فصل: فتح بيت المقدس

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البداية والنهاية **


فصل وقعة القادسية‏.‏

كانت وقعة القادسية وقعة عظيمة لم يكن بالعراق أعجب منها، وذلك‏:‏ أنه لما تواجه الصفان كان سعد رضي الله عنه قد أصابه عرق النسا، ودمامل في جسده فهو لا يستطيع الركوب، وإنما هو في قصر متكئ على صدره فوق وسادة وهو ينظر إلى الجيش ويدبر أمره، وقد جعل أمر الحرب إلى خالد بن عرفطة، وجعل على الميمنة جرير بن عبد الله البجلي، وعلى الميسرة قيس بن مكشوح، وكان قيس والمغيرة بن شعبة قد قدما على سعد مدداً من عند أبو عبيدة من الشام بعدما شهداً وقعة اليرموك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 51‏)‏

وزعم ابن إسحاق‏:‏ أن المسلمين كانوا ما بين السبعة آلاف إلى الثمانية آلاف، وأن رستماً كان في ستين ألفاً، فصلى سعد بالناس الظهر، ثم خطب الناس فوعظهم وحثهم، وتلا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 105‏]‏ وقرأ القراء آيات الجهاد وسوره‏.‏

ثم كبر سعداً أربعاً، ثم حملوا بعد الرابعة فاقتتلوا حتى كان الليل فتحاجزوا، وقد قتل من الفرقين بشرٌ كثير، ثم أصبحوا إلى مواقفهم، فاقتتلوا يومهم ذلك وعامة ليلتهم، ثم أصبحوا كما أمسوا على مواقفهم، فاقتتلوا حتى أمسوا، ثم اقتتلوا في اليوم الثالث كذلك، وأمست هذه الليلة تسمى‏:‏ ليلة الهرير‏.‏

فلما أصبح اليوم الرابع اقتتلوا قتالاً شديداً، وقد قاسوا من الفيلة بالنسبة إلى الخيول العربية بسبب نفرتها منها أمراً بليغاً، وقد أباد الصحابة الفيلة ومن عليها، وقلعوا عيونها، وأبلى جماعة من الشجعان في هذه الأيام مثل‏:‏ طليحة الأسدي، وعمرو بن معدي كرب، والقعقاع بن عمرو، وجرير بن عبد الله البجلي، وضرار بن الخطاب، وخالد بن عرفطة، وأشكالهم وأضرابهم‏.‏

فلما كان وقت الزوال من هذا اليوم، ويسمى‏:‏ يوم القادسية، وكان يوم الاثنين من المحرم سنة أربع عشرة كما قاله سيف بن عمر التميمي، هبت ريح شديدة فرفعت خيام الفرس عن أماكنها، وألقت سرير رستم الذي هو منصوب له، فبادر فركب بغلته وهرب فأدركه المسلمون فقتلوه، وقتلوا جالينوس مقدمة الطلائع القادسية، وانهزمت الفرس ولله الحمد والمنة عن بكرة أبيهم‏.‏

ولحقهم المسلمون في أقفائهم، فقتل يومئذ المسلسلون بكمالهم وكانوا ثلاثين ألفاً، وقتل في المعركة عشرة آلاف، وقتلوا قبل ذلك قريباً من ذلك‏.‏

وقتل من المسلمين في هذا اليوم وما قبله من الأيام ألفان وخمسمائة رحمهم الله‏.‏

وساق المسلمون خلفهم المنهزمين حتى دخلوا وراءهم مدينة الملك، وهي المدائن التي فيها الإيوان الكسروي، وقد أذن لمن ذكرنا عليه فكان منهم إليه ما قدمنا، وقد غنم المسلمون من وقعة القادسية هذه من الأموال والسلاح ما لا يحد ولا يوصف كثره، فحصلت الغنائم بعد صرف الأسلاب وخمست، وبعث بالخمس والبشارة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/52‏)‏

وقد كان عمر رضي الله عنه يستخبر عن أمر القادسية كل من لقيه من الركبان، ويخرج من المدينة إلى ناحية العراق يستنشق الخبر، فينما هو ذات يوم من الأيام إذا هو براكب يلوح من بعد فاستقبله عمر فاستخبره‏.‏

فقال له‏:‏ فتح الله على المسلمين بالقادسية، وغنموا غنائم كثيرة، وجعل يحدثه وهو لا يعرف عمر، وعمر ماش تحت راحلته، فلما اقتربا من المدينة جعل الناس يحيون عمر بالإمارة، فعرف الرجل عمر، فقال‏:‏ يرحمك الله يا أمير المؤمنين هلا أعلمتني أنك الخليفة‏؟‏

فقال‏:‏ لا حرج عليك يا أخي‏.‏

وقد تقدم أن سعداً رضي الله عنه كان به قروح وعرق النسا فمنعه من شهود القتال لكنه جالس في رأس القصر ينظر في مصالح الجيش، وكان مع ذلك لا يغلق عليه باب القصر لشجاعته، ولو فر الناس لأخذته الفرس قبضاً باليد، لا يمتنع منهم، وعنده امرأته سلمى بنت حفص التي كانت قبله عند المثنى بن حارثة، فلما فر بعض الخيل يومئذ فزعت وقالت‏:‏ وامثنياه، ولا مثنى لي اليوم‏.‏ فغضب سعد من ذلك ولطم وجهها‏.‏

فقالت‏:‏ أغيرة وجبناً‏؟‏ يعني‏:‏ أنها تعيره بجلوسه في القصر يوم الحرب - وهذا عناد منها - فإنها أعلم الناس بعذره، وما هو فيه من المرض المانع من ذلك، وكان عنده في القصر رجل مسجون على الشراب كان قد حد فيه مرات متعددة، يقال‏:‏ سبع مرات، فأمر به سعد فقيد وأودع في القصر فلما رأى الخيول تجول حول حمى القصر، وكان من الشجعان الأبطال، قال‏:‏

كفى حزناً أن تدحم الخيل بالفتى * واترك مشدوداً علي وثاقيا

إذا قمت غناني الحديد وغلقت * مصاريع من دوني تصم المناديا

وقد كنت ذا مال كثير وأخوة * وقد تركوني مفرداً لا أخاليا

ثم سأل من زبراء أم ولد سعد أن تطلقه وتعيره فرس سعد، وحلف لها أنه يرجع آخر النهار فيضع رجله في القيد فأطلقته، وركب فرس سعد، وخرج فقاتل قتالاً شديداً، وجعل سعد ينظر إلى فرسه فيعرفها وينكرها ويشبهه بأبي محجن، ولكن يشك لظنه أنه في القصر موثق، فلما كان آخر النهار رجع فوضع رجله في قيدها، ونزل سعد فوجد فرسه يعرق، فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏

فذكروا له قصة أبو محجن فرضي عنه وأطلقه رضي الله عنهما‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 53‏)‏

وقد قال رجل من المسلمين في سعد رضي الله عنه‏:‏

نقاتل حتى أنزل الله نصره * وسعد بباب القادسية معصم

فأُبنا وقد آمت نساء كثيرة * ونسوة سعد ليس فيهم أيم

فيقال‏:‏ أن سعداً نزل إلى الناس فاعتذر إليهم مما فيه من القروح في فخذيه وإليتيه، فعذره الناس‏.‏

ويذكر أنه دعا على قائل هذين البيتين وقال‏:‏ اللهم إن كان كاذباً، أو قال‏:‏ الذي قال رياءً وسمعةً وكذباً فاقطع لسانه ويده، فجاءه سهم وهو واقف بين الصفين، فوقع في لسانه فبطل شقه فلم يتكلم حتى مات‏.‏

رواه سيف‏:‏ عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر فذكره‏.‏

وقال سيف‏:‏ عن المقدام بن شريح الحارثي، عن أبيه قال‏:‏ قال جرير بن عبد الله البجلي‏:‏

أنا جرير وكنيتي أبو عمرو * قد فتح الله وسعد في القصر

فأشرف سعد من قصره وقال * وما أرجو بجيلة غير أني أومل أجرها يوم الحساب

وقد لقيت خيولهم خيولاً * وقد وقع الفوارس في الضراب

وقد دلفت بعرصتهم خيول * كان زهاءها إبل الجراب

فلولا جمع قعقاع بن عمرو * وحمال للجوا في الركاب

ولولا ذاك ألفيتم رعاعاً * تسيل جموعكم مثل الذباب

وقد روى محمد بن إسحاق‏:‏ عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم البجلي - وكان ممن شهد القادسية - قال‏:‏ كان معنا رجل من ثقيف فلحق بالفرس مرتداً، فأخبرهم أن بأس الناس في الجانب الذي فيه بجيلة‏.‏

قال‏:‏ وكنا ربع الناس، قال‏:‏ فوجهوا إلينا ستة عشر فيلاً، وجعلوا يلقون تحت أرجل خيولنا حسك الحديد، ويرشقوننا بالنشاب، فلكأنه المطر، وقربوا خيولهم بعضها إلى بعض لئلا ينفروا‏.‏

قال‏:‏ وكان عمرو بن معد يكرب الزبيدي يمر بنا فيقول‏:‏ يا معشر المهاجرين، كونوا أسوداً فإنما الفارسي تيس‏.‏

