فصل: (فَصْلٌ آخِرُ) :

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: العناية شرح الهداية



.(فَصْلٌ فِي الْحَبْسِ):

قَالَ (وَإِذَا ثَبَتَ الْحَقُّ عِنْدَ الْقَاضِي وَطَلَبَ صَاحِبُ الْحَقِّ حَبْسَ غَرِيمِهِ لَمْ يُعَجِّلْ بِحَبْسِهِ وَأَمَرَهُ بِدَفْعِ مَا عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْحَبْسَ جَزَاءُ الْمُمَاطَلَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهَا، وَهَذَا إذَا ثَبَتَ الْحَقُّ بِإِقْرَارِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ كَوْنَهُ مُمَاطِلًا فِي أَوَّلِ الْوَهْلَةِ فَلَعَلَّهُ طَمِعَ فِي الْإِمْهَالِ فَلَمْ يَسْتَصْحِبْ الْمَالُ، فَإِذَا امْتَنَعَ بَعْدَ ذَلِكَ حَبَسَهُ لِظُهُورِ مَطْلِهِ، أَمَّا إذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ حَبَسَهُ كَمَا ثَبَتَ لِظُهُورِ الْمَطْلِ بِإِنْكَارِهِ.
قَالَ (فَإِنْ امْتَنَعَ حَبَسَهُ فِي كُلِّ دَيْنٍ لَزِمَهُ بَدَلًا عَنْ مَالٍ حَصَلَ فِي يَدِهِ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ أَوْ الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ كَالْمَهْرِ وَالْكَفَالَةِ) لِأَنَّهُ إذَا حَصَلَ الْمَالُ فِي يَدِهِ ثَبَتَ غِنَاهُ بِهِ، وَإِقْدَامُهُ عَلَى الْتِزَامِهِ بِاخْتِيَارِهِ دَلِيلُ يَسَارِهِ إذْ هُوَ لَا يَلْتَزِمُ إلَّا مَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَهْرِ مُعَجَّلُهُ دُونَ مُؤَجَّلِهِ.
قَالَ (وَلَا يَحْبِسُهُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ إذَا قَالَ إنِّي فَقِيرٌ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ غَرِيمُهُ أَنَّ لَهُ مَالًا فَيَحْبِسَهُ) لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ دَلَالَةُ الْيَسَارِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَعَلَى الْمُدَّعِي إثْبَاتُ غِنَاهُ، وَيُرْوَى أَنَّ الْقَوْلَ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْعُسْرَةُ.
وَيُرْوَى أَنَّ الْقَوْلَ لَهُ إلَّا فِيمَا بَدَلُهُ مَالٌ.
وَفِي النَّفَقَةِ الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ إنَّهُ مُعْسِرٌ، وَفِي إعْتَاقِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ الْقَوْلُ لِلْمُعْتِقِ، وَالْمَسْأَلَتَانِ تُؤَدِّيَانِ الْقَوْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ، وَالتَّخْرِيجُ عَلَى مَا قَالَ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ لَيْسَ بِدَيْنٍ مُطْلَقٍ بَلْ هُوَ صِلَةٌ حَتَّى تَسْقُطَ النَّفَقَةُ بِالْمَوْتِ عَلَى الِاتِّفَاقِ، وَكَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ضَمَانُ الْإِعْتَاقِ، ثُمَّ فِيمَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُدَّعِي إنَّ لَهُ مَالًا، أَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ فِيمَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ عَلَيْهِ يَحْبِسُهُ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ثُمَّ يَسْأَلُ عَنْهُ فَالْحَبْسُ لِظُهُورِ ظُلْمِهِ فِي الْحَالِ، وَإِنَّمَا يَحْبِسُهُ مُدَّةً لِيَظْهَرَ مَالُهُ لَوْ كَانَ يُخْفِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَمْتَدَّ الْمُدَّةُ لِيُفِيدَ هَذِهِ الْفَائِدَةَ فَقَدَّرَهُ بِمَا ذَكَرَهُ، وَيُرْوَى غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ التَّقْدِيرِ بِشَهْرٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ إلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ التَّقْدِيرَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْأَشْخَاصِ فِيهِ.
قَالَ (فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ خُلِّيَ سَبِيلُهُ) يَعْنِي بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ النَّظِرَةَ إلَى الْمَيْسَرَةِ فَيَكُونُ حَبْسُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ظُلْمًا؛.
وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إفْلَاسِهِ قَبْلَ الْمُدَّةِ تُقْبَلُ فِي رِوَايَةٍ، وَلَا تُقْبَلُ فِي رِوَايَةٍ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
قَالَ فِي الْكِتَابِ خُلِّيَ سَبِيلُهُ وَلَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غُرَمَائِهِ، وَهَذَا كَلَامٌ فِي الْمُلَازَمَةِ وَسَنَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الْحَجْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الشَّرْحُ:
فَصْلٌ فِي الْحَبْسِ:
لَمَّا كَانَ الْحَبْسُ مِنْ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ وَتَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ أَفْرَدَهُ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ} فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحَبْسُ، وَبِالسُّنَّةِ وَهُوَ مَا رُوِيَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبَسَ رَجُلًا بِالتُّهْمَةِ» خَلَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ سِجْنٌ، وَكَانَ يُحْبَسُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ الدِّهْلِيزِ حَيْثُ أَمْكَنَ، وَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَحْدَثَ السِّجْنَ بَنَاهُ مِنْ قَصَبٍ وَسَمَّاهُ نَافِعًا فَنَقَبَهُ اللُّصُوصُ فَبَنَى سِجْنًا مِنْ مَدَرٍ فَسَمَّاهُ مَخِيسًا؛ وَلِأَنَّ الْقَاضِيَ نُصِّبَ لِإِيصَالِ الْحُقُوقِ إلَى مُسْتَحِقِّيهَا فَإِنْ امْتَنَعَ الْمَطْلُوبُ مِنْ أَدَاءِ حَقِّ الطَّالِبِ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاضِي بُدٌّ مِنْ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى الْأَدَاءِ، وَلَا خِلَافَ أَنْ لَا جَبْرَ بِالضَّرْبِ فَيَكُونُ بِالْحَبْسِ أَوْلَى.
قَالَ (وَإِذَا ثَبَتَ الْحَقُّ عِنْدَ الْقَاضِي وَطَلَبَ صَاحِبُ الْحَقِّ حَبْسَ غَرِيمِهِ إلَخْ) إذَا ثَبَتَ الْحَقُّ عِنْدَ الْقَاضِي وَطَلَبَ صَاحِبُ الْحَقِّ حَبْسَ غَرِيمِهِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَثْبُتَ بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَمْ يُعَجِّلْ بِالْحَبْسِ وَأَمَرَهُ بِدَفْعِ مَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ جَزَاءُ الْمُمَاطَلَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهَا، وَإِذَا ثَبَتَ الْحَقُّ بِإِقْرَارِهِ لَمْ يَظْهَرْ كَوْنُهُ مُمَاطِلًا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ مِنْ حُجَّتِهِ أَنْ يَقُولَ ظَنَنْت أَنَّك تُمْهِلُنِي فَلَمْ أَسْتَصْحِبْ الْمَالَ فَإِنْ أَبَيْت أُوَفِّيك حَقَّك، فَإِنْ امْتَنَعَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ مَطْلُهُ فَيُحْبَسُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي حَبَسَهُ كَمَا سَبَقَ لِظُهُورِ الْمُمَاطَلَةِ بِإِنْكَارِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَكْسُ ذَلِكَ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الدَّيْنَ إذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَعْتَذِرَ وَيَقُولَ مَا عَلِمْت لَهُ دَيْنًا عَلَيَّ فَإِذَا عَلِمْت الْآنَ لَا أَتَوَانِي فِي قَضَائِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ مِثْلُ هَذَا الِاعْتِذَارِ فِي فَصْلِ الْإِقْرَارِ، وَالْمَالُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ فِي حَقِّ الْحَبْسِ يُحْبَسُ فِي الدِّرْهَمِ وَمَا دُونَهُ؛؛ لِأَنَّ مَانِعَ ذَلِكَ ظَالِمٌ فَيُجَازَى بِهِ، وَالْمَحْبُوسُ فِي الدَّيْنِ لَا يَخْرُجُ لِمَجِيءِ رَمَضَانَ وَالْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَالْجُمُعَةِ وَصَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ وَحَجَّةِ فَرِيضَةٍ وَحُضُورِهِ جِنَازَةَ بَعْضِ أَهْلِهِ وَمَوْتِ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ إذَا كَانَ ثَمَّةَ مَنْ يُكَفِّنُهُ وَيُغَسِّلُهُ،؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْمَيِّتِ تَصِيرُ مُقَامَةً بِغَيْرِهِ، وَفِي الْخُرُوجِ تَفْوِيتُ حَقِّ الطَّالِبِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَ الْقِيَامُ بِحَقِّ الْوَالِدَيْنِ.
وَلَيْسَ فِي هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْخُرُوجِ كَثِيرُ ضَرَرٍ لِلطَّالِبِ، وَإِنْ مَرِضَ وَلَهُ خَادِمٌ لَا يَخْرُجُ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِيَضْجَرَ قَلْبُهُ فَيَتَسَارَعُ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ وَبِالْمَرَضِ يَزْدَادُ الضَّجَرُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ أَخْرَجُوهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يُمَرِّضُهُ رُبَّمَا يَمُوتُ بِسَبَبِهِ وَهُوَ لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ، وَلَوْ احْتَاجَ إلَى الْجِمَاعِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ أَوْ جَارِيَتُهُ فَيَطَؤُهُمَا حَيْثُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْ قَضَاءِ شَهْوَةِ الْبَطْنِ فَكَذَا شَهْوَةُ الْفَرْجِ.
وَقِيلَ الْوَطْءُ لَيْسَ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ فَيَجُوزُ أَنْ يُمْنَعَ بِخِلَافِ الطَّعَامِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ دُخُولِ أَهْلِهِ وَجِيرَانِهِ عَلَيْهِ لِيُشَاوِرَهُمْ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ وَيُمْنَعُونَ مِنْ طُولِ الْمُكْثِ عِنْدَهُ.
قَالَ (فَإِنْ امْتَنَعَ حَبَسَهُ فِي كُلِّ دَيْنٍ لَزِمَهُ بَدَلًا إلَخْ) فَإِنْ امْتَنَعَ الْغَرِيمُ عَنْ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ حَبَسَهُ إذَا طَلَبَ الْخَصْمُ ذَلِكَ كَمَا مَرَّ وَلَا يَسْأَلُهُ عَنْ غِنَاهُ وَفَقْرِهِ فَإِنْ ادَّعَى الْإِعْسَارَ وَأَنْكَرَهُ الْمُدَّعِي اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي قَبُولِ دَعْوَاهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ دَيْنٍ لَزِمَهُ بِعَقْدٍ كَالثَّمَنِ وَالْمَهْرِ وَالْكَفَالَةِ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُدَّعِي، وَقَدْ ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ هَذَا الْقَوْلَ بِقَوْلِهِ حَبَسَهُ فِي كُلِّ دَيْنٍ لَزِمَهُ بَدَلًا عَنْ مَالٍ حَصَلَ فِي يَدِهِ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ أَوْ الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ كَالْمَهْرِ وَالْكَفَالَةِ، وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَصَلَ الْمَالُ فِي يَدِهِ ثَبَتَ غِنَاهُ بِهِ وَزَوَالُهُ عَنْ الْمِلْكِ مُحْتَمَلٌ وَالثَّابِتُ لَا يُتْرَكُ بِالْمُحْتَمَلِ، وَبِقَوْلِهِ وَإِقْدَامُهُ عَلَى الْتِزَامِهِ بِاخْتِيَارِهِ دَلِيلُ يَسَارِهِ إذْ هُوَ لَا يَلْتَزِمُ إلَّا بِمَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهِ، وَهَذَا يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ مَا كَانَ بَدَلًا عَنْ مَالٍ وَبَيْنَ مَا لَمْ يَكُنْ وَيَخْرُجُ عَنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ دَيْنًا مُطْلَقًا كَالنَّفَقَةِ وَغَيْرِهَا كَمَا سَنَذْكُرُهُ، وَالْمُرَادُ بِالْمَهْرِ مُعَجَّلُهُ دُونَ مُؤَجَّلِهِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِتَسْلِيمِ الْمُعَجَّلِ فَكَانَ إقْدَامُهُ عَلَى النِّكَاحِ دَلِيلًا عَلَى قُدْرَتِهِ.
قَالَ الْقُدُورِيُّ (وَلَا يَحْبِسُهُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ) يَعْنِي ضَمَانَ الْغَصْبِ وَأَرْشَ الْجِنَايَاتِ (إذَا قَالَ إنِّي فَقِيرٌ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ دَلَالَةُ الْيَسَارِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (إلَّا أَنْ يُثْبِتَ الْمُدَّعِي أَنَّ لَهُ مَالًا بِبَيِّنَةٍ فَيَحْبِسُهُ.
وَرَوَى الْخَصَّافُ عَنْ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ) أَيْ فِيمَا كَانَ بَدَلًا عَنْ مَالٍ وَمَا لَمْ يَكُنْ (لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْعُسْرَةُ) إذْ الْآدَمِيُّ يُولَدُ وَلَا مَالَ لَهُ، وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي عَارِضًا، وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْأَصْلِ حَتَّى يَظْهَرَ خِلَافُهُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَدْيُونِ مَعَ يَمِينِهِ (وَيُرْوَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ: إلَّا فِيمَا بَدَلُهُ مَالٌ) وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ عَرَفَ دُخُولَ شَيْءٍ فِي مِلْكِهِ وَزَوَالُهُ مُحْتَمَلٌ فَكَانَ الْقَوْلُ لِلْمُدَّعِي، وَمَا لَمْ يَكُنْ بَدَلُهُ مَالًا كَالْمَهْرِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ شَيْءٌ وَلَمْ يَعْرِفْ قُدْرَتَهُ عَلَى الْقَضَاءِ فَبَقِيَ مُتَمَسِّكًا بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْعُسْرَةُ، فَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ آخَرَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا فِي نَفَقَةِ الْمَحَارِمِ.
