فصل: قصة التحكيم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البداية والنهاية **


 فصل في ذكر أعيان من قتل يوم الجمل

في ذكر أعيان من قتل يوم الجمل من السادة النجباء من الصحابة من الفريقين رضي الله عنهم أجمعين، وقد قدَّمنا أن عدة القتلى نحو من عشرة آلاف، وأما الجرحى فلا يحصون كثرة، فممن قتل يوم الجمل في المعركة‏:‏

طلحة بن عبيد الله

ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة أبو محمد القرشي التيمي، ويعرف‏:‏ بطلحة الخير، وطلحة الفياض لكرمه ولكثرة جوده‏.‏

أسلم قديماً على يدي أبي بكر الصديق، فكان نوفل بن خويلد بن العدوية يشدهما في حبل واحد، ولا تستطيع بنو تميم أن تمنعهما منه، فلذلك كان يقال لطلحة وأبي بكر القرينان‏.‏

وقد هاجر وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي أيوب الأنصاري، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بدراً - فإنه كان بالشام لتجارة - وقيل‏:‏ في رسالة، ولهذا ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره من بدر‏.‏

وكانت له يوم أحد اليد البيضاء، وشلت يده يوم أحد وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستمرت كذلك إلى أن مات، وكان الصديق إذا حدث عن يده أحد يقول‏:‏ ذاك يوم كان كله لطلحة‏.‏

وقد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ‏:‏ ‏(‏‏(‏أوجب طلحة‏)‏‏)‏، وذلك أنه كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم درعان، فأراد أن ينهض وهما عليه ليصعد صخرة هنالك فما استطاع، فطأطأ له طلحة فصعد على ظهره حتى استوى عليها وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أوجب طلحة‏)‏‏)‏‏.‏

وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وقد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن صحبته، حتى توفي وهو عنه راض، وكذلك أبو بكر وعمر‏.‏

فلما كانت قضية عثمان اعتزل عنه، فنسبه بعض الناس إلى تحامل فيه، فلهذا لما حضر يوم الجمل واجتمع به علي فوعظه تأخر فوقف في بعض الصفوف، فجاءه سهم غرب فوقع في ركبته، وقيل‏:‏ في رقبته، والأول أشهر‏.‏

وانتظم السهم مع ساقه خاصرة الفرس، فجمح به حتى كاد يلقيه، وجعل يقول‏:‏ إليَّ عباد الله، فأدركه مولى له فركب وراءه، وأدخله البصرة فمات بدار فيها‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 7/276‏)‏

ويقال‏:‏ إنه مات بالمعركة، وإن علياً لما دار بين القتلى رآه، فجعل يمسح عن وجهه التراب، وقال‏:‏ رحمة الله عليك أبا محمد، يعز علي أن أراك مجدولاً تحت نجوم السماء، ثم قال‏:‏ إلى الله أشكو عجزي وبجري، والله لوددت أني كنت مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة‏.‏

ويقال‏:‏ إن الذي رماه بهذا السهم مروان بن الحكم، وقال لأبان بن عثمان‏:‏ قد كفيتك رجالاً من قتلة عثمان‏.‏

وقد قيل‏:‏ إن الذي رماه غيره، وهذا عندي أقرب، وإن كان الأول مشهوراً والله أعلم‏.‏

وكان يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، ودفن طلحة إلى جانب الكلأ، وكان عمره ستين سنة‏.‏

وقيل‏:‏ بضعاً وستين سنة، وكان آدم، وقيل‏:‏ أبيض، حسن الوجه، كثير الشعر، إلى القصر أقرب وكانت غلته في كل يوم ألف درهم‏.‏

وروى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبيه‏:‏ أن رجلاً رأى طلحة في منامه وهو يقول‏:‏ حولوني عن قبري فقد آذاني الماء، ثلاث ليال، فأتى ابن عباس فأخبره - وكان نائباً على البصرة - فاشتروا له داراً بالبصرة بعشرة آلاف درهم، فحولوه من قبره إليها، فإذا قد اخضر من جسده ما يلي الماء، وإذا هو كهيئة يوم أصيب‏.‏

وقد وردت له فضائل كثيرة‏.‏

فمن ذلك‏:‏ ما رواه أبو بكر بن أبي عاصم‏:‏ حدثنا الحسن بن علي بن سليمان بن عيسى بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، حدثني أبي، عن جده، عن موسى بن طلحة، عن أبيه قال‏:‏ سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد طلحة الخير، ويوم العسرة طلحة الفياض، ويوم حنين طلحة الجود‏.‏

وقال أبو يعلى الموصلي‏:‏ ثنا أبو كريب، ثنا يونس، عن ابن بكر، عن طلحة بن يحيى، عن موسى وعيسى ابني طلحة، عن أبيهما‏:‏ أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابي جاء يسأل عمن قضى نحبه فقالوا‏:‏ سل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله في المسجد فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه ثم اطلعت من باب المسجد وعلي ثياب خضر، فقال رسول الله‏:‏ ‏(‏‏(‏أين السائل‏؟‏

قال‏:‏ ها أنا ذا‏.‏

فقال‏:‏ هذا ممن قضى نحبه‏)‏‏)‏‏.‏

وقال أبو القاسم البغوي‏:‏ ثنا داود بن رشيد، ثنا مكي، ثنا علي بن إبراهيم، ثنا الصلت بن دينار، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏من أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على رجليه فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله‏)‏‏)‏‏.‏

وقال الترمذي‏:‏ حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا أبو عبد الرحمن بن منصور العنزي - اسمه النضر -، ثنا عقبة بن علقمة اليشكري‏:‏ سمعت علي بن أبي طالب يقول‏:‏ سمعت أذناي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏طلحة والزبير جاراي في الجنة‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 277‏)‏

وقد روي من غير وجه عن علي أنه قال‏:‏ إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير وعثمان ممن قال الله‏:‏ ‏{‏وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 47‏]‏‏.‏

وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب‏:‏ أن رجلاً كان يقع في طلحة والزبير وعثمان وعلي رضي الله عنهم، فجعل سعد ينهاه، ويقول‏:‏ لا تقع في إخواني فأبى، فقام فصلى ركعتين ثم قال‏:‏ اللهم إن كان سخطاً لك فيما يقول، فأرني فيه اليوم آية واجعله للناس عبرة‏.‏

فخرج الرجل فإذا ببختي يشق الناس فأخذه بالبلاط فوضعه بين كركرته والبلاط فسحقه حتى قتله‏.‏

قال سعيد بن المسيب‏:‏ فأنا رأيت الناس يتبعون سعداً ويقولون‏:‏ هنيئاً لك أبا إسحاق أجيبت دعوتك‏.‏

والزبير بن العوام بن خويلد

ابن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، أبو عبد الله القرشي الأسدي، وأمه‏:‏ صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

أسلم قديماً، وعمره خمس عشرة سنة، وقيل‏:‏ أقل‏.‏

وقيل‏:‏ أكثر، هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، فآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سلمة بن سلامة بن وقش، وقد شهد المشاهد كلها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب‏:‏ ‏(‏‏(‏من يأتينا بخبر القوم‏؟‏

فقال‏:‏ أنا، ثم ندب الناس فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن لكل نبي حوراياً وحواري الزبير‏)‏‏)‏‏.‏

ثبت ذلك من رواية زر، عن علي‏.‏

وثبت عن الزبير أنه قال‏:‏ ‏(‏‏(‏جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه يوم بني قريظة‏)‏‏)‏‏.‏

وروي‏:‏ أنه أول من سل سيفاً في سبيل الله، وذلك بمكة حين بلغ الصحابة أن رسول الله قد قتل فجاء شاهراً سيفه حتى رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشام سيفه، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض‏.‏

وصحب الصديق فأحسن صحبته، وكان ختنه على ابنته أسماء بنت الصديق، وابنه عبد الله منها أول مولود ولد للمسلمين بعد الهجرة‏.‏

وخرج مع الناس إلى الشام مجاهداً فشهد اليرموك فتشرفوا بحضوره، وكانت له بها اليد البيضاء والهمة العلياء، اخترق جيوش الروم وصفوفهم مرتين من أولهم إلى آخرهم، وكان من جملة من دافع عن عثمان وحاجف عنه، فلما كان يوم الجمل ذكره علي بما ذكره به فرجع عن القتال وكر راجعاً إلى المدينة، فمر بقوم الأحنف بن قيس - وكانوا قد انعزلوا عن الفريقين - فقال قائل يقال له الأحنف‏:‏ ما بال هذا جمع بين الناس حتى إذا التقوا كر راجعاً إلى بيته‏؟‏ من رجل يكشف لنا خبره‏؟‏

فاتبعه عمرو بن جرموز، وفضالة بن حابس، ونفيع في طائفة من غواة بني تميم، فيقال‏:‏ إنهم لما أدركوه تعاونوا عليه حتى قتلوه‏.‏

ويقال‏:‏ بل أدركه عمرو بن جرموز فقال له عمرو‏:‏ إن لي إليك حاجة‏؟‏

فقال‏:‏ ادن ‏!‏

فقال مولى الزبير - واسمه عطية -‏:‏ إن معه سلاحاً‏.‏

فقال‏:‏ وإن، فتقدم إليه فجعل يحدثه وكان وقت الصلاة، فقال له الزبير‏:‏ الصلاة‏.‏

فقال‏:‏ الصلاة، فتقدم الزبير ليصلي بهما فطعنه عمرو بن جرموز فقتله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 278‏)‏

ويقال‏:‏ بل أدركه عمرو بواد يقال له‏:‏ وادي السباع، وهو نائم في القائله فهجم عليه فقتله‏.‏

وهذا القول هو الأشهر، ويشهد له شعر امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت آخر من تزوجها، وكانت قبله تحت عمر بن الخطاب فقتل عنها، وكانت قبله تحت عبد الله بن أبي بكر الصديق فقتل عنها، فلما قتل الزبير رثته بقصيدة محكمة المعنى فقالت‏:‏

غدر ابن جرموز بفارس بهمة * يوم اللقاء وكان غر معرد

يا عمرو لو نبهته لوجدته * لا طائشاً رعش الجنان ولا اليد

ثكلتك أمك أن ظفرت بمثله * ممن بقي ممن يروح ويغتدي

كم غمرة قد خاضها لم يثنه * عنها طرادك يا بن فقع العردد

والله ربي إن قتلت لمسلماً * حلت عليك عقوبة المتعمد

ولما قتله عمرو بن جرموز فاجتز رأسه، وذهب به إلى علي، ورأى أن ذلك يحصل له به حظوة عنده، فاستأذن، فقال علي‏:‏ لا تأذنوا له وبشروه بالنار‏.‏

وفي رواية‏:‏ أن علياً قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏بشر قاتل ابن صفية بالنار‏)‏‏)‏‏.‏

ودخل ابن جرموز ومعه سيف الزبير، فقال علي‏:‏ إن هذا السيف طالما فرج الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

فيقال‏:‏ إن عمرو بن جرموز لما سمع ذلك قتل نفسه‏.‏

وقيل‏:‏ بل عاش إلى أن تأمر مصعب بن الزبير على العراق فاختفى منه، فقيل لمصعب‏:‏ إن عمرو بن جرموز ها هنا وهو مختف، فهل لك فيه‏؟‏

فقال‏:‏ مروه فليظهر فهو آمن، والله ما كنت لأقيد للزبير منه، فهو أحقر من أن أجعله عدلاً للزبير‏.‏

وقد كان الزبير ذا مال جزيل وصدقات كثيرة جداً، لما كان يوم الجمل أوصى إلى ابنه عبد الله، فلما قتل وجدوا عليه من الدين ألفي ألف ومائتا ألف فوفوها عنه، وأخرجوا بعد ذلك ثلث ماله الذي أوصى به، ثم قسمت التركة بعد ذلك فأصاب كل واحدة من الزوجات الأربع من ربع الثمن ألف ألف ومائتا ألف درهم، فعلى هذا يكون مجموع ما قسم بين الورثة ثمانية وثلاثين ألف ألف وأربعمائة ألف، والثلث الموصى به تسعة عشر ألف ألف ومائتا ألف، فتلك الجملة سبعة وخمسون ألف ألف وستمائة ألف، والدين المخرج قبل ذلك ألفا ألف ومائتا ألف‏.‏

فعلى هذا يكون جميع ما تركه من الدين والوصية والميراث تسعة وخمسين ألف ألف وثمانمائة ألف، وإنا نبهنا على هذا لأنه وقع في صحيح البخاري ما فيه نظر ينبغي أن ينبه له والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 279‏)‏

وقد جمع ماله هذا بعد الصدقات الكثيرة والمآثر الغزيرة مما أفاء الله عليه من الجهاد، ومن خمس الخمس ما يخص أمه منه، ومن التجارة المبرورة من الخلال المشكورة، وقد قيل‏:‏ إنه كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فربما تصدق في بعض الأيام بخراجهم كلهم رضي الله عنه وأرضاه‏.‏

وكان قتله يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، وقد نيف على الستين بست أو سبع، وكان أسمر ربعة من الرجال معتدل اللحم خفيف اللحية رضي الله عنه‏.‏

 وفي هذه السنة أعني سنة ست وثلاثين

ولى علي بن أبي طالب نيابة الديار المصرية لقيس بن سعد بن عبادة، وكان على نيابتها في أيام عثمان عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فلما توجه أولئك الأحزاب من خوارج المصريين إلى عثمان وكان الذي جهزهم إليه مع عبد الله بن سبأ المعروف‏:‏ بابن السوداء محمد بن أبي حذيفة بن عتبة‏.‏

وكان لما قتل أبوه باليمامة أوصى به إلى عثمان، فكفله ورباه في حجره ومنزله وأحسن إليه إحساناً كثيراً، ونشأ في عبادة وزهادة، وسأل من عثمان أن يوليه عملاً، فقال له‏:‏ متى ما صرت أهلاً لذلك وليتك‏.‏

فتعتب في نفسه على عثمان، فسأل من عثمان أن يخرج إلى الغزو فأذن له، فقصد الديار المصرية وحضر مع أميرها عبد الله بن سعد بن أبي سرح غزوة الصواري كما قدمنا، وجعل ينتقص عثمان رضي الله عنه، وساعده على ذلك محمد بن أبي بكر‏.‏

فكتب بذلك ابن أبي سرح إلى عثمان يشكوهما إليه، فلم يعبأ بهما عثمان ولم يزل ذلك دأب محمد بن أبي حذيفة حتى استنفر أولئك إلى عثمان، فلما بلغه أنهم قد حصروا عثمان تغلب على الديار المصرية، وأخرج منها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وصلى بالناس فيها، فلما كان ابن أبي سرح ببعض الطريق جاءه الخبر بقتل أمير المؤمنين عثمان فقال‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

وبلغه أن علياً قد بعث على إمرة مصر قيس بن سعد بن عبادة، فشمت بمحمد بن أبي حذيفة، إذ لم يمتع بملك الديار المصرية سنة، وسار عبد الله بن سعد إلى الشام إلى معاوية فأخبره بما كان من أمره بديار مصر، وأن محمد بن أبي حذيفة قد استحوذ عليها، فسار معاوية وعمرو بن العاص ليخرجاه منها لأنه من أكبر الأعوان على قتل عثمان، مع أنه كان قد رباه وكفله وأحسن إليه، فعالجا دخول مصر فلم يقدرا فلم يزالا يخدعانه حتى خرج إلى العريش في ألف رجل فتحصن بها‏.‏

وجاء عمرو بن العاص فنصب عليه المنجنيق حتى نزل في ثلاثين من أصحابه فقتلوا، ذكره محمد بن جرير‏.‏

ثم سار إلى مصر قيس بن سعد بن عبادة بولاية من علي، فدخل مصر في سبعة نفر، فرقي المنبر وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب‏:‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏!‏ من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من بلغه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين‏.‏

سلام عليكم، فإني أحمد الله كثيراً الذي لا إله إلا هو‏.‏

أما بعد، فإن الله بحسن صنيعه وتقديره وتدبيره اختار الإسلام ديناً لنفسه وملائكته ورسله، وبعث به الرسل إلى عباده، وخص به من انتخب من خلقه‏.‏

فكان مما أكرم الله به هذه الآمة، وخصهم به من الفضيلة أن بعث محمداً صلى الله عليه وسلم يعلمهم الكتاب والحكمة والفرائض والسنة، لكيما يهتدوا، وجمعهم لكيما يتفرقوا، وزكاهم لكي يتطهروا، ووفقهم لكيلا يجوروا‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 280‏)‏

فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه الله إليه، صلوات الله وسلامه عليه وبركاته ورحمته، ثم إن المسلمين استخلفوا بعده أميرين صالحين، عملاً بالكتاب و السنة، وأحسنا السيرة ولم يعدوا السنة، ثم توفاهما الله فرحمهما الله‏.‏

ثم ولى بعدهما والٍ أحدث أحداثاً، فوجدت الأمة عليه مقالاً فقالوا، ثم نقموا عليه فغيروا صلى الله عليه وسلم ثم جاؤوني فبايعوني، فأستهدي الله بهداه، وأستعينه على التقوى، ألا وإن لكم علينا العمل بكتاب الله وسنة رسول الله، والقيام عليكم بحقه والنصح لكم بالغيب، والله المستعان، وحسبنا الله ونعم الوكيل‏.‏

وقد بعثت إليكم قيس بن سعد بن عبادة أميراً فوازروه، وكاتفوه، وأعينوه على الحق، وقد أمرته بالإحسان على محسنكم، والشدة على مريبكم، والرفق بعوامكم وخواصكم‏.‏

وهو ممن أرضى هديه، وأرجو صلاحه ونصيحته، أسأل الله لنا ولكم عملاً زاكياً وثواباً جزيلاً ورحمة واسعة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏

وكتب عبد الله بن أبي رافع في صفر سنة ست وثلاثين قال‏:‏ ثم قام قيس بن سعد فخطب الناس ودعاهم إلى البيعة لعلي، فقام الناس فبايعوه‏.‏

واستقامت له طاعة بلاد مصر سوى قرية منها يقال لها‏:‏ خربتا، فيها ناس قد أعظموا قتل عثمان - وكانوا سادة الناس ووجوههم، وكانوا في نحو من عشرة آلاف وعليهم رجل يقال له‏:‏ يزيد بن الحارث المدلجي -‏.‏

وبعثوا إلى قيس بن سعد فوادعهم، وكذلك مسلمة بن مدلج الأنصاري تأخر عن البيعة فتركه قيس بن سعد ووادعه، ثم كتب معاوية بن أبي سفيان - وقد استوثق له أمر الشام بحذافيره - إلى أقصى بلاد الروم والسواحل، وجزيرة قبرص أيضاً تحت حكمه، وبعض بلاد الجزيرة كالرها وحران وقرقيسيا وغيرها، وقد ضوى إليها الذين هربوا يوم الجمل من العثمانية، وقد أراد الأشتر انتزاع هذه البلاد من يد نواب معاوية، فبعث إليه عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ففر منه الأشتر‏.‏

واستقر أمر معاوية على تلك البلاد، فكتب إلى قيس بن سعد يدعوه إلى القيام بطلب دم عثمان، وأن يكون مؤازراً له على ما هو بصدده من القيام في ذلك، ووعده أن يكون نائبه على العراقين إذا تم له الأمر ما دام سلطاناً‏.‏

فلما بلغه الكتاب - وكان قيس رجلاً حازماً - لم يخالفه ولم يوافقه، بل بعث يلاطف معه الأمر وذلك لبعده عن علي، وقربه من بلاد الشام وما مع معاوية من الجنود، فسالمه قيس وتاركه ولم يواقعه على ما دعاه إليه ولا وافقه عليه‏.‏

فكتب إليه معاوية‏:‏ إنه لا يسعك معي تسويتك بي وخديعتك لي، ولا بد أن أعلم أنك سلم أو عدو - وكان معاوية حازماً أيضاً - فكتب إليه بما صمم عليه‏:‏ إني مع علي إذ هو أحق بالأمر منك، فلما بلغ ذلك معاوية بن أبي سفيان يئس منه ورجع، ثم أشاع بعض أهل الشام أن قيس بن سعد يكاتبهم في الباطن ويمالئهم على أهل العراق‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 281‏)‏

وروى ابن جرير‏:‏ أنه جاء من جهته كتاب مزور بمبايعته معاوية، والله أعلم بصحته‏.‏

ولما بلغ ذلك علياً فاتهمه وكتب له أن يغزو أهل خربتا الذين تخلفوا عن البيعة، فبعث إليه يعتذر إليه بأنهم عدد كثير، وهم وجوه الناس‏.‏

وكتب إليه‏:‏ إن كنت إنما أمرتني بهذا لتختبرني لأنك اتهمتني، فابعث على عملك بمصر غيري، فبعث علي على إمرة مصر الأشتر النخعي، فسار إليها الأشتر النخعي‏.‏

فلما بلغ القلزم شرب شربة من عسل فكان فيها حتفه، فبلغ ذلك أهل الشام فقالوا‏:‏ إن لله جنداً من عسل، فلما بلغ علياً مهلك الأشتر، بعث محمد بن أبي بكر على إمرة مصر‏.‏

وقد قيل وهو الأصح‏:‏ إن علياً ولى محمد بن أبي بكر بعد قيس بن سعد، فارتحل قيس إلى المدينة، ثم ركب هو وسهل بن حنيف إلى علي فاعتذر إليه قيس بن سعد فعذره علي، وشهدا معه صفين كما سنذكره، فلم يزل محمد بن أبي بكر بمصر قائم الأمر مهيباً بالديار المصرية حتى كانت وقعة صفين‏.‏

وبلغ أهل مصر خبر معاوية ومن معه من أهل الشام على قتال أهل العراق، وصاروا إلى التحكيم، فطمع أهل مصر في محمد بن أبي بكر واجترأوا عليه وبارزوه بالعداوة، فكان من أمره ما سنذكره‏.‏

وكان عمر بن العاص قد بايع معاوية على القيام بطلب دم عثمان، وكان قد خرج من المدينة حين أرادوا حصره لئلا يشهد مهلكه، مع أنه كان متعتباً عليه بسبب عزله له عن ديار مصر، وتوليته بدله عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فتسرح عن المدينة علي تغضب فنزل قريباً من الأردن، فلما قتل عثمان صار إلى معاوية فبايعه على ما ذكرنا‏.‏

 فصل في وقعة صفين بين أهل العراق وبين أهل الشام

قد تقدم ما رواه الإمام أحمد‏:‏ عن إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، أنه قال‏:‏ هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرات الألوف، فلم يحضرها منهم مائة بل لم يبلغوا ثلاثين‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أمية بن خلد، قال لشعبة‏:‏ إن أبا شيبة روى عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال‏:‏ شهد صفين من أهل بدر سبعون رجلاً، فقال كذب أبو شيبة، والله لقد ذاكرنا الحكم في ذلك فما وجدناه شهد صفين من أهل بدر غير خزيمة بن ثابت ‏؟‏‏.‏

وقد قيل‏:‏ أنه شهدها من أهل بدر سهل بن حنيف، وكذا أبو أيوب الأنصاري‏.‏

قاله شيخنا العلامة ابن تيمية في كتاب ‏(‏الرد على الرافضة‏)‏‏.‏

وروى ابن بطة بإسناده‏:‏ عن بكير بن الأشج أنه قال‏:‏ أما إن رجالاً من أهل بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان، فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 282‏)‏

وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فإنه لما فرغ من وقعة الجمل، ودخل البصرة، وشيع أم المؤمنين عائشة لما أرادت الرجوع إلى مكة، سار من البصرة إلى الكوفة‏.‏

قال أبو الكنود عبد الرحمن بن عبيد‏:‏ فدخلها علي يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة ست وثلاثين‏.‏

فقيل له‏:‏ انزل بالقصر الأبيض‏.‏

فقال‏:‏ لا‏!‏ إن عمر بن الخطاب كان يكره نزوله، فأنا أكرهه لذلك‏.‏

فنزل في الرحبة، وصلى في الجامع الأعظم ركعتين، ثم خطب الناس فحثهم على الخير، ونهاهم عن الشر، ومدح أهل الكوفة في خطبته هذه‏.‏

ثم بعث إلى جرير بن عبد الله - وكان على همذان ممن زمان عثمان - وإلى الأشعث بن قيس - وهو على نيابة أذربيجان من زمان عثمان - أن يأخذا البيعة على من هنالك من الرعايا ثم يقبلا إليه، ففعلا ذلك‏.‏

فلما أراد علي رضي الله عنه أن يبعث إلى معاوية رضي الله عنه يدعوه إلى بيعته قال جرير بن عبد الله‏:‏ أنا أذهب إليه يا أمير المؤمنين، فإن بيني وبينه ودَّاً، فآخذ لك منه البيعة‏.‏

فقال الأشتر‏:‏ لا تبعثه يا أمير المؤمنين، فإني أخشى أن يكون هواه معه‏.‏

فقال علي‏:‏ دعه، وبعثه وكتب معه كتاباً إلى معاوية يعلمه باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته، ويخبره بما كان في وقعة الجمل، ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس‏.‏

فلما انتهى إليه جرير بن عبد الله أعطاه الكتاب، فطلب معاوية عمرو بن العاص ورؤوس أهل الشام، فاستشارهم، فأبوا أن يبايعوا حتى يقتل قتلة عثمان، أو أن يُسلم إليهم قتلة عثمان، وإن لم يفعل قاتلوه ولم يبايعوه حتى يقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه‏.‏

فرجع جرير إلى علي فأخبره بما قالوا، فقال الأشتر‏:‏ يا أمير المؤمنين ألم أنهك أن تبعث جريراً، فلو كنت بعثتني لما فتح معاوية باباً إلا أغلقته‏.‏

فقال له جرير‏:‏ لو كنت ثَمَّ لقتلوك بدم عثمان‏.‏

فقال الأشتر‏:‏ والله لو بعثني لم يعيني جواب معاوية، ولأعجلنه عن الفكرة، ولو أطاعني قبل لحبسك وأمثالك حتى يستقيم أمر هذه الأمة‏.‏

فقام جرير مُغضباً، وأقام بقرقيسيا، وكتب إلى معاوية يخبره بما قال وما قيل له‏.‏

فكتب إليه معاوية يأمره بالقدوم عليه، وخرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب من الكوفة عازماً على الدخول إلى الشام، فعسكر بالنخيلة، واستخلف على الكوفة أبا مسعود عقبة بن عامر البدري الأنصاري، وكان قد أشار عليه جماعة بأن يقيم بالكوفة، ويبعث الجنود، وأشار آخرون أن يخرج فيهم بنفسه‏.‏

وبلغ معاوية أن علياً قد خرج بنفسه، فاستشار عمرو بن العاص فقال له‏:‏ اخرج أنت أيضاً بنفسك‏.‏

وقام عمرو بن العاص في الناس فقال‏:‏ إن صناديد أهل الكوفة والبصرة قد تفانوا يوم الجمل، ولم يبق مع علي إلا شرذمةٌ قليلةٌ من الناس ممن قتل‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 283‏)‏

وقد قتل الخليفة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فالله الله في حقكم أن تضيعوه، وفي دمكم أن تطلبوه، وكتب إلى أجناد الشام فحضروا، وعقدت الألوية والرايات للأمراء، وتهيأ أهل الشام وتأهبوا، وخرجوا أيضاً إلى نحو الفرات من ناحية صفين - حيث يكون مقدم علي بن أبي طالب رضي الله عنه - وسار علي رضي الله عنه بمن معه من الجنود من النخيلة قاصداً أرض الشام‏.‏

قال أبو إسرائيل عن الحكم بن عيينة‏:‏ وكان في جيشه ثمانون بدرياً ومائة وخمسون ممن بايع تحت الشجرة‏.‏ رواه ابن ديزيل‏.‏

وقد اجتاز في طريقه براهب فكان من أمره ما ذكره الحسين بن ويزيل في كتابه فيما رواه عن يحيى بن عبد الله الكرابيسي عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، حدثني مسلم الأعور، عن حبة العرني قال‏:‏ لما أتى علي الرقة نزل بمكان يقال له البلبخ على جانب الفرات، فنزل إليه راهب من صومعته فقال لعلي‏:‏ إن عندنا كتاباً توارثناه عن آبائنا، كتبه أصحاب عيسى بن مريم عليهما السلام أعرضه عليك‏؟‏

فقال علي‏:‏ نعم‏!‏ فقرأ الراهب الكتاب‏:‏

بسم الله الرحمن الرحيم الذي قضى فيما قضى وسطر فيما سطر، وكتب فيما كتب أنه باعث في الأميين رسولاً منهم يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ويدلهم على سبيل الله، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، أمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل شرف، وفي كل صعود وهبوط، تذل ألسنتهم بالتهليل والتكبير، وينصره الله على كل من ناوأه، فإذا توفاه الله اختلفت أمته، ثم اجتمعت، فلبثت بذلك ما شاء الله، ثم اختلفت ثم يمر رجل من أمته بشاطئ هذا الفرات يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقضي بالحق، ولا ينكس الحكم‏.‏

الدنيا أهون عليه من الرماد أو قال التراب - في يوم عصفت فيه الريح - والموت أهون عليه من شرب الماء، يخاف الله في السر، وينصح في العلانية، ولا يخاف في الله لومة لائم، فمن أدرك ذلك النبي من أهل البلاد فآمن به كان ثوابه رضواني والجنة، ومن أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره فإن القتل معه شهادة‏.‏

ثم قال لعلي‏:‏ فأنا أصاحبك فلا أفارقك حتى يصيبني ما أصابك‏.‏

فبكى علي ثم قال‏:‏ الحمد لله الذي لم يجعلني عنده نسياً منسياً، والحمد لله الذي ذكرني عنده في كتب الأبرار‏.‏

فمضى الراهب معه وأسلم، فكان مع علي حتى أصيب يوم صفين، فلما خرج الناس يطلبون قتلاهم قال علي‏:‏ اطلبوا الراهب، فوجدوه قتيلاً، فلما وجدوه صلّى عليه ودفنه واستغفر له‏.‏

وقد بعث علي بين يديه زياد بن النضر الحارثي طليعة في ثمانية آلاف، ومعه شريح بن هانئ، في أربعة آلاف، فساروا في طريق بين يديه غير طريقه، وجاء علي فقطع دجلة من جسر منبج وسارت المقدمتان‏.‏

فبلغهم أن معاوية ركب في أهل الشام ليلتقي أمير المؤمنين علياً فهموا بلقياه فخافوا من قلة عددهم بالنسبة إليه، فعدلوا عن طريقهم وجاؤا ليعبروا من عانات فمنعهم أهل عانات فساروا فعبروا من هيت ثم لحقوا علياً - وقد سبقهم - فقال علي‏:‏ مقدمتي تأتي من ورائي‏؟‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/284‏)‏

فاعتذروا إليه بما جرى لهم، فعذرهم ثم قدمهم أمامه إلى معاوية بعد أن عبر الفرات فتلقاهم أبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي في مقدمة أهل الشام فتواقفوا، ودعاهم زياد بن النضر أمير مقدمة أهل العراق إلى البيعة، فلم يجيبوه بشيء فكتب إلى علي بذلك فبعث إليهم عليٌّ الأشتر النخعي أميراً، وعلى ميمنته زياد، وعلى ميسرته شريح‏.‏

وأمره أن لا يتقدم إليهم بقتال حتى يبدأوه بالقتال، ولكن ليدعهم إلى البيعة مرة بعد مرة، فإن امتنعوا فلا يقاتلهم حتى يقاتلوه، ولا يقرب منهم قرب من يريد الحرب، ولا يبتعد منهم ابتعاد من يهاب الرجال، ولكن صابرهم حتى آتينك، فأنا حثيث السير وراءك إن شاء الله‏.‏

فتحاجزوا يومهم ذلك، فلما كان آخر النهار حمل عليهم أبو الأعور السلمي، وبعث معه بكتاب الإمارة على المقدمة مع الحارث بن جهمان الجعفي، فلما قدم الأشتر على المقدمة امتثل ما أمره به علي، فتواقف هو ومقدمة معاوية وعليها أبو الأعور السلمي فثبتوا له واصطبروا لهم ساعة‏.‏

ثم انصرف أهل الشام عند المساء، فلما كان الغد تواقفوا أيضاً وتصابروا، فحمل الأشتر فقتل عبد الله بن المنذر التنوخي - وكان من فرسان أهل الشام - قتله رجل من أهل العراق يقال له‏:‏ ظبيان بن عمارة التميمي‏.‏

فعند ذلك حمل عليهم أبو الأعور بمن معه، فتقدموا إليهم وطلب الأشتر من أبي الأعور أن يبارزه فلم يجبه أبو الأعور إلى ذلك، وكأنه رآه غير كفء له في ذلك والله أعلم‏.‏

وتحاجز القوم عن القتال عند إقبال الليل من اليوم الثاني، فلما كان صباح اليوم الثالث أقبل علي رضي الله عنه في جيوشه، وجاء معاوية رضي الله عنه في جنوده فتواجه الفريقان وتقابل الطائفتان فبالله المستعان، فتواقفوا طويلاً‏.‏

