فصل: ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم **


 ثم دخلت سنة سبعين وخمسمائة

فمن الحوادث فيها‏:‏ أنه في يوم الجمعة غرة المحرم ركب الخليفة من داره الى الجامع فخرج من باب الفردوس ودخل الديوان راكباَ ونزل عند باب المجاز الذي ينفذ الى الطريق وركب من هناك ودخل المقصورة لصلاة الجمعة وسبب ذلك ان طريقه في السراديب انسدت من زمان الغرق بالماء والتراب‏.‏

وجـرت خصومـات بيـن أهـل بـاب البصـرة وأهل الكرخ قتل فيها جماعة واتصلت واصلح بينهم من الديوان ثم عالحوا إلى الخصام فتولى الأمر سليمان بن شاووش فخافوا سطوته وكفوا‏.‏

وفي يوم الأحد ثالث المحرم‏:‏ ابتدأت بالقاء الدرس في مدرستي بدرب دينار فذكرت يومئذ اربعة عشردرسًا من فنون العلوم‏.‏

وفـي سابـع عشـر المحـرم‏:‏ أخـذ رجـل قـد خنـق صبيـًا بسبـب حليقـات كانـت فـي أذنه ونصفية بياض وكان الرجل خياطًا من الجانب الغربي وان والد الصبي كان غائبًا فلما حضرضرب عنق هذا‏.‏

وفي يوم الجمعة ثاني عشرين المحرم‏:‏ نصب جسرجديد أمرت بعمله جهة من جهات المستضيء بأمراللـه تلقـب بنفشـة وكتبـت اسمهـا علـى حديـدة فـي سلسلـة وجعل تحت الرقة مكان الجسرالعتيق وحمل الجسرالعتيق إلى نهرعيسى فبقـي تحـت الرقـة الـى ان حـول فـي هـذه الايـام نحـوآ مـن خمسيـن سنـة فوجد الناس له راحط عظيمة بوجودجسرين‏.‏

و في يوم الأحد ثالث عشر ربيع الاول اعيد ابو الحسن بن احمد الدامغاني إلى قضاء القضاة بعـد أن بقـي مصروفـًا خمـس عشـة سنـة وكـان قـد تولـى مكانـه لما عزل ابو جعفر ابن الثقفي فمات فولي جعفر ولد ابن الثقفي قضاء القضاة فمات فولي روح بن الحديثي قضاء القضاة فمات وارجف لولد ابن الحديثي بذلك فلم يمض شهر حتى مات فاعيد ابن الدامغاني وقبض على صاحـب الديـوان ابـن البخـاري ووكـل بـه فـي المخـزن ورفعت اليه اشياء ثم نقل إلى الديوان موكلًا به مديدة ثم اطلق‏.‏

وفي هذه الأيام‏:‏ انتدب رجل يأخذ الطرزدانات من الدكاكين ويهرب ثم وقعوا به فأظهر ما كان يأخذ وكسفت الشمس وقت طلوعها يوم الثلاثاء ثامن عشرين ربيع الاخر فبقيت كذلك الى ضحوه عالية وفي ليلـة السبـت عاشـر جمـادي الاولـى‏:‏ وقـع فـي البلـد انزعـاج شديـد مـن وقـت العتمـة ولبـس العسكـر السلـاح ولـم يـدر مـا السبـب ثـم اصبـح النـاس علـى ذلك الانزعاج ولم يفتح باب النوبي ولا بـاب العامـة وزاد الانزعـاج وركـوب العسكر وجعلت الظنون ترجم وكل قوم يرجفون بشيء وبقي البابان مغلوقين طول النهار وكان يفتح بعض جانب باب النوبي فيدخل من يريدون ثم يغلق

فانكشف الامر الـى اخـر النهـار وهـو أن الامـر وقـع الـى استـاذ الـدار صنـدل اذا كـان فـي غـد فاحضـر ابـن المظفـر وغيـر ثيابـه ومـره بالقعـود فـي الديـوان فبلـغ هـذا الخبـر قيمـاز فغضـب مـن ذلـك وأغلـق باب النوبـي وبـاب العامـة وقـال لا أقيـم ببغـداد حتـى يخرج منها هو وأولاده وان هذا عدوي ومتى عاد الـى الـوزارة قتلنـي فقيـل للوزيـر ابـن المظفـر تخـرج مـن البلـد فقـال لا افعـل فلما شدد عليه وخيف من فتنـة قـال انـا اعلـم أنـي إذا خرجـت قتلـت فاقتلونـي فـي بيتـي فتلطفـوا بـه وقالـوا لا بـد مـن هـذا فسأل بان يفتح الجامع ويحضر فخر الدولة بن المطلب وشيخ الشيوخ وان يحلف له قيماز انه لا يؤذيه ولا يتتبعـه اذا خـرج ولا يواطـىء علـى اذاه ففعـل ذلـك واصبح باب النوبي وباب العامة مغلوقين ثم فتحا ولم يترك احد يدخل ويخرج الا أن يعرف فكان العسكر تحت السلاح والمحال تحفظ‏.‏

فلمـا كانـت ليلـة الاثنيـن اخـرج الوزيـر ابـن رئيـس الرؤسـاء وأولاده راكبين بعد العتمة الى رباط ابي سعـد الصوفـي فباتـوا ثـم ومعهـم جماعـة موكلـون بهم وحرست السطوح واغلق الباب وكان لا يفتح بالنهار الا لمهم واصبح الناس قد سكنوا ودخل قيماز الى الخليفة معتذرًا مما فعل من غلق الابـواب وغيـر ذلـك وهـو منزعـج خائـف فقيـل انـه لم يذكر له في ذلك شيء فخرج طيب النفس وأصـر قيمـاز علـى انـه لا بـد من خروج الوزير واهله من بغداد فما زالت الرسل تتردد في ذلك الى ان استقر الأمر أنهم يعبرون الى الجانب الغربي‏.‏

وفي يـوم السبـت سابـع عشـر جمـادي الأولـى‏:‏ انتهـى تفسيـري للقـرآن فـي المجلـس علـى المنبـر فإنـي كنـت اذكرفـي كـل مجلـس منـه آيـات مـن اول الختمة على الترتيب الى أن تم فسجدت على المنبر سجدة الشكـر وقلـت‏:‏ مـا عرفـت أن واعظـًا فسـر القـرآن كلـه فـي‏.‏

مجلـس الوعـظ منـذ نـزل القـرآن فالحمد لله المنعـم ثـم ابتـدأت يومئذ في اول ختمة وانا افسرها على الترتيب والله قادر على الانعام بالاتمام والزيادة من فضله‏.‏

وفي بكرة يوم الخميس الثاني والعشرين من جمادي الأولى‏:‏ خرج الوزير ابن رئيس الرؤساء واولاده من رباط ابي سعد الصوفي فعبروا على الجسر ونزلوا بدار النقيب الطاهـر بالحريـم علـى شاطـىء دجلـة بالجانـب الغربـي واحتـرزوا هنالـك بالسلـاح ثـم اعيدوا في آخر يـوم الخميـس سابـع جمـادي الآخرة الى بيوتهم جاءوا على الخيل الى تحت الرقة ونزلوا في السفن ودخلوا من باب البشرى فخرجوا الى منازلهم‏.‏

وفـي جمـادى الاخـرة‏:‏ توفـي السامـري المحتسـب وولـي مكانـه ابـن الرطبي‏.‏

وفي أول يوم من رجب‏:‏ حضـر ارباب الدولة للهناء بباب الحجرة ثم انصرفوا الى الدار الجديدة التي عمرها المستضيء مقابلة المخزن وحضر العلماء والمتصوفة والقراء واستدعيت مع القوم فقرأوا ختمة واكلوا طعامًا وانصـرف قاضي القضاة في جماعة من الاكابر وانصرفت معه وبقي المتصوفة فباتوا على سماع وخلعت على الكل خلع وفرق عليهم مال‏.‏

وتقدم إلي بالجلوس تحت المنظرة بباب بدر فتكلمت يوم الخميس بعد العصر خامس رجب وحضـر أميـر المؤمنيـن واخذ الناس أماكنهم من بعد صلاة الفجر واكتريت دكاكين فكان مكان كل رجل بقيراط حتى انه اكترى دكان لثمانية عشر بثمانية عشر قيراطًا ثم جاء رجل فأعطاهم سـت قراريـط حتـى جلـس معهـم وكـان النـاس يقفـون يـوم مجلسي من باب بدر الى باب العيد كأنه العيد ينظر بعضهم الى بعض وينتظرون قطع المجلس‏.‏

وفـي يـوم الخميـس خامـس عشريـن شعبـان‏:‏ سلمـت الي المدرسة التي كانت دارًا لنظام الدين أبي نصـر بـن جهيـر وكانـت قـد وصلـت ملكيتهـا الـى الجهـة المسمـاة بنفشـة فجعلتها مدرسة وسلمتها إلي أبـي جعفـر ابـن الصبـاغ فبقـي المفتـاح معـه ايامـًا ثـم استعـادت منـه المفتـاح وسلمته الي من غير طلب كـان منـي وكتـب فـي كتـاب الوقـف انهـا وقـف علـى اصحـاب احمـد وتقـدم إلى يوم الخميس المذكور بذكر الحرس فيها فحضر قاضي القضاة وحاجب الباب وفقهاء بغداد وخلعت علي خلعـة وخرج الدعـاة بيـن يـدي والخـدم ووقـف اهـل بغـداد مـن بـاب النوبـي الـى بـاب المدرسـة كمـا يكـون فـي العيد واكثر وكان على باب المدرسة الوف والزحام على الباب فلما جلست لإلقاء الدرس عـرض كتـاب الوقـف علـى قاضـي القضـاة وهـو حاضر مع الجماعة فقرىء عليهم وحكم به وانفذه وذكرت بعد ذلك الدرس فألقيت يومئذ دروس كثيرة من الاصول والفروع وكان يومًا مشهودًا لم وتقـدم ببنـاء دكـة لنا في جامع القصر في آخر شعبان فانزعج لهذا جماعة من الاكابر وقالوا ما جرت عادة للحنابلة بدكة فبنيت وجلست فيها يوم الجمعة ثالث رمضان ودل بعض فقهاء أبي حنيفـة في الافطار بالأكل واعترضت عليه يومئذ وازدحم العوام حتى امتلأ صحن الجامع ولم يمكـن للأكثريـن وصـول الينـا وحفظ الناس بالرجالة خوفًا من فتنة وما زال الزحام على حلقتنا كل جمعـة وكانـت ختمتنـا فـي المدرسـة ليلـة سبـع وعشريـن فعلـق فيهـا مـن الاضـواء ما لا يحصى واجتمع من الناس ألوف كثيرة فكانت ليلة مشهودة ثم عقدت المجلس يوم الاربعاء سابع شوال تحت المدرسة فاجتمع الناس من الليل وباتوا وحزر الجمع يومئذ بخمسين ألفًا وكان يومًا مشهودًا‏.‏

وكـان تتامـش الأميـر قد بعث الى بلد الغراف من نهبهم وآذاهم حتى بلغني أن قومًا منهم قتلوا وقومـًا غرقـوا فجـاء منهـم جماعـة فاستغاثـوا بجامـع القصر في شوال ومنعوا الخطيب وفاتت الصلاة اكثـر النـاس وانكـر أميـر المؤمنيـن مـا جـرى وان تتامش وزوج اخته قيماز لم يحفلا بالانكار واصروا على الخلاف وجرت بينهما وبين ابن العطار منا بذات ثم بعث امير المؤمنين مختار الخادم فأصلح بينهم فلما كان الغد أظهرا الخلاف واصرا عليه وضربوا النار في دار ابن العطار‏.‏