وَالْآخَرُ أَنْ يُحَكِّمَ الزِّيَّ إنْ كَانَ زِيَّ الْفُقَرَاءِ كَانَ الْقَوْلُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ زِيَّ الْأَغْنِيَاءِ كَانَ الْقَوْلُ لِلْمُدَّعِي إلَّا فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْأَشْرَافِ كَالْعَلَوِيَّةِ وَالْعَبَّاسِيَّةِ فَإِنَّهُمْ يَتَكَلَّفُونَ فِي الزِّيِّ مَعَ حَاجَتِهِمْ حَتَّى لَا يَذْهَبَ مَاءُ وَجْهِهِمْ فَلَا يَكُونُ الزِّيُّ فِيهِمْ دَلِيلَ الْيَسَارِ.
وَقَوْلُهُ: (وَفِي النَّفَقَةِ) بَيَانٌ لِمَا هُوَ الْمَحْفُوظُ مِنْ الرِّوَايَةِ.
ذَكَرَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ادَّعَتْ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ مُوسِرٌ وَادَّعَتْ نَفَقَةَ الْمُوسِرِينَ وَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ مُعْسِرٌ وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُعْسِرِينَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ.
وَفِي كِتَابِ الْعَتَاقِ أَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ إذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَبْدِ وَزَعَمَ أَنَّهُ مُعْسِرٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَهَاتَانِ مَسْأَلَتَانِ مَحْفُوظَتَانِ تُؤَيِّدَانِ الْقَوْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ.
أَمَّا تَأْيِيدُهُمَا لِلَّذِي كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ لِمَنْ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ فَلِأَنَّهُ جَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَ الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى مَعَ أَنَّهُمَا بَاشَرَا عَقْدَ النِّكَاحِ وَالْإِعْتَاقِ، فَلَوْ كَانَ الصَّحِيحُ مَا ذُكِرَ أَوَّلًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَرْأَةِ وَالشَّرِيكِ السَّاكِتِ فِي دَعْوَى الْيَسَارِ، وَأَمَّا تَأْيِيدُهُمَا لِلَّذِي كَانَ الْقَوْلُ لِمَنْ عَلَيْهِ إلَّا فِيمَا بَدَلُهُ مَالٌ فَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَدَلُ الْمَهْرِ وَبَدَلُ ضَمَانِ الْإِعْتَاقِ مَالًا جُعِلَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ عَلَيْهِ، فَعُلِمَ أَنَّ الصَّحِيحَ هُوَ الْقَوْلَانِ الْأَخِيرَانِ.
وَقَوْلُهُ: (وَالتَّخْرِيجُ عَلَى مَا قَالَ فِي الْكِتَابِ) يَعْنِي الْقُدُورِيَّ جَوَابٌ عَنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ نُصْرَةً لِلْمَذْكُورِ فِيهِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ: أَيْ النَّفَقَةَ عَلَى تَأْوِيلِ الْإِنْفَاقِ لَيْسَ بِدَيْنٍ مُطْلَقٍ بَلْ فِيهِ مَعْنَى الصِّلَةِ.
وَلِهَذَا تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ بِالْإِنْفَاقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الدَّيْنَ الصَّحِيحَ هُوَ مَا لَا يَسْقُطُ إلَّا بِإِبْرَاءِ مَنْ لَهُ أَوْ بِإِيفَاءِ مَنْ عَلَيْهِ، وَكَذَا ضَمَانُ الْإِعْتَاقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَحِينَئِذٍ لَا يَرُدُّ نَقْضًا عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ: حَبَسَهُ فِي كُلِّ دَيْنٍ لَزِمَهُ بَدَلًا عَنْ مَالٍ أَوْ الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّيْنِ هُوَ الْمُطْلَقُ مِنْهُ إذْ بِهِ يَحْصُلُ الِاسْتِدْلَال عَلَى الْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْخَلَاصُ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ وَمَمَاتِهِ مِنْ جِهَتِهِ إلَّا بِالْإِيفَاءِ وَأَقْدَمَ عَلَيْهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ فِيمَا كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ الْمُدَّعِي أَنَّ لَهُ مَالًا أَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ فِيمَا إذَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ عَلَيْهِ يَحْبِسُهُ الْحَاكِمُ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ثُمَّ يَسْأَلُ جِيرَانَهُ وَأَهْلَ خِبْرَتِهِ عَنْ يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ.
أَمَّا الْحَبْسُ فَلِظُهُورِ ظُلْمِهِ بِالْمَطْلِ فِي الْحَالِ، وَأَمَّا تَوْفِيَتُهُ فَلِأَنَّهُ لِإِظْهَارِ مَالِهِ إنْ كَانَ يُخْفِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ مُدَّةٍ لِيُفِيدَ هَذِهِ الْفَائِدَةَ فَقُدِّرَ بِمَا ذُكِرَ، وَيُرْوَى غَيْرُ التَّقْدِيرِ بِشَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ بِشَهْرٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ الطَّحَاوِيِّ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهُ عَاجِلٌ وَالشَّهْرُ آجِلٌ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: وَهُوَ أَرْفَقُ الْأَقَاوِيلِ فِي هَذَا الْبَابِ.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَقْدِيرٍ لَازِمٍ، بَلْ هُوَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْأَشْخَاصِ فِيهِ، فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَضْجَرُ فِي السِّجْنِ فِي مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْجَرُ كَثِيرَ ضَجَرٍ بِمِقْدَارِ تِلْكَ الْمُدَّةِ الَّتِي ضَجِرَ الْآخَرُ، فَإِنْ وَقَعَ فِي رَأْيِهِ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَضْجَرُ بِهَذِهِ الْمُدَّةِ وَيُظْهِرُ الْمَالَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَمْ يُظْهِرْ سَأَلَ عَنْ حَالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ سَأَلَ عَنْهُ فَقَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى عُسْرَتِهِ أَخْرَجَهُ الْقَاضِي مِنْ الْحَبْسِ وَلَا يَحْتَاجُ فِي الْبَيِّنَةِ إلَى لَفْظَةِ الشَّهَادَةِ وَالْعَدَدِ، بَلْ إذَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ ثِقَةٌ عَمِلَ بِقَوْلِهِ، وَالِاثْنَانِ أَحْوَطُ إذَا لَمْ يَكُنْ حَالَ مُنَازَعَةٍ، أَمَّا إذَا كَانَتْ كَمَا إذَا ادَّعَى الْمَطْلُوبُ الْإِعْسَارَ وَالطَّالِبُ الْيَسَارَ فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ مُعْسِرٌ خَلَّى سَبِيلَهُ، وَلَيْسَ هَذَا شَهَادَةً عَلَى النَّفْيِ؛ لِأَنَّ الْإِعْسَارَ بَعْدَ الْيَسَارِ أَمْرٌ حَادِثٌ فَتَكُونُ الشَّهَادَةُ بِأَمْرٍ حَادِثٍ لَا بِالنَّفْيِ، وَإِنْ اسْتَحْلَفَ الْمَطْلُوبُ الطَّالِبَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ مُعْدَمٌ حَلَّفَهُ الْقَاضِي، فَإِنْ نَكَلَ أَطْلَقَهُ وَإِنْ حَلَفَ أَبَّدَ الْحَبْسَ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: هَذَا السُّؤَالُ مِنْ الْقَاضِي عَنْ حَالِ الْمَدْيُونِ بَعْدَمَا حَبَسَهُ احْتِيَاطٌ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْإِعْسَارِ شَهَادَةٌ بِالنَّفْيِ وَهِيَ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَعْمَلَ بِرَأْيِهِ، وَلَكِنْ لَوْ سَأَلَ كَانَ أَحْوَطَ.
قِيلَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ قَبِلَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْيَسَارِ وَهُوَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْمِلْكِ وَتَعَذُّرِ الْقَضَاءِ بِهِ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ لَمْ يَشْهَدُوا بِمِقْدَارِهِ وَلَمْ يَقْبَلْ فِيمَا إذَا أَنْكَرَ الْمُشْتَرِي جِوَارَ السَّفِيهِ وَأَنْكَرَ مِلْكَهُ فِي الدَّارِ الَّتِي بِيَدِهِ فِي جَنْبِ الدَّارِ الْمُشْتَرَاةِ فَأَقَامَ الشَّفِيعُ بَيِّنَةً أَنَّ لَهُ نَصِيبًا فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَلَمْ يُبَيِّنُوا مِقْدَارَ نَصِيبِهِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الشَّاهِدَ عَلَى الْيَسَارِ شَاهِدٌ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَيْهِ إنَّمَا تَكُونُ بِمِلْكِ مِقْدَارِ الدَّيْنِ فَيَثْبُتُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ قَدْرُ الْمِلْكِ لِكَوْنِ قَدْرِ الدَّيْنِ مَعْلُومًا فِي نَفْسِهِ.
أَمَّا الشَّاهِدُ عَلَى النَّصِيبِ فَلَيْسَ بِشَاهِدٍ عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ فِي اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ سَوَاءٌ فَوَضَحَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
قَالَ (فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ خَلَّى سَبِيلَهُ إلَخْ) فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِلْمَحْبُوسِ مَالٌ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ الَّتِي رَآهَا الْقَاضِي بِرَأْيِهِ أَوْ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ الَّتِي اخْتَارَهَا بَعْضُ الْمَشَايِخِ كَشَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ أَوْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ خَلَّى سَبِيلَهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ النَّظِرَةَ إلَى الْمَيْسَرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ} فَكَانَ الْحَبْسُ بَعْدَهُ ظُلْمًا.
وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ جَعَلَ قَوْلَهُ يَعْنِي بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ خَلَّى سَبِيلَهُ فَقَالَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُخَلِّيهِ مَا لَمْ تَمْضِ الْمُدَّةُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا ذَكَرُوا فِي نُسَخِ أَدَبِ الْقَاضِي وَقَالُوا: وَإِذَا ثَبَتَ إعْسَارُهُ أَخْرَجَهُ مِنْ الْحَبْسِ، وَعَلَى مَا ذَكَرْنَا لَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إفْلَاسِهِ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ) بِأَنْ أَخْبَرَ وَاحِدٌ ثِقَةٌ أَوْ اثْنَانِ أَوْ شَهِدَ بِذَلِكَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ مُفْلِسٌ مُعْدَمٌ لَا نَعْلَمُ لَهُ مَالًا سِوَى كِسْوَتِهِ الَّتِي عَلَيْهِ وَثِيَابِ لَيْلِهِ وَقَدْ اخْتَبَرْنَا أَمْرَهُ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَفِيهِ رِوَايَتَانِ (تُقْبَلُ فِي رِوَايَةٍ وَلَا تُقْبَلُ فِي رِوَايَةٍ وَعَلَيْهَا عَامَّةُ الْمَشَايِخِ) وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْحَبْسِ؛ فَعَنْ مُحَمَّدٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ لَا يَحْبِسُهُ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الشَّيْخُ الْجَلِيلُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ وَهُوَ قَوْلُ إسْمَاعِيلَ بْنِ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وَفِي أُخْرَى وَعَلَيْهَا عَامَّةُ مَشَايِخِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى هَذِهِ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهَا عَلَى النَّفْيِ فَلَا تُقْبَلُ إلَّا إذَا تَأَيَّدَتْ بِمُؤَيِّدٍ وَقَبْلَ الْحَبْسِ مَا تَأَيَّدَتْ، فَإِذَا حُبِسَ وَمَضَتْ مُدَّةٌ فَقَدْ تَأَيَّدَتْ بِهِ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى خَلَاصِ نَفْسِهِ مِنْ مَرَارَةِ الْحَبْسِ لَا يَتَحَمَّلُهَا (قَالَ فِي الْكِتَابِ) أَيْ الْقُدُورِيُّ (خَلَّى سَبِيلَهُ وَلَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غُرَمَائِهِ وَهَذَا الْكَلَامُ) يَعْنِي الْمَنْعَ عَنْ مُلَازَمَةِ الْمَدْيُونِ بَعْدَ إخْرَاجِهِ مِنْ الْحَبْسِ (فِي الْمُلَازَمَةِ) هَلْ لِلطَّالِبِ ذَلِكَ أَوْ لَا (وَسَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ الْحَجْرِ بِسَبَبِ الدَّيْنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى). وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَجُلٌ أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي بِدَيْنٍ فَإِنَّهُ يَحْبِسُهُ ثُمَّ يَسْأَلُ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا أَبَّدَ حَبْسَهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا خَلَّى سَبِيلَهُ، وَمُرَادُهُ إذَا أَقَرَّ عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي أَوْ عِنْدَهُ مَرَّةً وَظَهَرَتْ مُمَاطَلَتُهُ وَالْحَبْسُ أَوَّلًا وَمُدَّتُهُ قَدْ بَيَّنَّاهُ فَلَا نُعِيدُهُ.