قال‏:‏ وكان فيهم أسوار لا تكاد تسقط له النشاب‏.‏

فقلنا له‏:‏ يا أبا ثور، اتق ذاك الفارس فإنه لا يسقط له نشابة فوجه إليه الفارس، ورماه بنشابة فأصاب ترسه، وحمل عليه عمرو فاعتنقه فذبحه فاستلبه سوارين من ذهب ومنطقة من ذهب، ويلمقا من ديباج‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/54‏)‏

قال‏:‏ وكان المسلمون ستة آلاف أو سبعة آلاف، فقتل الله رستماً، وكان الذي قتله رجل يقال له‏:‏ هلال بن علقمة التميمي، رماه رستم بنشابه فأصاب قدمه، وحمل عليه هلال فقتله واحتز رأسه‏.‏

وولت الفرس فاتبعهم المسلمون يقتلونهم فأدركوهم في مكان قد نزلوا فيه وأطمأنوا، فبينما هم سكارى قد شربوا ولعبوا إذ هجم عليهم المسلمون فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وقتل هنالك الجالينوس قتله زهرة بن حوية التميمي، ثم ساروا خلفهم، فكلما تواجه الفريقان نصر الله حزب الرحمن، وخذل حزب الشيطان وعبدة النيران، واحتاز المسلمون من الأموال ما يعجز عن حصره ميزان وقبان، حتى إن منهم من يقول‏:‏ من يقايض بيضاء بصفراء لكثرة ما غنموا من الفرسان، ولم يزالوا يتبعونهم حتى جازوا الفرات وراءهم وفتحوا المدائن، وجلولاء على ما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة‏.‏

وقال سيف بن عمرو‏:‏ عن سليمان بن بشير، عن أم كثير امرأة همام بن الحارث النخعي قالت‏:‏ شهدنا القادسية مع سعد مع أزواجنا، فلما أتانا أن قد فرغ من الناس شددنا علينا ثيابنا، وأخذنا الهراوي ثم أتينا القتلى، فمن كان من المسلمين سقيناه ورفعناه، ومن كان من المشركين أجهزنا عليه، ومعنا الصبيان فنوليهم ذلك - تعني استلابهم - لئلا يكشفن عن عورات الرجال‏.‏

وقال سيف بأسانيده‏:‏ عن شيوخه قالوا‏:‏ وكتب سعد إلى عمر يخبره بالفتح وبعدة من قتلوا من المشركين‏.‏ وبعدة من قتل من المسلمين، بعث بالكتاب مع سعد بن عميلة الفزاري، وصورته‏:‏

أما بعد‏:‏ فإن الله نصرنا على أهل فارس، ومنحناهم سنن من كان قبلهم من أهل دينهم بعد قتال طويل وزلزال شديد، وقد لقوا المسلمين بعدة لم ير الراؤن مثل زهائها، فلم ينفعهم الله بذلك بل سلبوه، ونقله عنهم إلى المسلمين، واتبعهم المسلمون على الأنهار، وصفوف الآجام، وفي الفجاج‏.‏

وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القاري وفلان وفلان، ورجال من المسلمين لا يعلمهم إلا الله فإنه بهم عالم، كانوا يدوون بالقرآن إذا جن عليهم الليل كدوي النحل، وهم آساد في النهار لا تشبههم الأسود، ولم يفضل من مضى منهم من بقي إلا بفضل الشهادة إذا لم تكتب لهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 55‏)‏

فيقال‏:‏ أن عمر قرأ هذه البشارة على الناس فوق المنبر رضي الله عنهم‏.‏

ثم قال عمر للناس‏:‏ إني حريص على أن لا أرى حاجة إلا سددتها، ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك عنا تأسينا في عيشنا حتى نستوى في الكفاف، ولوددت أنكم علمتم من نفسي مثل الذي وقع فيها لكم، ولست معلمكم إلا بالعمل إني والله لست بملك فأستعبدكم، ولكني عبد الله عرض علي الأمانة فإن أبيتها ورددتها عليكم، واتبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم وترووا سعدت بكم‏.‏

وإن أنا حملتها واستتبعتكم إلى بيتي شقيت بكم ففرحت قليلاً وحزنت طويلاً، فبقيت لا أقال ولا أرد فأستعتب‏.‏

وقال سيف عن شيوخه قالوا‏:‏ وكانت العرب من العذيب إلى عدن أبين، يتربصون وقعة القادسية هذه يرون أن ثبات ملكهم وزواله بها، وقد بعث أهل كل بلدة قاصداً يكشف ما يكون من خبرهم، فلما كان ما كان من الفتح سبقت الجن بالبشارة إلى أقصى البلاد قبل رسل الإنس، فسمعت امرأة ليلاً بصنعاء على رأس جبل وهي تقول‏:‏

فحييت عنا عكرمَ ابنة خالد * وما خير زاد بالقليل المصردِ

وحييت عني الشمس عند طلوعها * وحييت عني كل تاج مفردِ

وحيتك عني عصبة نخعية * حسان الوجوه آمنوا بمحمد

أقاموا لكسرى يضربون جنوده * بكل رقيق الشفرتين مهند

إذا ثوب الداعي أناخوا بكلكلٍ * من الموت مسود الغياطل أجرد

قالوا‏:‏ وسمع أهل اليمامة مجتازاً يغني بهذه الأبيات‏:‏

وجدنا الأكرمين بني تميم * غداة الروع أكثرهم رجالا

هموا ساروا بأرعن مكفهر * إلى لجب يرونهم رعالا

بحور للأكاسر من رجال * كأسد الغاب تحسبهم جبالا

تركن لهم بقادس عز فخر * وبالخيفين أياماً طوالا

مقطعة أكفهم وسوق * بمرد حيث قابلت الرجالا

قالوا‏:‏ وسمع ذلك في سائر بلاد العرب، وقد كانت بلاد العراق بكاملها التي فتحها خالد نقضت العهود والذمم والمواثيق التي كانوا أعطوها خالداً، سوى أهل بانقيا وبرسما، وأهل أُليس الآخرة، ثم عاد الجميع بعد هذه الواقعة التي أوردناها، وادعوا أن الفرس أجبروهم على نقض العهود، وأخذوا منهم الخراج، وغير ذلك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 56‏)‏

فصدقوهم في ذلك تألفاً لقلوبهم، وسنذكر حكم أهل السواد في كتابنا‏:‏ ‏(‏الأحكام الكبير‏)‏ إن شاء الله تعالى‏.‏

وقد ذهب ابن إسحاق وغيره‏:‏ إلى أن وقعة القادسية كانت في سنة خمس عشرة‏.‏

وزعم الواقدي‏:‏ أنها كانت في سنة ستة عشرة‏.‏

وأما سيف بن عمرو وجماعة‏:‏ فذكروها في سنة أربع عشرة، وفيها ذكرها ابن جرير‏.‏ فالله أعلم‏.‏

قال ابن جرير والواقدي‏:‏ في سنة أربع عشرة جمع عمر بن الخطاب الناس على أُبي بن كعب في التراويح، وذلك في شهر رمضان منها، وكتب إلى سائر الأمصار يأمرهم بالاجتماع في قيام شهر رمضان‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ وفيها‏:‏ بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان إلى البصرة، وأمره أن ينزل فيها بمن معه من المسلمين، وقطع مادة أهل فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها، منهم في قول المدائني، وروايته‏.‏

قال‏:‏ وزعم سيف أن البصرة إنما مصرت في ربيع من سنة ست عشرة، وأن عتبة بن غزوان إنما خرج إلى البصرة من المدائن بعد فراغ سعد من جلولاء وتكريت، وجهه إليها سعد بأمر من عمر رضي الله عنهم‏.‏

وقال أبو مخنف‏:‏ عن مجالد، عن الشعبي رضي الله عنهم‏:‏ أن عمر بعث عتبة بن غزوان إلى أرض البصرة في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وسار إليه من الأعراب ما كمل معه خمسمائة، فنزلها في ربيع الأول سنة أربع عشرة، والبصرة يومئذ تدعى‏:‏ أرض الهند، فيها حجارة بيض خشنة، وجعل يرتاد لهم منزلاً حتى جاؤا حيال الجسر الصغير فإذا فيه حلفاً وقصب نابت، فنزلوا‏.‏

فركب إليهم صاحب الفرات في أربعة آلاف أسوار، فالتقاه عتبة بعدما زالت الشمس، وأمر الصحابة فحملوا عليهم فقتلوا الفرس عن آخرهم، وأسروا صاحب الفرات، وقام عتبة خطيباً فقال في خطبته‏:‏

إن الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وإنكم منتقلون منها إلى دار القرار، فانتقلوا عما بحضرتكم فقد ذكر لي لو أن صخرة ألقيت من شفير جهنم هوت سبعين خريفاً ولتملأنه، أو عجبتم ‏؟‏‏!‏

ولقد ذكر لي أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاماً، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني وأنا سابع سبعة، وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق السمر، حتى تقرحت أشداقنا، والتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد فما منا من أولئك السبعة من أحد إلا هو أمير على مصر من الأمصار، وسيجربون الناس بعدنا‏.‏

وهذا الحديث في صحيح مسلم بنحو من هذا السياق‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 57‏)‏

وروى علي بن محمد المدائني‏:‏ أن عمر كتب إلى عتبة بن غزوان حين وجهه إلى البصرة‏:‏

يا عتبة، إني استعملتك على أرض الهند وهي حومة من حومة العدو، وأرجو أن يكفيك الله ما حولها، وأن يعينك عليها، وقد كتبت إلى العلاء بن الحضرمي يمدك بعرفجة بن هرثمة‏.‏