وذلك بمكان يقال له‏:‏ صفين، وذلك في أوائل ذي الحجة، ثم عدل علي رضي الله عنه فارتاد لجيشه منزلاً، وقد كان معاوية سبق بجيشه فنزلوا على مشرعة الماء في أسهل موضع وأفسحه، فلما نزل علي نزل بعيداً من الماء، وجاء سرعان أهل العراق ليردوا من الماء فمنعهم أهل الشام فوقع بينهم مقاتلة بسبب ذلك‏.‏

وقد كان معاوية وكل على الشريعة أبا الأعور السلمي، وليس هناك مشرعة سواها، فعطش أصحاب علي عطشاً شديداً فبعث علي الأشعث بن قيس الكندي في جماعة ليصلوا إلى الماء فمنعهم أولئك وقال‏:‏ موتوا عطشاً كما منعتم عثمان الماء‏.‏

فتراموا بالنبل ساعة، ثم تطاعنوا بالرماح أخرى، ثم تقاتلوا بالسيوف بعد ذلك كله، وأمد كل طائفة أهلها حتى جاء الأشتر النخعي من ناحية العراقيين، وعمرو بن العاص من ناحية الشاميين، واشتدت الحرب بينهم أكثر مما كانت، وقد قال رجل من أهل العراق - وهو عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزدي - وهو يقاتل‏:‏

خلّوا لنا ماء الفرات الجاري * أو أثبتوا بجحفل جرار

لكل قرم مشرب تيار * مطاعنٍ برمحه كرار

ضراب هامات العدي مغوار

‏(‏ج/ص‏:‏ 7/285‏)‏

ثم ما زال أهل العراق يكشفون الشاميين عن الماء حتى أزاحوهم وخلوا بينهم وبينه، ثم اصطلحوا على الورود حتى صاروا يزدحمون في تلك الشريعة لا يكلم أحد أحداً، ولا يؤذي إنسان إنساناً‏.‏

وفي رواية‏:‏ أن معاوية لما أمر أبا الأعور بحفظ الشريعة وقف دونها برماح مشرعة، وسيوف مسللة، وسهام مفرقة، وقسي موترة، فجاء أصحاب علي علياً فشكوا إليه ذلك فبعث صعصعة بن صوحان إلى معاوية يقول له‏:‏ إنا جئنا كافين عن قتالكم حتى نقيم عليكم الحجة، فبعثت إلينا مقدمتك فقاتلتنا قبل أن نبدأكم، ثم هذه أخرى قد منعونا الماء، فلما بلغه ذلك قال معاوية للقوم‏:‏ ماذا يريدون‏؟‏

فقال عمرو‏:‏ خل بينهم وبينه، فليس من النصف أن نكون ريانين وهم عطاش‏.‏

وقال الوليد‏:‏ دعهم يذوقوا من العطش ما أذاقوا أمير المؤمنين عثمان حين حصروه في داره، ومنعوه طيب الماء والطعام أربعين صباحاً‏.‏

وقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح‏:‏ امنعهم الماء إلى الليل فلعلهم يرجعون إلى بلادهم‏.‏

فسكت معاوية فقال له صعصعة بن صوحان‏:‏ ماذا جوابك‏؟‏

فقال‏:‏ سيأتيكم رأيي بعد هذا، فلما رجع صعصعة فأخبر الخبر ركب الخيل والرجال، فما زالوا حتى أزاحوهم عن الماء ووردوه قهراً، ثم اصطلحوا فيما بينهم على ورود الماء، ولا يمنع أحد أحداً منه‏.‏

وأقام علي يومين لا يكاتب معاوية ولا يكاتبه معاوية، ثم دعا علي بشير بن عمرو الأنصاري، وسعيد بن قيس الهمذاني، وشبيث بن ربعي السهمي فقال‏:‏ إيتوا هذا الرجل فادعوه إلى الطاعة والجماعة، واسمعوا ما يقول لكم‏.‏

فلما دخلوا على معاوية قال له بشير بن عمرو‏:‏ يا معاوية‏!‏ إن الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، والله محاسبك بعملك، ومجازيك بما قدمت يداك، وإني أنشدك الله أن تفرق جماعة هذه الأمة، وأن تسفك دماءها بينها‏.‏

فقال له معاوية‏:‏ هلا أوصيت بذلك صاحبكم ‏؟‏

فقال له‏:‏ إن صاحبي أحق هذه البرية بالأمر في فضله ودينه وسابقته وقرابته، وإنه يدعوك إلى مبايعته فإنه أسلم لك في دنياك، وخير لك في آخرتك‏.‏

فقال معاوية‏:‏ ويظل دم عثمان‏؟‏ لا والله لا أفعل ذلك أبداً‏.‏

ثم أراد سعيد بن قيس الهمداني أن يتكلم فبدره شبيث بن ربعي فتكلم قبله بكلام فيه غلظة وجفاء في حق معاوية، فزجره معاوية وزبره في افتياته على من هو أشرف منه، وكلامه بما لا علم له به‏.‏

ثم أمر بهم فأخرجوا من بين يديه، وصمم على القيام بطلب دم عثمان الذي قتل مظلوماً، فعند ذلك نشبت الحرب بينهم، وأمر علي بالطلائع والأمراء أن تتقدم للحرب، وجعل علي يؤمر على كل قوم من الحرب أميراً، فمن أمرائه على الحرب الأشتر النخعي - وهو أكبر من كان يخرج للحرب - وحجر بن عدي، وشبيث بن ربعي، وخالد بن المعتمر، وزياد بن النضر، وزياد بن حفصة، وسعيد بن قيس، ومعقل بن قيس، وقيس بن سعد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/286‏)‏

وكذلك كان معاوية يبعث على الحرب كل يوم أميراً، فمن أمرائه‏:‏ عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وأبو الأعور السلمي، وحبيب بن مسلم، وذو الكلاع الحميري، وعبيد الله بن عمر بن الخطاب، وشرحبيل بن السمط، وحمزة بن مالك الهمداني، وربما اقتتل الناس في اليوم مرتين، وذلك في شهر ذي الحجة بكماله‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن عباس عن أمر علي له بذلك، فلما انسلخ ذو الحجة ودخل المحرم تداعى الناس للمتاركة، لعل الله أن يصلح بينهم على أمر يكون فيه حقن دمائهم، فكان ما سنذكره‏.‏

 ثم دخلت سنة سبع وثلاثين

 استهلت هذه السنة وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه متواقف هو ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، كل منهما في جنوده بمكان يقال له‏:‏ صفين بالقرب من الفرات شرقي بلاد الشام، وقد اقتتلوا في مدة شهر ذي الحجة كل يوم، وفي بعض الأيام ربما اقتتلوا مرتين، وجرت بينهم حروب يطول ذكرها‏.‏

والمقصود‏:‏ أنه لما دخل شهر المحرم تحاجز القوم رجاء أن يقع بينهم مهادنة وموادعة يؤول أمرها إلى الصلح بين الناس، وحقن دمائهم‏.‏

فذكر ابن جرير‏:‏ من طريق هشام، عن أبي مخنف مالك، حدثني سعيد بن المجاهد الطائي، عن محل بن خليفة أن علياً بعث عدي بن حاتم، ويزيد بن قيس الأرحبي، وشبيث بن ربعي، وزياد بن حفصة إلى معاوية، فلما دخلوا عليه - وعمرو بن العاص إلى جانبه - قال عدي بعد حمد الله والثناء عليه‏:‏

أما بعد يا معاوية فإنا جئناك ندعوك إلى أمر يجمع الله به كلمتنا وأمرنا، وتحقن به الدماء، ويأمن به السبل، ويصلح ذات البين، إن ابن عمك سيد المسلمين أفضلها سابقة، وأحسنها في الإسلام أثراً وقد استجمع له الناس وقد أرشدهم الله بالذي رأوا فلم يبق أحد غيرك وغير من معك من شيعتك، فأنت يا معاوية لا يصبك الله وأصحابك مثل يوم الجمل‏.‏

فقال له معاوية‏:‏ كأنك إنما جئت مهدداً ولم تأت مصلحاً، هيهات والله يا عدي، كلا والله إني لابن حرب، لا يقعقع لي بالشنان، أما والله إنك لمن المجلبين على ابن عفان، وإنك لمن قتلته، وإني لأرجو أن تكون ممن يقتله الله به‏.‏

وتكلم شبيث بن ربعي وزياد بن حفصة فذكرا من فضل علي وقالا‏:‏ اتق الله يا معاوية ولا تخالفه، فإنا والله ما رأينا رجلاً قط أعمل بالتقوى، ولا أزهد في الدنيا، ولا أجمع لخصال الخير كلها منه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/287‏)‏

فتكلم معاوية‏:‏ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال‏:‏ أما بعد فإنكم دعوتموني إلى الجماعة والطاعة، فأما الجماعة فمعنا هي، وأما الطاعة فكيف أطيع رجلاً أعان على قتل عثمان وهو يزعم أنه لم يقتله‏؟‏ ونحن لا نرد ذلك عليه ولا نتهمه به، ولكنه آوى قتلته، فيدفعهم إلينا حتى نقتلهم ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة‏.‏

فقال له شبيث بن ربعي‏:‏ أنشدك الله يا معاوية، لو تمكنت من عمار أكنت قاتله بعثمان‏؟‏

قال معاوية‏:‏ لو تمكنت من ابن سمية ما قتلته بعثمان، ولكني كنت قتلته بغلام عثمان‏.‏

فقال له شبيث بن ربعي‏:‏ وإله الأرض والسماء لا تصل إلى قتل عمار حتى تندر الرؤوس عن كواهلها، ويضيق فضاء الأرض ورحبها عليك‏.‏

فقال معاوية‏:‏ ولو قد كان ذلك كانت عليك أضيق‏.‏

وخرج القوم من بين يديه فذهبوا إلى علي فأخبروه بما قال‏.‏

وبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري، وشرحبيل بن السمط، ومعن بن يزيد بن الأخنس إلى علي، فدخلوا عليه فبدأ حبيب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال‏:‏ أما بعد، فإن عثمان بن عفان كان خليفة مهدياً عمل بكتاب الله وثبت لأمر الله، فاستثقلتم حياته، واستبطأتم وفاته، فعدوتم عليه فقتلتموه فادفع إلينا قتلته إن زعمت أنك لم تقتله، ثم اعتزل أمر الناس فيكون أمرهم شورى بينهم، فيولي الناس أمرهم من جمع عليه رأيهم‏.‏

فقال له علي‏:‏ وما أنت لا أم لك وهذا الأمر وهذا العزل، فاسكت فإنك لست هناك ولا بأهل لذاك‏.‏

فقال له حبيب‏:‏ أما والله لتريني حيث تكره‏.‏

فقال له علي‏:‏ وما أنت‏؟‏ ولو أجلبت بخيلك ورجلك لا أبقى الله عليك إن أبقيت، اذهب فصعد وصوّب ما بدا لك‏.‏

ثم ذكر أهل السير كلاماً طويلاً جرى بينهم وبين علي، وفي صحة ذلك عنهم وعنه نظر فإن في مطاوي ذلك الكلام من علي ما ينتقض فيه معاوية وأباه، وإنهم إنما دخلوا في الإسلام ولم يزالا في تردد فيه، وغير ذلك وإنه قال في غبون ذلك‏:‏ لا أقول إن عثمان قتل مظلوماً ولا ظالماً‏.‏

فقالوا‏:‏ نحن نبرأ ممن لم يقل إن عثمان قتل مظلوماً، وخرجوا من عنده، فقال علي‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 80‏]‏‏.‏

ثم قال لأصحابه‏:‏ لا يكن هؤلاء أولى بالجد في ضلالتهم منكم بالجد في حقكم وطاعة نبيكم، وهذا عندي لا يصح عن علي رضي الله عنه‏.‏

وروى ابن ديزيل، من طريق عمرو بن سعد بإسناده‏:‏ أن قراء أهل العراق وقراء أهل الشام عسكروا ناحية وكانوا قريباً من ثلاثين ألفاً، وأن جماعة من قراء العراق منهم عبيدة السلماني، وعلقمة بن قيس، وعامر بن عبد قيس، وعبد الله بن عتبة بن مسعود، وغيرهم جاؤوا معاوية فقالوا له‏:‏ ما تطلب‏؟‏

قال‏:‏ أطلب بدم عثمان‏.‏

قالوا‏:‏ فمن تطلب به‏؟‏

قال‏:‏ علياً‏.‏

قالوا‏:‏ أهو قتله‏؟‏

قال‏:‏ نعم‏!‏ وآوى قتلته‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/288‏)‏

فانصرفوا إلى علي فذكروا له ما قال فقال‏:‏ كذب ‏!‏لم أقتله وأنتم تعلمون أني لم أقتله‏.‏

فرجعوا إلى معاوية فقال‏:‏ إن لم يكن قتله بيده فقد أمر رجالاً‏.‏

فرجعوا إلى علي فقال‏:‏ والله لا قتلت ولا أمرت ولا ماليت‏.‏

فرجعوا فقال معاوية‏:‏ فإن كان صادقاً فليقدنا من قتلة عثمان، فإنهم في عسكره وجنده‏.‏

فرجعوا فقال علي‏:‏ تأول القوم عليه القرآن في فتنة ووقعت الفرقة لأجلها وقتلوه في سلطانه، وليس لي عليهم سبيل‏.‏

فرجعوا إلى معاوية فأخبروه فقال‏:‏ إن كان الأمر على ما يقول، فماله أنفذ الأمر دوننا من غير مشورة منا ولا ممن هاهنا ‏؟‏

فرجعوا إلى علي فقال علي‏:‏ إنما الناس مع المهاجرين والأنصار، فهم شهود الناس على ولايتهم وأمر دينهم، ورضوا وبايعوني، ولست أستحل أن أدع مثل معاوية يحكم على الأمة، ويشق عصاها‏.‏

فرجعوا إلى معاوية فقال‏:‏ ما بال من هاهنا من المهاجرين والأنصار لم يدخلوا في هذا الأمر‏؟‏

فرجعوا فقال علي‏:‏ إنما هذا للبدريين دون غيرهم، وليس على وجه الأرض بدري إلا وهو معي، وقد بايعني وقد رضي، فلا يغرنكم من دينكم وأنفسكم‏.‏

قال‏:‏ فأقاموا يتراسلون في ذلك شهر ربيع الآخر وجماديين ويقرعون في غبون ذلك القرعة بعد القرعة ويزحف بعضهم على بعض، ويحجز بينهم القراء، فلا يكون قتال‏.‏

قال‏:‏ فقرعوا في ثلاثة أشهر خمسة وثمانين قرعة‏.‏

قال‏:‏ وخرج أبو الدرداء، وأبو أمامة فدخلا على معاوية فقالا له‏:‏ يا معاوية على مَ تقاتل هذا الرجل‏؟‏ فوالله إنه أقدم منك ومن أبيك إسلاماً، وأقرب منك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحق بهذا الأمر منك‏.‏

فقال‏:‏ أقاتله على دم عثمان، وإنه آوى قتلته، فاذهبا إليه فقولا له فليقدنا من قتلة عثمان، ثم أنا أول من بايعه من أهل الشام‏.‏

فذهبا إلى علي فقالا له ذلك فقال‏:‏ هؤلاء الذين تريان، فخرج خلق كثير فقالوا‏:‏ كلنا قتلة عثمان، فمن شاء فليرمنا‏.‏

قال‏:‏ فرجع أبو الدرداء وأبو أمامة فلم يشهدا لهم حرباً‏.‏

وقال عمرو بن سعد بإسناده‏:‏ حتى إذا كان رجب، وخشي معاوية أن تبايع القراء كلهم علياً كتب في سهم من عبد الله الناصح‏:‏ يا معشر أهل العراق‏!‏ إن معاوية يريد أن يفجر عليكم الفرات ليغرقكم فخذوا حذركم، ورمى به في جيش أهل العراق‏.‏

فأخذه الناس فقرؤه وتحدثوا به، وذكروه لعلي فقال‏:‏ إن هذا ما لا يكون ولا يقع‏.‏

وشاع ذلك، وبعث معاوية مائتي فاعل يحفرون في جنب الفرات وبلغ الناس ذلك فتشوش أهل العراق من ذلك وفزعوا إلى علي فقال‏:‏ ويحكم‏!‏ إنه يريد خديعتكم ليزيلكم عن مكانكم هذا وينزل فيه لأنه خير من مكانه‏.‏

فقالوا‏:‏ لا بد من أن نخلي عن هذا الموضع فارتحلوا منه، وجاء معاوية فنزل بجيشه - وكان علي آخر من ارتحل - فنزل بهم، وهو يقول‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/289‏)‏

