فصل: خروج السلطان من دمشق متوجهاً إلى بلاد مصر

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البداية والنهاية **


 ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وسبعمائة

استهلت وسلطان الشام ومصر الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاوون، ونائبه بمصر الأمير سيف الدين يلبغا وأخوه سيف الدين منجك الوزير، والمشارون جماعة من المقدمين بديار مصر، وقضاة مصر وكاتب السر هم الذين كانوا في السنة الماضية، ونائب الشام الأمير سيف الدين أرتيمش الناصري، والقضاة هم القضاة سوى الحنبلي فإنه الشيخ جمال الدين يوسف المرداوي‏.‏

‏(‏ج/ ص‏:‏ 14/269‏)‏

وكاتب السر، وشيخ الشيوخ تاج الدين، وكاتب الدست هم المتقدمون، وأضيف إليهم شرف الدين عبد الوهاب بن القاضي علاء الدين بن شمرنوخ، والمحتسب القاضي عماد الدين بن العزفور، وشاد الأوقاف الشريف، وناظر الجامع فخر الدين بن العفيف، وخطيب البلد جمال الدين محمود بن جملة رحمه الله‏.‏

وفي يوم السبت عاشر المحرم نودي بالبلد من جهة نائب السلطان عن كتاب جاءه من الديار المصرية أن لا تلبس النساء الأكمام الطوال العرض، ولا الُبرد الحرير، ولا شيئاً من اللباسات والثياب الثمينة، ولا الأقمشة القصار، وبلغنا أنهم بالديار المصرية شددوا في ذلك جداً، حتى قيل‏:‏ إنهم غرقوا بعض النساء بسبب ذلك فالله أعلم‏.‏

وجددت وأكملت في أول هذه السنة دار قرآن قبلي تربة امرأة تنكز، بمحلة باب الخواصين حولها، وكانت قاعة صورة مدرسة الطواشي صفي الدين عنبر، مولى ابن حمزة، وهو أحد الكبار الأجواد، تقبل الله منه‏.‏

وفي يوم الأحد خامس شهر جمادى الأولى فتحت المدرسة الطيبانية التي كانت داراً للأمير سيف الدين طيبان بالقرب من الشامية الجوانية، بينها وبين أم الصالح، اشتريت من ثلثه الذي وصى به‏.‏

وفُتحت مدرسة وحوّل لها شباك إلى الطريق في ضفتها القبلية منها، وحضر الدرس بها في هذا اليوم الشيخ عماد الدين بن شرف الدين ابن عم الشيخ كمال الدين بن الزملكاني بوصية الواقف له بذلك، وحضر عنده قاضي القضاة السبكي والمالكي وجماعة من الأعيان، وأخذ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا‏}‏ الآية ‏[‏فاطر‏:‏2‏]‏‏.‏

واتفق في ليلة الأحد السادس والعشرين من جمادى الأولى أنه لم يحضر أحد من المؤذنين على السدة في جامع دمشق وقت إقامة الصلاة للمغرب سوى مؤذن واحد، فانتظر من يقيم معه الصلاة فلم يجيء أحد غيره مقدار درجة أو أزيد منها، فأقام هو الصلاة وحده‏.‏

فلما أحرم الإمام بالصلاة تلاحق المؤذنون في أثناء الصلاة حتى بلغوا دون العشرة، وهذا أمر غريب من عدة ثلاثين مؤذن أو أكثر، لم يحضر سوى مؤذن واحد، وقد أخبر خلق من المشايخ أنهم لم يروا نظير هذه الكائنة‏.‏

وفي يوم الاثنين سابع عشر جمادى الآخرة اجتمع القضاة بمشهد عثمان، وكان الفاضل الحنبلي قد حكم في دار المعتمد الملاصقة لمدرسة الشيخ أبي عمر يلبغا، وكانت وقفاً، لتضاف إلى دار القرآن، ووقف عليها أوقاف للفقراء، فمنعه الشافعي من ذلك، من أجل أنه يؤول أمرها أن تكون دار حديث ثم فتحوا باباً آخر وقالوا‏:‏ هذه الدار لم يستهدم جميعها، وما صادف الحكم محلاً، لأن مذهب الإمام أحمد أن الوقف يباع إذا استهدم بالكلية، ولم يبق ما ينتفع به، فحكم القاضي الحنفي بإثباتها وقفاً كما كانت، ونفذه الشافعي والمالكي، وانفصل الحال على ذلك، وجرت أمور طويلة وأشياء عجيبة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14 /270‏)‏

وفي يوم الأربعاء السابع والعشرين من جمادى الآخرة أصبح بواب المدرسة المستجدة التي يقال لها‏:‏ الطيبانية إلى جانب أم الصالح مقتولاً مذبوحاً، وقد أخذت من عنده أموال من المدرسة المذكورة ولم يطلع على فاعل ذلك، وكان البواب رجلاً صالحاً مشكوراً رحمه الله‏.‏

 ترجمة الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية

وفي ليلة الخميس ثالث عشر رجب وقت أذان العشاء توفي صاحبنا الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي، إمام الجوزية، وابن قيمها، وصلّي عليه بعد صلاة الظهر من الغد بالجامع الأموي، ودفن عند والدته بمقابر الباب الصغير رحمه الله‏.‏

ولد في سنة إحدى وتسعين وستمائة، وسمع الحديث، واشتغل بالعلم، وبرع في علوم متعددة، لا سيما علم التفسير والحديث والأصلين‏.‏

ولما عاد الشيخ تقي الدين بن تيمية من الديار المصرية في سنة ثنتي عشرة وسبعمائة لازمه إلى أن مات الشيخ فأخذ عنه علماً جماً، مع ما سلف له من الاشتغال، فصار فريداً في بابه في فنون كثيرة، مع كثرة الطلب ليلاً ونهاراً، وكثرة الابتهال‏.‏

وكان حسن القراءة والخلق، كثير التودد لا يحسد أحداً ولا يؤذيه، ولا يستعيبه ولا يحقد على أحد، وكنت من أصحب الناس له، وأحب الناس إليه، ولا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه، وكانت له طريقة في الصلاة يطيلها جداً ويمد ركوعها وسجودها، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان، فلا يرجع ولا ينزع عن ذلك رحمه الله‏.‏

وله من التصانيف الكبار والصغار شيءٌ كثير، وكتب بخطه الحسن شيئاً كثيراً، واقتنى من الكتب ما لا يتهيأ لغيره تحصيل عشره من كتب السلف والخلف، وبالجملة كان قليل النصير في مجموعه وأموره وأحواله، والغالب عليه الخير والأخلاق الصالحة، سامحه الله ورحمه‏.‏