ثم في يوم الاربعاء خامس ذي القعدة جاءوا وطلبوه فنجا وبعث الى قيماز ليحضر فأبى

وبـارز بالعنـاد وكـان قـد حالـف الامـراء علـى موافقتـه فبـان قبـح المضمر فصيح في العوام للخصومة وضربت ناحية قيماز بقوارير النفط فنقب حائطًا من داره الى درب بهروز وخرج من البلد ضاحي نهار ومعه تتامش ابن احماه وعدد يسير من الامراء ودخل العوام الى دار قيماز ودور الامراء الذين هربوا معه فنهبوا وأخذوا اموالًا زائدة عن الحد واحرقوا من الدور مواضع كثيرة وبقـي الخارجـون مـن البلـد فـي الـذل والجـوع وقصدوا حلة ابن مزيد ثم خرجوا عنها فطلبوا الشام وقد تفلل جمعهم وبقي معهم عدد يسير ثم جعل حاجب الباب ابن الوكيل صاحب الديوان‏.‏

وفي يوم الخميس ثالث عشرين ذي القعدة‏:‏ خلع على الوزير ابن رئيس الرؤساء وأعيد الى الـوزارة وجلـس في الديوان ثم خلعت عليه خلع الوزارة واحضرنا للاستفتاء في حق قيمازوما يجب عليه من مخالفته امير المؤمنين فكتب الفقهاء كلهم انه مارق‏.‏

ثم جاء الخبر يوم الجمعة سابع عشرين ذي الحجة بأن قيماز توفي ودفن وان اكثر اصحابه مرضى فأعيد سعد الشرابي الى شغله وسلمت خزانة الشراب اليه‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

حامد بن محمد قدم بغداد وتفقه وناظر وعاد الى حران فأفتى ودرس وكان ورعًا به وسوسة في الطهارة وروى عن شيخنا عبد الوهاب وتوفي بحران في هذه السنة‏.‏

روح بن أحمد ابو طالب الحديثي قاضي القضاة توفي يـوم الاثنيـن خامـس عشـر المحـرم ودفـن يومئـذ بقـراح ظفـر وكـان ولـده عبـد الملـك فـي الحـج فبلغتـه وفاته وهو بالكوفة فلما دخل بغداد مرض أيامًا ومات وكان ينبز بالرفض‏.‏

شملة التركماني كـان قـد تغلـب علـى بلاد فارس واستجد بها قلاعًا ينهب الأكراد والتركمان ثم يأوي اليها وقوي علـى السلجوقيـة وكـان يظهـر الطاعـة للامـام مكرًا منه وتم له ذلك زيادة على عشرين سنة ثم انه نهـض الـى قتـال بعـض التركمـان فعلمـوا بذلك فاستعانوا بالبهلوان فساعدهم بجنود فاقتتلوا فأصاب شملة سهم ثم أخذ أسيرًا وولده وابن أخته وتوفي بعد يومين‏.‏عبد اللّه بن عبد الصمد بن عبد الرزاق أبو محمد الدهان السلمي سمع الحديث ورواه وكان شيخًا صالحًا ففلج قبل موته وتَوفى يوم الجمعة ودفن بمقبرة احمد‏.‏

كان مملوكًا للمستنجد بالله وارتفع أمره وعلا كثيرًا فلما ولي المستضيء بأمر الله بعد موت المستنجد زاد أمره وصار مقدمًا على الكل وكانت الجنود كلها تحت أمره وانبسط كثيرًا حتى ان المستضيء اراد تولية وزير فمنع من ذلك وأغلق باب النوبي يومين و قيل انه نوى نية ردية وقد أشرنا الى حاله في حوادث هذه السنة الى ان خرج من بغداد هاربًا فتوفي بناحية الموصل وغسل في سقاية ووصل خبره في ذي القعدة من هذه السنة‏.‏

يحيى بن جعفر أبو الفضل كـان صاحـب مخـزن المقتفـي فأقـره علـى ذلك المستنجد ولم يغير عليه المستضيء ثم استنابه في الديـوان اذ خـلا عـن وزيـر فتقلـب فـي هـذه الاحـوال عشريـن سنـة كـان يحفـظ القراآن وسمع الحديث وحـج حجات كثيرة توفي يوم السبت تاسع عشر ربيع الاول من هذه السنة وصلى عليه يوم الاحـد بجامـع القصر ودفن عند ابيه في الحربية وخلف ولدين نجيبين فبلغ كل واحد منهما نحو ثلاثين سنة من العمروتهيأ للولايات فمات الاكبر ثم تبعه اخوه بعد قليل ودفنا عند أبيهما‏.‏

 ثم دخلت احدى وسبعين وخمسمائة

انه تقدم إلي بالجلوس تحت المنظرة الشريفة بباب بدر فتكلمت بكـرة الخميـس ثالـث المحـرم والخليفـة حاضر وكان يومًا مشهودًا ثم تقدم الي بالجلوس هنالك يوم عاشوراء فأقبل الناس الى المجلـس مـن نصـف الليـل وكـان الزحـام شديدًا زائدًا على الحد ووقف من الناس على الطرقات ما لا يحصى وحضر أمير المؤمنين وفقه الله‏.‏

وفي صفر‏:‏ قبض على استاذ الدار صندل وعلى خادمين معه وحبسوا وارجف الناس انهم كانوا قد تحالفوا على سوء ثم ضيق بعد ذلك على الامير أبي العباس ولد أميـر المؤمنيـن المستضيء بامر الله وولي ابن الصاحب حاجب الباب مكان استاذ الدار وولي ابن الناقد حجبة الباب وبني كشك في البلد لأمير المؤمنين ناحية جامع السلطان وجاء في ليلة الاحد ثامن ربيع الآخر مطر عظيم برعد شديد ووقعت صاعقة في دار الخلافة وراء التاج واحرقت ما حولها فأصبحوا فأخرجوا أهل الحبوس واكثروا الصدقات وكانت ابنتي رابعة قد خطبت فسأل الزوج ان يكون العقد بباب الحجرة وحضر قاضي القضاة ونقيب النقباء وجماعة من الشهود والخدم والاكابر فزوجت ابنتي بأبي الفتح ابن الرشيد الطبري وتزوج حينئذ ولدي ابو القاسم بابنة الوزير يحيى بن هبيرة وكان الخاطب ابن المهتدي وتقدم إلي بالجلوس ليلة رجب تحت المنظرة فاجتمع الناس فجاء مطر فمنع الحضور فتقدم بالجلوس في اليوم الثاني فتكلمت وأمير المؤمنين حاضر وامرنا بالبكور الى دعوة أمير المؤمنين فحضرنا بكرة السبت وحضر الوزير ابن رئيس الرؤساء وأرباب الدولـة والعلمـاء والمتصوفـة فأكلـوا وانشـد ابـن شبيـب قصيـدة يمـدح فيهـا أميـر المؤمنيـن وخـرج قاضـي القضـاة وأربـاب الدولـة بعد الأكل وخرجت معهم وبات‏.‏الباقون مع المتصوفة على سماع الانشاد وفرق على الجماعة مال وخلع وكان هذا رسمهم في كل رجب وكانت العادة ان لا يدخل احد الـدار بطيلسـان ولا طرحة احترامًا لامير المؤمنين سوى قاضي القضاة فانه كان يجعل طرحته طيلسانًا وكنت اذا تكلمت بباب بدر اصعد المنبر فاذا جلست رفعت الطرحة فوضعتها الى جانبي فاذا فرغ المجلـس اعدتهـا وفي يوم الجمعة تاسع رجب‏:‏ استدعانا صاحب المخزن للمناظرة فحضر فقهاء بغداد ولم يتخلف الا النادر ودل ابو الخير القزويني في مسألة زكاة الحلى واعترضت عليه ثم جرينـا علـى العادة في الجلوس بباب بدر ليلة الجمعة فأسبوع لي واسبوع للقزويني وكان الزحام عندي اكثر وبعث اليَ بعض الامراء من اقارب أمير المؤمنين فقال والله ما احضر أنا ولا أمير المؤمنين غير مجلسك وانما تلمحنا مجلس غيرك يومًا وبعض يوم آخر‏.‏

وفـي يـوم الجمعـة رابـع عشـر شعبـان‏:‏ حملـت الـى طريفـة قـد بعثت الى أمير المؤمنين من قرية قريبة مـن بغـداد يقـال لهـا الوقـت وهـي بقرتـان قـد ولدتـا برأسيـن ورقبتين واربع ايدي وبطن واحد وفرج وفـي رمضـان‏:‏ كتـب علـى حائـط المدرسـة التـي وقفتهـا الجهة وسلمتها الي بخط القطاع في الاجر وقفت هذه المدرسة الميمونة الجهة المعظمة الشريفة الرحيمة بدار الرواشني في ايام سيدنا ومولانا الامام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين على اصحاب الامام احمد بن حنبل وفوضت التدريـس بهـا الـى ناصـر السنة ابى الفرج ابن الجوزي وما زالت المجالس تحت المنظرة بباب بدر الى آخر رمضان وكان في آخر رمضان قبل مجلسنا هناك بيوم قد انزعج البلد ولبس السلاح فاختلفت الاراجيف فانقشع الامر ان أمير المؤمنين اصابته صفراء من الصوم فتكلمت تحـت المنظـرة فسكـن البلـد فحدثنـي مـن يلوذ بخدمة أمير المؤمنين قال حضر يومئذ الإمام عندك المجلس متحاملًا ولولا شدة حبه لك لما حضر لما كان اعتراه من الالم وحدثني صاحب المخزن قال كتبـت الـى أميـر المؤمنيـن فـي كلـام كنـت ذكرتـه هل وقع ما ذكره فلان بالغرض فكتب أمير المؤمنين ما على ما ذكره فلان مزيد‏.‏

وفـي بكـرة الجمعـة سابـع عشريـن رمضان كسفت الشمس اول وقت الضحى وبقيت ساعة حتى تجلت‏.‏

وكان حاجب الباب ابن الناقد يلقب بالقنبر فذكرهذا اللقب من كان يعرفه به فشاع فـي العـوام فصـاروا يصيحـون بـه اذا خـرج فحفـظ باتـراك فلـم يجـىء مـن الأمـر شيء وخلع عليه قبل العيـد بثلاثـة أيـام فقيـل لأميـر المؤمنيـن ان النـاس قـد عزمـوا اذا خرج يوم العيد في الموكب ان يرسلوا القنابـر بيـن النـاس وهـذا يصيـر الموكـب هتكـة‏.‏

فعزلـه وولـى ابـا سعـد ابـن المعوج حجبة الباب وكان الرفض في هذه الايام قد كثر فكتب صاحب المخزن الى أمير المؤمنين ان لـم تقـو يـدي ابـن الجـوزي لـم تطق على دفع الباع فكتب أمير المؤمنين بتقوية يدي فأخبرت الناس بذلـك علـى المنبـر وقلـت ان أميـر المؤمنيـن صلـوات اللـه عليـه قـد بلغه كثرة الرفض وقد خرج توقيعه بتقويـة يـدي فـي ازالـة البدع فمن سمعتموه من العوام يتنقص بالصحابة فأخبروني حتى انقض داره واخلده الحبس وان كان من الوعاظ حدرته المشان‏.‏

