فصل: سنة ست وثمانين

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البداية والنهاية **


 ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين

استهلت هذه السنة والناس متوافقون لقتال الحجاج وأصحابه بدير قرة، وابن الأشعث وأصحابه بدير الجماجم، والمبارزة في كل يوم بينهم واقعة، وفي غالب الأيام تكون النصرة لأهل العراق على أهل الشام، حتى قيل إن أصحاب ابن الأشعث وهم أهل العراق كسروا أهل الشام وهم أصحاب الحجاج بضعاً وثمانين مرة ينتصرون عليهم، ومع هذا فالحجاج ثابت في مكانه صابر ومصابر لا يتزحزح عن موضعه الذي هو فيه، بل إذا حصل له ظفر في يوم من الأيام يتقدم بجيشه إلى نحو عدوه، وكان له خبرة بالحرب، وما زال ذلك دأبه ودأبهم حتى أمر بالحملة على كتيبة القراء، لأن الناس كانوا تبعاً لهم، وهم الذين يحرضونهم على القتال والناس يقتدون بهم، فصبر القراء لحملة جيشه، ثم جمع الرماة من جيشه وحمل بهم، وما انفكَّ حتى قتل منهم خلقاً كثيراً، ثم حمل على ابن الأشعث وعلى من معه من الجيش فانهزم أصحاب ابن الأشعث وذهبوا في كل وجه، وهرب ابن الأشعث بين أيديهم ومعه فلّ قليل من الناس، فأتبعه الحجاج جيشاً كثيفاً مع عمارة بن غنم اللخمي ومعه محمد بن الحجاج والإمرة لعمارة، فساقوا وراءهم يطاردونهم لعلهم يظفرون به قتلا أو أسرا، فما زال يسوق ويخترق الأقاليم والكور والرساتيق، وهم في أثره حتى وصل إلى كرمان، واتبعه الشاميون فنزلوا في قصر كان فيه أهل العراق قبلهم، فإذا فيه كتاب قد كتبه بعض أهل الكوفة من أصحاب ابن الأشعث الذين فروا معه من شعر أبي خلدة اليشكري يقول‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/59‏)‏

أيا لهَفاً ويا حُزناً جميعاً * ويا حر الفؤاد لما لقينا

تركنا الدين والدنيا جميعاً * وأسلمنا الحلائل والبنينا

فما كنا أناساً أهل دنيا * فنمنعها ولو لم نرج دينا

تركنا دُورَنا لطغامِ عكٍّ * وأنباط القرى والأشعرينا

ثم إن ابن الأشعث دخل هو ومن معه من الفل إلى بلاد رُتبيل ملك الترك، فأكرمه رتبيل وأنزله عنده وأمنه وعظمه‏.‏

قال الواقدي‏:‏ ومر ابن الأشعث وهو ذاهب إلى بلاد رتبيل على عامل له في بعض المدن كان ابن الأشعث قد استعمله على ذلك عند رجوعه إلى العراق، فأكرمه ذلك العامل وأهدى إليه هدايا وأنزله، فعل ذلك خديعةً به ومكراً، وقال له‏:‏ ادخل إلى عندي إلى البلد لتتحصن بها من عدوك ولكن لا تدع أحداً ممن معك يدخل المدينة، فأجابه إلى ذلك، وإنما أراد المكر به، فمنعه أصحابه فلم يقبل منهم، فتفرق عنه أصحابه، فلما دخل المدينة وثب عليه العامل فمسكه وأوثقه بالحديد وأراد أن يتخذ به يداً عند الحجاج، وقد كان الملك رُتبيل سر بقدوم ابن الأشعث، فلما بلغه ما حدث له من جهة ذلك العامل بمدينة بست، سار حتى أحاط ببست، وأرسل إلى عاملها يقول له‏:‏ والله لئن آذيت ابن الأشعث لا أبرح حتى أستنزلك وأقتل جميع من في بلدك، فخافه ذلك العامل وسير إليه ابن الأشعث فأكرمه رتبيل، فقال ابن الأشعث لرتبيل‏:‏ إن هذا العامل كان عاملي ومن جهتي، فغدر بي وفعل ما رأيت، فأذن لي في قتله، فقال‏:‏ قد أمنته‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/60‏)‏

وكان مع ابن الأشعث عبد الرحمن بن عياش بن أبي ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان هو الذي يصلي بالناس هنالك في بلاد رُتبيل، ثم إن جماعة من الفل الذين هربوا من الحجاج اجتمعوا وساروا وراء ابن الأشعث ليدركوه فيكونوا معه - وهم قريب من ستين ألفاً - فلما وصلوا إلى سجستان وجدوا ابن الأشعث قد دخل إلى عند رُتبيل فتغلبوا على سجستان وعذبوا عاملها عبد الله بن عامر النعار وإخوته وقرابته، واستحوذوا على ما فيها من الأموال وانتشروا، في تلك البلاد وأخذوها، ثم كتبوا إلى ابن الأشعث‏:‏ أن اخرج إلينا حتى نكون معك ننصرك على من يخالفك، ونأخذ بلاد خراسان، فإن بها جنداً ومنعة كثيرة منا، فنكون بها حتى يهلك الله الحجاج أو عبد الملك، فنرى بعد ذلك رأينا‏.‏ فخرج إليهم ابن الأشعث وسار بهم قليلاً إلى نحو خراسان فاعتزله شرذمة من أهل العراق مع عبيد الله بن سمرة، فقام فيهم ابن الأشعث خطيباً فذكر غدرهم ونكولهم عن الحرب، وقال‏:‏ لا حاجة لي بكم، وأنا ذاهب إلى صاحبي رُتبيل فأكون عنده، ثم انصرف عنهم وتبعه طائفة منهم وبقي معظم الجيش‏.‏ فلما انفصل عنهم ابن الأشعث بايعوا عبد الرحمن بن عباس بن أبي ربيعة الهاشمي، وساروا معه إلى خراسان فخرج إليهم أميرها يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، فمنعهم من دخول بلاده، وكتب إلى عبد الرحمن بن عباس يقول له‏:‏ إن في البلاد متسعاً فاذهب إلى أرض ليس بها سلطان فإني أكره قتالك، وإن كنت تريد مالاً بعثت إليك‏.‏ فقال له‏:‏ إنا لم نجيء لقتال أحد، وإنما جئنا نستريح ونريح خيلنا ثم نذهب وليست بنا حاجة إلى شيء مما عرضت‏.‏ ثم أقبل عبد الرحمن على أخذ الخراج مما حوله من البلاد من كور خراسان، فخرج إليه يزيد بن المهلب ومعه أخوه المفضل في جيوش كثيفة، فلما صادفوهم اقتتلوا غير كثير ثم انهزم أصحاب عبد الرحمن بن عباس، وقتل يزيد منهم مقتلة كبيرة واحتاز ما في معسكره، وبعث بالأسارى وفيهم محمد بن سعد بن أبي وقاص إلى الحجاج، ويقال إن محمد بن سعد قال ليزيد بن المهلب‏:‏ أسألك بدعوة أبي لأبيك لما أطلقتني، فأطلقه‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ ولهذا الكلام خبر فيه طول، ولما قدمت الأسارى على الحجاج قتل أكثرهم وعفا عن بعضهم، وقد كان الحجاج يوم ظهر على ابن الأشعث نادى مناديه في الناس‏:‏ من رجع فهو آمن ومن لحق بمسلم بن قتيبة بالري فهو آمن، فلحق بمسلم خلق كثير ممن كان مع ابن الأشعث فأمنهم الحجاج، ومن لم يلحق به شرع الحجاج في تتبعهم، فقتل منهم خلقاً كثيراً حتى كان آخر من قتل منهم سعيد بن جبير على ما سيأتي بيانه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/61‏)‏

وكان الشعبي من جملة من صار إلى مسلم بن قتيبة فذكره الحجاج يوماً فقيل له‏:‏ إنه سار إلى مسلم بن قتيبة، فكتب إلى مسلم أن ابعث لي بالشعبي قال الشعبي‏:‏ فلما دخلت عليه سلمت عليه بالأمرة ثم قلت‏:‏ أيها الأمير إن الناس قد أمروني أن أعتذر إليك بغير ما يعلم الله أنه الحق، وأيم الله لا أقول في هذا المقام إلا الحق كائنا في ذلك ما كان، قد والله تمردنا عليك وخرجنا وجهدنا كل الجهد فما ألونا، فما كنا بالأقوياء الفجرة، ولا بالأتقياء البررة، ولقد نصرك الله علينا وأظفرك بنا فإن سطوت فبذنوبنا وما جرت إليك أيدينا، وإن عفوت عنا فبحلمك، وبعد فلك الحجة علينا‏.‏ فقال الحجاج‏:‏ أنت والله يا شعبي أحب إلي ممن يدخل علينا يقطر سيفه من دمائنا ثم يقول‏:‏ ما فعلت ولا شهدت، قد أمنت عندنا يا شعبي‏.‏ قال‏:‏ فانصرفت فلما مشيت قليلاً قال‏:‏ هلم يا شعبي، قال فوجل لذلك قلبي، ثم ذكرت قوله قد أمنت يا شعبي فاطمأنت نفسي، فقال‏:‏ كيف وجدت الناس بعدنا يا شعبي‏؟‏ - قال‏:‏ وكان لي مكرماً قبل الخروج عليه - فقلت‏:‏ أصلح الله الأمير، قد اكتحلت بعدك السهر، واستوعرت السهل، واستوخمت الجناب، واستجلست الخوف، واستحليت الهم، وفقدت صالح الأخوان، ولم أجد من الأمير خلفاً‏.‏ قال‏:‏ انصرف يا شعبي، فانصرفت‏.‏ ذكر ذلك ابن جرير وغيره‏.‏ ورواه أبو مخنف، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، عن الشعبي‏.‏

وروى البيهقي‏:‏ أنه سأله عن مسألة في الفرائض وهي أم زوج وأخت وما كان يقوله فيها الصديق وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود، وكان لكل منهم قول فيها، فنقل ذلك كله الشعبي في ساعة فاستحسن قول علي وحكم بقول عثمان، وأطلق الشعبي بسبب ذلك‏.‏

