فصل: فصل: فيمن ملك ذا الرحم:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: العناية شرح الهداية



.فَصْلٌ: فِي بَيَانِ نَفَقَةِ الرَّقِيقِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ:

(وَعَلَى الْمَوْلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَى عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَمَالِيكِ «إنَّهُمْ إخْوَانُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلَا تُعَذِّبُوا عِبَادَ اللَّهِ» (فَإِنْ امْتَنَعَ وَكَانَ لَهُمَا كَسْبٌ اكْتَسَبَا وَأَنْفَقَا) لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ حَتَّى يَبْقَى الْمَمْلُوكُ حَيًّا وَيَبْقَى فِيهِ مِلْكُ الْمَالِكِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا كَسْبٌ) بِأَنْ كَانَ عَبْدًا زَمِنًا أَوْ جَارِيَةً لَا يُؤَاجَرُ مِثْلُهَا (أُجْبِرَ الْمَوْلَى عَلَى بَيْعِهِمَا) لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ وَفِي الْبَيْعِ إيفَاءُ حَقِّهِمَا وَإِبْقَاءُ حَقِّ الْمَوْلَى بِالْخُلْفِ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ لِأَنَّهَا تَصِيرُ دَيْنًا فَكَانَ تَأْخِيرًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَنَفَقَةُ الْمَمْلُوكِ لَا تَصِيرُ دَيْنًا فَكَانَ إبْطَالًا، وَبِخِلَافِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى نَفَقَتِهَا، إلَّا أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ» وَفِيهِ ذَلِكَ، وَنَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَفِيهِ إضَاعَتُهُ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يُجْبَرُ، وَالْأَصَحُّ مَا قُلْنَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
الشَّرْحُ:
(فَصْلٌ) جَمَعَ فِي هَذَا الْفَصْلِ بَيْنَ نَفَقَةِ الرَّقِيقِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ وَأَخَّرَهُ عَنْ الْجَمِيعِ وَهُوَ فِي مَحَزِّهِ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَى مِلْكِهِ سِوَى الرَّقِيقِ، وَأَمَّا فِي الدَّوَابِّ فَيُفْتَى فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَفِي غَيْرِ الدَّوَابِّ كَالدُّورِ وَالْعَقَارِ فَإِنَّهُ لَا يُفْتَى بِهِ، أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ فِيهِ تَضْيِيعُ الْمَالِ كَانَ تَرْكُ الْإِنْفَاقِ مَكْرُوهًا، وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ، وَفَرَّقَ بَيْنَ نَفَقَةِ الزَّوْجِ وَالْمَمْلُوكِ فِي أَنَّ الْمَوْلَى إذَا امْتَنَعَ عَنْ الْإِنْفَاقِ وَهُوَ مِمَّنْ لَا كَسْبَ لَهُ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِ الْمَمْلُوكِ، وَالزَّوْجُ إذَا عَجَزَ عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى الزَّوْجَةِ لَا يُجْبَرُ عَلَى الطَّلَاقِ بِأَنَّ فِي الْإِجْبَارِ عَلَى الْبَيْعِ زَوَالَ مِلْكِ الْمَوْلَى إلَى خَلَفٍ وَهُوَ الثَّمَنُ، وَفِي عَدَمِهِ فَوَاتُ حَقِّ الْمَمْلُوكِ فِي النَّفَقَةِ لَا إلَى خَلَفٍ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْمَمْلُوكِ لَا تَصِيرُ دَيْنًا عَلَى الْمَوْلَى بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ، وَأَمَّا فِي النِّكَاحِ فَفِي الْإِجْبَارِ عَلَى التَّفْرِيقِ فَوَاتُ مِلْكِ الزَّوْجِ بِلَا خَلَفٍ، وَفِي عَدَمِهِ فَوَاتُ حَقِّ الْمَرْأَة فِي الْحَالِ إلَى خَلَفٍ لِصَيْرُورَةِ نَفَقَتِهَا بِقَضَاءِ الْقَاضِي دَيْنًا عَلَى الزَّوْجِ فَكَانَ تَأْخِيرًا.
وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا ذَكَرْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ إذَا قَضَى بِهَا الْقَاضِي لِأَنَّهَا تَجِبُ مَعَ يَسَارِهَا فَلَا تَسْقُطُ فَكَانَ الضَّرَرُ اللَّاحِقُ بِالزَّوْجِ أَشَدَّ وَكَانَ بِالدَّفْعِ أَوْلَى (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُجْبَرُ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَقَاسَاهُ عَلَى الرَّقِيقِ، وَالْأَصَحُّ مَا قُلْنَا: يَعْنِي مِنْ عَدَمِ الْجَبْرِ لِأَنَّ إجْبَارَ الْقَاضِي الْمَوْلَى عَلَى مَمْلُوكِهِ نَوْعُ قَضَاءٍ وَالْقَضَاءُ لابد لَهُ مِنْ مَقْضِيٍّ لَهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ وَهَذَا يُوجَدُ فِي الرَّقِيقِ لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَسْتَحِقَّ حَقًّا عَلَى الْمَوْلَى وَعَلَى غَيْرِهِ فِي الْجُمْلَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ بِالْكِتَابَةِ يَسْتَحِقُّ حُقُوقًا عَلَى الْمَوْلَى وَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا، فَأَمَّا غَيْرُ الرَّقِيقِ فَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الْمَوْلَى حَقًّا فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَقْضِيًّا لَهُ فَانْعَدَمَ شَرْطُ الْقَضَاءِ فَيَنْعَدِمُ الْقَضَاءُ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

.كتاب العتاق:

الْإِعْتَاقُ تَصَرُّفٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَيُّمَا مُسْلِمٍ أَعْتَقَ مُؤْمِنًا أَعْتَقَ اللَّهُ تَعَالَى بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ» وَلِهَذَا اسْتَحَبُّوا أَنْ يُعْتِقَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ وَالْمَرْأَةُ الْأَمَةَ لِيَتَحَقَّقَ مُقَابَلَةُ الْأَعْضَاءِ بِالْأَعْضَاءِ.
قَالَ (الْعِتْقُ يَصِحُّ مِنْ الْحُرِّ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فِي مِلْكِهِ) شَرْطُ الْحُرِّيَّةِ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ وَلَا مِلْكَ لِلْمَمْلُوكِ وَالْبُلُوغِ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ لِكَوْنِهِ ضَرَرًا ظَاهِرًا، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُهُ الْوَلِيُّ عَلَيْهِ، وَالْعَقْلِ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلتَّصَرُّفِ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ الْبَالِغُ: أَعْتَقْت وَأَنَا صَبِيٌّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَكَذَا إذَا قَالَ الْمُعْتِقُ أَعْتَقْت وَأَنَا مَجْنُونٌ وَجُنُونُهُ كَانَ ظَاهِرًا لِوُجُودِ الْإِسْنَادِ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ، وَكَذَا لَوْ قَالَ الصَّبِيُّ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ إذَا احْتَلَمْت لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِقَوْلٍ مُلْزِمٍ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ فِي مِلْكِهِ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَ غَيْرِهِ لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ».
الشَّرْحُ:
كِتَابُ الْعَتَاقِ ذَكَرَ الْعَتَاقَ بَعْدَ الطَّلَاقِ لِمُنَاسَبَتِهِ لَهُ فِي أَنَّهُ إسْقَاطٌ بُنِيَ عَلَى السِّرَايَةِ وَاللُّزُومِ كَالطَّلَاقِ حَتَّى صَحَّ التَّعْلِيقُ وَصَارَ إعْتَاقُ الْبَعْضِ كَإِعْتَاقِ الْكُلِّ إمَّا إفْسَادًا فِي الْمِلْكِ أَوْ تَحْقِيقًا لِلْعِتْقِ وَلَمْ يَقْبَلْ الْفَسْخَ بَعْدَ الثُّبُوتِ كَالطَّلَاقِ.
وَمِنْ مَحَاسِنِهِ، أَنَّهُ إحْيَاءٌ حُكْمِيٌّ يُخْرِجُ الْعَبْدَ عَنْ كَوْنِهِ مُلْحَقًا بِالْجَمَادَاتِ إلَى كَوْنِهِ أَهْلًا لِلْكَرَامَاتِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَالْوِلَايَةِ.
وَتَفْسِيرُهُ فِي اللُّغَةِ الْقُوَّةُ، يُقَالُ: عَتَقَ الْفَرْخُ إذَا قَوِيَ وَطَارَ عَنْ وَكْرِهِ.
وَفِي الشَّرِيعَةِ: قُوَّةٌ حُكْمِيَّةٌ يَصِيرُ الْمَرْءُ بِهَا أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ وَالْوِلَايَةِ وَالْقَضَاءِ.
وَأَسْبَابُهُ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا الْإِعْتَاقُ، وَمِنْهَا دَعْوَى النَّسَبِ، وَمِنْهَا الِاسْتِيلَادُ، وَمِنْهَا مِلْكُ الْقَرِيبِ، وَمِنْهَا زَوَالُ يَدِ الْكَافِرِ عَنْهُ كَمَا إذَا اشْتَرَى الْحَرْبِيُّ فِي دَارِنَا عَبْدًا مُسْلِمًا فَدَخَلَ بِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمِنْهَا الْإِقْرَارُ بِحُرِّيَّةِ الْعَبْدِ إذَا اشْتَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَشَرْطُهُ كَوْنُ الْمُعْتِقِ حُرًّا بَالِغًا مَالِكًا مِلْكَ الْيَمِينِ.
وَرُكْنُهُ مَا ثَبَتَ بِهِ الْعِتْقُ؛ وَهُوَ نَوْعَانِ: صَرِيحٌ، وَكِنَايَةٌ.
وَحُكْمُهُ زَوَالُ الرِّقِّ وَالْمِلْكِ عَنْ الْمَحَلِّ.
وَأَنْوَاعُهُ الْمُرْسَلُ وَالْمُعَلَّقُ وَالْمُضَافُ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَكُلٌّ مِنْهَا إمَّا بِبَدَلٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ سِوَى أَلْفَاظٍ نَذْكُرُهَا.
(قَوْلُهُ شَرَطَ الْحُرِّيَّةَ لِأَنَّ الْعِتْقَ) يَعْنِي الْإِعْتَاقَ لِأَنَّهُ قَالَ وَالْبُلُوغُ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ وَالصَّبِيُّ مِنْ أَهْلِ الْعِتْقِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَرِثَ أَخَاهُ عَتَقَ عَلَيْهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِالْعِتْقِ الْإِعْتَاقَ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ لِكَوْنِهِ ضَرَرًا مَحْضًا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلتَّصَرُّفِ فَإِنَّ الْإِعْتَاقَ تَصَرُّفٌ لَا الْعِتْقُ.
وَقَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِكَوْنِ الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ شَرْطًا إذَا قَالَ الْبَالِغُ أَعْتَقْت وَأَنَا صَبِيٌّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أُسْنِدَ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ الْإِعْتَاقَ كَانَ إنْكَارًا مِنْهُ لِلْإِعْتَاقِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ) لِقَوْلٍ مُلْزِمٍ: يَعْنِي لِأَنَّ الصِّبَا يُوجِبُ الْحَجْرَ عَنْ الْأَقْوَالِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ بَلْ هُوَ أَهْلٌ لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ صَبِيًّا لَوْ أَقَرَّ بِالرِّقِّ لَزِمَهُ حَتَّى لَوْ ادَّعَى بَعْدَ الْبُلُوغِ حُرِّيَّةَ الْأَصْلِ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُلْزَمَ ثَمَّةَ هُوَ يَدُ صَاحِبِ الْيَدِ وَإِقْرَارُهُ مُؤَكَّدٌ. (وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَنْتَ حُرٌّ أَوْ مُعْتَقٌ أَوْ عَتِيقٌ أَوْ مُحَرَّرٌ أَوْ قَدْ حَرَّرْتُك أَوْ قَدْ أَعْتَقْتُك فَقَدْ عَتَقَ نَوَى بِهِ الْعِتْقَ أَوْ لَمْ يَنْوِ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ صَرِيحَةٌ فِيهِ.
لِأَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِيهِ شَرْعًا وَعُرْفًا فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ النِّيَّةِ وَالْوَضْعِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْإِخْبَارِ فَقَدْ جُعِلَ إنْشَاءً فِي التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْحَاجَةِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِمَا (وَلَوْ قَالَ عَنَيْت بِهِ الْإِخْبَارَ الْبَاطِلَ أَوْ أَنَّهُ حُرٌّ مِنْ الْعَمَلِ صُدِّقَ دِيَانَةً) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ (وَلَا يَدِينُ قَضَاءً) لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (وَلَوْ قَالَ لَهُ يَا حُرُّ يَا عَتِيق يُعْتَقُ) لِأَنَّهُ نِدَاءٌ بِمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الْعِتْقِ وَهُوَ لِاسْتِحْضَارِ الْمُنَادَى بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ هَذَا هُوَ حَقِيقَتُهُ فَيَقْتَضِي تَحَقُّقَ الْوَصْفِ فِيهِ وَأَنَّهُ يَثْبُتُ مِنْ جِهَتِهِ فَيَقْضِي بِثُبُوتِهِ تَصْدِيقًا لَهُ فِيمَا أَخْبَرَ، وَسَنُقَرِّرُهُ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إلَّا إذَا سَمَّاهُ حُرًّا ثُمَّ نَادَاهُ يَا حُرُّ لِأَنَّ مُرَادَهُ الْإِعْلَامُ بِاسْمٍ عَلِمَهُ وَهُوَ مَا لَقَّبَهُ بِهِ.
وَلَوْ نَادَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ يَا آزَادَ وَقَدْ لَقَّبَهُ بِالْحُرِّ قَالُوا يُعْتَقُ، وَكَذَا عَكْسُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنِدَاءٍ بِاسْمٍ عَلِمَهُ فَيُعْتَبَرُ إخْبَارًا عَنْ الْوَصْفِ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَنْتَ حُرٌّ) قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: الْأَلْفَاظُ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْعِتْقُ نَوْعَانِ: صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ.
فَالصَّرِيحُ لَفْظُ الْعِتْقِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْوَلَاءِ سَوَاءٌ ذَكَرَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ أَوْ الْوَصْفِ أَوْ النِّدَاءِ، أَمَّا صِيغَةُ الْخَبَرِ فَأَنْ يَقُولَ قَدْ أَعْتَقْتُك أَوْ حَرَّرْتُك، وَأَمَّا صِيغَةُ الْوَصْفِ فَأَنْ يَقُولَ أَنْتَ حُرٌّ أَوْ أَنْتَ عَتِيقٌ، وَأَمَّا الْمُنَادَى فَأَنْ يَقُولَ يَا حُرُّ يَا عَتِيقُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ هَذَا مَوْلَايَ إلَخْ وَقَوْلُهُ (وَسَنُقَرِّرُهُ مِنْ بَعْدُ) أَرَادَ بِهِ قَوْلَهُ فِي مَسْأَلَةِ يَا ابْنِي عَلَى مَا سَيَجِيءُ.
وَقَوْلُهُ (إلَّا إذَا سَمَّاهُ حُرًّا) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَلَوْ قَالَ لَهُ يَا حُرٌّ (قَوْلُهُ وَكَذَا عَكْسُهُ) يَعْنِي بِأَنْ نَادَاهُ بِقَوْلِهِ يَا حُرُّ وَكَانَ لَقَبُهُ آزَادَ.
وَقَوْلُهُ (فَيُعْتَبَرُ إخْبَارًا عَنْ الْوَصْفِ) قِيلَ فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ حُرٌّ عَلَمًا لَهُ كَانَ قَوْلُهُ يَا حُرُّ إنْشَاءً لِلْحُرِّيَّةِ لَا إخْبَارًا عَنْ الْوَصْفِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَمًا كَانَ الْمُنَادَى فِي الْحَقِيقَةِ ذَاتًا مَوْصُوفَةً بِصِفَةِ الْحُرِّيَّةِ، وَالْوَصْفُ فِي الْحَقِيقَةِ خَبَرٌ عَنْ الْمَوْصُوفِ، وَكَانَ النِّدَاءُ إخْبَارًا بِأَنَّ الْمُنَادَى مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. (وَكَذَا لَوْ قَالَ رَأْسُكَ حُرٌّ أَوْ وَجْهُكَ أَوْ رَقَبَتُكَ أَوْ بَدَنُكَ أَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ فَرْجُك حُرٌّ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّلَاقِ، وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى جُزْءٍ شَائِعٍ يَقَعُ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ، وَسَيَأْتِيك الِاخْتِلَافُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى جُزْءٍ مُعَيَّنٍ لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ لَا يَقَعُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الطَّلَاقِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَسَيَأْتِيك الِاخْتِلَافُ فِيهِ) يُرِيدُ الِاخْتِلَافَ فِي تَجَزِّي الْإِعْتَاقِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَقَوْلُهُ (وَقَدْ بَيَّنَّاهُ) يَعْنِي فِي الطَّلَاقِ. (وَلَوْ قَالَ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك وَنَوَى بِهِ الْحُرِّيَّةَ عَتَقَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يُعْتَقْ) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك لِأَنِّي بِعْتُك، وَيُحْتَمَلُ لِأَنِّي أَعْتَقْتُك فَلَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا مُرَادًا إلَّا بِالنِّيَّةِ قَالَ (وَكَذَا كِنَايَاتُ الْعِتْقِ) وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ خَرَجْتِ مِنْ مِلْكِي وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكِ وَلَا رِقَّ لِي عَلَيْكِ وَقَدْ خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ نَفْيَ السَّبِيلِ وَالْخُرُوجَ عَنْ الْمِلْكِ وَتَخْلِيَةُ السَّبِيلِ بِالْبَيْعِ أَوْ الْكِتَابَةِ كَمَا يَحْتَمِلُ بِالْعِتْقِ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ لِأَمَتِهِ قَدْ أَطْلَقْتُك لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ طَلَّقْتُك عَلَى مَا نُبَيِّنُ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلَوْ قَالَ لَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْكِ وَنَوَى الْعِتْقَ لَمْ يُعْتَقْ) لِأَنَّ السُّلْطَانَ عِبَارَةٌ عَنْ الْيَدِ، وَسُمِّيَ السُّلْطَانُ بِهِ لِقِيَامِ يَدِهِ وَقَدْ يَبْقَى الْمِلْكُ دُونَ الْيَدِ كَمَا فِي الْمُكَاتَبِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك لِأَنَّ نَفْيَهُ مُطْلَقًا بِانْتِفَاءِ الْمِلْكِ لِأَنَّ لِلْمَوْلَى عَلَى الْمُكَاتَبِ سَبِيلًا فَلِهَذَا يَحْتَمِلُ الْعِتْقَ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَكَذَا قَوْلُهُ لِأَمَتِهِ قَدْ أَطْلَقْتُك) يَعْنِي إنْ نَوَى الْعِتْقَ يَقَعُ لِكَوْنِهِ بِمَنْزِلَةِ خَلَّيْت سَبِيلَك لِمُنَاسَبَةِ الْإِرْسَالِ تَخْلِيَةَ السَّبِيلِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ طَلَّقْتُك فَإِنَّهَا لَا تَعْتِقُ لِأَنَّهُ صَارَ صَرِيحًا فِي الطَّلَاقِ عَنْ النِّكَاحِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْعِتْقُ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ السُّلْطَانَ) عِبَارَةٌ عَنْ الْيَدِ، يُقَالُ لِفُلَانٍ سَلْطَنَةٌ وَيُرَادُ بِهَا الْقُدْرَةُ الثَّابِتَةُ مِنْ حَيْثُ الْيَدُ وَالِاسْتِيلَاءُ فَنَفْيُهُ نَفْيٌ لِلْيَدِ وَكَأَنَّهُ قَالَ لَا يَدَ لِي عَلَيْك، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ وَنَوَى بِهِ الْعِتْقَ لَمْ يَعْتِقْ لِجَوَازِ أَنْ تَزُولَ الْيَدُ وَيَبْقَى الْمِلْكُ كَمَا فِي الْمُكَاتَبِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك لِأَنَّ السَّبِيلَ الْمُضَافَ إلَى الْعَبْدِ كِنَايَةٌ عَنْ الْمِلْكِ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إلَى نَفَاذِ التَّصَرُّفِ فِيهِ.
وَلَوْ نَفَى الْمِلْكَ بِأَنْ قَالَ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك وَنَوَى الْعِتْقَ عَتَقَ.
فَإِنْ قِيلَ: زَوَالُ الْيَدِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَلْزُومًا لِزَوَالِ الْمِلْكِ أَوْ لَازِمًا لَهُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلْيَكُنْ مَجَازًا لِأَنَّ الْمَجَازَ ذِكْرُ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةُ اللَّازِمِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلْيَكُنْ كِنَايَةً لِأَنَّ الْكِنَايَةَ ذِكْرُ اللَّازِمِ وَإِرَادَةُ الْمَلْزُومِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَلْزُومٍ لِزَوَالِ الْمِلْكِ لِانْفِكَاكِهِ عَنْهُ كَمَا فِي الْمُكَاتَبِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلَا بِلَازِمٍ لَهُ لِانْفِكَاكِ زَوَالِ الْمِلْكِ عَنْهُ فَإِنَّ الْمِلْكَ يَزُولُ بِالْبَيْعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَالْيَدَ بَاقٍ إلَى أَنْ يُسَلِّمَ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ لِلْمَوْلَى عَلَى الْمُكَاتَبِ سَبِيلًا) يَعْنِي مِنْ حَيْثُ الْمُطَالَبَةُ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ، حَتَّى إذَا انْتَفَى ذَلِكَ بِالْبَرَاءَةِ عَنْهُ يَعْتِقُ. (وَلَوْ قَالَ هَذَا ابْنِي وَثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ عَتَقَ) وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ إذَا كَانَ يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذَا؛ ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ لِأَنَّ وِلَايَةَ الدَّعْوَةِ بِالْمِلْكِ ثَابِتَةٌ وَالْعَبْدُ مُحْتَاجٌ إلَى النَّسَبِ فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ، وَإِذَا ثَبَتَ عَتَقَ لِأَنَّهُ يَسْتَنِدُ النَّسَبُ إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ لِلتَّعَذُّرِ وَيُعْتَقُ إعْمَالًا لِلَّفْظِ فِي مَجَازِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ إعْمَالِهِ بِحَقِيقَتِهِ، وَوَجْهُ الْمَجَازِ نَذْكُرُهُ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلَوْ قَالَ هَذَا مَوْلَايَ أَوْ يَا مَوْلَايَ عَتَقَ).