فإذا قدم عليك فاستشره وقربه، وادع إلى الله، فمن أجابك فأقبل منه، ومن أبى فالجزية عن صغار وذلة، وإلا فالسيف في غير هوادة‏.‏

واتق الله فيما وليت، وإياك أن تنازعك نفسك إلى كبر فتفسد عليك آخرتك، وقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعززت بعد الذلة، وقويت بعد الضعف، حتى صرت أميراً مسلطاً، وملكاً مطاعاً، تقول فيسمع منك، وتأمر فيطاع أمرك، فيالها نعمة إذا لم ترق فوق قدرك وتبطر على من دونك‏.‏

احتفظ من النعمة احتفاظك من المعصية، وهي أخوفهما عندي عليك أن يستدرجك ويخدعك فتسقط سقط فتصير بها إلى جهنم، أعيذك بالله ونفسي من ذلك أن الناس أسرعوا إلى الله حتى رفعت لهم الدنيا فأرادوها، فأرد الله ولا ترد الدنيا واتق مصارع الظالمين‏.‏

وقد فتح عتبة الأبلة في رجب أو شعبان من هذه السنة‏.‏

ولما مات عتبة بن غزوان في هذه السنة استعمل عمر على البصرة المغيرة بن شعبة سنتين، فلما رمي بما رمي به عزله وولى عليها أبا موسى الأشعري رضي الله عنهم‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ ضرب عمر بن الخطاب ابنه عبيد الله في الشراب هو وجماعة معه‏.‏

وفيها‏:‏ ضرب أبا محجن الثقفي في الشراب أيضاً سبع مرات، وضرب معه ربيعة بن أمية بن خلف‏.‏

وفيها‏:‏ نزل سعد بن أبي وقاص الكوفة‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب، قال‏:‏ وكان بمكة‏:‏ عتاب بن أسيد، وبالشام‏:‏ أبو عبيدة، وبالبحرين‏:‏ عثمان بن أبي العاص‏.‏ وقيل‏:‏ العلاء بن الحضرمي، وعلى العراق‏:‏ سعد، وعلى عمان‏:‏ حذيفة بن محصن‏.‏

 ذكرى من توفى في هذا العام من المشاهير

ففيها‏:‏ توفي سعد بن عبادة في قول، والصحيح في التي قبلها والله أعلم‏.‏

عتبة بن غزوان بن جابر بن هيب المازني، حليف بني عبد شمس صحابي بدري، وأسلم قديما بعد سنة وهاجر إلى أرض الحبشة وهو أول من اختط البصرة عن أمر عمر في امرأته له على ذلك كما تقدم، وله فضائل ومآثر، وتوفي سنة أربع عشرة‏.‏

وقيل‏:‏ سنة خمس عشرة‏.‏

وقيل‏:‏ سنة سبع عشرة‏.‏

وقيل سنة عشرين فالله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 58‏)‏

وقد جاوز الخمسين، وقيل‏:‏ بلغ ستين سنة رضي الله عنه‏.‏

عمرو بن أم مكتوم الأعمى، ويقال‏:‏ اسمه عبد الله، صحابي مهاجر، هاجر بعد مصعب بن عمير قبل النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقرئ الناس القرآن، وقد استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة غير مرة، فيقال‏:‏ ثلاث عشرة مرة‏.‏

وشهد القادسية مع سعد زمن عمر، فيقال‏:‏ إنه قتل بها شهيداً‏.‏ ويقال‏:‏ إنه رجع المدينة وتوفي بها والله أعلم‏.‏

المثنى بن حارثة بن سلمة بن ضمضم بن سعد بن مرة بن ذهل شيبان الشيباني، نائب خالد على العراق‏.‏

وهو‏:‏ الذي صارت إليه الإمرة بعد أبي عبيد يوم الجسر، فدارى بالمسلمين حتى خلصهم من الفرس يومئذ، وكان أحد الفرسان الأبطال وهو الذي ركب إلى الصديق فحرضه على غزو العراق، ولما توفي تزوج سعد بن أبي وقاص بامرأته سلمى بنت حفص رضي الله عنهما وأرضاهما‏.‏

وقد ذكره ابن الأثير في كتابه ‏(‏الغابة في أسماء الصحابة‏)‏‏:‏ أبو زيد الأنصاري النجاري أحد القراء الأربعة الذين حفظوا القرآن من الأنصار في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت ذلك في حديث أنس بن مالك

وهم‏:‏ معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد‏.‏

قال أنس‏:‏ أحد عمومتي‏.‏

قال الكلبي‏:‏ واسم أبي زيد هذا‏:‏ قيس بن السكن بن قيس بن زعوراء بن حزم بن جندب بن غنم بن عدي بن النجار شهد بدراً‏.‏

قال موسى بن عقبة‏:‏ واستشهد يوم جسر أبي عبيد، وهي عنده في سنة أربع عشرة‏.‏

وقال بعض الناس‏:‏ أبو زيد الذي يجمع القرآن سعد بن عبيد وردوا هذا برواية قتادة عن أنس بن مالك، قال‏:‏

افتخرت الأوس والخزرج فقالت الأوس‏:‏ منا غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومنا الذي حمته الدبر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، ومنا الذي اهتز له عرش الرحمن سعد بن معاذ، ومنا الذي جعلت شهادته شهادة رجلين خزيمة بن ثابت‏.‏

فقالت الخزرج‏:‏ منا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي، وزيد بن ثابت، ومعاذ، وأبو زيد رضي الله عنهم أجمعين‏.‏

أبو عبيد بن مسعود بن عمر الثقفي، والد المختار بن أبي عبيد أمير العراق، ووالد صفية امرأة عبد الله بن عمر‏.‏

أسلم أبو عبيد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر في الصحابة‏.‏

قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي‏:‏ ولا يبعد أن يكون له رواية والله أعلم‏.‏

أبو قحافة والد الصديق، واسم أبي بكر الصديق عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن صخر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، أسلم أبو قحافة عام الفتح، فجاء به الصديق يقوده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/59‏)‏

‏:‏ ‏(‏‏(‏هلا أقررتم الشيخ في بيته حتى كنا نحن نأتيه، تكرمة لأبي بكر رضي الله عنه، فقال‏:‏ بل هو أحق بالسعي إليك يا رسول الله، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه، ورأسه كالثغامة بياضاً ودعا له، وقال‏:‏ غيروا هذا الشيب بشيء وجنبوه السواد‏)‏‏)‏‏.‏

ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصارت الخلافة إلى الصديق أخبره المسلمون بذلك وهو بمكة، فقال‏:‏ أو أقرت بذلك بنو هاشم بنو مخزوم‏؟‏

قالوا‏:‏ نعم ‏!‏‏!‏‏.‏

قال‏:‏ ذلك فضل من الله يؤتيه من يشاء‏.‏

ثم أصيب ابنه الصديق رضي الله عنه‏.‏

ثم توفي أبو قحافة في محرم، وقيل‏:‏ في رجب سنة أربع عشرة بمكة، عن أربع وسبعين سنة رحمه الله وأكرم مثواه‏.‏

وممن ذكر شيخنا أبو عبد الله الذهبي من المستشهدين في هذه السنة مرتبين على الحروف‏:‏

أوس بن أوس بن عتيك، قتل يوم الجسر‏.‏

بشير بن عنبس بن يزيد الظفري أحدي، وهو ابن عم قتادة بن النعمان، ويعرف‏:‏ بفارس الحواء، اسم فرسه‏.‏

ثابت بن عتيك من بني عمرو بن مبذول، صحابي قتل يوم الجسر‏.‏

ثعلبة بن عمرو بن محصن النجاري، بدري قتل يومئذ‏.‏

الحارث بن عتيك بن النعمان النجاري، شهد أحداً، قتل يومئذ‏.‏

الحارث بن مسعود بن عبدة صحابي أنصاري، قتل يومئذ‏.‏

الحارث بن عدي بن مالك، أنصاري أحدي، قتل يومئذ‏.‏

خالد بن سعيد بن العاص، قيل‏:‏ استشهد يوم مرج الصفر، وكان في سنة أربع عشرة في قول‏.‏

خزيمة بن أوس الأشهلي، قتل يوم الجسر‏.‏

ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، أرخ وفاته في هذه السنة ابن قانع‏.‏

زيد بن سراقة، يوم الجسر‏.‏

سعد بن سلامة بن وقش الأشهلي‏.‏

سعد بن عبادة في قول سلمة بن أسلم بن حريش، يوم الجسر‏.‏

ضمرة بن غزية، يوم الجسر‏.‏

عباد وعبد الله وعبد الرحمن، بنو مريع بن قيظي، قتلوا يومئذ‏.‏

عبد الله بن صعصعة بن وهب الأنصاري النجاري، شهدا أحداً وما بعدها‏.‏

قال ابن الأثير في ‏(‏الغابة‏)‏‏:‏ وقتل يوم الجسر‏.‏

عتبة بن غزوان تقدم‏.‏

عقبة وأخوه عبد الله حضرا الجسر مع أبيهما قيظي بن قيس وقتلا يومئذ‏.‏

العلاء الحضرمي، توفي في هذه السنة في قول، وقيل‏:‏ بعدها وسيأتي‏.‏

عمرو بن أبي اليسر، قتل يوم الجسر‏.‏

قيس بن السكن أبو زيد الأنصاري رضي الله عنه تقدم‏.‏

المثنى بن حارثة الشيباني، توفي في هذه السنة رحمه الله وقد تقدم‏.‏

نافع بن غيلان، قتل يومئذ‏.‏

نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وكان أسن من عمه العباس، قيل‏:‏ أنه توفي في هذه السنة، والمشهور قبلها كما تقدم‏.‏