وقيل‏:‏ إن الحجاج قتل خمسة آلاف أسير ممن سيرهم إليه يزيد بن المهلب كما تقدم ذلك، ثم سار إلى الكوفة فدخلها فجعل لا يبايع أحداً من أهلها إلا قال‏:‏ أشهد على نفسك أنك قد كفرت، فإذا قال نعم بايعه، وإن أبى قتله، فقتل منهم خلقاً كثيراً ممن أبى أن يشهد على نفسه بالكفر، قال‏:‏ فأُتي برجل فقال الحجاج‏:‏ ما أظن هذا يشهد على نفسه بالكفر لصلاحه ودينه - وأراد الحجاج مخادعته - فقال‏:‏ أخادعي أنت عن نفسي‏؟‏ أنا أكفر أهل الأرض وأكفر من فرعون وهامان ونمروذ‏.‏ قال‏:‏ فضحك الحجاج وخلَّى سبيله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/62‏)‏

وذكر ابن جرير من طريق أبي مخنف‏:‏ أن أعشى همدان أُتي به إلى الحجاج - وكان قد عمل قصيدة هجا فيها الحجاج وعبد الملك بن مروان ويمدح فيها ابن الأشعث وأصحابه - فاستنشده إياها فأنشده قصيدة طويلة دالية، فيها مدح كثير لعبد الملك وأهل بيته، فجعل أهل الشام يقولون‏:‏ قد أحسن أيها الأمير، فقال الحجاج‏:‏ إنه لم يحسن، إنما يقول هذا مصانعة، ثم ألح عليه حتى أنشده قصيدته الأخرى، فلما أنشدها غضب عندك ذلك الحجاج وأمر به فضربت عنقه صبراً بين يديه‏.‏ واسم الأعشى هذا عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث أبو المصبح الهمداني الكوفي الشاعر، أحد الفصحاء البلغاء المشهورين، وقد كان له فضل وعبادة في مبتداه، ثم ترك ذلك وأقبل على الشعر فعرف به، وقد وفد على النعمان بن بشير وهو أمير بحمص فامتدحه، وكان محصوله في رحلته إليه منه ومن جند حمص أربعين ألف دينار، وكان زوج أخت الشعبي، كما أن الشعبي كان زوج أخته أيضاً، وكان ممن خرج مع ابن الأشعث فقتله الحجاج كما ذكرنا رحمه الله‏.‏

وقد كان الحجاج وهو مواقف لابن الأشعث بعث كميناً يأتون جيش ابن الأشعث من ورائه، ثم توافق الحجاج وابن الأشعث وهرب الحجاج بمن معه وترك معسكره، فجاء ابن الأشعث فاحتاز ما في المعسكر وبات فيه، فجاءت السرية إليهم ليلاً وقد وضعوا أسلحتهم فمالوا عليهم ميلة واحدة، ورجع الحجاج بأصحابه فأحاطوا بهم فاقتتلوا قتالاً شديداً، وقتل من أصحاب ابن الأشعث خلق كثير وغرق خلق كثير منهم في دجلة ودجيل، وجاء الحجاج إلى معسكرهم فقتل من وجده فيه، فقتل منهم نحواً من أربعة آلاف، منهم جماعة من الرؤساء والأعيان، واحتازوه بكماله، وأنطلق ابن الأشعث هارباً في ثلاثمائة فركبوا دجيلاً في السفن وعقروا دوابهم وجازوا إلى البصرة، ثم ساروا من هنالك إلى بلاد الترك، وكان في دخوله بلاد رُتبيل ما تقدم، ثم شرع الحجاج في تتبع أصحاب ابن الأشعث فجعل يقتلهم مثنى و فرادى، حتى قيل إنه قتل منهم بين يديه صبراً مائة ألف وثلاثين ألفاً، قاله النضر بن شميل عن هشام بن حسان، منهم محمد بن سعد بن أبي وقاص، و جماعات من السادات الأخيار، والعلماء الأبرار، حتى كان آخرهم سعيد بن جبير رحمهم الله ورضي عنهم كما سيأتي ذلك في موضعه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/ 63‏)‏

بناء واسط

قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة بنى الحجاج واسط، وكان سبب بنائه لها أنه رأى راهباً على أتان قد أجاز دجلة، فلما مر بموضع واسط وقفت أتانه فبالت، فنزل عنها وعمد إلى موضع بولها فاحتفره ورمى به دجلة، فقال الحجاج‏:‏ عليَّ به، فأتي به فقال له‏:‏ لم صنعت هذا‏؟‏ قال‏:‏ إنا نجد في كتبنا أنه يبنى في هذا الموضع مسجد يعبد الله فيه ما دام في الأرض أحد يوحده‏.‏ فعند ذلك اختط الحجاج مدينة واسط في ذلك المكان وبنى المسجد في ذلك الموضع‏.‏

وفيها كانت غزوة عطاء بن رافع صقلية‏.‏

 وممن توفي فيها من الأعيان‏:‏

 عبد الرحمن بن جحيرة

الخولاني المصري، روى عن جماعة من الصحابة وكان عبد العزيز بن مروان أمير مصر قد جمع له بين القضاء والقصص وبيت المال‏:‏ وكان رزقه في العام ألف دينار، وكان لا يدخر منها شيئاً‏.‏

 طارق بن شهاب

ابن عبد شمس الأحمسي ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم وغزا في خلافة الصديق وعمر رضي الله عنهما بضعاً وأربعين غزاة، توفي بالمدينة هذه السنة‏.‏

 عبيد الله بن عدي

ابن الخيار أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وحدث عن جماعة من الصحابة عبد الله بن قيس بن مخرمة، كان قاضي المدينة‏.‏

وكان من فقهاء قريش وعلمائهم وأبوه عدي ممن قتل يوم بدر كافراً‏.‏

وتوفي بها في هذه السنة مرثد بن عبد الله أبو الخير اليزني‏.‏

وفيها فقد جماعة من القراء والعلماء الذين كانوا مع الأشعث، منهم من هرب ومنهم من قتل في المعركة، ومنهم من أسر فضرب الحجاج عنقه، ومنهم من تتبعه الحجاج حتى قتله، وقد سمي منهم خليفة بن خياط طائفة من الأعيان، فمنهم مسلم بن يسار المزني وأبو مرانة العجلي قتل، وعقبة بن عبد الغفار قتل، وعقبة بن وشاح قتل، وعبد الله بن خالد الجهضمي قتل، وأبو الجوزاء الربعي قتل، والنضر بن أنس، وعمران والد أبي حمزة الضبعي، وأبو المنهال سيار بن سلامة الرياحي، ومالك بن دينار، ومرة بن ذباب الهدادي وأبو نجيد الجهضمي، وأبو سبيج الهنائي، وسعيد بن أبي الحسن، وأخوه الحسن البصري قال أيوب‏:‏ قيل لابن الأشعث‏:‏ إن أحببت أن يقتل الناس حولك كما قتلوا حول هودج عائشة يوم الجمل فأخرج الحسن معك، فأخرجه‏.‏

ومن أهل الكوفة سعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن شداد، والشعبي، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، والمعرور بن سويد، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، وأبو البختري، وطلحة بن مصرف، وزبيد بن الحارث الياميان، وعطاء بن السائب‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/64‏)‏

قال أيوب‏:‏ فما منهم صرع مع ابن الأشعث إلا رغب عن مصرعه، ولا نجا أحد منهم إلا حمد الله الذي سلَّمه‏.‏

ومن أعيان من قتل الحجاج عمران بن عصام الضبعي، والد أبي حجزة، كان من علماء أهل البصرة، وكان صالحاً عابداً، أُتي به أسيراً إلى الحجاج فقال له‏:‏ اشهد على نفسك بالكفر حتى أطلقك، فقال‏:‏ والله إن ما كفرت بالله منذ آمنت به، فأمر به فضربت عنقه‏.‏

عبد الرحمن بن أبي ليلى، روى عن جماعة من الصحابة، ولأبيه أبي ليلى صحبة، أخذ عبد الرحمن القرآن عن علي بن أبي طالب‏:‏ خرج مع ابن الأشعث فأُتي به الحجاج فضرب عنقه بين يديه صبراً‏.‏

 ثم دخلت سنة أربع وثمانين

قال الواقدي‏:‏ فيها افتتح عبد الله بن عبد الملك المصيصة، وفيها غزا محمد بن مروان أرمينية فقتل منهم خلقاً وصرف كنائسهم وضياعهم وتسمى سنة الحريق‏.‏

وفيها استعمل الحجاج على فارس محمد ابن القاسم الثقفي، وأمره بقتل الأكراد‏.‏

وفيها ولى عبد الملك الإسكندرية عياض بن غنم البجيني وعزل عنها عبد الملك بن أبي الكنود الذي كان قد وليها في العام الماضي‏.‏

وفيها افتتح موسى بن نصير طائفة من بلاد المغرب من ذلك بلد أرومة، وقتل من أهلها بشراً كثيراً جداً، وأسر نحواً من خمسين ألفاً‏.‏

وفيها قتل الحجاج أيضاً جماعة من أصحاب ابن الأشعث، منهم‏:‏

 أيوب بن القِريّة

وكان فصيحاً بليغاً واعظاً، قتله صبراً بين يديه، ويقال إنه ندم على قتله‏.‏ وهو أيوب بن زيد بن قيس أبو سليمان الهلالي المعروف بابن القرية‏.‏ وعبد الله بن الحارث بن نوفل‏.‏ وسعد بن إياس الشيباني، وأبو غنينما الخولاني‏.‏ له صحبة ورواية، سكن حمص وبها توفى وقد قارب المائة سنة‏.‏

عبد الله بن قتادة، وغير هؤلاء جماعة منهم من قتلهم الحجاج، ومنهم من توفي‏.‏

 أبو زرعة الجذامي الفلسطيني، كان ذا منزلة عند أهل الشام، فخاف منه معاوية ففهم منه ذلك أبو زرعة فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين لا تهدم ركناً بنيته، ولا تحزن صاحباً سررته، ولا تشمت عدواً كبته، فكف عنه معاوية‏.‏

وفيها توفي عتبة بن منذر السلمي صحابي جليل، كان يعد في أهل الصفة‏.‏

 عمران بن حطان الخارجي، كان أولاً من أهل السنة والجماعة فتزوج امرأة من الخوارج حسنة جميلة جداً فأحبها‏.‏ وكان هو دميم الشكل، فأراد أن يردها إلى السنة فأبت، فارتد معها إلى مذهبها‏.‏ وقد كان من الشعراء المفلقين، وهو القائل في قتل علي وقاتله‏:‏