فانكف الناس ثم تقدم في يوم الخميس عاشر شوال بمنع الوعاظ كلهم الا ثلاثة كل واحد من مذهب انا من الحنابلة والقزويني من الشافعية وصهر العبادي من الحنفية ثم سئل في ابن عبد القادرفأطلق‏.‏

وعقدت الولاية على مكة لأمير المؤمنين فخرج الحاج على خوف شديد من القتال‏.‏

وفي يوم السبت رابع ذي القعدة‏:‏ وقت الضحى خرج أمير المؤمنين إلى الكشك الذي عمل له خارج السور وخرج أرباب الدولة مشاة وخرج الناس ينظرون إليه ويدعون له فدخل الكشك فأقام فيه ساعة ثم خرج فمضى نحو القورج ثم عاد فدخل من باب النصر وقت الظهر‏.‏

وفـي يـوم الجمعـة غـرة ذي الحجـة‏:‏ خلـع علـى ظهيـر الديـن أبـي بكـر بـن نصـر ابـن العطـار بباب الحجرة خلعة سنية وأعطي مركبا وسيفًا وولى المخزن ولاية تامة وخلع يومئذ على أستاذ الدار ابن وفي يوم الأربعاء سادس ذي الحجة صنع الوزير ابن رئيس الرؤساء دعوة وجمع فيها أرباب المناصب وحضر الخليفة فاستدعيت فخلعت علي خلعة ونصب لي منبر في الدار فتكلمت بعـد أن أكلـوا الطعـام والخليفـة حاضـر والوزيـر وجميـع أربـاب المناصـب وجميـع علمـاء بغـداد والفقهـاء والوعـاظ إلا النـادر وخلـع علي خلعة ثم تكلمت يوم عرفة وكان مجلسًا عظيمًا تاب فيه خلق كثير وقطعت شعورًا كثيرة وكان الخليفة حاضرًا‏.‏

وفي يـوم عيـد الأضحـى‏:‏ وقعـت فتنـة فـي أخـذ جمـال البحرييـن جماعـة مـن العـوام فنصـر بعضهـم أميـر يقال له سنقر الصغير فرماه العوام بالآجر فضربهم هو وأصحابه بالنشاب ثم أصبحوا يوم فرح ساعة فأقاموا الحرب وكان الذين خاصموه أهل باب الأزج فكان أصحابه يخاصمونهم فقامت يومئذ الفتنة عامة النهار ومات بين الفريقين نحو عشرة أنفس ونهب من باب الأزج قطعة ثم سكنت الثائرة وأخرج أمير المؤمنين مالًا ففرقه على من نهب له شيء‏.‏

وخـرج فـي أواخـر ذي الحجـة‏:‏ عسكـر كثيـر إلـى بنـي خفاجة لمحاربتهم فرحلوا فلم يدركوهم وقتل من المطاردين قوم وجاءت أخبار ظريفة عما جرى للحاج في طريقهم فمنهاانهم خرجوا من عرفات فلم يبيتوا بالمزدلفة وانما مروا بها ولم يقدروا على رمي الجمار وخرجوا الى الابطح فبكـروا يـوم العيـد وقـد خرج اليهم قوم من مكة يحاربونهم فتطاردوا وقتل من الفريقين جماعة ثم الأمـر الـى أن صيـح فـي النـاس الغـزاة الـى مكـة فهجمـوا وصعـد أميرمكـة المعـزول الـى القلعة التي على جبل ابي قبيس ثمٍ نزل عنها وخرج من مكة ودخل الناس فقصد قوم لا خلاق لهم النهب فأخفـوا شيئـًا كثيـرا مـن امـوال التجـار المقيميـن بمكـة واحرقـوا آدرا كثيـرة بمكـة وحدثنـي بعض التجار أن رجلَاَ كـان زراقـًا بالنفـط ضـرب دار رجـل بقـارورة فاشتعلـت وكانـت تلـك الـدار لأيتـام يستغلونهـا كـل سنـة اذا جـاء الحاج فهلكت وما فيها ثم اخرج قارورة اخرى فسواها ليضرب بها فجـاء حجرفكسرهـا فعـادت عليـه فاحتـرق فبقـي ثلاثـة أيـام بسفح الجبل ورأى بنفسه العجائب ثم مات قال وحدثني رجل من السماسرة قال كان عندي مال عظيـم لـي ولغيـري من التجار فدخل علي أربعة انفس فجمعوا الكل فقلت لأحدهم وعرفته يا فلان قد اكلت انا وانت الطعام وهذا ليس لي وهفه مائة دينار خذها حلالأ ودعني فقال اسكت قد اخذنا علينا بالدين قبل ان نجيء اليكم لنقضي من اموالكم فجمع الاربعة اربع كوارير فيها جميع المال وخرجوا عني خطوات فلقيهم عبيد من مكة فضربوا اعناقهم فقمت ونقلـت المـال فتعبـت فـي نقلـه ولـم يذهب منه شيء ان أميرمكة قال لا اتجاسر ان اقيم بعد الحاج فأمروا غيره ورحلوا‏.‏

علي بن الحسن أبن هبة الله أبو القاسم الدمشقي المعروف‏:‏ بابن عساكر سمع الحديث الكثير وكانت له معرفة وصنف تاريخًا لدمشق عظيمًا جدًا يدخل في ثمانين مجلدة كبارًا وكان شديد التعصب لأبي الحسن الاشعري حتى صنف كتابأ سماه تهذيب المفتري على ابي الحسن الاشعري وتوفي بدمشق في هذه السنة عمر بن هديه بن سلامة بن جعفر أبوحفص الصواف ولد في ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة وسمع من جماعة وروى‏.‏

وتوفي يوم الخميس سادس عشرين ربيع الاخرمن هذه السنة 0 المبارك بن الحسن أبو النجم ابن القابلة الفرضي سمع ابا الحسين ابن الفراء وابا منصور ابن زريق وكان عارفًا بعلم الفرائض والمواقيت توفي في جمادى الاولى أمن هذه السنة ودفن بمقبرة الزادمان قرية قريبة من بغداد‏.‏

مسعود بن الحسين بن سعد أبوالحسين اليزدي القاضي ولـد سنـة خمـس وخمسمائـة وتفقه وافتى وناب في القضاء ودرس بمدرسة ابي حنيفة ومدرسة السلطـان ثـم خـرج الـى الموصـل فأقـام مـدة يـدرس هنـاك وينـوب فـي القضـاء فتوفي بها في جمادى الآخرة‏.‏

 ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة

فمن الحوادث فيها انه تقدم الي بالكلام تحت منظرة الخليفة بباب بدر فتكلمت يوم الاحد ثاني المحرم وحضرأمير المؤمنيـن ثـم تكلمـت هنـاك يـوم عاشـرراء فامتـلأ المكـان أمن وقت السحر فطلع الفجر وليس لأحد طريـق فرجـع النـاس وامتلـأت الطـرق بالنـاس أقيامـًا يتأسفون على فوت الحضور وقام من يتظلم في المجلس فبعث أمير المؤمنين في الحال من كشف ظلامته‏.‏

صزفت ابنتي رابعة أليلة الاربعاء ثاني عشر المحرم الى زوجهاوكان زفافها في دار الجهة المعظمة في ثرب الحواب واحضرت الجهة وذلك بعد أن جهزتها الجهة بمال كثير‏.‏

وفي يوم الخميس حادي عشر صفر‏:‏ دخل رجل الى جامع المنصور ليأكل

خبـزًا فمـات فـي مكانـه ومـات آخـر فـي بـاب البصـرة وامـرأة فـي تلـك الساعـة ودخـل رجـل السـواد الى مسجـد العتابيين يومئذ وترك حماره على الباب فمات الرجل ودخل بعض الحاج الى بغداد يوم الاربعـاء عاشـر صفرثـم تتابعـوا فدخـل الاكثرون يوم الاحد لم تجر لهم عادة بهذا التأخر وأخبروا باشياء لقوها في دخول مكة قد ذكرنا بعضها حودث السنة‏.‏

ونقصت دجلة في اول آب وهو اول صفر نقصانًا ما رأينا مثله وخرجت جزائر فيهـا مـا عهدنا مثلها وكانت السفينة تجنح في وسط دجلة فينزلون فيحركونها‏.‏

وفي اواخر آب هـب ريـح شديـد البـرد ليالـي فنـزل النـاس من السطوح ثم عاد الحر فصعدوا فأصاب الناس زكام شديد عم ذلك الخلق‏.‏

وفي أول ربيع الاول‏:‏ خرج العسكر لقتال بنى خفاجة‏.‏

وفي يوم الاثنين سابع ربيع الأول‏:‏ خرج أمير المؤمنين عند استواء طلوع الشه الى الكشك ثم عاد بعد الظهر الى قصره‏.‏

وظهـرت حمـرة شديـدة فـي السمـاء مـن المشـرق مـن وقـت طلـوع الفجـر الى استواء الشمس ثم كانت تظهرعنـد غيبـة الشمـس مـن المغـرب كذلك كأنها الشفق إلأ أشد حمرة لم نرمثلها كأنها الدم وكانت تتصاعد ويبقى تحتها من الغيم المضيء فتضيء له الاماكن كأنه ضوء الشمس وبقيت مدة ثم انقطعـت ثـم عـادت تقـل وتكثـر أشهـرًا وفـي ربيـع الآخـر‏:‏ اخرج المجذمون من بغداد ونفوا الى تحت البلد‏.‏

وفي يوم الخميس ثامن جمادى الأولى‏:‏ اذن في إقامة الجمعة بمسجد ابن المأمون بقصرعيسى فأقيمت فيه يومئذ‏.‏

وفـي يـوم السبت غرة جمادى الاخرة‏:‏ عبرت الى جامع المنصور فوعظت فيه بعد العصر وعبر الناس من نهر معلى واجتمع اهل المحال فحزر الجمع مائة الف ورجعنا الى نهر معلى والناس ممتدون من باب البصرة كالشراك الى الجسر وكان يومًا مشهودًا‏.‏

وجـاء الخبـر بنصـر المسلميـن على الافرنج في غرة جمادى الأخرة وخرج أمير المؤمنين يوم الثلاثاء رابـع عشريـن جمـادى الآخـرة اول وقـت الضحـى الـى الكشـك وخرج الناس لرؤيته على ما جرت به العـادة فبـات فـي الكشـك وخـرج بكـرة الـى الصيـد فبقـي الاربعـاء والخميـس ودخـل الدار العزيزة قبل المغـرب ثـم تقـدم الـي بالجلـوس ببـاب بمـر تحـت المنظـرة يـوم الاثنين سلخ جمادى الاخرة فتكلمت فيه بعد العصروأمير المؤمنين حاضر وجرى مجلس مستحسن تاب فيه جماعة وقصت فيه شعور وذكرت خروجه الى الكشك في قصيدة انشأتها وهي‏:‏