وقد كان متصدياً للإفتاء بمسألة الطلاق التي اختارها الشيخ تقي الدين بن تيمية، وجرت بسببها فصول يطول بسطها مع قاضي القضاة تقي الدين السبكي وغيره، وقد كانت جنازته حافلة رحمه الله، شهدها القضاة والأعيان والصالحون من الخاصة والعامة، وتزاحم الناس على حمل نعشه، وكمل له من العمر ستون سنة رحمه الله‏.‏

وفي يوم الاثنين ثاني عشر شهر شعبان ذكر الدرس بالصدرية شرف الدين عبد الله بن الشيخ الإمام العلامة شمس الدين بن قيم الجوزية عوضاً عن أبيه رحمه الله فأفاد وأجاد، وسرد طرفاً صالحاً في فضل العلم وأهله، انتهى والله تعالى أعلم‏.‏

ومن العجائب والغرائب التي لم يتفق مثلها ولم يقع من نحو مائتي سنة وأكثر، أنه بطل الوقيد بجامع دمشق في ليلة النصف من شعبان، فلم يزد في وقيده قنديل واحد على عادة لياليه في سائر السنة ولله الحمد والمنة‏.‏

وفرح أهل العلم بذلك، وأهل الديانة، وشكروا الله تعالى على تبطيل هذه البدعة الشنعاء، التي كان يتولد بسببها شرور كثيرة بالبلد، والاستيجار بالجامع الأموي، وكان ذلك بمرسوم السلطان الملك الناصر حسن بن الملك النصار محمد بن قلاوون خلد الله ملكه، وشيد أركانه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/271‏)‏

وكان الساعي لذلك بالديار المصرية الأمير حسام الدين أبو بكر بن النجيبي بيض الله وجهه، وقد كان مقيماً في هذا الحين بالديار المصرية، وقد كنت رأيت عنده فتيا عليها خط الشيخ تقي الدين بن تيمية، والشيخ كمال الدين بن الزملكاني، وغيرهما في إبطال هذه البدعة، فأنفذ الله ذلك والله الحمد والمنة‏.‏

وقد كانت هذه البدعة قد استقرت بين أظهر الناس من نحو سنة خمسين وأربعمائة وإلى زماننا هذا، وكم سعى فيها من فقيه، وقاضٍ، ومفتٍ، وعالم، وعابد، وأمير، وزاهد، ونائب سلطنة وغيرهم ولم ييسر الله ذلك إلا في عامنا هذا، والمسؤول من الله إطالة عمر هذا السلطان، ليعلم الجهلة الذين استقر في أذهانهم إذا أبطل هذا الوقيد في عام يموت سلطان الوقت، وكان هذا لا حقيقة له ولا دليل عليه إلا مجرد الوهم والخيال‏.‏

وفي مستهل شهر رمضان اتفق أمر غريب لم يتفق مثله من مدة متطاولة، فيما يتعلق بالفقهاء والمدارس، وهو أنه كان قد توفي ابن الناصح الحنبلي بالصالحية، وكان بيده نصف تدريس الضاحية التي للحنابلة بالصالحية، والنصف الآخر للشيخ شرف الدين ابن القاضي شرف الدين الحنبلي شيخ الحنابلة بدمشق، فاستنجز مرسوماً بالنصف الآخر‏.‏

وكانت بيده ولاية متقدمة من القاضي علاء الدين بن المنجا الحنبلي، فعارضه في ذلك قاضي القضاة جمال الدين المرداوي الحنبلي، وولى فيها نائبه شمس الدين بن مفلح، ودرّس بها قاضي القضاة في صدر هذا اليوم، فدخل القضاة الثلاثة الباقون ومعهم الشيخ شرف الدين المذكور إلى نائب السلطنة، وأنهوا إليه صورة الحال، فرسم له بالتدريس‏.‏

فركب القضاة المذكورون وبعض الحجاب في خدمته إلى المدرسة المذكورة، واجتمع الفضلاء والأعيان، ودرس الشيخ شرف الدين المذكور، وبث فضائل كثيرة، وفرح الناس‏.‏

وفي شوال كان في جملة من توجه إلى الحج في هذا العام نائب الديار المصرية ومدبر ممالكها الأمير سيف الدين يلبغا الناصري، ومعه جماعة من الأمراء، فلما استقل الناس ذاهبين نهض جماعة من الأمراء على أخيه الأمير سيف الدين منجك، وهو وزير المملكة، وأستاذ دار الاستادارية، وهو باب الحوائج في دولتهم، وإليه يرحل ذوو الحاجات بالذهب والهدايا، فأمسكوه وجاءت البريدية إلى الشام في أواخر هذا الشهر بذلك‏.‏

وبعد أيام يسيرة وصل الأمير سيف الدين شيخون، وهو من أكابر الدولة المصرية تحت الترسيم، فأدخل إلى قلعة دمشق، ثم أخذ منها بعد ليلة فذهب به إلى الإسكندرية فالله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/272‏)‏

وجاء البريد بالاحتياط على ديوانه وديوان منجك بالشام وأيس من سلامتهما، وكذلك وردت الأخبار بمسك يلبغا في أثناء الطريق، وأرسل سيفه إلى السلطان، وقدم أمير من الديار المصرية فحلف الأمراء بالطاعة إلى السلطان، وكذلك سار إلى حلب فحلف من بها من الأمراء ثم عاد راجعاً إلى الديار المصرية، وحصل له من الأموال شيءٌ كثير من النواب والأمراء‏.‏

وفي يوم الخميس العشرين من ذي القعدة مسك الأميران الكبيران الشاميان المقدمان‏:‏ شهاب الدين أحمد بن صبح، وملك آص، من دار السعادة بحضرة نائب السلطنة والأمراء ورفعا إلى القلعة المنصورة، سير بهما ماشيين من دار السعادة إلى باب القلعة من ناحية دار الحديث، وقيدا وسجنا بها، وجاء الخبر بأن السلطان استوزر بالديار المصرية القاضي علم الدين زينور، وخلع عليه خلعة سنية، لم يسمع بمثلها من أعصار متقادمة، وباشر وخلع على الأمراء والمقدمين، وكذلك خلع على الأمير سيف الدين طسبغا وأعيد إلى مباشرة الدويدارية بالديار المصرية، وجعل مقدماً‏.‏