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ اسْمَ الْمَوْلَى وَإِنْ كَانَ يَنْتَظِمُ النَّاصِرَ وَابْنَ الْعَمِّ وَالْمُوَالَاةُ فِي الدِّينِ وَالْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ فِي الْعَتَاقَةِ إلَّا أَنَّهُ تَعَيَّنَ الْأَسْفَلُ فَصَارَ كَاسْمٍ خَاصٍّ لَهُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَسْتَنْصِرُ بِمَمْلُوكِهِ عَادَةً وَلِلْعَبْدِ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ فَانْتَفَى الْأَوَّلُ.
وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ نَوْعُ مَجَازٍ، وَالْكَلَامُ لِلْحَقِيقَةِ وَالْإِضَافَةُ إلَى الْعَبْدِ تُنَافِي كَوْنَهُ مُعْتَقًا فَتَعَيَّنَ الْمَوْلَى الْأَسْفَلُ فَالْتَحَقَ بِالصَّرِيحِ، وَكَذَا إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ: هَذِهِ مَوْلَاتِي لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ قَالَ: عَنَيْت بِهِ الْمَوْلَى فِي الدِّينِ أَوْ الْكَذِبَ يُصَدَّقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ لِمُخَالَفَتِهِ الظَّاهِرَ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَمَّا تَعَيَّنَ الْأَسْفَلُ مُرَادًا الْتَحَقَ بِالصَّرِيحِ وَبِالنِّدَاءِ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ يُعْتَقُ بِأَنْ قَالَ: يَا حُرُّ يَا عَتِيقُ فَكَذَا النِّدَاءُ بِهَذَا اللَّفْظِ.
وَقَالَ زُفَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يُعْتَقُ فِي الثَّانِي لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ الْإِكْرَامَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ يَا سَيِّدِي يَا مَالِكِي.
قُلْنَا: الْكَلَامُ لِحَقِيقَتِهِ وَقَدْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِ، بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَخْتَصُّ بِالْعِتْقِ فَكَانَ إكْرَامًا مَحْضًا.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَلَوْ قَالَ هَذَا ابْنِي) وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ الَّذِي يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ وَلَيْسَ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ هَذَا ابْنِي (وَثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ) ثَبَتَ النَّسَبُ فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ ثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَدَّعِ بِهِ الْكَرَامَةَ وَالشَّفَقَةَ، كَذَا فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ لِأَبِي الْفَضْلِ، حَتَّى لَوْ ادَّعَى ذَلِكَ صُدِّقَ.
وَقِيلَ الثَّبَاتُ شَرْطُ النَّسَبِ لِكَوْنِ الرُّجُوعِ عَنْهُ صَحِيحًا دُونَ الْعِتْقِ.
وَقِيلَ هُوَ شَرْطٌ اتِّفَاقِيٌّ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ وِلَايَةَ الدَّعْوَةِ بِالْمِلْكِ ثَابِتَةٌ وَالْعَبْدُ مُحْتَاجٌ إلَى النَّسَبِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ (وَإِذَا ثَبَتَ عَتَقَ لِاسْتِنَادِ النَّسَبِ إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ وَإِنْ كَانَ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ تَعَذَّرَ ثُبُوتُ النَّسَبِ لَكِنَّهُ يَعْتِقُ إعْمَالًا لِلَّفْظِ فِي مَجَازِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ) وَسَيَجِيءُ بَيَانُ تَجَوُّزِ الْمَجَازِ (وَلَوْ قَالَ هَذَا مَوْلَايَ) ظَاهِرٌ.
وَقِيلَ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْ مَعْنَى الْمَوْلَى هُوَ الْمَشْهُورُ فَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُسْتَعْمَلُ فِي ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ مَعْنًى، ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ.
أَمَّا مَجِيئُهُ بِمَعْنَى النَّاصِرِ فَكَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} وَأَمَّا بِمَعْنَى ابْنِ الْعَمِّ فَكَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَإِنِّي خِفْت الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي} وَقَوْلُهُ (وَالثَّالِثُ نَوْعُ مَجَازٍ) يَعْنِي الْمُوَالَاةَ فِي الدِّينِ لِأَنَّ الْمَوْلَى مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَلِيِّ وَهُوَ الْقُرْبُ وَلَا قُرْبَ بَيْنَ الْمَشْرِقِيِّ وَالْمَغْرِبِيِّ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ وَلَا مِنْ حَيْثُ النَّسَبُ وَلَا مِنْ حَيْثُ الْمَكَانُ فَيُعْتَبَرُ الْقُرْبُ مِنْ حَيْثُ الدِّينُ وَلِهَذَا جَازَ نَفْيُهُ، كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ وَمُصَحَّحُهُ الْفَرْضُ وَالتَّقْدِيرُ.
وَقَوْلُهُ (فَالْتَحَقَ بِالصَّرِيحِ) يَعْنِي بِدَلَالَةِ الْحَالِ فِي الْمَحَلِّ وَهُوَ كَوْنُهُ عَبْدًا.
وَقَوْلُهُ (وَأَمَّا الثَّانِي) يَعْنِي بِهِ قَوْلَهُ يَا مَوْلَايَ.
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ) يَعْنِي قَوْلَهُ يَا سَيِّدِي يَا مَالِكِي لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَخْتَصُّ بِالْعِتْقِ، مَعْنَاهُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ يَا مَوْلَايَ يَا مَنْ عَلَيْهِ وَلَاءُ الْعَتَاقَةِ حَيْثُ تَعَيَّنَ الْأَسْفَلُ مُرَادًا فَيَثْبُتُ بِهَذَا الْقَوْلِ مَا يَخْتَصُّ بِالْعِتْقِ وَهُوَ الْوَلَاءُ وَهُوَ يَقْتَضِي سَابِقَةَ الْعِتْقِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ يَا سَيِّدِي يَا مَالِكِي فَإِنَّ مَعْنَاهُ يَا مَنْ لَهُ السِّيَادَةُ وَالْمِلْكُ عَلَيَّ وَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ شَيْءٌ يَخْتَصُّ بِالْعِتْقِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ وَهُوَ الْإِكْرَامُ وَالتَّلَطُّفُ. (وَلَوْ قَالَ يَا ابْنِي أَوْ يَا أَخِي لَمْ يَعْتِقْ) لِأَنَّ النِّدَاءَ لِإِعْلَامِ الْمُنَادَى إلَّا أَنَّهُ إذْ كَانَ بِوَصْفٍ يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ مِنْ جِهَتِهِ كَانَ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ الْوَصْفِ فِي الْمُنَادَى اسْتِحْضَارًا لَهُ بِالْوَصْفِ الْمَخْصُوصِ كَمَا فِي قَوْلِهِ يَا حُرُّ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَإِذَا كَانَ النِّدَاءُ بِوَصْفٍ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ مِنْ جِهَتِهِ كَانَ لِلْإِعْلَامِ الْمُجَرَّدِ دُونَ تَحْقِيقِ الْوَصْفِ فِيهِ لِتَعَذُّرِهِ وَالْبُنُوَّةُ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا حَالَةَ النِّدَاءِ مِنْ جِهَتِهِ لِأَنَّهُ لَوْ انْخَلَقَ مِنْ مَاءِ غَيْرِهِ لَا يَكُونُ ابْنًا لَهُ بِهَذَا النِّدَاءِ فَكَانَ لِمُجَرَّدِ الْإِعْلَامِ.
وَيُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ شَاذًّا أَنَّهُ يُعْتَقُ فِيهِمَا وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الظَّاهِرِ.
وَلَوْ قَالَ: يَا ابْنُ لَا يُعْتَقُ لِأَنَّ الْأَمْرَ كَمَا أَخْبَرَ فَإِنَّهُ ابْنُ أَبِيهِ، وَكَذَا إذَا قَالَ: يَا بُنَيَّ أَوْ يَا بُنَيَّةُ لِأَنَّهُ تَصْغِيرُ الِابْنِ وَالْبِنْتِ مِنْ غَيْرِ إضَافَةٍ وَالْأَمْرُ كَمَا أَخْبَرَ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ يَا ابْنِي أَوْ يَا أَخِي لَمْ يَعْتِقْ) فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ يَا حُرُّ فِي وُقُوعِ الْعِتْقِ بِهِ دُونَهُمَا لِأَنَّ النِّدَاءَ إذَا كَانَ بِوَصْفٍ يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ مِنْ جِهَتِهِ كَانَ النِّدَاءُ لِتَحَقُّقِ ذَلِكَ الْوَصْفِ فِي الْمُنَادَى اسْتِحْضَارًا لَهُ بِالْوَصْفِ الْمَخْصُوصِ كَمَا هُوَ فِي قَوْلِهِ يَا حُرُّ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إثْبَاتِ صِفَةِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ مِنْ جِهَتِهِ فِي الْحَالِ (عَلَى مَا بَيَّنَّا) يَعْنِي فِي قَوْلِهِ لِأَنَّهُ نِدَاءٌ بِمَا هُوَ صَرِيحٌ وَهُوَ لِاسْتِحْضَارِ الْمُنَادَى إلَخْ، وَإِذَا كَانَ بِوَصْفٍ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ مِنْ جِهَتِهِ كَانَ لِلْإِعْلَامِ الْمُجَرَّدِ دُونَ تَحْقِيقِ الْوَصْفِ فِيهِ لِتَعَذُّرِهِ، وَالْبُنُوَّةُ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا حَالَةَ النِّدَاءِ مِنْ جِهَتِهِ لِأَنَّهُ لَوْ انْخَلَقَ مِنْ مَاءِ غَيْرِهِ لَا يَكُونُ ابْنًا لَهُ بِهَذَا النِّدَاءِ فَكَانَ لِمُجَرَّدِ الْإِعْلَامِ، هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ (وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَعْتِقَ فِيهِمَا) أَيْ فِي قَوْلِهِ يَا ابْنِي يَا أَخِي.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ بِالنِّدَاءِ بِثَلَاثَةِ أَلْفَاظٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَا حُرُّ يَا عَتِيقُ يَا مَوْلَايَ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بِخَمْسَةِ أَلْفَاظٍ بِالثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ وَبِقَوْلِهِ يَا ابْنِي وَيَا أَخِي وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الظَّاهِرِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ يَا ابْنُ) ظَاهِرٌ. (وَإِنْ قَالَ لِغُلَامٍ لَا يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ هَذَا ابْنِي عَتَقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ) وَقَالَا: لَا يُعْتَقُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَهُمْ أَنَّهُ كَلَامٌ مُحَالُ الْحَقِيقَةِ فَيُرَدُّ فَيَلْغُو كَقَوْلِهِ أَعْتَقْتُك قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ أَوْ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ كَلَامٌ مُحَالٌ بِحَقِيقَتِهِ لَكِنَّهُ صَحِيحٌ بِمَجَازِهِ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ حُرِّيَّتِهِ مِنْ حِينِ مَلَكَهُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ فِي الْمَمْلُوكِ سَبَبٌ لِحُرِّيَّتِهِ، إمَّا إجْمَاعًا أَوْ صِلَةً لِلْقَرَابَةِ، وَإِطْلَاقُ السَّبَبِ وَإِرَادَةُ الْمُسَبَّبِ مُسْتَجَازٌ فِي اللُّغَةِ تَجَوُّزًا، وَلِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ مُلَازِمَةٌ لِلْبُنُوَّةِ فِي الْمَمْلُوكِ وَالْمُشَابَهَةُ فِي وَصْفٍ مُلَازِمٍ مِنْ طُرُقِ الْمَجَازِ عَلَى مَا عُرِفَ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَحَرُّزًا عَنْ الْإِلْغَاءِ، بِخِلَافِ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ فِي الْمَجَازِ فَتَعَيَّنَ الْإِلْغَاءُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ قَطَعْت يَدَك فَأَخْرَجَهُمَا صَحِيحَتَيْنِ حَيْثُ لَمْ يُجْعَلْ مَجَازًا عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْمَالِ وَالْتِزَامِهِ وَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْمَالِ لِأَنَّ الْقَطْعَ خَطَأٌ سَبَبٌ لِوُجُوبِ مَالٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ الْأَرْشُ، وَأَنَّهُ يُخَالِفُ مُطْلَقَ الْمَالِ فِي الْوَصْفِ حَتَّى وَجَبَ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي سَنَتَيْنِ وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِدُونِ الْقَطْعِ، وَمَا أَمْكَنَ إثْبَاتُهُ فَالْقَطْعُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لَهُ، أَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَلَا تَخْتَلِفُ ذَاتًا وَحُكْمًا فَأَمْكَنَ جَعْلُهُ مَجَازًا عَنْهُ.