فلو أني أطعت عصمت قومي * إلى ركن اليمامة أوشآم

ولكني إذا أبرمت أمراً * يخالفه الطغام بنو الطغام

قال‏:‏ فأقاموا إلى شهر ذي الحجة ثم شرعوا في المقاتلة فجعل علي يؤمر على الحرب كل يوم رجلاً، وأكثر من كان يؤمر الأشتر‏.‏

وكذلك معاوية يؤمر كل يوم أميراً فاقتتلوا شهر ذي الحجة بكماله، وربما اقتتلوا في بعض الأيام مرتين‏.‏

 قال ابن جرير رحمه الله‏:‏ ثم لم تزل الرسل تتردد بين علي ومعاوية والناس كافّون عن القتال حتى انسلخ المحرم من هذه السنة ولم يقع بينه صلح، فأمر علي بن أبي طالب يزيد بن الحارث الجشمي فنادى أهل الشام عند غروب الشمس‏:‏ ألا إن أمير المؤمنين يقول لكم‏:‏ إني قد أستأنيتكم لتراجعوا الحق، وأقمت عليكم الحجة فلم تجيبوا، وإني قد نبذت إليك على سواء إن الله لا يحب الخائنين‏.‏

ففزع أهل الشام إلى أمرائهم فأعلموهم بما سمعوا المنادي ينادي، فنهض عند ذلك معاوية وعمرو فعبيا الجيش ميمنة وميسرة، وبات علي يعبي جيشه من ليلته، فجعل على خيل أهل الكوفة الأشتر النخعي، وعلى رجالتهم عمار بن ياسر، وعلى خيل أهل البصرة سهل بن حنيف، وعلى رجالتهم قيس بن سعد وهاشم بن عتبة، وعلى قرائهم سعد بن فدكي التميمي‏.‏

وتقدم علي إلى الناس أن لا يبدأوا واحداً بالقتال حتى يبدأ أهل الشام، وأنه لا يذفف على جريح ولا يتبع مدبر ولا يكشف ستر امرأة ولا تهان، وإن شتمت أمراء الناس وصلحائهم‏.‏

وبرز معاوية صبح تلك الليلة وقد جعل على الميمنة ابن ذي الكلاع الحميري، وعلى الميسرة حبيب بن مسلم الفهري، وعلى المقدمة أبا الأعور السلمي، وعلى خيل دمشق عمرو بن العاص، وعلى رجالتهم الضحاك بن قيس‏.‏ ذكره ابن جرير‏.‏

وروى ابن ديزيل، من طريق جابر الجعفي عن أبي جعفر الباقر، ويزيد بن الحسن بن علي، وغيرهما، قالوا‏:‏ لما بلغ معاوية سير علي سار معاوية نحو علي واستعمل على مقدمته سفيان بن عمرو أبا الأعور السلمي، وعلى الساقة بسر بن أبي أرطأة حتى توافوا جميعاً سائرين إلى جانب صفين‏.‏

وزاد ابن الكلبي فقال‏:‏ جعل على المقدمة أبا الأعور السلمي، وعلى الساقة بسراً، وعلى الخيل عبيد الله بن عمر، ودفع اللواء إلى عبد الرحمن بن الوليد، وجعل على الميمنة حبيب بن مسلمة، وعلى رجالتها يزيد بن زحر العنسي، وعلى الميسرة عبد الله بن عمرو بن العاص، وعلى رجالتها حابس بن سعد الطائي، وعلى خيل دمشق الضحاك بن قيس وعلى رجالتهم يزيد بن لبيد بن كرز البجلي، وجعل على أهل حمص ذا الكلاع، وعلى أهل فلسطين مسلمة بن مخلد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/290‏)‏

وقام معاوية في الناس خطيباً‏:‏ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال‏:‏ أيها الناس‏!‏ والله ما أصبت الشام إلا بالطاعة، ولا أضبط حرب أهل العراق إلا بالصبر ولا أكابد أهل الحجاز إلا باللطف، وقد تهيأتم وسرتم لتمنعوا الشام، وتأخذوا العراق‏.‏

وسار القوم ليمنعوا العراق ويأخذوا الشام، ولعمري ما للشام رجال العراق ولا أموالها، ولا للعراق خبرة أهل الشام ولا بصائرها، مع أن القوم وبعدهم أعدادهم، وليس بعدكم غيركم فإن غلبتموهم لم تغلبوا إلا من أناتكم، وإن غلبوكم غلبوا من بعدكم والقوم لاقوكم بكيد أهل العراق، ورقة أهل اليمن وبصائر أهل الحجاز، وقسوة أهل مصر، وإنما ينصر غداً من ينصر اليوم ‏{‏اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 128‏]‏، ‏{‏إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ‏}‏‏.‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 153‏]‏

وقد بلغ علياً خطبة معاوية فقام في أصحابه فحرضهم على الجهاد، ومدحهم بالصبر، وشجعهم بكثرتهم بالنسبة إلى أهل الشام‏.‏

قال جابر الجعفي، عن أبي جعفر الباقر وزيد بن أنس وغيرهما قالوا‏:‏ سار علي في مائة وخمسين ألفاً من أهل العراق وأقبل معاوية في نحو منهم من أهل الشام‏.‏

وقال غيرهم‏:‏ أقبل علي في مائة ألف أو يزيدون، وأقبل معاوية في مائة ألف وثلاثين ألفاً - رواها ابن ديزيل في كتابه - وقد تعاقد جماعة من أهل الشام على أن لا يفروا فعقلوا أنفسهم بالعمائم‏.‏

وكان هؤلاء خمسة صفوف ومعهم ستة صفوف آخرين، وكذلك أهل العراق كانوا أحد عشر صفاً أيضاً فتواقفوا على هذه الصفة أول يوم من صفر وكان ذلك يوم الأربعاء، وكان أمير الحرب يومئذٍ للعراقيين الأشتر النخعي، وأمير الحرب يومئذ للشاميين حبيب بن مسلمة، فاقتتلوا ذلك اليوم قتالاً شديداً ثم تراجعوا من آخر يومهم وقد انتصف بعضهم من بعض، وتكافؤا في القتال‏.‏

ثم أصبحوا من الغد يوم الخميس وأمير حرب أهل العراق هاشم بن عتبة، وأمير الشاميين يومئذٍ أبا الأعور السلمي فاقتتلوا قتالاً شديداً تحمل الخيل على الخيل والرجال على الرجال، ثم تراجعوا من آخر يومهم وقد صبر كل من الفريقين للآخر وتكافؤا‏.‏

ثم خرج في اليوم الثالث - وهو يوم الجمعة - عمار بن ياسر من ناحية أهل العراق وخرج إليه عمرو بن العاص في الشاميين، فاقتتل الناس قتالاً شديداً، وحمل على عمار عمرو بن العاص فأزاله عن موقفه وبارز زياد بن النضر الحارثي وكان على الخيالة رجلاً فلما توقفا تعارفا فإذا هما أخوان من أم، فانصرف كل واحد منهما إلى قومه وترك صاحبه‏.‏

وتراجع الناس من العشي وقد صبر كل فريق لصاحبه، وخرج في اليوم الرابع - وهو يوم السبت -محمد بن علي - وهو ابن الحنفية - ومعه جمع عظيم فخرج إليه في كثير من جهة الشاميين عبيد الله بن عمر، فاقتتل الناس قتالاً شديداً‏.‏

وبرز عبيد الله بن عمر فطلب من ابن الحنفية أن يبرز إليه فبرز إليه‏.‏

فلما كادا أن يقتربا قال علي‏:‏ من المبارز‏؟‏

قالوا‏:‏ محمد ابنك وعبيد الله‏.‏

فيقال‏:‏ إن علياً حرك دابته وأمر ابنه أن يتوقف وتقدم إلى عبيد الله فقال له‏:‏ تقدم إلي‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/291‏)‏

قال له‏:‏ لا حاجة لي في مبارزتك‏.‏

فقال‏:‏ بلى‏.‏

فقال‏:‏ لا‏.‏

فرجع عنه علي، وتحاجز الناس يومهم ذلك‏.‏

ثم خرج في اليوم الخامس - وهو يوم الأحد - في العراقيين عبد الله بن عباس، وفي الشاميين الوليد بن عقبة، واقتتل الناس قتالاً شديداً، وجعل الوليد ينال من ابن عباس فيما ذكره أبو مخنف ويقول‏:‏ قتلتم خليفتكم ولم تنالوا ما طلبتم، ووالله إن الله ناصرنا عليكم‏.‏

فقال له ابن عباس‏:‏ فابرز إلي، فأبى عليه‏.‏

ويقال‏:‏ إن ابن عباس قاتل يومئذ قتالاً شديداً بنفسه رضي الله عنه‏.‏

ثم خرج في اليوم السادس - وهو يوم الاثنين - وعلى الناس من جهة العراقيين قيس بن سعد، ومن جهة أهل الشام ابن ذي الكلاع فاقتتلوا قتالاً شديداً أيضاً، وتصابروا ثم تراجعوا‏.‏

ثم خرج الأشتر النخعي في اليوم السابع - وهو يوم الثلاثاء - وخرج إليه قرنه حبيب بن مسلمة فاقتتلوا قتالاً شديداً أيضاً، ولم يغلب أحد أحداً في هذه الأيام كلها‏.‏

قال أبو مخنف‏:‏ حدثني مالك بن أعين الجهني، عن زيد بن وهب أن علياً قال‏:‏ حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا ‏؟‏

ثم قام في الناس عشية الأربعاء بعد العصر فقال‏:‏ الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض وما أبرم لم ينقضه الناقضون، لو شاء ما اختلف اثنان من خلقه، ولا تنازعت الأمة في شيء من أمره، ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله، وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار، وألقت بيننا في هذا المكان، فنحن من ربنا بمرأى ومسمع، فلو شاء لعجل النقمة وكان منه التعسير حتى يكذب الله الظالم، ويعلم الحق أين مصيره، ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال، وجعل الآخرة عنده هي دار القرار ‏{‏لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 31‏]‏‏.‏

ألا وأنكم لاقوا القوم غداً فأطيلوا الليلة القيام، وأكثروا تلاوة القرآن، وأسالوا الله النصر والصبر والقوة بالجد والحزم وكونوا صادقين‏.‏

قال‏:‏ فوثب الناس إلى سيوفهم ورماحهم ونبالهم يصلحونها قال‏:‏ ومر بالناس وهم كذلك كعب بن جعيل التغلبي، فرأى ما يصفون فجعل يقول‏:‏

أصبحت الأمة في أمر عجب * والملك مجموع غداً لمن غلب

فقلت قولاً غير كذب * إن غداً تهلك أعلام العرب

قال‏:‏ ثم أصبح علي في جنوده قد عبأهم كما أراد، وركب معاوية في جيشه قد عبأهم كما أراد، وقد أمر علي كل قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام، فتقاتل الناس قتالاً عظيماً لا يفر أحد من أحد ولا يغلب أحد أحداً، ثم تحاجزوا عند العشي، وأصبح علي فصل الفجر بغلس وباكر القتال‏.‏

ثم استقبل أهل الشام فاستقبلوه بوجوههم فقال علي فيما رواه ابن مخنف عن مالك بن أعين عن زيد بن وهب‏:‏ اللهم رب السقف المحفوظ المكفوف الذي جعلته سقفاً لليل والنهار، وجعلت فيه مجرى الشمس والقمر ومنازل النجوم، وجعلت فيه سبطاً من الملائكة لا يسأمون العبادة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/292‏)‏

ورب الأرض التي جعلتها قراراً للأنام والهوام والأنعام، وما لا يحصى مما نرى وما لا نرى من خلقك العظيم، ورب الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، ورب السحاب المسخر بين السماء والأرض، ورب البحر المسجور المحبط بالعالم، ورب الجبال الرواسي التي جعلتها للأرض أوتاداً وللخلق متاعاً إن أظهرتنا على عدونا فجنبنا البغي والفساد وسددنا للحق، وإن أظهرتهم علينا فارزقني الشهادة وجنب بقية أصحابي من الفتنة‏.‏

ثم تقدم علي وهو في القلب في أهل المدينة وعلى ميمنته يومئذ عبد الله بن بديل، وعلى الميسرة عبد الله بن عباس، وعلى القراء عمار بن ياسر وقيس بن سعد، والناس على راياتهم فزحف بهم إلى القوم‏.‏

وأقبل معاوية - وقد بايعه أهل الشام على الموت - فتواقف الناس في موطن مهول وأمر عظيم وحمل عبد الله بن بديل أمير ميمنة على علي ميسرة أهل الشام وعليها حبيب بن مسلمة فاضطره حتى ألجأه إلى القلب، وفيه معاوية‏.‏

وقام عبد الله بن بديل خطيباً في الناس يحرضهم على القتال، ويحثهم على الصبر والجهاد‏.‏

وحرض أمير المؤمنين علي الناس على الصبر والثبات والجهاد، وحثهم على قتال أهل الشام، وقام كل أمير في أصحابه يحرضهم وتلا عليهم آيات القتال من أماكن متفرقة من القرآن، فمن ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏ 4‏]‏‏.‏

ثم قال‏:‏ قدموا المدارع وأخروا الحاسر وعضوا على الأضراس، فإنه أنكى للسيوف عن الهام وألبوا إلى أطراف الرماح فإنه أفوق للأسنة وغضوا الأبصار فإنه أربط للجاش وأسكن للقلب، وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل وأولى بالوقار، راياتكم لا تميلوها ولا نزيلوها ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم‏.‏

وقد ذكر علماء التاريخ وغيرهم‏:‏ أن علياً رضي الله عنه بارز في أيام صفين وقاتل وقتل خلقاً حتى ذكر بعضهم‏:‏ أنه قتل خمسمائة فمن ذلك أن كريب بن الصباح قتل أربعة من أهل العراق ثم وضعهم تحت قدميه ثم نادى‏:‏ هل من مبارز‏؟‏

فبرز إليه علي فتجاولا ساعة ثم ضربه علي فقتله ثم قال علي‏:‏ هل من مبارز‏؟‏

فبرز إليه الحارث بن وداعة الحميري فقتله ثم برز إليه راود بن الحارث الكلاعي فقتله، ثم برز إليه المطاع بن المطلب القيسي فقتله‏.‏ فتلا علي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 194‏]‏‏.‏

ثم نادى‏:‏ ويحك يا معاوية ابرز إلي ولا تفتن العرب بيني وبينك‏.‏

فقال له عمرو بن العاص‏:‏ اغتنمه فإنه قد أثخن بقتل هؤلاء الأربعة‏.‏

فقال له معاوية‏:‏ والله لقد علمت أن علياً لم يقهر قط، وإنما أردت قتلي لتصيب الخلافة من بعدي، اذهب إليك فليس مثلي يخدع‏.‏

وذكروا أن علياً حمل على عمرو بن العاص يوماً فضربه بالريح فألقاه إلى الأرض فبدت سوءته فرجع عنه‏.‏

فقال له أصحابه‏:‏ مالك يا أمير المؤمنين رجعت عنه‏؟‏ فقال‏:‏ أتدرون ما هو‏؟‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/293‏)‏

قالوا‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ هذا عمرو بن العاص تلقاني بسوءته فذكرني بالرحم، فرجعت عنه‏.‏

فلما رجع عمرو إلى معاوية قال له‏:‏ أحمد الله، وأحمد إستك‏.‏

وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل، ثنا يحيى، ثنا نصر، ثنا عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن نمير الأنصاري قال‏:‏ والله لكأني أسمع علياً وهو يقول لأصحابه يوم صفين‏:‏

أما تخافون مقت الله حتى متى، ثم انفتل إلى القبلة يدعو ثم قال‏:‏ والله ما سمعنا برئيس أصاب بيده ما أصاب علي يومئذ إنه قتل فيما ذكر العادون زيادة على خمسمائة رجل، يخرج فيضرب بالسيف حتى ينحني ثم يجيء فيقول‏:‏ معذرة إلى الله وإليكم والله لقد هممت أن أقلعه، ولكن يحجزني عنه، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فيأخذه فيصلحه ثم يرجع به، وهذا إسناد ضعيف وحديث منكر‏.‏

وحدثنا يحيى ثنا ابن وهب، أخبرني الليث، عن يزيد بن حبيب‏:‏ أنه أخبره من حضر صفين مع علي ومعاوية قال ابن وهب‏:‏ وأخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ربيعة بن لقيط قال‏:‏ شهدنا صفين مع علي ومعاوية قال‏:‏ فمطرت السماء علينا دماً عبيطاً‏.‏