يا ضربة من تقي ما أراد بها * إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكره يوماً فأحسبه * أوفى البرية عند الله ميزانا

أكرم بقوم بطون الطير قبرهم * لم يخلطوا دينهم بغياً وعدوانا ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/ 65‏)‏

وقد كان الثوري يتمثل بأبياته هذه في الزهد في الدنيا وهي قوله‏:‏

أرى أشقياء الناس لا يسأمونها * على أنهم فيها عراة وجوَّع

أراها وإن كانت تحب فإنها * سحابة صيف عن قليل تقشع

كركب قضوا حاجاتهم وترحلوا * طريقهم بادي العلامة مهيع

مات عمران بن حطان سنة أربع وثمانين‏.‏ وقد رد عليه بعض العلماء في أبياته المتقدمة في قتل علي رضي الله عنه بأبيات على قافيتها ووزنها‏.‏

بل ضربة من شقي ما أراد بها * إلا ليبلغ من ذي العرش خسرانا

إني لأذكره يوما فأحسبه * أشقى البرية عند الله ميزانا

 روح بن زنباع الجذامي

كان من أمراء الشام وكان عبد الملك يستشيره في أموره

وفيها كان مهلك عبد الرحمن بن الأشعث الكندي وقيل‏:‏ في التي بعدها، فالله أعلم‏.‏ وذلك أن الحجاج كتب إلى رتبيل ملك الترك الذي لجأ إليه ابن الأشعث يقول له‏:‏ والله الذي لا إله إلا هو لئن لم تبعث إلي بابن الأشعث لأبعثن إلى بلادك ألف ألف مقاتل، ولأخربنها‏.‏ فلما تحقق الوعيد من الحجاج استشار في ذلك بعض الأمراء فأشار عليه بتسليم ابن الأشعث إليه قبل أن يخرب الحجاج دياره ويأخذ عامة أمصاره، فأرسل إلى الحجاج يشترط عليه أن لا يقاتل عشر سنين، وأن لا يؤدي في كل سنة منها إلا مائة ألف من الخراج، فأجابه الحجاج إلى ذلك، وقيل إن الحجاج وعده أن يطلق له خراج أرضه سبع سنين، فعند ذلك غدر رتبيل بابن الأشعث فقيل إنه أمر بضرب عنقه صبراً بين يديه، وبعث برأسه إلى الحجاج، وقيل‏:‏ بل كان ابن الأشعث قد مرض مرضاً شديداً فقتله وهو بآخر رمق، والمشهور أنه قبض عليه وعلى ثلاثين من أقربائه فقيدهم في الأصفاد وبعث بهم مع رسل الحجاج إليه، فلما كانوا ببعض الطريق بمكان يقال له الرجح، صعد ابن الأشعث وهو مقيد بالحديد إلى سطح قصر ومعه رجل موكل به لئلا يفر، وألقى نفسه من ذلك القصر وسقط معه الموكل به فماتا جميعاً، ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/66‏)‏ فعمد الرسول إلى رأس ابن الأشعث فاحتزه، وقتل من معه من أصحاب ابن الأشعث وبعث برؤوسهم إلى الحجاج فأمر فطيف برأسه في العراق، ثم بعثه إلى عبد الملك فطيف برأسه في الشام، ثم بعث به إلى أخيه عبد العزيز بمصر فطيف برأسه هنالك، ثم دفنوا رأسه بمصر وجثته بالرجح، وقد قال بعض الشعراء في ذلك‏:‏

هيهات موضع جثة من رأسها * رأس بمصر وجثة بالرجح

وإنما ذكر ابن جرير مقتل ابن الأشعث في سنة خمس وثمانين، فالله أعلم‏.‏

وعبد الرحمن هذا هو أبو محمد بن الأشعث بن قيس، ومنهم من يقول عبد الرحمن بن قيس بن محمد الأشعث بن قيس الكندي الكوفي، قد روى له أبو داود والنسائي عن أبيه عن جده عن ابن مسعود‏:‏ حديث‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فالقول ما قال البائع أو تشاركا‏)‏‏)‏‏.‏ وعنه أبو العميس ويقال إن الحجاج قتله بعد التسعين سنة فالله أعلم‏.‏

والعجب كل العجب من هؤلاء الذين بايعوه بالإمارة وليس من قريش، وإنما هو كندي من اليمن، وقد اجتمع الصحابة يوم السقيفة على أن الأمارة لا تكون إلا في قريش، واحتج عليهم الصديق بالحديث في ذلك، حتى إن الأمصار سألوا أن يكون منهم أمير مع أمير المهاجرين فأبى الصديق عليهم ذلك، ثم مع هذا كله ضرب سعد بن عبادة الذي دعا إلى ذلك أولاً ثم رجع عنه كما قررنا ذلك فيما تقدم‏.‏ فكيف يعمدون إلى خليفة قد بويع له بالإمارة على المسلمين من سنين فيعزلونه وهو من صلبية قريش ويبايعون لرجل كندي بيعة لم يتفق عليها أهل الحل والعقد‏؟‏ ولهذا لما كانت هذه زلة وفلتة نشأ بسببها شر كبير هلك فيه خلق كثير فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/67‏)‏

 أيوب بن القرية

وهي أمه واسم أبيه يزيد بن قيس بن زرارة بن مسلم النمري الهلالي، كان أعرابياً أمياً، وكان يضرب به المثل في فصاحته وبيانه وبلاغته، صحب الحجاج ووقد على عبد الملك، ثم بعثه رسولاً إلى ابن الأشعث فقال له ابن الأشعث‏:‏ لئن لم تقم خطيباً فتخلع الحجاج لأضربن عنقك، ففعل وأقام عنده، فلما ظهر الحجاج استحضره وجرت له معه مقامات ومقالات في الكلام، ثم آخر الأمر ضرب عنقه وندم بعد ذلك على ما فعل من ضرب عنقه، ولكن ندم حيث لا ينفعه الندم‏.‏ كما قيل‏:‏ وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل *‏.‏

وقد ذكره ابن عساكر في تاريخه وابن خلكان في الوفيات وأطال ترجمته وذكر فيها أشياء حسنة، قال‏:‏ والقِريِّة بكسر القاف وتشديد الياء وهي جدته واسمها جماعة بنت جشم قال ابن خلكان‏:‏ ومن الناس من أنكر وجوده ووجود مجنون ليلى، وابن أبي العقب صاحب الملحمة، وهو يحيى بن عبد الله بن أبي العقب والله أعلم‏.‏

 روح بن زنباع

ابن سلامة الجذامي أبو زرعة ويقال‏:‏ أبو زنباع الدمشقي، داره بدمشق في طرف البزوريين عند دار ابن عقب صاحب الملحمة‏.‏ وهو تابعي جليل، روى عن أبيه - وكانت له صحبة - وتميم الداري، وعبادة بن الصامت ومعاوية وكعب الأحبار وغيرهم، وعنه جماعة منهم عبادة بن نسي‏.‏

كان روح عند عبد الملك كالوزير لا يكاد يفارقه، وكان مع أبيه مروان يوم مرج راهط وقد أمره يزيد بن معاوية على جند فلسطين، وزعم مسلم بن الحجاج أن روح بن زنباع كانت له صحبة، ولم يتابع مسلم على هذا القول، والصحيح أنه تابعي وليس بصحابي، ومن مآثره التي نفرد بها أنه كان كلما خرج من الحمام يعتق نسمة، قال ابن زيد‏:‏ مات سنة أربع وثمانين بالأردن، وزعم بعضهم أنه بقى إلى أيام هشام بن عبد الملك، وقد حج مرة فنزل على ماء بين مكة والمدينة فأمر فأصلحت له أطعمة مختلفة الألوان، ثم وضعت بين يديه، فبينما هو يأكل إذ جاء راع من الرعاة يرد الماء، فدعاه روح بن زنباع إلى الأكل من ذلك الطعام، فجاء الراعي فنظر إلى طعامه وقال‏:‏ إني صائم فقال له روح‏:‏ في مثل هذا اليوم الطويل الشديد الحر تصوم يا راعي‏؟‏ فقال الراعي‏:‏ أفأغبن أيامي من أجل طعامك‏؟‏ ثم إن الراعي ارتاد لنفسه مكاناً فنزله وترك روح بن زنباع، فقال روح بن زنباع‏:‏

لقد ضننت بأيامك يا راعي * إذ جاد بها روح بن زنباع ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/68‏)‏

ثم إن روحاً بكى طويلاً وأمر بتلك الأطعمة فرفعت، وقال‏:‏ انظروا هل تجدون لها آكلاً من هذه الأعراب أو الرعاة‏؟‏ ثم سار من ذلك المكان وقد أخذ الراعي بمجامع قلبه وصغرت إليه نفسه والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة خمس وثمانين