الشَّرْحُ:
(وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَجُلٌ أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي بِدَيْنٍ فَإِنَّهُ يَحْبِسُهُ ثُمَّ يَسْأَلُ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا أَبَّدَ حَبْسَهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا خَلَّى سَبِيلَهُ) وَهَذَا بِظَاهِرِهِ يُنَاقِضُ مَا ذَكَرَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ أَنَّ الْحَقَّ إذَا ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ لَا يَحْبِسُهُ أَوَّلَ وَهْلَةٍ فَيَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلٍ فَلِهَذَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ تَأْوِيلَهُ بِقَوْلِهِ (وَمُرَادُهُ) أَيْ مُرَادُ مُحَمَّدٍ (إذَا أَقَرَّ عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي أَوْ عِنْدَهُ مَرَّةً قَبْلَ ذَلِكَ فَظَهَرَتْ مُمَاطَلَتُهُ) وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مُعْتَمَدَ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ مِنْ الْعَكْسِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ لَكِنَّ الظَّاهِرَ هُوَ التَّأْوِيلُ (قَوْلُهُ: وَالْحَبْسُ أَوَّلًا) يَعْنِي أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ الْحَبْسِ أَوَّلًا وَمُدَّتُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا لَيْسَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا بَيَّنَّاهُ فَيُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ لَهَا فَلَا نُعِيدُهُ. قَالَ (وَيُحْبَسُ الرَّجُلُ فِي نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ) لِأَنَّهُ ظَالِمٌ بِالِامْتِنَاعِ (وَلَا يُحْبَسُ وَالِدٌ فِي دَيْنِ وَلَدِهِ) لِأَنَّهُ نَوْعُ عُقُوبَةٍ فَلَا يَسْتَحِقُّهُ الْوَلَدُ عَلَى الْوَالِدِ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ (إلَّا إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ) لِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءً لِوَلَدِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُتَدَارَكُ لِسُقُوطِهَا بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَيُحْبَسُ الرَّجُلُ فِي نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ إلَخْ) إذَا فَرَضَ الْقَاضِي عَلَى رَجُلٍ نَفَقَةَ زَوْجَتِهِ أَوْ اصْطَلَحَا عَلَى مِقْدَارٍ وَلَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا وَرَفَعَتْ إلَى الْحَاكِمِ حَبَسَهُ لِظُهُورِ ظُلْمِهِ بِالِامْتِنَاعِ (وَلَا يُحْبَسُ وَالِدٌ فِي دَيْنِ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ عُقُوبَةٍ فَلَا يَسْتَحِقُّهُ الْوَلَدُ عَلَى وَالِدِهِ كَالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ} (إلَّا إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءَ وَلَدِهِ) وَفِي تَرْكِهِ سَعْيٌ فِي هَلَاكِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُحْبَسَ الْوَالِدُ لِقَصْدِهِ إتْلَافَ مَالِ الْوَلَدِ (وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَلَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهَا) وَسَائِرُ الدُّيُونِ لَمْ تَسْقُطْ بِهِ فَافْتَرَقَا، وَكَذَا لَا يُحْبَسُ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَإِنْ كَانَ حُبِسَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَكَذَا الْعَبْدُ لِمَوْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَيْهِ دَيْنًا، وَكَذَا الدَّيْنُ مُكَاتَبَةً إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ لِوُقُوعِ الْمُقَاصَّةِ، وَإِذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ لَا تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ، وَالْمُكَاتَبُ فِي حَقِّ أَكْسَابِهِ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ فَيُحْبَسُ الْمَوْلَى لِأَجْلِهِ، وَكَذَا الْمُكَاتَبُ لِدَيْنِ الْكِتَابَةِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ إسْقَاطِهِ فَلَا يَكُونُ بِالْمَنْعِ ظَالِمًا وَيُحْبَسُ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْفَسْخِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الدَّيْنِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
وَقِيلَ تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ تَعْجِيزِ نَفْسِهِ فَيَسْقُطُ بِهِ الدَّيْنُ عَنْهُ كَدَيْنِ الْكِتَابَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

.(بَابُ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي):

قَالَ (وَيُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِي الْحُقُوقِ إذَا شَهِدَ بِهِ عِنْدَهُ) لِلْحَاجَةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ (فَإِنْ شَهِدُوا عَلَى خَصْمٍ حَاضِرٍ حَكَمَ بِالشَّهَادَةِ) لِوُجُودِ الْحُجَّةِ (وَكَتَبَ بِحُكْمِهِ) وَهُوَ الْمَدْعُوُّ سِجِلًّا (وَإِنْ شَهِدُوا بِهِ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْخَصْمِ لَمْ يَحْكُمْ) لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ (وَكَتَبَ بِالشَّهَادَةِ) لِيَحْكُمَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ بِهَا وَهَذَا هُوَ الْكِتَابُ الْحُكْمِيُّ، وَهُوَ نَقْلُ الشَّهَادَةِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَيَخْتَصُّ بِشَرَائِطَ نَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَجَوَازُهُ لِمِسَاسِ الْحَاجَةِ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ قَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْجَمْعُ بَيْنَ شُهُودِهِ وَخَصْمِهِ فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ.
وَقَوْلُهُ (فِي الْحُقُوقِ) يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ الدَّيْنُ وَالنِّكَاحُ وَالنَّسَبُ وَالْمَغْصُوبُ وَالْأَمَانَةُ الْمَجْحُودَةُ وَالْمُضَارَبَةُ الْمَجْحُودَةُ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ، وَهُوَ يُعْرَفُ بِالْوَصْفِ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْإِشَارَةِ، وَيُقْبَلُ فِي الْعَقَارِ أَيْضًا لِأَنَّ التَّعْرِيفَ فِيهِ بِالتَّحْدِيدِ.
الشَّرْحُ:
(بَابُ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي) أَوْرَدَ هَذَا الْبَابَ بَعْدَ فَصْلِ الْحَبْسِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ عَمَلِ الْقَضَاءِ أَيْضًا، إلَّا أَنَّ السِّجْنَ يَتِمُّ بِقَاضٍ وَاحِدٍ وَهَذَا بِاثْنَيْنِ، وَالْوَاحِدُ قَبْلَ الِاثْنَيْنِ، وَالْقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَ الْعَمَلِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ عِبَارَتِهِ، وَلَوْ حَضَرَ بِنَفْسِهِ مَجْلِسَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَعَبَّرَ بِلِسَانِهِ عَمَّا فِي الْكِتَابِ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ الْقَاضِي فَكَيْفَ بِالْكِتَابِ وَفِيهِ شُبْهَةُ التَّزْوِيرِ إذْ الْخَطُّ يُشْبِهُ الْخَطَّ وَالْخَاتَمُ الْخَاتَمَ إلَّا أَنَّهُ جُوِّزَ لِحَاجَةِ النَّاسِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَوَّزَهُ كَذَلِكَ وَعَلَيْهِ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ.
قَالَ (وَيُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِي الْحُقُوقِ إلَخْ) يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِي حُقُوقٍ تَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ دُونَ مَا يَنْدَرِئُ بِهَا إذَا شُهِدَ بِهِ بِضَمِّ الشِّينِ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ لِلْحَاجَةِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: الْمُسَمَّى سِجِلًّا، وَالْمُسَمَّى الْكِتَابُ الْحُكْمِيُّ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ إمَّا أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى خَصْمٍ أَوْ لَا، وَتَنْكِيرُهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذْ لَوْ كَانَ إيَّاهُ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى الْكِتَابِ، وَالْكِتَابُ لابد مِنْهُ لِئَلَّا يَقَعَ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ، فَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَصْمًا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ حَكَمَ بِالشَّهَادَةِ لِوُجُودِ الْحُجَّةِ وَكَتَبَ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْمَدْعُوّ سِجِلًّا؛ لِأَنَّ السِّجِلَّ لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ الْحُكْمِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَمْ يَحْكُمْ؛ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ وَهُوَ عِنْدَنَا لَا يَجُوزُ، وَكَتَبَ بِالشَّهَادَةِ لِيَحْكُمَ بِهَا الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ وَهُوَ الْكِتَابُ الْحُكْمِيُّ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَوَّلَ إذَا وَصَلَ إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ إلَّا التَّنْفِيذُ وَافَقَ رَأْيَهُ أَوْ خَالَفَهُ لِاتِّصَالِ الْحُكْمِ بِهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنْ وَافَقَهُ نَفَّذَهُ وَإِلَّا فَلَا لِعَدَمِ اتِّصَالِ الْحُكْمِ بِهِ، وَقَدْ يُشِيرُ إلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَهُوَ نَقْلُ الشَّهَادَةِ فِي الْحَقِيقَةِ وَتَخْتَصُّ بِشَرَائِطَ مِنْهَا الْعُلُومُ الْخَمْسَةُ، وَهِيَ أَنْ تَكُونَ مِنْ مَعْلُومٍ إلَى مَعْلُومٍ فِي مَعْلُومٍ لِمَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ، وَسَنَذْكُرُ مَا عَدَاهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ (قَوْلُهُ: وَجَوَازُهُ) هُوَ الْمَوْعُودُ بِقَوْلِهِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ، وَهُوَ يُشِيرُ إلَى أَنَّ جَوَازَهُ ثَابِتٌ بِمُشَابَهَتِهِ لِلشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ لِاتِّحَادِ الْمَنَاطِ وَهُوَ تَعَذُّرُ الْجَمْعِ بَيْنَ الشُّهُودِ وَالْخَصْمِ، فَكَمَا جُوِّزَ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ لِإِحْيَاءِ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَكَذَا جُوِّزَ الْكِتَابُ لِذَلِكَ، وَلَا يُرَادُ بِالْمُشَابَهَةِ الْقِيَاسُ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ فَيُرَادُ بِهِ الِاتِّحَادُ فِي مَنَاطِ الِاسْتِحْسَانِ.
وَقَوْلُهُ (): يَعْنِي الْقُدُورِيَّ (فِي الْحُقُوقِ يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ الدَّيْنُ وَالنِّكَاحُ وَالنَّسَبُ وَالْمَغْصُوبُ) وَالْأَمَانَةُ الْمَجْحُودَةُ (وَالْمُضَارَبَةُ الْمَجْحُودَةُ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ) وَالدَّيْنُ يَجُوزُ فِيهِ الْكِتَابُ فَكَذَا فِيمَا كَانَ فِي مَنْزِلَتِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ يُعْرَفُ) أَيْ الدَّيْنُ (يُعْرَفُ بِالْوَصْفِ) يُشِيرُ إلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: إلَى أَنَّ الدَّيْنَ إنَّمَا يَجُوزُ فِيهِ الْكِتَابُ؛ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِالْوَصْفِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِشَارَةِ، وَإِلَى أَنَّ مَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْإِشَارَةِ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْكِتَابُ، وَإِلَى أَنَّ الْأُمُورَ الْمَذْكُورَةَ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ فِي أَنَّهَا تُعْرَفُ بِالْوَصْفِ لَا تَحْتَاجُ إلَى الْإِشَارَةِ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ مَا سِوَى الدَّيْنِ يَحْتَاجُ إلَيْهَا فَإِنَّ الشَّاهِدَ يَحْتَاجُ إلَى الْإِشَارَةِ إلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي دَعْوَى النِّكَاحِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَكَذَلِكَ فِي الْبَاقِي فَكَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ، وَكِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي لَا يَجُوزُ فِيهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِشَارَةَ إلَى الْخَصْمِ شَرْطٌ فِيمَا ذَكَرْت وَهُوَ لَيْسَ بِمُدَّعًى بِهِ إنَّمَا هُوَ نَفْسُ النِّكَاحِ وَالْأَمَانَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنْ الْأَفْعَالِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِشَارَةَ إلَى الدَّائِنِ وَالْمَدْيُونِ لابد مِنْهَا عِنْدَ دَعْوَى الدَّيْنِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَانِعٍ بِالْإِجْمَاعِ (وَيُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِي الْعَقَارِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ فِيهِ بِالتَّحْدِيدِ) وَذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِشَارَةِ. وَلَا يُقْبَلُ فِي الْأَعْيَانِ الْمَنْقُولَةِ لِلْحَاجَةِ إلَى الْإِشَارَةِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يُقْبَلُ فِي الْعَبْدِ دُونَ الْأَمَةِ لِغَلَبَةِ الْإِبَاقِ فِيهِ دُونَهَا.
وَعَنْهُ أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِمَا بِشَرَائِطَ تُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهَا.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يُقْبَلُ فِي جَمِيعِ مَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ وَعَلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ.
الشَّرْحُ:
وَلَا يُقْبَلُ فِي الْأَعْيَانِ الْمَنْقُولَةِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَلِهَذَا لَمْ يُجَوِّزَاهُ فِي الْعَبِيدِ وَالْجَوَارِي (وَاسْتَحْسَنَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْعَبِيدِ دُونَ الْإِمَاءِ لِغَلَبَةِ الْإِبَاقِ فِي الْعَبْدِ دُونَ الْأَمَةِ) فَإِنَّ الْعَبْدَ يَخْدُمُ خَارِجَ الْبَيْتِ غَالِبًا فَيَقْدِرُ عَلَى الْإِبَاقِ فَتَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى الْكِتَابِ بِخِلَافِ الْأَمَةِ فَإِنَّهَا تَخْدُمُ دَاخِلَ الْبَيْتِ غَالِبًا (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِمَا بِشَرَائِطَ تُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهَا) يَعْنِي الْكُتُبَ الْمَبْسُوطَةَ كَالْمَبْسُوطِ وَشُرُوحِ أَدَبِ الْقَاضِي.