يـا سيـد الخلـق وعيـن الاكوان ** خليفـة اللا العظيم السلطان

ظهـرت للخلـق ظهـور البرهـان ** عاشت به ارواح اهل الايقـان

زيـن بـك البـر وزينـت اوطـان ** صدت القلوب حين صاعوا الغزلان

بحلمك الوافر بل بالاحسان ** والكشك قـد حقـر قمرالايـوان

هذا على التوحيد وضع البنيان ** وذاك مبنـي لأجـل النيران

حب بني العباس اصل الايمـان ** بنى الاله ولمحم في الجثمـان

الحجـر والبيـت لهـم والأركان ** أصبحت كالروح ونحـن ابـدان

الشـرع كالعين وانت اجفان ** الجود غصـن واحـد يـا بستـان

هذا مديحي وهو قحر الامكان ** وفي ضميري ضعف هذا الاعلان

عبيدكـه لا يشترى بأثمان ** وقد ملكتم رقه بالاحسان

سميت نفسي مذ خدمت سلمان ** لكن لساني في المديـح حسـان

وحسن الفاظي تباهى سحبان وفي بكرة الأربعاء ثاني رجب‏:‏ حضر الناس على عادتهم دعوة امير المؤمنين التي تكون في كل رجب فحضر الوزير وأرباب الحولـة والعلمـاء والمتصوفـة ونصـب لهـم سمـاط المؤمنين وهذه كانت العادة كل سنة ثم خرج قاضي القضاة أومعظم ارباب الدولة وخرجت معهم وبات القوم على سماع الانشاد وخلعت عليهم خلع وفرقت عليهم اموال‏.‏

وتكلمت يوم الخميس عاشررجب بعد العصر تحـت المنظـرة واميـر المؤمنيـن حاضـر والزحـام شديد ثم تناولنا انا والقزويني كل ليلة جمعة فكان يوم مجلسي تغلق ابواب المكان بعد الظهر لشدة الزحام فاذا جئت بعد العصر فتح لي فزاحم معي من يمكنه ان يزاحم‏.‏

وفي شهررجب‏:‏ قارب بغداد بعض السلجوقية ممن يروم السلطنة وارسل رسولا ليؤذن له في المجيء فلم يلتفت اليـه فجمـع جمعـا ونهـب مواضـع فخـرج اليـه العسكروجـرت مناوشات في شعبان ورحل فرجع العسكر الى بغداد ثم عاد فنهب مواضع وآذى قرى فعاد العسكـر فخـرج اليـه وامرعليهـم شكرالخـادم فأقأمـوا يراصدونـه طـول رمضـان ثـم رحـل فـي شوال الى ناحية خراسان فرجع العسكر‏.‏

أوفـي يـوم الاثنيـن حالحـي عشـر رمضان‏:‏ تقدم الي بالجلوس في دار ظهير الدين صاحب المخزن وحضـر اميـر المؤمنيـن واذن للعـوام فـي الدخـول فتكلمـت وأعجبهـم حتـى قـال لـي ظهيـر الديـن قد قال امير المؤمنين ما كأن هذا الرجل آدمي لما يقدر عليه من الكلام ومما جرى بعد النصف من رمضان ان رجلا من التجار باع متاعا له بألف دينار وترك المال في خـان انباروجـاء الـى بيتـه وليـس معـه فـي الـدار إلاَّ مملـوك لـه اسـود قـد اشتـراه قبـل ذلـك بأيـام فقـام المملـوك فـي الليـل فضربـه بسكيـن فـي فـؤاور واخـذ المفتـاح ومضـى الـى الخـان انبـار فطـرق بـاب الخـان فقالـت الخانيـة مـن انـت قـال انـا غلـام فلـان قـد بعـث بي لآخذ له شيئًا من الخان انبار فقالت والله مـا افتـح لـك حتـى يجـيء مولـاك فرجـع ليأخـذ ما في البيت فاتفق ان حارس الدرب سمع صيحة الرجل وقت ان ضرب بالسكين فأمسك الغلام وبقي مولاه في الحياة يومين فوصى بقتل الغلام بعده فصلب المملوك بالرحبة بعد موت مولاه يوم الخميس حادي عشرين رمضان واخذ مملوك اخر لبعض التجار من سيده الف ديناروهرب فلم يسمع له خبر‏.‏

وجـاء حـر شديـد بعـد نصـف رمضـان فكـان ذلـك في آذار فبقى اسبوعا على مثل حرحزيران او اشد فأخبر المشايخ انهم ما رأوا مثل هذا في هذا الوقت ثم عاد الزمان الى عادته‏.‏

وحدثني طلحة بن مظفر العلثي الفقيه انه ولد عندهم بالعلث في رمضان مولود لستة اشهر فخرج له اربعة اضراس‏.‏

وفـي يـوم الاثنيـن خامـس عشريـن رمضـان‏:‏ تقـدم بجلوسـي فـي دارصاحـب المخـزن فجلست وحضر اميـر المؤمنيـن واذن للعـوام فـي الدخـول فتكلمـت بعـد العصـر الـى المغـرب وبتنـا فـي الدارتلـك الليلـة مع جماعة من الفقهاء فجرت مناظرات الى نصف الليل‏.‏

وفـي يـوم الجمعـة العشرين من شوال‏:‏ حضرت الصلاة بجامع الرصافة فلم يحضر الخطيب وقاربت العصـر فصلـى اكثـر النـاس الظهـر وانصرفـوا واقمـت مـع جماعـة ننتظـر الخطيـب فجـاء قبيـل العصرفخطـب وصلينـا وكـان السبـب فـي تأخـره ان الـذي كانـت الجمعـة نوبتـه صـرف عـن الخطابـة ولـم يعلـم نائبـه فتأخرفبعثـوا اليـه مـن بـاب البصـرة فحضـر فاختصـر فقـرأ ‏{‏ألهاكـم التكاثـر‏}‏ وهـذا شـيء لا يذكر النـاس انـه جـرى مثلـه علـى هـذا الوصـف‏.‏وفـي يـوم الجمعـة خامـس فـي القعدة‏:‏ اذن في اقامة الجمعـة بمسجـد فـي شـارع دار الدقيـق مـن الجانـب الغربـي فأقيمـت فيـه وقـد ذكرنـا انـه اذن فـي اقامـة الجمعة بمسجـد ابـن المأمـون فـي جمـادى الاولـى فمـن العجائـب تجـدد جامعيـن ببغـداد فـي سنـة واحـدة وفـي يـوم الاثنيـن ثامن في القعدة بعد العصر هبت ريح شديدة فأثارت ترابا عظيما وازعجت الناس وبقيت كذلك ساعة جيدة ثم ذهبت‏.‏

واتفق في هذا الشهرأن رجلا أمر بالمعروف فقصده بعض من امره بخشبة فهرب الآمر فعاد الرجل الى بيته والخشبة بيده فحين دخل الدار وقع فمات‏.‏

ووصل الخبر في ذي القعدة بأن بلادا كثيرة زلزلت وخسف ببعضها وذكر فيها الري وقزوين‏.‏

وكتب الي بعض الوعاظ ان امرأة تقول كان رجل اذا رآني في الطريق مشى الى

جانبي وتعرض لى فقلت له انا لا اوافق الا على الحلال فتزوج بي عند الحاكم وقضيت معه مديدة يأتيني كما يأتى الرجل المرأة ثم عظمت بطنه وقال لي قد حبلت فاعملي لي دواء الاسقـاط فعملت له فولد وقد حضرت المجلس انا وهوفما حكمنا فقال الواعظ هذا النكاح ما صح لانه بالودة انكشف انه امرأة وتعجب الناس من حال هذا الخنثى الفي كان يأتي ويؤتى‏.‏

وفـي ليلـة الاثنيـن ثانـي عشريـن ذي القعـدة‏:‏ دخـل رجـل الـى بيـت اختـه فذبحها أوهرب وكأنه حدث عنهـا بمـا لا يصلـح أوتحـدث بعـض جيراننـا ببـاب المراتـب انـه وقـع فـي ارهـم حائط فقام هووجارية له يعزلون الآجر والجص فوجدت الجارية صنحوقا لطيفا فيه منامية فيها دنانير في الدينار اربعة وخمسة وبين ذلك حب الحبة الواحمة كالزيتونة واشياء وصفتها فأعطت منها بعض جيرانهم وسلمت الباقي الى رجل كان يعرفها منذ جلبت وقالت اكتر ببعض هذا وتعال إلي في اليوم الفلاني حتى اخرج معك فمضى الرجل ولم يعد فلما يئست منه حدثَ سيدها بذلك فجعل يتلهف بعد أن فات الامر‏.‏

ونزل رجل الى دجلة يسبح وترك ثيابه وفيها ستون دينارًا على الشاطىء فجاء قوم فأخفوها ومضوا فاتهم بها آخرين فأخفوا واهينوا ثم طلبوا من كان قريبًا منهـم فـاذا رجـل قـد اخـذ الذهـب وخـرج ليسافـر فوجحـوه في الحربية قد نفق منه عشره قراريط ففتشوه فأخفوه فقيل لصاحب المال طيب قلوب المتهمين فقد رد مالك فلم يفعل‏.‏

فقـال واللـه مـا ابـرح حتـى آخـذ فقـال الطحـان وحـق علـي الذي هوخير من الله ما اعطيك‏.‏

فشهد عليه جماعة فحبس أيامًا ثم اخرج يوم السبت سابع عشرين ذي القعدة فضرب مائة سوط وسود وجهه وشهر في الغد وخلفه من يضربه بالخشب والعامة يرجمونه ثم اعيد الى الحبس‏.‏

وتقدم الـي بالجلـوس ببـاب بمـر فتكلمـت بكـرة الخميـس ثالـث فـي الحجـة وحضرأميـر المؤمنيـن وقـام الـي رجـل يـوم عرفـة في المجلس فتاب وقطع شعره وقال لي ثلاث اسابيع أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم و في المنام كأنه في كل مجلس يأتي اليك فيقبلِ صدرك‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

علي بن عساكر أبو الحسن البطائحي المقرىء كان قد قرأ القرآن وأقرأ وسمع الحديث الكثير وروى وكانت لـه معرفـة بالنحووعبـر الثمانيـن ووقف كتبه وتوفي ليلة الثلاثاء ثامن عشرين شعبان هذه السنة‏.‏

محمد بن سعيد بن محمد أبوسعد كان من المعدلين وسمع الحديث من ابن برهان وابن الحصين وكان ينظر التركات أويقول شعرًا مطبوعا كتب اليه بعض الناس مكاتبة تتضمن شعرًا فكتب في جوابها‏:‏

يامـن اياديـه يعيـا مـن يعددها ** وليس يحصى مداها من لها يصف

عجزت عن شكرما اوليت من كرم ** وصرت عبدا ولي في ذلك الشرفا

اهديت منظـوم شعركلـه درر ** فكل ناظم عقددونه يقف

اذا أتيـت ببيـت منـه كـان لنا ** قصرًا وعر المعالي فوقه شرف

وأن أتيت أنا بيتًا نناقضه ** أتيت لكن ببيت سقفه يكـف

لا كنت منـه ولامـن اهلـه ابـدا ** وانمـا حيـن ادنـو منه أقتطف

ولد ابوسعد سنة احدى وخمسمائة وتوفي في الحجة من هذه السنة‏.‏

محمد بن عبد الله بن القاسم أبو الفضل الشهرزوري كـان رئيـس اهـل بيتـه وبنـى مدرسـة بالموصـل ومدرسـة بنصيبيـن وقـف عليها وقوفًا ولاه محمود بن زنكي ثم استوزره ورد بغداد رسولًا فذكر أنه كتب قصة إلى المقتفي فكتب على رأسها محمد بن عبد الله الرسول فكتب المقتفي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وتوفي مختار الخادم وكان من خواص الخليفة وكان يتدين وعلت سنه‏.‏