فيها كما ذكر ابن جرير‏:‏ كان مقتل عبد الرحمن بن الأشعث فالله أعلم، وفيها عزل الحجاج عن إمرة خراسان يزيد بن المهلب وولى عليها أخاه المفضل بن المهلب، وكان سبب ذلك أن الحجاج وفد مره على عبد الملك فلما انصرف مر بدير فقيل له‏:‏ إن فيه شيخاً كبيراً من أهل الكتاب عالماً فدعي فقال‏:‏ يا شيخ هل تجدون في كتبكم ما أنتم فيه وما نحن فيه‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال له فما تجدون صفة أمير المؤمنين‏؟‏ قال‏:‏ نجده ملكاً أقرع، من يقم في سبيله بصرع، قال‏:‏ ثم من‏؟‏ قال‏:‏ ثم رجل يقال له الوليد، قال‏:‏ ثم ماذا‏؟‏ قال ثم رجل اسمه اسم نبي يفتح به على الناس، قال‏:‏ فتعرفني له قال‏:‏ قد أخبرت بك‏.‏ قال‏:‏ أفتعرف مآلي‏؟‏ قال‏:‏ نعم ‏!‏ قال‏:‏ فمن يلي العراق بعدي‏؟‏ قال‏:‏ رجل يقال له يزيد، قال أفي حياتي أو بعد موتي‏؟‏ قال لا أدري، قال‏:‏ أفتعرف صفته‏؟‏ قال يغدر غدرة لا أعرف غيرها قال‏:‏ فوقع في نفس الحجاج أنه يزيد بن المهلب، وسار سبعاً وهو وجل من كلام الشيخ، ثم بعث إلى عبد الملك يستعفيه من ولاية العراق ليعلم مكانته عنده‏؟‏ فجاء الكتاب بالتقريع والتأنيب والتوبيخ والأمر بالثبات والاستمرار على ما هو عليه‏.‏ ثم إن الحجاج جلس يوماً مفكراً واستدعى بعبيد بن موهب فدخل عليه وهو ينكت في الأرض فرفع رأسه إليه فقال‏:‏ ويحك يا عبيد، إن أهل الكتاب يذكرون أن ما تحت يدي سيليه رجل يقال له يزيد، وقد تذكرت يزيد بن أبي كبشة ويزيد بن حصين بن نمير ويزيد بن دينار وليسوا هناك، وما هو إلا يزيد بن المهلب‏.‏ فقال عبيد‏:‏ لقد شرفهم وعظمت ولايتهم وإن لهم لقدراً وجلداً وحظاً فأخلق به‏.‏ فأجمع رأى الحجاج على عزل يزيد بن المهلب، فكتب إلى عبد الملك يذمه ويخوفه غدره ويخبره بما أخبره به ذلك الشيخ الكتابي، فجاء البريد بكتاب فيه قد أكثرت في شأن يزيد فسم رجلاً يصلح لخراسان، فوقع اختيار الحجاج على المفضل بن المهلب فولاه قليلاً تسعة أشهر، فغزا بلاد عبس وغيرها وغنم مغانم كثيرة، وامتدحه الشعراء ثم عزله بقتيبة بن مسلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/69‏)‏

قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة قتل موسى بن عبد الله بن خازم بترمذ، ثم ذكر سبب ذلك وملخصه أنه بعد مقتل أبيه لم يبق بيده بلد يلجأ إليه بمن معه من أصحابه، فجعل كلما اقترب من بلدة خرج إليه ملكها فقاتله، فلم يزل ذلك دأبه حتى نزل قريباً من ترمذ وكان ملكها فيه ضعف، فجعل يهادنه ويبعث إليه بالألطاف والتحف، حتى جعل يتصيد هو وهو، ثم عن للملك فعمل له طعاماً وبعث إلى موسى بن عبد الله بن خازم أن ائتني في مائة من أصحابك، فاختار موسى من جيشه مائة من شجعانهم، ثم دخل البلد فلما فرغت الضيافة اضطجع موسى في دار الملك وقال‏:‏ والله لا أقوم من هنا حتى يكون هذا المنزل منزلي أو يكون قبري‏:‏ فثار أهل القصر إليه فحاجف عنه أصحابه، ثم وقعت الحرب بينهم وبين أهل ترمذ، فاقتتلوا فقتل من أهل ترمذ خلق كثير وهرب بقيتهم، واستدعى موسى ببقية جيشه إليه واستحوذ موسى على البلد فحصنها ومنعها من الأعداء وخرج منها ملكها هارباً فلجأ إلى إخوانه من الأتراك فاستنصرهم فقالوا له‏:‏ هؤلاء قوم نحو من مائة رجل أخرجوك من بلدك، لا طاقة لنا بقتال هؤلاء ثم ذهب ملك ترمذ إلى طائفة أخرى من الترك فاستصرخهم فبعثوا معه قصاداً نحو موسى ليسمعوا كلامه، فلما أحس بقدومهم - وكان ذلك في شدة الحر - أمر أصحابه أن يؤججوا ناراً ويلبسوا ثياب الشتاء ويدنوا أيديهم من النار كأنهم يصطلون، بها فلما وصلت إليهم الرسل رأوا أصحابه وما يصنعون في شدة الحر فقالوا لهم‏:‏ ما هذا الذي نراكم تفعلون‏؟‏ فقالوا لهم‏:‏ إنا نجد البرد في الصيف والكرب في الشتاء، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا‏:‏ ما هؤلاء بشر، ما هؤلاء إلا جن ثم عادوا إلى ملكهم فأخبروه بما رأوا فقالوا‏:‏ لا طاقة لنا بقتال هؤلاء‏.‏ ثم ذهب صاحب ترمذ فاستجاش بطائفة أخرى فجاؤوا فحاصرهم بترمذ وجاء الخزاعي فحاصرهم أيضاً، فجعل يقاتل الخزاعي أول النهار ويقاتل آخره العجم، ثم إن موسى بيتهم فقتل منهم مقتلة عظيمة وأفزع ذلك عمر الخزاعي فصالحه وكان معه، فدخل يوماً عليه وليس عنده، أحد وليس يرى معه سلاحاً فقال له على وجه النصح‏:‏ أصلح الله الأمير، إن مثلك لا ينبغي أن يكون بلا سلاح، فقال‏:‏ إن عندي سلاحاً، ثم رفع صدر فراشه فإذا سيفه منتضى فأخذه عمرو فضربه به حتى برد وخرج هارباً، ثم تفرق أصحاب موسى بن عبد الله بن خازم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/70‏)‏

قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة عزم عبد الملك على عزل أخيه عبد العزيز بن مروان عن إمرة الديار المصرية، وحسن له ذلك روح بن زنباع الجذامي، فبينما هما في ذلك إذ دخل عليهما قبيصة بن ذؤيب في الليل، وكان لا يحجب عنه في أي ساعة جاء من ليل أو نهار، فعزاه في أخيه عبد العزيز فندم على ما كان منه من العزم، على عزله وإنما حمله على إرادة عزله أنه أراد أن يعهد بالأمر من بعده لأولاده الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام، وذلك عن رأي الحجاج وترتيبه ذلك لعبد الملك، وكان أبوه مروان عهد بالأمر إلى عبد الملك ثم من بعده إلى عبد العزيز، فأراد عبد الملك أن ينحيه عن الأمرة من بعده بالكلية، ويجعل الأمر في أولاده وعقبه وأن تكون الخلافة باقية فيهم والله أعلم‏.‏

 عبد العزيز بن مروان

هو عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس أبو الأصبغ القرشي الأموي ولد بالمدينة ثم دخل الشام مع أبيه مروان، وكان ولي عهده من بعد أخيه عبد الملك، وولاه أبوه إمرة الديار المصرية في سنة خمس وستين فكان والياً عليها إلى هذه السنة، وشهد قتل سعيد بن عمرو بن العاص كما قدمنا، وكانت له دار بدمشق وهي دار الصوفية، اليوم المعروفة بالخانقاه السميساطية ثم كانت من بعده لولده عمر بن عبد العزيز، ثم تنقلت إلى أن صارت خانقاها للصوفية‏.‏ وقد روي عبد العزيز بن مروان الحديث عن أبيه وعبد الله بن الزبير وعقبة بن عامر وأبي هريرة، وحديثه عنه في مسند أحمد وسنن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏شر ما في الرجل جبن خالع وشح هالع‏)‏‏)‏‏.‏ وعنه ابنه عمر والزهري وعلي بن رباح وجماعة‏.‏ قال محمد بن سعد‏:‏ كان ثقة قليل الحديث، وقال غيره‏:‏ كان يلحن في الحديث وفي كلامه، ثم تعلم العربية فأتقنها وأحسنها فكان من أفصح الناس، وكان سبب ذلك أنه دخل عليه رجل يشكو ختنه -وهو زوج ابنته -فقال‏:‏ له عبد العزيز من ختَنَك‏؟‏ فقال الرجل‏:‏ ختني الخاتن الذي يختن الناس، فقال لكاتبه ويحك بماذا أجابني‏؟‏ فقال الكاتب‏:‏ يا أمير المؤمنين كان ينبغي أن تقول من خِتنُك، فآلى على نفسه أن لا يخرج من منزله حتى يتعلم العربية، فمكث جمعة واحدة فتعلمها فخرج وهو من أفصح الناس، ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/ 70‏)‏ وكان بعد ذلك يجزل عطاء من يعرب كلامه وينقص عطاء من يلحن فيه، فتسارع الناس في زمانه إلى تعلم العربية‏.‏

قال عبد العزيز يوماً إلى رجل‏:‏ ممن أنت‏؟‏ قال‏:‏ من بنو عبد الدار، فقال‏:‏ تجدها في جائزتك، فنقصت جائزته مائة دينار‏.‏

وقال أبو يعلى الموصلي‏:‏ حدثنا مجاهد بن موسى، ثنا إسحاق بن يوسف، أنبأنا سفيان، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، قال‏:‏ كتب عبد العزيز بن مروان إلى عبد الله بن عمر‏:‏ ارفع إلي حاجتك‏.‏ فكتب إليه ابن عمر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول‏)‏‏)‏‏.‏ ولست أسألك شيئاً ولا أرد رزقاً رزقنيه الله عز وجل منك‏.‏ وقال ابن وهب، حدثنا يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، قال‏:‏ بعثني عبد العزيز بن مروان بألف دينار إلى ابن عمر قال‏:‏ فجئت فدفعت إليه الكتاب فقال‏:‏ أين المال‏؟‏ فقلت‏:‏ لا أستطيعه الليلة حتى أصبح، قال‏:‏ لا والله لا يبيت ابن عمر الليلة وله ألف دينار، قال‏:‏ فدفع إلي الكتاب حتى جئته بها ففرقها رضي الله عنه‏.‏

ومن كلامه رحمه الله عجباً لمؤمن يؤمن ويوقن أن الله يرزقه ويخلف عليه، كيف يحبس مالاً عن عظيم أجر وحسن ثناء‏.‏

ولما حضرته الوفاء أحضر له مال يحصيه وإذا هو ثلاثمائة مد من ذهب، فقال‏:‏ والله لوددت أنه بعر خائل بنجد، وقال‏:‏ والله لوددت أني لم أكن شيئاً مذكوراً، لوددن أن أكون هذا الماء الجاري، أو نباتة بأرض الحجاز، وقال لهم‏:‏ ائتوني بكفني الذي تكفنوني فيه، فجعل يقول‏:‏ أف لك ما أقصر طويلك، وأقل كثيرك‏.‏