وفي أوائل شهر ذي الحجة اشتهر أن نائب صفد، شهاب الدين أحمد بن مشد الشربخانات طلب إلى الديار المصرية فامتنع من إجابة الداعي، ونقض العهد، وحصن قلعتها، وحصل فيها عدداً ومدداً، وادخر أشياء كثيرة بسبب الإقامة بها والامتناع فيها، فجاءت البريدية إلى نائب دمشق بأن يركب هو وجميع جيش دمشق إليه، فتجهز الجيش لذلك وتأهبوا، ثم خرجت الأطلاب على راياتها، فلما برز منها بعض بدا لنائب السلطنة فردهم وكان له خبرة عظيمة، ثم استقر الحال على تجريد أربعة مقدمين بأربعة آلاف إليه‏.‏

وفي يوم الخميس ثاني عشره وقعت كائنة غريبة بمنى وذلك أنه اختلف الأمراء المصريون والشاميون مع صاحب اليمن الملك المجاهد، فاقتتلوا قتالاً شديداً قريباً من وادي محسر، ثم انجلت الوقعة عن أسر صاحب اليمن الملك المجاهد فحمل مقيداً إلى مصر، كذلك جاءت بها كتب الحجاج، وهم أخبروا بذلك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/273‏)‏

واشتهر في أواخر ذي الحجة‏:‏ أن نائب حلب الأمير سيف الدين أرغون الكاملي، قد خرج عنها بمماليكه وأصحابه، فرام الجيش الحلبي رده، فلم يستطيعوا ذلك، وجرح منهم جراحات كثيرة، وقتل جماعة فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

واستمر ذاهباً وكان في أمله فيما ذكر أن يتلقى سيف الدين يلبغا في أثناء طريق الحجاز فيتقدم معه إلى دمشق، وإن كان نائب دمشق قد اشتغل في حصار صفد أن يهجم عليها بغتة فيأخذها، فلما سار بمن معه وأخذته القطاع من كل جانب ونهبت حواصله وبقي تجريدة في نفر يسير من مماليكه، فاجتاز بحماه ليهربه نائبها فأبى عليه، فلما اجتاز بحمص وطن نفسه على المسير إلى السلطان بنفسه، فقدم به نائب حمص وتلقاه بعض الحجاب وبعض مقدمين الألوف، ودخل يوم الجمعة بعد الصلاة سابع عشرين الشهر، وهو في أبهة، فنزل بدار السعادة في بعض قاعات الدويدارية‏.‏انتهى‏.‏

 ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة

استهلت هذه السنة وسلطان البلاد الشامية والديار المصرية والحرمين الشريفين و ما يلحق بذلك من الأقاليم والبلدان، الملك الناصر حسن بن السلطان، الملك محمد بن السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي، ونائبه بالديار المصرية الأمير سيف الدين يلبغا الملقب بحارس الطير، وهو عوضاً عن الأمير سيف الدين يلبغا أروش الذي راح إلى بلاد الحجاز، ومعه جماعة من الأمراء بقصد الحج الشريف، فعزله السلطان في غيبته وأمسك على شيخون واعتقله، وأخذ منجك الوزير، وهو أستاذ دار ومقدم ألف، مصطفى أمواله، واعتاض عنه وولى مكانه في الوزارة القاضي علم الدين بن زينور، واسترجع إلى وظيفة الدويدارية الأمير سيف الدين طسبغا الناصري، وكان أميراً بالشام، مقيماً منذ عزل إلى أن أعيد في أواخر السنة كما تقدم‏.‏

وأما كاتب السر بمصر وقضاتها فهم المذكورون في التي قبلها‏.‏

واستهلت هذه السنة ونائب صفد قد حصن القلعة وأعد فيها عدتها وما ينبغي لها من الأطعمات والذخائر والعدد والرجال، وقد نابذ المملكة وحارب، وقد قصدته العساكر من كل جانب من الديار المصرية ودمشق وطرابلس وغيرها، والأخبار قد ضمنت عن يلبغا ومن معه ببلاد الحجاز ما يكون من أمره، ونائب دمشق في احتراز وخوف من أن يأتي إلى بلاد الشام فيدهمها بمن معه، والقلوب وجلة من ذلك، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/274‏)‏

وفيها ورد الخبر أن صاحب اليمن حج في هذه السنة فوقع بينه وبين صاحب مكة عجلان بسبب أنه أراد أن يولي عليها أخاه بعيثة، فاشتكى عجلان ذلك إلى أمراء المصريين وكبيرهم إذ ذاك الأمير سيف الدين بزلار ومعهم طائفة كثيرة، وقد أمسكوا أخاهم يلبغا وقيدوه، فقوي رأسه عليهم واستخف بهم، فصبروا حتى قضى الحج وفرغ الناس من المناسك‏.‏

فلما كان يوم النفر الأول يوم الخميس تواقفوا هم وهو فقتل من الفريقين خلقُ كثير، والأكثر من اليمنيين، وكانت الوقعة قريبة من وادي محسر، وبقي الحجيج خائفين أن تكون الدائرة على الأتراك فتنهب الأعراب أموالهم وربما قتلوهم، ففرج الله ونصر الأتراك على أهل اليمن ولجأ الملك المجاهد إلى جبل، فلم يعصمه من الأتراك بل أسروه ذليلاً حقيراً، وأخذوه مقيداً أسيراً وجاءت عوام الناس إلى اليمنيين فنهبوا شيئاً كثيراً، ولم يتركوا لهم جليلاً ولا حقيراً، ولا قليلاً ولا كثيراً‏.‏

واحتاط الأمراء على حواصل الملك وأمواله وأمتعته وأثقاله، وساروا بخيله وجماله، وأدلوا على صنديد من رحله ورجاله، واستحضروا معهم طفيلاً الذي كان حاصر المدينة النبوية في العام الماضي وقيدوه أيضاً، وجعلوا الغل في عنقه، واستاقوه كما يستاق الأسير في وثاقه مصحوباً بهمه وحتفه، وانشمروا عن تلك البلاد إلى ديارهم راجعين، وقد فعلوا فعلة تذكر بعدهم إلى حين‏.‏

ودخل الركب الشامي إلى دمشق يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من المحرم، على العادة المستمرة، والقاعدة المستقرة‏.‏

وفي هذا اليوم قدمت البريدية من تلقاء مدينة صفد مخبرة بأن الأمير شهاب الدين أحمد بن مشد الشرنجاتاه، الذي كان قد تمرد بها وطغى وبغى حتى استحوز عليها وقطع سببها وقتل الفرسان والرجالة، وملأها أطعمة وأسلحة، ومماليكه ورجاله، فعندما تحقق مسك يلبغا أروش خضعت تلك النفوس، وخمدت ناره وسكن شراره وحار بثاره، ووضح قراره، وأناب إلى التوبة والإقلاع، ورغب إلى السلامة والخلاص، وخشع ولات حين مناص‏.‏

وأرسل سيفه إلى السلطان، ثم توجه بنفسه على البريد إلى حضرة الملك الناصر، والله المسؤول أن يحسن عليه وأن يقبل بقلبه إليه‏.‏

