه كان صبيًا حين راهق حينئذ وكان المتنبي قد وفد على عضد الدولة وهو بشيراز ثم صحبه إلى الأهواز فأكرمه ووصله بثلاثة آلاف دينار وثلاث كساء في كل كسوة سبع قطع وثلاثة أفراس بسروج محلاة ثم دس عليه من سأله‏:‏ أين هذا العطاء من عطاء سيف الدولة بن حمدان فقال المتنبي‏:‏ هذا أجزل إلا أنه عطاء متكلف وكان سيف الدولة يعطي طبعًا فاغتاظ عضد الدولة لما نقل إليه هذا وأذن لقوم من بني ضبة في قتله إذا انصرف قال‏:‏ فمضيت مع أبي وكنا في ستين راكبًا فكمنا في واد فمر في الليل ولم يعلم به فلما أصبحنا تقفينا أثره فلحقناه وقد نزل تحت شجرة كمثرى وعندها عين وبين يديه سفرة طعام فلما رآنا قام ونادى‏:‏ هلموا وجوه العرب فلم يجبه أحد فأحس بالداهية فركب ومعه ولده وخمسة عشر غلامًا له وجمعوا الرجال والجمال والبغال فلو ثبت مع الرجالة لم يقدر عليه ولكنه برز إلينا يطاردنا

قال‏:‏ وأخذ غلمانه وانهزم شيئًا يسيرًا‏.‏

فقال له غلام له‏:‏ أين قولك‏.‏

الخيل والليل والبيداء تعرفني ** والحرب والضرب والقرطاس والقلم

فقال له‏:‏ قتلتني قتلك الله والله لا انهزمت اليوم ثم رجع كارًا علينا فطعن زعيمنا في عنقه فقتله واختلفت عليه الرماح فقتل فرجعنا إلى الغنائم وكنت جائعًا فلم يكن لي هم إلا السفرة فأخذت آكل منها فجاء أبي فضربني بالسوط وقال‏:‏ الناس في الغنائم وأنت مع بطنك أكفأ ما في الصحاف وآعطنيها فكفأت ما فيها ودفعتها إليه وكانت فضة ورميت بالدجاج والفراخ في حجرتي‏.‏

والثالث‏:‏ أن المتنبي هجم على ضبة الأسدي فقال‏:‏ ما أنصف القوم ضبه وأمه الطرطبه‏.‏

فبلغته فأقام له في الطريق من قتله وقتل ولده وأخذ ما معه وكان ضبة يقطع الطريق‏.‏

ذكره هلال بن المحسن الصابي‏.‏

وأشعاره فائقة الحسن رائعة الصناعة وقد ذكرت من منتخبها أبياتًا كعادتي عند ذكر كل شاعر

أذكره فمن ذلك قوله‏.‏

حاشى الرقيب فخانته ضمائره و غيض الدمع فانهلت بوادره وكاتم الحب يوم البين منهتك وصاحب الدمع لا تخفى سرائره يا من تحكم في نفسي فعذبني ومن فؤادي على قتلي يظافره تمضي الركائب والأبصار شاخصة منها إلى الملك الميمون طائره حلو خلائقه شوس حقائقه يحصى الحصى قبل أن يحصى مآثره تضيق عن جيشه الدنيا ولو رحبت كصدره لم تضق فيها عساكره وله‏:‏ لك يا منازل في القلوب منازل أقفرت أنت وهن منك أواهل يعلمنا ذاك و ما علمت وإنما أولًا كما يبكي علي العاقل و أنا الذي اجتلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتل أثني عليك ولو تشاء لقلت لي قصرت فالإمساك عني نائل وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني فاضل وله‏:‏ قد علم البين منا البين أجفان تدمى و ألف في ذا القلب أحزانا قد كنت أشفق من دمعي على بصري فاليوم كل عزيز بعدكما هانا تهدي البوارق أخلاف المياه لكم وللمحب من التذكار نيرانا إذا قدمت على الأهوال شيعني قلب إذا شئت أن يسلاكم خانا لا أستزيدك فيما فيك من كرم أنا الذي نام إن نبهت يقظانا وله‏:‏ أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل دعا فلباه قبل الركب والإبل ظللت بين أصيحابي أكفكفه فظل يفسح بين العذر والعذل أشكو النوى ولهم من مقلتي أرق كذاك أشكو سوى الكلل و ما صبابة مشتاق على أمل من اللقاء كمشتاق بلا أمل الهجر أقتل لي مما أراقبه أنا الغريق فما خوفي من البلل خذ ما تراه ودع شيئًا سمعت به في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل وله‏:‏ لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي وللحب ما لم يبق مني و ما بقي و ما كنت ممن يدخل العشق قلبه و لكن من يبصر جفونك يعشق وبين الرضى و السخط والقرب و النوى مجال الدمع المقلة المترقرق و أحلى الهوى ما شك في الوصل ربه و في الهجر فهو الدهر يرجو و يتقي و ما كمد الحساد مما قصدته ولكنه من يزحم البحر يغرق وله‏:‏ من الجآذر في زي الأعاريب حمر الحلى و المطايا والجلابيب إن كنت تسأل شكًا في معارفها فمن بلاك بتسهيد و تعذيب كم زورة لك في الأعراب خافية أدهى بلاك بتسهيد و تعذيب أوزرهم و سواد الليل يشفع لي وأنثني و بياض الصبح يغري بي قد حالفوا الوحش في سكنى مراتعها وخالفوها بتقويض و تطنيب أفدي ظباءه فلاة ما عرفن بها مضغ الكلام و لا صبغ الحواجيب و لا برزن من الحمام مائلة أوراكهن صقيلات العراقيب و من هوى كل من ليست مموهة تركت لون مشيبي غير مخضوب كأن كل سؤال في مسامعه قميص يوسف في أجفان يعقوب أنت الحبيب و لكني أعوذ به من أكون محبًا غير محبوب علي بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول أبو الحسن التنوخي القاضي ولد في شوال سنة إحدى وثلثمائة وكان حافظًا للقرآن قرأ على أبي بكر بن مقسم بحرف حمزة و قرأ على ابن مجاهد بعض القرآن وتفقه على مذهب أبي حنيفة وقرأ النحو و اللغة و الأخبار و الأشعار و قال الشعر وتقلد القضاء بالأنبار و هيت من قبل أبيه ثم ولي من قبل الراضي بالله سنة سبع وعشرين القضاء بطريق خراسان ثم صرف و بقي إلى أن قلده أبو السائب عتبة بن عبد الله في سنة إحدى و أربعين و هو يومئذ يتولى قضاء القضاة بالأنبار و هيت و أضاف له إليهما بعد مدة الكوفة ثم أقره على ذلك أبو العباس بن أبي الشوارب لما ولي قضاء القضاة مدة ثم صرفه ثم لما ولى عمر بن أكثم قضاء القضاة قلده عسكر مكرم و محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن بن الحسين بن مقسم أبو بكر العطار المقرئ ولد سنة خمس وستين ومائتين و سمع أبا مسلم الكجي و ثعلبًا و إدريس بن عبد الكريم الحداد و غيرهم روى عنه ابن رزقويه و ابن شاذان و غيرهما وكان ثقة من أعرف الناس بالقراآت و أحفظهم لنحو الكوفيين و له في معاني القرآن كتاب سماه‏:‏ كتاب الأنوار و ما رأيت مثله وله تصانيف عدة و لم يكن له عيب إلا أنه قرأ بحروف تخالف الإجماع واستخرج لها وجوهًا من اللغة والمعنى مثل ما ذكر في كتاب‏:‏ الاحتجاج للقرافي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلما استيأسوا منه خلصوا نجيًا‏}‏ فقال‏:‏ لو قرئ خلصوا نجبًا بالباء لكان جائزًا و هذا مع كونه يخالف الإجماع بعيد من المعنى إذ لا وجه للنجابة عند يأسهم من أخيهم إنما اجتمعوا يتناجون و له من هذا الجنس من تصحيف الكلمة واستخراج وجه بعيد لها مع كونها لم يقرأ بها كثير و قد أنكر العلماء هذا عليه و ارتفع الأمر إلى السلطان فأحضره واستتابه بحضرة الفقهاء و القراء فأذعن بالتوبة و كتب محضر بتوبته و أشهد عليه جماعة ممن حضر و قيل‏:‏ إنه لم ينتزع عن تلك الحروف و كان يقرئ بها إلى أن مات‏.‏

أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد المقرئي أخبرنا أبو طاهر عبد الواحد بن عمر بن أبي هاشم قال‏:‏ و قد نبغ نابغ في عصرنا هذا فزعم أن كل ما صح عنده وجه في العربية لحروف من القرآن يوافق خط المصحف فقراءته جائزة في الصلاة فابتدع بقوله ذلك بدعة ضل بها عن قصد السبيل وأورط نفسه في مزلة عظمت بها جنايته على الإسلام و أهله و حاول إلحاق كتاب الله من الباطل ما لا يأتيه من بين يديه و لا من خلفه إذ جعل لأهل الألحاد في دين الله بسيىء رأيه طريقًا إلى مغالطة أهل الحق بتخير القراآت من جهة البحث و الاستخراج بالآراء دون التمسك بالأثر و قد كان أبو بكر شيخنا نشله من بدعته المضلة باستتابته منها وشهد عليه الحكام و الشهود و المقبولين عند الحكام بترك ما أوقع نفسه فيه من الضلالة بعد أن سئل عن البرهان على صحة ما ذهب إليه فلم يأت بطائل و لم تكن حجته قوية و لا ضعيفة فاستوهب أبو بكر تأديبه من السلطان عند توبته ثم عاود في وقتنا هذا إلى ما كان ابتدعه و استغوى من أصاغر المسلمين ممن هو في الغفلة و الغباوة ظنًا منه أن ذلك يكون للناس دينًا وأن يجعلوه فيما ابتدعه إمامًا‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ حدثني أبو بكر أحمد بن محمد المستملي قال‏:‏ سمعت أبا أحمد الفرضي غير مرة يقول‏:‏ رأيت في المنام كأني في المسجد الجامع أصلي مع الناس و كأن ابن مقسم قد ولى ظهره القبلة و هو يصلي مستدبرها فأولت ذلك مخالفته الأئمة فيما اختاره من القراآت‏.‏

توفي أبو بكر بن مقسم يوم الخميس لثمان خلون من ربيع الآخر من هذه السنة‏.‏

محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبدويه بن موسى أبو بكر الشافعي ولد بجبل سنة ستين ومائتين وسكن بغداد و سمع محمد بن الجهم وأبا قلابة الرقاشي و الباغندي و خلقًا كثيرًا و كان ثقة ثبتًا كثير الحديث حسن التصنيف قد روى الحديث قديمًا فكتب عنه في زمان ابن صاعد روى عنه الدارقطني و ابن شاهين وغيرهما من الأئمة و آخر من روى عنه أبو طالب بن غيلان حدثنا ابن الحصين عن ابن غيلان عنه‏.‏أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ لما منعت الديلم ببغداد الناس أن يذكروا فضائل الصحابة و كتب سب السلف على المساجد كان حسبة و قربة و حدثني الأزهري أنه سمع ابن رزقويه لما حدث يقول أدركتني دعوة أبي بكر الشافعي و ذلك أنه دعا الله لي بأن أبقى حتى أحدث فاستجيب له في توفي في ذي الحجة من هذه السنة‏.‏

مكي بن أحمد بن سعدويه أحد الرحالة في طلب الحديث و سمع من ابن منيع و ابن صاعد و غيرهما و توفي في هذه السنة‏.‏

 ثم دخلت سنة خمس وخمسين وثلثمائة

فمن الحوادث فيها أنه عمل في عاشوراء ما جرت عادة القوم به من النوح و غيره وورد الخبر بأن بني سليم قطعوا الطريق على قافلة المغرب و مصر و الشام الحاجة إلى مكة في سنة أربع وخمسين وكانت قافلة عظيمة و كان فيها من الحاج التجار و المنتقلون من الشام إلى العراق هربًا من الروم و من الأمتعة نحو ألف حمل منها دق مصر ألف و خمسمائة حمل و من أمتعة المغرب اثنا عشر ألف حمل و أنه كان في أعدال الأمتعة من الأموال من العين و الورق ما يكثر مقداره جدًا و كان لرجل يعرف بالخواتيمي قاضي طرسوس فيها مائة و عشرون ألف دينار عينًا و أن بني سليم أخذوا الجمال مع الأمتعة و بقي الناس رحالة منقطعًا بهم كما أصاب الناس في الهبير سنة القرمطي فمن الناس من عاد إلى مصر و منهم من تلف و هم الأكثرون‏.‏