قال يعقوب بن سفيان، عن ابن بكير، عن الليث بن سعد، قال‏:‏ كانت وفاته ليلة الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ست وثمانين، قال ابن عساكر‏:‏ وهذا وهم من يعقوب بن سفيان والصواب سنة خمس وثمانين، فإنه مات قبل عبد الملك أخيه، ومات عبد الملك بعده بسنة سنة ست وثمانين‏.‏ وقد كان عبد العزيز بن مروان من خيار الأمراء كريماً جواداً ممدحاً، وهو والد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، وقد اكتسى عمر أخلاق أبيه وزاد عليه بأمور كثيرة‏.‏ وكان لعبد العزيز من الأولاد غير عمر، عاصم وأبو بكر ومحمد والأصبغ - مات قبله بقليل فحزن عليه حزناً كثيراً ومرض بعده ومات - وسهيل وكان له عدة بنات، أم محمد وسهيل وأم عثمان وأم الحكم وأم البنين وهن من أمهات شتى، وله من الأولاد غير هؤلاء، مات بالمدينة التي بناها على مرحلة من مصر وحمل إلى مصر في النيل ودفن بها، وقد ترك عبد العزيز من الأموال والأثاث والدواب من الخيل والبغال والإبل وغير ذلك ما يعجز عنه الوصف من جملة ذلك ثلاثمائة مد من ذهب غير الورق، مع جوده وكرمه وبذله وعطاياه الجزيلة، فإنه كان من أعطى الناس للجزيل رحمه الله تعالى‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/72‏)‏

وقد ذكر ابن جرير أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أخيه عبد العزيز وهو بالديار المصرية يسأله أن ينزل عن العهد الذي له من بعده لولده الوليد أو يكون ولي العهد من بعده، فإنه أعز الخلق علي‏.‏ فكتب إليه عبد العزيز يقول‏:‏ إني أرى في أبي بكر بن عبد العزيز ما ترى في الوليد‏.‏ فكتب إليه عبد الملك يأمره بحمل خراج مصر - وقد كان عبد العزيز لا يحمل إليه شيئاً من الخراج ولا غيره، وإنما كانت بلاد مصر بكمالها وبلاد المغرب وغير ذلك كلها لعبد العزيز، مغانمها وخراجها وحملها - فكتب عبد العزيز إلى عبد الملك‏:‏ إني وإياك يا أمير المؤمنين قد بلغنا سناً لا يبلغها أحد من أهل بيتك إلا كان بقاؤه قليلاً، وإني لا أدري ولا تدري أينا يأتيه الموت أولاً، فإن رأيت أن لا تعتب علي بقية عمري فافعل فرق له عبد الملك، وكتب إليه‏:‏ لعمري لا أعتب عليك بقية عمرك‏.‏ وقال عبد الملك لابنه الوليد‏:‏ إن يرد الله أن يعطيكها لا يقدر أحد من العباد على رد ذلك عنك، ثم قال لابنه الوليد وسليمان‏:‏ هل قارفتما محرماً أو حراماً قط‏؟‏ فقالا‏:‏ لا والله، فقال‏:‏ الله أكبر نلتماها ورب الكعبة‏.‏ ويقال إن عبد الملك لما امتنع أخوه من إجابته إلى ما طلب منه في بيعته لولده الوليد دعا عليه، وقال‏:‏ اللهم إنه قطعني فاقطعه، فمات في هذه السنة كما ذكرنا فلما جاءه الخبر بموت أخيه عبد العزيز ليلاً حزن وبكى وبكى أهله بكاء كثيراً على عبد العزيز ولكن سره ذلك من جهة ابنيه فإنه نال فيها ما كان يؤمله لهما من ولايته إياهما بعده‏.‏ وقد كان الحجاج بعث إلى عبد الملك يحسّن له ولاية الوليد ويزينها له من بعده، وأوفد إليه وفداً في ذلك عليهم عمران بن عصام العثري، فلما دخلوا عليه قام عمران خطيباً فتكلم وتكلم الوفد في ذلك وحثوا عبد الملك على ذلك وأنشد عمران بن عصام في ذلك‏:‏

أمير المؤمنين إليك نهدي * على النأي التحية والسلاما

أجبني في بنيك يكن جوابي * لهم عادية ولنا قواما

فلو أن الوليد أطاع فيه * جعلت له الخلافة والذماما

شبيهك حول قبته قريش * به يستمطر الناس الغماما

ومثلك في التقى لم يصب يوماً * لدن خلع القلائد والتماما

فإن تؤثر أخاك بها فإنا * وجدك لا نطيق لها اتهاما ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/73‏)‏

ولكنا نحاذر من بنيه * بني العلات مأثرة سماما

ونخشى إن جعلت الملك فيهم * سحاباً أن تعود لهم جهاما

فلا يك ما حلبت غداً لقوم * وبعد غد بنوك هم العياما

فأقسم لو تخطاني عصام * بذلك ما عذرت به عصاما

ولو أني حبوت أخاً بفضلٍ * أريد به المقالة والمقاما

لعقَّب في بنيَّ على بنيه * كذلك أو لرمت له مراما

فمن يك في أقاربه صدوع * فصدع الملك أبطؤه التئاما

قال فهاجه ذلك على أن كتب لأخيه يستنزله عن الخلافة للوليد فأبى عليه، وقدر الله سبحانه موت عبد العزيز قبل موت عبد الملك بعام واحد، فتمكن حينئذ مما أراد من بيعة الوليد وسليمان، والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

 بيعة عبد الملك لولده الوليد ثم من بعده لولده سليمان

وكان ذلك في هذه السنة بعد موت عبد العزيز بن مروان، بويع له بدمشق ثم في سائر الأقاليم ثم لسليمان من بعده، ثم لما انتهت البيعة إلى المدينة امتنع سعيد بن المسيب أن يبايع في حياة عبد الملك لأحد، فأمر به هشام بن إسماعيل نائب المدينة فضربه ستين سوطاً، وألبسه ثياباً من شعر وأركبه جملاً وطاف به في المدينة، ثم أمر به فذهبوا به إلى ثنية ذباب - وهي الثنية التي كانوا يصلون عندها ويقيلون - فلما وصلوا إليها ردوه إلى المدينة فأودعوه السجن، فقال لهم‏:‏ والله لو أعلم أنكم لا تقتلوني لم ألبس هذه الثياب‏.‏ ثم كتب هشام بن إسماعيل المخزومي إلى عبد الملك يعلمه بمخالفة سعيد في ذلك، فكتب إليه يعنفه في ذلك ويأمره بإخراجه ويقول له‏:‏ إن سعيداً كان أحق منك بصلة الرحم مما فعلت به، وإنا لنعلم أن سعيداً ليس عنده شقاق ولا خلاف، ويروى أنه قال له‏:‏ ما ينبغي إلا أن يبايع، فإن لم يبايع ضربت عنقه أو خليت سبيله‏.‏ وذكر الواقدي أن سعيداً لما جاءت بيعة الوليد امتنع من البيعة فضربه نائبها في ذلك الوقت - وهو جابر بن الأسود بن عوف -ستين سوطاً أيضاً وسجنه، فالله أعلم‏.‏

قال أبو مخنف وأبو معشر والواقدي‏:‏ وحج بالناس في هذه السنة هشام بن إسماعيل المخزومي نائب المدينة، وكان على العراق والمشرق بكماله الحجاج، قال شيخنا الحافظ الذهبي‏:‏  وتوفي في هذه السنة‏:‏

 أبان بن عثمان بن عفان

أمير المدينة، كان من فقهاء المدينة العشرة، قاله يحيى بن القطان‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/74‏)‏ وقال محمد بن سعد‏:‏ كان ثقة وكان به صمم ووضح كثير، وأصابه الفالج قبل أن يموت‏.‏

عبد الله بن عامر

بن ربيعة‏.‏

عمرو بن حريث‏.‏

عمرو بن سلمة‏.‏

واثلة بن الأسقع‏.‏ شهد واثلة تبوك ثم شهد فتح دمشق ونزلها، ومسجده بها عند حبس باب الصغير من القبلة‏.‏ قلت‏:‏ وقد احترق مسجده في فتنة تمرلنك ولم يبق منه إلا رسومه، وعلى بابه من الشرق قناة ماء‏.‏

 خالد بن يزيد

بن معاوية ابن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، كان أعلم قريش بفنون العلم، وله يد طولى في الطب، وكلام كثير في الكيمياء، وكان قد استفاد ذلك من راهب اسمه مريانش، وكان خالد فصيحاً بليغاً شاعراً منطقياً كأبيه، دخل يوماً على عبد الملك بن مروان بحضرة الحكم بن أبي العاص، فشكى إليه أن ابنه الوليد يحتقر أخاه عبد الله بن يزيد، فقال عبد الملك‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 34‏]‏‏.‏

فقال له خالد‏:‏ ‏{‏وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 16‏]‏‏.‏

فقال عبد الملك‏:‏ والله لقد دخل علي أخوك عبد الله فإذا هو لا يقيم اللحن، فقال خالد‏:‏ والوليد لا يقيم اللحن، فقال عبد الملك‏:‏ إن أخاه سليمان لا يلحن، فقال خالد‏:‏ وأنا أخو عبد الله لا ألحن، فقال الوليد -وكان حاضراً - لخالد بن يزيد‏:‏ اسكت فوالله ما تعد في العير ولا في النفير‏.‏

فقال خالد‏:‏ اسمع يا أمير المؤمنين ‏!‏ ثم أقبل خالد على الوليد‏.‏

فقال‏:‏ ويحك وما هو العير والنفير غير جدي أبي سفيان صاحب العير، وجدي عتبة بن ربيعة صاحب النفير، ولكن لو قلت غنيمات وجبيلات والطائف، ورحم الله عثمان، لقلنا صدقت - يعني أن الحكم كان منفياً بالطائف يرعى غنماً ويأوي إلى جبلة الكرم حتى آواه عثمان بن عفان حين ولي - فسكت الوليد وأبوه ولم يحيرا جواباً، والله سبحانه أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة ست وثمانين

ففيها غزا قتيبة بن مسلم نائب الحجاج على مرو وخراسان، بلاداً كثيرة من أرض الترك وغيرهم من الكفار، وسبى وغنم وسلم وتسلم قلاعاً وحصوناً وممالك، ثم قفل فسبق الجيش، فكتب إليه الحجاج يلومه على ذلك، ويقول له‏:‏ إذا كنت قاصداً بلاد العدو فكن في مقدمة الجيش، وإذا قفلت راجعاً فكن في ساقة الجيش - يعني لتكون ردءاً لهم من أن ينالهم أحد من العدو وغيرهم بكيد - وهذا رأي حسن وعليه جاءت السنة، وكان في السبي امرأة برمك - والد خالد بن برمك -جمح فيقول‏:‏ أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لاتخذنه حناناً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/75‏)‏