توفي في آخر شعبان ودفن في الترب بالرصافة‏.‏

مسلم بن ثابت بن زيد بن القاسم بن أحمد أبوعبد الله بن جوالق الفقيه‏.‏

سمع الحديث وتفقه على شيخنا ابى بكر الدينوري وناظر وعلت سنة وكان وكيلًا لبعض امراء الدار العزيزة وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة ودفن بمقبرة احمد‏.‏

 ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة

فمن الحوادث فيها انه في بكرة الخميس غرة المحرم دخل الى البلد تتامش الني كان قد خرج مع قيماز من بغداد وخرج اهل البلد للنظر اليه ونزل تحت التاج فقبل الارض مرارًا واذن له في وبعد صلاة العصريومئذ تقدم الي بالجلوس تحت منظرة باب بدر واجتمع الخلق وتاب جماعة وحضـر اميـر المؤمنين‏.‏

ثم تقدم الي بالجلوس هناك يوم عاشوراء وكان الناس يجيئون من نصف الليـل بالأضـواء فما طلع الفجرولا حد موضع قدم وغلقت الابواب ولقينا شدة من الزحام وأمير المؤمنين حاضر

وقـدم الحـاج فـي نصـف صفروذكروا مـا لقـوا فـي طريقهـم مـن الجـوع وغـلاء السعـر وكثرة من هلك من المشاة والجمال‏.‏

وقبض على حاجب الباب ابي منصور ابن العلاء وسلم الى استاذ الدار وجرت همرجات عظيمة قبض فيها على جماعة ومنع ابن الوزيرأبن رئيس الرؤساء من الركوس وان يتـردد الـى بابـه احـد واستكتـب كثيرًا من املاكه ثم رلمحد عليه كثيرمنها بعد ذلك وصرف اكثر اشغـال الديـوان الـى المخـزن وانقطـع عـن الركوب اصلا واخذ ابو المظفر الحسين بن محمد بن علي الدامغانـي اخو قاضي القضاة إلى دار صاحب المخزن وهو الذي كان ينوب عن قاضي القضاة فـي الحكـم علـى بابـه وكـان قـد زوج امـرأة فتظلـم زوجها الاول وقال اكرهت على طلاقها فقيل له كيف زوجتها‏.‏

فقال جاءني كتاب حكمي من واسط ان زوجها قد طلقها وفتحته وكتبت علـى ظهـره وجاءتنـي بـرأءة فكتبـت عليهـا وزوجتهـا فأخرج صاحب المخزن الكتاب وليس بمفتوح

ولا مكتـوب فـي ظهـره ولا فـي البـراءة فجبهـه صاحـب المخـزن وقـال قـد عزلتـك عـن القضـاء والشهادة وكل ما كنت تتولاه ثم امربتنحية طيلسانه وقال له‏:‏ يبلغ عنك وعن اخيك ما لا يصلح وامير المؤمنيـن لا يغفـل عـن هـذا ثـم جعـل يتبـع افعـالا تنسـب الـى قاضـي القضـاة وحدثني بعض الوكلاء ان قاضـي القضـاة كـان قـد كتـب الـى الخليفـة قبل ذلك بمده يسأل ان يعفى من قصد صاحب المخزن فأعفـي وكـان بينهمـا شـيء فلمـا رأى قاضـي القضـاة مـا جـرى على أخيه وكان قبل ذلك قد جرى علـى جماعـة مـن وكلائـه اهانـات ثم تتبع وجاء في يوم الخميس حادي عشر ربيع الأخر الى دار صاحب المخزن يستعطفه ثم صار يترعداليه كل اسبـوع واستقبـح النـاس هـذا التـردد بعـد الانقطاع الدائم وعلموا انه من الخوف وفي يوم الائنين النصف من ربيع الآخر‏:‏ تكلمت في جامع المنصور وحضر الخلق فحزروا بمائة الف وتاب ثلاثة وخمسون نفسا وقصت شعورهم وانشد في يوم السبت الشهاب الضرير‏:‏

بـك يـا جمـال الديـن قـد شقـت ** مـن الأعـدا مرائـر

حسمـوا ومالهمُ إذا ** سـروا علينا من جرائر

لـك في الفداء نفوسنا ** وهي الشريفات الحرائر

يوم الجلوس لنا الأني ** س لهـم بـه تبلـى السرائر

تكفي المليحة عنـد مـن تهـوى ** شهادات الضرائـر

وفي يوم الخميس خامس عشرين ربيع الآخر‏:‏ ضرب تركي تركيًاضحوة نهارعلى باب النوبي بنشابـة ثم اتباعها ضربة بسيف ثم هرب الضارب وخرج البلد ثم عاد ليأخذ من بيته شيئًا وبهرب فأخذوه فصلب وقت الظهر بباب النوبي أوحي بعد صلاة الجمعة‏.‏

وفـي يـوم الجمعـة ثالـث جمـادى الأولـى‏:‏ منـع مـن اقامـة الجمعـة التـي فـي قصـر عيـس المعروف بمسجد ابن المأمون وكان قد عمره فخر الدولة بن المطلب واوسعه وانفق عليه مالًا وجاءت الاخبار بان الموت في دمشق كثيروالمرض بالموصل كثير‏.‏

وفي النصف من جمادى الآخرة‏:‏ أخرج البلخي الواعظ من البلد بتوقيع بعد اسمعه حاجب الباب المكروه لما كان يذكرعنه من شرب الخمر‏.‏

وفي يوم الجمعة سادس عشرجمادى الأخرة‏:‏ ركب الوزير الى باب الحجرة بعـد أن بقـي زمانًا لا يركب فطاب قلبه وجلس للهناء وجاء صاحب المخزن الى دارالوزير بعد صلاة الجمعة والنقباء وقام له الوزيروقبل صاحب المخزن يده وجاءت الي يوم الأحد خامس عشرين جمادى الآخرة فتوى في عبد وامة لرجل فاعتقهما زوج الرجل بالمرأة فبقيت معه عشرين سنة وجاءت منه باربعة اولاد ثم بان الان انها اخته لابيه وامه ومذ عرف ذلك أخذا لم في البكاء والنحيب فتعجبت ذلـك واعلمتهمـا أنـه لا إثم فيما مضى والعدة تلزمها ويجوز أن ينظر إليها بعد أن فارقها نظره إلى أخته إلا أن يخاف على نفسه فيلزمه البعد عنها‏.‏

وفي ليلة رجب‏:‏ تكلمت بباب بدر تحت المنظرة الشريفة وأمير المؤمنين حاضر والجمع متوفر

وفي بكرة ليلة الأحد ثاني رجب‏:‏ حضرنا دعوة أمير المؤمنين على العادة وحضر ارباب المولة كلهم والعلماء والصوفية فأكلوا وختمت الختمة ودعا للختمة ابن المهتدي الخطيـب وصلـى بهـم فـي ذلـك اليـوم وتلـك الليلـة فـي الداروبعـد دعـاء الختمة خلع على أمير المدينة ووللى وولد امير مكة ثم انصرف من عادته الانصراف أوبات الباقون على عادتهم وخلعت عليهم الخلع وفرقت الآموال‏.‏

وبنت الجهة المعظمة المسماة بنفشة رباطًا في سوق المدرسة للصوفيات وفتحته اول رجـب وعملـت فيه دعوة وتكلمن فيه وأفرد لاخت أبي بكر الصوفي شيخ رباط الزوزني وفرقت الجهة عليهم مالًا وفـي ليلـة الاحـد سـادس عشر رجب‏:‏ جاء مطر عظيم ودام ثلاثة ايام بلياليهن وكان فيه رعود هائلة وبروق عظيمة ووقعت آدر كثيرة وامتلأت الطرقات بالماء وبقي الوحل أسبوعًا وجمع أهل عرب بينهم اثني عشردينارًا لمن ينقل المـاء فـي المـزادات الـى دجلـة واخـرج الخليفـة مـالًا ينفـق فـي تنحيـة الوحـل مـن الطـرق وزادت دجلـة زيـادة بينـة وذلـك فـي كانـون الثانـي ولـم يـزل ينقـص قليلًا ثم يعود الى الزيادة فقا شيخ من الملاحين لي ثمانون سنة ما رأيت مثل هذه الزيادة في كانون‏.‏

وفي يوم الخميس سابع عشرين رجب‏:‏ تكلمت بعد العصرتحت المنظرة المؤمنين حاضر‏.‏

وفـي هـذه الايـام‏:‏ خـرج شحنـة اوانـا وعكبـرا يتصيـد فـوق تلـك النواحـي فلقيـه مـن بنـي خفاجـة فقتلـوه فجيء به الـى بيتـه ببـاب الـازج ثـم حمـل فدفـن فـي مقبـرة احمـد بـن حنبـل وكـان كثيـر الخيـر والتديـن لا يشرب الخمرولا يشكى منه وكان مواظبًا على مجلسي وفي يوم الاثنين غرة شعبان ألكم رجل رجلًا فمات في الحال‏.‏

وانشـأ أميـر المؤمنيـن مسجـدآ كبيـرًا فـي السـوق عنـد عقـد الحديـد وتقـم بعمارتـه عمارة فائقة وكسي وقمم فيه عبد الوهاب أ ابن العيبي زوج ابنتي فصلى فيا النصف من شعبان وأجريت له مشاهـرة وتقمـم الـي فصليـت فيـه بالنـاس التراويـح ليلـة الزحـام كثيـرًا فدخل على قلوب اهل المذهب مـا شـاء الله من الغم لكونه اضيف الحنابلة وقد كان يرجف له به لغيرهم‏.‏

وفي بكرة السبت خامـس رمضـان‏:‏ تقمـم بجلوسـي فـي دار صاحـب الـه وازدحم الناس حتى غلق الباب وكان أمير وفي سحرة يوم الأربعاء سابع شوال‏:‏ هبت ريح عظيمة فزلزلت الدنيا بتراب عظيم حتى خيف ان تكون القيامة ثم جاء فيها برد ودام ذلك ساعة طويلة ثم انجلت وقد وقعت حيطان وتهدمت مواضع على اقوام مات منهم وارتث منهم ووقع سقف متصل بمنظرة الخليفة التي عند باب الحلبة وكانت الريح تقوى ساعة وتخف ساعة الى وقت الضحى ثم اشتدت وملأت الدنيا ترابًا فصعد اعنان السماء فتبير السماء منه مصفرة الـى وقـت العصـر وزادت دجلـة فـي عاشـر شـوال زياثـة عشريـن فراعـآ علـى المعتـاد وخـاف النـاس واشغلوا بالعمل في القورج ثم نقص الماء بعد ثلاثة ايام‏.‏

وفـي يوم الجمعة سلخ شوال‏:‏ بعد أذان الجمعة صعد غيم وجاء مطرشديد من جامع السلطان الـى الرصافـة فمـا فـوق فكانـت ثـم غـدران وامتلـأت الصحـارى والشوارع به ولم يأت بنهر معلى الا اليسير‏.‏