وفي يوم الأحد خامس صفر قدم من الديار المصرية الأمير سيف الدين أرغون الكاملي معاداً إلى نيابة حلب، وفي صحبته الأمير سيف الدين طشبغا الدوادار بالديار المصرية، وهو زوج ابنة نائب الشام، فتلقاه نائب الشام وأعيان الأمراء، ونزل طشبغا الدوادار عند زوجته بدار منجى في محلة مسجد القصب التي كانت تعرف‏:‏ بدار حنين بن حندر، وقد جددت في السنة الماضية، وتوجها في الليلة الثانية من قدومها إلى حلب‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/275‏)‏

وفي يوم الأربعاء رابع عشر ربيع الأول اجتمع القضاة الثلاثة وطلبوا الحنبلي ليتكلموا معه فيما يتعلق بدار المعتمد التي بجوار مدرسة الشيخ أبي عمر، التي حكم بنقض وقفها وهدم بابها وإضافتها إلى دار القرآن المذكورة، وجاء مرسوم السلطان يوفق ذلك، وكان القاضي الشافعي قد أراد منعه من ذلك، فلما جاء مرسوم السلطان اجتمعوا لذلك، فلم يحضر القاضي الحنبلي، قال‏:‏ حتى يجيء نائب السلطنة‏.‏

ولما كان يوم الخميس خامس عشر ربيع الأول حضر القاضي حسين - ولد قاضي القضاة تقي الدين السبكي - عن أبيه مشيخة دار الحديث الأشرفية وقرئ عليه شيء كان قد خرجه له بعض المحدثين، وشاع في البلد أنه نزل له عنها، وتكلموا في ذلك كلاماً كثيراً، وانتشر القول في ذلك، وذكر بعضهم أنه نزل له عن الغزالية والعادلية، واستخلفه في ذلك، فالله أعلم‏.‏

وفي سحر ليلة الخميس خامس شهر جمادى الآخرة وقع حريق عظيم بالجوانيين في السوق الكبير، واحترقت دكاكين الفواخرة والمناجليين، وفرجة الغرابيل، وإلى درب القلى، ثم إلى قريب درب العميد، وصارت تلك الناحية دكاً بلقعاً، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

وجاء نائب السلطنة بعد الأذان إلى هناك ورسم بطفي النار، وجاء المتولي والقاضي الشافعي والحجاب، وشرع الناس في طفي النار، ولو تركوها لأحرقت شيئاً كثيراً، ولم يفقد فيما بلغنا أحد من الناس، ولكن هلك للناس شيءٌ كثير من المتاع والأثاث والأملاك وغير ذلك، واحترق للجامع من الرباع في هذا الحريق ما يساوي مائة ألف درهم‏.‏انتهى‏.‏والله أعلم‏.‏

 كائنة غريبة جداً

وفي يوم الأحد خامس عشر جمادى الأولى استسلم للقاضي الحنبلي جماعة من اليهود كان قد صدر منهم نوع استهزاء بالإسلام وأهله، فإنهم حملوا رجلاً منهم صفة ميت على نعش ويهللون كتهليل المسلمين أمام الميت ويقرأون‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ‏}‏ ‏[‏الإخلاص‏:‏ 1-4‏]‏‏.‏

فسمع بهم من بِحارتهم من المسلمين، فأخذوهم إلى ولي الأمر نائب السلطنة فدفعهم إلى الحنبلي فاقتضى الحال استسلامهم فأسلم يومئذ منهم ثلاثة، وتبع أحدهم ثلاثة أطفال، وأسلم في اليوم الثاني ثمانية آخرون فأخذهم المسلمون وطافوا بهم في الأسواق يهللون ويكبرون، وأعطاهم أهل الأسواق شيئاً كثيراً وراحوا بهم إلى الجامع فصلوا ثم أخذوهم إلى دار السعادة فاستطلقوا لهم شيئاً، ورجعوا وهم في ضجيج وتهليل وتقديس، وكان يوماً مشهوداً ولله الحمد والمنة‏.‏انتهى‏.‏والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/276‏)‏

 مملكة السلطان الملك الصالح صلاح الدين بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي

في العشر الأوسط من شهر رجب الفرد وردت البريدية من الديار المصرية بعزل السلطان الملك الناصر حسن بن الناصر بن قلاوون لاختلاف الأمراء عليه، واجتماعهم على أخيه الملك الصالح، وأمه صالحة بنت ملك الأمراء تنكز الذي كان نائب الشام مدة طويلة، وهو ابن أربع عشرة سنة، وجاءت الأمراء للحلف، فدقت البشائر، وزين البلد على العادة‏.‏

وقيل‏:‏ إن الملك الناصر حسن خنق ورجعت الأمراء الذين كانوا بإسكندرية مثل‏:‏ شيخون ومنجك وغيرهما، أرسلوا إلى يلبغا فجيء به من الكرك، وكان مسجوناً بها من مرجعه من الحج، فلما عاد إلى الديار المصرية شفع في صاحب اليمن الملك المجاهد الذي كان مسجوناً في الكرك فأخرج وعاد إلى الديار الحجازية‏.‏

وأما الأمراء الذين كانوا من ناحية السلطان حين مسك معارضة أمير أخوروميكلي بغا الفخري وغيرهما، فاحتيط عليهم وأرسلوا إلى الإسكندرية، وخطب للملك الصالح بجامع دمشق يوم الجمعة السابع عشر من شهر رجب وحضر نائب السلطنة والأمراء والقضاة للدعاء له بالمقصورة على العادة‏.‏

وفي أثناء العشر الأخير من رجب‏:‏ عزل نائب السلطنة سيف الدين أيتمش عن دمشق مطلوباً إلى الديار المصرية فسار إليها يوم الخميس‏.‏

وفي يوم الاثنين حادي عشر شعبان‏:‏ قدم الأمير سيف الدين أرغون الكاملي الذي كان نائباً على الديار الحلبية من هناك، فدخل دمشق في هذا اليوم في أبهة عظيمة، وخرج الأمراء والمقدمون وأرباب الوظائف لتلقيه إلى أثناء الطريق، منهم من وصل إلى حلب وحماه وحمص‏.‏

وجرى في هذا اليوم عجائب لم تر من دهور، واستبشر الناس به لصرامته وشهامته وحدته، وما كان من لين الذي قبله ورخاوته، فنزل دار السعادة على العادة‏.‏

وفي يوم السبت‏:‏ وقف في موكب هائل قيل‏:‏ إنه لم ير مثله من مدة طويلة، ولما سير إلى ناحية باب الفرج اشتكى إليه ثلاث نسوة على أمير كبير يقال له‏:‏ الطرخاين، فأمر بإنزاله عن فرسه فأنزل وأوقف معهن في الحكومة‏.‏