واقد بن عبد الله، قتل يوم ‏.‏

يزيد بن قيس بن الخطيم الأنصاري الظفري، شهد أحداً وما بعدها، قتل يوم الجسر، وقد أصابه يوم أحد جراحات كثيرة، وكان أبوه شاعراً مشهوراً‏.‏

أبو عبيد بن مسعود الثقفي، أمير يوم الجسر وبه عرف لقتله عنده، تخبطه الفيل حتى قتله رضي الله عنه بعدما قطع خرطومه بسيفه خرطومه كما تقدم‏.‏

أبو قحافة التيمي، والد أبي بكر الصديق، توفي في هذه السنة رضي الله عنه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 60‏)‏

هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن أمية الأموية، والدة معاوية بن أبي سفيان، وكانت من سيدات نساء قريش، ذات رأي ودهاء ورياسة في قومها، وقد شهدت يوم أحد مع زوجها وكان لها تحريض على قتل المسلمين يومئذ، ولما قتل حمزة مثّلت به وأخذت من كبده فلاكتها فلم تستطيع إساغتها، لأنه كان قد قتل أباها وأخاها يوم بدر، ثم بعد ذلك كله أسلمت وحسن إسلامها عام الفتح، بعد زوجها بليلة‏.‏

ولما أرادت الذهاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتبايعه، استأذنت أبا سفيان فقال لها‏:‏ قد كنت بالأمس مكذبة بهذا الأمر، فقالت‏:‏ والله ما رأيت الله عبد حق عبادته بهذا المسجد قبل هذه الليلة، والله لقد باتوا ليلهم كلهم يصلون فيه‏.‏

فقال لها‏:‏ إنك قد فعلت ما فعلت فلا تذهبي وحدك‏.‏

فذهبت إلى عثمان بن عفان، ويقال‏:‏ إلى أخيها أبي حذيفة بن عتبة فذهب معها، فدخلت وهي متنقبة، فلما بايعها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع غيرها من النساء‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏على أن لا تشركن بالله شيئاً ولا تسرقن ولا تزنين‏)‏‏)‏

فقالت‏:‏ أو تزني الحرة‏؟‏

‏(‏‏(‏ولا تقتلن أولادكن‏)‏‏)‏

قالت‏:‏ قد ربيناهم صغاراً وتقتلهم كباراً ‏؟‏‏!‏

فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك‏)‏‏)‏ فبادرت وقالت‏:‏ في معروف‏.‏

فقال‏:‏ في معروف، وهذا من فصاحتها وحزمها‏.‏

وقد قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ والله يا محمد ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي من أن يذلوا من أهل خبائك، فقد والله أصبح اليوم وما على ظهر الأرض من أهل خباء أحب إلي من أن يعزوا من أهل خبائك‏.‏

فقال‏:‏ وكذلك والذي نفسي بيده‏.‏

وشكت من شح أبي سفيان، فأمرها أن تأخذ ما يكفيها ويكفي بنيها بالمعروف، وقصتها مع الفاكه بن المغيرة مشهورة، وقد شهدت اليرموك مع زوجها، وماتت يوم مات أبو قحافة في سنة أربع عشرة، وهي‏:‏ أم معاوية بن أبي سفيان‏.‏

 ثم دخلت سنة خمس عشرة

قال ابن جرير‏:‏ قال بعضهم فيها مصر سعد بن أبي وقاص الكوفة دلهم عليها ابن بقيلة‏.‏

قال لسعد‏:‏ أدلك على أرض ارتفعت عن البق وانحدرت عن الفلاة‏؟‏

فدلهم على موضع الكوفة اليوم‏.‏

قال‏:‏ وفيها كانت وقعة مرج الروم، وذلك لما انصرف أبو عبيدة وخالد من وقعة فحل قاصدين إلى حمص حسب ما أمر به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما تقدم في رواية سيف بن عمر، فسارا حتى نزلا على ذي الكلاع‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 61‏)‏

فبعث هرقل بطريقاً يقال له‏:‏ توذرا في جيش معه، فنزل بمرج دمشق وغربها، وقد هجم الشتاء فبدأ أبو عبيد بمرج الروم‏.‏

وجاء أمير آخر من الروم يقال له‏:‏ شنس، وعسكر معه كثيف، فنازله أبو عبيدة فاشتغلوا به عن توذرا، فسار توذرا نحو دمشق لينازلها وينتزعها من يزيد ابن أبي سفيان، فاتبعه خالد بن الوليد وبرز إليه يزيد بن أبي سفيان من دمشق، فاقتتلوا وجاء خالد وهم في المعركة، فجعل يقتلهم من ورائهم، ويزيد يفصل فيهم من أمامهم، حتى أناموهم، ولم يفلت منهم إلا الشارد‏.‏

وقتل خالد توذرا، وأخذوا من الروم أموالاً عظيمة فاقتسماها، ورجع يزيد إلى دمشق، وانصرف خالد إلى أبي عبيدة فوجده قد واقع شنس بمرج الروم، فقاتلهم فيه مقاتلة عظيمة حتى أنتنت الأرض من زهمهم‏.‏

وقتل أبو عبيدة شنس وركبوا أكتافهم إلى حمص، فنزل عليها يحاصرها‏.‏

 وقعة حمص الأولى

لما وصل أبو عبيدة في أتباعه الروم المنهزمين إلى حمص، نزل حولها يحاصرها، ولحقه خالد بن الوليد فحاصروها حصاراً شديداً، وذلك في زمن البرد الشديد، وصابر أهل البلد رجاء أن يصرفهم عنهم شدة البرد، وصبر الصحابة صبراً عظيماً بحيث إنه ذكر غير واحد أن من الروم من كان يرجع، وقد سقطت رجله وهي في الخف، والصحابة ليس في أرجلهم شيء سوى النعال، ومع هذا لم يصب منهم قدم ولا أصبع أيضاً، ولم يزالوا كذلك حتى انسلخ فصل الشتاء فاشتد الحصار‏.‏

وأشار بعض كبار أهل حمص عليهم بالمصالحة، فأبوا عليه ذلك، وقالوا‏:‏ أنصالح والملك منا قريب‏؟‏

فيقال‏:‏ إن الصحابة كبروا في بعض الأيام تكبيرة ارتجت منها المدينة حتى تفطرت منها بعض الجدران، ثم تكبيرة أخرى فسقطت بعض الدور، فجاءت عامتهم إلى خاصتهم فقالوا‏:‏ ألا تنظرون إلى ما نزل بنا، وما نحن فيه‏؟‏ إلا تصالحون القوم عنا‏؟‏

قال‏:‏ فصالحوهم على ما صالحوا عليه أهل دمشق، على نصف المنازل، وضرب الخراج على الأراضي، وأخذ الجزية على الرقاب بحسب الغنى والفقر‏.‏

وبعث أبو عبيدة بالأخماس والبشارة إلى عمر مع عبد الله بن مسعود‏.‏

وأنزل أبو عبيدة بحمص جيشاً كثيفاً يكون بها مع جماعة من الأمراء، منهم بلال والمقداد، وكتب أبو عبيدة إلى عمر يخبره بأن هرقل قد قطع الماء إلى الجزيرة، وأنه يظهر تارة ويخفى أخرى، فبعث إليه عمر يأمره بالمقام ببلده‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 62‏)‏

 وقعة قنسرين

لما فتح أبو عبيدة حمص بعث خالد بن الوليد إلى قنسرين، فلما جاءها ثار إليه أهلها ومن عندهم من نصارى العرب، فقاتلهم خالد فيها قتالاً شديداً، وقتل منهم خلقاً كثيراً‏.‏

فأما من هناك من الروم فأبادهم وقتل أميرهم ميتاس‏.‏

وأما الأعراب فإنهم اعتذروا إليه بأن هذا القتال لم يكن عن رأينا، فقبل منهم خالد وكف عنهم، ثم خلص إلى البلد فتحصنوا فيه، فقال لهم خالد‏:‏ إنكم لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا‏.‏

ولم يزل بهم حتى فتحها الله عليه‏.‏ ولله الحمد‏.‏

فلما بلغ عمر ما صنعه خالد في هذه الوقعة قال‏:‏ يرحم الله أبا بكر، كان أعلم بالرجال مني، والله إني لم أعزله عن ريبة، ولكن خشيت أن يوكل الناس إليه‏.‏

وفي هذه السنة تقهقر هرقل بجنوده، وارتحل عن بلاد الشام إلى بلاد الروم‏.‏

هكذا ذكره ابن جرير عن محمد بن إسحاق قال‏:‏ قال سيف‏:‏ كان ذلك في سنة ست عشرة‏.‏

قالوا‏:‏ وكان هرقل كلما حج إلى بيت المقدس وخرج منها يقول‏:‏ عليك السلام يا سورية، تسليم مودع لم يقض منك وطراً وهو عائد‏.‏