وورد حاجِ كثير من خراسان فاستأذلن الوزير ابن رئيس الرؤساء في الحج فأذن له فعمل تركًا جميلاَ وقيل انه اشترى ستمائة جمل وأقام منها مائة للمنقطعين واخرج معه الالمحوية ومن يطب المرضى واستصحب جماعة من اهل الخير والعلم ودخلنا اليه بكرة الثلائاء نودعه فسلمـط عليـه ثـم قـام فدخـل الـى الخدمـة ثـم خـرج فعبـر فـي سفينـة الـى ناحيـة الرقـة وقـد خرج اهل بغداد فأمتلأت الشواطىء من الجانبين وامتحوا الى ما فوق معروف ينظرون اليه وخرج معه ارباب الحولة سوى صاحب المخزن فانه لم يلقه وأما استاذ الدار فانه ودعه في دار الخلافة وعبر معه شامش وكان مريضآ فرط حين صعد من السفينة وقال له انت مريض فعادفركب الوزير وبين يديه النقيبان وارباب الحولة والعلماء وضرب له بوق حين ركب فلما وصل باب قطفتا خرج رجل كهل فقال يا مولانا إنا مظلوم وتَقرب منه فزجره الغلمـان فقـال الوزيردعـوه فتقدم اليه فضربه بسكيـن فـي خاصرتـه فصـاح الوزيـر قتلنـي ووقـع مـن الدابـة ووقعـت عمامتـه فغطـى رأسه بكمه وبقي على قارعة الطريق وضرب ذلك الباطني بسيف فعاد فضرب الوزيرواقبل حاجب الباب ينصره فضربه الباطني بسكين وعاد وضرب الوزير فقطع الباطني بالسيوف وبعض الناس يقولون كانوا اثنين وخرج منهم شاب بيلى سكين فقتل ولم يعمل شيئًا وأحرقت أجساد الثلاثة وحمل الوزير الى دار هناك وجيء بحاجب الباب الى بيته واختلط الناس وما صـدق أحـد أن يعـود إلـى بيتـه فـي عافيـة وكـان الوزيـر قـد رأى فـي المنـام قبـل ذلك إنه عانق عثمان بن عفان وحكى عنه ولده أنه اغتسل قبل خروجه وقال هذا غسل الإسلام وإني مقتول بلا شـك ومـات الوزيـر بعـد الظهر وتوفي حاجب الباب في الليل وغسل الوزير بكرة الإربعاء وحمل إلى جامع المنصور فصلي عليه وحضر أرباب الدولة وصاحب المخزن ودفن عند أبيه وجاء مكتـوب مـن الخليفـة إلـى أولاده يطيب قلوبهم ويأمرهم بالقعود للعزاء فقعدوا يوم الخميس في داره فلم يحضر أحد يومًا إليه لا من الأمراء ولا من القضاة ولا من الشهود ولا من الصوفية بل كان هناك عدد يسير وتكلـم فـي العـزاء مـن عادتـه يتكلـم فـي أعزيـة العـوام مـن الطرقييـن فتعجبـت مـن هـذه الحال وإنه كان يكون عزاء بزاز أحسن من ذلك وما كان انقطـاع النـاس إلا رضـا لصاحـب المخزن لأنه كان يفارقه فلما كان في اليوم الثاني حضر الدار جماعة من الفقهاء بالنظامية فلم يقعد أولاده فلما علم الخليفة بالحال تقدم إلى أرباب الدولة ومن جرت عادته بالحضور فحضر في اليوم الثالث صاحب الديوان وقاضـي القضـاة والنقيـب وغيرهـم وسألوا أن أتَكلم عندهم في العزاء فنصب لي كرسي لطيف وتكلمت عليه والقراء يقرأون ومددت الكلام إلى أن جـاء خـدم الخليفـة بمكتـوب منـه يعزيهـم ويأمرهم بالنهوض عن العزاء فقرأه ابن الأنباري قائمًا والناس كلهم قيام ثم انصرفوا وفي يوم الجمعة‏:‏ ولي ابن طلحة حجبة الباب‏.‏

وفـي ليلـة الإثنيـن‏:‏ بعـث صاحـب المخـزن بغلامـه مـن الليـل إلـى تتامـش ليحضـر عنـده وكانـت له عادة بزيارتـه فـي الليـل يخلـوان للحديـث فحضـر عنـده فوكـل بـه فـي حجـرة دار صاحب المخزن ونفذ إلى بيتـه فأخـذ مـن الخيـل والكوسـات وكـل مـا فـي الـدار واختلفـت الأراجيـف فـي نوبتـه فقـوم يقولون أنهم في وضع الباطنية على قتل الوزير وذكر أنه كف إلى أمير المؤمنين مرارًا يحرضه على الخروج للفرجة في الحاج فلما اتفق قتل الوزير خيف أن تكون نيته قد كانت رديئة وقوم يقولون إنه كاتب أمراء خراسان وبقي موكلًا به في دار صاحب المخزن‏.‏

وفي عاشر ذي الحجة‏:‏ غسل الديوان ورتب وهيء ورجمت الظنون وتحازر الناس من يكون وزيـرًا فلمـا كـان يـوم العيـد تقـدم إلـى صاحـب المخـزن بالحضـور فـي الديـوان علـى وجـه النيابـة فحضر ورتب الموكب وانصرف‏.‏

وجاء قوم من أهل المدائن بعد العيد فشكوا من يهود بالمدائن وإنه كان لهم مسجد يصلي فيه الجماعة ويكثر فيه التأذين وهو إلى جانب كنيسة اليهود فقال بعض اليهود قد آذيتمونا بكثرة الـآذان فقـال المـؤذن مـا نبالـي تأذيتـم أم لا فتناوشـوا وجـرت بينهـم خصومة استظهر فيها اليهود فجاء المسلمـون يستنفـرون ويستغيثـون ممـا جـرى عليهـم مـن اليهـود إلـى صاحـب المخـزن فأمر بحبس بعضهم ثـم أطلقهـم فخرجوا يوم الجمعة إلى جامع الخليفة فاستغاثوا قبل الصلاة فخفف الخطيب الخطبة والصلاة فلما فرغ قاموا يستغيثون فخرج جماعة من الجند فضربوهم ومنعوهم من الإستغاثة فانهزموا فلما رأى العوام ما فعل بهم غضبوا نصرة للإسلام واستغاثوا وتكلموا بالكلام السيئ وقلعـوا طوابيـق الجامـع وضربـوا بهـا الجنـد فوقـع الآجـر علـى المنبـر والشبـاك ثم خرجوا فنهبوا دكاكين المخلصين لأن أكثرهم يهود ووقف حاجب الباب بيده سيف مجذوب ليرد العوام وحمل عليهم

نائبـه فرجمـوه وانقلـب البلـد مـن ذلـك وجـاء قـوم إلـى الكنيسـة التـي بدار البساسيري فنهبوها ونقضوا شبابيكهـا وقطعـوا التـوراة وأخرجوها مقطعة الأوراق وما تجاسر يهودي يظهر وتقدم أمير المؤمنين بنقـض الكنيسـة التـي بالمدائـن وأمـر أن تجعل مسجدًا ونصب بالرحبة أخشاب ليصلب عليها أقوام مـن العياريـن فظنهـا العوام لتفزيعهم والتهويل عليهم لأجل ما فعلوا فعلقوا على الأخشاب في الليل جرذانـًا ميتـة‏.‏

وأخـرج يـوم الإثنيـن سـادس عشـر ذي الحجـة‏:‏ جماعـة كانـت لهم مدة في الحبس ذكر أنهم كانوا لصوصًا بواسط وأنهم قتلوا قومًا هناك فصلبوا بالرحبة وكان فيهم شاب هاشمي‏.‏وفي الجمعة المقبلة أقيم الجند بالسلاح يحفظون الجامع والرحبة خوفًا مما جرى من العامة في الجمعة الماضية فلم يتكلم أحد وصار الجند في كل جمعة يراعون الجامع حذرًا من مثل ذلك‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أحمد بن محمد بن بكروس الحمامي أبو العباس ولد سنة اثنتين وخمسمائة وقرأ القرآن على آبي العز ابن كادش وأبي القاسم ابن الحصين وغيرهما وتفقه على شيخنا أبي بكر الدينوري وكان يكثر الصوم والصلاة فتوفي يوم الثلاثاء صدقة بن الحسين بن الحسن أبو الفرج الحداد ولـد سنـة سبـع وتسعيـن وأربعمائـة وكـان فـي صبـاه قـد حفـظ القرآن وسمع شيئًا من الفقه وكان له فهـم فناظـر وأفتى إلا إنه كان يظهر من فلتات لسانه ما يدل على سوء عقيدته وكان لا ينضبط فكان من يجالسه يعثر منه على ذلك وكان يخبط الإعتقاد تارة يرمز إلى إنكار بعث الأجسام ويميل إلى مذهب الفلاسفة وتارة يعترض على القضاء والقدر‏.‏

قـال المصنـف رحمـه اللـه‏:‏ دخلت عليه يومًا وعليه حرير فقال لي ينبغي أن يكون هذا على جمل لا علـى أنـا‏.‏

وقـال لـي يومًا أنا لا أخاصم إلا من فوق الفلك وقال لي القاضي أبو يعلى ابن الفراء مذ كتب صدقة كتاب الشفاء لابن سينا تغير‏.‏

وحدثنـي أبـو الحسـن علـي بـن عساكـر المقـرىء قال دخلت عليه فقال والله ما أدري من أين جاءوا بنا ولا من أي مضيق يريدون أن يحملونا‏.‏

وحدثنـي عنـه الظهيـر ابـن الحنفـي الفقيـه قـال دخلـت عليـه وهـو مضيـق قـال إنـي لأفرح بتعثيري قلت لـم قـال لـأن الصانـع يقصدني‏.‏

وكان طول عمره ينسخ بأجرة فاتفق في آخر عمره أن تفقده بعض الأكابـر فحكـى لـي عنـه أنـه كـان يقـول أنـا كنـت أنسـخ طول عمري لا أقدرعلى دجاجة فانظر كيف

بعـث لـي الدجاج والحلوى في وقت لا أقدر أن آكله‏.‏

وهذا من جنس اعتراضات ابن الريوندي وكنت أنا أتأمل عليه إذا قام إلى الصلاة فأكون في أوقات إلى جانبه فلا أرى شفتيه تتحرك أصلًا‏.‏

وكتب إلي في قصيدة أنشأها بخطه‏:‏

واحيرتا من وجود مـا تقدمنـا ** فيـه اختيـار ولا علـم فتقتبـس

ونحـن فـي ظلمـات مالهـا قمر ** يضيء فيها ولاشمس ولاقبس

مدلفيـن حيارى قد تكنفنا ** جهل تجهمنا في وجهـه عبـس

والفعل فيه بلا ريب كلا عمل ** والقول فيه كلام كله هوس

وله في آخرى يذم الدنيا‏:‏

لا توطنها فليست بمقام ** واجتنبها فهي دار الإنتقام

أتراهـا صنعـة مـن صانـع ** أم تراها رمية من غيـر رامـي

فلما كثرعثوري على هذا منه وعجز تأويلي له هجرته سنين ولم أصل عليه حين مات‏.‏

وحكى عنه أبو يعلى المقرىء قال كنا عنده فسمع صوت الرعد فقال فوق خباط وأسفل خباط‏.‏