وَلَوْ قَالَ: هَذَا أَبِي أَوْ أُمِّي وَمِثْلُهُ لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِمَا فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ قَالَ لِصَبِيٍّ صَغِيرٍ: هَذَا جَدِّي قِيلَ: هُوَ عَلَى الْخِلَافِ.
وَقِيلَ: لَا يُعْتَقُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا مُوجِبَ لَهُ فِي الْمِلْكِ إلَّا بِوَاسِطَةٍ وَهُوَ الْأَبُ وَهِيَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِي كَلَامِهِ فَتَعَذَّرَ أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا عَنْ الْمُوجِبِ. بِخِلَافِ الْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ لِأَنَّ لَهُمَا مُوجِبًا فِي الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَلَوْ قَالَ: هَذَا أَخِي لَا يُعْتَقُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يُعْتَقُ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَتَيْنِ مَا بَيَّنَّاهُ.
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ هَذَا ابْنَتِي فَقَدْ قِيلَ عَلَى الْخِلَافِ، وَقِيلَ هُوَ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْمُسَمَّى وَهُوَ مَعْدُومٌ فَلَا يُعْتَبَرُ وَقَدْ حَقَقْنَاهُ فِي النِّكَاحِ.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَإِنْ قَالَ لِغُلَامٍ لَا يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ) إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ وَهُوَ أَكْبَرُ سِنًّا مِنْهُ (هَذَا ابْنِي عَتَقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا لَا يَعْتِقُ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَوَّلًا (وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ) وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَجَازَ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي الْحُكْمِ عِنْدَهُمَا، وَفِي التَّكَلُّمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي التَّقْرِيرِ فَقَالَا: الْحُكْمُ هَاهُنَا مُحَالٌ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْمَجَازُ، بِخِلَافِ الْأَصْغَرِ سِنًّا فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ فِيهِ مُتَصَوَّرَةٌ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ الْعُلُوقُ مِنْهُ وَاشْتَهَرَ نَسَبُهُ مِنْ غَيْرِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ أَعْتَقْتُك قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ أَوْ تُخْلَقَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَصَوُّرُ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ لِحُرَّةٍ اشْتَرَيْتُك بِكَذَا كَانَ نِكَاحًا صَحِيحًا، وَالْحُرَّةُ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِلْبَيْعِ بَلْ الشَّرْطُ صِحَّةُ التَّكَلُّمِ.
وَقَوْلُهُ (هَذَا ابْنِي) كَلَامٌ صَحِيحٌ فِي مَحَلِّهِ مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ وَهُوَ مَلْزُومٌ لِقَوْلِهِ هَذَا حُرٌّ مِنْ حِينِ مَلَكْت لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ إذَا ثَبَتَتْ فِي الْمَمْلُوكِ كَانَ حُرًّا مِنْ حِينِ الْعُلُوقِ وَذِكْرُ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةُ اللَّازِمِ هُوَ الْمَجَازُ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ هَذَا حُرٌّ مِنْ حِينِ مَلَكْته وَذَلِكَ يُوجِبُ الْعِتْقَ لَا مَحَالَةَ فَيُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ تَصْحِيحًا لِكَلَامِهِ، بِخِلَافِ مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلْمَجَازِ إذْ لَيْسَ قَوْلُهُ أَعْتَقْتُك قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ مَلْزُومًا لِقَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ مِنْ حِينِ مَلَكْت لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي عَدَمَ وُرُودِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ وَالثَّانِيَ يَقْتَضِي وُرُودَهُ أَلْبَتَّةَ، وَالشَّيْءُ لَا يَكُونُ مَلْزُومًا لِمَا يُنَافِيهِ وَإِلَّا لَزِمَ انْفِكَاكُ الْمَلْزُومِ عَنْ اللَّازِمِ وَهُوَ مُحَالٌ.
وَقَوْلُهُ (وَهَذَا يُخَالِفُ مَا إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ قَطَعْت يَدَك فَأَخْرَجَهُمَا صَحِيحَتَيْنِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَوْ كَانَ صِحَّةُ ذِكْرِ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةِ اللَّازِمِ مُجَوِّزَةً لِلْمَجَازِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ مُتَصَوَّرًا لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْأَرْشُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّ الْقَطْعَ خَطَأً سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْمَالِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ قَطَعْت يَدَك مَجَازًا عَنْ قَوْلِهِ لَك عَلَيَّ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ.
وَتَقْرِيرُ جَوَابِهِ أَنَّ الْقَطْعَ خَطَأً لَيْسَ بِسَبَبٍ لِمَالٍ مُطْلَقٍ بَلْ لِمَا يُخَالِفُ الْمَالَ الْمُطْلَقَ فِي الْوَصْفِ وَهُوَ الْأَرْشُ.
حَتَّى وَجَبَ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي سَنَتَيْنِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَذَلِكَ الْمَالُ الَّذِي هُوَ مُسَبَّبٌ عَنْ الْقَطْعِ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِدُونِ الْقَطْعِ، فَمَا هُوَ مُسَبَّبٌ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ، وَمَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ لَيْسَ بِمُسَبَّبٍ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ مِمَّا تَعَذَّرَ فِيهِ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ فَيَلْغُو، أَمَّا الْحَقِيقَةُ فَظَاهِرَةٌ، وَأَمَّا الْمَجَازُ فَلِأَنَّ قَطْعَ الْيَدِ خَطَأً مَلْزُومٌ لِلْأَرْشِ الَّذِي هُوَ مَلْزُومٌ لِلْقَطْعِ وَاللَّازِمُ وَهُوَ الْقَطْعُ مُنْتَفٍ فَالْمَلْزُومُ وَهُوَ الْأَرْشُ كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ (أَمَّا الْحُرِّيَّةُ لَا تَخْتَلِفُ) مَعْنَاهُ الْحُرِّيَّةُ الَّتِي جَعَلْنَا قَوْلَهُ هَذَا ابْنِي وَهِيَ الْحُرِّيَّةُ مِنْ حِينِ مَلَكَ مَجَازًا عَنْهَا لَا تَخْتَلِفُ ذَاتًا وَهُوَ زَوَالُ الرِّقِّ وَلَا حُكْمًا وَهُوَ صَلَاحِيَتُهُ لِلْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ وَالْوِلَايَاتِ كُلِّهَا (فَأَمْكَنَ جَعْلُهُ) أَيْ جَعْلُ قَوْلِهِ هَذَا ابْنِي (مَجَازًا عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْحُرِّيَّةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْعِتْقِ أَوْ الْمَذْكُورِ (وَلَوْ قَالَ هَذَا أَبِي أَوْ أُمِّي وَمِثْلُهُ لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِمَا فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ) وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّا) يَعْنِي مِنْ الْوَجْهِ فِي الْجَانِبَيْنِ فِي قَوْلِهِ هَذَا ابْنِي (وَلَوْ قَالَ لِصَبِيٍّ صَغِيرٍ هَذَا جَدِّي قِيلَ هُوَ عَلَى الْخِلَافِ) وَالْوَجْهُ مَا تَقَدَّمَ (وَقِيلَ لَا يَعْتِقُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا مُوجِبَ لَهُ فِي الْمِلْكِ مِنْ بُنُوَّةٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ) إلَّا بِوَاسِطَةٍ وَهُوَ الْأَبُ وَهِيَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِي كَلَامِهِ (فَتَعَذَّرَ أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا عَنْ الْمُوجِبِ) وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْوَاسِطَةَ لَوْ كَانَتْ مَذْكُورَةً مِثْلَ أَنْ يَقُولَ هَذَا جَدِّي أَبُو أَبِي عَتَقَ وَقَدْ ذَكَرَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ (بِخِلَافِ الْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ) لِأَنَّ لَهُمَا مُوجِبًا فِي الْمِلْكِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَلَوْ قَالَ هَذَا أَخِي لَا يَعْتِقُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَعْتِقُ، وَوَجْهُ الرِّوَايَتَيْنِ مَا بَيَّنَّا أَمَّا وَجْهُ رِوَايَةِ الْعِتْقِ فَمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَهَذَا لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ فِي الْمَمْلُوكِ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ إلَخْ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا الْأُخُوَّةُ فِي الْمِلْكِ تُوجِبُ الْعِتْقَ، وَأَمَّا وَجْهُ رِوَايَةِ عَدَمِ الْعِتْقِ فَلِقَوْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْجَدِّ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا مُوجِبَ لَهُ فِي الْمِلْكِ إلَّا بِوَاسِطَةٍ، وَكَذَلِكَ هَاهُنَا الْأُخُوَّةُ لَا تَكُونُ إلَّا بِوَاسِطَةِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ مُجَاوَرَةٍ فِي صُلْبٍ أَوْ رَحِمٍ وَهَذِهِ الْوَاسِطَةُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ.
وَلَا مُوجِبَ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ بِدُونِ هَذِهِ الْوَاسِطَةِ.
قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: إنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْأَخِ إنَّمَا كَانَ إذَا ذَكَرَهُ مُطْلَقًا بِأَنْ قَالَ هَذَا أَخِي، فَأَمَّا إذَا ذَكَرَهُ مُقَيَّدًا وَقَالَ هَذَا أَخِي لِأَبِي أَوْ لِأُمِّي فَيَعْتِقُ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ لِمَا أَنَّ مُطْلَقَ الْأُخُوَّةِ مُشْتَرَكٌ قَدْ يُرَادُ بِهَا الْأُخُوَّةُ فِي الدِّينِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ} وَقَدْ يُرَادُ بِهَا الِاتِّحَادُ فِي الْقَبِيلَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} وَقَدْ يُرَادُ بِهَا الْأُخُوَّةُ فِي النَّسَبِ، وَالْمُشْتَرَكُ لَا يَكُونُ حُجَّةً.