وفي رجب‏:‏ تم الفداء بين سيف الدولة و الروم و تسلم سيف الدولة أبا فراس بن سعيد بن حمدان و أبا الهيثم بن أبي حصين بن القاضي وفي ليلة السبت لثلاث عشرة ليلة من شعبان‏:‏ انكسف القمر كله و غاب منكسفًا‏.‏

و كتب معز الدولة إلى طاهر بن موسى أن يبني موضع الحبس الجديد ببغداد مارستانًا و عمل على أن يقف عليه وقفًا و أفراد لذلك مستغلًا بالرصافة ببغداد و ضياعًا بكلواذى و قطربل و جرجرايا ترتفع بخمسة آلاف وابتداء طاهرك فبنى المسناة و أتمها و ابتدأ بالبناء داخلها فمات معز الدولة قبل أن يستتم ذلك‏.‏

وفي يوم السبت لعشر خلون من شوال‏:‏ ورد الخبر بأن جيشًا ورد من خراسان إلى الري قاصدًا لغزو الروم وكانوا بضعة عشر ألف رجل‏:‏ أتراك و غيرهم وأن ركن الدولة حمل إليهم من الدواب و الثياب و الأطعمة شيئًا كثيرًا فقبلوه فلما كان يومًا من الأيام ركب هؤلاء الغزاة إلى منازل ابن العميد وزير ركن الدولة بالري فقتلوا من وجدوا من الديلم ونهبوا دار أبي الفضل بن العميد وزير ركن الدولة و هرب من بين أيديهم فحاربهم ركن الدولة فظفر بهم و قتل منهم نحوًا من ألف و خمسمائة فانكشفوا من بين يديه و أخذوا طريق آذربيجان فأنفذ معز الدولة أبا العباس بن سرخاب إلى بغداد خوفًا من أن يصير هؤلاء الغزاة إليها فيحدثوا حادثة و في هذه السنة حج بالناس أبو أحمد النقيب و هو الذي حج بهم في السنة الخالية‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

الحسين بن داود بن علي بن عيسى بن محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب أبو عبد الله العلوي أخبرنا زاهر بن طاهر أبو القاسم الشحامي قال‏:‏ أنبأنا أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني و أبو بكر بن الحسين البيهيقي و أبو عثمان سعيد بن محمد و أبو بكر محمد بن عبد العزيز قالوا‏:‏ أخبرنا الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ قال‏:‏ كان الحسين بن داود شيخ آل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عصره بخراسان وسني العلوية في أيامه و كان من أكثر الناس صلاة و صدقة و محبة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبته برهة من الدهر فما سمعته ذكر عثمان إلا قال‏:‏ أمير المؤمنين الشهيد رضي الله عنه و بكى و ما سمعته ذكر عائشة إلا قال‏:‏ الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله و بكى‏.‏

سمع من جعفر بن أحمد الحافظ و عبد الله بن محمد بن شيرويه و أكثر عن أبي بكر بن خزيمة وأبي العباس الثقفي و هو من أجل بيت للحسنية و أكثرهم اجتهادًا بخراسان فإن داود بن علي كان المنعم على آل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عصره و علي بن عيسى كان أزهد العلوية في عصره و أكثرهم اجتهادًا و كان عيسى يلقب بالفياض من كثرة عطايله و كان محمد بن القاسم ينادم الرشيد ثم بعده المأمون و كان القاسم راهب آل محمد صلى الله عليه وسلم في عصره و كان الحسن بن زيد أمير المدينة في عصره و أستاذ مالك بن أنس و قد روى عنه في الموطأ‏.‏

توفي الحسين بن داود يوم الاثنين ثاني عشر جمادى الآخرة سنة خمس و خمسين وثلثمائة بين الظهر و العصر و سمعته في ربيع الآخر سنة خمس و خمسين وثلثمائة يقول‏:‏ رأيت رؤيا عجيبة فسألناه عن الرؤيا فقال‏:‏ رأيت في المنام كأني على شط البحر فإذا أنا بزورق كأنه البرق يمر فقالوا‏:‏ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت‏:‏ السلام عليك يا رسول الله فقال‏:‏ و عليك السلام‏.‏

فما كان بأسرع من أن رأيت زورقًا آخر قد أقبل فقالوا‏:‏ هذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب

فقلت‏:‏ السلام عليك يا أبت فقال‏:‏ و عليك السلام فما كان من أسرع من أن جاء زورق آخر قد ظهر قالوا‏:‏ الحسن بن علي فقلت‏:‏ السلام عليك يا أبت فقال‏:‏ وعليك السلام فما كان بأسرع من أن جاز زورق آخر وليس فيه أحد فقلت‏:‏ لمن هذا الزورق‏.‏

فقالوا‏:‏ هذا محمد بن الحسين بن علي بن الحسن بن يحيى بن حسان بن الوضاح أبو عبد الله الأنباري الوضاحي الشاعر انتقل إلى خراسان فنزلها وسكن نيسابور وكان يذكر أنه سمع الحديث من المحاملي وابن مخلد وأبي روق روى عنه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري شيئًا من شعره وقال‏:‏ كان أشعر من في وقته‏.‏

ومن شعره‏:‏ سقى الله باب الكرخ ربعًا و منزلًا و من حله صوب السحاب المجلجل فلو أن باكي دمنة الدار باللوى و جارتها أم الرباب بمأسل رأى عرصات الكرخ أو حل أرضها لأمسك عن ذكر الدخول فحومل توفي محمد الوضاحي بنيسابور في رمضان هذه السنة‏.‏

محمد بن أحمد بن هارون بن محمد الريوندي أبو بكر الشافعي أخبرنا زاهر بن طاهر أنبأنا أبو عثمان الصابوني وأبو بكر البيهيقي قالا‏:‏ أخبرنا الحاكم أبو عبد الله قال‏:‏ سمع أبو بكر الشافعي مع أبي بكر بن إسحاق بن مندة بن أبي عبد الله محمد بن أيوب وأقرانه بالري ثم لم يقتصر على ذلك وحدث بالمناكير وروى عن قوم لا يعرفون مثل أبي العكوك الحجازي و غيره فدخلت يومًا على أبي محمد عبد الله بن محمد الثقفي فعرض علي حديثًا باسناد مظلم عن الحجاج بن يوسف قال‏:‏ سمعت سمرة بن جندب يقول‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ من أراد الله به خيرًا فقهه في الدين ‏"‏ فقلت‏:‏ هذا باطل‏.‏