فلما عزم على الرحيل من الشام وبلغ الرها، طلب من أهلها أن يصحبوه إلى الروم‏.‏

فقالوا‏:‏ إن بقاءنا هاهنا أنفع لك من رحيلنا معك فتركهم‏.‏

فلما وصل إلى شمشان وعلا على شرف هنالك التفت إلى نحو بيت المقدس وقال‏:‏ عليك السلام يا سورية سلاماً لا اجتماع بعده إلا أن أسلم عليكم تسليم المفارق، ولا يعود إليك رومي أبداً إلا خائفاً حتى يولد المولود المشؤوم، ويا ليته لم يولد‏.‏

ما أحلى فعله، وأمر عاقبته على الروم ‏!‏‏!‏

ثم سار هرقل حتى نزل القسطنطينية واستقر بها ملكه، وقد سأل رجلاً ممن اتبعه كان قد أسر مع المسلمين، فقال‏:‏ أخبرني عن هؤلاء القوم، فقال‏:‏ أخبرك كأنك تنظر إليهم، هم فرسان بالنهار، رهبان بالليل، لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن، ولا يدخلون إلا بسلام، يقفون على من حاربوه حتى يأتوا عليه‏.‏

فقال‏:‏ لئن كنت صدقتني ليملكن موضع قدمي هاتين‏.‏

قلت‏:‏ وقد حاصر المسلمون قسطنطينية في زمان بني أمية فلم يملكوها، ولكن سيملكها المسلمون في آخر الزمان كما سنبينه في كتاب الملاحم، وذلك قبل خروج الدجال بقليل على ما صحت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وغيره من الأئمة ولله الحمد والمنة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 63‏)‏

وقد حرم الله على الروم أن يملكوا بلاد الشام برمتها إلى آخر الدهر، كما ثبت به الحديث في الصحيحين عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز وجل‏)‏‏)‏‏.‏

وقد وقع ما أخبر به صلوات الله وسلامه عليه كما رأيت، وسيكون ما أخبر به جزماً لا يعود ملك القياصره إلى الشام أبداً، لأن قيصر علم جنس عند العرب يطلق على كل من ملك الشام مع بلاد الروم‏.‏

فهذا لا يعود لهم أبداً‏.‏

 وقعة قيسارية

قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة أمر عمر معاوية بن أبي سفيان على قيسارية وكتب إليه‏:‏

أما بعد‏:‏ فقد وليتك قيسارية فسر إليها واستنصر الله عليهم، وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا فنعم المولى ونعم النصير‏.‏

فسار إليها، فحاصرها وزاحفه أهلها مرات عديدة، وكان آخرها وقعة أن قاتلوا قتالاً عظيماً، وصمم عليهم معاوية، واجتهد في القتال حتى فتح الله عليه فما انفصل الحال حتى قتل منهم نحواً من ثمانين ألفاً، وكمل المائة الألف من الذين انهزموا عن المعركة، وبعث بالفتح والأخماس إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ وفيها كتب عمر بن الخطاب إلى عمر بن العاص بالمسير إلى إيليا، ومناجزة صاحبها فاجتاز في طريقه عند الرملة بطائفة من الروم فكانت‏.‏

 وقعة أجنادين

وذلك أنه سار بجيشه، وعلى ميمنته‏:‏ ابنه عبد الله بن عمرو، وعلى ميسرته‏:‏ جنادة بن تميم المالكي من بني مالك بن كنانة، ومعه شرحبيل بن حسنة، واستخلف على الأردن أبا الأعور السلمي، فلما وصل إلى الرملة وجد عندها جمعاً من الروم عليهم الأرطبون، وكان أدهى الروم وأبعدها غوراً، وأنكأها فعلاً، وقد كان وضع بالرملة جنداً عظيماً، وبإيلياء جنداً عظيماً، فكتب عمرو إلى عمر بالخبر، فلما جاءه كتاب عمرو قال‏:‏ قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عما تنفرج‏.‏

وبعث عمرو بن العاص، علقمة بن حكيم الفراسي، ومسروق بن بلال العكي على قتال أهل إيليا‏.‏

وأبا أيوب المالكي إلى الرملة، وعليها التذارق، فكانوا بإزائهم ليشغلوهم عن عمرو بن العاص وجيشه، وجعل عمرو كلما قدم عليه أمداداً من جهة يبعث منهم طائفة إلى هؤلاء وطائفة إلى هؤلاء‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 64‏)‏

وأقام عمرو على أجنادين لا يقدر من الأرطبون على سقطة، ولا تشفيه الرسل، فوليه بنفسه، فدخل عليه كأنه رسول فأبلغه ما يريد وسمع كلامه وتأمل حضرته حتى عرف ما أراد، وقال الأرطبون في نفسه‏:‏ والله إن هذا لعمرو أو أنه الذي يأخذ عمر برأيه، وما كنت لأصيب القوم بأمر هو أعظم من قتله‏.‏

فدعا حرسياً فساره فأمره بفتكه، فقال‏:‏ اذهب فقم في مكان كذا وكذا، فإذا مر بك فاقتله، ففطن عمرو بن العاص فقال للأرطبون‏:‏ أيها الأمير إني قد سمعت كلامك وسمعت كلامي، وإني واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب لنكون مع هذا الوالي لنشهد أموره، وقد أحببت أن آتيك بهم ليسمعوا كلامك ويروا ما رأيت‏.‏

فقال الأرطبون‏:‏ نعم، فاذهب فأتني بهم‏.‏

ودعا رجلاً فساره، فقال‏:‏ اذهب إلى فلان فرده‏.‏

وقام عمرو فذهب إلى جيشه ثم تحقق الأرطبون أنه عمرو بن العاص، فقال‏:‏ خدعني الرجل، هذا والله أدهى العرب‏.‏

وبلغت عمر بن الخطاب، فقال‏:‏ لله در عمرو‏.‏

ثم ناهضه عمرو فاقتتلوا بأجنادين قتالاً عظيماً، كقتال اليرموك، حتى كثرت القتلى بينهم، ثم اجتمعت بقية الجيوش إلى عمرو بن العاص، وذلك حين أعياهم صاحب إيليا وتحصن منهم بالبلد، وكثر جيشه، فكتب الأرطبون إلى عمرو‏:‏ بأنك صديقي ونظيري، أنت في قومك مثلي في قومي، والله لا تفتح من فلسطين شيئاً بعد أجنادين، فارجع ولا تغر فتلقى مثل ما لقي الذين قبلك من الهزيمة‏.‏

فدعا عمرو رجلاً يتكلم بالرومية فبعثه إلى أرطبون وقال‏:‏ اسمع ما يقول لك ثم ارجع فأخبرني‏.‏

وكتب إليه معه جاءني كتابك وأنت نظيري، ومثلي في قومك لو أخطأتك خصلة تجاهلت فضيلتي، وقد علمت أني صاحب فتح هذه البلاد، واقرأ كتابي هذا بمحضر من أصحابك ووزرائك‏.‏

فلما وصله الكتاب جمع وزراءه وقرأ عليهم الكتاب، فقالوا للأرطبون‏:‏ من أين علمت أنه ليس بصاحب فتح هذه البلاد‏؟‏

فقال‏:‏ صاحبها رجل اسمه على ثلاثة أحرف‏.‏

فرجع الرسول إلى عمرو فأخبره بما قال‏.‏

فكتب عمرو إلى عمر يستمده ويقول له‏:‏ إني أعالج حرباً كؤداً صدوماً وبلاداً ادخرت لك فرأيك‏.‏

فلما وصل الكتاب إلى عمر علم أن عمراً لم يقل ذلك إلا لأمر علمه، فعزم عمر على الدخول إلى الشام لفتح بيت المقدس كما سنذكر تفصيله‏.‏

قال سيف بن عمر عن شيوخه‏:‏ وقد دخل عمر الشام أربع مرات‏:‏

الأولى‏:‏ كان راكباً فرساً حين فتحت بيت المقدس‏.‏

والثانية‏:‏ على بعير‏.‏

والثالثة‏:‏ وصل إلى سرع، ثم رجع لأجل ما وقع بالشام من الوباء‏.‏

والرابعة‏:‏ دخلها على حمار، هكذا نقله ابن جرير عنه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 65‏)‏

 فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب

ذكره أبو جعفر بن جرير في هذه السنة عن رواية سيف بن عمر، وملخص ما ذكره هو وغيره‏:‏ أن أبا عبيدة لما فرغ من دمشق كتب إلى أهل إيليا يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام، أو يبذلون الجزية، أو يؤذنون بحرب، فأبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه، فركب إليهم في جنوده، واستخلف على دمشق سعيد بن زيد، ثم حاصر بيت المقدس وضيق عليهم حتى أجابوا إلى الصلح، بشرط أن يقدم إليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب‏.‏

فكتب إليه أبو عبيدة بذلك فاستشار عمر الناس في ذلك فأشار عثمان بن عفان بأن لا يركب إليهم ليكون أحقر لهم وأرغم لأنوفهم‏.‏

وأشار علي بن أبي طالب بالمسير إليهم ليكون أخف وطأة على المسلمين في حصارهم بينهم، فهوي ما قال علي ولم يهو ما قال عثمان‏.‏