قال الليث في حديثه‏:‏ حتى أن كانوا ليأخذونه بالصحاف والآنية‏.‏

قال ابن لهيعة‏:‏ فتمتلئ ونهريقها‏.‏

وقد ذكرنا‏:‏ أن عبد الله بن بديل كسر الميسرة التي فيها حبيب بن مسلمة حتى أضافها إلى القلب فأمر معاوية الشجعان أن يعاونوا حبيباً على الكرة وبعث إليه معاوية يأمره بالحملة والكرة على ابن بديل، فحمل حبيب بمن معه من الشجعان على ميمنة أهل العراق فأزالوهم عن أماكنهم وانكشفوا عن أميرهم حتى لم يبق معه إلا زهاء ثلاثمائة‏.‏

وانجفل بقية أهل العراق ولم يبق مع علي من تلك القبائل إلا أهل مكة وعليهم سهل بن حنيف، وثبت ربيعة مع علي رضي الله عنه واقترب أهل الشام منه حتى جعلت نبالهم تصل إليه‏.‏

وتقدم إليه مولى لبني أمية فاعترضه مولى لعلي فقتله الأموي وأقبل يريد علياً وحوله بنوه الحسن، والحسين، ومحمد بن حنفية، فلما وصل إلى علي أخذه علي بيده فرفعه ثم ألقاه على الأرض فكسر عضده ومنكبه وابتدره الحسين ومحمد بأسيافهما فقتلاه‏.‏

فقال علي للحسن ابنه وهو واقف معه‏:‏ ما منعك أن تصنع كما صنعا‏؟‏

فقال‏:‏ كفيان أمره يا أمير المؤمنين‏.‏

وأسرع إلى علي أهل الشام فجعل علي لا يزيده قربهم منه سرعة في مشيته بل هو سائر على هينته فقال له ابنه الحسن‏:‏ يا أبة لو سعيت أكثر من مشيتك هذه‏؟‏

فقال‏:‏ يا بني إن لأبيك يوماً لن يعدوه ولا يبطىء به عنه السعي ولا يعجل به إليه المشي إن أباك والله ما يبالي وقع على الموت أو وقع عليه‏.‏

ثم إن علياً أمر الأشتر النخعي‏:‏ أن يلحق المنهزمين فيردهم فسار فأسرع حتى استقبل المنهزمين من العراق فجعل يؤنبهم ويوبخهم ويحرض القبائل والشجعان منهم على الكرة فجعل طائفة تتابعه وآخرون يستمرون في هزيمتهم، فلم يزل ذلك دأبه حتى اجتمع عليه خلق عظيم من الناس، فجعل لا يلقى قبيلة إلا كشفها، ولا طائفة إلا ردها، حتى انتهى إلى أمير الميمنة وهو عبد الله بن بديل ومعه نحو في ثلاثمائة قد ثبتوا في مكانهم، فسألوا عن أمير المؤمنين فقالوا‏:‏ حي صالح، فالتفوا إليه، فتقدم بهم حتى تراجع كثير من الناس وذلك ما بين صلاة العصر إلى الغروب‏.‏

وأراد ابن بديل‏:‏ أن يتقدم إلى أهل الشام، فأمره الأشتر أن يثبت مكانه فإنه خير له، فأبى عليه ابن بديل‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 7/294‏)‏

وحمل نحو معاوية، فلما انتهى إليه وجده واقفاً أمام أصحابه، وفي يده سيفان، وحوله كتائب أمثال الجبال، فلما اقترب ابن بديل تقدم إليه جماعة منهم فقتلوه وألقوه إلى الأرض قتيلاً، وفر أصحابه منهزمين وأكثرهم مجروح‏.‏

فلما انهزم أصحابه، قال معاوية لأصحابه‏:‏ انظروا إلى أميرهم، فجاؤوا إليه فلم يعرفوه، فتقدم معاوية إليه فإذا هو عبد الله بن بديل‏.‏

فقال معاوية‏:‏ هذا والله كما قال الشاعر وهو حاتم الطائي‏:‏

أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها * وإن شمرت يوماً به الحرب شمرا

ويحمي إذا ما الموت كان لقاؤه * كذلك ذو الأشبال يحمي إذا ما تأمرا

كليث هزبر كان يحمي ذماره * رمته المنايا سهمها فتقطرا

ثم حمل الأشتر النخعي بمن رجع معه من المنهزمين فصدق الحملة حتى خالط الصفوف الخمسة الذين تعاقدوا أن لا يفروا، وهم حول معاوية فخرق منهم أربعة وبقي بينه وبين معاوية صف‏.‏

قال الأشتر‏:‏ فرأيت هولاً عظيماً، وكدت أن أفر فما ثبتني إلا قول ابن الأطنابة وهي أمه من بلقين وكان هو من الأنصار وهو جاهلي‏:‏

أبت لي عفتي وأبي بلائي * وإقدامي على البطل المشيح

وإعطائي على المكروه مالي * وضربي هامة الرجل السميح

وقولي كلما جشأت وجاشت * مكانك تحمدي أو تستريحي

قال‏:‏ فهذا الذي ثبتني في ذلك الموقف‏.‏

والعجب أن ابن ديزيل روى في كتابه أن أهل العراق حملوا حملة واحدة، فلم يبق لأهل الشام صف إلا أزالوه، حتى أفضوا إلى معاوية فدعى بفرسه لينجو عليه، قال معاوية‏:‏ فلما وضعت رجلي في الركاب تمثلت بأبيات عمرو بن الإطناب‏:‏

أبت لي عفتي وأبي بلائي * وأخذي الحمل بالثمن البيح

وإعطائي على المكروه مالي * وضربي هامة البطل المشيح

وقولي كلما جشأت وجاشت * مكانك تحمدي أو تستريحي

قال‏:‏ فثبت ونظر معاوية إلى عمرو بن العاص فقال‏:‏ اليوم صبر وغداً فخر‏.‏

فقال له عمرو‏:‏ صدقت‏.‏

قال معاوية‏:‏ فأصبت خير الدنيا، وأنا أرجو أن أصيب خير الآخرة‏.‏

ورواه محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الرحمن بن حاطب، عن معاوية، وبعث معاوية إلى خالد بن المعتمر وهو أمير الخيالة لعلي فقال له‏:‏ اتبعني على ما أنت عليه، ولك إمرة العراق، فطمع فيه‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 7/295‏)‏

فلما ولي معاوية ولاه العراق فلم يصل إليها خالد رحمه الله‏.‏

ثم إن علياً لما رأى الميمنة قد اجتمعت رجع إلى الناس فأنب بعضهم وعذر بعضهم وحرض الناس وثبتهم ثم تراجع أهل العراق فاجتمع شملهم ودارت رحى الحرب بينهم، وجالوا في الشاميين وصالوا، وتبارز الشجعان فقتل خلق كثير من الأعيان من الفريقين، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

وقيل‏:‏ ممن قتل في هذا اليوم عبيد الله بن عمر بن الخطاب من الشاميين، واختلفوا فيمن قتله من العراقيين‏.‏

وقد ذكر إبراهيم بن الحسين بن ديزيل‏:‏ أن عبيد الله لما خرج يومئذ أميراً على الحرب أحضر امرأتيه أسماء بنت عطارد بن حاجب التميمي وبحرية بنت هانئ بن قبيصة الشيباني فوقفتا وراءه في راحلتين لينظرا إلى قتاله وشجاعته وقوته، فواجهته من جيش العراقيين ربيعة الكوفة وعليهم زياد بن حفصة التميمي، فشدوا عليه شدة رجل واحد فقتلوه بعد ما انهزم عنه أصحابه، ونزلت ربيعة فضربوا لأميرهم خيمة فبقي طنب منها لم يجدوا له وتداً فشدوه برجل عبيد الله‏.‏

وجاءت امرأتاه يولولان حتى وقفتا عليه وبكتا عنده، وشفعت امرأته بحرية إلى الأمير فأطلقه لهما فاحتملتاه معهما في هودجهما، وقتل معه أيضاً ذو الكلاع‏.‏

قال الشعبي‏:‏ ففي مقتل عبيد الله بن عمر يقول كعب بن جعل التغلبي‏:‏

ألا إنما تبكي العيون لفارس * بصفين ولت خيله وهو واقف

تبدل من أسماء أسياف وائل * وكان فتى لو أخطأته المتالف

تركن عبيد الله بالقاع ثاوياً * تسيل دماه والعروق نوازف

ينوء ويغشاه شآبيب من دم * كما لاح من جيب القميص الكفائف

وقد صبرت حول ابن عم محمد * لدى الموت أرباب المناقب شارف

فما برحوا حتى رأى الله صبرهم * وحتى رقت فوق الأكف المصاحف

وزاد غيره فيها‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/296‏)‏

معاويَ لا تنهض بغير وثيقة * فإنك بعد اليوم بالذل عارف

وقد أجابه أبو جهم الأسدي بقصيدة فيها أنواع من الهجاء تركناها قصداً‏.‏

وهذا مقتل عمار بن ياسر رضي الله عنه مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قتله أهل الشام وبان وظهر بذلك سر ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من أنه تقتله الفئة الباغية وبان بذلك أن علياً محقٌ وأن معاوية باغٍ، وما في ذلك من دلائل النبوة‏.‏

ذكر ابن جرير من طريق أبي مخنف، حدثني مالك بن أعين الجهني، عن زيد بن وهب الجهني‏:‏ أن عماراً قال يومئذ‏:‏ من يبتغي رضوان ربه ولا يلوي إلى مال ولا ولد‏؟‏

قال‏:‏ فأتته عصابة من الناس‏.‏

فقال‏:‏ أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يبتغون دم عثمان ويزعمون أنه قتل مظلوماً والله ما قصدهم الأخذ بدمه ولا الأخذ بثأره ولكن القوم ذاقوا الدنيا واستحلوها واستمروا الآخرة فقلوها وعلموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه من دنياهم وشهواتهم، ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقون بها طاعة الناس لهم ولا الولاية عليهم، ولا تمكنت من قلوبهم خشية الله التي تمنع من تمكنت من قلبه عن نيل الشهوات، وتعقله عن إرادة الدنيا، وطلب العلو فيها، وتحمله على إتباع الحق والميل إلى أهله‏.‏

فخدعوا أتباعهم بقولهم‏:‏ إمامنا قتل مظلوماً، ليكونوا بذلك جبابرة ملوكاً، وتلك مكيدة بلغوا بها ما ترون، ولولا ذلك ما تبعهم من الناس رجل ولكانوا أذل وأخس وأقل، ولكن قول الباطل له حلاوة في أسماع الغافلين، فسيروا إلى الله سيراً جميلاً، واذكروا ذكراً كثيراً‏.‏

ثم تقدم فلقيه عمرو بن العاص، وعبيد الله بن عمر، فلامهما وأنبهما ووعظمها، وذكروه من كلامه لهما ما فيه غلظة، فالله أعلم‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، سمعت عبد الله بن سلمة يقول‏:‏ رأيت عماراً يوم صفين شيخاً كبيراً آدم طوالاً أخذ الحربة بيده ويده ترعد فقال‏:‏ والذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات وهذه الرابعة، والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعرفت أن مصلحينا على الحق، وأنهم على الضلالة‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة وحجاج، حدثني شعبة، سمعت قتادة يحدث، عن أبي نضرة، قال حجاج‏:‏ سمعت أبا نضرة، عن قيس بن عباد قال‏:‏ قلت لعمار بن ياسر‏:‏ أرأيت قتالكم مع علي رأياً رأيتموه‏؟‏ فإن الرأي يخطئ ويصيب، أو عهد عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏

فقال‏:‏ ما عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً لم يعهده إلى الناس كافة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/297‏)‏

وقد رواه مسلم، من حديث شعبة، وله تمام عن عمار، عن حذيفة في المنافقين‏.‏

وهذا كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، عن جماعة من التابعين، منهم‏:‏ الحارث بن سويد، وقيس بن عبادة، وأبو جحيفة وهب بن عبد الله السوائي، ويزيد بن شريك، وأبو حسان الأجرد وغيرهم، أن كلاً منهم قال‏:‏ قلت لعلي‏:‏ هل عندكم شيء عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهده إلى الناس‏؟‏

فقال‏:‏ لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في القرآن، وما في هذه الصحيفة‏.‏

قلت‏:‏ وما في هذه الصحيفة‏؟‏ فإذا فيها العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر، وأن المدينة حرم ما بين ثبير إلى ثور‏.‏

وثبت في الصحيحين أيضاً من حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن سفيان بن مسلم، عن سهل بن حنيف، أنه قال يوم صفين‏:‏ يا أيها الناس‏؟‏ اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أقدر لرددت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره، ووالله ما حملنا سيوفنا على عواتقنا منذ أسلمنا لأمر يقطعنا إلا أسهل إلى أمر نعرفه غير أمرنا هذا، فإنا لا نسد منه خصماً إلا انفتح لنا غيره، لا ندري كيف نبالي له‏.‏

وقال أحمد‏:‏ حدثنا وكيع، ثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال‏:‏ قام عمار يوم صفين، فقال‏:‏ إيتوني بشربة لبن، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏آخر شربة تشربها من الدنيا تشربها يوم تقتل‏)‏‏)‏‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن حبيب، عن أبي البختري‏:‏ أن عماراً أتي بشربة لبن فضحك، وقال‏:‏ إن رسول الله قال لي‏:‏ ‏(‏‏(‏آخر شراب أشربه لبن حين أموت‏)‏‏)‏‏.‏

وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل‏:‏ ثنا يحيى بن نصر، ثنا عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي قال‏:‏ سمعت الشعبي، عن الأحنف بن قيس قال‏:‏ ثم حمل عمار بن ياسر عليهم، فحمل عليه ابن جوى السكسكي، وأبو الغادية الفزاري، فأما أبو الغادية فطعنه، وأما ابن جوى فاحتز رأسه‏.‏

وقد كان ذو الكلاع سمع قول عمرو بن العاص يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر‏:‏ ‏(‏‏(‏تقتلك الفئة الباغية، وآخر شربة تشربها صاع لبن‏)‏‏)‏، فكان ذو الكلاع يقول لعمرو‏:‏ ويحك‏!‏ ما هذا يا عمرو ‏؟‏‏!‏

فيقول له عمرو‏:‏ إنه سيرجع إلينا‏.‏

قال‏:‏ فلما أصيب عمار بعد ذو الكلاع‏.‏

قال عمرو لمعاوية‏:‏ ما أدري بقتل أيهما أنا أشد فرحاً بقتل عمار أو ذي الكلاع‏؟‏ والله لو بقي ذو الكلاع بعد قتل عمار لمال بعامة أهل الشام، ولأفسد علينا جندنا‏.‏

قال‏:‏ وكان لا يزال يجيء رجل فيقول لمعاوية وعمرو‏:‏ أنا قتلت عماراً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/298‏)‏

فيقول له عمرو‏:‏ فما سمعته يقول‏؟‏

فيخلطون حتى جاء جوى، فقال‏:‏ أنا سمعته يقول‏:‏

اليوم ألقى الأحبة * محمداً وحزبه

فقال له عمرو‏:‏ صدقت، أنت إنك لصاحبه‏.‏

ثم قال له‏:‏ رويداً، أما والله ما ظفرت يداك، ولقد أسخطت ربك‏.‏

وقد روى ابن ديزيل، من طريق أبي يوسف، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الرحمن الكندي، عن أبيه، عن عمرو بن العاص‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار‏:‏ ‏(‏‏(‏تقتلك الفئة الباغية‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه أيضاً من حديث جماعة من التابعين أرسلوه، منهم‏:‏ عبد الله بن أبي الهذيل، ومجاهد، وحبيب بن أبي ثابت، وحبة العرني، وساقه من طريق إبان، عن أنس مرفوعاً‏.‏

ومن حديث عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن أبي الزبير، عن حذيفة مرفوعاً‏:‏ ‏(‏‏(‏ما خُير عمار بين شيئين إلا اختار أرشدهما‏)‏‏)‏‏.‏

وبه عن عمرو بن شمر، عن السري، عن يعقوب بن راقط قال‏:‏ اختصم رجلان في سلب عمار وفي قتله، فأتيا عبد الله بن عمرو بن العاص ليتحاكما إليه، فقال لهما‏:‏ ويحكما اخرجا عني، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - ولعبت قريش بعمار -‏:‏ ‏(‏‏(‏ما لهم ولعمار‏؟‏ عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، قاتله وسالبه في النار‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فبلغني أن معاوية قال‏:‏ إنما قتله من أخرجه، يخدع بذلك أهل الشام‏.‏