فقال‏:‏ حدثنا به أبو بكر الشافعي‏.‏

فقلت‏:‏ هذا موضوع وإنما تقرب به إليك لأنك من ولد الحجاج فضحك فلما كان بعد أيام دخل المسجد شيخ لا أعرفه فصلى معي ثم قال‏:‏ جئت في شيء أعرضه عليك أتعرفني قلت‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ أنا أبو بكر الشافعي إنما بعث بي أبو محمد الثقفي إليك لأعرض حديثي عليك فلا أحدث إلا بما ترى‏.‏

فقلت‏:‏ دع أولًا أبا العكوك الحجازي وأحمد بن عمرو الزنجاني فعندي أن الله تعالى لم يخلقهما ثم أعرض علي أصولك لندبر فيها‏.‏

فقال‏:‏ الله الله في فإنهما رأس المال كتبت عن أبي العكوك بمكة وعن أحمد بن عمرو ببغداد فقلت‏:‏ أخر أصولك عنهما إن كان الغلط مني وحدثته أن شيخنا شهد لك بالسماع معه من محمد بن أيوب فلو اقتصرت على ذلك كان أولى بك ففارقني على هذا فكأنني قلت له زد فيما ابتدأت فإنه زاد عليه توفي في هذه السنة‏.‏

محمد بن عمر بن سالم بن البراء بن سبرة بن سيار أبو بكر قاضي الموصل ابن الجعابي ولد سنة أربع وثمانين ومائتين وحدث عن يوسف القاضي و جعفر الفريابي وخلق كثير وكان أحد الحفاظ المجودين صحب أبا العباس بن عقدة و عنه أخذ الحفظ وله تصانيف كثيرة في علوم الحديث روى عنه الدارقطني وابن شاهين وابن رزقويه وكان لأبو علي الحافظ يقول‏:‏ ما رأيت في البغداديين أحفظ منه وقد رأى ابن صاعد وأبا بكر النيسابوري وغيرهما‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا الخطيب قال‏:‏ حدثني أبو الوليد الحسن بن محمد الدربندي قال‏:‏ سمعت محمد بن الفضل القطان يقول‏:‏ سمعت أبا بكر الجعابي يقول‏:‏ دخلت الرقة وكان لي ثم قمطر من كتب فأنفذت غلامي إلى ذلك الرجل الذي كتبي عنده فرجع الغلام مغمومًا فقال‏:‏ ضاعت الكتب فقلت‏:‏ يا بني لا تغتم فإن فيها مائتا ألف حديث لا يشكل علي منها حديث لا إسنادًا و لا متنًا‏.‏

أنبأنا محمد بن عبد الباقي أنبأنا علي بن أبي علي عن أبيه قال‏:‏ ما شاهدنا أحفظ من أبي بكر الجعابي وسمعت من يقول‏:‏ إنه يحفظ مائتي ألف حديث ويجيب في مثلها إلا أنه كان يفضل الحفاظ بأنه كان يسوق المتون بألفاظها وأكثر الحفاظ يتسامحون في ذلك وكان يزيد عليهم بحفظ المقطوع و المرسل والحكايات ولعله يحفظ من هذا قريبًا مما يحفظ من الحديث المسند وكان إمامًا في المعرفة بعلل الحديث وثبات الرجال ومعتلهم وضعفائهم وأساميهم وأنسابهم وكناهم ومواليدهم وأوقات فراغهم ومذاهبهم وما يطعن به على كل أحد وما يوصف به السداد وكان في آخر عمره قد انتهى هذا العلم إليه حتى لم يبق في زمانه من يتقدمه فيه في الدنيا‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي الحافظ قال‏:‏ حدثني علي بن الغلب الضراب قال‏:‏ سمعت أبا الحسن بن رزقويه يقول كان ابن الجعابي يملي فتمتلئ السكة التي يملي فيها والطريق ويحضره ابن المظفر والدارقطني ولم يكن يملي الأحاديث كلها بطرقها إلا من حفظه‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ حدثني الحسن بن الأشقر قال‏:‏ سمعت القاضي أبا عمر القاسم بن جعفر الهاشمي يقول‏:‏ سمعت الجعابي يقول‏:‏ أحفظ أربعمائة ألف حديث وأذكر بستمائة ألف حديث‏.‏

قال المصنف رحمه الله‏:‏ كان الجعابي يتشيع ويسكن باب البصرة وسئل عن حديثه الدارقطني فقال‏:‏ خلط‏.‏

وقال البرقاني‏:‏ كان صاحب غرائب ومذهبه معروف في التشيع وقد حكي عنه قلة دين وشرب الخمر والله أعلم‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ حدثني الأزهري‏:‏ أن ابن الجعابي لما مات صلي عليه في جامع المنصور وحمل إلى مقابر قريش فدفن بها وكانت سكينة نائحة الرافضة تنوح مع جنازته وكان أوصى أن تحرق كتبه فأحرق جميعها أحرق معها كتب للناس كانت عنده‏.‏

وقال الأزهري‏:‏ فحدثني أبو الحسن بن البواب قال‏:‏ كان لي عند ابن الجعابي مائة وخمسون جزءًا فذهبت في جملة ما أحرق توفي ابن الجعابي في نصف رجب من هذه السنة‏.‏

 ثم دخلت سنة ست وخمسين وثلثمائة

فمن الحوادث فيها أنه عمل في يوم عاشوراء ما يعمله القوم من النزح وغيره زتوفي معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه وتولى ابنه عز الدولة أبو منصور بختيار‏.‏

وفي يوم الخميس لسبع خلون من شعبان‏:‏ خلع على القاضي أبي عبيد الله بن أحمد معروف وقلد القضاء بالجانب الغربي من بغداد ومدينة المنصور وحريم دار السلطان وقلد القاضي أبو بكر بن سيار القضاء فيما بقي من الجانب الشرقي من بغداد وخلع عليهما وبعد مديدة قلد القاضي أبو محمد بن معروف الأشراف على الحكم والحكام‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أحمد بن بويه أبو الحسين الملقب معز الدولة