وَصِفَةُ ذَلِكَ بُخَارِيٌّ أَبَقَ عَبْدٌ لَهُ إلَى سَمَرْقَنْدَ مَثَلًا فَأَخَذَهُ سَمَرْقَنْدِيٌّ وَشُهُودُ الْمَوْلَى بِبُخَارَى فَطَلَبَ مِنْ قَاضِي بُخَارَى أَنْ يَكْتُبَ بِشَهَادَةِ شُهُودِهِ عِنْدَهُ يُجِيبُ إلَى ذَلِكَ وَيَكْتُبُ: شَهِدَ عِنْدِي فُلَانٌ وَفُلَانٌ بِأَنَّ الْعَبْدَ الَّذِي مِنْ صِفَتِهِ كَيْتَ وَكَيْتَ مِلْكُ فُلَانٍ الْمُدَّعِي وَهُوَ الْيَوْمَ بِسَمَرْقَنْدَ بِيَدِ فُلَانٍ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيُشْهِدُ عَلَى كِتَابِهِ شَاهِدَيْنِ وَيُعْلِمُهُمَا مَا فِيهِ وَيُرْسِلُهُمَا إلَى سَمَرْقَنْدَ، فَإِذَا انْتَهَى إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ يَحْضُرُ الْعَبْدُ مَعَ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ يَشْهَدَا عِنْدَهُ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ وَبِمَا فِيهِ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا وَيُفْتَحُ الْكِتَابُ وَيُدْفَعُ الْعَبْدُ إلَى الْمُدَّعِي وَلَا يُقْضَى لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ شَاهِدَيْ الْمِلْكِ لَمْ تَكُنْ بِحَضْرَةِ الْعَبْدِ وَيَأْخُذُ كَفِيلًا مِنْ الْمُدَّعِي بِنَفْسِ الْعَبْدِ وَيَجْعَلُ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ خَاتَمًا مِنْ رَصَاصٍ كَيْ لَا يُتَّهَمَ الْمُدَّعِي بِالسَّرِقَةِ، وَيَكْتُبُ كِتَابًا إلَى قَاضِي بُخَارَى وَيُشْهِدُ شَاهِدَيْنِ عَلَى كِتَابِهِ وَخَتْمِهِ وَعَلَى مَا فِي الْكِتَابِ، فَإِذَا وَصَلَ إلَى قَاضِي بُخَارَى وَشَهِدَا بِالْكِتَابِ وَخَتْمِهِ أَمَرَ الْمُدَّعِيَ بِإِعَادَةِ شُهُودِهِ لِيَشْهَدُوا بِالْإِشَارَةِ إلَى الْعَبْدِ أَنَّهُ حَقُّهُ وَمِلْكُهُ، فَإِذَا شَهِدُوا بِذَلِكَ قَضَى لَهُ بِالْعَبْدِ وَكَتَبَ إلَى ذَلِكَ الْقَاضِي بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِيَبْرَأَ كَفِيلُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ قَاضِيَ بُخَارَى لَا يَقْضِي لِلْمُدَّعِي بِالْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ غَائِبٌ، وَلَكِنْ يَكْتُبُ كِتَابًا آخَرَ إلَى قَاضِي سَمَرْقَنْدَ فِيهِ مَا جَرَى عِنْدَهُ وَيُشْهِدُ شَاهِدَيْنِ عَلَى كِتَابِهِ وَخَتْمِهِ وَمَا فِيهِ وَيَبْعَثُ بِالْعَبْدِ إلَى سَمَرْقَنْدَ حَتَّى يَقْضِيَ لَهُ بِحَضْرَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ إلَيْهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَيَبْرَأُ الْكَفِيلُ، وَصِفَةُ الْكِتَابِ فِي الْجَوَارِي صِفَتُهُ فِي الْعَبِيدِ غَيْرَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَدْفَعُ الْجَارِيَةَ إلَى الْمُدَّعِي وَلَكِنَّهُ يَبْعَثُ بِهَا مَعَهُ عَلَى يَدِ أَمِينٍ لِئَلَّا يَطَأَهَا قَبْلَ الْقَضَاءِ بِالْمِلْكِ زَاعِمًا أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَالَا: هَذَا اسْتِحْسَانٌ فِيهِ بَعْضُ قُبْحٍ، فَإِنَّهُ إذَا دَفَعَ إلَيْهِ الْعَبْدَ يَسْتَخْدِمُهُ قَهْرًا وَيَسْتَعْمِلُهُ فَيَأْكُلُ مِنْ غَلَّتِهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِالْمِلْكِ وَرُبَّمَا يَظْهَرُ الْعَبْدُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْحِلْيَةَ وَالصِّفَةَ تَشْتَبِهَانِ فَإِنَّ الْمُخْتَلِفَيْنِ قَدْ يَتَّفِقَانِ فِي الْحُلِيِّ وَالصِّفَاتِ فَالْأَخْذُ بِالْقِيَاسِ أَوْلَى (وَعَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يُقْبَلُ فِي جَمِيعِ مَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ وَعَلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ) وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ. قَالَ (وَلَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ) لِأَنَّ الْكِتَابَ يُشْبِهُ الْكِتَابَ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِحُجَّةٍ تَامَّةٍ وَهَذَا لِأَنَّهُ مُلْزِمٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الْحُجَّةِ، بِخِلَافِ كِتَابِ الِاسْتِئْمَانِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُلْزِمٍ، وَبِخِلَافِ رَسُولِ الْقَاضِي إلَى الْمُزَكَّى وَرَسُولِهِ إلَى الْقَاضِي لِأَنَّ الْإِلْزَامَ بِالشَّهَادَةِ لَا بِالتَّزْكِيَةِ.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَلَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ إلَخْ) لَا يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي إلَّا بِحُجَّةٍ تَامَّةٍ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَمَّا اشْتِرَاطُ الْحُجَّةِ فَلِأَنَّهُ مُلْزِمٌ وَلَا إلْزَامَ بِدُونِهَا، وَأَمَّا قَبُولُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فَلِأَنَّهُ حَقٌّ لَا يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ وَهُوَ مِمَّا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ فَيُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ، وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يَقُولُ بِجَوَازِ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ قِيَاسًا عَلَى كِتَابِ أَهْلِ الْحَرْبِ.
وَأَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ كِتَابِ الِاسْتِئْمَانِ: يَعْنِي إذَا جَاءَ مِنْ مَلِكِ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي طَلَبِ الْأَمَانِ فَإِنَّهُ مَقْبُولٌ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، حَتَّى لَوْ أَمَّنَهُ الْإِمَامُ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُلْزِمٍ، فَإِنَّ لِلْإِمَامِ رَأْيًا فِي الْأَمَانِ وَتَرْكِهِ، وَبِخِلَافِ رَسُولِ الْقَاضِي إلَى الْمُزَكِّي وَعَكْسِهِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ الْإِلْزَامَ عَلَى الْحَاكِمِ لَيْسَ بِالتَّزْكِيَةِ بَلْ هُوَ بِالشَّهَادَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَضَى بِالشَّهَادَةِ بِلَا تَزْكِيَةٍ صَحَّ، وَقَوْلُهُ: وَبِخِلَافِ رَسُولِ الْقَاضِي إلَى الْمُزَكِّي قِيلَ قَدْ يُشِيرُ إلَى أَنَّ رَسُولَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي غَيْرُ مُعْتَبَرٍ أَصْلًا فِي حَقِّ لُزُومِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ وَبِغَيْرِهَا، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي اتِّحَادَ كِتَابِهِ وَرَسُولِهِ فِي الْقَبُولِ كَمَا فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهُ كَمَا يَنْعَقِدُ بِكِتَابِهِ يَنْعَقِدُ بِرَسُولِهِ أَوْ اتِّحَادُهُمَا فِي عَدَمِهِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى جَوَازَهُمَا، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا وُرُودُ الْأَثَرِ فِي جَوَازِ الْكِتَابِ وَإِجْمَاعُ التَّابِعِينَ عَلَى الْكِتَابِ دُونَ الرَّسُولِ فَبَقِيَ عَلَى الْقِيَاسِ.
وَالثَّانِي أَنَّ الْكِتَابَ كَالْخِطَابِ وَالْكِتَابُ وُجِدَ مِنْ مَوْضِعِ الْقَضَاءِ فَكَانَ كَالْخِطَابِ مِنْ مَوْضِعِ الْقَضَاءِ فَيَكُونُ حُجَّةً، وَأَمَّا الرَّسُولُ فَقَائِمٌ مَقَامَ الْمُرْسِلِ، وَالْمُرْسِلُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَيْسَ بِقَاضٍ، وَقَوْلُ الْقَاضِي فِي غَيْرِ مَوْضِعِ قَضَائِهِ كَقَوْلِ وَاحِدٍ مِنْ الرَّعَايَا. قَالَ (وَيَجِبُ أَنْ يَقْرَأَ الْكِتَابَ عَلَيْهِمْ لِيَعْرِفُوا مَا فِيهِ أَوْ يُعْلِمَهُمْ بِهِ) لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ بِدُونِ الْعِلْمِ (ثُمَّ يَخْتِمُهُ بِحَضْرَتِهِمْ وَيُسَلِّمُهُ إلَيْهِمْ) كَيْ لَا يُتَوَهَّمَ التَّغْيِيرُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، لِأَنَّ عِلْمَ مَا فِي الْكِتَابِ وَالْخَتْمِ بِحَضْرَتِهِمْ شَرْطٌ، وَكَذَا حِفْظُ مَا فِي الْكِتَابِ عِنْدَهُمَا وَلِهَذَا يُدْفَعُ إلَيْهِمْ كِتَابٌ آخَرُ غَيْرُ مَخْتُومٍ لِيَكُونَ مَعَهُمْ مُعَاوَنَةٌ عَلَى حِفْظِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ آخِرًا: شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَالشَّرْطُ أَنْ يُشْهِدَهُمْ أَنَّ هَذَا كِتَابُهُ وَخَتْمُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْخَتْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ أَيْضًا فَسَهَّلَ فِي ذَلِكَ لَمَّا اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ وَلَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ.
وَاخْتَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
قَالَ (وَإِذَا وَصَلَ إلَى الْقَاضِي لَمْ يَقْبَلْهُ إلَّا بِحَضْرَةِ الْخَصْمِ) لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِهِ، بِخِلَافِ سَمَاعِ الْقَاضِي الْكَاتِبَ لِأَنَّهُ لِلنَّقْلِ لَا لِلْحُكْمِ.
قَالَ (فَإِذَا سَلَّمَهُ الشُّهُودُ إلَيْهِ نَظَرَ إلَى خَتْمِهِ، فَإِذَا شَهِدُوا أَنَّهُ كِتَابُ فُلَانٍ الْقَاضِي سَلَّمَهُ إلَيْنَا فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَرَأَهُ عَلَيْنَا وَخَتَمَهُ فَتَحَهُ الْقَاضِي وَقَرَأَهُ عَلَى الْخَصْمِ وَأَلْزَمَهُ مَا فِيهِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ كِتَابُهُ وَخَاتَمُهُ قَبِلَهُ عَلَى مَا مَرَّ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْكِتَابِ ظُهُورُ الْعَدَالَةِ لِلْفَتْحِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَفُضُّ الْكِتَابَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْعَدَالَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ رَحِمَهُ اللَّهُ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ الشُّهُودِ وَإِنَّمَا يُمْكِنُهُمْ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ بَعْدَ قِيَامِ الْخَتْمِ، وَإِنَّمَا يَقْبَلُهُ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ إذَا كَانَ الْكَاتِبُ عَلَى الْقَضَاءِ، حَتَّى لَوْ مَاتَ أَوْ عُزِلَ أَوْ لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ قَبْلَ وُصُولِ الْكِتَابِ لَا يَقْبَلُهُ لِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِوَاحِدٍ مِنْ الرَّعَايَا، وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ إخْبَارُهُ قَاضِيًا آخَرَ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ أَوْ فِي غَيْرِ عَمَلِهِمَا، وَكَذَا لَوْ مَاتَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ إلَّا إذَا كَتَبَ إلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ قَاضِي بَلْدَةِ كَذَا وَإِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ غَيْرَهُ صَارَ تَبَعًا لَهُ وَهُوَ مُعَرَّفٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَتَبَ ابْتِدَاءً إلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ عَلَى مَا عَلَيْهِ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَرَّفٍ، وَلَوْ كَانَ مَاتَ الْخَصْمُ يَنْفُذُ الْكِتَابُ عَلَى وَارِثِهِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَيَجِبُ أَنْ يَقْرَأَ الْكِتَابَ عَلَيْهِمْ لِيَعْرِفُوا مَا فِيهِ إلَخْ) شَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عِلْمَ مَا فِي الْكِتَابِ وَحِفْظَهُ وَالْخَتْمَ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ، وَلِهَذَا يَجِبُ أَنْ يَقْرَأَ الْكَاتِبُ كِتَابَهُ عَلَيْهِمْ لِيَعْرِفُوا مَا فِيهِ أَوْ يُعْلِمَهُمْ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ إنْ لَمْ يَعْلَمُوا مَا فِيهِ كَانَتْ شَهَادَتُهُمْ بِلَا عِلْمٍ وَهِيَ بَاطِلَةٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهْم يَعْلَمُونَ} وَيَخْتِمُهُ بِحَضْرَتِهِمْ وَيُسَلِّمُهُ إلَى الشُّهُودِ كَيْ لَا يُتَوَهَّمَ التَّغْيِيرُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ خَتْمٍ أَوْ بِيَدِ الْخَصْمِ وَهَذَا قَوْلُهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنَّهُ يَدْفَعُ الْكِتَابَ إلَى الطَّالِبِ وَهُوَ الْمُدَّعِي وَيَدْفَعُ إلَيْهِمْ كِتَابًا آخَرَ غَيْرَ مَخْتُومٍ لِيَكُونَ مَعَهُمْ مُعَاوَنَةً عَلَى حِفْظِهِمْ، فَإِنْ فَاتَ شَيْءٌ مِنْ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ لَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ آخِرًا: شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، بَلْ إذَا أَشْهَدَهُمْ الْقَاضِي أَنَّ هَذَا كِتَابَهُ وَخَتَمَهُ فَشَهِدُوا عَلَى الْكِتَابِ وَالْخَتْمِ عِنْدَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ كَانَ كَافِيًا.
وَعَنْهُ أَنَّ الْخَتْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ أَيْضًا سَهَّلَ فِي ذَلِكَ لَمَّا اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ، وَإِنَّمَا قَالَ آخِرًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَاخْتَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ تَيْسِيرًا عَلَى النَّاسِ.
قَالَ (وَإِذَا وَصَلَ إلَى الْقَاضِي لَمْ يَقْبَلْهُ إلَّا بِحَضْرَةِ الْخَصْمِ إلَخْ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِجَانِبِ الْقَاضِي الْكَاتِبِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِجَانِبِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ، فَإِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ إلَيْهِ لَمْ يَقْبَلْهُ إلَّا بِحَضْرَةِ الْخَصْمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَحْضَرِ الْخَصْمِ، فَكَذَلِكَ هَذَا، بِخِلَافِ سَمَاعِ الْقَاضِي الْكَاتِبَ فَإِنَّهُ جَازَ بِغَيْبَةِ الْخَصْمِ؛ لِأَنَّ سَمَاعَهُ لَيْسَ لِلْحُكْمِ بَلْ لِلنَّقْلِ فَكَانَ جَائِزًا وَإِنْ كَانَ بِغَيْبَتِهِ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَقْبَلُهُ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ الْخَصْمِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ يَخْتَصُّ بِالْمَكْتُوبِ إلَيْهِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهُ، وَالْحُكْمُ بَعْدَ ذَلِكَ يَقَعُ بِمَا عَلِمَهُ مِنْ الْكِتَابِ فَاعْتُبِرَ حُضُورُ الْخَصْمِ عِنْدَ الْحُكْمِ بِهِ.