قلت‏:‏ قد استشكل بعضهم هذا من جهة أن ورقة توفي بعد البعثة في فترة الوحي، وإسلام من أسلم إنما كان بعد نزول‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 1‏]‏ فكيف يمر ورقة ببلال، وهو يعذب وفيه نظر‏.‏

ثم ذكر ابن إسحاق مرور أبي بكر ببلال وهو يعذب، فاشتراه من أمية بعبد له أسود فأعتقه وأراحه من العذاب وذكر مشتراه لجماعة ممن أسلم من العبيد والإماء، منهم‏:‏ بلال، وعامر بن فهيرة، وأم عميس التي أصيب بصرها ثم رده الله تعالى لها، والنهدية وابنتها اشتراها من بني عبد الدار بعثتهما سيدتهما تطحنان لها فسمعها وهي تقول لهما‏:‏ والله لا أعتقكما أبداً، فقال أبو بكر‏:‏ حل يا أم فلان، فقالت‏:‏ حل أنت أفسدتهما فأعتقهما، فقال‏:‏ بكم هما‏؟‏ قالت‏:‏ بكذا وكذا‏.‏

قال‏:‏ قد أخذتهما وهما حرتان، أرجعا لها طحينها‏.‏ قالتا‏:‏ أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها‏؟‏

قال‏:‏ أو ذلك إن شئتما‏.‏

واشترى جارية بني مؤمل - حي من بين عدي - كان عمر يضربها على الإسلام‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فحدثني محمد بن عبد الله بن أبي عتيق، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن بعض أهله‏.‏ قال‏:‏ قال أبو قحافة لابنه أبي بكر‏:‏ يا بني إني أراك تعتق ضعافاً، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالاً جلداء يمنعونك ويقومون دونك‏؟‏ قال‏:‏ فقال أبو بكر‏:‏ يا أبت إني إنما أريد ما أريد‏.‏

قال‏:‏ فتحدث أنه ما أنزل هؤلاء الآيات إلا فيه وفيما قال أبوه‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏ 5-6‏]‏ إلى آخر السورة‏.‏

وقد تقدم ما رواه الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عاصم بن بهدلة، عن زر، عن ابن مسعود، قال‏:‏ أول من أظهر الإسلام سبعة‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد‏.‏

فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأبو بكر منعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالاً فإنه هانت عليه نفسه في الله تعالى، وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول‏:‏ أحد أحد‏.‏

ورواه الثوري، عن منصور، عن مجاهد مرسلاً‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 9/76‏)‏

وكان مولده ومولد يزيد بن معاوية في سنة ست وعشرين، وقد كان عبد الملك قبل الخلافة من العباد الزهاد الفقهاء الملازمين للمسجد التالين للقرآن، وكان ربعة من الرجال أقرب إلى القصر‏.‏ وكانت أسنانه مشبكة بالذهب، وكان أفوه مفتوح الفم، فربما غفل فينفتح فمه فيدخل فيه الذباب، ولهذا كان يقال له أبو الذباب‏.‏ وكان أبيض ربعة ليس بالنحيف ولا البادن، مقرون الحاجبين أشهل كبير العينين دقيق الأنف مشرق الوجه أبيض الرأس واللحية حسن الوجه لم يخضب، ويقال إنه خضب بعد‏.‏ وقد قال نافع لقد رأيت المدينة وما فيها شاب أشد تشميراً ولا أفقه ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان، وقال الأعمش، عن أبي الزناد‏:‏ كان فقهاء المدينة أربعة سعيد بن المسيب، وعروة، وقبيصة بن ذويب، وعبد الملك بن مروان قبل أن يدخل في الإمارة‏.‏

وعن ابن عمر أنه قال‏:‏ ولد الناس أبناء وولد مروان أبا - يعني عبد الملك - ورآه يوماً وقد ذكر اختلاف الناس، فقال‏:‏ لو كان هذا الغلام اجتمع الناس عليه، وقال عبد الملك‏:‏ كنت أجالس بريدة بن الحصيب، فقال لي يوماً‏:‏ يا عبد الملك إن فيك خصالاً، وإنك لجدير أن تلي أمر هذه الأمة، فاحذر الدماء فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها على محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق‏)‏‏)‏‏.‏

وقد أثنى عليه قبل الولاية معاوية وعمرو بن العاص في قصة طويلة‏.‏

وقال سعيد بن داود الزبيري، عن مالك، عن يحيى بن سعيد بن داود الزبيري قال‏:‏ كان أول من صلى ما بين الظهر والعصر عبد الملك بن مروان وفتيان معه، فقال سعيد بن المسيب‏:‏ ليست العبادة بكثرة الصلاة والصوم، إنما العبادة التفكر في أمر الله والورع عن محارم الله‏.‏

وقال الشعبي‏:‏ ما جالست أحداً إلا وجدت لي الفضل عليه، إلا عبد الملك بن مروان فإني ما ذاكرته حديثاً إلا زادني منه، ولا شعراً إلا زادني فيه‏.‏

وذكر خليفة بن خياط أن معاوية كتب إلى مروان وهو نائبه على المدينة سنة خمسين أن ابعث ابنك عبد الملك على بعث المدينة إلى بلاد المغرب مع معاوية بن خديج، فذكر من كفايته وغنائه ومجاهدته في تلك البلاد شيئاً كثيراً‏.‏

ولم يزل عبد الملك مقيماً بالمدينة حتى كانت وقعة الحرة، واستولى ابن الزبير على بلاد الحجاز، وأجلى بني أمية من هنالك، فقدم مع أبيه الشام، ثم لما صارت الإمارة مع أبيه وبايعه أهل الشام كما تقدم أقام في الإمارة تسعة أشهر ثم عهد إليه بالإمارة من بعده فاستقل عبد الملك بالخلافة في مستهل رمضان أو ربيع الأول من سنة خمس و ستين، واجتمع الناس عليه بعد مقتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين في جمادى الأولى إلى هذه السنة‏.‏

وقال ثعلب، عن ابن الأعرابي لما سلم على عبد الملك بالخلافة كان في حجره مصحف فأطبقه وقال‏:‏ هذا فارق بيني وبينك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/77‏)‏

وقال أبو الطفيل‏:‏ صنع لعبد الملك مجلس توسع فيه، وقد كان بنى له فيه قبة قبل ذلك، فدخله وقال‏:‏ لقد كان حثمة الأحوازي - يعني عمر بن الخطاب - يرى أن هذا عليه حرام، وقيل أنه لما وضع المصحف من حجره قال‏:‏ هذا آخر العهد منك‏.‏

وكان عبد الملك له إقدام على سفك الدماء، وكان حازماً فهماً فطناً سائساً لأمور الدنيا، لا يكل أمر دنياه إلى غيره وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص، وأبوها معاوية هو الذي جدع أنف حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وقال سعيد بن عبد العزيز‏:‏ لما خرج عبد الملك إلى العراق لقتال مصعب بن الزبير خرج معه يزيد بن الأسود الجرشي، فلما التقوا قال‏:‏ اللهم احجز بين هذين الجبلين وولِ الأمر أحبهما إليك‏.‏ فظفر عبد الملك - وقد كان مصعب من أعز الناس على عبد الملك - وقد ذكرنا كيفية قتله مصعباً‏.‏

وقال سعيد بن عبد العزيز‏:‏ لما بويع لعبد الملك بالخلافة كتب إليه عبد الله بن عمر بن الخطاب‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن عمر إلى عبد الملك أمير المؤمنين ‏!‏سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنك راع وكل راع مسؤول عن رعيته ‏{‏اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 87‏]‏ لا أحد والسلام‏.‏ وبعث به مع سلام فوجدوا عليه إذ قدم اسمه على اسم أمير المؤمنين، ثم نظروا في كتبه إلى معاوية فوجدوها كذلك، فاحتملوا ذلك منه‏.‏

وقال الواقدي‏:‏ حدثني ابن أبي ميسرة، عن أبي موسى الخياط، عن أبي كعب، قال‏:‏ سمعت عبد الملك بن مروان، يقول‏:‏ يا أهل المدينة أنا أحق الناس أن يلزم الأمر الأول، وقد سالت علينا أحاديث من قبل هذا المشرق ولا نعرفها ولا نعرف منها إلا قراءة القرآن فالزموا ما في مصحفكم الذي حملكم عليه الإمام المظلوم، وعليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم رحمه الله، فإنه قد استشار في ذلك زيد بن ثابت ونعم المشير كان للإسلام رحمه الله، فأحكما ما أحكما، واستقصيا ما شذ عنهما‏.‏

وقال ابن جريج عن أبيه‏:‏ حج علينا عبد الملك سنة خمس وسبعين بعد مقتل ابن الزبير بعامين، فخطبنا فقال‏:‏ أما بعد فإنه كان من قبلي من الخلفاء يأكلون من المال ويوكلون، وإني والله لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف، ولست بالخليفة المستضعف - يعني عثمان - ولا الخليفة المداهن - يعني معاوية - ولا الخليفة المأبون - يعني يزيد بن معاوية - ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/78‏)‏ أيها الناس إنا نحتمل منكم كل الغرمة ما لم يكن عقد راية أو وثوب على منبر‏:‏ هذا عمرو بن سعيد حقه حقه، قرابته وابنه، قال برأسه هكذا فقلنا بسيفنا هكذا، وإن الجامعة التي خلعها من عنقه عندي، وقد أعطيت الله عهداً أن لا أضعها في رأس أحد إلا أخرجها الصعداء، فليبلغ الشاهد الغائب‏.‏

وقال الأصمعي، ثنا عباد بن سلم بن عثمان بن زياد، عن، أبيه، عن جده، قال‏:‏ ركب عبد الملك بن مروان بكراً فأنشأ قائده يقول‏:‏