قد ذكرنا أخبار بويه وأولاده في سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة وأن أحمد بن بويه كان يحتطب على رأسه ثم ملكوا البلاد واستولوا عليها وقد ذكرنا أحوال أبي الحسين بن بويه وقدومه إلى بغداد في سنة أربع وثلاثين ودخوله على المستكفي وحمله المستكفي إلى داره وغير ذلك من أحواله إلا أنه أصعد إلى بغداد وخلف بواسط عسكره وغلمانه والحاجب الكبير سبكتكين على أن يعود بعد عشرين يومًا إلى واسط فمرض ببغداد ولحقه ذرب وضعف وكان لا يثبت في معدته طعام فعهد إلى ابنه بختيار ولما نزل به الموت أمر أن يحمل إلى بيت الذهب واستحضر بعض العلماء فتاب على يده فلما حضر وقت الصلاة خرج ذلك الرجل إلى مسجد ليصلي فيه فقال له معز الدولة‏:‏ لم لا تصلي ها هنا فقال‏:‏ إن الصلاة في هذه الدار لا تصح‏.‏

وسأله عن الصحابة فذكر سوابقه وأن عليًا عليه السلام زوج ابنته أم كلثوم لعمر بن الخطاب فاستعظم ذلك وقال‏:‏ ما علمت بهذا وتصدق بأكثر ماله وأعتق ممالكيه ورد كثيرًا من المظالم وبكى حتى غشي عليه‏.‏

وحكى أبو الحسين ابن الشيبة العلوي قال‏:‏ بينا أنا في داري في دجلة بمشرعة القصب في ليلة غيم ورعد وبرق سمعت صوت هاتف يقول‏.‏

لما بلغت أبا الحسين مراد نفسك في الطلب وأمنت من حدث الليالي واحتجبت عن النوب مدت إليك يد الردى فأخذت من بيت الذهب فأرخت الوقت وكان لأربع ساعات قد مضين من ليلة الثلاثاء سابع عشر ربيع الآخر سنة ست وخمسين وثلثمائة ثم اتصل المطر أيامًا فلما انقشع الغمام وانتشر الناس شاع الخبر بأن معز الدولة قد توفي في تلك الليلة وكانت إمارته إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهرًا وعمره ثلاث وخمسون سنة وكان قد سد فوهة نهر الرفيل وشق النهروانات وعمل المغيض بالسندية ورد المواريث الحشرية إلى ذوي الأرحام‏.‏

أبو علي الرفاء الهروي سمع ببغداد والكوفة ومكة وحلوان وهمذان والري ونيسابور ثم قدم بغداد فحدث فسمع الناس منه بانتخاب الدارقطني وكان ثقة وتوفي بهراة في رمضان هذه السنة‏.‏

عبد الخالق بن الحسن بن محمد بن نصر أبو محمد السقطي سمع الباغندي وروى عنه ابن رزقويه وكان ثقة أحد الشهود المعدلين وكان البرقاني يثني عليه ويوثقه وتوفي في رجب هذه السنة‏.‏

عمر بن جعفر بن محمد بن سلم أبو الفتح الختلي ولد سنة إحدى وسبعين ومائتين وسمع الحارث بن أبي أسامة والكديمي والحربي وروى عنه ابن رزقويه زكان ثقة صالحًا توفي في شعبان هذه السنة وكان ثقة ودفن في مقبرة الخيزران‏.‏

عثمان بن محمد بن بشر أبو علي السقطي ابن شنقة ولد سنة تسع وتسعين ومائتين وحدث عن إسماعيل القاضي وإبراهيم الحربي وروى عنه ابن رزقويه كتب الناس عنه بانتخاب الدارقطني وكان البرقاني يثني عليه ويوثقه توفي في ذي الحجة من هذه السنة‏.‏

علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان أبو الفرج الأصبهاني الكاتب حدث عن محمد بن عبد الله الحضرمي مطين وخلق كثير والغالب عليه رواية الأخبار والآداب وكان عالمًا بأيام الناس والسير وكان شاعرًا وصنف كتبًا كثيرة منها‏:‏ الأغاني وكتاب أيام العرب ذكر فيه ألفًا وسبعمائة يوم روى عنه الدارقطني وكان يتشيع ومثله لا يوثق بروايته فإنه يصرح في كتبه بما يوجب عليه الفسق ويهون شرب الخمر وربما حكى ذلك عن نفسه ومن تأمل كتاب الأغاني رأى كل قبيح ومنكر وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة‏.‏

علي بن عبد الله الملقب سيف الدولة توفي في صفر هذه السنة بعسر البول‏.‏

محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حسنون أبو الحسين ولد سنة سبع وستين ومائتين وسمع أبا حفص الكتاني وكان صدوقًا ثقة من أهل القرآن حسن الاعتقاد ومات في صفر هذه السنة ودفن في مقبرة باب حرب‏.‏

محمد بن إبراهيم بن محمد بن خالد بن عيسى أبو العباس الشيرجي مروزي الأصل سمع جعفر بن محمد الفريابي وحدث عنه ابن رزقويه‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا الخطيب قال‏:‏ قال محمد بن أبي الفوارس‏:‏ مات أبو العباس محمد ابن إبراهيم المروزي لتسع بقين من ذي الحجة سنة ست وخمسين وثلثمائة وكان شيخًا ثقة مستورًا لا بأس به‏.‏

محمد بن إبراهيم بن أحمد بن أبي الحكم أبو عبد الله الختلي حدث عن أبي مسلم الكجي وغيره روى عنه أبو الحسن بن طلحة النعالي‏.‏

محمد بن إبراهيم الفروي سمع أبا مسلم الكجي وروى عنه أبو نعيم الأصبهاني‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ قال لي أبو نعيم هذا الشيخ من ولد إسحاق بن أبي فروة وكان شيخًا له هيئة حسنة وهو ثقة‏.‏

أبو اليسر الموصلي قدم بغداد سنة اثنتين وثلثمائة وروى بها عن أبي يعلى الموصلي كتاب معجم شيوخه وسمع منه محمد بن أبي الفوارس‏.‏

يوسف بن عمر بن أبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد بن زيد أبو نصر الأزدي ولد سنة خمس وثلثمائة وولي القضاء بمدينة السلام في حياة أبيه وبعد وفاته ومازال رئيسًا عفيفًا نزهًا نبيلًا بارعًا في الأدب والكتابة فصيحًا عارفًا باللغة والشعر تام الهيبة ولا يعرف من القضاء أعرف في القضاء منه ومن أخيه أبي الحسين فإنهما وليا القضاء بالحضرة وكذلك أبوهما عمر وجدهما محمد وأبه يوسف فأما يعقوب فإنه ولي قضاء مدينة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تقلد فارس ومازال أبو نصر واليًا على بغداد بأسرها في زمن الراضي فإنه صرفه عن مدينة المنصور بأخيه الحسين وأقره على الجانب الشرقي والكرخ فلما مات الراضي صرف عن القضاء ببغداد وولي محمد بن عيسى المعروف بابن أبي موسى الضرير‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ حدثني التنوخي قال‏:‏ أنشد يا محنة الله كفي إن لم تكفي فخفي ما آن أن ترجمينا من طول هذا التشفي ذهبت أطلب بختي فقيل لي قد توفي ثور ينال الثريا وعالم متخفي الحمد لله شكرًا على نقاوة حرفي توفي أبو نصر في ذي القعدة من هذه السنة‏.‏