وقال إبراهيم بن الحسين‏:‏ حدثنا يحيى، ثنا عدي بن عمر، ثنا هشيم، ثنا العوام بن حوشب بن الأسود بن مسعود عن حنظلة بن خويلد - وكان ناس عند علي ومعاوية - قال‏:‏ بينا هو عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في قتل عمار، فقال لهما عبد الله بن عمرو‏:‏ ليطب كل واحد منكما نفساً لصاحبه بقتل عمار، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏تقتله الفئة الباغية‏)‏‏)‏‏.‏

فقال معاوية لعمرو‏:‏ ألا تنهي عنا مجنونك هذا‏؟‏ ثم أقبل معاوية على عبد الله فقال له‏:‏ فلم تقاتل معنا‏؟‏

فقال له‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بطاعة والدي ما كان حياً، وأنا معكم، ولست أقاتل‏.‏

وحدثنا يحيى بن نصر، ثنا حفص بن عمران البرجمي، حدثني نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة‏:‏ أن عبد الله بن عمر قال لأبيه‏:‏ لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بطاعتك ما سرت معك هذا المسير، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار بن ياسر‏:‏ ‏(‏‏(‏تقتلك الفئة الباغية‏)‏‏)‏‏.‏

وحدثنا يحيى، ثنا عبد الرحمن بن زياد، ثنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبي قال‏:‏ جاء قاتل عمار يستأذن على معاوية وعنده عمرو، فقال‏:‏ ائذن له، وبشره بالنار‏.‏

فقال الرجل‏:‏ أو ما تسمع ما يقول عمرو‏؟‏

قال‏:‏ صدق‏؟‏ إنما قتله الذين جاؤوا به ‏!‏‏.‏

وهذا ما ثبت في الصحيحين وغيرهما، عن جماعة من التابعين منهم‏:‏ الحارث بن سويد، وقيس بن عبادة، وأبو جحيفة وهب بن عبد الله السوائي، ويزيد بن شريك، وأبو حسان الأجرد، وغيرهم‏:‏ أن كلا منهم قال‏:‏ قلت لعلي هل عندكم شيء عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهده إلى الناس‏؟‏

فقال‏:‏ لا‏!‏ والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في القرآن، وما في هذه الصحيفة‏.‏

قلت‏:‏ وما في هذه الصحيفة‏؟‏

فإذا فيها العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر، وأن المدينة حرام ما بين ثبير إلى ثور‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 7/299‏)‏

وثبت في الصحيحين أيضاً، من حديث الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن سهل بن حنيف أنه قال يوم صفين‏:‏

أيها الناس، اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أقدر أن أرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددته، والله ما حملنا سيوفنا على عواتقنا منذ أسلمنا لأمر يقطعنا إلا أسهل بنا إلى أمر نعرفه غير أمرنا هذا‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ وحدثنا أحمد بن محمد، ثنا الوليد بن صالح، ثنا عطاء بن مسلم، عن الأعمش قال‏:‏ قال أبو عبد الرحمن السلمي قال‏:‏ كنا مع علي بصفين، وكنا قد وكلنا بفرسه نفسين يحفظانه يمنعانه أن يحمل، فكان إذا حانت منهما غفلة حمل فلا يرجع حتى يخضب سيفه، وإنه حمل ذات يوم فلم يرجع حتى انثنى سيفه، فألقاه إليهم، وقال‏:‏ لولا أنه انثنى ما رجعت‏.‏

قال‏:‏ ورأيت عماراً لا يأخذ وادياً من أودية صفين إلا اتبعه من كان هناك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأيته جاء إلى هاشم بن عتبة، وهو صاحب راية علي، فقال‏:‏ يا هاشم تقدم‏!‏ الجنة تحت ظلال السيوف، والموت في أطراف الأسنة، وقد فتحت أبواب الجنة، وتزينت الحور العين‏:‏

اليوم ألقى الأحبة * محمداً وحزبه

ثم حملا هو وهاشم فقتلا رحمهما الله تعالى، قال‏:‏ وحمل حينئذ علي وأصحابه على أهل الشام حملة رجل واحد كأنهما - كان يعني عماراً وهاشماً - علما لهم‏.‏

قال‏:‏ فلما كان الليل قلت‏:‏ لأدخلن الليلة إلى العسكر الشاميين حتى أعلم هل بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا‏؟‏ - وكنا إذا توادعنا من القتال تحدثوا إلينا وتحدثنا إليهم -فركبت فرسي وقد هدأت الرجل، ثم دخلت عسكرهم فإذا أنا بأربعة يتسامرون معاوية، وأبو الأعور السلمي، وعمرو بن العاص، وابنه عبد الله بن عمرو، وهو خير الأربعة‏.‏

قال‏:‏ فأدخلت فرسي بينهم مخافة أن يفوتني ما يقول بعضهم لبعض، فقال عبد الله لأبيه‏:‏ يا أبة قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا، وقد قال فيه رسول الله ما قال‏.‏

قال‏:‏ وما قال‏؟‏

قال‏:‏ ألم يكن معنا ونحن نبني المسجد، والناس ينقلون حجراً حجراً، ولبنةً لبنةً، وعمار ينقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين فغشي عليه‏؟‏ فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول‏:‏ ‏(‏‏(‏ويحك يا ابن سمية الناس ينقلون حجراً حجراً ولبنةً لبنةً، وأنت تنقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين، رغبة منك في الأجر، وكنت مع ذلك، ويحك تقتلك الفئة الباغية‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فرجع عمرو، وصدر فرسه، ثم جذب معاوية إليه فقال‏:‏ يا معاوية، أما تسمع ما يقول عبد الله‏؟‏

قال‏:‏ وما يقول‏؟‏

قال‏:‏ يقول وأخبره الخبر‏.‏

فقال معاوية‏:‏ إنك شيخ أخرق، ولا تزال تحدث بالحديث، وأنت تدحض في بولك، أو نحن قتلنا عماراً‏؟‏ إنما قتل عماراً من جاء به‏.‏

قال‏:‏ فخرج الناس من عند فساطيطهم، وأخبيتهم، وهم يقولون‏:‏ إنما قتل عماراً من جاء به، فلا أدري من كان أعجب هو أو هم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/300‏)‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن عبد الرحمن بن أبي زياد قال‏:‏ إني لأسير مع معاوية منصرفه من صفين بينه وبين عمرو بن العاص‏.‏

‏(‏يتبع‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏

‏(‏تابع‏.‏‏.‏‏.‏ 1‏)‏‏:‏ استهلت هذه السنة وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه متواقف‏.‏‏.‏‏.‏ ‏.‏‏.‏‏.‏

فقال عبد الله بن عمرو‏:‏ يا أبة، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار‏:‏ ‏(‏‏(‏ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فقال عمرو لمعاوية‏:‏ ألا تسمع ما يقول عبد الله هذا‏؟‏

فقال معاوية‏:‏ لا يزال يأتينا بهنة بعد هنة، أنحن قتلناه‏؟‏ إنما قتله الذين جاءوا به‏.‏

ثم رواه أحمد عن أبي نعيم، عن سفيان الثوري، عن الأعمش به نحوه‏.‏

تفرد به أحمد بهذا السياق من هذا الوجه، وهذا التأويل الذي سلكه معاوية رضي الله عنه بعيد، ثم لم ينفرد عبد الله بن عمرو بهذا الحديث، بل قد روي من وجوه أخر‏.‏

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن خالد، عن عكرمة، عن أبي سعيد الخدري‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار‏:‏ ‏(‏‏(‏تقتلك الفئة الباغية‏)‏‏)‏‏.‏

وقد روى البخاري في صحيحه من حديث عبد العزيز بن المختار، وعبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن أبي سعيد في قصة بناء المسجد‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار‏:‏ ‏(‏‏(‏يا ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ يقول عمار‏:‏ أعوذ بالله من الفتن‏.‏

وفي بعض نسخ البخاري‏:‏ ‏(‏‏(‏يا ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار‏)‏‏)‏‏.‏

وقال أحمد‏:‏ حدثنا سليمان بن داود، ثنا شعبة، ثنا عمرو بن دينار، عن أبي هشام، عن أبي سعيد الخدري‏:‏ أن رسول الله قال لعمار‏:‏ ‏(‏‏(‏تقتلك الفئة الباغية‏)‏‏)‏‏.‏

وروى مسلم من حديث شعبة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال‏:‏ حدثني من هو خير مني - يعني أبا قتادة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار‏:‏ ‏(‏‏(‏تقتلك الفئة الباغية‏)‏‏)‏‏.‏

وروى مسلم أيضاً من حديث شعبة، عن خالد الحذاء، عن الحسن وسعيد ابني أبي الحسن، عن أمهما حرة، عن أم سلمة‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار‏:‏ ‏(‏‏(‏تقتلك الفئة الباغية‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن علية، عن ابن عون، عن الحسن، عن أبيه، عن أم سلمة به‏.‏

وفي رواية‏:‏ ‏(‏‏(‏وقاتله في النار‏)‏‏)‏‏.‏

وروى البيهقي، عن الحاكم وغيره، عن الأصم، عن أبي بكر محمد بن إسحاق الصنعاني، عن أبي الجواب، عن عمار بن زريق، عن عمار الذهبي، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن مسعود قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق‏)‏‏)‏‏.‏

وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل - في سيرة علي - ثنا يحيى بن عبيد الله الكرابيسي، ثنا أبو كريب، ثنا أبو معاوية، عن عمار بن زريق، عن عمار الذهبي، عن سالم بن أبي الجعد قال‏:‏ جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال‏:‏ إن الله قد أمننا أن يظلمنا، ولم يؤمنا أن يفتننا، أرأيت إذا نزلت فتنة كيف أصنع‏؟‏

قال‏:‏ عليك بكتاب الله‏.‏

قلت‏:‏ أرأيت إن جاء قوم كلهم يدعون إلى كتاب الله‏؟‏

فقال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق‏)‏‏)‏‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 7/301‏)‏

وروى ابن ديزيل، عن عمرو بن العاص نفسه حديثاً في ذكر عمار، وأنه مع فرقة الحق، وإسناده غريب‏.‏

وقال البيهقي‏:‏ أنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الله الصفار، ثنا الأسقاطي، ثنا أبو مصعب، ثنا يوسف بن الماجشون، عن أبيه، عن أبي عبيدة، عن محمد بن عمار بن ياسر، عن مولاة لعمار قالت‏:‏ اشتكى عمار شكوى أرق منها فغشي عليه، فأفاق ونحن نبكي حوله، فقال‏:‏ ما تبكون‏؟‏ أتخشون أن أموت على فراشي‏؟‏ أخبرني حبيبي صلى الله عليه وسلم أنه تقتلني الفئة الباغية، وأن آخر زادي من الدنيا مذقة من لبن‏.‏

وقال أحمد‏:‏ ثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد، فجعلنا ننقل لبنة لبنة، وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين، فتترب رأسه قال‏:‏ فحدثني أصحابي ولم أسمعه من أن رسول الله أنه جعل ينفض رأسه ويقول‏:‏ ‏(‏‏(‏ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية‏)‏‏)‏‏.‏ تفرد به أحمد‏.‏

وما زاده الروافض في هذا الحديث بعد قوله الباغية، لا أنالها والله شفاعتي يوم القيامة، فهو كذب وبهت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه قد ثبتت الأحاديث عنه صلوات الله عليه وسلامه بتسمية الفريقين مسلمين، كما سنورده قريباً إن شاء الله‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ وقد ذكر أن عماراً لما قتل، قال علي لربيعة وهمدان‏:‏ أنتم درعي ورمحي‏.‏

فانتدب له نحو من اثني عشر ألفاً، وتقدمهم علي ببغلته، فحمل وحملوا معه حملة رجل واحد، فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض، وقتلوا كل من انتهوا إليه حتى بلغوا معاوية، وعلي يقاتل ويقول‏:‏

أضربهم ولا أرى معاوية * الجاحظ العين عظيم الحاوية

قال‏:‏ ثم دعى علي معاوية إلى أن يبارزه، فأشار عليه بالخروج إليه عمرو بن العاص، فقال له معاوية‏:‏ إنك لتعلم أنه لم يبارزه رجل قط إلا قتله، ولكنك طمعت فيها بعدي‏.‏

ثم قدم على ابنه محمد في عصابة كثيرة من الناس فقاتلوه قتالاً شديداً، ثم تبعه علي في عصابة أخرى، فحمل بهم فقتل في هذا الموطن خلق كثير من الفريقين لا يعلمهم إلا الله، وقتل من العراقيين خلق كثير أيضاً، وطارت أكف ومعاصم ورؤوس عن كواهلها رحمهم الله‏.‏

ثم حانت صلاة المغرب فما صلى بالناس إلا إيماء صلاتي العشاء واستمر القتال في هذه الليلة كلها، وهي من أعظم الليالي شراً بين المسلمين، وتسمى هذه الليلة‏:‏ ليلة الهرير‏.‏

وكانت ليلة الجمعة تقصفت الرماح، ونفذت النبال، وصار الناس إلى السيوف، وعلي رضي الله عنه يحرض القبائل ويتقدم أيهم يأمر بالصبر والثبات، وهو أمام الناس في قلب الجيش، وعلى الميمنة الأشتر تولاها بعد قتل عبد الله بن بديل عشية الخميس ليلة الجمعة - وعلى الميسرة ابن عباس، والناس يقتتلون من كل جانب، فذكر غير واحد من علمائنا علماء السير - أنهم اقتتلوا بالرماح حتى تقصفت، وبالنبال حتى فنيت، وبالسيوف حتى تحطمت‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/302‏)‏

ثم صاروا إلى أن تقاتلوا الأيدي والرمي بالحجارة والتراب في الوجوه، وتعاضوا بالأسنان يقتتل الرجلان حتى يثخنا ثم يجلسان يستريحان، وكل واحد منهما يهمر على الآخر ويهمر عليه ثم يقومان فيقتتلان كما كانا، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

ولم يزل ذلك دأبهم حتى أصبح الناس من يوم الجمعة وهم كذلك وصلّى الناس الصبح إيماء وهم في القتال حتى تضاحى النهار وتوجه النصر لأهل العراق على أهل الشام، وذلك أن الأشتر النخعي صارت إليه إمرة الميمنة، فجعل بمن فيها على أهل الشام، وتبعه علي فتنقضت غالب صفوفهم وكادوا ينهزمون، فعند ذلك رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح وقالوا‏:‏ هذا بيننا وبينكم وقد فني الناس فمن للثغور‏؟‏ ومن لجهاد المشركين والكفار‏؟‏

وذكر ابن جرير وغيره من أهل التاريخ‏:‏ أن الذي أشار بهذا هو عمرو بن العاص، وذلك لما رأى أن أهل العراق قد استظهروا في ذلك الموقف، أحب أن ينفصل الحال وأن يتأخر الأمر فإن كلاً من الفريقين صابر للآخر، والناس يتفانون‏.‏

فقال إلى معاوية‏:‏ إني قد رأيت أمراً لا يزيدنا هذه الساعة إلا اجتماعاً ولا يزيدهم إلا فرقة، أرى أن نرفع المصاحف وندعوهم إليها، فإن أجابوا كلهم إلى ذلك بَرَدَ القتال، وإن اختلفوا فيما بينهم فمن قائل نجيبهم، وقائل لا نجيبهم، فشلوا وذهب ريحهم‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا يعلى بن عبيد، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت قال‏:‏ أتيت أبا وائل في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي بالنهروان فيما استجابوا له، وفيما فارقوه، وفيما استحل قتالهم‏؟‏

فقال‏:‏ كنا بصفين فلما استحر القتال بأهل الشام اعتصموا بتل فقال عمرو بن العاص لمعاوية‏:‏ أرسل إلى علي بمصحف فادعه إلى كتاب الله فإنه لن يأبى عليك‏.‏

فجاء به رجل فقال‏:‏ بيننا وبينكم كتاب الله‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 23‏]‏‏.‏

فقال علي‏:‏ نعم أنا أولى بذلك، بيننا وبينكم كتاب الله‏.‏

قال‏:‏ فجاءته الخوارج ونحن ندعوهم يومئذ القراء، وسيوفهم على عواتقهم فقالوا‏:‏ يا أمير المؤمنين ما ينتظر هؤلاء القوم الذين على التل ألا نمشي إليهم سيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم ‏؟‏

فتكلم سهل بن حنيف فقال‏:‏ يا أيها الناس اتهموا أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبية - يعني‏:‏ الصلح الذي كان بين رسول الله وبين المشركين - ولو نرى قتالاً لقاتلنا فجاء عمر إلى رسول الله فقال‏:‏ يا رسول الله ألسنا على حق وهم على باطل‏؟‏

وذكر تمام الحديث كما تقدم في موضعه‏.‏

 رفع أهل الشام المصاحف

فلما رفعت المصاحف قال أهل العراق‏:‏ نجيب إلى كتاب الله وننيب إليه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/303‏)‏