وسار بالجيوش نحوهم واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب، وسار العباس بن عبد المطلب على مقدمته، فلما وصل إلى الشام تلقاه أبو عبيدة ورؤس الأمراء، كخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، فترجل أبو عبيدة، وترجل عمر، فأشار أبو عبيدة ليقبل يد عمر، فهم عمر بتقبيل رجل أبي عبيدة، فكف أبو عبيدة فكف عمر‏.‏

ثم سار حتى صالح نصارى بيت المقدس، واشترط عليهم إجلاء الروم إلى ثلاث، ثم دخلها إذ دخل المسجد من الباب الذي دخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء‏.‏

ويقال‏:‏ إنه لبى حين دخل بيت المقدس، فصلى فيه تحية المسجد بمحراب داود، وصلى بالمسلمين فيه صلاة الغداة من الغد، فقرأ في الأولى بسورة ص، وسجد فيها والمسلمون معه، وفي الثانية بسورة بني إسرائيل، ثم جاء إلى الصخرة فاستدل على مكانها من كعب الأحبار، فأشار عليه كعب أن يجعل المسجد من ورائه، فقال‏:‏ ضاهيت اليهودية، ثم جعل المسجد في قبلي بيت المقدس وهو العمري اليوم، ثم نقل التراب عن الصخرة في طرف ردائه وقبائة، ونقل المسلمون معه في ذلك وسخر أهل الأردن في نقل بقيتها، وقد كانت الروم جعلوا الصخرة مزبلة لأنها قبلة اليهود، حتى أن المرأة كانت ترسل خرقة حيضتها من داخل الحوز لتلقى في الصخرة، وذلك مكافأة لما كانت اليهود عاملت به القمامة وهي المكان الذي كانت اليهود صلبوا فيه المصلوب، فجعلوا يلقون على قبره القمامة فلأجل ذلك سمي ذلك الموضع القمامة، وانسحب هذا الاسم على الكنيسة التي بناها النصارى هنالك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 66‏)‏

وقد كان هرقل حين جاءه الكتاب النبوي وهو بإيلياء وعظ النصارى فيما كانوا قد بالغوا في إلقاء الكناسة على الصخرة حتى وصلت إلى محراب داود، قال لهم‏:‏ إنكم لخليق أن تقتلوا على هذه الكناسة مما امتهنتم هذا المسجد كما قتلت بنو إسرائيل على دم يحيى بن زكريا، ثم أمروا بإزالتها، فشرعوا في ذلك فما أزالوا ثلثها حتى فتحها المسلمون، فأزالها عمر بن الخطاب، وقد استقصى هذا كله بأسانيده ومتونه الحافظ بهاء الدين بن الحافظ أبي القاسم بن عساكر في كتابه ‏(‏المستقصى في فضائل المسجد الأقصى‏)‏‏.‏

وذكر سيف في سياقه‏:‏ أن عمر رضي الله عنه ركب من المدينة على فرس ليسرع السير بعد ما استخلف عليها علي بن أبي طالب، فسار حتى قدم الجابية فنزل بها وخطب بالجابية خطبة طويلة بليغة منها‏:‏

أيها الناس، أصلحوا سرائركم تصلح علانيتكم، واعملوا لآخرتكم تكفوا أمر دنياكم، واعلموا أن رجلاً ليس بينه وبين آدم أب حي، ولا بينه وبين الله هوادة، فمن أراد لَحْبَ ‏(‏طريق‏)‏ وجه الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد، وهو مع الاثنين أبعد، ولا يخلون أحدكم بامرأة فإن الشيطان ثالثهما، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن‏.‏

وهي خطبة طويلة اختصرناها‏.‏

ثم صالح عمر أهل الجابية ورحل إلى بيت المقدس، وقد كتب إلى أمراء الأجناد أن يوافوه في اليوم الفلاني إلى الجابية، فتوافوا أجمعون في ذلك اليوم إلى الجابية، فكان أول من تلقاه يزيد بن أبي سفيان، ثم أبو عبيدة، ثم خالد بن الوليد في خيول المسلمين وعليهم يلامق الديباج، فسار إليهم عمر ليحصبهم فاعتذروا إليه بأن عليهم السلاح، وأنهم يحتاجون إليه في حروبهم‏.‏

فسكت عنهم، واجتمع الأمراء كلهم بعدما استخلفوا على أعمالهم سوى عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة، فإنهما مواقفان الأرطبون بأجنادين، فبينما عمر في الجابية إذا بكردوس من الروم بأيديهم سيوف مسللة، فسار إليهم المسلمون بالسلاح، فقال عمر‏:‏ إن هؤلاء قوم يستأمنون‏.‏

فساروا نحوهم فإذا هم جند من بيت المقدس يطلبون الأمان والصلح من أمير المؤمنين حين سمعوا بقدومه، فأجابهم عمر رضي الله عنه إلى ما سألوا، وكتب لهم كتاب أمان ومصالحة، وضرب عليهم الجزية، واشترط عليهم شروطاً ذكرها ابن جرير‏.‏

وشهد في الكتاب خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان، وهو كاتب الكتاب، وذلك سنة خمس عشرة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 67‏)‏

ثم كتب لأهل لدٍّ ومن هنالك من الناس كتاباً آخر، وضرب عليهم الجزية، ودخلوا فيما صالح عليه أهل إيلياء، وفر الأرطبون إلى بلاد مصر، فكان بها حتى فتحها عمرو بن العاص، ثم فر إلى البحر فكان يلي بعض السرايا الذين يقاتلون المسلمين فظفر به رجل من قيس فقطع يد القيسي، وقتله القيسي، وقال في ذلك‏:‏

فإن يكن أرطبون الروم أفسدها * فإن فيها بحمد الله منتفعاً

وإن يكن أرطبون الروم قطعها * فقد تركت بها أوصالة قطعاً

ولما صالح أهل الرملة وتلك البلاد، أقبل عمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة حتى قدما الجابية، فوجدا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب راكباً، فلما اقتربا منه أكبا على ركبتيه فقبلاها، واعتنقهما عمر معاً رضي الله عنهم‏.‏

قال سيف‏:‏ ثم سار عمر إلى بيت المقدس من الجابية، وقد توحى فرسه فأتوه ببرذون فركبه، فجعل يهملج به فنزل عنه وضرب وجهه وقال‏:‏ لا علم الله من علمك، هذا من الخيلاء، ثم لم يركب برذوناً قبله ولا بعده، ففتحت إيلياء وأرضها على يديه، ماخلا أجنادين فعلى يدي عمرو، وقيسارية فعلى يدي معاوية‏.‏

هذا سياق سيف بن عمر‏.‏

وقد خالفه غيره من أئمة السير‏:‏ فذهبوا إلى أن فتح بيت المقدس كان في سنة ست عشرة‏.‏

قال محمد بن عائذ، عن الوليد بن مسلم، عن عثمان بن حصن بن علان، قال يزيد بن عبيدة‏:‏ فتحت بيت المقدس سنة ست عشرة، وفيها قدم عمر بن الخطاب الجابية‏.‏

وقال أبو زرعة الدمشقي، عن دحيم، عن الوليد بن مسلم قال‏:‏ ثم عاد في سنة سبع عشرة فرجع من سرع، ثم قدم سنة ثماني عشرة فاجتمع إليه الأمراء وسلموا إليه ما اجتمع عندهم من الأموال فقسمها وجند الأجناد ومصر الأمصار، ثم عاد إلى المدينة‏.‏

وقال يعقوب بن سفيان‏:‏ ثم كان فتح الجابية وبيت المقدس سنة ست عشرة‏.‏

وقال أبو معشر‏:‏ ثم كان عمواس والجابية في سنة ست عشرة‏.‏

ثم كانت سرع في سبع عشرة، ثم كان عام الرمادة في سنة ثماني عشرة‏.‏

قال‏:‏ وكان فيها طاعون عمواس - يعني‏:‏ فتح البلدة المعروفة بعمواس - فأما الطاعون المنسوب إليها فكان في سنة ثماني عشرة كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 68‏)‏

قال أبو مخنف‏:‏ لما قدم عمر الشام فرأى غوطة دمشق ونظر إلى المدينة والقصور والبساتين تلا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 25-28‏]‏‏.‏

ثم أنشد قول النابغة‏:‏

هما فتيا دهر يكر عليهما * نهار وليل يلحقان التواليا

إذا ما هما مرا بحي بغبطة * أناخا بهم حتى يلاقوا الدواهيا

وهذا يقتضي بادي الرأي أنه دخل دمشق، وليس كذلك فإنه لم ينقل أحد أنه دخلها في شيء من قدماته الثلاث إلى الشام‏:‏

أما الأولى‏:‏ وهي هذه فإنه سار من الجابية إلى بيت المقدس، كما ذكر سيف وغيره والله أعلم‏.‏

وقال الواقدي‏:‏ أما رواية غير أهل الشام فهي أن عمر دخل الشام مرتين، ورجع الثالثة من سرع سنة سبع عشرة، وهم يقولون‏:‏ دخل في الثالثة دمشق وحمص، وأنكر الواقدي ذلك‏.‏

قلت‏:‏ ولا يعرف أنه دخل دمشق إلا في الجاهلية قبل إسلامه، كما بسطنا ذلك في سيرته‏.‏