 ثم دخلت سنة سبع وخمسين وثلثمائة

فمن الحوادث فيها أنه عمل ببغداد يوم عاشوراء ما جرت به عادة القوم من تعطيل الأسواق وتعليق المسوح والنوح وفي غدير خم ما جرت به عادتهم أيضًا‏.‏

وفي يوم الاثنين لثلاث بقين من ربيع الآخر‏:‏ صرف القاضي أبو محمد عبيد الله ابن معروف عن القضاء في حريم دار السلطان وتقلده القاضي أبو بكر أحمد بن سيار مضافًا إلى ما كان إليه وفي ذي القعدة‏:‏ ورد الخبر بأن الروم سبوا من سواد أنطاكية اثني عشر ألفًا من المسلمين‏.‏

وورد خبر الحاج بأن أكثر أهل الخراسانية هلكوا وهلكت جمالهم بالعطش ومن سلم منهم وهم الأقل ولم يلحق يوم عرفة ولم يتم لهم الحج وإنما تم لنفر يسير من أهل بغداد ولم يرد من مصر غير الإمام ونفرين معه ولم يحج من أهل الشام أحد وورد من اليمن نفر يسير وفي تشرين الثاني‏:‏ عرض للناس الماشرا ووجع الحلق وكثر الموت فجاءة‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

إبراهيم المتقي لله أمير المؤمنين بن المقتدر

كان قد ألجىء إلى أن خلع نفسه كما قد ذكرنا في سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة ثم عاش بعد ذلك إلى أن توفي في شعبان هذه السنة وعمره يومئذ ستون سنة وأيام‏.‏

الحسين بن محمد بن عبيد بن أحمد بن مخلد بن أبان أبو عبد الله الدقاق ابن العسكري كان ينزل درب الشاكرية من الجانب الشرقي بنهر معلى حدث عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة وابن مسروق روى عنه الأزهري والجوهري والخلال وأبو علي الواسطي والأزجي والتنوخي قال العتيقي‏:‏ كان ثقة أمينًا وقال ابن أبي الفوارس‏:‏ كان فيه تساهل توفي في شوال هذه السنة‏.‏

عبد الرحمن بن أحمد بن سعيد بن هارون بن زياد أبو بكر الأنماطي قدم بغداد حاجًا وحدث بها عن جماعة وسمع ابن حسنويه وكان ثقة حافظًا وتوفي بمرو في هذه السنة‏.‏

عبد العزيز بن محمد بن زياد أبو القاسم العبدي ابن أبي رافع ونزل مصر وحدث بها عن إسماعيل القاضي وبشر بن موسى الأسدي وإبراهيم الحربي وكان ثقة أمينًا صالحًا كان عبد الغني يثني عليه وتوفي في رجب هذه السنة‏.‏

عبد الرحمن بن العباس بن عبد الرحمن بن زكريا والد أبي طاهر المخلص سمع الكديمي والحربي وأبا شعيب الحراني ويوسف القاضي روى عنه ابن رزقويه وأبو نعيم وكان ثقة وأصابه طرش في آخر عمره وتوفي في رمضان هذه السنة‏.‏

عمر بن جعفر بن عبد الله بن أبي السرى أبو حفص البصري الحافظ ولد سنة ثمانين ومائتين وكان الناس يكتبون بإفادته ويسمعون بانتخابه على الشيوخ ويقول‏:‏ هو موفق في الانتخاب وحدث عن أبي خليفة الفضل بن الحباب وزكريا الساجي والباغندي والبغوي وابن صاعد‏.‏

وروى عنه ابن رزقويه وقد ضعفه قوم‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال‏:‏ كان الدارقطني يتتبع خطأ عمر البصري فيما انتقاه عن أبي بكر الشافعي خاصة وعمل فيها رسالة فاعتبرتها فرأيت جميع ما ذكره من الأوهام يلزم عمر غير موضعين أو ثلاثة وجمع أبو بكر الجعابي أوهام عمر فيما حدث به ونظرت في ذلك فرأيت أكثرها قد حدث به عمر على الصواب بخلاف ما حكي عنه ابن الجعابي‏.‏

وسمعت البرقاني يقول‏:‏ كان عمر قد انتخب على ابن الصواف أحسبه قال‏:‏ نحوًا من عشرين جزءًا فقال الدارقطني‏:‏ ينتخب علي ابن الصواف هذا القدر حسب وهو ذا انتخب عليه تمام المائة جزء و لا يكون فيما انتخبه حديث واحد فيما انتخبه عمر ففعل ذلك توفي عمر في جمادى الأولى من هذه السنة‏.‏

عثمان بن الحسين بن عبد الله أبو الحسن التميمي الخرقي حدث بمصر ودمشق عن جعفر الفرياني والبغوي وغيرهما وكان ثقة مأمونًا توفي ببغداد في درب سليمان‏.‏

محمد بن إسحاق بن يعقوب بن إسحاق أبو بكر الشيباني الطبري قدم بغداد حاجًا في سنة خمسين وثلثمائة وحدث بها عن ابن رزقويه وغيره‏.‏

محمد بن أحمد بن علي بن مخلد بن أبان أبو عبد الله الجوهري المحتسب ابن المحرم كان أحد غلمان محمد بن جرير الطبري وحدث عن محمد بن يوسف بن الطباع والكديمي وغيرهما‏.‏

وروى عنه ابن رزقويه وابن شاذان وغيرهما‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت أخبرنا أبو القاسم الأزهري حدثنا عبيد الله بنعمر البقال قال‏:‏ تزوج شيخنا ابن المحرم‏.‏

قال‏:‏ فلما حملت المرأة إلي جلست في بعض الأيام على العادة أكتب شيئًا والمحبرة في يدي فلم أشعر حتى جاءت أمها فأخذت المحبرة فلم أشعر حتى ضربت بها الأرض و كسرتها‏.‏