واستمر بطلان الوقيد في الجامع الأموي في هذا العام أيضاً كالذي قبله، حسب مرسوم السلطان الناصر حسن رحمه الله، ففرح أهل الخير بذلك فرحاً شديداً، وهذا شيء لم يعهد مثله من نحو ثلاثمائة سنة،ولله الحمد والمنة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/ 277‏)‏

ونودي في البلد في هذا اليوم والذي بعده عن النائب‏:‏ من وجد جندياً سكراناً فلينزله عن فرسه وليأخذ ثيابه، ومن أحضره من الجند إلى دار السعادة فله خبزه، ففرح الناس بذلك واحتجر على الخمارين والعصارين، ورخصت الأعتاب، وجادت الأخباز واللحم بعد أن كان بلغ كل رطل أربعة ونصفاً، فصار بدرهمين ونصف وأقل وأصلحت المعايش من هيبة النائب، وصار له صيت حسن، وذكر جميل في الناس بالعدل وجودة القصد وصحة الفهم وقوة العدل والإدراك‏.‏

وفي يوم الاثنين ثامن عشر شعبان‏:‏ وصل الأمير أحمد بن شاد الشريخاناه الذي كان قد عصى في صفد، وكان من أمره ما كان، فاعتقل بالإسكندرية ثم أخرج في هذه الدولة وأعطي نيابة حماه، فدخل دمشق في هذا اليوم سائراً إلى حماه، فركب مع النائب مع الموكب، وسير عن يمينه، ونزل في خدمته إلى دار السعادة ورحل بين يديه‏.‏

وفي يوم الخميس الحادي والعشرين منه‏:‏ دخل الأمير سيف الدين يلبغا الذي كان نائباً بالديار المصرية، ثم مسك بالحجاز وأودع الكرك، ثم أخرج في هذه الدولة وأعطى نيابة حلب، فتلقاه نائب السلطنة وأنزل دار السعادة حين أضافه‏.‏

ونزل وطاقه بوطأة برزة وضربت له خيمة بالميدان الأخضر‏.‏

 ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة

استهلت هذه السنة وسلطان الديار المصرية والبلاد الشامية والحرمين الشريفين وما يتبع ذلك الملك الصالح صلاح الدين، صالح بن السلطان الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون، والخليفة الذي يدعى له المعتضد بأمر الله، ونائب الديار المصرية الأمير سيف الدين قبلاي، وقضاة مصرهم المذكورون في التي قبلها‏.‏

والوزير القاضي ابن زنبور، وأولوا الأمر الذين يدبرون المملكة، فلا تصدر الأمور إلا عن آرائهم لصغر السلطان المذكور جماعة من أعيانهم ثلاثة‏:‏ سيف الدين شيخون، وطاز وحر عيمش، ونائب دمشق الأمير سيف الدين أرغون الكاملي، وقضاتها هم المذكورون في التي قبلها‏.‏

ونائب البلاد الحلبية الأمير سيف الدين يلبغا أروش، ونائب طرابلس الأمير سيف الدين بكلمش، ونائب حماه الأمير شهاب الدين أحمد بن مشد الشريخانة، ووصل بعض الحجاج إلى دمشق في تاسع الشهر - وهذا نادر - وأخبروا بموت المؤذن شمس الدين بن سعيد بعد منزلة العلاء في المدابغ‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14 /278‏)‏

وفي ليلة الاثنين سادس عشر صفر في هذه السنة وقع حريق عظيم عند باب جيرون شرقيه فاحترق به دكان القفاعي الكبيرة المزخرفة وما حولها، واتسع اتساعاً فظيعاً، واتصل الحريق بالباب الأصفر من النحاس، فبادر ديوان الجامع إليه فكشطوا ما عليه من النحاس، ونقلوه من يومه إلى خزانة الحاصل، بمقصورة الحلبية، بمشهد علي‏.‏

ثم عدوا عليه يكسرون خشبه بالفؤوس الحداد والسواعد الشداد، وإذا هو من خشب الصنوبر الذي في غاية ما يكون من القوة والثبات، وتأسف الناس عليه لكونه كان من محاسن البلد ومعالمه‏.‏

وله في الوجود ما ينيف عن أربعة آلاف سنة انتهى والله أعلم‏.‏

 ترجمة باب جيرون المشهور بدمشق

الذي كان هلاكه وذهابه وكسره في هذه السنة، وهو باب سر في جامع دمشق لم ير باب أوسع ولا أعلى منه، فيما يعرف من الأبنية في الدنيا، وله علمان من نحاس أصفر بمسامير نحاس أصفر أيضاً بارزة، من عجائب الدنيا، ومحاسن دمشق ومعالمها، وقد تم بناؤها‏.‏

وقد ذكرته العرب في أشعارها والناس وهو منسوب إلى ملك يقال له جيرون بن سعد بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وهو الذي بناه، وكان بناؤه له قبل الخليل عليه السلام، بل قبل ثمود وهود أيضاً، على ما ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخه وغيره‏.‏

وكان فوقه حصن عظيم، وقصر منيف، ويقال بل هو منسوب إلى اسم المارد الذي بناه لسليمان عليه السلام، وكان اسم ذلك المارد جيرون، والأول أظهر وأشهر، فعلى الأول‏:‏ يكون لهذا الباب من المدد المتطاولة ما يقارب خمسة آلاف سنة‏.‏

ثم كان انجعاف هذا الباب لا من تلقاء نفسه بل بالأيدي العادية عليه، بسبب ما ناله من شوط حريق اتصل إليه حريق وقع من جانبه في صبيحة ليلة الاثنين السادس عشر من صفر، سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة فتبادر ديوان الجامعية ففرقوا شمله وقضعوا ثمله، وعروا جلده النحاس عن بدنه الذي هو من خشب الصنوبر، الذي كأن الصانع قد فرغ منه يومئذ‏.‏

وقد شاهدت الفؤوس تعمل فيه ولا تكاد تحيل فيه إلا بمشقة، فسبحان الذي خلق الذين بنوه أولاً، ثم قدر أهل هذا الزمان على أن هدموه بعد هذه المدد المتطاولة، والأمم المتداولة، ولكن لكل أجل كتاب، ولا إله إلا رب العباد‏.‏