وقد روينا أن عمر حين دخل بيت المقدس، سأل كعب الأحبار عن مكان الصخرة‏.‏

فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين أذرع من وادي جهنم كذا وكذا ذراعاً فهي ثمَّ‏.‏

فذرعوا فوجدوها وقد اتخذها النصارى مزبلة كما فعلت اليهود بمكان القمامة، وهو المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي شبه بعيسى، فاعتقدت النصارى واليهود أنه المسيح‏.‏

وقد كذبوا في اعتقادهم هذا كما نص الله نص الله تعالى على خطئهم في ذلك‏.‏

والمقصود‏:‏ أن النصارى لما حكموا على بيت المقدس قبل البعثة بنحو من ثلاثمائة سنة طهروا مكان القمامة، واتخذوه كنيسة هائلة بنتها أم الملك قسطنطين باني المدينة المنسوبة إليه، واسم أمه هيلانة الحرانية البندقانية‏.‏

وأمرت ابنها فبنى للنصارى بيت لحم على موضع الميلاد وبنت هي على موضع القبر فيما يزعمون‏.‏

والغرض أنهم اتخذوا مكان قبلة اليهود مزبلة أيضاً في مقابلة ما صنعوا في قديم الزمان وحديثه‏.‏

فلما فتح عمر بيت المقدس، وتحقق موضع الصخرة أمر بإزالة ما عليها من الكناسة، حتى قيل‏:‏ أنه كنسها بردائه‏.‏

ثم استشار كعباً أين يضع المسجد، فأشار عليه بأن يجعله وراء الصخرة، فضرب في صدره وقال‏:‏ يا ابن أم كعب ضارعت اليهود، وأمر ببنائه في مقدم بيت المقدس‏.‏

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أسود بن عامر، ثنا حماد بن سلمة عن أبي سنان، عن عبيد بن آدم، وأبي مريم، وأبي شعيب‏:‏ أن عمر بن الخطاب كان بالجابية فذكر فتح بيت المقدس، قال‏:‏ قال ابن سلمة‏:‏ فحدثني أبو سنان، عن عبيد بن آدم سمعت عمر يقول لكعب‏:‏ أين ترى أن أصلي‏؟‏

قال‏:‏ إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، وكانت القدس كلها بين يديك‏.‏

فقال عمر‏:‏ ضاهيت اليهودية، لا ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء فبسط ردائه وكنس الكناسة في ردائه، وكنس الناس‏.‏

وهذا إسناد جيد، اختاره الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتابه ‏(‏المستخرج‏)‏، وقد تكلمنا على رجاله في كتابنا الذي أفردناه في مسند عمر، ما رواه من الأحاديث المرفوعة، وما روى عنه من الآثار الموقوفة مبوباً على أبواب الفقه، ولله الحمد والمنة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 69‏)‏

وقد روى سيف بن عمر، عن شيوخه، عن سالم قال‏:‏ لما دخل عمر الشام، تلقاه رجل من يهود دمشق، فقال‏:‏ السلام عليك يا فاروق، أنت صاحب إيلياء‏؟‏

لا هالله لا ترجع حتى يفتح الله عليك إيلياء‏.‏

وقد روى أحمد بن مروان الدينوري، عن محمد بن عبد العزيز، عن أبيه، عن الهيثم بن عدي، عن أسامة بن يزيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده أسلم مولى عمر بن الخطاب‏:‏ أنه قدم دمشق في تجار من قريش فلما خرجوا تخلف عمر لبعض حاجته، فبينما هو في البلد إذا ببطريق يأخذ بعنقه فذهب ينازعه فلم يقدر، فأدخله داراً فيها تراب وفأس ومجرفة وزنبيل، وقال له‏:‏ حول هذا من ههنا إلى ههنا، وغلق عليه الباب، وانصرف فلم يجئ إلى نصف النهار‏.‏

قال‏:‏ وجلست مفكراً ولم أفعل مما قال لي شيئاً‏.‏

فلما جاء قال‏:‏ مالك لم تفعل‏؟‏

ولكمني في رأسي بيده، قال‏:‏ فأخذت الفأس فضربته بها فقتلته، وخرجت على وجهي فجئت ديراً لراهب، فجلست عنده من العشي فأشرف علي فنزل وأدخلني الدير فأطعمي وسقاني، وأتحفني، وجعل يحقق النظر فيَّ، وسألني عن أمري‏.‏

فقلت‏:‏ إني ضللت أصحابي‏.‏

فقال‏:‏ إنك لتنظر بعين خائف، وجعل يتوسمني، ثم قال‏:‏ لقد علم أهل دين النصرانية أني أعلمهم بكتابهم، وإني لأراك الذي تخرجنا من بلادنا هذه، فهل لك أن تكتب لي كتاب أمان على ديري هذا‏؟‏

فقلت‏:‏ يا هذا لقد ذهبت غير مذهب، فلم يزل بي حتى كتبت له صحيفة بما طلب مني، فلما كان وقت الانصراف أعطاني أتاناً، فقال لي‏:‏ اركبها فإذا وصلت إلى أصحابك فابعث إلي بها وحدها فإنها لا تمر بدير إلا أكرموها‏.‏

ففعلت ما أمرني به، فلما قدم عمر لفتح بيت المقدس أتاه ذلك الراهب وهو بالجابية بتلك الصحيفة فأمضاها له عمر، واشترط عليه ضيافة من يمر به من المسلمين، وأن يرشدهم إلى الطريق‏.‏

رواه ابن عساكر وغيره‏.‏

وقد ساقه ابن عساكر من طريق أخرى في ترجمة يحيى بن عبيد الله بن أسامة القرشي البلقاوي عن زيد بن أسلم، عن أبيه فذكر حديثاً طويلاً عجيباً هذا بعضه‏.‏

وقد ذكرنا الشروط العمرية على نصارى الشام مطولاً في كتابنا الأحكام، وأفردنا له مصنفاً على حدة، ولله الحمد والمنة‏.‏

وقد ذكرنا خطبته في الجابية بألفاظها وأسانيدها في الكتاب الذي أفردناه لمسند عمر، وذكرنا تواضعه في دخوله الشام في السيرة التي أفردناها له‏.‏

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثني الربيع بن ثعلب، نا أبو إسماعيل المؤدب، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز المكي، عن أبي الغالية الشامي قال‏:‏ قدم عمر بن الخطاب الجابية على طريق إيلياء على جمل أورق، تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة، تصطفق رجلاه بين شعبتي الرحل بلا ركاب، وطاؤه كساء أنبجاني ذو صوف هو وطاؤه إذا ركب، وفراشه إذا نزل، حقيبته نمرة أو شملة محشوة ليفاً، هي حقيبته إذا ركب ووسادته إذا نزل، وعليه قميص من كرابيس قد رسم وتخرق جنبه‏.‏

فقال‏:‏ ادعوا لي رأس القوم، فدعوا له الجلومس‏.‏

فقال‏:‏ اغسلوا قميصي وخيطوه وأعيروني ثوباً أو قميصاً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 70‏)‏

فأتي بقميص كتان، فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏

قالوا‏:‏ كتان‏.‏

قال‏:‏ وما الكتان‏؟‏

فأخبروه فنزع قميصه، فغسل ورقع، وأتى به فنزع قميصهم ولبس قميصه‏.‏

فقال له‏:‏ الجلومس أنت ملك العرب، وهذه البلاد لا تصلح بها الإبل، فلو لبست شيئاً غير هذا وركبت برذوناً لكان ذلك أعظم في أعين الروم‏.‏

فقال‏:‏ نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فلا نطلب بغير الله بديلاً، فأتي ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج ولا رحل فركبه بها، فقال‏:‏ احبسوا احبسوا، ما كنت أرى الناس يركبون الشيطان قبل هذا فأتي بجمله فركبه‏.‏

وقال إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا سعدان بن نصر، حدثنا سفيان، عن أيوب الطائي، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال‏:‏ لما قدم عمر الشام عرضت له مخاضة فنزل عن بعيره ونزع موقيه فأمسكهما بيد وخاض الماء ومعه بعيره‏.‏

فقال له أبو عبيدة‏:‏ قد صنعت اليوم صنيعاً عظيماً عند أهل الأرض، صنعت كذا وكذا‏.‏

قال‏:‏ فصك في صدره، وقال‏:‏ أولو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام فمهما تطلبوا العز بغير يذلكم الله‏.‏

 أيام بُرس وبابل وكوثى

قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة - أعني‏:‏ سنة خمس عشرة - كانت بين المسلمين وفارس وقعات في قول سيف بن عمر‏.‏

وقال ابن إسحاق والواقدي‏:‏ إنما كان ذلك في سنة ست عشرة‏.‏

ثم ذكر ابن جرير وقعات كثيرة كانت بينهم، وذلك حين بعث عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص يأمره بالمسير إلى المدائن، وأن يخلف النساء والعيال بالعقيق في خيل كثيرة كثيفة، فلما تفرغ سعد من القادسية بعث على المقدمة زهرة بن حوية، ثم أتبعه بالأمراء واحداً بعد واحد، ثم سار في الجيوش وقد جعل هاشم بن عتبة بن أبي وقاص على خلافته مكان خالد بن عرفطة، وجعل خالداً هذا على الساقة، فساروا في خيول عظيمة، وسلاح كثير، وذلك لأيام بقين من شوال من هذه السنة، فنزلوا الكوفة وارتحل زهرة بين أيديهم نحو المدائن فلقيه بها بصبهرى في جيش من فارس فهزمهم زهرة، وذهبت الفرس في هزيمتهم إلى بابل وبها جمع كثير ممن انهزم يوم القادسية قد جعلوا عليهم الفيرزان، فبعث زهرة إلى سعد فأعلمه باجتماع المنهزمين ببابل، فسار سعد بالجيوش إلى بابل فتقابل هو والفيرزان عند بابل، فهزمهم كأسرع من لفة الرداء، وانهزموا بين يديه فرقتين، فرقة ذهبت إلى المدائن، وأخرى سارت إلى نهاوند‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 71‏)‏