فقلت لها‏:‏ لما ذلك فقالت‏:‏ بئس هذه أشر على ابنتي من ثلثمائة ضرة‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن أخبرنا أبو بكر الخطيب قال‏:‏ سألت أبا بكر البرقاني عن ابن المحرم فقال‏:‏ لا بأس به‏.‏

وسمعت محمد بن أبي الفوارس وقد سئل عنه فقال‏:‏ ضعيف وقال‏:‏ ولد سنة أربع وستين ومائتين ومات في ربيع الآخر سنة سبع وخمسين وثلثمائة وكان يقال‏:‏ في كتبه أحاديث مناكير ولم يكن عندهم بذاك‏.‏

محمد بن أحمد بن الطيب الدجاجي ولد سنة ثمانين ومائتين روى عن جعفر الفريابي وغيره‏.‏

وكان ثقة توفي في يوم الخميس لخمس خلون من رجب هذه السنة‏.‏

محمد بن جعفر بن أحمد بن عيسى أبو الطيب الوراق سمع حامد بن محمد بن شعيب البلخي وعبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري وغيرهما وحدث فروى عنه عبيد الله بن عثمان بن يحيى الدقاق‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ قال محمد بن أبي الفوارس سنة سبع وخمسين وثلثمائة فيها مات أبو الطيب محمد بن جعفر يعرف بابن الكدوش يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى ومولده سنة ثمانين ومائتين وكان صاحب كتاب وكان ثقة مأمونًا مستورًا حسن المذهب يسمع منه‏.‏

محمد بن جعفر بن دارن بن سليمان بن إسحاق بن إبراهيم أبو الطيب غندرا سمع أبا خليفة الفضل بن الحباب وأبا يعلى الموصلي وغيرهما ولقي الجنيد وأقرانه وروى عنه الدارقطني والكتاني وانتقل إلى مصر فسكنها وتوفي في رمضان في هذه السنة بمصر وقيل‏:‏ في سنة ثمان وخمسين‏.‏

محمد بن الحسين بن علي بن سليمان بن إبراهيم أبو سليمان الحراني سكن بغداد وحدث بها عن أبي خليفة وعبدان الأهوازي وأبي يعلى الموصلي وغيرهم من أخبرنا عبد الرحمن أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ قال محمد بن أبي الفوارس‏:‏ أبو سليمان الحراني كان مولده بحران ثم انتقل إلى نصيبين فأقام بها وكان شيخًا ثقة مستورًا حسن المذهب توفي في يوم الثلاثاء لعشر بقين من رمضان سنة سبع وخمسين وثلثمائة

 ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وثلثمائة

فمن الحوادث فيها أنه جرى في يوم عاشوراء ما جرت به عادة الشيعة من تعطيل الأسواق وإقامة النوح وغير ذلك وكذلك فعلوا في يوم غديرخم‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ وقع الغلاء وبيع الكر بتسعين دينار وكان الخبز يعدم‏.‏

وورد الخبر بأن الروم دخلوا كفرتوثا فسبوا وقتلوا ثمانمائة إنسان ومضوا إلى حمص فوجدوا أهلها قد انتقلوا عنها فأحرقوها ونكسوا في الثغور وسبي نحو من مائة ألف إنسان فارسي‏.‏

وفي جمادى الأولى خرج أبو عبد الله بن أبي بكر الآدمي القاري من منزله وأخذ من بعض الصيارف فوق عشرة آلاف درهم وفقد أربعة أيام لم يعرف له خبر فلما كان يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى وجد ميتًا مطروحًا في الصراة بساويله وخاتمه في إصبعه وليس به جراحة و لا أثر خنق و لا غرق وإنما طرح في الماء بعد أن مات‏.‏

ودخل جوهر إلى مصر يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة ثمان وخمسين وخطب لبني عبيد في الجامعين بفسطاط مصر وسائر أعمالهما يوم الجمعة لعشر ليال بقين من شعبان هذه السنة وكان الخاطب في هذا اليوم عبد السميع بن عمر العباسي‏.‏

وفي ذي الحجة نقل الأمير عز الدولة معز الدولة من داره إلى تربة بنيت له في مقابر قريش‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

الحسن بن علان بن إبراهيم بن مروان أبو علي الخطاب

الفامي ولد سنة أربع وثمانين ومائتين وحدث عن أبي خليفة وجعفر الفريابي حدث عنه أبو نعيم وقال‏:‏ هو ثقة‏.‏

وقال ابن أبي الفوارس‏:‏ كان كثير الحديث ثقة مستورًا توفي في ذي الحجة من هذه السنة‏.‏

الحسن بن محمد بن يحيى بن جعفر حدث ببغداد فسمع منه ابن رزقويه وأبو علي ابن شاذان توفي في ذي الحجة من هذه السنة وروى أحاديث منكرة‏.‏

الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن أحمد بن كيسان أبو محمد الحربي روى عن إسماعيل بن إسحاق القاضي وغيره روى عنه أبو علي بن شاذان وأبو نعيم الأصبهاني وقال‏:‏ كان ثقة توفي في شوال هذه السنة‏.‏

حيدرة بن عمر أبو الحسن الزندوردي أحد الفقهاء على مذهب داود بن علي الظاهري توفي في جمادى الأولى من هذه السنة ودفن في مقابر الخيزران‏.‏

عبيد الله بن أحمد بن محمد أبو الفتح النحوي جخجخ سمع البغوي وابن دريد روى عنه محمد بن أبي الفوارس وكان ثقة توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة‏.‏

استولى على مصر والشام بعد موت سيده وكان سيده أبو بكر محمد بن طغج الأخشيد وكان سيده الأخشيد قد اشتراه بثمانية عشر دينارًا وهو الذي قصده المتنبي ومدحه وقد تأملت مدائح المتنبي له فرأيت فيها الكلام موجهًا يحتمل المدح ويحتمل الذم ولعل المتنبي لعب بعقل ذلك الخادم فإن قوله‏:‏ قواصد كافور توارك غيره لا شك أن من يقصد شيئًا فقد ترك غيره و لا شك أن من قصد البحر استقل السواقيا ولكن من لنا أنه أراد‏:‏ أنك أنت البحر وكذلك قوله‏:‏ عدوك مذموم بكل لسان يحتمل‏:‏ أنه لا يعاديك إلا مثلك ومثلك مذموم‏.‏