بيان تقدم مدة هذا الباب وزيادتها على مدة أربعة آلاف سنة بل يقارب الخمسة

ذكر الحافظ ابن عساكر في أول تاريخه‏:‏ باب بناء دمشق بسنده عن القاضي يحيى بن حمزة التبلهي الحاكم بها في الزمن المتقدم، وقد كان هذا القاضي من تلاميذ ابن عمر والأوزاعي، قال‏:‏ لما فتح عبد الله بن علي دمشق بعد حصارها - يعني وانتزعها من أيدي بني أمية وسلبهم ملكهم - هدموا سور دمشق فوجدوا حجراً مكتوباً عليه باليونانية‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/279‏)‏

فجاء راهب فقرأه لهم، فإذا هو مكتوب عليه‏:‏ ويك أرم الجبابرة من رأمك بسوء قصمه الله، إذا وهي منك جيرون الغربي من باب البريد وتلك من خمسة أعين ينقض سورك على يديه، بعد أربعة آلاف سنة تعيشين رغداً، فإذا وهى منك جيرون الشرقي أؤمل لك ممن يعوض لك‏.‏

قال‏:‏ فوجدنا الخمسة أعين عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، عين بن عين بن عين بن عين بن عين، فهذا يقتضي أنه كان بسورها سنيناً إلى حين إخرابه على يد عبد الله بن علي أربعة آلاف سنة، وقد كان إخرابه له في سنة ثنتين وثلاثين ومائة كما ذكرنا في التاريخ الكبير، فعلى هذا يكون لهذا الباب إلى يوم خرب من هذه السنة - أعني سنة ثنتين وثلاثين ومائة - أربعة آلاف وستمائة وإحدى وعشرين سنة، والله أعلم‏.‏

وقد ذكر ابن عساكر عن بعضهم أن نوحاً عليه السلام هو الذي أسس دمشق بعد حران وذلك بعد مضي الطوفان، وقيل‏:‏ بناها دمسغس غلام ذي القرنين عن إشارته، وقيل‏:‏ عاد الملقب بدمشيق وهو غلام الخليل، وقيل‏:‏ غير ذلك من الأقوال، وأظهرها‏:‏ أنها من بناء اليونان، لأن محاريب معابدها كانت موجهة إلى القطب الشمالي‏.‏

ثم كان بعدهم النصارى فصلوا فيها إلى الشرق، ثم كان فيها بعدهم أجمعين أمة المسلمين فصلوا إلى الكعبة المشرفة‏.‏

وذكر ابن عساكر وغيره‏:‏ أن أبوابها كانت سبعة كل منها يتخذ عنده عيد لهيكل من الهياكل السبعة، فباب القمر‏:‏ باب السلامة، وكانوا يسمونه باب الفراديس الصغير، ولعطارد‏:‏ باب الفراديس الكبير، وللزهرة‏:‏ باب توما، وللشمس‏:‏ الباب الشرقي، وللمريخ‏:‏ باب الجابية، وللمشتري‏:‏ باب الجابية الصغير، ولزحل‏:‏ باب كيسان‏.‏

وفي أوائل شهر رجب الفرد اشتهر أن نائب حلب بيبغا أروش اتفق مع نائب طرابلس بكلمش، ونائب حلب أمير أحمد بن مشد الشريخانة على الخروج عن طاعة السلطان حتى يمسك شيخون وطاز، وهما عضدا الدولة بالديار المصرية، وبعثوا إلى نائب دمشق وهو الأمير سيف الدين أرغون الكاملي فأبى عليهم ذلك‏.‏

وكاتب إلى الديار المصرية بما وقع من الأمر، وانزعج الناس لذلك، وخافوا من غائلة هذا الأمر وبالله المتسعان‏.‏

ولما كان يوم الاثنين ثامن الشهر جمع نائب السلطنة الأمراء عنده بالقصر الأبلق واستحلفهم بيعة أخرى لنائب السلطنة الملك الصالح، فحلفوا واتفقوا على السمع والطاعة والاستمرار على ذلك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/280‏)‏

وفي ليلة الأربعاء سابع عشر رجب جاءت الجبلية الذين جمعوهم من البقاع لأجل حفظ ثنية العقاب من قدوم العساكر الحلبية، ومن معهم من أهل طرابلس وحماه، وكان هؤلاء الجبلية قريباً من أربعة آلاف، فحصل بسببهم ضرر كثير على أهل برزة وما جاورهم من الثمار وغيرها‏.‏

وفي يوم السبت العشرين منه ركب نائب السلطنة سيف الدين أرغون ومعه الجيوش الدمشقية قاصدين ناحية الكسوة ليلاً يقاتلون المسلمين ولم يبق في البلد من الجند أحد، وأصبح الناس وليس لهم نائب ولا عسكر، وخلت الديار منهم، ونائب الغيبة الأمير سيف الدين الجي بغا العادلي‏.‏

وانتقل الناس من البساتين ومن طرف العقيبة وغيرها إلى المدينة، وأكثر الأمراء نقلت حواصلهم وأهاليهم إلى القلعة المنصورة، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

ولما اقترب دخول الأمير بيبغا بمن معه انزعج الناس وانتقل أهل القرى الذين في طريقه، وسرى ذلك إلى أطراف الصالحية والبساتين وحواضر البلد، وغلقت أبواب البلد إلى ما يلي القلعة، كباب النصر، وباب الفرج، وكذا باب الفراديس‏.‏

وخلت أكثر المحال من أهاليهم، ونقلوا حوائجهم وحواصلهم وأنعامهم إلى البلد على الدواب والحمالين، وبلغهم أن أطراف الجيش انتهبوا ما في القرايا في طريقهم من الشعير والتبن وبعض الأنعام للأكل‏.‏

وربما وقع فساد غير هذا من بعض الجهلة، فخاف الناس كثيراً وتشوشت خواطرهم انتهى‏.‏

 دخول بيبغا أروش إلى دمشق

ولما كان يوم الأربعاء الرابع والعشرين من رجب دخل الأمير سيف الدين بيبغا أروش نائب حلب إلى دمشق المحروسة بمن معه من العساكر الحلبية وغيرهم وفي صحبته نائب طرابلس الأمير سيف الدين بكلمش، ونائب حماه الأمير شهاب الدين أحمد، ونائب صفد الأمير علاء الدين طيبغا، ملقب برتاق‏.‏

وكان قد توجه قبله، قيل‏:‏ بيوم، ومعه نواب قلاع كثيرة من بلاد حلب وغيرها، في عدد كثير من الأتراك والتركمان، فوقف في سوق الخيل مكان نواب السلطان تحت القلعة، واستعرض الجيوش الذين وفدوا معه هنالك، فدخلوا في تجمل كثير، ملبسين، وكان عدة من كان معه من أمراء الطبلخانات قريباً من ستين أميراً أو يزيدون أو ينقصون، على ما استفاض عن غير واحد ممن شاهد ذلك‏.‏