قال أبو يعلى‏:‏ وقال أبياتًا أخذتها منه بخطه وهي‏:‏

فنحن سدى فيه بغير سياسة ** نروح ونغدو قـد تكنفنـا الشـر

فـلا مـن يحـل الزيـج وهومنجـم ** ولا من عليه الوحي ينزل والذكر

يحـل لنـا مـا نحـن فيـه فنهتـدي ** وهل يهتدي قوم أضلهم السكر

عمى في عمى في ظلمة ** فوق ظلمة تراكمها من دونه يعجز الصبر

وكان مع هذا الاعتقاد يعرف منه فواحش وأغري بالطلب من الناس لا عن حاجة فخلـف ثلثمائة دينـار‏.‏

ومـات يـوم السبـت ثالـث عشـر ربيـع الآخـر وصلـي عليـه فـي رحبـة الجامـع ودفـن بمقبـرة باب حرب‏.‏

وكتـب إلـي أبـو بكـر الدلـال وكـان مـن أهـل السنـة الجيـاد قـال رأيـت فـي مـا يـرى النائم كأني في سوق وكـأن صدقـة بـن الحسيـن الحـداد عريـان وحولـه جماعة فتبعته فصعد درجة فصعدت خلفه فقلت يا شيخ صدقة ما فعل الله بك فقال لي ما غفرلي فقلت له كذا قال نعم وأعاد القول مرة آخرى وغير عبارته قال قلت له إغفر لي قال ما أغفر لك ونزل من الدرجة فقلت أين تسكن فقـال فـي بيـت فـي خـان فانتبهـت فلقيـت رجـلًا كـان صديـق صدقـة فحدثتـه بمـا رأيـت فقـال لـي إني رأيت في المنام امرأة أعرف إنها ميتة فقلت لها رأيت صدقة قالت نعم رأيته وسألته ما فعل الله بك قال قد وكل بي كل ملك في السماء وقد ضايقوني حتى قد حنقوني فقلت أين فاطمة بنت نصر بن العطار توفيت يوم الأربعاء سادس عشر رمضان وأخرجت جنازتها بكرة الخميس إلى جامع القصر ونحي شباك المقصورة لأجلها وحضر جميع أرباب الدولة سوى الوزير وصلى عليها أخوهـا صاحب المخزن وامتلأت الأسواق والشوارع بالناس أكثر من يوم العيد وشيعها إلى مقبرة أحمد بن حنبل خلق كثير من الأكابر ودفنت عند أبيها وشاع عنها الذكر الجميل والزهد في الدنيا وحدثنـي أخوهـا صاحـب المخزن إنها كانت كثيرة التعبد شديدة الخوف ما خرجت في عمرها من بيتها إلا ثلاث مرات لضرورة وما كانت تلتفت إلى زينة الدنيا‏.‏

محمد بن أحمد ابن عبد الجبار أبو المظفر الحنفي المشطب ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة كان فقيهًا على مذهب أبي حنيفة مناظرًا أفتى ودرس سنين وتوفي ليلة الثلاثاء حادي عشر جمادى الأولى وصلى عليه بجامع القصر ودفن بمقبرة الخيزران‏.‏

محمد بن أسعد بن محمد بن أبي منصور العطارىِ ولد بطوس وكانت له معرفة جيدة بالخلاف وأنس بالتفسير وكان يعظ بتبريـز وناظـر طويـلًا ودرس وبلغني أنه أفتى وقـدم بغـداد بعـد الستيـن وخمسمائـة فناظـر بهـا وتوفـي بتبريـز فـي رجـب هـذه السنة‏.‏

محمد بن عبداللّه أبي القاسم ابن المسلمة أبو الفرج الوزير محمد بن عبداللّه بن هبة اللة بن المظفر رئيس الرؤساء أبي القاسم ابن المسلمة أبو الفـرج الوزير‏.‏

ولد في جمادى الآخرة من سنة أربع عشرة وخمسمائة وكان أبوه استاذ دار المقتفي وتولى المستنجد فأقره على ذلك ورفع قدره فوق ما كان فلما ولي المستضيء بأمر الله الخلافة استـوزره وكـان يحفـظ القرآن وقد سمع الحديث وله مروءة وإكرام للعلماء والفقراء ثم جرى له مع قيماز ما جرى فعزله الخليفة ثم مات قيماز فأعيد إلى الوزراة وخرج من بيته إلى الحج يوم الثلاثـاء رابـع ذي القعـدة فضربـه الباطنيـة أربـع ضربـات على باب قطفتا فحمل إلى دار هناك ولم يتكلـم إلا أنـه يقـول اللـه اللـه وقـال ادفنونـي عنـد أبـي ثـم مـات بعـد الظهـر وحمـل يـوم الخميس إلى جامع المنصور فصلى عليه ولده الأكبر ودفن عند أبيه بمقبرة الرباط عند الجامع‏.‏

ابن الزيتوني أبو الثناء سمع الحديث ووعظ وانقطع في مسجده وتوفي فىِ رمضان هذه السنة ودفن في زاويته الملاصقة لمسجده‏.‏

محمد بن أيي نصر أبو سعد ابن المعوج حاجب الباب قد ذكرنا إنه ضربه الباطنية يوم قتل الوزير وحمل إلى داره بنهر معلى فدفن بها‏.‏

 ثم دخلت سنة أربع وسبعين وخمسمائة

فمن الحوادث فيها أنه كان مفتتحها الثلاثاء فتقدم إلي بالكلام تحت منظرة باب بدر فتكلمت بكرة وحضر أمير المؤمنيـن وتكلمت هناك يوم عاشوراء حضر أمير المؤمنين وقلت ولو أني مثلت بين يدي السدة الشريفـة لقلـت يـا أميـر المؤمنيـن كـن للـه سبحانه مع حاجتك إليه كما كان لك مع غناه عنك إنه لم يجعل أحدًا فوقك فلا ترض أن يكون أحد أشكر منك فتصدق يومئذ أمير المؤمنين عقيب المجلـس بصدقـات وأطلـق محبوسيـن وانكسـف القمر بعد ثلث الليل الأخير ليلة النصف من ربيع الأول فبقي على حاله إلى أن غاب بعد طلوع الشمس وانكسفـت الشمـس يـوم الأربعـاء تاسـع عشرين ربيع الاول وقت العصر فبقيت إلى قريب الغروب كذلك وولدت امرأة من جيراننا في بطن واحدة ثلاثة أولاد ابن وابنتان فعاشوا بعض اليوم وذلك في جمادي الأولى وفي أوائل جمادي الأخرة تقدم أمير المؤمنين بعمل لوح ينصب على قبر الإمام أحمد بن حنبل فعمل ونقضـت الستـرة جميعهـا وبنيـت بآجـر مقطـوع جديـدة وبنـي لهـا جانبـان ووقـع اللـوح الجديـد وفـي رأسـه مكتـوب هـذا أمـر بعملـه سيدنـا ومولانـا المستضـيء بأمـر اللـه أميـر المؤمنين وفي وسطه‏:‏ هذا قبر تاج السنة وحيد الأمة العالي الهمة العالم العابد الفقيه الزاهد الإمام أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رحمه اللّه وقد كتب تاريخ وفاته وآية الكرسي حول ذلك ووعـدت بالجلـوس فـي جامـع المنصـور فتكلمت يوم الإثنين سادس عشر جمادى الأولى فبات في الجامع خلق كثير وختمت ختمات واجتمع للمجلس بكرة ما حزر بمائة ألف وتاب خلق كثير وقطعـت شعـور ثـم نزلـت فمضيـت إلـى زيـارة قبر أحمد فتبعني من حزر بخمسة آلاف وفي ليلة السبـت حـادي عشريـن جمـادى الأولـى‏:‏ أطلـق تتامـش إلـى داره وتقـدم أمير المؤمنين بعمل دكة بجامع القصـر للشيـخ ابـن المنـى الفقيـه الحنبلـي جلـس فيهـا يـوم الجمعـة ثانـي عشر جمادي الآخرة فماتوا أهل المذاهـب مـن عمـل مواضـع للحنابلـة ومـا كانـت العـادة قد جرت بذلك وجعل الناس يقولون لي هذا بسببك فإنه ما ارتفع هذا المذهب عند السلطان حتى مال إلى الحنابلة إلا بسماع كلامك فشكرت الله تعالى على ذلك ولقد قال لي صاحب المخزن‏:‏ ما يخرج إلى شيء من عند السلطان فيه ذكرك إلا يثني عليه وقـال لـه يومـًا نجاح الخادم‏:‏ أنت تتعصب لابن الجوزي فقال والله ما يتعصب له سيدك بقدر ما يتعصـب لـه إلا خمسيـن مـرة وما يعجبه كلام غيره وكان يقول الوزير ابن رئيس الرؤساء ما دخلت قـط علـى الخليفـة إلاَ جـرى ذكر ابـن الجـوزي وصـار لي خمس مدارس وهذا شيء ما رآه الحنابلة إلا في زمنـي ولـي مائـة وثلاثـون مصنفـًا إلـى اليـوم وهـي فـي كـل فـن وقـد تـاب علـى يـدي أكثـر مـن مائـة ألف وقطعت أكثر من عشرين ألف طائلة ولم ير لواعظ قط مثل مجلسي جمع الخليفة والوزير وصاحب المخزن وكبار العلماء‏.‏

وفي يوم الثلاثاء سلخ جمادى الآخرة‏:‏ تكلمت بباب بدر وأمير المؤمنين حاضر والزحام شديد‏.‏

وفـي بكـرة السبـت رابـع رجب‏:‏ حضر الناس الدعوة في دار أمير المؤمنين على رسمهم في كل سنة فأكلوا ودبرت ختمات وقرأ القراء كلهم وعاد للختمة ابن المهتدي الخطيب وأنشد ابـن شبيب وتكلمت يوم الخميس بعد العصر تاسع رجب تحت المنظرة وأمير المؤمنيـن حاضـر والزحـام شديـد والبـاب مغلـق لشـدة الزحـام وبالغـت فـي وعـظ أميـر المؤمنيـن فممـا حكيت له إن الرشيد قال لشيبـان عظنـي فقـال يـا أميـر المؤمنيـن لـأن تصحب من يخوفك حتى يدركك الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمنك حتى يدركك الخوف‏:‏ قال الرشيد فسر لي هذا قال من يقول لك أنت مسـؤول عن الرعية فاتق الله أنصح لك ممن يقول أنتم أهل بيت مغفور لكم وأنتم قرابة نبيكم فبكى الرشيد حتى رحمه من حوله‏.‏

وقلـت لـه في كلامي يا أمير المؤمنين إن تكلمت خفت منك وإن سكت خفت عليك فأنا أقدم خوفي عليك لمحبتي لك على خوفي منك‏.‏

وتكلمـت يـوم السبـت مفتتـح رمضان في مدرستي بدرب دينار فكان الزحام خارجًا عن الحد حتى غلق الأبواب وقصت ثلاثون طائلة وتاب خلق من المفسدين‏.‏