قوله‏:‏ لله سر في علاك يحتمل‏:‏ أن القضاء جرى بولاية مثلك لا أنك تستحق ويقوي هذا الظن أنه كان يخرج من عنده فيهجوه‏.‏

وقال أبو جعفر بن مسلم بن طاهر العلوي ما رأيت أكرم من كافور كنت أسايره يومًا وهو في موكب خفيف يريد التنزه وبين يديه عدة جنائب بمراكب ذهب وفضة وخلفه بغال الموكب فسقطت مقرعته من يده ولم يرها ركابيته فنزلت عن دابتي وأخذتها من الأرض ودفعتها إليه فقال‏:‏ أيها الشريف أعوذ بالله من بلوغ الغاية ما ظننت أن الزمان يبلغني إلى أن تفعل أنت بي هذا وكاد يبكي فقلت‏:‏ أنا صنيعة الأستاذ ووليه فلما بلغ باب داره ودعني فلما سرت التفت فإذا أنا بالجنائب والبغال كلها فقلت‏:‏ ما هذا قالوا‏:‏ أمر الأستاذ أن يحمل هذا إليك فأدخلته داري وكانت قيمته تزيد على خمسة عشر ألف دينار ولي كافور مصر والشام اثنتين وعشرين سنة وخطب فيها للعلويين وتوفي في هذه السنة‏.‏

 ثم دخلت سنة تسع وخمسين وثلثمائة

فمن الحوادث فيها أنه في يوم عاشوراء فعلت الشيعة ما هي عادتهم من تعطيل الأسواق وإقامة النوح واللطم‏.‏

وورد الخبر في المحرم بأن الروم وردوا مع نقفور فأحاطوا بسور أنطاكية وملكوا البلد وأخرجوا المشائخ والعجائز والأطفال من البلد وقالوا لهم‏:‏ امضوا حيث شئتم وأخذوا الشباب من النساء والغلمان والصبيان‏.‏

فحملوهم على وجه السبي وكانوا أكثر من عشرين ألف رجل وكان نقفور ملك الروم قد عثى وقهر بلادًا كثيرة من بلاد الإسلام وعظمت هيبته وكان قد تزوح امرأة الملك الذي قبله على كره منها وكان لها ابنان من الملك فعمل نقفور على أن يخصيهما ويهديهما إلى البيعة ليستريح منهما ومن أن يكون لهما نسل للملك فبلغ ذلك زوجته فقلقت وأرسلت في أن يسيرا إليهما في زي النساء ومعهما جماعة تثق بهم في مثل زيهما وأوهمت زوجها أن نسوة من أهلها زوارها في ليلة الميلاد فجاءوا وهو نائم فقتلوه وأجلس في الملك الأكبر من ولديها‏.‏

وفي ربيع الأول‏:‏ صرف القاضي أبو بكر أحمد بن سيار عن القضاء في حريم دار السلطان ورد إلى أبي محمد بن معروف‏.‏

وفي ربيع الآخر‏:‏ ورد الخبر بأن الهجريين نادوا أن لا تخرج قافلة من البصرة إلى بلد هجر ولا إلى الكوفة في البرية ولا إلى مكة فمن فعل ذلك فلا ذمام له ونقصت دجلة في هذه السنة نقصانًا مفرطًا وغارت الآبار‏.‏

وفي ذي الحجة‏:‏ انقض كوكب عظيم في أول الليل له شعاع أضاءت منه الدنيا حتى صار كأنه شعاع الشمس وسمع بعد انقضاضه صوت كالرعد الشديد وحج بالناس أبو أحمد النقيب‏.‏

حبيب بن الحسن بن داود بن محمد بن عبيد الله أبو القاسم القزاز سمع أبا مسلم الكجي والحسن بن علوية في جماعة روى عنه الدارقطني وابن شاهين وابن رزقويه وأبو محمد وقال‏:‏ كان ثقة‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا الخطيب قال‏:‏ حدثني الأزهري عن محمد بن العباس بن الفرات قال‏:‏ كان حبيب القزاز مستورًا دفن في الشونيزية وذكر أن قومًا من الرافضة أخرجوه من قبره ليلًا وسلبوه كفنه إلى أن أعاد له ابنه كفنًا وأعاد دفنه‏.‏

وقال محمد بن أبي الفوارس‏:‏ توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة وكان ثقة مستورًا حسن المذهب‏.‏

طلحة بن محمد بن إسحاق أبو محمد الصيرفي سمع الحسن بن علي بن حبيب المقرئ وقد روى عنه أبو نعيم الأصبهاني وكان صدوقًا توفي في هذه السنة‏.‏

علي بن بندار بن الحسين صحب نيسابور أبا عثمان وأبا حفص وبسمرقند محمد بن الفضل وببلخ محمد بن حامد وبجوزجان أبا علي الجوزجاني وبالري يوسف بن الحسين وببغداد الجنيد و رويما و سمنون و ابن عطاء والجريري وبالشام أبا عبد الله بن الجلاء وبمصر الدقاق والروذباري وروى الحديث وكان يتكلم على مذهب الصوفية وتوفي في هذه السنة‏.‏

محمد بن إبراهيم بن أحمد بن محمد الأستراباذي كتب الحديث الكثير وخرّج ودوّن الأبوب والمشايخ سمع جماعة وتوفي في هذه السنة‏.‏

محمد بن أحمد بن الحسن بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله أبو علي ابن الصواف ولد في شعبان سبعين ومائتين وسمع إسحاق بن الحسن الحربي وبشر بن موسى وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهم روى عنه الدارقطني وغيره من المتقدمين ومن المتأخرين وابن رزقويه وابن بشران وابن أبي الفوارس وأبو نعيم الأصبهاني‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ سمعت محمد بن أبي الفوارس يقول‏:‏ سمعت أبا الحسن الدارقطني يقول‏:‏ ما رأت عيناي مثل أبي علي بن الصواف ورجل آخر قال أبو الفتح‏:‏ ومات لثلاث خلون من شعبتن سنة تسع وخمسين مثلثمائة وله يوم مات تسع وثمانون سنة وكان ثقة مأمونًا من أهل التحرز ما رأيت مثله في التحرز‏.‏

محارب بن محمد بن محارب أبو العلاء القاضي الشافعي من ولد محارب بن دثار حدث عن جعفر الفريابي وغيره وكان ثقة عالمًا صدوقًا وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة‏.‏