قَالَ (فَإِذَا سَلَّمَهُ الشُّهُودُ إلَيْهِ إلَخْ) إذَا سَلَّمَ الشُّهُودُ الْكِتَابَ إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ نَظَرَ إلَى خَتْمِهِ، فَإِذَا شَهِدُوا أَنَّ هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ الْقَاضِي سَلَّمَهُ إلَيْنَا فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَرَأَهُ عَلَيْنَا وَخَتَمَهُ فَتَحَهُ الْقَاضِي وَقَرَأَهُ عَلَى الْخَصْمِ وَأَلْزَمَهُ بِمَا فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ كِتَابُ فُلَانٍ وَخَاتَمُهُ قَبِلَهُ وَفَتَحَهُ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْقُدُورِيِّ ظُهُورَ الْعَدَالَةِ لِلْفَتْحِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ فَإِذَا شَهِدُوا وَعُدِّلُوا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَفُضُّ الْكِتَابَ: أَيْ يَفْتَحُهُ بَعْدَ الْعَدَالَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَظْهَرْ الْعَدَالَةُ رُبَّمَا احْتَاجَ الْمُدَّعِي إلَى أَنْ يَزِيدَ فِي شُهُودِهِ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُهُمْ أَدَاءُ الشَّهَادَة بَعْدَ قِيَامِ الْخَتْمِ لِيَشْهَدُوا أَنَّ هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ الْقَاضِي وَخَتْمُهُ، فَأَمَّا إذَا فَكَّ الْخَاتَمَ فَلَا يُمْكِنُهُمْ ذَلِكَ، وَهَذَا يَرَى أَنَّهُ دَوْرٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ الشُّهُودِ إذَا كَانَتْ الْعَدَالَةُ شَرْطًا وَلَمْ تَظْهَرْ، فَأَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ شَرْطًا فَكَمَا أَدَّوْا الشَّهَادَةَ جَازَ فَضُّهَا فَلَا يُحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ شُهُودٍ.
وَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ شُهُودٍ بَعْدَ الْفَتْحِ بَلْ يُحْتَاجُ إلَيْهَا إذَا طَعَنَ الْخَصْمُ وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَتْمِ وَذَلِكَ بَعْدَ الْفَتْحِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ فَكَّ الْخَاتَمِ نَوْعُ عَمَلٍ بِالْكِتَابِ، وَالْكِتَابُ لَا يُعْمَلُ بِهِ مَا لَمْ تَظْهَرْ عَدَالَةُ الشُّهُودِ عَلَى الْكِتَابِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فَكَّ الْخَاتَمِ عَمَلٌ لِلْكِتَابِ لَا بِهِ، وَلَعَلَّ الْأَصَحَّ مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ تَجْوِيزِ الْفَتْحِ عِنْدَ شَهَادَةِ الشُّهُودِ بِالْكِتَابِ وَالْخَتْمِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِعَدَالَةِ الشُّهُودِ، كَذَا نَقَلَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي الْمُغْنِي.
وَالْمَكْتُوبُ إلَيْهِ إنَّمَا يَقْبَلُ الْكِتَابَ إذَا كَانَ الْكَاتِبُ عَلَى الْقَضَاءِ حَتَّى لَوْ مَاتَ أَوْ عُزِلَ أَوْ خَرَجَ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ بِجُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ فِسْقٍ إذَا تَوَلَّى وَهُوَ عَدْلٌ ثُمَّ فَسَقَ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ قَبْلَ وُصُولِ الْكِتَابِ أَوْ بَعْدَ الْوُصُولِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ بَطَلَ الْكِتَابُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْأَمَانِي: يُعْمَلُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ بِكِتَابِهِ يَنْقُلُ شَهَادَةَ الَّذِينَ شَهِدُوا عِنْدَهُ بِالْحَقِّ إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَالنَّقْلُ قَدْ تَمَّ بِالْكِتَابِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ شُهُودِ الْفُرُوعِ إذَا مَاتُوا بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْقَضَاءَ.
وَلَنَا الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ وَهُوَ أَنَّ الْكَاتِبَ وَإِنْ كَانَ نَاقِلًا إلَّا أَنَّ هَذَا النَّقْلَ لَهُ حُكْمُ الْقَضَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ الْقَاضِي وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْعَدَدُ وَلَفْظَةُ الشَّهَادَةِ، وَوَجَبَ عَلَى الْكَاتِبِ هَذَا النَّقْلُ لِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ، وَمَا وَجَبَ عَلَى الْقَاضِي بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ قَضَاءٌ لَكِنَّهُ غَيْرُ تَامٍّ؛ لِأَنَّ تَمَامَهُ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ، وَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِ وَقَبْلَ قِرَاءَتِهِ عَلَيْهِ فَبَطَلَ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَقْضِيَةِ إذَا مَاتَ الْقَاضِي قَبْلَ إتْمَامِهَا. وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِوَاحِدٍ مِنْ الرَّعَايَا وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ إخْبَارُ قَاضٍ آخَرَ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ أَوْ فِي غَيْرِ عَمَلِهِمَا، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا عُزِلَ، أَمَّا فِي الْمَوْتِ أَوْ فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ فَلَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ وَالْمَجْنُونَ لَا يُلْتَحَقَانِ بِوَاحِدٍ مِنْ الرَّعَايَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: يُعْلَمُ ذَلِكَ بِالْأَوْلَى، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ حَيًّا وَعَلَى أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ لَمْ يَبْقَ كَلَامُهُ حُجَّةً، فَلَأَنْ لَا يَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ الْخُرُوجِ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ أَوْلَى، وَكَذَا لَوْ مَاتَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ بَطَلَ كِتَابُهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَعْمَلُ بِهِ مَنْ كَانَ قَائِمًا مَقَامَهُ فِي الْقَضَاءِ كَمَا لَوْ قَالَ وَإِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَنَا أَنَّ الْقَاضِيَ الْكَاتِبَ اعْتَمَدَ عَلَى عِلْمِ الْأَوَّلِ وَأَمَانَتِهِ، وَالْقُضَاةُ يَتَفَاوَتُونَ فِي أَدَاءِ الْأَمَانَةِ، فَصَارُوا كَالْأُمَنَاءِ فِي الْأَمْوَالِ، وَهُنَاكَ قَدْ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، فَكَذَا هَاهُنَا إلَّا إذَا صَرَّحَ بِاعْتِمَادِهِ عَلَى الْكُلِّ بَعْدَ تَعْرِيفِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ إلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ قَاضِي بَلَدِ كَذَا وَإِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا هُوَ شَرْطٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَعْلُومٍ إلَى مَعْلُومٍ ثُمَّ صَيَّرَ غَيْرَهُ تَبَعًا لَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَتَبَ ابْتِدَاءً مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ قَاضِي بَلَدِ كَذَا إلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقِيلَ الظَّاهِرُ أَنَّ مُحَمَّدًا مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَعْلُومٍ إلَى مَجْهُولٍ، وَالْعِلْمُ فِيهِ شَرْطٌ كَمَا مَرَّ وَهُوَ رَدٌّ لِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي جَوَازِهِ، فَإِنَّهُ حِينَ اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ وَسَّعَ كَثِيرًا تَسْهِيلًا لِلْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ (وَلَوْ مَاتَ الْخَصْمُ يَنْفُذُ الْكِتَابُ عَلَى وَرَثَتِهِ لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ) سَوَاءٌ كَانَ تَارِيخُ الْكِتَابِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَطْلُوبِ أَوْ بَعْدَهُ. (وَلَا يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ) لِأَنَّ فِيهِ شُبْهَةَ الْبَدَلِيَّةِ فَصَارَ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّ مَبْنَاهُمَا عَلَى الْإِسْقَاطِ وَفِي قَبُولِهِ سَعْيٌ فِي إثْبَاتِهِمَا.
الشَّرْحُ:
(وَلَا يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ: يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الشُّهُودِ (وَلَنَا أَنَّ فِيهِ شُبْهَةَ الْبَدَلِيَّةِ فَصَارَ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ) وَهِيَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ فِيهِمَا (وَلِأَنَّ مَبْنَاهُمَا عَلَى الْإِسْقَاطِ وَفِي قَبُولِهِ سَعْيٌ فِي إثْبَاتِهِمَا).

.(فَصْلٌ آخِرُ) :

(وَيَجُوزُ قَضَاءُ الْمَرْأَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ) اعْتِبَارًا بِشَهَادَتِهَا.
وَقَدْ مَرَّ الْوَجْهُ.
الشَّرْحُ:
فَصْلٌ آخَرُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ:
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي إذَا كَانَ سِجِلًّا اتَّصَلَ بِهِ قَضَاؤُهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ إمْضَاؤُهُ إذَا كَانَ فِي مَحَلٍّ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، بِخِلَافِ الْكِتَابِ الْحُكْمِيِّ فَإِنَّ الرَّأْيَ لَهُ فِي التَّنْفِيذِ وَالرَّدِّ، فَلِذَلِكَ احْتَاجَ إلَى بَيَانِ تَعْدَادِ مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ بِذِكْرِ أَصْلٍ يَجْمَعُهَا، وَهَذَا الْفَصْلُ لِبَيَانِ ذَلِكَ وَمَا يُلْحَقُ بِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفَصْلَ مِنْ تَتِمَّةِ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي، لَكِنَّ قَوْلَهُ آخَرُ يُنَافِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ الْبَابِ فَصْلٌ قَبْلَ هَذَا حَتَّى يَقُولَ فَصْلٌ آخَرُ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يَجْعَلَ هَذَا فَصْلًا آخَرَ فِي أَدَبِ الْقَاضِي، فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ فَصْلُ الْحَبْسِ وَهَذَا فَصْلٌ آخَرُ.
قَالَ (وَيَجُوزُ قَضَاءُ الْمَرْأَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ إلَخْ) قَضَاءُ الْمَرْأَةِ جَائِزٌ عِنْدَنَا فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ اعْتِبَارًا بِشَهَادَتِهَا، وَقَدْ مَرَّ الْوَجْهُ: أَيْ فِي أَوَّلِ أَدَبِ الْقَاضِي أَنَّ حُكْمَ الْقَضَاءِ يُسْتَقَى مِنْ حُكْمِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ يَكُونُ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ وَهِيَ أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَهِيَ أَهْلٌ لِلْقَضَاءِ فِي غَيْرِهِمَا.
قِيلَ أَرَادَ بِهِ مَا مَرَّ قَبْلُ بِخُطُوطٍ مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ شُبْهَةَ الْبَدَلِيَّةِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا فِيهِ شُبْهَةُ الْبَدَلِيَّةِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِمَا، وَشَهَادَتُهَا كَذَلِكَ كَمَا سَيَجِيءُ وَقَضَاؤُهَا مُسْتَفَادٌ مِنْ شَهَادَتِهَا. (وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى الْقَضَاءِ إلَّا أَنْ يُفَوَّضَ إلَيْهِ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ قُلِّدَ الْقَضَاءَ دُونَ التَّقْلِيدِ بِهِ فَصَارَ كَتَوْكِيلِ الْوَكِيلِ، بِخِلَافِ الْمَأْمُورِ بِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ حَيْثُ يَسْتَخْلِفُ لِأَنَّهُ عَلَى شَرَفِ الْفَوَاتِ لِتَوَقُّتِهِ فَكَانَ الْأَمْرُ بِهِ إذْنًا بِالِاسْتِخْلَافِ دَلَالَةً وَلَا كَذَلِكَ الْقَضَاءُ.
وَلَوْ قَضَى الثَّانِي بِمَحْضَرٍ مِنْ الْأَوَّلِ أَوْ قَضَى الثَّانِي فَأَجَازَ الْأَوَّلُ جَازَ كَمَا فِي الْوَكَالَةِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ حَضَرَهُ رَأْيُ الْأَوَّلِ وَهُوَ الشَّرْطُ، وَإِذَا فُوِّضَ إلَيْهِ يَمْلِكُهُ فَيَصِيرُ الثَّانِي نَائِبًا عَنْ الْأَصِيلِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْأَوَّلُ عَزْلَهُ إلَّا إذَا فُوِّضَ إلَيْهِ الْعَزْلَ هُوَ الصَّحِيحُ.
الشَّرْحُ:
(وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى الْقَضَاءِ) بِعُذْرٍ وَبِغَيْرِهِ (إلَّا أَنْ يُفَوَّضَ إلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قُلِّدَ الْقَضَاءَ دُونَ التَّقْلِيدِ بِهِ) أَيْ بِالْقَضَاءِ (فَصَارَ كَالْوَكِيلِ) لَا يَجُوزُ لَهُ التَّوْكِيلُ إلَّا إذَا فُوِّضَ إلَيْهِ ذَلِكَ (بِخِلَافِ الْمَأْمُورِ بِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ حَيْثُ) يَجُوزُ لَهُ أَنْ (يَسْتَخْلِفَ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الْجُمُعَةِ عَلَى شَرَفِ الْفَوَاتِ لِتَوَقُّتِهِ) بِوَقْتٍ يَفُوتُ الْأَدَاءُ بِانْقِضَائِهِ (فَكَانَ الْأَمْرُ بِهِ مِنْ الْخَلِيفَةِ إذْنًا لَهُ بِالِاسْتِخْلَافِ دَلَالَةً) لَكِنْ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ سَمِعَ الْخُطْبَةَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ شَرَائِطِ افْتِتَاحِ الْجُمُعَةِ فَلَوْ افْتَتَحَ الْأَوَّلُ الصَّلَاةَ ثُمَّ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فَاسْتَخْلَفَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا جَازَ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ بَانٍ لَا مُفْتَتِحٌ.
وَاعْتُرِضَ بِمَنْ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ ثُمَّ افْتَتَحَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَهُوَ مُفْتَتِحٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَمْ يَشْهَدْ الْخُطْبَةَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ شُرُوعُهُ فِي الْجُمُعَةِ وَصَارَ خَلِيفَةً لِلْأَوَّلِ اُلْتُحِقَ بِمَنْ شَهِدَ الْخُطْبَةَ.