ثم سار قريباً من الزوال للمخيم الذي ضرب له قبل مسجد القدم عند قبة يلبغا، عند الجدول الذي هنالك، وكان يوماً مشهوداً هائلاً، لما عاين الناس من كثرة الجيوش والعدد، وعذر كثير من الناس صاحب دمشق في ذهابه بمن معه لئلا يقابل هؤلاء‏.‏

فنسأل الله أن يجمع قلوبهم على ما فيه صلاح المسلمين‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 14/281‏)‏

وقد أرسل إلى نائب القلعة وهو الأمير سيف الدين إباجي يطلب منه حواصل أرغون التي عنده، فامتنع عليه أيضاً، وقد حصن القلعة وسترها وأرصد فيها الرجال والرماة والعدد، وهيأنها بعض المجانيق ليبعد بها فوق الأبرجة، وأمر أهل البلد أن لا يفتحوا الدكاكين ويغلقوا الأسواق، وجعل يغلق أبواب البلد إلا باباً أو بابين منها‏.‏

واشتد حنق العسكر عليه، وهموا بأشياء كثيرة من الشر، ثم يرعوون عن الناس والله المسلم، غير أن إقبال العسكر وأطرافه قد عاثوا فيما جاوروه من القرايا والبساتين والكروم والزروع فيأخذون ما يأكلون وتأكل دوابهم، وأكثر من ذلك فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

ونهبت قرايا كثيرة وفجروا بنساء وبنات، وعظم الخطب، وأما التجار ومن يذكر بكثرة مال فأكثرهم مختفٍ لا يظهر لما يخشى من المصادرة، نسأل الله أن يحسن عاقبتهم‏.‏

واستهل شهر شعبان وأهل البلد من خوف شديد، وأهل القرايا والحواضر في نقلة أثاثهم وأبقارهم ودوابهم وأبنائهم ونسائهم، وأكثر أبواب البلد مغلقة سوى بابي الفراديس والجابية، وفي كل يوم نسمع بأمور كثيرة من النهب للقرايا والحواضر، حتى انتقل كثير من أهل الصالحية أو أكثرهم، وكذلك من أهل العقبية وسائر حواضر البلد، فنزلوا عند معارفهم وأصحابهم، ومنهم من نزل على قارعة الطريق بنسائهم وأولادهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏

وقال كثير من المشايخ الذين أدركوا زمن قازان‏:‏ إن هذا الوقت كان أصعب من ذلك لما ترك الناس من ورائهم من الغلات والثمار التي هي عمدة قوتهم في سنتهم‏.‏

وأما أهل البلد ففي قلق شديد أيضاً لما يبلغهم عنهم من الفجور بالنساء، ويجعلون يدعون عقيب الصلوات عليهم يصرحون بأسمائهم ويعنون بأسماء أمرائهم وأتباعهم ونائب القلعة الأمير سيف الدين إباجي في كل وقت يسكن جأش الناس ويقوي عزمهم ويبشرهم بخروج العساكر المنصورة من الديار المصرية صحبة السلطان إلى بلاد غزة حيث الجيش الدمشقي، ليجيئوا كلهم في خدمته وبين يديه‏.‏

وتدق البشائر فيفرح الناس ثم تسكن الأخبار وتبطل الروايات فتقلق ويخرجون في كل يوم وساعة في تجمل عظيم ووعد وهيآت حسنة‏.‏

ثم جاء السلطان أيده الله تعالى وقد ترجل الأمراء بين يديه من حين بسط له عند مسجد الدبان إلى داخل القلعة المنصورة، وهو لابس قباء أحمر له قيمته على فرس أصيلة مؤدبة معلمة المشي على القوس لا تحيد عنه، وهو حسن الصورة مقبول الطلعة، عليه بهاء المملكة والرياسة، والخز فوق رأسه يحمله بعض الأمراء الأكابر‏.‏

وكلما عاينه من عاينه من الناس يبتلهون بالدعاء بأصوات عالية، والنساء بالزغرطة، وفرح الناس فرحاً شديداً، وكان يوماً مشهوداً، وأمراً حميداً، جعله الله مباركاً على المسلمين‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/282‏)‏

فنزل بالقلعة المنصورة، وقد قدم معه الخليفة المعتضد أبو الفتح بن أبي بكر المستكفي بالله أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد، وكان راكباً إلى جانبه من ناحية اليسار، ونزل بالمدرسة الدماغية في أواخر هذا اليوم سائر الأمراء مع نائب الشام، ومقدمهم طاز وشيخون في طلب بيبغا ومن معه من البغاة المفسدين‏.‏

وفي يوم الجمعة ثانيه حضر السلطان أيده الله إلى الجامع الأموي وصلّى فيه الجمعة بالمشهد الذي يصلّي فيه نواب السلطان أيده الله، فكثر الدعاء والمحبة له ذاهباً وآيباً تقبل الله منه، وكذلك فعل الجمعة الأخرى وهي تاسع الشهر‏.‏

وفي يوم السبت عاشره اجتمعنا يقول الشيخ عماد الدين بن كثير المصنف رحمه الله، بالخليفة المعتضد بالله أبي الفتح بن أبي بكر بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد‏.‏

وسلمنا عليه وهو نازل بالمدرسة الدماغية، داخل باب الفرج وقرأت عنده جزءاً فيه ما رواه أحمد بن حنبل عن محمد بن إدريس الشافعي في مسنده، وذلك عن الشيخ عز الدين بن الضيا الحموي بسماعه من ابن البخاري، وزينب بنت مكي عن أحمد بن الحصين عن ابن المذهب عن أبي بكر بن مالك عن عبد الله بن أحمد عن أبيه فذكرهما، والمقصود أنه شاب حسن الشكل مليح الكلام متواضع جيد الفهم حلو العبارة رحم الله سلفه‏.‏

وفي رابع عشره قدم البريد من بلاد حلب بسيوف الأمراء الممسوكين من أصحاب بيبغا‏.‏

وفي يوم الخميس خامس عشره نزل السلطان الملك الصالح من الطارمة إلى القصر الأبلق في أبهة المملكة، ولم يحضر يوم الجمعة إلى الصلاة، بل اقتصر على الصلاة بالقصر المذكور‏.‏

وفي يوم الجمعة باكر النهار دخل الأمير سيف الدين شيخون وطار بمن معهما من العساكر من بلاد حلب، وقد فات تدارك بيبغا وأصحابه لدخولهم بلاد زلغادر التركماني بمن بقي معهم، وهم القليل، وقد أسر جماعة من الأمراء الذين كانوا معه، وهم في القيود والسلاسل صحبة الأميرين المذكورين، فدخلا على السلطان وهو بالقصر الأبلق فسلما عليه وقبّلا الأرض وهنآه بالعيد‏.‏