قال أبو مخنف‏:‏ حدثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي، عن أبيه أن علياً قال‏:‏ عباد الله أمضوا إلى حقكم وصدقكم وقتال عدوكم، فإن معاوية، وعمرو بن العاص، وابن أبي معيط، وحبيب بن مسلمة، وابن أبي سرح، والضحاك بن قيس ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالاً، وصحبتهم رجالاً، فكانوا شر أطفال وشر رجال، ويحكم والله إنهم ما رفعوها إنهم يقرأونها ولا يعملون بما فيها وما رفعوها إلا خديعة ودهاء ومكيدة‏.‏

فقالوا له‏:‏ ما يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله‏.‏

فقال لهم‏:‏ إني إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم الكتاب فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم به، وتركوا عهده، ونبذوا كتابه‏.‏

فقال له مسعر بن فدكي التميمي، وزيد بن حصين الطائي، ثم السبائي في عصابة معهما من القراء الذين صاروا بعد ذلك خوارج‏:‏ يا علي أجب إلى كتاب الله إذا دعيت إليه وإلا دفعناك برمتك إلى القوم أو نفعل بك ما فعلنا بابن عفان، إنه غلبنا أن يعمل بكتاب الله فقتلناه، والله لتفعلنها أو لنفعلنها بك‏.‏

قال‏:‏ فاحفظوا عني نهيي إياكم وأحفظوا مقالتكم لي، أما أنا فإن تطيعوني فقاتلوا، وإن تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم‏.‏

قالوا‏:‏ فابعث إلى الأشتر فليأتك ويكف عن القتال‏.‏

فبعث إليه علي ليكف عن القتال‏.‏

وقد ذكر الهيثم بن عدي في كتابه الذي صنفه في الخوارج فقال قال ابن عباس‏:‏ فحدثني محمد بن المنتشر الهمداني عن من شهد صفين وعن ناس من رؤوس الخوارج ممن لا يتهم على كذب‏:‏ أن عمار بن ياسر كره ذلك وأبى وقال في علي بعض ما أكره ذكره ثم قال‏:‏ من رائح إلى الله قبل أن يبتغي غير الله حكماً‏؟‏ فحمل فقاتل حتى قتل رحمة الله عليه‏.‏

وكان ممن دعا إلى ذلك سادات الشاميين‏:‏ عبد الله بن عمرو بن العاص قام في أهل العراق فدعاهم إلى الموادعة والكف وترك القتال والائتمار بما في القرآن وذلك عن أمر معاوية له بذلك رضي الله عنهما‏.‏

وكان ممن أشار على علي بالقبول والدخول في ذلك‏:‏ الأشعث بن قيس الكندي رضي الله عنه‏.‏

فروى أبو مخنف من وجه آخر‏:‏ أن علياً لما بعث إلى الأشتر قال‏:‏ قل له إنه ليس هذه ساعة ينبغي أن لا تزيلني عن موقفي فيها، إني قد رجوت أن يفتح الله علي فلا تعجلني، فرجع الرسول - وهو يزيد بن هانئ - إلى علي فأخبره عن الأشتر بما قال، وصمم الأشتر على القتال لينتهز الفرصة، فارتفع الهرج وعلت الأصوات‏.‏

فقال أولئك القوم لعلي‏:‏ والله ما نراك إلا أمرته أن يقاتل‏.‏

فقال‏:‏ أرأيتموني ساررته‏؟‏ ألم أبعث إليه جهر وأنتم تسمعون‏؟‏

فقالوا‏:‏ فابعث إليه فليأتك وإلا والله اعتزلناك‏.‏

فقال علي ليزيد بن هانئ‏:‏ ويحك ‏!‏

قال له‏:‏ أقبل إلي فإن الفتنة قد وقعت، فلما رجع إليه يزيد بن هانئ فأبلغه عن أمير المؤمنين أنه ينصرف عن القتال ويقبل إليه، جعل يتململ ويقول‏:‏ ويحك ألا ترى إلى ما نحن فيه من النصر، ولم يبق إلا القليل ‏؟‏

فقلت‏:‏ أيهما أحب إليك أن تقبل أو يقتل أمير المؤمنين كما قتل عثمان‏؟‏

ثم ماذا يغني عنك نصرتك هاهنا‏؟‏

قال‏:‏ فأقبل الأشتر إلى علي وترك القتال‏.‏

فقال‏:‏ يا أهل العراق‏!‏ يا أهل الذل والوهن، أحين علوتم القوم، وظنوا أنكم لهم قاهرون، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها، وقد والله تركوا ما أمر الله به فيها، وسنة من أنزلت عليه، فلا تجيبوهم، أمهلوني فإني قد أحسست بالفتح‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/304‏)‏

قالوا‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ أمهلوني عدو الفرس فإني قد طمعت في النصر‏.‏

قالوا‏:‏ إذاً ندخل معك في خطيئتك‏.‏

ثم أخذ الأشتر يناظر أولئك القراء الداعين إلى إجابة أهل الشام بما حاصله‏:‏ إن كان أول قتالكم هؤلاء حقاً فاستمروا عليه وإن كان باطلاً فاشهدوا لقتلاكم بالنار‏.‏

فقالوا‏:‏ دعنا منك فإنا لا نطيعك ولا صاحبك أبداً ونحن قاتلنا هؤلاء في الله وتركنا قتالهم لله‏.‏

فقال لهم الأشتر‏:‏ خدعتم والله فانخدعتم ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحاب السوء كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقاً إلى لقاء الله، فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا من الموت، يا أشباه النيب الجلالة ما أنتم بربانيين بعدها، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون‏.‏

فسبوه وسبهم فضربوا وجه دابته بسياطهم، وجرت بينهم أمور طويلة، ورغب أكثر الناس من العراقيين وأهل الشام بكمالهم إلى المصالحة والمسالمة مدة لعله يتفق أمر يكون فيه حقن لدماء المسلمين، فإن الناس تفانوا في هذه المدة، ولا سيما في هذه الثلاثة الأيام المتأخرة التي آخر أمرها ليلة الجمعة وهي ليلة الهرير‏.‏

كل من الجيشين فيه من الشجاعة والصبر ما ليس يوجد في الدنيا مثله، ولهذا لم يفر أحد عن أحد، بل صبروا حتى قتل من الفريقين فيما ذكره غير واحد سبعون ألفاً خمسة وأربعون ألفاً من أهل الشام، وخمسة وعشرون ألفاً من أهل العراق‏.‏

قاله غير واحد منهم ابن سيرين، وسيف، وغيره‏.‏

وزاد أبو الحسن ابن البراء - وكان من أهل العراق -خمسة وعشرون بدرياً قال‏:‏ وكان بينهم في هذه المدة تسعون زحفاً واختلفا في مدة المقام بصفين‏.‏

فقال سيف‏:‏ سبعة أشهر أو تسعة أشهر‏.‏

وقال أبو الحسن بن البراء‏:‏ مائة وعشرة أيام‏.‏

قلت‏:‏ ومقتضى كلام أبي مخنف أنه كان من مستهل ذي الحجة في يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من صفر، وذلك سبعة وسبعون يوماً فالله أعلم‏.‏

وقال الزهري‏:‏ بلغني أنه كان يدفن في القبر الواحد خمسون نفساً هذا كله ملخص من كلام ابن جرير وابن الجوزي في المنتظم‏.‏

وقد روى البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان، عن أبي اليمان، عن صفوان بن عمرو‏:‏ كان أهل الشام ستين ألفاً فقتل منهم عشرون ألفاً، وكان أهل العراق مائة وعشرين ألفاً، فقتل منهم أربعون ألفاً‏.‏

وحمل البيهقي هذه الوقعة على الحديث الذي أخرجاه في الصحيحين من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة‏.‏

ورواه البخاري من حديث شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة‏.‏

ومن حديث شعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يقتل بينهما مقتلة عظيمة ودعواهما واحدة‏)‏‏)‏‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 7/305‏)‏

ورواه مجالد، عن أبي الحواري، عن أبي سعيد مرفوعاً مثله‏.‏

ورواه الثوري، عن ابن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعوتهما واحدة فبينما هم كذلك مرق منهما مارقة تقتلهم أولى الطائفتين بالحق‏)‏‏)‏‏.‏

وقد تقدم ما رواه الإمام أحمد، عن مهدي، وإسحاق، عن سفيان، عن منصور، عن ربعي بن خراش، عن البراء بن ناجية الكاهلي، عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إن رحى الإسلام ستزول لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاماً‏)‏‏)‏‏.‏

فقال عمر‏:‏ يا رسول الله، أمما مضى‏؟‏ أم مما بقي‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏بل مما بقي‏)‏‏)‏‏.‏

وقد رواه إبراهيم بن الحسين بن ديزيل في كتاب جمعه في سيرة علي، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن شريك، عن منصور به مثله‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ حدثنا أبو نعيم، ثنا شريك بن عبد الله النخعي، عن مجالد، عن عامر الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله قال‏:‏ قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إن رحى الإسلام ستزول بعد خمس وثلاثين سنة فإن يصطلحوا فيما بينهم يأكلوا الدنيا سبعين عاماً رغداً، وإن يقتتلوا يركبوا سنن من كان قبلهم‏)‏‏)‏‏.‏

وقال ابن ديزيل‏:‏ حدثنا عبد الله بن عمر، ثنا عبد الله بن خراش الشيباني، عن العوام بن حوشب، عن إبراهيم التميمي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏تدور رحى الإسلام عند قتل رجل من بني أمية‏)‏‏)‏ - يعني‏:‏ عثمان رضي الله عنه -‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ حدثنا الحكم عن نافع، عن صفوان بن عمرو، عن الأشياخ‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعي إلى جنازة رجل من الأنصار فقال - وهو قاعد ينتظرها -‏:‏ ‏(‏‏(‏كيف أنتم إذا راعيتم حبلين كذا في الإسلام ‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قال أبو بكر‏:‏ أو يكون ذلك في أمة إلهها واحد ونبيها واحد‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏نعم‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ أفأدرك ذلك يا رسول الله‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا‏)‏‏)‏‏.‏

قال عمر‏:‏ أفأدرك ذلك يا رسول الله‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ عثمان أفأدرك ذلك يا رسول الله‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏نعم بك يفتنون‏)‏‏)‏‏.‏

وقال أيضاً عمر لابن عباس‏:‏ كيف يختلفون وإلههم واحد وكتابهم واحد وملتهم واحدة‏؟‏

فقال‏:‏ إنه سيجيء قوم لا يفهمون القرآن كما نفهمه، فيختلفون فيه فإذا اختلفوا فيه اقتتلوا، فأقر عمر بن الخطاب بذلك‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ حدثنا أبو نعيم، ثنا سعيد بن عبد الرحمن - أخو أبي حمزة - ثنا محمد بن سيرين قال‏:‏ لما قتل عثمان قال عدي بن حاتم‏:‏ لا ينتطح في قتله عنزان‏.‏

فلما كان يوم صفين فقئت عينه فقيل‏:‏ لا ينتطح في قتله عنزان فقال‏:‏ بلى وتفقأ عيون كثيرة‏.‏

وروي عن كعب الأحبار‏:‏ أنه مر بصفين فرأى حجارتها فقال‏:‏ لقد اقتتل في هذا الموضع بنو إسرائيل تسع مرات وإن العرب ستقتتل فيها العاشرة حتى يتقاذفوا بالحجارة التي تقاذف فيها بنو إسرائيل ويتفانوا كما تفانوا‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/306‏)‏

وقد ثبت في الحديث‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنة عامة فأعطانيها وسألته أن لا يسلط عليهم عدواً من سواهم فيستبيح بيضتهم فأعطانيها وسألته أن لا يسلط بعضهم على بعض فمنعنيها‏)‏‏)‏‏.‏

ذكرنا ذلك عند تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 65‏]‏‏.‏

قال رسول الله‏:‏ ‏(‏‏(‏هذا أهون‏)‏‏)‏‏.‏

 قصة التحكيم

ثم تراوض الفريقان بعد مكاتبات ومراجعات يطول ذكرها على التحكيم، وهو أن يحكِّم كل واحد من الأميرين - علي ومعاوية - رجلاً من جهته ثم يتفق الحكمان على ما فيه مصلحة للمسلمين‏.‏

فوكل معاوية عمرو بن العاص، وأراد علي أن يوكل عبد الله بن عباس - وليته فعل - ولكنه منعه القراء ممن ذكرنا، وقالوا‏:‏ لا نرضى إلا بأبي موسى الأشعري‏.‏

وذكر الهيثم بن عدي في كتاب الخوارج له‏:‏ أن أول من أشار بأبي موسى الأشعري الأشعث بن قيس، وتابعه أهل اليمن، ووصفوه أنه كان ينهى الناس عن الفتنة والقتال‏.‏

وكان أبو موسى قد اعتزل في بعض أرض الحجاز، قال علي‏:‏ فإني أجعل الأشتر حكماً‏.‏

فقالوا‏:‏ وهل سعر الحرب وشعر الأرض إلا الأشتر ‏؟‏

قال‏:‏ فاصنعوا ما شئتم‏.‏

فقال الأحنف لعلي‏:‏ والله لقد رميت بحجر، إنه لا يصلح هؤلاء القوم إلا رجل منهم يدنو منهم حتى يصير في أكفهم ويبتعد حتى يصير بمنزلة النجم، فإن أبيت أن تجعلني حكماً فاجعلني ثانياً وثالثاً، فإنه لن يعقد عقدة إلا أحلها، ولا يحل عقدة عقدتها إلا عقدت لك أخرى مثلها أو أحكم منها‏.‏

قال‏:‏ فأبوا إلا أبا موسى الأشعري فذهبت الرسل إلى أبي موسى الأشعري - وكان قد اعتزل - فلما قيل له‏:‏ إن الناس قد اصطلحوا‏.‏

قال‏:‏ الحمد لله‏.‏

قيل له‏:‏ وقد جعلت حكماً‏.‏

فقال‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم أخذوه حتى أحضروه إلى علي رضي الله عنه‏.‏

وكتبوا بينهم كتاباً هذه صورته‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما قاضى عليه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين‏.‏

فقال عمرو بن العاص‏:‏ اكتب اسمه واسم أبيه هو أميركم وليس بأميرنا‏.‏

فقال الأحنف‏:‏ لا تكتب إلا أمير المؤمنين‏.‏

فقال علي‏:‏ امح أمير المؤمنين واكتب هذا ما قاضى عليه علي بن أبي طالب ثم استشهد علي بقصة الحديبية حين امتنع أهل مكة هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله فامتنع المشركون من ذلك وقالوا‏:‏ اكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله‏.‏

فكتب الكاتب‏:‏ هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، قاضى علي على أهل العراق ومن معهم من شيعتهم والمسلمين، وقاضى معاوية على أهل الشام ومن كان معه من المؤمنين والمسلمين إنا ننزل عند حكم الله وكتابه ونحيي ما أحيى الله، ونميت ما أمات الله، فما وجد الحكمان في كتاب الله - وهما أبو موسى الأشعري، وعمرو بن العاص - عملاً به، وما لم يجدا في كتاب الله، فالسنة العادلة الجامعة غير المتفرقة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/307‏)‏

ثم أخذ الحكمان من علي، ومعاوية، ومن الجندين، العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما، والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كليهما عهد الله وميثاقه أنهما على ما في هذه الصحيفة، وأجلا القضاء إلى رمضان وإن أحبا أن يؤخرا ذلك على تراض منهما‏.‏

وكتب في يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين، على أن يوافي علي ومعاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في رمضان، ومع كل واحد من الحكمين أربعمائة من أصحابه، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح‏.‏

وقد ذكر الهيثم في كتابه في ‏(‏الخوارج‏)‏‏:‏ أن الأشعث بن قيس لما ذهب إلى معاوية بالكتاب وفيه‏:‏ هذا ما قاضى عبد الله علي أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان‏.‏

قال معاوية‏:‏ لو كان أمير المؤمنين لم أقاتله، ولكن ليكتب اسمه وليبدأ به قبل اسمي لفضله وسابقته‏.‏

فرجع إلى علي فكتب كما قال معاوية‏.‏

وذكر الهيثم‏:‏ أن أهل الشام أبوا أن يبدأ باسم علي قبل معاوية وباسم أهل العراق قبلهم حتى كتب كتابان كتاب لهؤلاء فيه تقديم معاوية على علي وكتاب آخر لأهل العراق بتقديم اسم علي وأهل العراق على معاوية وأهل الشام‏.‏