وَأَرَى أَنَّ إلْحَاقَهُ بِالْبَانِي لِتَقَدُّمِ شُرُوعِهِ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ أَوْلَى فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا كَذَلِكَ الْقَضَاءُ) أَيْ لَيْسَ الْقَضَاءُ كَالْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُوَقَّتٍ بِوَقْتٍ يَفُوتُ بِالتَّأْخِيرِ عِنْدَ الْعُذْرِ، فَمَنْ أَذَّنَ بِالْجُمُعَةِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ عَارِضٌ يَمْنَعُهُ مِنْ أَدَائِهَا فِي الْوَقْتِ فَقَدْ رَضِيَ بِالِاسْتِخْلَافِ بِخِلَافِ الْقَضَاءِ (فَلَوْ) فَرَضْنَا أَنَّهُ اسْتَخْلَفَ، وَ (قَضَى الثَّانِي بِمَحْضَرٍ مِنْ الْأَوَّلِ أَوْ قَضَى الثَّانِي) عِنْدَ غَيْبَةِ الْأَوَّلِ (فَأَجَازَهُ الْأَوَّلُ جَازَ) إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقَضَاءِ (كَمَا فِي الْوَكَالَةِ) فَإِنَّ الْوَكِيلَ إذَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ بِالتَّوْكِيلِ فَوَكَّلَ وَتَصَرَّفَ بِحَضْرَةِ الْأَوَّلِ أَوْ أَجَازَهُ الْأَوَّلُ جَازَ.
وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ حَضَرَهُ رَأْيُ الْأَوَّلِ) يَصْلُحُ دَلِيلًا لِلْمَسْأَلَتَيْنِ، أَمَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلِأَنَّ الْخَلِيفَةَ رَضِيَ بِقَضَاءٍ حَضَرَهُ رَأْيُ الْقَاضِي وَقْتَ نُفُوذِهِ لِاعْتِمَادِهِ عَلَى عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ، وَالْحُكْمُ الَّذِي حَضَرَهُ الْقَاضِي أَوْ أَجَازَهُ قَضَاءٌ حَضَرَهُ رَأْيُ الْقَاضِي فَيَكُونُ رَاضِيًا بِهِ، وَأَمَّا فِي الْوَكَالَةِ فَسَيَجِيءُ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ، قِيلَ الْإِذْنُ فِي الِابْتِدَاءِ كَالْإِجَازَةِ فِي الِانْتِهَاءِ فَلِمَ اخْتَلَفَا فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ.
وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ فَإِنَّ الْبَقَاءَ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ وَأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي أَذِنَ لَهُ الْقَاضِي بِهِ فِي الِابْتِدَاءِ قَضَاءٌ لَمْ يَحْضُرْهُ رَأْيُ الْقَاضِي وَكَانَ رِضَا الْخَلِيفَةِ بِتَوْلِيَةِ الْقَاضِي مُقَيَّدًا بِهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا فَوَّضَ إلَيْهِ يَمْلِكُهُ) أَيْ إذَا قَالَ الْخَلِيفَةُ لِلْقَاضِي وَلِّ مَنْ شِئْت كَانَ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُ (فَيَصِيرُ الثَّانِي نَائِبًا عَنْ الْأَصِيلِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْأَوَّلُ عَزْلَهُ)؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَاضِيًا مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ فَلَا يَمْلِكُ الْأَوَّلُ عَزْلَهُ إلَّا أَنْ يَقُولَ وَاسْتَبْدِلْ مَنْ شِئْت فَيَمْلِكُ الْأَوَّلُ عَزْلَهُ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَمْرَ الْقَاضِي لَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِ مَا فُوِّضَ إلَيْهِ، فَإِذَا قَالَ الْخَلِيفَةُ وَلِّ مَنْ شِئْت وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ أَمْرًا لَهُ بِالتَّوْلِيَةِ، وَالْعَزْلُ خِلَافُهُ، وَإِذَا أَضَافَ إلَى ذَلِكَ وَاسْتَبْدِلْ مَنْ شِئْت كَانَ أَمْرًا لَهُ بِهِمَا فَكَانَا لَهُ، فَإِذَا قَالَ الْخَلِيفَةُ لِرَجُلٍ جَعَلْتُك قَاضِيَ الْقُضَاةِ كَانَ إذْنًا بِالِاسْتِخْلَافِ وَالْعَزْلِ دَلَالَةً؛ لِأَنَّ قَاضِيَ الْقُضَاةِ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ فِي الْقُضَاةِ تَقْلِيدًا وَعَزْلًا، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
قِيلَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَصِيِّ وَالْقَاضِي فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُفَوَّضٌ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْغَيْرِ وَالْوَصِيُّ يَمْلِكُ التَّفْوِيضَ إلَى غَيْرِهِ تَوْكِيلًا وَإِيصَاءً؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ أَوَانَ وُجُوبِ الْوِصَايَةِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَدْ يَعْجِزُ الْوَصِيُّ عَنْ الْجَرْيِ عَلَى مُوجِبِ الْوِصَايَةِ وَلَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ إلَى الْمُوصِي فَيَكُونُ الْمُوصَى لَهُ رَاضِيًا بِاسْتِعَانَتِهِ بِغَيْرِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْقَضَاءُ.
وَقِيلَ الْقَاضِي يَمْلِكُ التَّوْكِيلَ وَالْإِيصَاءَ وَلَا يَمْلِكُ التَّقْلِيدَ، وَالتَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ فِي التَّقْلِيدِ يَجْرِي فِيهِمَا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُقَلِّدَ يَفْعَلُ مَا لَا يَفْعَلُهُ الْوَكِيلُ وَالْوَصِيُّ فَيَكُونُ تَوَقُّعُ الْفَسَادِ فِي الْقَضَاءِ أَكْثَرَ. قَالَ (وَإِذَا رُفِعَ إلَى الْقَاضِي حُكْمُ حَاكِمٍ أَمْضَاهُ إلَّا أَنْ يُخَالِفَ الْكِتَابَ أَوْ السُّنَّةَ أَوْ الْإِجْمَاعَ بِأَنْ يَكُونَ قَوْلًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ فَقَضَى بِهِ الْقَاضِي ثُمَّ جَاءَ قَاضٍ آخَرُ يَرَى غَيْرَ ذَلِكَ أَمْضَاهُ) وَالْأَصْلُ أَنَّ الْقَضَاءَ مَتَى لَاقَى فَصْلًا مُجْتَهَدًا فِيهِ يُنْفِذُهُ وَلَا يَرُدُّهُ غَيْرُهُ، لِأَنَّ اجْتِهَادَ الثَّانِي كَاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ يُرَجَّحُ الْأَوَّلُ بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ فَلَا يُنْقَضُ بِمَا هُوَ دُونَهُ.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَإِذَا رُفِعَ إلَى الْقَاضِي حُكْمُ حَاكِمٍ أَمْضَاهُ إلَخْ) إذَا تَقَدَّمَ رَجُلٌ إلَى قَاضٍ، وَقَالَ حَكَمَ عَلَيَّ فُلَانٌ الْقَاضِي بِكَذَا وَكَذَا نَفَّذَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ كَالْحُكْمِ بِحِلِّ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا فَإِنَّهُ مُخَالِفُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} أَوْ السُّنَّةِ: أَيْ الْمَشْهُورَةِ كَالْحُكْمِ بِحِلِّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ بِمُجَرَّدِ النِّكَاحِ بِدُونِ إصَابَةِ الزَّوْجِ الثَّانِي، فَإِنَّ اشْتِرَاطَ الدُّخُولِ ثَابِتٌ بِحَدِيثِ الْعُسَيْلَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا فِي التَّقْرِيرِ عَلَى مَا يَنْبَغِي، أَوْ الْإِجْمَاعِ كَالْحُكْمِ بِبُطْلَانِ قَضَاءِ الْقَاضِي فِي الْمُجْتَهَدِ فِيهِ، أَوْ يَكُونُ قَوْلًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ قِيلَ كَمَا إذَا مَضَى عَلَى الدَّيْنِ سُنُونَ فَحَكَمَ بِسُقُوطِ الدَّيْنِ عَمَّنْ عَلَيْهِ لِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ فَإِنَّهُ لَا دَلِيلَ شَرْعِيَّ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِأَنْ يَكُونَ وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِلِاسْتِثْنَاءِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ عَدَمُ تَنْفِيذِهِ إذَا كَانَ مُخَالِفًا لِلْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ بِسَبَبِ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا بِلَا دَلِيلٍ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ فَقَضَى بِهِ الْقَاضِي ثُمَّ جَاءَ قَاضٍ آخَرُ يَرَى غَيْرَ ذَلِكَ أَمْضَاهُ.
وَفِيهِ فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنَّهُ قَيَّدَ بِالْفُقَهَاءِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِمَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ فَاتَّفَقَ قَضَاؤُهُ بِمَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ لَا يُنَفِّذُهُ الْمَرْفُوعُ إلَيْهِ عَلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ يَرَى غَيْرَ ذَلِكَ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْحُكْمَ إذَا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ يَنْفُذُ سَوَاءٌ كَانَ مُوَافِقًا لِرَأْيِهِ أَوْ مُخَالِفًا، فَإِنَّهُ إذَا نَفَّذَهُ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِرَأْيِهِ فَفِيمَا يُوَافِقُهُ أَوْلَى، وَرِوَايَةُ الْقُدُورِيِّ سَاكِتَةٌ عَنْ الْفَائِدَتَيْنِ جَمِيعًا.
(وَالْأَصْلُ) فِي تَنْفِيذِ الْقَاضِي مَا يُرْفَعُ إلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ (أَنَّ الْقَضَاءَ مَتَى لَاقَى فَصْلًا مُجْتَهَدًا فِيهِ يَنْفَدُ وَلَا يَرُدُّ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ اجْتِهَادَ الثَّانِي كَاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ) فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ (وَقَدْ تَرَجَّحَ الْأَوَّلُ بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ فَلَا يُنْقَضُ بِمَا دُونَهُ) دَرَجَةً وَهُوَ مَا لَمْ يَتَّصِلْ الْقَضَاءُ بِهِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْقَضَاءُ فِي الْمُجْتَهَدِ فِيهِ مُتَفَرِّعٌ عَلَى رَأْيِ الْمُجْتَهِدِ فَكَيْفَ يَصْلُحُ الْفَرْعُ مُرَجِّحًا لِأَصْلِهِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْفَرْعَ لَا يَصْلُحُ مُرَجِّحًا لِأَصْلِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مِنْهُ أَوْ مُطْلَقًا.
وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَجِّحًا لِأَصْلِهِ مِنْ حَيْثُ بَقَاءُ الْأَصْلِ عِنْدَ وُجُودِ مَا يَرْفَعُهُ مِنْ أَصْلٍ بِلَا فَرْعٍ، إذْ الشَّيْءُ الْمُسَاوِي لِلشَّيْءِ فِي الْقُوَّةِ لَا يَرْفَعُ مَا يُسَاوِيهِ فِيهَا مَعَ شَيْءٍ آخَرَ، وَالْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا شَغَلَهُ أَشْغَالُ الْمُسْلِمِينَ اسْتَعَانَ بِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَضَى زَيْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ ثُمَّ لَقِيَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ فَقَالَ: إنَّ زَيْدًا قَضَى عَلَيَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَوْ كُنْت لَقَضَيْت لَك، فَقَالَ: مَا يَمْنَعُك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ السَّاعَةَ؟ فَاقْضِ لِي فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ كَانَ هُنَا نَصٌّ آخَرُ لَقَضَيْت لَك، وَلَكِنْ هَاهُنَا رَأْيٌ وَالرَّأْيُ مُشْتَرَكٌ. (وَلَوْ قَضَى فِي الْمُجْتَهَدِ فِيهِ مُخَالِفًا لِرَأْيِهِ نَاسِيًا لِمَذْهَبِهِ نَفَذَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ) وَوَجْهُ النَّفَاذِ أَنَّهُ لَيْسَ بِخَطَأٍ بِيَقِينٍ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَنْفُذُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ قَضَى بِمَا هُوَ خَطَأٌ عِنْدَهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، ثُمَّ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا لِمَا ذَكَرْنَا.
وَالْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ مِنْهَا وَفِيمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ لَا يُعْتَبَرُ مُخَالَفَةُ الْبَعْضِ وَذَلِكَ خِلَافٌ وَلَيْسَ بِاخْتِلَافٍ وَالْمُعْتَبَرُ الِاخْتِلَافُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ.
الشَّرْحُ:
(وَلَوْ قَضَى الْقَاضِي فِي الْمُجْتَهَدِ فِيهِ مُخَالِفًا لِرَأْيِهِ نَاسِيًا لِمَذْهَبِهِ نَفَذَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَوَجْهُ النَّفَاذِ) وَهُوَ دَلِيلُ النِّسْيَانِ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (أَنَّهُ لَيْسَ بِخَطَإٍ بِيَقِينٍ) لِكَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، وَمَا هُوَ كَذَلِكَ فَالْحُكْمُ بِهِ نَافِذٌ كَعَامَّةِ الْمُجْتَهَدَاتِ.