فَإِنْ قِيلَ: الْبُنُوَّةُ أَيْضًا تَخْتَلِفُ بَيْنَ نَسَبٍ وَرَضَاعٍ فَكَيْفَ يَثْبُتُ الْعِتْقُ بِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ هَذَا ابْنِي؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْبُنُوَّةَ مِنْ الرَّضَاعِ مَجَازٌ، وَالْمَجَازُ لَا يُعَارِضُ الْحَقِيقَةَ (وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ هَذَا ابْنَتِي فَقَدْ قِيلَ هُوَ عَلَى الْخِلَافِ.
وَقِيلَ هُوَ) أَيْ عَدَمُ الْعِتْقِ (بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى) لِأَنَّ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ مِنْ بَنِي آدَمَ جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ؛ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمُشَارُ إلَيْهِ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِالْمُسَمَّى لِمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَالْمُسَمَّى هَاهُنَا مَعْدُومٌ فَلَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا عَنْ الِابْنِ لِعَدَمِ الْمُلَازَمَةِ بَيْنَهُمَا. (وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ بَائِنٌ أَوْ تَخَمَّرِي وَنَوَى بِهِ الْعِتْقَ لَمْ تُعْتَقْ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تُعْتَقُ إذَا نَوَى، وَكَذَا عَلَى هَذَا الْخِلَافِ سَائِرُ أَلْفَاظِ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ عَلَى مَا قَالَ مَشَايِخُهُمْ رَحِمَهُمُ اللَّهُ لَهُ أَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ لِأَنَّ بَيْنَ الْمِلْكَيْنِ مُوَافَقَةً إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِلْكُ الْعَيْنِ، أَمَّا مِلْكُ الْيَمِينِ فَظَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ مِلْكُ النِّكَاحِ فِي حُكْمِ مِلْكِ الْعَيْنِ حَتَّى كَانَ التَّأْبِيدُ مِنْ شَرْطِهِ وَالتَّأْقِيتُ مُبْطِلًا لَهُ وَعَمَلُ اللَّفْظَيْنِ فِي إسْقَاطِ مَا هُوَ حَقُّهُ وَهُوَ الْمِلْكُ وَلِهَذَا يَصِحُّ التَّعْلِيقُ فِيهِ بِالشَّرْطِ، أَمَّا الْأَحْكَامُ فَتَثْبُتُ سَبَبٌ سَابِقٌ وَهُوَ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا، وَلِهَذَا يَصْلُحُ لَفْظَةُ الْعِتْقِ وَالتَّحْرِيرُ كِنَايَةً عَنْ الطَّلَاقِ فَكَذَا عَكْسُهُ.
وَلَنَا أَنَّهُ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لُغَةً إثْبَاتُ الْقُوَّةِ وَالطَّلَاقَ رَفْعُ الْقَيْدِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْعَبْدَ أُلْحِقَ بِالْجَمَادَاتِ وَبِالْإِعْتَاقِ يَحْيَا فَيَقْدِرُ، وَلَا كَذَلِكَ الْمَنْكُوحَةُ فَإِنَّهَا قَادِرَةٌ إلَّا أَنَّ قَيْدَ النِّكَاحِ مَانِعٌ وَبِالطَّلَاقِ يَرْتَفِعُ الْمَانِعُ فَتَظْهَرُ الْقُوَّةُ وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الْأَوَّلَ أَقْوَى، وَلِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ فَوْقَ مِلْكِ النِّكَاحِ فَكَانَ إسْقَاطُهُ أَقْوَى وَاللَّفْظُ يَصْلُحُ مَجَازًا عَمَّا هُوَ دُونَ حَقِيقَتِهِ لَا عَمَّا هُوَ فَوْقَهُ، فَلِهَذَا امْتَنَعَ فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَانْسَاغَ فِي عَكْسِهِ.
الشَّرْحُ:
(قَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ بَائِنٌ) ظَاهِرٌ إلَى قَوْلِهِ وَعَمَلُ اللَّفْظَيْنِ وَهُوَ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْإِعْتَاقُ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ وَلِهَذَا تَثْبُتُ بِهِ الْأَحْكَامُ مِثْلُ الْأَهْلِيَّةِ وَالْوِلَايَةِ وَالشَّهَادَةِ فَأَنَّى يُشْبِهُ الطَّلَاقَ الَّذِي هُوَ إسْقَاطٌ مَحْضٌ.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ الْإِعْتَاقَ أَيْضًا إسْقَاطٌ بِدَلِيلِ صِحَّةِ التَّعْلِيقِ فِيهِمَا، وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَلَيْسَتْ بِوَارِدَةٍ لِأَنَّهَا ثَابِتَةٌ بِسَبَبٍ سَابِقٍ وَهُوَ كَوْنُهُ آدَمِيًّا مُكَلَّفًا غَيْرَ أَنَّ الْإِعْتَاقَ إزَالَةُ الْمَانِعِ فَاسْتَوَى الْإِعْتَاقُ وَالطَّلَاقُ.
وَقَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِكَوْنِ الْعِتْقِ مُحْتَمَلَ لَفْظِهِ (يَصْلُحُ لَفْظَةُ الْعِتْقِ وَالتَّحْرِيرِ كِتَابَةً عَنْ الطَّلَاقِ فَكَذَا عَكْسُهُ) لِأَنَّ مَبْنَى الْمَجَازِ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ وَالشَّيْءُ لَا يُنَاسِبُ شَيْئًا إلَّا الشَّيْءَ الْآخَرَ يُنَاسِبُهُ، وَإِنَّمَا قَالَ عَلَى مَا قَالَهُ مَشَايِخُهُمْ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْ الشَّافِعِيِّ لَفْظَةُ الطَّلَاقِ فَحَسْبُ وَأَصْحَابُهُ قَاسُوا عَلَيْهَا سَائِرَ أَلْفَاظِ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ وَلَنَا أَنَّهُ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ لِأَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُمَا تُجَوِّزُ الِاسْتِعَارَةَ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لُغَةً إثْبَاتُ الْقُوَّةِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ عَتَقَ الطَّيْرُ: إذَا قَوَى وَطَارَ عَنْ وَكْرِهِ، وَفِي الشَّرْعِ أَيْضًا كَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبْدَ أُلْحِقَ بِالْجَمَادَاتِ وَبِالْإِعْتَاقِ يَحْيَا فَيَقْدِرُ.
وَالطَّلَاقُ فِي اللُّغَةِ رَفْعُ الْقَيْدِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ أَطْلَقْت الْبَعِيرَ عَنْ الْقَيْدِ إذَا حَلَلْته وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ رَفْعِ الْمَانِعِ عَنْ الِانْطِلَاقِ لَا إثْبَاتِ قُوَّةِ الِانْطِلَاقِ، وَكَذَلِكَ فِي الشَّرْعِ لِأَنَّ الْمَنْكُوحَةَ لَمْ تَزَلْ مَالِكِيَّتَهُ فَإِنَّهَا قَادِرَةٌ إلَّا أَنَّ قَيْدَ النِّكَاحِ مَانِعٌ وَبِالطَّلَاقِ يَرْتَفِعُ الْمَانِعُ فَتَظْهَرُ الْقُوَّةُ وَلَيْسَ بَيْنَ إثْبَاتِ الْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي مَحَلٍّ لَمْ يَكُنْ وَبَيْنَ رَفْعِ الْمَانِعِ لِتَعْمَلَ الْقُوَّةُ الثَّابِتَةُ فِي مَحَلِّهَا مُنَاسَبَةٌ.
وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الْأَوَّلَ أَقْوَى وَالْأَدْنَى لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعَارًا لِلْأَعْلَى عَلَى مَا نَذْكُرُ، وَلِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ فَوْقَ مِلْكِ النِّكَاحِ لِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ قَدْ يَسْتَلْزِمُ مِلْكَ الْمُتْعَةِ إذَا صَادَفَ الْجَوَارِيَ الْخَالِيَةَ عَمَّا يَمْنَعُ عَنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِنَّ، وَأَمَّا مِلْكُ النِّكَاحِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ مِلْكَ الْيَمِينِ أَصْلًا، وَكُلُّ مَا كَانَ هُوَ أَقْوَى فَإِسْقَاطُهُ أَقْوَى فَمِلْكُ الْيَمِينِ إسْقَاطُهُ أَقْوَى وَاللَّفْظُ يَصْلُحُ مَجَازًا عَمَّا دُونَ حَقِيقَتِهِ لَا عَمَّا هُوَ فَوْقَهُ، وَهَذَا لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَجَازِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا إذَا وَجَدْت وَصْفًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ مَلْزُومَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ فِي أَحَدِهِمَا أَقْوَى مِنْهُ فِي الْآخَرِ.
وَأَنْتَ تَرَى إلْحَاقَ الْأَضْعَفِ بِالْأَقْوَى عَلَى وَجْهِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فَتَدَّعِي أَنَّ مَلْزُومَ الْأَضْعَفِ مِنْ جِنْسِ مَلْزُومِ الْأَقْوَى وَتُطْلِقُ عَلَيْهِ اسْمَ الْأَقْوَى كَمَا إذَا كَانَ عِنْدَك شُجَاعٌ وَأَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُلْحِقَ جُرْأَتَهُ وَقُوَّتَهُ بِجُرْأَةِ الْأَسَدِ وَقُوَّتِهِ فَتَدَّعِي الْأَسْدِيَةَ لَهُ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْأَسَدِ عَلَيْهِ.
وَهَذَا كَمَا تَرَى إنَّمَا يَكُونُ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ دُونَ الْعَكْسِ.
وَإِذَا ظَهَرَ هَذَا بَعْدَ الْعِلْمِ بِأَنَّ إزَالَةَ مِلْكِ الْيَمِينِ أَقْوَى ظَهَرَ لَك جَوَازُ اسْتِعَارَةِ أَلْفَاظِ الْعَتَاقِ لِلطَّلَاقِ دُونَ عَكْسِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ النُّكْتَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي الْكِتَابِ أَنَّ فِي الْأُولَى مَنْعَ الْمُنَاسَبَةِ وَإِظْهَارَ السَّنَدِ بِأَنَّ الْإِعْتَاقَ إثْبَاتٌ وَالطَّلَاقَ رَفْعٌ فَأَنَّى يَتَنَاسَبَانِ، وَفِي الثَّانِي تَسْلِيمَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إسْقَاطٌ لَكِنَّ الْإِعْتَاقَ أَقْوَى وَهُوَ يُنَافِي الِاسْتِعَارَةَ. (وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ مِثْلُ الْحُرِّ لَمْ يُعْتَقْ) لِأَنَّ الْمِثْلَ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُشَارَكَةِ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي عُرْفًا فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي الْحُرِّيَّةِ (وَلَوْ قَالَ: مَا أَنْتَ إلَّا حُرٌّ عَتَقَ) لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ عَلَى وَجْهِ التَّأْكِيدِ كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ (وَلَوْ قَالَ رَأْسُك رَأْسُ حُرٍّ لَا يُعْتَقُ) لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ بِحَذْفِ حَرْفِهِ (وَلَوْ قَالَ رَأْسُك رَأْسُ حُرّ عَتَقَ) لِأَنَّهُ إثْبَاتُ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ إذْ الرَّأْسُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ مِثْلَ الْحُرِّ) إطْلَاقُهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ نَوَى الْعِتْقَ أَوْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يَعْتِقْ.
وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ لَمْ يَعْتِقْ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَفِي تَعْلِيلِهِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ لِأَنَّ الْمِثْلَ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُشَارَكَةِ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي عُرْفًا فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا نَوَى الْحُرِّيَّةَ زَالَ الشَّكُّ.
وَقَوْلُهُ (عُرْفًا) يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْعُرْفُ الْعَامُّ، فَإِنَّ الْعَامَّةَ يَسْتَعْمِلُونَهُ لِلْمُشَارَكَةِ فِي بَعْضِ الْأَوْصَافِ يَقُولُونَ زَيْدٌ مِثْلُ عَمْرٍو مَثَلًا إلَّا إذَا كَانَ عَمْرٌو مَشْهُورًا بِصِفَةٍ كَعِلْمٍ أَوْ خَطٍّ أَوْ جُودٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْعُرْفُ الْخَاصُّ فَإِنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي الِاتِّحَادِ بِالْحَقِيقَةِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ مَا أَنْتَ إلَّا حُرٌّ إلَخْ) ظَاهِرٌ.

.فصل: فيمن ملك ذا الرحم:

(وَمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ عَلَيْهِ) وَهَذَا اللَّفْظُ مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ فَهُوَ حُرٌّ» وَاللَّفْظُ بِعُمُومِهِ يَنْتَظِمُ كُلَّ قَرَابَةٍ مُؤَيَّدَةٍ بِالْمَحْرَمِيَّةِ وِلَادًا أَوْ غَيْرَهُ، وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يُخَالِفُنَا فِي غَيْرِهِ.
لَهُ أَنَّ ثُبُوتَ الْعِتْقِ مِنْ غَيْرِ مَرْضَاةِ الْمَالِكِ يَنْفِيهِ الْقِيَاسُ أَوْ لَا يَقْتَضِيه، وَالْأُخُوَّةُ وَمَا يُضَاهِيهَا نَازِلَةٌ عَنْ قَرَابَةٍ الْوِلَادَةِ فَامْتَنَعَ الْإِلْحَاقُ أَوْ الِاسْتِدْلَال بِهِ، وَلِهَذَا امْتَنَعَ التَّكَاتُبُ عَلَى الْمَكَاتِبِ فِي غَيْرِ الْوِلَادِ وَلَمْ يَمْتَنِعُ فِيهِ.
وَلَنَا مَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهُ مَلَكَ قَرِيبَهُ قَرَابَةً مُؤَثِّرَةً فِي الْمَحْرَمِيَّةِ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الْأَصْلِ، وَالْوِلَادُ مَلْغِيٌّ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي يُفْتَرَضُ وَصْلُهَا وَيَحْرُمُ قَطْعُهَا حَتَّى وَجَبَتْ النَّفَقَةُ وَحَرُمَ النِّكَاحُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْمَالِكُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِعُمُومِ الْعِلَّةِ.
وَالْمَكَاتِبُ إذَا اشْتَرَى أَخَاهُ وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُ لَا يَتَكَاتَبُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِلْكٌ تَامٌّ يُقْدِرُهُ عَلَى الْإِعْتَاقِ وَالِافْتِرَاضِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ، بِخِلَافِ الْوِلَادِ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِيهِ مِنْ مَقَاصِدِ الْكِتَابَةِ فَامْتَنَعَ الْبَيْعُ فَيَعْتِقُ تَحْقِيقًا لِمَقْصُودِ الْعَقْدِ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يَتَكَاتَبُ عَلَى الْأَخِ أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُهُمَا قُلْنَا أَنْ نَمْنَعَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا مَلَكَ ابْنَةَ عَمِّهِ وَهِيَ أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ لِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ مَا ثَبَتَتْ بِالْقَرَابَةِ وَالصَّبِيُّ جُعِلَ أَهْلًا لِهَذَا الْعِتْقِ، وَكَذَا الْمَجْنُونُ حَتَّى عَتَقَ الْقَرِيبُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعَبْدِ فَشَابَهَ النَّفَقَةَ.
الشَّرْحُ:
(فَصْلٌ) لَمَّا ذَكَرَ الْعِتْقَ الْحَاصِلَ بِالْإِعْتَاقِ الِاخْتِيَارِيِّ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ ذَكَرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ عَامَّةَ مَسَائِلِ الْعِتْقِ الَّذِي يَحْصُلُ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ كَإِرْثِ قَرِيبِهِ.
وَخُرُوجِ عَبْدِ الْحَرْبِيِّ إلَيْنَا مُسْلِمًا وَوَلَدِ الْأَمَةِ مِنْ مَوْلَاهَا، وَالرَّحِمُ فِي الْأَصْلِ وِعَاءُ الْوَلَدِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، ثُمَّ سُمِّيَتْ الْقَرَابَةُ وَصْلَةُ مَنْ جِهَةِ الْوِلَادِ رَحِمًا، وَمِنْهُ ذُو الرَّحِمِ، وَالْمَحْرَمُ هُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى «وَمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ عَلَيْهِ»، وَهَذَا اللَّفْظُ مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَاهُ عُمَرُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ فَهُوَ حُرٌّ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ، وَاللَّفْظُ بِعُمُومِهِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ قَرَابَةٍ مُؤَيَّدَةٍ بِالْمَحْرَمِيَّةِ وِلَادًا أَوْ غَيْرَهُ، فَإِنْ قِيلَ الضَّمِيرُ فِي مِثْلِهِ يَعُودُ إلَى مَنْ كَمَا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» وَأَمْثَالِهِ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً.
أُجِيبَ بِأَنَّ وُقُوعَهُ جَزَاءً لِقَوْلِهِ «مَنْ مَلَكَ» يَنْبُو عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ فَإِنَّ تَمَلُّكَهُ يَدُلُّ عَلَى حُرِّيَّتِهِ إذْ الْمَمْلُوكُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا فَقَوْلُهُ فَهُوَ حُرٌّ لَوْ عَادَ إلَيْهِ كَانَ تَكْرَارًا غَيْرَ مُفِيدٍ، فَإِنْ قِيلَ: صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَنْ يَجْزِيَ وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» عَطَفَهُ بِالْفَاءِ الَّتِي لِلتَّعْقِيبِ فَلَا يَعْتِقُ مَا لَمْ يُعْتِقْهُ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ دَلِيلُ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِلُزُومِ التَّعَارُضِ، وَمَحْمَلُهُ أَنَّ مِثْلَهُ يُسْتَعْمَلُ فِي حُصُولِ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ لَا بِسَبَبٍ آخَرَ كَمَا يُقَالُ أَطْعَمَهُ فَأَشْبَعَهُ وَسَقَاهُ فَأَرْوَاهُ وَضَرَبَهُ فَأَوْجَعَهُ وَأَمْثَالٌ لَهُ.
قَوْلُهُ (وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِي غَيْرِهِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْوِلَادِ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ ثُبُوتَ الْعِتْقِ مِنْ غَيْرِ مَرْضَاةِ الْمَالِكِ يَنْفِيهِ الْقِيَاسُ أَوْ لَا يَقْتَضِيهِ، وَكُلُّ مَا يَنْفِيهِ الْقِيَاسُ لَا يَلْحَقُ بِهِ شَيْءٌ آخَرُ بِالْقِيَاسِ، وَكُلُّ مَا لَا يَقْتَضِيهِ لَا يَدْخُلُ غَيْرُهُ فِيهِ بِالِاسْتِدْلَالِ: أَيْ بِدَلَالَةِ النَّصِّ إلَّا إذَا كَانَ الْمُلْحَقُ فِي مَعْنَى الْمُلْحَقِ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ قَرَابَةَ الْأُخُوَّةِ وَمَا يُضَاهِيهَا نَازِلَةٌ عَنْ قَرَابَةِ الْوِلَادِ وَلِهَذَا امْتَنَعَ التَّكَاتُبُ عَلَى الْمُكَاتَبِ فِي غَيْرِ الْوِلَادِ وَلَا يَمْتَنِعُ فِيهِ.
وَلَنَا مَا رَوَيْنَا وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ عَلَيْهِ» وَلِأَنَّهُ مَلَكَ قَرِيبَهُ قَرَابَةً مُؤَثِّرَةً فِي الْمَحْرَمِيَّةِ.
وَكُلُّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَتَقَ عَلَيْهِ، أَمَّا أَنَّهُ مَلَكَ ذَلِكَ فَبِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا أَنَّ كُلَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَتَقَ عَلَيْهِ فَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْوِلَادِ لِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ تَمَلُّكُ الْقَرِيبِ الْمَحْرَمِ هُوَ الْعِلَّةُ الْمُؤَثِّرَةُ فِي الْوِلَادِ وَالْوِلَادُ مُلْغًى لِأَنَّهَا أَيْ الْقَرَابَةَ الْمُؤَثِّرَةَ فِي الْمَحْرَمِيَّةِ هِيَ الَّتِي يُفْتَرَضُ وَصْلُهَا، وَيَحْرُمُ قَطْعُهَا حَتَّى وَجَبَتْ النَّفَقَةُ وَحَرُمَ النِّكَاحُ.
أَمَّا حُرْمَةُ النِّكَاحِ فَبِالْإِجْمَاعِ.
وَأَمَّا وُجُوبُ النَّفَقَةِ فَمَذْهَبُنَا، لَكِنْ لَمَّا أَثْبَتَ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} كَانَ ثَابِتًا أَلْبَتَّةَ فَاسْتَدَلَّ بِهِ.
وَلِمَشَايِخِنَا هُنَا نُكْتَةٌ وَهُوَ قَوْلُهُ هَذِهِ قَرَابَةٌ صِينَتْ عَنْ أَدْنَى الذُّلَّيْنِ وَهُوَ ذُلُّ النِّكَاحِ فَلَأَنْ تُصَانَ عَنْ أَعْلَاهُمَا أَوْلَى.
فَإِنْ ادَّعَى أَنَّ ذُلَّ النِّكَاحِ أَعْلَى فَتِلْكَ مُكَابَرَةٌ تَسْتَدْعِي تَفْضِيلَ الْإِمَاءِ عَلَى الْحَرَائِرِ وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا، وَإِجْمَاعُنَا عَلَى أَنَّ الرَّضَاعَ يَرْفَعُ ذُلَّ النِّكَاحِ دُونَ الرِّقِّ مِمَّا يَحْسِمُ مَادَّةَ هَذِهِ الْمُكَابَرَةِ فَإِنَّ رَافِعَ الْأَعْلَى يَرْفَعُ الْأَدْنَى لَا مَحَالَةَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَالِكُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، وَكَذَلِكَ الْمَمْلُوكُ لِعُمُومِ الْعِلَّةِ وَهِيَ الْقَرَابَةُ الْمُحَرِّمَةُ لِلنِّكَاحِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ الْقَرَابَةُ إنْ أَوْجَبَتْ الْعِتْقَ أَوْجَبَتْ بِاعْتِبَارِ الصِّلَةِ عَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ هِيَ الَّتِي يُفْتَرَضُ وَصْلُهَا وَقَرَابَةُ الْأُخُوَّةِ لَا تُوجِبُ الصِّلَةَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الدِّينِ وَلِهَذَا لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ فَلَا تُوجِبُ الْإِعْتَاقَ أَيْضًا.