وخرج كانون ولم يأت فيه إلا شيء يسير من المطر وخرج كانون الثاني خاليًا عن مطر وكذلك خرج شباط وأذار وجاء في نيسـان مـرة شـيء يسيـر وشـاع فـي النـاس إن فـي الموصـل الغـلاء وفـي مـا حولها وإنهم استسقوا فلم يسقوا وأما دجلة فما رأيت فيها زيادة ولا انقطع الجسر طول السنة وهلـك مـن الـزرع مـا كـان سقيه بالمطر وأجدبت واسط فكانو ينقلون الطعام من بغداد إليها فمنع ذلك وصار الخبز الحواري كل ستة أرطال بقيراط والشعير كل أربعة أرطال بحبة وهم على حـذر مـن الغلاء الشديد هذا والناس يحصدون وجاء رجل إلى بغداد في رمضان فذكر أنه يضـرب بالسيف والسكين فلا يعمل فيه ولكن ذكروا أن ذلك سيفه وسكينه خاصة وكان يقول لهم أنا مشعبذ‏.‏

وفـي ليلـة الجمعـة رابع عشرين رمضان‏:‏ كبس بالكرخ على رجل يقال له أبا السعادات ابن قرايا كـان ينشد على الدكاكين ويقال إنه كان يذكر على العوني وغيره من الرفض فوجدوا عنده كتبًا كثيرة فيها سب الصحابة وتلقيفهم فأخذ فقطع لسانه بكرة الجمعة وقطعت يده ثم حط إلى الشـط ليحمـل إلـى المارستـان فضربـه العـوام بالآجـر فـي الطريـق فهـرب إلـى الشط فجعل يسبح وهم يضربونه حتى مات ثم أخرجوه وأحرقوه ثم رمي باقيه إلى الماء فطفا بعد أيام فقالت العامة مارضيته السمك وقالت العامة فيه الشعر الكثير المسمى بكان وكان فقال بعضهم‏:‏ زوروا الشبيك وخلـوا سرداب سامرا

ما رأيتم ابن قرايا رأيًا ظهر فيه معجزة إن ردت بل وتقدم هذا عقوبة ذاك ثم تتبع جماعة من الروافـض فجعلـوا يحرقـون كتبـًا عندهـم مـن غيـر أن يطلـع عليهـا مخافة أن ينم عليهم وخمدت جمرتهم بمرة وصاروا أذل من اليهود وفـي ليلـة السبت تاسع عشرين رمضان‏:‏ حضر الجماعة على طبق صاحب المخزن فتكلم ابن البغدادي الفقيه فقال إن عائشة قاتلت عليًا رضي الله عنه فصارت من جملة البغاة فتقـدم صاحب المخزن باقامته من مكانه ووكل به في المخزن وكتب إلى أمير المؤمنين بذلك فخرج التوقيع بتعزيره فجمع الفقهاء فقيل لهم ما تقولون فيما قال وهل يجوز أن يترك تعزيره إذا أقر بالخطأ فجعل هو يناظر على ما قال والفقهاء يردون ما يقول فقلت أنا من بين الجماعة هذا رجل ليس له علم بالنقل وقد سمع إنه جرى قتال ولعمري لقد جرى قتال ولكن ما قصدته عائشـة ولا علـي إنمـا أثار الحرب سفهاء الفريقين ولولا علمنا بالسير لقلنا مثل ما قال وتعزير مثل هـذا إن يقـر بالخطـأ بيـن الجماعـة ويصفـح عنـه فكتـب إلـى أميـر المؤمنين بذلك فوقع إذا كان قد أقر بالخطأ فيشترط عليه أن لا يعاود ثم أطلق‏.‏

وجـاء الخبـر‏:‏ بقلـة المـاء فـي طريـق مكـة وبعـدم العشـب والجمال فنودي في الناس لا يخرج ماش ولا صاحب تجارة فقعد خلق كثير ورجع قوم قد قدموا من الموصل للحج فعادوا يبيعون زادهم وخـرج مـن خـرج علـى خـوف ومخاطـرة وعـاد جماعـة مـن الحلـة ونـزل أكثرهـم في السفن فخرج عليهم عـرب فأخذوا أكثر الأموال وقتل منهم قوم وشاع أنه قدم قوم من الباطنية يريدون قتل قوم من الأكابـر فوقـع الاحتـراز وحكـى لي ثقات أن الأرض زلزلت بعد العصر يوم السبت ثاني عشر ذي القعدة أربع مرات ولم أحس أنا بذلك‏.‏

ومما جرى في هذا الشهر أن رجلًا تاجرًا أكرى مع مكاريـة مـن الموصـل وكـان معـه ألـف دينـار فعلـم بهـا المكارية فسرقوها في الطريق فلم يتكلم حتى دخل بغداد فاستعدي عليهم فأحضرهم صاحب المخزن فأقر أحدهم إني أنا أخذتها وهي مدفونـة فـي الياسريـة فبعـث فجـيء بهـا فنقصـت خمسيـن دينـارًا فطولـب فقـال هـي مـع قرابـة لـي فقـال صاحب المخزن احبسوا هذا حتى نصلبه غدًا فقام الرجل في الليل فصلب نفسه‏.‏

وفي ليلة الثلاثاء تاسع عشرين ذي القعدة‏:‏ هبت ريح شديدة وغامت السماء نصف الليـل وظهـرت أعمـدة مثـل النـار فـي أطـراف السمـاء كأنها تتصاعد من الأرض فاستغاث الناس استغاثة شديـدة وبقـي الأمـر علـى ذلـك إلـى ضحـوة ذي الحجـة ولـم يـر الهلال ليلة الثلاثين فأرخ الناس الشهر بالجمعة على التمام وكان الهلال زائدًا على الحد في الكبر والعلو فجعلنا ندهش من كبره‏.‏

ومـن العـادة أن أول رمضـان هـو يوم الأضحى وهذا ليس كذلك فبقي الأمر على هذا يوم الجمعة إلى يوم الجمعة قبل الصلاة فوصل من بعض البلاد ما أوجب أن علم الناس أن اليوم يوم عرفة فأخـرج المنبـر وهيئـت أمـور العيـد وتقـدم إلـي بالجلـوس عشية الجمعة فجلست للتعريف بباب بدر وأمير المؤمنين حاضر‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أحمد بن عيسى بن أبي غالب أبو العباس الأبروزي الضرير قـرأ القـرآن وسمـع الحديـث وتفقـه وناظـر وكـان فيـه دين توفي يوم الجمعة عاشر رجب وصلى عليه يومئذ بجامع القصر ودفن بمقبرة أحمد بن حنبل سعد بن محمد بن سعد أبو الفوارس الصيفي الناقد الشاعر‏.‏

ويلقب‏:‏ بالحيص بيص سمع شيئًا من الحديث ومدح الأكابر وتقدم عندهم على الشعراء ومن شعره يمدح الوزير علي بن طراد‏:‏

ما أنصفت بغداد ناشئيها الذي ** كثر الثناء به على بغداد

شانـي إذا مـد الجدال رواقه ** بصـوارم غيـر السيـوف حـداد

وذعرت ألباب الخصوم بخاطـر ** يقظـان فـي الأصـدار والإيـراد

فتصدعـوا متفرقيـن كأنهم ** مال تفرقه يد ابـن طـراد

وقال أيضًا‏:‏

كل ما أوسعت حلمي جاهلًا ** أوسـع الجهـل لـه فحـش المقـال

وإذا شاردة فهـت بهـا ** سبقـت مـر النعامـى والشمـال

عـز بأسـي أن أرى مضطهدًا ** وأبى لي غرب عزمي أن أبالـي

لا تلمني في شقائق بالعلا ** رغـد العيش لربات الحجال

سيـف عز زانه رونقه ** فهـو بالطبـع غنـي عن صقال

توفي ليلة الأربعاء سادس عشر شعبان هذه السنة‏.‏

شهدة بنت أحمد بن عمر الأبري فخر النساء الكاتبة سمعت الحديث من ابن السراج وطراد وغيرهما وقـرأت عليـه كثيـرًا وكـان لهـا خـط حسـن وتزوجت ببعض وكلاء الخليفة وعاشت مخالطة للدار ولأهل العلم وكان لها بر وخير وقرىء عليها الحديث سنين وعمرت حتى قاربت المائة وتوفيت ليلة الإثنين رابع عشر المحرم وصلي عليها بجامع القصر وأزيل شباك المقصورة لأجلها وحضرها خلق كثير وعامة العلماء ودفنت بمقبرة باب أبرز‏.‏

عمار بن سلامة أبو البقاء الحراني كان من أماثل التجار كثير الصدقة ملازمًا لمجلس الذكر كثير الخشوع والبكاء متعصبًا لأهل السنة مبالغًا في حب أصحاب أحمد بن حنبل مرض ثلاثة أيام وتوفي ليلة الأحد ثالث عشر محرم هذه السنة وصليت عليه بمدرستي بدرب دينار وحضر خلق كثير ودفن بمقبرة الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه عليها بجامع القصر وأزيل شباك المقصورة لأجلها وحضرها خلق كثير وعامة العلماء ودفنت بمقبرة باب أبرز‏.‏

عمار بن سلامة أبو البقاء الحراني كان من أماثل التجار كثير الصدقة ملازمًا لمجلس الذكر كثير الخشوع والبكاء متعصبًا لأهل السنة مبالغًا في حب أصحاب أحمد بن حنبل مرض ثلاثة أيام‏.‏

وتوفي ليلة الأحد ثالث عشر محرم هذه السنة وصليت عليه بمدرستي بدرب دينار وحضر خلق كثير ودفن بمقبرة الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه‏.‏

عليها بجامع القصر وأزيل شباك المقصورة لأجلها وحضرها خلق كثير وعامة العلماء ودفنت بمقبرة باب أبرز‏.‏

عمار بن سلامة أبو البقاء الحراني كان من أماثل التجار كثير الصدقة ملازمًا لمجلس الذكر كثير الخشوع والبكاء متعصبًا لأهل السنة مبالغًا في حب أصحاب أحمد بن حنبل مرض ثلاثة أيام‏.‏

وتوفي ليلة الأحد ثالث عشر محرم هذه السنة وصليت عليه بمدرستي بدرب دينار وحضر خلق كثير ودفن بمقبرة الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه‏.‏

عليها بجامع القصر وأزيل شباك المقصورة لأجلها وحضرها خلق كثير وعامة العلماء ودفنت بمقبرة باب أبرز‏.‏

عمار بن سلامة أبو البقاء الحراني كان من أماثل التجار كثير الصدقة ملازمًا لمجلس الذكر كثير الخشوع والبكاء متعصبًا لأهل السنة مبالغًا في حب أصحاب أحمد بن حنبل مرض ثلاثة أيام وتوفي ليلة الأحد ثالث عشر محرم هذه السنة وصليت عليه بمدرستي بدرب دينار وحضر خلق كثير ودفن بمقبرة الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه عليها بجامع القصر وأزيل شباك المقصورة لأجلها وحضرها خلق كثير وعامة العلماء ودفنت بمقبرة باب أبرز‏.‏

عمار بن سلامة أبو البقاء الحراني كان من أماثل التجار كثير الصدقة ملازمًا لمجلس الذكر كثير الخشوع والبكاء متعصبًا لأهل السنة مبالغًا في حب أصحاب أحمد بن حنبل مرض ثلاثة أيام‏.‏

وتوفي ليلة الأحد ثالث عشر محرم هذه السنة وصليت عليه بمدرستي بدرب دينار وحضر خلق كثير ودفن بمقبرة الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه‏.‏

الخاتمة والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب والحمدللّه وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين وسلم تسليمًا كثيرًا‏.‏