يا أيها البكر الذي أراكا * عليك سهل الأرض في ممشاكا

ويحك هل تعلم من علاكا * خليفة الله الذي امتطاكا

لم يحب بكراً مثل ما حباكا *

فلما سمعه عبد الملك قال‏:‏ أيها يا هناه، قد أمرت لك بعشرة آلاف‏.‏

وقال الأصمعي خطب عبد الملك فحصر فقال‏:‏ إن اللسان بضعة من الإنسان، وإنا نسكت حصراً ولا ننطق هذراً، ونحن أمراء الكلام، فينا رسخت عروقه، وعلينا تدلت أغصانه، وبعد مقامنا هذا مقام، وبعد عينا هذا مقال، وبعد يومنا هذا أيام، يعرف فيها فصل الخطاب وموضع الصواب‏.‏

قال الأصمعي‏:‏ قيل لعبد الملك أسرع إليك الشيب، فقال‏:‏ وكيف لا وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين‏؟‏ وقال غيره‏:‏ قيل لعبد الملك‏:‏ أسرع إليك الشيب، فقال‏:‏ وتنسى ارتقاء المنبر ومخافة اللحن‏؟‏ ولحن رجل عند عبد الملك - يعني أسقط من كلامه ألفاً - فقال له عبد الملك‏:‏ زد ألف فقال الرجل‏:‏ وأنت فزد ألفاً، وقال الزهري‏:‏ سمعت عبد الملك يقول في خطبته‏:‏ إن العلم سيقبض قبضاً سريعاً، فمن كان عنده علم فليظهره غير غال فيه ولا جاف عنه، وروى ابن أبي الدنيا أن عبد الملك كان يقول لمن يسايره في سفره‏:‏ إذا رفعت له شجرة، سبحوا بنا حتى نأتي تلك الشجرة، كبروا بنا حتى نأتي تلك الحجرة، ونحو ذلك‏.‏

وروى البيهقي أن عبد الملك وقع منه فلس في بئر قذرة فاكترى عليه بثلاثة عشر ديناراً حتى أخرجه منها، فقيل له في ذلك فقال‏:‏ إنه كان عليه اسم الله عز وجل‏.‏

وقال غير واحد‏:‏ كان عبد الملك إذا جلس للقضاء بين الناس يقوم السيافون على رأسه بالسيف فينشد، وقال بعضهم يأمر من ينشد فيقول‏:‏

إنا إذا نالت دواعي الهوى * وأنصت السامع للقائل ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/79‏)‏

واصطرع الناس بألبابهم * نقضي بحكم عادل فاصل

لا نجعل الباطل حقاً ولا * نلفظ دون الحق بالباطل

نخاف أن تسفه أحلامنا * فنجهل الحق مع الجاهل

وقال الأعمش‏:‏ أخبرني محمد بن الزبير‏:‏ أن أنس بن مالك كتب إلى عبد الملك يشكو الحجاج ويقول في كتابه‏:‏ لو أن رجلاً خدم عيسى بن مريم أو رآه أو صحبه تعرفه النصارى أو تعرف مكانه لهاجرت إليه ملوكهم، ولنزل من قلوبهم بالمنزلة العظيمة، ولعرفوا له ذلك، ولو أن رجلاً خدم موسى أو رآه تعرفه اليهود لفعلوا به من الخير والمحبة وغير ذلك ما استطاعوا، وإني خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه ورأيته وأكلت معه، ودخلت وخرجت وجاهدت معه أعداءه، وإن الحجاج قد أضر بي وفعل وفعل، قال‏:‏ أخبرني من شهد عبد الملك يقرأ الكتاب وهو يبكي وبلغ به الغضب ما شاء الله، ثم كتب إلى الحجاج بكتاب غليظ، فجاء إلى الحجاج فقرأه فتغير ثم قال إلى حامل الكتاب‏:‏ انطلق بنا إليه نترضّاه‏.‏

وقال أبو بكر بن دريد‏:‏ كتب عبد الملك إلى الحجاج في أيام ابن الأشعث‏:‏ إنك أعز ما تكون بالله أحوج ما تكون إليه، وأذل ما تكون للمخلوق أحوج ما تكون إليهم، وإذا عززت بالله فاعف له، فإنك به تعز وإليه ترجع‏.‏

قال بعضهم‏:‏ سأل رجل من عبد الملك أن يخلو به فأمر من عنده بالانصراف، فلما خلا به وأراد الرجل أن يتكلم قال له عبد الملك‏:‏ احذر في كلامك ثلاثاً إياك أن تمدحني فإني أعلم بنفسي منك، أو تكذبني فإنه لا رأي لكذوب، أو تسعى إلي بأحد من الرعية فإنهم إلى عدلي وعفوي أقرب منهم إلى جوري وظلمي، وإن شئت أقلتك‏.‏ فقال الرجل‏:‏ أقلني فأقاله‏.‏ وكذا كان يقول للرسول إذا قدم عليه من الآفاق‏:‏ اعفني من أربع وقل ما شئت، لا تطرني، ولا تجبني فيما لا أسألك عنه، ولا تكذبني، ولا تحملني على الرعية فإنهم إلى رأفتي ومعدلتي أحوج‏.‏

وقال الأصمعي، عن أبيه، قال‏:‏ أتى عبد الملك برجل كان مع بعض من خرج عليه فقال‏:‏ اضربوا عنقه، فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين ما كان هذا جزائي منك، فقال‏:‏ وما جزاؤك‏؟‏ فقال‏:‏ والله ما خرجت مع فلان إلا بالنظر لك، وذلك أني رجل مشؤوم ما كنت مع رجل قط إلا غلب وهزم، وقد بان لك صحة ما ادعيت، وكنت عليك خيراً من مائة ألف معك تنصحك، لقد كنت مع فلان فكسر وهزم وتفرق جمعه، وكنت مع فلان فقتل، وكنت مع فلان فهزم - حتى عد جماعة من الأمراء - فضحك وخلى سبيله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/80‏)‏

وقيل لعبد الملك‏:‏ أي الرجال أفضل‏؟‏ قال‏:‏ من تواضع عن رفعة وزهد عن قدرة، وترك النصرة عن قوة‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ لا طمأنينة قبل الخبرة، فإن الطمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم‏.‏

وقال‏:‏ خير المال ما أفاد حمداً ودفع ذماً، ولا يقولن أحدكم ابدأ بمن تعول، فإن الخلق كلهم عيال الله، وينبغي أن يحمل هذا على غير ما ثبت به الحديث‏.‏

وقال المدائني‏:‏ قال عبد الملك لمؤدب أولاده - وهو إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر -‏:‏ علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن، وجنبهم السفلة فإنهم أسوأ الناس رغبة في الخير وأقلهم أدباً، وجنبهم الحشم فإنهم لهم مفسدة، واحف شعورهم تغلظ رقابهم، وأطعمهم اللحم يقووا، وعلمهم الشعر يمجدوا وينجدوا، ومرهم أن يستاكوا عرضاً، ويمصوا الماء مصاً، ولا يعبوا عباً، وإذا احتجت أن تتناولهم فتناولهم بأدب فليكن ذلك في سر لا يعلم بهم أحد من الغاشية فيهونوا عليهم‏.‏

وقال الهيثم بن عدي‏:‏ أذن عبد الملك للناس في الدخول عليه إذناً خاصاً، فدخل شيخ رث الهيئة لم يأبه له الحرس، فألقى بين يدي عبد الملك صحيفة وخرج فلم يدر أين ذهب، وإذا فيها‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم، يا أيها الإنسان إن الله قد جعلك بينه وبين عباده فاحكم بينهم ‏{‏بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 26‏]‏‏.‏

{‏أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏المطففين‏:‏ 4-6‏]‏‏.‏

{‏ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 103‏]‏‏.‏

{‏وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 104‏]‏ إن اليوم الذي أنت فيه لو بقي لغيرك ما وصل إليك، ‏{‏فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 52‏]‏ وإني أحذرك يوم ينادي المنادي ‏{‏احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 22‏]‏‏.‏

{‏أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 18‏]‏ قال فتغير وجه عبد الملك فدخل دار حرمه ولم تزل الكآبة في وجهه بعد ذلك أياما‏.‏

وكتب زر بن حبيش إلى عبد الملك كتاباً وفي آخره‏:‏ ولا يطمعك يا أمير المؤمنين في، طول البقاء ما يظهر لك في صحتك فأنت أعلم بنفسك واذكر ما تكلم به الأولون‏:‏

إذا الرجال ولدت أولادها * وبليت من كبر أجسادها

وجعلت أسقامها تعتادها * تلك زروع قد دنا حصادها فلما قرأه عبد الملك بكى حتى بل طرف ثوبه، ثم قال‏:‏ صدق زر، ولو كتب إلينا بغير هذا كان أرفق‏.‏

وسمع عبد الملك جماعة من أصحابه يذكرون سيرة عمر بن الخطاب فقال‏:‏ أنهى عن ذكر عمر فإنه مرارة للأمراء مفسدة للرعية‏.‏

وقال إبراهيم بن هشام بن يحيى القباني، عن أبيه، عن جده، قال‏:‏ كان عبد الملك يجلس في حلقة أم الدرداء في مؤخر المسجد بدمشق، فقالت له‏:‏ بلغني أنك شربت الطلا بعد العبادة والنسك، فقال‏:‏ أي والله والدما أيضاً قد شربتها‏.‏ ثم جاءه غلام كان قد بعثه في حاجة فقال‏:‏ ما حبسك لعنك الله‏؟‏ فقالت أم الدرداء‏:‏ لا تفعل يا أمير المؤمنين فإني سمعت أبا الدرداء يقول‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏لا يدخل الجنة لعان‏)‏‏)‏‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 9/81‏)‏

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا، ثنا الحسين بن عبد الرحمن، قال‏:‏ قيل لسعيد بن المسيب‏:‏ إن عبد الملك بن مروان قال‏:‏ قد صرت لا أفرح بالحسنة أعملها، ولا أحزن على السيئة أرتكبها، فقال سعيد‏:‏ الآن تكامل موت قلبه‏.‏

وقال الأصمعي، عن أبيه، عن جده، قال‏:‏ خطب عبد الملك يوماً خطبةً بليغةً ثم قطعها وبكى بكاء شديداً ثم قال‏:‏ يا رب إن ذنوبي عظيمة، وإن قليل عفوك أعظم منها، اللهم فامح بقليل عفوك عظيم ذنوبي‏.‏ قال فبلغ ذلك الحسن فبكى وقال‏:‏ لو كان كلام يكتب بالذهب لكتب هذا الكلام، وقد روى عن غير واحد نحو ذلك، أي أنه لما بلغه هذا الكلام قال مثل ما قال الحسن‏.‏