وأقام سعد ببابل أياماً، ثم سار منها نحو المدائن فلقوا جمعاً آخر من الفرس فاقتتلوا قتالاً شديداً، وبارزوا أمير الفرس وهو شهريار، فبرز إليه رجل من المسلمين يقال له‏:‏ نائل الأعرجي أبو نباتة من شجعان تميم، فتجاولا ساعة بالرماح، ثم ألقياها فانتضيا سيفيهما، وتصاولا بهما ثم تعانقا وسقطا عن فرسيهما إلى الأرض، فوقع شهريار على صدر أبي نباتة، وأخرج خنجراً ليذبحه بها، فوقعت أصبعه في فم أبي نباتة فقضمها حتى شغله عن نفسه، وأخذ الخنجر فذبح شهريار بها، وأخذ فرسه وسواريه وسلبه، وانكشف أصحابه فهزموا‏.‏

فأقسم سعد على نائل ليلبس سواري شهريار وسلاحه، وليركبن فرسه إذا كان حرب، فكان يفعل ذلك‏.‏

قالوا‏:‏ وكان أول من تسور بالعراق، وذلك بمكان يقال له‏:‏ كوثى‏.‏

وزار المكان الذي حبس فيه الخليل وصلى عليه، وعلى سائر الأنبياء، وقرأ‏:‏ ‏{‏وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ‏}‏ الآية ‏[‏آل عمران‏:‏ 140‏]‏‏.‏

 وقعة نهرشير

قالوا‏:‏ ثم قدم سعد زهرة بين يديه من كوثى إلى نهرشير، فمضى إلى المقدمة، وقد تلقاه شيرزاذ إلى ساباط بالصلح والجزية، فبعثه إلى سعد فأمضاه، ووصل سعد بالجنود إلى مكان يقال له‏:‏ مظلم ساباط، فوجدوا هنالك كتائب كثيرة لكسرى يسمونها‏:‏ بوران، وهم يقسمون كل يوم لا يزول ملك فارس ما عشنا، ومعهم أسد كبير لكسرى يقال له‏:‏ المقرط قد أرصدوه في طريق المسلمين، فتقدم إليه ابن أخي سعد، وهو هاشم بن عتبة، فقتل الأسد والناس ينظرون، وسمي‏:‏ يومئذ سيفه المتين‏.‏

وقبل سعد يومئذ رأس هاشم، وقبل هاشم قدم سعد، وحمل هاشم على الفرس فأزالهم عن أماكنهم وهزمهم وهو يتلو قوله تعالى‏:‏ ‏(‏‏(‏أولم تكونوا أقسمتم من قبل مالكم من زوال‏)‏‏)‏ فلما كان الليل ارتحل المسلمون ونزلوا نهرشير فجعلوا كلما وقفوا كبروا، وكذلك حتى كان آخرهم مع سعد فأقاموا بها شهرين ودخلوا في الثالث وفرغت السنة‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ وفيها حج بالناس عمر وكان عامله فيها على مكة عتاب بن أسيد، وعلى الشام أبو عبيدة، وعلى الكوفة والعراق سعد، وعلى الطائف يعلى بن أمية، وعلى البحرين واليمامة عثمان بن أبي العاص، وعلى عُمان حذيفة بن محصن‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 72‏)‏

قلت‏:‏ وكانت وقعة اليرموك في سنة خمس عشرة في رجب منها عند الليث بن سعد، وابن لهيعة، وأبي معشر، والوليد بن مسلم، ويزيد بن عبيدة، وخليفة بن خياط، وابن الكلبي، ومحمد بن عائذ، وابن عساكر، وشيخنا أبي عبد الله الذهبي الحافظ‏.‏

وأما سيف بن عمر، وأبو جعفر بن جرير فذكروا وقعة اليرموك في سنة ثلاث عشرة‏.‏

وقد قدمنا ذكرها هنالك تبعاً لابن جرير، وهكذا وقعة القادسية عند بعض الحفاظ‏:‏ أنها كانت في أواخر هذه السنة - سنة خمس عشرة - وتبعهم في ذلك شيخنا الحافظ الذهبي‏.‏

والمشهور‏:‏ أنها كانت في سنة أربع عشرة كما تقدم ثم ذكر شيخنا الذهبي‏.‏

 ومن توفي هذه السنة مرتبين على الحروف

سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي، وهو أحد أقوال المؤرخين‏.‏

وقد تقدم‏.‏

سعد بن عبيد بن النعمان أبو زيد الأنصاري الأوسي، قتل بالقادسية، ويقال‏:‏ أنه أبو زيد القاري أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنكر آخرون ذلك، ويقال‏:‏ إنه والد عمير بن سعد الزاهد أمير حمص‏.‏

وذكر محمد بن سعد وفاته بالقادسية، وقال‏:‏ كانت سنة ست عشرة والله أعلم‏.‏

سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن حسل بن عامر بن لؤي أبو يزيد العامري أحد خطباء قريش وأشرافهم، أسلم يوم الفتح، وحسن إسلامه، وكان سمحاً جواداً فصيحاً، كثير الصلاة، والصوم، والصدقة، وقراءة القرآن، والبكاء‏.‏

ويقال‏:‏ إنه قام وصام حتى شحب لونه، وله سعي مشكور في صلح الحديبية‏.‏

ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس بمكة خطبة عظيمة تثبت الناس على الإسلام، وكانت خطبته بمكة قريباً من خطبة الصديق بالمدينة، ثم خرج في جماعة إلى الشام مجاهداً، فحضر اليرموك، وكان أميراً على بعض الكراديس، ويقال‏:‏ إنه استشهد يومئذ‏.‏

وقال الواقدي والشافعي‏:‏ توفي بطاعون عمواس‏.‏

عامر بن مالك بن أهيب الزهري أخي سعد بن أبي وقاص، هاجر إلى الحبشة، وهو الذي قدم بكتاب عمر إلى أبي عبيدة بولايته على الشام وعزل خالد عنها، واستشهد يوم اليرموك‏.‏

عبد الله بن سفيان بن عبد الأسد المخزومي، صحابي هاجر إلى الحبشة مع عمه أبي سلمة بن عبد الأسد‏.‏

روى عنه عمرو بن دينار منقطعاً لأنه قتل يوم اليرموك‏.‏

عبد الرحمن بن العوام، أخو الزبير بن العوام، حضر بدراً مشركاً، ثم أسلم واستشهد يوم اليرموك في قول‏.‏

عتبة بن غزوان، توفي فيها في قول‏.‏

عكرمة بن أبي جهل، استشهد باليرموك في قول‏.‏

عمرو بن أم مكتوم، استشهد يوم القادسية وقد تقدم، ويقال‏:‏ بل رجع إلى المدينة‏.‏

عمرو بن الطفيل بن عمرو تقدم‏.‏

عامر بن أبي ربيعة تقدم‏.‏

فراس بن النضر بن الحارث، يقال‏:‏ استشهد يوم اليرموك‏.‏

قيس بن عدي بن سعد بن سهم من مهاجرة الحبشة، قتل باليرموك‏.‏

قيس بن أبي صعصعة‏.‏

عمرو بن زيد بن عوف الأنصاري المازني، شهد العقبة وبدراً، وكان أحد أمراء الكراديس يوم اليرموك، وقتل يومئذ، وله حديث قال‏:‏ قلت يا رسول الله في كم أقرأ القرآن‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏في خمس عشرة‏)‏‏)‏ الحديث‏.‏

قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي‏:‏ ففيه دليل على أنه ممن جمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 73‏)‏

نصير بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري، أسلم عام الفتح، وكان من علماء قريش، وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين مائة من الإبل، فتوقف في أخذها وقال‏:‏ لا أرتشي على الإسلام‏.‏

ثم قال‏:‏ والله ما طلبتها ولا سألتها، وهي عطية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذها وحسن إسلامه، واستشهد يوم اليرموك‏.‏

نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أسن من أسلم من بني عبد المطلب، وكان ممن أسر يوم بدر ففاداه العباس، ويقال‏:‏ أنه هاجر أيام الخندق، وشهد الحديبية والفتح، وأعان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بثلاثة آلاف رمح، وثبت يومئذٍ، وتوفي سنة خمس عشرة، وقيل‏:‏ سنة عشرين والله أعلم‏.‏

توفي بالمدينة، وصلى عليه عمر، ومشى في جنازته، ودفن بالبقيع، وخلف عدة أولاد فضلاء وأكابر‏.‏

هشام بن العاص، أخو عمرو بن العاص تقدم‏.‏

وقال ابن سعد‏:‏ قتل يوم اليرموك‏.‏