وَوَجْهُ عَدَمِهِ أَنَّهُ زَعَمَ فَسَادَ قَضَائِهِ وَهُوَ مُؤَاخَذٌ بِزَعْمِهِ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا يَنْفُذُ فِي الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَضَى بِمَا هُوَ خَطَأٌ عِنْدَهُ) فَيَعْمَلُ بِهِ بِزَعْمِهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى) قَالَ (ثُمَّ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ أَنَّ مَا لَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِمَا ذَكَرْنَا) لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي مَحَلٍّ مُجْتَهَدٍ فِيهِ مَاضٍ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ الْمُجْتَهَدَ فِيهِ فَقَالَ ثُمَّ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ وَالْإِجْمَاعِ فَإِذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَرُفِعَ إلَى آخَرَ لَمْ يُنَفِّذْهُ بَلْ يُبْطِلُهُ حَتَّى لَوْ نَفَّذَهُ ثُمَّ رُفِعَ إلَى قَاضٍ ثَالِثٍ نُقِضَ؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ وَضَلَالٌ، وَالْبَاطِلُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ، بِخِلَافِ الْمُجْتَهَدِ فِيهِ فَإِنَّهُ إذَا رُفِعَ إلَى الثَّانِي نَفَّذَهُ كَمَا مَرَّ، فَإِنْ نَقَضَهُ فَرُفِعَ إلَى ثَالِثٍ فَإِنَّهُ يُنْفِذُ الْقَضَاءَ الْأَوَّلَ وَيُبْطِلُ الثَّانِيَ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ وَهُوَ نَافِذٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَالثَّانِي مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ وَمُخَالِفُ الْإِجْمَاعِ بَاطِلٌ لَا يَنْفُذُ، وَالْمُرَادُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْكِتَابِ مُخَالَفَةُ نَصِّ الْكِتَابِ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِفْ السَّلَفُ فِي تَأْوِيلِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ} فَإِنَّ السَّلَفَ اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَزَوُّجِ امْرَأَةِ الْأَبِ وَجَارِيَتِهِ الَّتِي وَطِئَهَا الْأَبُ، فَلَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِجَوَازِ ذَلِكَ نَقَضَهُ مَنْ رُفِعَ إلَيْهِ (وَالْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةُ مِنْهَا) كَمَا ذَكَرْنَا (وَالْمُرَادُ بِالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ) أَيْ جُلُّ النَّاسِ وَأَكْثَرُهُمْ (وَمُخَالَفَةُ الْبَعْضِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافٌ لَا اخْتِلَافٌ) فَعَلَى هَذَا إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ عَلَى خِلَافِ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ كَانَ حُكْمُهُ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ نَقَضَهُ مَنْ رُفِعَ إلَيْهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هَذَا عَلَى مَا إذَا كَانَ الْوَاحِدُ الْمُخَالِفُ مِمَّنْ لَمْ يُسَوِّغْ اجْتِهَادُهُ ذَلِكَ كَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي جَوَازِ رِبَا الْفَضْلِ فَإِنَّهُ لَمْ يُسَوِّغْ لَهُ أَحَدٌ ذَلِكَ فَلَمْ يَتْبَعْهُ وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِجَوَازِ ذَلِكَ وَجَبَ نَقْضُهُ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى الْحُرْمَةِ بِدُونِهِ فَأَمَّا إذَا سُوِّغَ لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَنْعَقِدْ الْإِجْمَاعُ بِدُونِهِ كَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي اشْتِرَاطِ حَجْبِ الْأُمِّ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ بِالْجَمْعِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَفِي إعْطَائِهَا ثُلُثَ الْجَمِيعِ بَعْدَ فَرْضِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، فَإِنْ حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ، وَلَعَلَّهُ اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ وَلَا يُحْمَلُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى أَنَّ خِلَافَ الْأَقَلِّ غَيْرُ مَانِعٍ لِانْعِقَادِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ (قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَبَرُ الِاخْتِلَافُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ) مَعْنَاهُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ الَّذِي يَجْعَلُ الْمَحَلَّ مُجْتَهَدًا فِيهِ هُوَ الِاخْتِلَافُ الَّذِي كَانَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَا الَّذِي يَقَعُ بَعْدَهُمْ، وَعَلَى هَذَا إذَا حَكَمَ الشَّافِعِيُّ أَوْ الْمَالِكِيُّ بِرَأْيِهِ بِمَا يُخَالِفُ رَأْيَ مَنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى حَاكِمٍ لَمْ يَرَ ذَلِكَ كَانَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ. قَالَ (وَكُلُّ شَيْءٍ قَضَى بِهِ الْقَاضِي فِي الظَّاهِرِ بِتَحْرِيمٍ فَهُوَ فِي الْبَاطِنِ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ) وَكَذَا إذَا قَضَى بِإِحْلَالٍ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى بِسَبَبٍ مُعَيَّنٍ وَهِيَ مَسْأَلَةُ قَضَاءِ الْقَاضِي فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ وَقَدْ مَرَّتْ فِي النِّكَاحِ.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَكُلُّ شَيْءٍ قَضَى بِهِ الْقَاضِي فِي الظَّاهِرِ بِتَحْرِيمٍ إلَخْ) كُلُّ مَا قَضَى بِهِ الْقَاضِي بِتَحْرِيمِهِ فِي الظَّاهِرِ: أَيْ فِيمَا بَيْنَنَا فَهُوَ فِي الْبَاطِنِ: أَيْ عِنْدَ اللَّهِ حَرَامٌ، وَكَذَا إذَا قَضَى بِإِحْلَالٍ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى بِسَبَبٍ مُعَيَّنٍ كَنِكَاحٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ لَا فِي الْأَمْلَاكِ الْمُرْسَلَةِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ قَضَاءِ الْقَاضِي فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ، فَمِنْ الْعُقُودِ مَا إذَا ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا وَأَنْكَرَتْ فَأَقَامَ عَلَيْهَا شَاهِدَيْ زُورٍ وَقَضَى الْقَاضِي بِالنِّكَاحِ بَيْنَهُمَا حَلَّ لِلرَّجُلِ وَطْؤُهَا وَحَلَّ لِلْمَرْأَةِ التَّمْكِينُ مِنْهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْآخِرُ، وَكَذَا إذَا ادَّعَتْ عَلَى رَجُلٍ وَأَنْكَرَ.
وَمِنْهَا مَا إذَا قَضَى بِالْبَيْعِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّعْوَى مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي مِثْلَ أَنْ قَالَ بِعْتنِي هَذِهِ الْجَارِيَةَ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ اشْتَرَيْت مِنِّي هَذِهِ الْجَارِيَةَ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لِلْمُشْتَرِي وَطْؤُهَا فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا سَوَاءٌ كَانَ الْقَضَاءُ بِالنِّكَاحِ بِحُضُورِ مَنْ يَصْلُحُ شَاهِدًا فِيهِ وَبِالْبَيْعِ بِثَمَنِ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ أَوْ بِأَقَلَّ مِمَّا يَتَغَابَنُ فِيهِ النَّاسُ أَوْ لَا عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ لِإِنْشَاءِ النِّكَاحِ قَصْدًا وَالْإِنْشَاءُ هَاهُنَا يَثْبُتُ اقْتِضَاءً فَلَا تُشْتَرَطُ الشَّهَادَةُ وَأَنَّ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ مُبَادَلَةٌ وَلِهَذَا يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ وَالْمُكَاتَبُ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكَا التَّبَرُّعَ فَكَانَ كَسَائِرِ الْمُبَادَلَاتِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ وَالْبَيْعُ إذَا كَانَ الْقَضَاءُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الشُّهُودِ؛ لِأَنَّهَا شَرْطُ صِحَّةِ الْعَقْدِ وَلَمْ يَكُنْ الْبَيْعُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَصِيرُ مُنْشِئًا وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُنْشِئًا فِيمَا لَهُ وِلَايَةُ الْإِنْشَاءِ وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الْبَيْعِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ.
وَمِنْ الْفُسُوخِ مَا إذَا ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَسْخَ الْعَقْدِ فِي الْجَارِيَةِ وَأَقَامَ شَاهِدَيْ زُورٍ فَفَسَخَ الْقَاضِي حَلَّ لِلْبَائِعِ وَطْؤُهَا.
وَمِنْهَا مَا إذَا ادَّعَتْ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَأَقَامَتْ شَاهِدَيْ زُورٍ وَقَضَى الْقَاضِي بِالْفُرْقَةِ وَتَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ حَلَّ لِلزَّوْجِ الثَّانِي وَطْؤُهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا عُلِمَ أَنَّ الزَّوْجَ الْأَوَّلَ لَمْ يُطَلِّقْهَا بِأَنْ كَانَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ، وَقَالَا: إنْ كَانَ عَالِمًا بِحَقِيقَةِ الْحَالِ لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ الْوَطْءُ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ عِنْدَهُمَا لَمْ تَقَعْ بَاطِنًا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا حَلَّ لَهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا الزَّوْجُ الْأَوَّلُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ آخِرًا وَإِنْ كَانَتْ الْفُرْقَةُ لَمْ تَقَعْ بَاطِنًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ زَانِيًا عِنْدَ النَّاسِ فَيَحُدُّونَهُ.
وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرَ يَحِلُّ وَطْؤُهَا سِرًّا؛ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَحِلُّ لِلْأَوَّلِ وَطْؤُهَا مَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا الثَّانِي، فَإِذَا دَخَلَ بِهَا لَا يَحِلُّ سَوَاءٌ عَلِمَ الثَّانِي بِحَقِيقَةِ الْحَالِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ. قَالَ (وَلَا يَقْضِي الْقَاضِي عَلَى غَائِبٍ إلَّا أَنْ يَحْضُرَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ لِوُجُودِ الْحُجَّةِ وَهِيَ الْبَيِّنَةُ فَظَهَرَ الْحَقُّ.
وَلَنَا أَنَّ الْعَمَلَ بِالشَّهَادَةِ لِقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ، وَلَا مُنَازَعَةَ دُونَ الْإِنْكَارِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْكَارَ مِنْ الْخَصْمِ فَيَشْتَبِهُ وَجْهُ الْقَضَاءِ لِأَنَّ أَحْكَامَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ، وَلَوْ أَنْكَرَ ثُمَّ غَابَ فَكَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّرْطَ قِيَامُ الْإِنْكَارِ وَقْتَ الْقَضَاءِ، وَفِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ قَدْ يَكُونُ نَائِبًا بِإِنَابَتِهِ كَالْوَكِيلِ أَوْ بِإِنَابَةِ الشَّرْعِ كَالْوَصِيِّ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي، وَقَدْ يَكُونُ حُكْمًا بِأَنْ كَانَ مَا يَدَّعِي عَلَى الْغَائِبِ سَبَبًا لِمَا يَدَّعِيهِ عَلَى الْحَاضِرِ وَهَذَا فِي غَيْرِ صُورَةٍ فِي الْكُتُبِ، أَمَّا إذَا كَانَ شَرْطًا لِحَقِّهِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِهِ فِي جَعْلِهِ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ وَقَدْ عُرِفَ تَمَامُهُ فِي الْجَامِعِ.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَلَا يَقْضِي الْقَاضِي عَلَى غَائِبٍ إلَخْ) الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ وَلَهُ عِنْدَنَا لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا حَضَرَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ غَابَ عَنْ الْبَلَدِ أَوْ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَاسْتَتَرَ فِي الْبَلَدِ جَازَ، وَإِلَّا لَا يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ فِي الِاسْتِتَارِ تَضْيِيعًا لِلْحُقُوقِ دُونَ غَيْرِهِ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ ثُبُوتَ الْقَضَاءِ بِوُجُودِ الْحُجَّةِ وَهِيَ الْبَيِّنَةُ، فَإِذَا وُجِدَتْ ظَهَرَ الْحَقُّ فَيَحِلُّ لِلْقَاضِي الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهَا، وَلَنَا أَنَّ الْعَمَلَ بِالشَّهَادَةِ لِقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ خَبَرٌ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، وَلَا يَجُوزُ بِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الدَّلِيلِ الْمُحْتَمَلِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَهُ حُجَّةً ضَرُورَةَ قَطْعِ الْمُنَازَعَةِ، وَلِهَذَا إذَا كَانَ الْخَصْمُ حَاضِرًا وَأَقَرَّ بِالْحَقِّ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا وَلَا مُنَازَعَةَ إلَّا بَعْدَ الْإِنْكَارِ وَلَمْ يُوجَدْ، فَإِنْ قَالَ قَدْ عَمِلْتُمْ بِالشَّهَادَةِ بِدُونِ الْإِنْكَارِ إذَا حَضَرَ الْخَصْمُ وَسَكَتَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الشَّرْعَ أَنْزَلَهُ مُنْكِرًا حَمْلًا لِأَمْرِهِ عَلَى الصَّلَاحِ، إذْ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ أَنْ لَا يَسْكُتَ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ رَفْعًا لِظُلْمِهِ إنْ أَرَادَ بِسُكُوتِهِ تَوْقِيفَ حَالِ الْمُدَّعِي عَنْ سَمَاعِ الْحُجَّةِ فَكَانَ الْإِنْكَارُ مَوْجُودًا حُكْمًا، وَإِنْ قَالَ سَلَّمْنَا أَنْ لَا مُنَازَعَةَ إلَّا بِالْإِنْكَارِ لَكِنَّهُ مَوْجُودٌ ظَاهِرًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِقْرَارِ، إذْ الْأَصْلُ فِي الْيَدِ الْمِلْكُ.
قُلْنَا: مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ الْإِقْرَارُ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ صَادِقٌ ظَاهِرُ الْوُجُودِ مَا يَصْرِفُهُ عَنْ الْكَذِبِ مِنْ الْعَقْلِ وَالدِّينِ فَهُوَ لَا يَتْرُكُ الْإِقْرَارَ لِعَقْلِهِ وَدِينِهِ أَيْضًا.
وَإِنْ قَالَ لَوْ أَنْكَرَ ثُمَّ غَابَ كَانَ الْوَاجِبُ سَمَاعَ الْحُجَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
قُلْنَا إذَا كَانَتْ شَرْطًا فَالْمُلَازَمَةُ مَمْنُوعَةٌ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الشَّرْطِ لَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمَشْرُوطِ، وَسَيَأْتِي لَهُ جَوَابٌ آخَرُ.
وَإِنْ قَالَ وَقْفُ الْحُكْمِ عَلَى حُضُورِ الْخَصْمِ غَيْرُ مُفِيدٍ بَعْدَ ظُهُورِ الْحَقِّ بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ حَضَرَ فَأَقَرَّ لَزِمَتْ الدَّعْوَى وَإِنْ أَنْكَرَ فَكَذَلِكَ.
فَالْجَوَابُ بِأَنَّ النِّزَاعَ فِي ظُهُورِ الْحَقِّ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ عِنْدَنَا لَا يَظْهَرُ بِهَا إلَّا بِالنِّزَاعِ وَبِأَنَّهُ مُفِيدٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَطْعَنَ فِي الشُّهُودِ وَيُثْبِتَهُ أَوْ يُسَلِّمَ الدَّعْوَى وَيَدَّعِيَ الْأَدَاءَ وَيُثْبِتَهُ، أَوْ يُقِرَّ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِالْبَيِّنَةِ فَيَبْطُلُ الْحُكْمُ بِالْبَيِّنَةِ، وَوُقُوعُ ذَلِكَ بَعْدَ الْحُكْمِ مُمْكِنٌ وَفِيهِ إبْطَالُهُ، وَصَوْنُ الْحُكْمِ عَنْ الْبُطْلَانِ مِنْ أَجْلِ الْفَوَائِدِ.