وقال مسهر الدمشقي‏:‏ وضع سماط عبد الملك يوماً بين يديه فقال لحاجبه ائذن لخالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فقال‏:‏ مات يا أمير المؤمنين، قال‏:‏ فلأبيه عبد الله بن خالد بن أسيد، قال‏:‏ مات، قال‏:‏ فلخالد بن يزيد بن معاوية، قال‏:‏ مات، قال‏:‏ فلفلان وفلان - حتى عد أقواماً قد ماتوا وهو يعلم ذلك قبلنا - فأمر برفع السماط وأنشأ يقول‏:‏

ذهبت لداتي وانقضت أيامهم * وغبرت بعدهم ولست بخالد

وقيل‏:‏ إنه لما احتضر دخل عليه ابنه الوليد فبكى فقال له‏:‏ عبد الملك ما هذا أتحن حنين الجارية والأمة، إذا أنا مت فشمر واتزر والبس جلد النمر، وضع الأمور عند أقرانها، واحذر قريشاً‏.‏ ثم قال له‏:‏ يا وليد اتق الله فيما أستخلفك فيه، واحفظ وصيتي، وانظر إلى أخي معاوية فصل رحمه واحفظني فيه، وانظر إلى أخي محمد فأمره على الجزيرة ولا تعزله عنها، وانظر إلى ابن عمنا علي بن عباس فإنه قد انقطع إلينا بمودته ونصيحته وله نسب وحق فصل رحمه واعرف حقه، وانظر إلى الحجاج بن يوسف فأكرمه فإنه هو الذي مهد لك البلاد وقهر الأعداء وخلص لكم الملك وشتت الخوارج، وأنهاك وإخوتك عن الفرقة وكونوا أولاد أم واحدة، وكونوا في الحرب أحراراً، وللمعروف مناراً، فإن الحرب لم تدن منية قبل وقتها، وإن المعروف يشيد ذكر صاحبه ويميل القلوب بالمحبة، ويذلل الألسنة بالذكر الجميل، ولله در القائل‏:‏

إن الأمور إذا اجتمعن فرامها * بالكسر ذو حنق وبطش مفند

عزت فلم تكسر وإن هي بدِّدت * فالكسر والتوهين للمتبدد ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/82‏)‏

ثم قال‏:‏ إذا أنا مت فادع الناس إلى بيعتك فمن أبى فالسيف، وعليك بالإحسان إلى أخواتك فأكرمهن وأحبهن إليَّ - فاطمة وكان قد أعطاها قرطي مارية والدرة اليتيمة - ثم قال‏:‏ اللهم احفظني فيها‏.‏ فتزوجها عمر بن عبد العزيز وهو ابن عمها‏.‏

ولما احتضر سمع غسالاً يغسل الثياب فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏ فقالوا‏:‏ غسال، فقال‏:‏ يا ليتني كنت غسالاً أكسب ما أعيش به يوماً بيوم، ولم أل الخلافة‏.‏ ثم تمثل فقال‏:‏

لعمري لقد عمرت في الملك برهةً * ودانت لي الدنيا بوقع البواتر

وأعطيت حمر المال والحكم والنهى * ولي سلمت كل الملوك الجبابر

فأضحى الذي قد كان مما يسرني * كحلم مضى في المزمنات الغوابر

فيا ليتني لم أعن بالملك ليلةً * ولم أسع في لذات عيش نواضر

وقد أنشد هذه الأبيات معاوية بن أبي سفيان عند موته‏.‏

وقال أبو مسهر‏:‏ قيل لعبد الملك في مرض موته‏:‏ كيف تجدك‏؟‏ فقال‏:‏ أجدني كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ‏}‏ الآية ‏[‏الأنعام‏:‏ 94‏]‏‏.‏ وقال سعيد بن عبد العزيز‏:‏ لما احتضر عبد الملك أمر بفتح الأبواب من قصره، فلما فتحت سمع قصاراً بالوادي فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏ قالوا‏:‏ قصار، فقال‏:‏ يا ليتني كنت قصاراً أعيش من عمل يدي، فلما بلغ سعيد بن المسيب قوله قال‏:‏ الحمد لله الذي جعلهم عند موتهم يفرون إلينا ولا نفر إليهم‏.‏ وقال لما حضره الموت جعل يندم ويندب ويضرب بيده على رأسه ويقول‏:‏ وددت أني اكتسبت قوتي يوماً بيوم واشتغلت بعبادة ربي عز وجل وطاعته‏.‏ وقال غيره‏:‏ لما حضرته الوفاة دعا بنيه فوصاهم ثم قال‏:‏ الحمد لله الذي لا يسأل أحداً من خلقه صغيراً أو كبيراً ثم ينشد‏:‏

فهل من خالد إما هلكنا * وهل بالموت للباقين غارُ

ويروي أنه قال‏:‏ ارفعوني، فرفعوه حتى شم الهواء وقال‏:‏ يا دنيا ما أطيبك ‏!‏ إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لحقير، وإنا كنا بك لفي غرور، ثم تمثل بهذين البيتين‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/83‏)‏

إن تناقش يكن نقاشك يا رب ُّ* عذاباً لا طوق لي بالعذابِ

أو تجاوز فأنت رب صفوحٌ * عن مسيء ذنوبه كالترابِ

قالوا‏:‏ وكانت وفاته بدمشق يوم الجمعة وقيل يوم الأربعاء وقيل الخميس، في النصف من شوال سنة ست وثمانين، وصلى عليه ابنه الوليد ولي عهده من بعده، وكان عمره يوم مات ستين سنة‏.‏ قاله أبو معشر وصححه الواقدي، وقيل ثلاثاً وستين سنة‏.‏ قاله المدائني، وقيل ثماني وخمسين‏.‏ ودفن بباب الجابية الصغير، قال ابن جرير‏:‏ ذكر أولاده وأزواجه منهم الوليد وسليمان ومروان الأكبر درج وعائشة، وأمهم ولادة بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس بن بغيض، ويزيد ومروان الأصغر ومعاوية درج وأم كلثوم وأمهم عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وهشام وأمه أم هشام عائشة - فيما قاله المدائني - بنت هشام بن إسماعيل المخزومي وأبو بكر واسمه بكار وأمه عائشة بنت موسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي، والحكم درج وأمه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفان الأموي، وفاطمة وأمها المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي‏.‏ وعبد الله ومسلمة والمنذر وعنبسة ومحمد وسعد الخير والحجاج لأمهات أولاد شتى فكان جملة أولاده تسعة عشر ذكوراً وإناثاً‏.‏

وكانت مدة خلافته إحدى وعشرين سنة، منها تسع سنين مشاركاً لابن الزبير وثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر ونصف مستقلاً بالخلافة وحده‏.‏

وكان قاضيه أبو إدريس الخولاني، وكاتبه روح بن زنباع، وحاجبه يوسف مولاه، وصاحب بيت المال والخاتم قبيصة بن ذؤيب، وعلى شرطته أبو الزعيزعة، وقد ذكرنا عماله فيما مضى‏.‏

قال المدائني‏:‏ وكان له زوجات أخر‏:‏ شقراء بنت سلمة بن حلبس الطائي، وابنة لعلي بن أبي طالب، وأم أبيها بنت عبد الله بن جعفر‏.‏

 وممن يذكر أنه توفي في هذه السنة تقريباً‏:‏

 أرطأة بن زفر

ابن عبد الله بن مالك بن شداد بن ضمرة بن غقعان بن أبي حارثة بن مرة بن شبة بن نميط بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان الوليد المري، ويعرف بابن شهبة، وهي أمه بنت رامل بن مروان بن زهير بن ثعلبة بن خديج بن جشم بن كعب بن عون بن عامر بن عوف - سبية من كلب - وكانت عند ضرار بن الأزور، ثم صارت إلى زفر وهي حامل فأتت بأرطاة على فراشه، ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/84‏)‏ وقد عمر أرطاة دهراً طويلاً حتى جاوز المائة بثلاثين سنة وقد كان سيداً شريفاً مطاعاً ممدحاً شاعراً مطبقاً قال المدائني‏:‏ ويقال إن بني غقعان بن حنظلة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث دخلوا في بني مرة بن شبة فقالوا بني غقعان بن أبي حارثة بن مرة‏.‏ وقد وفد أبو الوليد أرطاة بن زفر هذا على عبد الملك فأنشده أبياتاً‏:‏

رأيت المرء تأكله الليالي * كأكل الأرض ساقطة الحديدِ

وما تبقى المنية حين تأتي * على نفس ابن آدم من مزيدِ

وأعلم أنها ستكرُّ حتى * توفي نذرها بأبي الوليدِ

قال‏:‏ فارتاع عبد الملك وظن أنه عناه بذلك فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين إنما عنيت نفسي، فقال عبد الملك‏:‏ وأنا والله سيمر بي ما الذي يمر بك وزاد بعضهم في هذه الأبيات‏:‏

خلقنا أنفساً وبني نفوسٍ * ولسنا بالسلام ولا الحديد

لئن أفجعت بالقُرناء يوماً * لقد متعت بالأمل البعيد

وهو القائل‏:‏

وإني لقوام لدى الضيف موهناً * إذا أسبل الستر البخيل المواكلُ

دعا فأجابته كلابٌ كثيرةٌ * على ثقة مني بأني فاعلُ

وما دون ضيفي من تلادٍ تحوزه * لي النفس إلا أن تصان الحلائلُ

 مطرف بن عبد الله بن الشخير

كان من كبار التابعين وكان من أصحاب عمران بن حصين، وكان مجاب الدعوة وكان يقول‏:‏ ما أوتي أحد أفضل من العقل وعقول الناس على قدر زمانهم‏.‏ وقال‏:‏ إذا استوت سريرة العبد وعلانيته قال الله هذا عبدي حقاً‏.‏ وقال‏:‏ إذا دخلتم على مريض فإن استطعتم أن يدعو لكم فإنه قد حرك - أي قد أوقظ من غفلته بسبب مرضه - فدعاؤه مستجاب من أجل كسره ورقة قلبه‏.‏ وقال‏:‏ إن أقبح ما طلبت به الدنيا عمل الآخرة‏.‏