أُجِيبَ بِأَنَّ عِلَّةَ النَّفَقَةِ لَيْسَتْ الْقَرَابَةَ الْمُجَرَّدَةَ فِي الْأُخُوَّةِ بَلْ بِصِفَةِ الْوِرَاثَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} وَاخْتِلَافُ الدِّينِ يَمْنَعُ الْإِرْثَ فَكَذَا مَا يُبْنَى عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَ أَوْ كَافِرًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ مَلَكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ لَمْ يَعْتِقْ، فَإِنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ، فَكَذَا لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ.
فَإِنْ قِيلَ: عَدَمُ إنْفَاذِ الْعِتْقِ بِالْإِعْتَاقِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْعِتْقِ بِالْمِلْكِ فَإِنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ إذْ أَعْتَقَا لَمْ يَنْفُذْ، وَأَمَّا إذَا مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا يَقَعُ مِنْ الْعِتْقِ بِالْمِلْكِ يَقَعُ بِالْإِعْتَاقِ أَيْضًا لِأَنَّ الْوُقُوعَ بِالْمِلْكِ إنَّمَا هُوَ بِإِلْزَامِ الشَّرْعِ لِعَدَمِ التَّصَرُّفِ مِنْهُ، وَمَا لَزِمَ بِإِلْزَامِهِ يَلْزَمُ بِالِالْتِزَامِ أَيْضًا بِالِاسْتِقْرَاءِ، إلَّا أَنَّا تَرَكْنَا هَذَا الْأَصْلَ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ بِالْمَانِعِ، وَهُوَ أَنَّ الْإِعْتَاقَ تَصَرُّفٌ ضَارٌّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِهِ لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ، وَكَذَا إذَا أَعْتَقَ الْمُسْلِمُ عَبْدًا حَرْبِيًّا فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي الْكِتَابِ مُتَعَلِّقٌ بِمَجْمُوعِ مَا ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْمَالِكُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا لَا يَنْحَصِرُ تَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ أَوْ كَافِرًا.
وَقَوْلُهُ (وَالْمُكَاتَبُ إذَا اشْتَرَى أَخَاهُ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَلِهَذَا امْتَنَعَ التَّكَاتُبُ عَلَى الْمُكَاتَبِ فِي غَيْرِ الْوِلَادِ.
وَتَقْرِيرُهُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَتَكَاتَبُ عَلَيْهِ، بَلْ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَكَاتَبُ عَلَى الْأَخِ أَيْضًا.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَإِنَّمَا لَا يَتَكَاتَبُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَيْسَ لَهُ مِلْكٌ تَامٌّ يُقَدِّرُهُ عَلَى الْإِعْتَاقِ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَإِنَّمَا أُلْحِقَ بِالْمُلَّاكِ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْكِتَابَةِ، وَمَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْإِعْتَاقِ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا عَتَقَ عَلَيْهِ قَرَابَةُ الْوِلَادِ.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ الْوِلَادِ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِيهِ مِنْ مَقَاصِدِ الْكِتَابَةِ لِأَنَّ عِتْقَ نَفْسِهِ كَمَا كَانَ مَقْصُودًا بِالْكِتَابَةِ لِكَوْنِهِ يَتَغَيَّرُ بِالرِّقِّ فَكَذَلِكَ رِقُّ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ مَقَاصِدِهَا امْتَنَعَ الْبَيْعُ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ تَحْقِيقًا لِمَقْصُودِ الْعَقْدِ، وَأَمَّا حُرِّيَّةُ الْأَخِ فَلَيْسَتْ مِنْ مَقَاصِدِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ لِعَدَمِ لُحُوقِ الْعَارِ بِرِقِّهِ لُحُوقَهُ بِرِقِّ ابْنِهِ أَوْ أَبِيهِ.
وَقَوْلُهُ (وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا مَلَكَ بِنْتَ عَمِّهِ) جَوَابُ نَقْضٍ إجْمَالِيٍّ.
تَقْرِيرُهُ: لَوْ كَانَ تَمَلُّكُ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ عِلَّةً لِعِتْقِهِ عَلَى مَنْ يَمْلِكُ لَعَتَقَتْ ابْنَةُ الْعَمِّ الَّتِي هِيَ أُخْتٌ مِنْ الرَّضَاعَةِ عَلَى ابْنِ عَمِّهَا إذَا اشْتَرَاهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَحْرَمِيَّةِ مَحْرَمِيَّةٌ أَثَّرَتْ فِيهَا الْقَرَابَةُ وَهَذِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّضَاعَ هُوَ الْمُؤَثِّرُ، وَذِكْرُ هَذَا الْجَوَابِ إنَّمَا هُوَ لِزِيَادَةِ الْإِيضَاحِ لِأَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا مِنْ أَصْلِ دَلِيلِهِ حَيْثُ قَالَ: وَلِأَنَّهُ مَلَكَ قَرِيبَهُ قَرَابَةً مُؤَثِّرَةً فِي الْمَحْرَمِيَّةِ وَهَذِهِ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، وَالصَّبِيُّ جُعِلَ أَهْلًا لِهَذَا الْعِتْقِ وَكَذَلِكَ الْمَجْنُونُ، فَإِذَا دَخَلَ قَرِيبُهُمَا فِي مِلْكِهِمَا بِغَيْرِ صُنْعٍ مِنْهُمَا كَالْإِرْثِ وَالْهِبَةِ عَتَقَ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ الْعِلَّةَ وَهِيَ تَمَلُّكُ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ قَدْ وُجِدَتْ وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعَبْدِ فَيَعْتِقُ وَكَانَ كَالنَّفَقَةِ. (وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلشَّيْطَانِ أَوْ لِلصَّنَمِ عَتَقَ) لِوُجُودِ رُكْنِ الْإِعْتَاقِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ وَوَصْفُ الْقُرْبَةِ فِي اللَّفْظِ الْأَوَّلِ زِيَادَةٌ فَلَا يَخْتَلُّ الْعِتْقُ بِعَدَمِهِ فِي اللَّفْظَيْنِ الْآخَرَيْنِ.
الشَّرْحُ:
قَالَ: (وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى) وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلشَّيْطَانِ أَوْ لِلصَّنَمِ عَتَقَ لِوُجُودِ رُكْنِ الْإِعْتَاقِ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحَلِّهِ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ شَرْعِيٍّ فَيَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَوَصْفُ الْقُرْبَةِ وَهُوَ كَوْنُهُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ زِيَادَةٌ فَلَا يَخْتَلُّ الْعِتْقُ بِعَدَمِهِ فِي اللَّفْظَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ يَعْنِي الشَّيْطَانَ وَالصَّنَمَ. (وَعِتْقُ الْمُكْرَهِ وَالسَّكْرَانِ وَاقِعٌ) لِصُدُورِ الرُّكْنِ مِنْ الْأَهْلِ فِي الْمَحَلِّ كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَعِتْقُ الْمُكْرَهِ) وَاضِحٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الطَّلَاقِ. (وَإِنْ أَضَافَ الْعِتْقَ إلَى مِلْكٍ أَوْ شَرْطٍ صَحَّ كَمَا فِي الطَّلَاقِ) أَمَّا الْإِضَافَةُ إلَى الْمِلْكِ فَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَأَمَّا التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ فَلِأَنَّهُ إسْقَاطٌ فَيُجْرَى فِيهِ التَّعْلِيقُ بِخِلَافِ التَّمْلِيكَاتِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ.
الشَّرْحُ:
(وَإِنْ أَضَافَ الْعِتْقَ إلَى مِلْكٍ) بِأَنْ يَقُولَ لِعَبْدِ الْغَيْرِ إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ (صَحَّ كَمَا فِي الطَّلَاقِ) وَإِنْ عَلَّقَ بِشَرْطٍ كَقَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَكَذَلِكَ.
أَمَّا الْإِضَافَةُ فَفِيهِ خِلَافٌ لِلشَّافِعِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَأَمَّا التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ فَلِأَنَّ الْإِعْتَاقَ إسْقَاطٌ وَالْإِسْقَاطُ (يَجْرِي فِيهِ التَّعْلِيقُ) بِالِاتِّفَاقِ بِخِلَافِ التَّمْلِيكَاتِ.
وَالْخِلَافُ فِيهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ عِنْدَهُ يُبْطِلُ الْيَمِينَ وَعِنْدَنَا لَا يُبْطِلُهُ، فَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَبَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَدَخَلَ الدَّارَ عَتَقَ عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ.
وَقَدْ عُرِفَ فِي الْأُصُولِ (وَإِذَا خَرَجَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ إلَيْنَا مُسْلِمًا عَتَقَ) «لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَبِيدِ الطَّائِفِ حِينَ خَرَجُوا إلَيْهِ مُسْلِمِينَ هُمْ عُتَقَاءُ اللَّهِ تَعَالَى» وَلِأَنَّهُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ وَلَا اسْتِرْقَاقَ عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً.
الشَّرْحُ:
(وَإِذَا خَرَجَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ إلَيْنَا مُسْلِمًا عَتَقَ «لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَبِيدِ الطَّائِفِ حِينَ خَرَجُوا إلَيْهِ مُسْلِمِينَ هُمْ عُتَقَاءُ اللَّهِ») رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «أَنَّ عَبْدَيْنِ مِنْ الطَّائِفِ خَرَجَا فَأَسْلَمَا فَأَعْتَقَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» (وَلِأَنَّهُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ وَلَا اسْتِرْقَاقَ عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً) وَقَيَّدَ بِالِابْتِدَاءِ لِجَوَازِهِ عَلَيْهِ بَقَاءً لِأَنَّهُ فِي الْبَقَاءِ مِنْ الْأُمُورِ الْحُكْمِيَّةِ دُونَ الْجُزْئِيَّةِ فَيَجُوزُ بَقَاؤُهُ كَبَقَاءِ الْأَمْلَاكِ بَعْدَ وُجُودِ أَسْبَابِهَا. (وَإِنْ أَعْتَقَ حَامِلًا عَتَقَ حَمْلُهَا تَبَعًا لَهَا) إذْ هُوَ مُتَّصِلٌ بِهَا (وَلَوْ أَعْتَقَ الْحَمْلَ خَاصَّةً عَتَقَ دُونَهَا) لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى إعْتَاقِهَا مَقْصُودًا لِعَدَمِ الْإِضَافَةِ إلَيْهَا وَلَا إلَيْهِ تَبَعًا لِمَا فِيهِ مِنْ قَلْبِ الْمَوْضُوعِ، ثُمَّ إعْتَاقُ الْحَمْلِ صَحِيحٌ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ نَفْسَهُ شَرْطٌ فِي الْهِبَةِ وَالْقُدْرَةُ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْجَنِينِ وَشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْإِعْتَاقِ فَافْتَرَقَا.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ أَعْتَقَ حَامِلًا) ظَاهِرٌ.
وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تُعْتَقْ أُمُّهُ لَجَازَ بَيْعُهَا وَهُوَ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ الْهِبَةِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا أَعْتَقَ مَا فِي بَطْنِهَا لَمْ يَبْقَ الْجَنِينُ عَلَى مِلْكِهِ فَهِبَةُ الْأُمِّ بَعْدَ ذَلِكَ صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ هِبَةِ الْأَمَةِ، وَاسْتِثْنَاءُ الْحَمْلِ فِي الْهِبَةِ شَرْطٌ فَاسِدٌ، وَالْهِبَةُ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ بِالشَّرْطِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ. (وَلَوْ أَعْتَقَ الْحَمْلَ عَلَى مَالٍ صَحَّ) وَلَا يَجِبُ الْمَالُ إذْ لَا وَجْهَ إلَى إلْزَامِ الْمَالِ عَلَى الْجَنِينِ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ، وَلَا إلَى إلْزَامِهِ الْأُمَّ لِأَنَّهُ فِي حَقِّ الْعِتْقِ نَفْسٌ عَلَى حِدَةٍ، وَاشْتِرَاطُ بَدَلِ الْعِتْقِ عَلَى غَيْرِ الْمُعْتِقِ لَا يَجُوزُ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْخُلْعِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ قِيَامُ الْحَبَلِ وَقْتَ الْعِتْقِ إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْهُ، لِأَنَّهُ أَدْنَى مُدَّةِ الْحَمْلِ.

الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَاشْتِرَاطُ بَدَلِ الْعِتْقِ عَلَى غَيْرِ الْمُعْتَقِ لَا يَجُوزُ) قِيلَ عَلَيْهِ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ الْعِتْقُ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْحَمْلُ إلَى حَدٍّ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا يَعْقِلُ الْعَقْدَ كَمَا مَرَّ فِي خُلْعِ الصَّغِيرَةِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَإِنْ شَرَطَ الْأَلْفَ عَلَيْهَا تَوَقَّفَ عَلَى قَبُولِهَا إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ بِأَنْ كَانَتْ عَاقِلَةً تَعْقِلُ الْعَقْدَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي صَرِيحِ الشَّرْطِ، وَأَمَّا هَاهُنَا فَالْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ بِكَلِمَةِ عَلَى وَكَانَ ذِكْرُ الْمَالِ هَاهُنَا وَصْفًا لِلْإِعْتَاقِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ الْوَصْفِ بُطْلَانُ الْأَصْلِ فَيَثْبُتُ الْعِتْقُ وَلَا يَجِبُ الْمَالُ كَمَا فِي طَلَاقِ الصَّغِيرَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إنْ ذُكِرَ بِكَلِمَةِ الشَّرْطِ تَوَقَّفَ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ رِوَايَةٍ، وَاعْتِبَارُهُ بِخُلْعِ الصَّغِيرَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: وَإِنْ شَرَطَ الْأَلْفَ عَلَيْهَا تَوَقَّفَ عَلَى قَبُولِهَا إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ، فَالتَّوَقُّفُ فِيهِ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهَا مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ وَالْحَمْلُ لَيْسَ مِنْهُ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: لَمَّا عَلِمَ الْمُعْتَقُ عَدَمَ كَوْنِ الْحَمْلِ أَهْلًا لِلْخِطَابِ وَقَبُولَ الشَّرْطِ وَأَقْدَمَ عَلَى الْعِتْقِ كَانَ قَاصِدًا لِلْإِعْتَاقِ بِلَا مَالٍ أَوْ يُحْمَلُ حَالُهُ عَلَى ذَلِكَ صَوْنًا لِكَلَامِهِ عَنْ الْإِلْغَاءِ.
وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا مَرَّ فِي الْخُلْعِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هَذِهِ حَوَالَةٌ غَيْرُ رَائِجَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ مَسْأَلَةَ الْخُلْعِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، فَإِنَّ فِي شُرُوحِهِ فَرَّقَ بَيْنَ الْخُلْعِ وَالْإِعْتَاقِ لِجَوَازِ وُجُوبِ بَدَلِ الْخُلْعِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ دُونَ الْإِعْتَاقِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْخُلْعِ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ فِي مَعْنَى الْمَرْأَةِ فِي عَدَمِ حُصُولِ شَيْءٍ لَهُمَا بِمُقَابَلَةِ الْمَالِ، فَكَمَا جَازَ عَلَيْهَا جَازَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ، وَالْإِعْتَاقُ يُثْبِتُ الْقُوَّةَ الْحُكْمِيَّةَ الَّتِي لَمْ تَكُنْ لِلْعَبْدِ قَبْلَهُ، وَكَانَ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ يَحْصُلُ لَهُ، وَالْأَجْنَبِيُّ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ فَيَكُونُ اشْتِرَاطُ الْمَالِ عَلَيْهِ كَاشْتِرَاطِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَرِي.
وَقَوْلُهُ (وَإِنَّمَا يُعْرَفُ قِيَامُ الْحَبَلِ) وَاضِحٌ لِأَنَّ التَّيَقُّنَ بِوُجُودِ الْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ وَقْتِ الْعِتْقِ. قَالَ (وَ وَلَدُ الْأَمَةِ مِنْ مَوْلَاهَا حُرٌّ) لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَلَا مُعَارِضَ لَهُ فِيهِ لِأَنَّ وَلَدَ الْأَمَةِ لِمَوْلَاهَا.
الشَّرْحُ:
قَالَ: (وَوَلَدُ الْأَمَةِ مِنْ مَوْلَاهَا حُرٌّ لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ) يَعْنِي أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُخْلَقَ الْوَلَدُ مِنْ مَاءِ صَاحِبِ الْمَاءِ (وَلَا مُعَارِضَ لَهُ فِيهِ).
أَيْ فِي الْوَلَدِ لِأَنَّ مَاءَ الْأَمَةِ لَا يُعَارِضُ مَاءَهُ لِأَنَّ مَاءَهَا مَمْلُوكٌ لَهُ فَيَكُونُ الْمَاءَانِ لَهُ، بِخِلَافِ أَمَةِ الْغَيْرِ لِأَنَّ مَاءَهَا مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا فَتَحَقَّقَتْ الْمُعَارَضَةُ، وَوَلَدُهَا مِنْ زَوْجِهَا مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا لِتَعَارُضِ الْمَاءَيْنِ.
وَيُرَجَّحُ جَانِبُ الْأُمِّ بِأُمُورٍ: مِنْهَا الْحَضَانَةُ، وَفِيهِ نَظَرُ لِأَنَّ حَقَّ الْحَضَانَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَجِّحًا لِمَا هُوَ قَبْلَهَا.
وَمِنْهَا اسْتِهْلَاكُ مَائِهِ بِمَائِهَا لِكَوْنِ مَائِهَا فِي مَوْضِعِهِ.
وَمِنْهَا تَيَقُّنُ كَوْنِهِ مَخْلُوقًا مِنْ مَائِهَا بِخِلَافِ مَاءِ الزَّوْجِ وَكَانَ الْفِرَاشُ مِنْ جَانِبِهَا حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَمِنْ جَانِبِهِ حُكْمًا فَقَطْ وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لَا مَحَالَةَ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْوَلَدَ مَا دَامَ جَنِينًا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا كَيَدِهَا وَرِجْلِهَا إلَى أَنْ يَنْفَصِلَ حِسًّا وَشَرْعًا، أَمَّا حِسًّا فَإِنَّهُ يَتَنَفَّسُ بِنَفَسِهَا وَيَنْتَقِلُ بِانْتِقَالِهَا حَتَّى يُقْرَضَ بِالْمِقْرَاضِ عِنْدَ انْفِصَالِهِ مِنْهَا، وَأَمَّا شَرْعًا فَلِأَنَّهُ يَعْتِقُ بِعِتْقِهَا وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي إثْبَاتِهِ فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَيْهِ. (وَوَلَدُهَا مِنْ زَوْجِهَا مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا) لِتَرَجُّحِ جَانِبِ الْأُمِّ بِاعْتِبَارِ الْحَضَانَةِ أَوْ لِاسْتِهْلَاكِ مَائِهِ بِمَائِهَا وَالْمُنَافَاةُ مُتَحَقِّقَةٌ وَالزَّوْجُ قَدْ رَضِيَ بِهِ، بِخِلَافِ وَلَدِ الْمَغْرُورِ لِأَنَّ الْوَالِدَ مَا رَضِيَ بِهِ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَالْمُنَافَاةُ مُتَحَقِّقَةٌ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ التَّرْجِيحُ يُحْتَاجُ إلَيْهِ بَعْدَ التَّعَارُضِ وَتَقْرِيرُهُ: التَّعَارُضُ مَوْجُودٌ لِأَنَّ الْمُنَافَاةَ مُتَحَقِّقَةٌ، فَإِنَّهُ لَوْ اعْتَبَرَ جَانِبَ الْأُمِّ كَانَ مَمْلُوكًا لِسَيِّدِهَا، وَلَوْ اعْتَبَرَ جَانِبَ الْأَبِ لَا يَكُونُ مَمْلُوكًا لِسَيِّدِهَا فَثَبَتَتْ الْمُنَافَاةُ بِخِلَافِ الْوَلَدِ مِنْ الْمَوْلَى فَإِنَّهُ لِلْمَوْلَى: أَيُّ جَانِبٍ اُعْتُبِرَ.
وَقَوْلُهُ (وَالزَّوْجُ قَدْ رَضِيَ بِهِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إذَا اُعْتُبِرَ جَانِبُ الْأَمَةِ حَتَّى يَكُونَ الْوَلَدُ مَمْلُوكًا لِمَوْلَاهَا يَتَضَرَّرُ الْأَبُ وَالضَّرَرُ مَدْفُوعٌ شَرْعًا.
وَتَقْرِيرُهُ: الزَّوْجُ قَدْ رَضِيَ بِرِقِّ الْوَلَدِ حَيْثُ أَقْدَمَ عَلَى تَزَوُّجِ الْأَمَةِ عَالِمًا بِأَنَّ الْوَلَدَ يُرَقُّ بِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ الْوَلَدِ رَقِيقًا بِتَزَوُّجِ الْأَمَةِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ ثُبُوتِ هَذَا الْحُكْمِ فِي الشَّرْعِ وَكَلَامُنَا فِي شَرْعِيَّتِهِ.
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ وَلَدِ الْمَغْرُورِ) ظَاهِرٌ (وَوَلَدُ الْحُرَّةِ حُرٌّ عَلَى كُلِّ حَالٍ) لِأَنَّ جَانِبَهَا رَاجِحٌ فَيَتَّبِعُهَا فِي وَصْفِ الْحُرِّيَّةِ كَمَا يَتَّبِعُهَا فِي الْمَمْلُوكِيَّةِ والمرقوقية وَالتَّدْبِيرِ وَأُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ وَالْكِتَابَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
الشَّرْحُ:
(وَوَلَدُ الْحُرَّةِ حُرٌّ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِأَنَّ جَانِبَهَا رَاجِحٌ) عَلَى مَا ذَكَرْنَا (فَيَتْبَعُهَا فِي وَصْفِ الْحُرِّيَّةِ) كَمَا يَتْبَعُهَا فِي الْمَمْلُوكِيَّةِ والمرقوقية وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ لِتَغَايُرِهِمَا مِنْ حَيْثُ الْكَمَالُ وَالنُّقْصَانُ، فَإِنَّ فِي الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ الْمِلْكَ كَامِلٌ وَالرِّقَّ نَاقِصٌ وَفِي الْمُكَاتَبِ عَلَى عَكْسِهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ (وَالتَّدْبِيرُ وَأُمِّيَّةُ الْوَلَدِ وَالْكِتَابَةُ كَالتَّفْسِيرِ لِذَلِكَ) وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.