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ الْإِقْرَارُ إلَخْ) دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَالضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَنَازَعَانِ وَيَشْتَبِهَ فِي وَجْهِ الْقَضَاءِ وَأُعْمِلَ الثَّانِي؛ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الشَّأْنَ يَحْتَمِلُ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْكَارَ، أَوْ وَجْهُ الْقَضَاءِ يَحْتَمِلُهُمَا مِنْ الْخَصْمِ فَيَشْتَبِهُ عَلَى الْحَاكِمِ وَجْهُ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ، فَإِنَّ حُكْمَ الْقَضَاءِ بِالْبَيِّنَةِ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الشُّهُودِ عِنْدَ الرُّجُوعِ وَيَظْهَرُ فِي الزَّوَائِدِ الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ بَابِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ الْبُيُوعِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا وَوَلَدَهَا، وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا الرَّجُلُ لَمْ يَأْخُذْ وَلَدَهَا؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ مُطْلَقَةٌ كَاسْمِهَا مُبَيِّنَةٌ فَيَظْهَرُ مِلْكُ الْجَارِيَةِ مِنْ الْأَصْلِ فَيَكُونُ الْوَلَدُ مُتَفَرِّعًا عَنْ جَارِيَةٍ مَمْلُوكَةٍ لِلْمُسْتَحِقِّ وَلِهَذَا تَرْجِعُ الْبَاعَةُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، بِخِلَافِ الْحُكْمِ بِالْإِقْرَارِ فَإِنَّهُ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ لِانْعِدَامِ الْوِلَايَةِ عَلَى الْغَيْرِ وَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ الْبَاعَةُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَإِنْ اسْتَدَلَّ الْخَصْمُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» فَإِنَّهُ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ كَوْنِ الْخَصْمِ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا، أَوْ بِحَدِيثِ هِنْدٍ حَيْثُ قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، فَقَالَ: خُذِي مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» فَقَدْ قَضَى عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ وَهُوَ غَائِبٌ أَجَبْنَاهُ عَنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ ادَّعَى شَيْئًا فَعَلَيْهِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ، وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ مَتْرُوكَ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ إذَا أَقَرَّ لَيْسَ عَلَى الْمُدَّعِي إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلنِّزَاعِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّ الْقَاضِيَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى الْغَائِبِ أَوْ لَا، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ، وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ: «لَا تَقْضِ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ بِشَيْءٍ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ، فَإِنَّك إذَا سَمِعْت كَلَامَ الْآخَرِ عَلِمْت كَيْفَ تَقْضِي» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَعَنْ حَدِيثِ هِنْدٍ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ عَالِمًا بِاسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَمْ تُقِمْ الْبَيِّنَةَ (قَوْلُهُ: لَوْ أَنْكَرَ ثُمَّ غَابَ فَكَذَلِكَ) يَعْنِي لَا يَقْضِي الْقَاضِي فِي غَيْبَتِهِ وَإِنْ وُجِدَ مِنْهُ الْإِنْكَارُ، وَكَذَا إذَا أَنْكَرَ وَسُمِعَتْ الْبَيِّنَةُ ثُمَّ غَابَ قَبْلَ الْقَضَاءِ؛ (لِأَنَّ الشَّرْطَ قِيَامُ الْإِنْكَارِ وَقْتَ الْقَضَاءِ)؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا تَصِيرُ حُجَّةً بِالْقَضَاءِ وَهُوَ الْجَوَابُ الْمَوْعُودُ بِقَوْلِنَا سَيَأْتِي (وَفِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّهُ يَقُولُ: الشَّرْطُ الْإِصْرَارُ عَلَى الْإِنْكَارِ إلَى وَقْتِ الْقَضَاءِ وَهُوَ ثَابِتٌ بَعْدَ غَيْبَتِهِ بِالِاسْتِصْحَابِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاسْتِصْحَابَ يَصْلُحُ لِلرَّفْعِ لَا لِلْإِثْبَاتِ.
قَالَ (وَمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ إلَخْ) لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَحْضُرَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ بَيَّنَ ذَلِكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قِيَامَ الْحَاضِرِ مَقَامَ الْغَائِبِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِفِعْلِ فَاعِلٍ أَوْ يَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا.
وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ هُوَ الْغَائِبَ كَمَا إذَا وَكَّلَ شَخْصًا وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ الْقَاضِيَ كَمَا إذَا أَقَامَ وَصِيًّا مِنْ جِهَتِهِ.
وَالثَّانِي إمَّا أَنْ يَكُونَ مَا يَدَّعِي بِهِ عَلَى الْغَائِبِ سَبَبًا لَازِمًا لِمَا يَدَّعِي بِهِ عَلَى الْحَاضِرِ أَوْ شَرْطًا لِحَقِّهِ، فَإِنْ كَانَ سَبَبًا لَازِمًا سَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعَى وَاحِدًا كَمَا إذَا ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا مِلْكُهُ وَأَنْكَرَ ذُو الْيَدِ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَنَّ الدَّارَ دَارُهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ وَهُوَ يَمْلِكُهَا فَإِنَّ الْمُدَّعَى وَهُوَ الدَّارُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَمَا ادَّعَى عَلَى الْغَائِبِ وَهُوَ الشِّرَاءُ سَبَبٌ لِثُبُوتِ مَا يَدَّعِي عَلَى الْحَاضِرِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ مِنْ الْمَالِكِ سَبَبٌ لِلْمِلْكِ لَا مَحَالَةَ، أَوْ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، كَمَا إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ مِنْ الْحُقُوقِ فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ هُمَا عَبْدَا فُلَانٍ الْغَائِبِ فَأَقَامَ الْمَشْهُودُ لَهُ بَيِّنَةً أَنَّ فُلَانًا الْغَائِبَ أَعْتَقَهُمَا وَهُوَ يَمْلِكُهُمَا تُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ، وَالْمُدَّعَى شَيْئَانِ: الْمَالُ عَلَى الْحَاضِرِ وَالْعِتْقُ عَلَى الْغَائِبِ، وَالْمُدَّعِي عَلَى الْغَائِبِ سَبَبُ الْمُدَّعِي عَلَى الْحَاضِرِ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الشَّهَادَةِ لَا تَنْفَكُّ عَنْ الْعِتْقِ بِحَالٍ فَالْقَضَاءُ فِيهِمَا عَلَى الْحَاضِرِ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ، وَالْحَاضِرُ يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي الْأَوَّلِ أَوْ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ فِي الثَّانِي لِعَدَمِ الِانْفِكَاكِ، فَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ وَأَنْكَرَ لَا يُلْتَفَتُ إلَى إنْكَارِهِ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ، وَلَهُمَا نَظَائِرُ فِي الْكُتُبِ الْمَبْسُوطَةِ، وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَتَعَرَّضْ إلَّا لِلسَّبَبِيَّةِ، وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى شَيْئًا وَاحِدًا أَوْ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالسَّبَبِ اللَّازِمِ، فَإِنَّ الشَّيْءَ إذَا ثَبَتَ ثَبَتَ بِلَوَازِمِهِ، وَقَيَّدْنَا السَّبَبَ بِقَوْلِنَا لَازِمًا احْتِرَازًا عَمَّا إذَا كَانَ سَبَبًا فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ.
فَإِنَّ الْحَاضِرَ فِيهِ لَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ، كَمَا إذَا قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَةِ رَجُلٍ غَائِبٍ إنَّ زَوْجَك فُلَانًا الْغَائِبَ وَكَّلَنِي أَنْ أَحْمِلَكِ إلَيْهِ، فَقَالَتْ: إنَّهُ كَانَ قَدْ طَلَّقَنِي ثَلَاثًا وَأَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً قُبِلَتْ بَيِّنَتُهَا فِي حَقِّ قِصَرِ يَدِ الْوَكِيلِ عَنْهَا لَا فِي حَقِّ إثْبَاتِ الطَّلَاقِ عَلَى الْغَائِبِ، حَتَّى إذَا حَضَرَ وَأَنْكَرَ الطَّلَاقَ يَجِبُ عَلَيْهَا إعَادَةُ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَى الْغَائِبِ، وَهُوَ الطَّلَاقُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لَازِمٍ لِثُبُوتِ مَا يُدَّعَى عَلَى الْحَاضِرِ وَهُوَ قِصَرُ يَدِهِ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ مَتَى تَحَقَّقَ قَدْ لَا يُوجِبُ قِصَرَ يَدِ الْوَكِيلِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا بِالْحَمْلِ قَبْلَ الطَّلَاقِ، وَقَدْ يُوجِبُ بِأَنْ كَانَ وَكِيلًا بِالْحَمْلِ قَبْلَ الطَّلَاقِ فَكَانَ الْمُدَّعَى عَلَى الْغَائِبِ سَبَبًا لِثُبُوتِ الْمُدَّعَى عَلَى الْحَاضِرِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَقُلْنَا: يَقْضِي بِقِصَرِ الْيَدِ دُونَ الطَّلَاقِ عَمَلًا بِهِمَا.
فَإِنْ قِيلَ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ سَاكِتٌ عَنْ هَذَا الْقَيْدِ قُلْت: اكْتَفَى بِالْإِطْلَاقِ لِصَرْفِ الْمُطْلَقِ إلَى الْكَامِلِ عَنْ التَّقْيِيدِ، وَإِنْ كَانَ أَعْنِي مَا يَدَّعِي بِهِ عَلَى الْغَائِبِ شَرْطًا لِحَقِّهِ، أَيْ لِحَقِّ الْمُدَّعِي عَلَى الْحَاضِرِ كَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ طَلَّقَ فُلَانٌ امْرَأَتَهُ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَادَّعَتْ امْرَأَةُ الْحَالِفِ عَلَيْهِ أَنَّ فُلَانًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَأَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً قَالَ الْمُصَنِّفُ: فَلَا مُعْتَبَرَ بِهِ فِي جَعْلِهِ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ،؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهَا عَلَى فُلَانٍ الْغَائِبِ لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ابْتِدَاءُ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْأُوزْجَنْدِيُّ إنَّ الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ وَيُجْعَلُ الْحَاضِرُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ كَمَا فِي السَّبَبِ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْمُدَّعِي كَمَا تَتَوَقَّفُ عَلَى السَّبَبِ تَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّرْطِ.
لَا يُقَالُ: الْمُعْتَبَرُ هُوَ السَّبَبُ اللَّازِمُ وَالتَّوَقُّفُ فِيهِ أَكْثَرُ لِكَوْنِهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ تَوَقُّفُ مَا يُدَّعَى عَلَى الْحَاضِرِ عَلَى مَا يُدَّعَى عَلَى الْغَائِبِ وَهُوَ فِي الشَّرْطِ مَوْجُودٌ.
وَأَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ الْمُسَخَّرَ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي وَهُوَ مَنْ يُنَصِّبُهُ وَكِيلًا عَنْ الْغَائِبِ لِيَسْتَمِعَ الْخُصُومَةَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ كَالْوَصِيِّ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِيمَنْ يَقُومُ مَقَامَ الْغَائِبِ وَالْمُسَخَّرُ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ، ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِ فَكَأَنَّهُ اخْتَارَهُ. قَالَ (وَيُقْرِضُ الْقَاضِي أَمْوَالَ الْيَتَامَى وَيَكْتُبُ ذِكْرَ الْحَقِّ) لِأَنَّ فِي الْإِقْرَاضِ مَصْلَحَتَهُمْ لِبَقَاءِ الْأَمْوَالِ مَحْفُوظَةً مَضْمُونَةً، وَالْقَاضِي يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِخْرَاجِ وَالْكِتَابَةِ لِيَحْفَظَهُ (وَإِنْ أَقْرَضَ الْوَصِيُّ ضَمِنَ) لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِخْرَاجِ، وَالْأَبُ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيِّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ لِعَجْزِهِ عَنْ الِاسْتِخْرَاجِ.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَيُقْرِضُ الْقَاضِي أَمْوَالَ الْيَتَامَى إلَخْ) لِلْقَاضِي أَنْ يُقْرِضَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى وَيَكْتُبَ الصَّكَّ لِأَجْلِ تَذْكِرَةِ الْحَقِّ وَهُوَ الْإِقْرَاضُ،؛ لِأَنَّ فِي إقْرَاضِ أَمْوَالِهِمْ مَصْلَحَتَهُمْ لِبَقَائِهَا مَحْفُوظَةً فَإِنَّ الْقَاضِيَ لِكَثْرَةِ أَشْغَالِهِ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ الْحِفْظِ بِنَفْسِهِ وَبِالْوَدِيعَةِ إنْ حَصَلَ الْحِفْظُ لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً بِالْهَلَاكِ فَلَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً، وَبِالْقَرْضِ تَصِيرُ مَحْفُوظَةً مَضْمُونَةً فَيُقْرِضُهَا.
فَإِنْ قِيلَ: نَعَمْ هُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يُؤْمَنْ التَّوَى لِجُحُودِ الْمُسْتَقْرِضِ، أَجَابَ بِقَوْلِهِ وَالْقَاضِي يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِخْرَاجِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا لَهُ وَبِالْكِتَابَةِ يَحْصُلُ الْحِفْظُ وَيَنْتَفِي النِّسْيَانُ، بِخِلَافِ الْوَصِيِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقْرِضَ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ؛ لِأَنَّ الْحِفْظَ وَالضَّمَانَ وَإِنْ كَانَا مَوْجُودَيْنِ بِالْإِقْرَاضِ لَكِنَّ مَخَافَةَ التَّوَى بَاقِيَةٌ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى الِاسْتِخْرَاجِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ قَاضٍ يَعْدِلُ وَلَا كُلُّ بَيِّنَةٍ تَعْدِلُ، وَالْأَبُ كَالْوَصِيِّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الِاسْتِخْرَاجِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَالصَّدْرِ الشَّهِيدِ وَالْعَتَّابِيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ: يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْأَبِ تَعُمُّ الْمَالَ وَالنَّفْسَ كَوِلَايَةِ الْقَاضِي، وَشَفَقَتُهُ تَمْنَعُ مِنْ تَرْكِ النَّظَرِ لَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُقْرِضُهُ مِمَّنْ يَأْمَنُ جُحُودَهُ، وَإِنْ أَخَذَهُ الْأَبُ قَرْضًا لِنَفْسِهِ فَالْقِرَاضُ يَجُوزُ.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