وهذه تسمية من شهد على هذا التحكيم من جيش علي‏:‏ عبد الله بن عباس، والأشعث بن قيس الكندي، وسعيد بن قيس الهمداني، وعبد الله بن الطفيل المعافري، وحجر بن يزيد الكندي، وورقاء بن سمي العجلي، وعبد الله بن بلال العجلي، وعقبة بن زياد الأنصاري، ويزيد بن جحفة التميمي، ومالك بن كعب الهمداني، فهؤلاء عشرة‏.‏

وأما من الشاميين فعشرة آخرون وهم‏:‏ أبو الأعور السلمي، وحبيب بن مسلمة، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، ومخارق بن الحارث الزبيدي، ووائل بن علقمة العدوي، وعلقمة بن يزيد الحضرمي، وحمزة بن مالك الهمداني، وسبيع بن يزيد الحضرمي، وعتبة بن أبي سفيان أخو معاوية، ويزيد بن الحر العبسي‏.‏

وخرج الأشعث بن قيس بذلك الكتاب يقرؤه على الناس، ويعرضه على الطائفتين، ثم شرع الناس في دفن قتلاهم‏.‏

قال الزهري‏:‏ بلغني أنه دفن في كل قبر خمسون نفساً، وكان علي قد أسر جماعة من أهل الشام‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 7/308‏)‏

فلما أراد الانصراف أطلقهم، وكان مثلهم أو قريب منهم في يد معاوية وكان قد عزم على قتلهم لظنه أنه قد قتل أسراهم، فلما جاءه أولئك الذين أطلقهم أطلق معاوية الذين في يده‏.‏

ويقال‏:‏ إن رجلاً يقال له عمرو بن أوس - من الأزد -كان من الأسارى فأراد معاوية قتله فقال‏:‏ امنن عليّ فإنك خالي‏.‏

فقال‏:‏ ويحك‏!‏ من أين أنا خالك‏؟‏

فقال‏:‏ إن أم حبيبة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أم المؤمنين وأنا ابنها وأنت أخوها وأنت خالي‏.‏

فأعجب ذلك معاوية وأطلقه‏.‏

وقال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم - وذكر أهل صفين - فقال‏:‏ كانوا عرباً يعرف بعضهم بعضاً في الجاهلية فالتقوا في الإسلام معهم على الحمية وسنة الإسلام، فتصابروا واستحيوا من الفرار، وكانوا إذا تحاجزوا دخل هؤلاء في عسكر هؤلاء، وهؤلاء في عسكر هؤلاء، فيستخرجون قتلاهم فيدفنوهم‏.‏

قال الشعبي‏:‏ هم أهل الجنة، لقي بعضهم بعضاً فلم يفر أحد من أحد‏.‏

 خروج الخوارج

وذلك أن الأشعث بن قيس مر على ملأ من بني تميم فقرأ عليهم الكتاب فقام إليه عروة بن أذينة وهي أمه وهو عروة بن جرير من بني ربيعة بن حنظلة، وهو أخو أبي بلال بن مرداس بن جرير فقال‏:‏ أتحكمون في دين الله الرجال‏؟‏

ثم ضرب بسيفه عجز دابة الأشعث بن قيس، فغضب الأشعث وقومه، وجاء الأحنف بن قيس وجماعة من رؤسائهم يعتذرون إلى الأشعث بن قيس من ذلك‏.‏

قال الهيثم بن عدي‏:‏ والخوارج يزعمون أن أول من حكم عبد الله بن وهب الراسبي‏.‏

قلت‏:‏ والصحيح الأول وقد أخذ هذه الكلمة من هذا الرجل طوائف من أصحاب علي من القراء وقالوا‏:‏ لا حكم إلا الله، فسموا المحكمية وتفرق الناس إلى بلادهم من صفين، وخرج معاوية إلى دمشق بأصحابه، ورجع علي إلى الكوفة على طريق هيت فلما دخل الكوفة سمع رجلاً يقول‏:‏ ذهب علي ورجع في غير شيء‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 7/309‏)‏

فقال علي‏:‏ للذين فارقناهم خير من هؤلاء وأنشأ يقول‏:‏

أخوك الذي إن أحرجتك ملمةٌ * من الدهر لم يبرح لبثك راحما

وليس أخوك بالذي إن تشعبت * عليك أمورٌ ظل يلحاك لائما

ثم مضى فجعل يذكر الله حتى دخل قصر الإمارة من الكوفة، ولما كان قد قارب دخول الكوفة اعتزل من جيشه قريب من - اثني عشر ألفاً - وهم الخوارج، وأبوا أن يساكنوه في بلده، ونزلوا بمكان يقال له حروراء وأنكروا عليه أشياء فيما يزعمون أنه ارتكبها‏.‏

فبعث إليهم علي رضي الله عنه عبد الله بن عباس فناظرهم فرجع أكثرهم وبقي بقيتهم، فقاتلهم علي بن أبي طالب وأصحابه كما سيأتي بيانه وتفصيله قريباً إن شاء الله تعالى‏.‏

والمقصود أن هؤلاء الخوارج هم المشار إليهم في الحديث المتفق على صحته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏تمرق مارقة على حين فرقة من الناس - وفي رواية‏:‏ من المسلمين، وفي رواية‏:‏ من أمتي - فيقتلها أولى الطائفتين‏)‏‏)‏‏.‏

وهذا الحديث له طرق متعددة، وألفاظ كثيرة، قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا وكيع، وعفان بن القاسم بن الفضل، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد‏.‏‏.‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏تمرق مارقة عند فُرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق‏)‏‏)‏‏.‏

رواه مسلم، عن شيبان بن فروخ، عن القاسم بن محمد به‏.‏

وقال أحمد‏:‏ حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏تكون أمتي فرقتين تخرج بينهما مارقة تلي قتلها أولاهما‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه مسلم من حديث قتادة وداود بن أبي هند، عن أبي نضرة به‏.‏

وقال أحمد‏:‏ حدثنا ابن أبي عدي، عن سليمان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏ذكر قوماً يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس، سيماهم التحليق هم شر الخلق - أو من شر الخلق - يقتلهم أدنى الطائفتين من الحق‏)‏‏)‏‏.‏

قال أبو سعيد‏:‏ فأنتم قتلتموهم يا أهل العراق‏.‏

وقال أحمد‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر، ثنا عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏تفترق أمتي فرقتين فتمرق بينهما مارقة فيقتلها أولى الطائفتين بالحق‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه عن يحيى القطان، عن عوف وهو الأعرابي به مثله‏.‏

فهذه طرق متعددة عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة العبدي، وهو أحد الثقات الرفعاء، ورواه مسلم أيضاً من حديث سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، عن الضحاك الشرقي، عن أبي سعيد بنحوه‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 7/310‏)‏

فهذا الحديث من دلائل النبوة إذ قد وقع الأمر طبق ما أخبر به عليه الصلاة والسلام، وفيه الحكم بإسلام الطائفتين أهل الشام وأهل العراق، لا كما يزعمه فرقة الرافضة والجهلة الطغام، من تكفيرهم أهل الشام‏.‏

وفيه‏:‏ أن أصحاب علي أدنى الطائفتين إلى الحق، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة أن علياً هو المصيب وإن كان معاوية مجتهداً، وهو مأجور إن شاء الله، ولكن علي هو الإمام فله أجران كما ثبت في ‏(‏صحيح البخاري‏)‏ من حديث عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر‏)‏‏)‏‏.‏

وسيأتي بيان كيفية قتال علي رضي الله عنه للخوارج، وصفة المخدج الذي أخبر عنه عليه السلام فوجد كما أخبر ففرح بذلك علي رضي الله عنه وسجد للشكر‏.‏

فصل

قد تقدم أن علياً رضي الله عنه لما رجع من الشام بعد وقعة صفين، ذهب إلى الكوفة، فلما دخلها انعزل عنه طائفة من جيشه، قيل‏:‏ ستة عشر ألفاً وقيل‏:‏ اثني عشر ألفاً، وقيل‏:‏ أقل من ذلك، فباينوه وخرجوا عليه، وأنكروا أشياء‏.‏

فبعث إليهم عبد الله بن عباس فناظرهم فيها ورد عليهم ما توهموه شبهة، ولم يكن له حقيقة في نفس الأمر، فرجع بعضهم واستمر بعضهم على ضلالهم حتى كان منهم ما سنورده قريباً‏.‏

ويقال‏:‏ إن علياً رضي الله عنه ذهب إليهم فناظرهم فيما نقموا عليه حتى استرجعهم عما كانوا عليه، ودخلوا معه الكوفة، ثم إنهم عاهدوا فنكثوا ما عاهدوا عليه وتعاهدوا فيما بينهم على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام على الناس في ذلك، ثم تحيزوا إلى موضع يقال له‏:‏ النهروان، وهناك قاتلهم علي كما سيأتي‏.‏

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا إسحاق بن عيسى الطباع، حدثني يحيى بن سليم، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبيد الله بن عياض بن عمرو القارئ قال‏:‏ جاء عبد الله بن شداد فدخل على عائشة ونحن عند مرجعه من العراق ليالي قتل علي، فقالت له‏:‏ يا عبد الله بن شداد هل أنت صادقي عما أسالك عنه‏؟‏

فحدثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي‏.‏

فقال‏:‏ ومالي لا أصدقك‏؟‏

قالت‏:‏ فحدثني عن قصتهم‏.‏

قال‏:‏ فإن علياً لما كاتب معاوية وحكم الحكمان، خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس فنزلوا بأرض يقال لها‏:‏ حروراء من جانب الكوفة، وأنهم عتبوا عليه فقالوا‏:‏ انسلخت من قميص ألبسكه الله، واسم سمّاك به الله‏.‏

ثم انطلقت فحكمت في دين الله ولا حكم إلا لله، فلما أن بلغ علياً ما عتبوا عليه وفارقوه عليه، أمر فأذن مؤذن أن لا يدخل على أمير المؤمنين رجل إلا رجلاً قد حمل القرآن‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/311‏)‏

فلما أن امتلأت الدار من قراء الناس دعا بمصحف إمام عظيم فوضعه بين يديه فجعل يصكه بيده ويقول‏:‏ أيها المصحف‏!‏ حدث الناس، فناداه الناس فقالوا‏:‏ يا أمير المؤمنين ما تسأل عنه إنما هو مداد في ورق، ونحن نتكلم بما روينا منه فماذا تريد‏؟‏

قال‏:‏ أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا بيني وبينهم كتاب الله يقول الله تعالى في كتابه في امرأة ورجل‏:‏ ‏{‏وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 35‏]‏‏.‏

فأمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم دماً وحرمة من امرأة ورجل، ونقموا عليّ أن كاتبت معاوية كتبت علي بن أبي طالب، وقد جاءنا سهيل بن عمرو ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية حين صالح قومه قريشاً، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏)‏‏)‏‏.‏

فقال سهيل‏:‏ لا أكتب بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏كيف تكتب ‏؟‏‏)‏‏)‏

قال‏:‏ أكتب باسمك اللهم‏!‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏اكتب‏)‏‏)‏ فكتب‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ لو أعلم أنك رسول الله لم أخالفك‏.‏

فكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله قريشاً‏.‏

يقول الله تعالى في كتابه‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 21‏]‏‏.‏

فبعث إليهم عبد الله بن عباس فخرجت معه حتى إذا توسطت عسكرهم فقام ابن الكوا فخطب الناس فقال‏:‏ يا حملة القرآن هذا عبد الله بن عباس فمن لم يكن يعرفه فأنا أعرفه ممن يخاصم في كتاب الله بما لا يعرفه، هذا ممن نزل فيه وفي قومه ‏{‏بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 58‏]‏‏.‏

فردوه إلى صاحبه ولا تواضعوه كتاب الله‏.‏

فقال بعضهم‏:‏ والله لنواضعنه فإن جاء بحق نعرفه لنتبعنه وإن جاء بباطل لنكبتنه بباطله، فواضعوا عبد الله الكتاب ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة آلاف كلهم تائب، فيهم ابن الكوا، حتى أدخلهم على عليّ الكوفة‏.‏

فبعث علي إلى بقيتهم فقال‏:‏ قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم، فقفوا حيث شئتم حتى تجتمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم بيننا وبينكم أن لا تسفكوا دماً حراماً، أو تقطعوا سبيلاً، أو تظلموا ذمة، فإنكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 58‏]‏‏.‏

فقالت له عائشة‏:‏ يا ابن شداد فقتلهم‏.‏

فقالوا‏:‏ والله ما بعثت إليهم حتى قطعوا السبيل، وسفكوا الدماء، واستحلوا أهل الذمة‏.‏

فقالت‏:‏ الله‏.‏

قال‏:‏ الله لا إله إلا هو، قد كان ذلك‏.‏

قالت‏:‏ فما شيء بلغني عن أهل العراق يقولون ذو الثدي وذو الثدية‏؟‏

قال‏:‏ قد رأيته وكنت مع علي في القتلى فدعا الناس فقال‏:‏ أتعرفون هذا‏؟‏

فما أكثر من جاء يقول‏:‏ قد رأيته في مسجد بني فلان، ورأيته في مسجد بني فلان يصلي ولم يأتوا فيه بثبت يعرف إلا ذلك‏.‏

قالت‏:‏ فما قول علي حيث قام عليه كما يزعم أهل العراق‏؟‏

قال‏:‏ سمعته يقول‏:‏ صدق الله ورسوله‏.‏

قالت‏:‏ هل سمعت منه أنه قال غير ذلك‏؟‏

قال‏:‏ اللهم لا‏!‏

قالت‏:‏ أجل‏!‏ صدق الله ورسوله، يرحم الله علياً إنه كان لا يرى شيئاً يعجبه إلا قال‏:‏ صدق الله ورسوله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/312‏)‏

فيذهب أهل العراق يكذبون عليه و يزيدون عليه في الحديث تفرد به أحمد وإسناده صحيح، واختاره الضياء ففي هذا السياق ما يقتضي أن عدتهم كانوا ثمانية آلاف، لكن من القراء، وقد يكون واطأهم على مذهبهم آخرون من غيرهم حتى بلغوا اثني عشر ألفاً، أو ستة عشر ألفاً‏.‏

ولما ناظرهم ابن عباس رجع منهم أربعة آلاف وبقي بقيتهم على ما هم عليه، وقد رواه يعقوب بن سفيان، عن موسى بن مسعود، عن عكرمة بن عمار، عن سماك أبي زميل، عن ابن عباس فذكر القصة وأنهم عتبوا عليه في كونه حكم الرجال، وأنه محى اسمه من الأمرة، وأنه غزا يوم الجمل فقتل الأنفس الحرام، ولم يقسم الأموال والسبي، فأجاب عن الأولين بما تقدم‏.‏

وعن الثالث بما قال‏:‏ قد كان في السبي أم المؤمنين فإن قلتم لست لكم بأمٍ فقد كفرتم، وإن استحللتم سبي أمهاتكم فقد كفرتم‏.‏

قال‏:‏ فرجع منهم ألفان وخرج سائرهم فتقاتلوا‏.‏

وذكر غيره‏:‏ أن ابن عباس لبس حلة لما دخل عليهم، فناظروه في لبسه إياها، فاحتج بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ‏}‏ الآية ‏[‏الأعراف‏:‏ 32‏]‏‏.‏

وذكر ابن جرير أن علياً خرج بنفسه إلى بقيتهم، فلم يزل يناظرهم حتى رجعوا معه إلى الكوفة، وذلك يوم عيد الفطر أو الأضحى شك الراوي في ذلك، ثم جعلوا يعرضون له في الكلام ويسمعونه شتماً ويتأولون بتأويل في قوله‏.‏

قال الشافعي رحمه الله‏:‏ قال رجل من الخوارج لعلي وهو في الصلاة‏:‏ ‏{‏لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 65‏]‏‏.‏

فقرأ علي‏:‏ ‏{‏فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 60‏]‏‏.‏

وقد ذكر ابن جرير أن هذا كان وعلي في الخطبة‏.‏

وذكر ابن جرير أيضاً أن علياً بينما هو يخطب يوماً إذ قام إليه رجل من الخوارج فقال‏:‏ يا علي أشركت في دين الله الرجال ولا حكم إلا لله، فتنادوا من كل جانب لا حكم إلا لله، لا حكم إلا لله‏.‏

فجعل علي يقول‏:‏ هذه كلمة حق يراد بها باطل، ثم قال‏:‏ إن لكم علينا أن لا نمنعكم فيئاً ما دامت أيديكم معنا، وأن لا نمنعكم مساجد الله، وأن لا نبدأكم بالقتال حتى تبدؤنا‏.‏

ثم إنهم خرجوا بالكلية عن الكوفة وتحيزوا إلى النهروان وأن على ما سنذكره بعد حكم الحكمين‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 7/313‏)‏