ونزل طاز بدار أيتمش بالشرق الشمالي، ونزل شيخون بدار إياس الحاجب بالقرب من الظاهرية البرانية، ونزل بقية الجيش في أرجاء البلد‏.‏

وأما الأمير سيف الدين أرغون فأقام بحلب نائباً عن سؤاله إلى ما ذكر، وخوطب في تقليده بألقاب هائلة، ولبس خلعة سنية، وعظم تعظيماً زائداً، ليكون هناك إلباً على بيبغا وأصحابه لشدة ما بينهما من العداوة‏.‏

ثم صلّى السلطان بمن معه من المصريين ومن انضاف إليهم من الشاميين صلاة عيد الفطر بالميدان الأخضر، وخطب بهم القاضي تاج الدين المناوي المصري، قاضي العسكر المصري بمرسوم السلطان وذويه، وخلع عليه‏.‏انتهى والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 14/ 283‏)‏

 قتل الأمراء السبعة من أصحاب بيبغا

وفي يوم الاثنين ثالث شوال قبل العصر ركب السلطان من القصر إلى الطارمة وعلى رأسه القبة والطير يحملهما الأمير بدر الدين بن الخطير، فجلس في الطارمة ووقف الجيش بين يديه تحت القلعة وأحضروا الأمراء الذين قدموا بهم من بلاد حلب، فجعلوا يوقفون الأمير منهم ثم يشاورون عليه فمنهم‏:‏ من يشفع فيه، ومنهم‏:‏ من يؤمر بتوسيطه، فوسّط سبعة‏:‏ خمس طبلخانات ومقدما ألف، منهم‏:‏ نائب صفد برناق وشفع في الباقين فردوا إلى السجن، وكانوا خمسة آخرين‏.‏

وفي يوم الأربعاء خامسه مسك جماعة من أمراء دمشق سبعة وتحولت دول كثيرة، وتأمر جماعة من الأجناد وغيرهم انتهى‏.‏

 خروج السلطان من دمشق متوجهاً إلى بلاد مصر

وفي يوم الجمعة سابع شوال ركب السلطان في جيشه من القصر الأبلق قاصداً لصلاة الجمعة بالجامع الأموي، فلما انتهى إلى باب النصر ترجل الجيش بكماله بين يديه مشاة، وذلك في يوم شاتٍ كثير الوحل فصلّى بالمقصورة إلى جانب المصحف العثماني، وليس معه في الصف الأول أحد، بل بقية الأمراء خلفه صفوف، فسمع خطبة الخطيب‏.‏

ولما فرغ من الصلاة قرئ كتاب بإطلاق أعشار الأوقاف، وخرج السلطان بمن معه من باب النصر، فركب الجيش واستقل ذاهباً نحو الكسوة بمن معه من العساكر المنصورة، مصحوبين بالسلامة والعافية المستمرة‏.‏

وخرج السلطان وليس بدمشق نائب سلطنة، وبها الأمير بدر الدين بن الخطير هو الذي يتكلم في الأمور نائب غيبة، حتى يقدم إليها نائبها ويتعين لها، وجاءت الأخبار بوصول السلطان إلى الديار المصرية سالماً، ودخلها في أبهة عظيمة في أواخر ذي القعدة، وكان يوماً مشهوداً، وخلع على الأمراء كلهم ولبس خلعة نيابة الشام الأمير علاء الدين المارداني، ومسك الأمير علم الدين بن زنبور وتولية الوزارة الصاحب موفق الدين‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/284‏)‏

وفي صبيحة يوم السبت خامس ذي الحجة دخل الأمير علاء الدين علي الجمدار من الديار المصرية إلى دمشق المحروسة في أبهة هائلة، وموكب حافل مستولياً نيابة بها، وبين يديه الأمراء على العادة، فوقف عند تربة بهادرآص حتى استعرض عليه الجيش فلحقهم، فدخل دار السعادة فنزلها على عادة النواب قبله، جعله الله وجهاً مباركاً على المسلمين‏.‏

وفي يوم السبت ثالث عشره قدم دوادار السلطان الأمير عز الدين مغلطاي من الديار المصرية فنزل القصر الأبلق، ومن عزمه الذهاب إلى البلاد الحلبية ليجهز الجيوش نحو بيبغا وأصحابه انتهى والله تعالى أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة أربع وخمسين وسبعمائة

استهلت هذه السنة وسلطان الإسلام بالديار المصرية والبلاد الشامية والمملكة الحلبية وما والاها والحرمين الشريفين الملك الصالح صلاح الدين صالح بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي، ونائبه بالديار المصرية الأمير سيف الدين قبلاي، والمشار إليهم في تدبير المملكة الأمراء سيف الدين شيخون، وسيف الدين طاز، وسيف الدين صرغتمش الناصري‏.‏

وقضاة القضاة وكاتب السر هناك هم المذكورون في السنة الماضية، ونائب حلب الأمير سيف الدين أرغون الكاملي، لأجل مقاتلة أولئك الأمراء الثلاثة بيبغا وأمير أحمد وبكلمش الذين فعلوا ما ذكرنا في رجب من السنة الماضية‏.‏

ثم لجأوا إلى بلاد البلبيسين في خفارة زلغادر التركماني، ثم إنه احتال عليهم من خوفه من صاحب مصر وأسلمهم إلى قبضة نائب حلب المذكور، ففرح المسلمون بذلك فرحاً شديداً، ولله الحمد والمنة، ونائب طرابلس الأمير سيف الدين أيتمش الذي كان نائب دمشق كما ذكرنا، تقلبت به الأحوال حتى استنيب في طرابلس حين كان السلطان بدمشق كما تقدم‏.‏

واستهلت هذه السنة وقد تواترت الأخبار بأن الأمراء الثلاثة بيبغا وبكلمش وأمير أحمد قد حصلوا في قبضة نائب حلب الأمير سيف الدين أرغون، وهم مسجونون بالقلعة بها، ينتظر ما يرسم به فيهم، وقد فرح المسلمون بذلك فرحاً شديداً‏.‏

وفي يوم السبت سابع عشر المحرم وصل إلى دمشق الأمير عز الدين مغلطاي الدويدار عائداً من البلاد الحلبية، وفي صحبته رأس بيبغا الباغي أمكن الله منه بعد وصول صاحبيه بكلمش الذي كان نائباً بطرابلس، وأمير أحمد الذي كان نائب حماه فقطعت رؤوسهما بحلب بين يدي نائبها سيف الدين أرغون الكاملي، وسيرت إلى مصر‏.‏

ولما وصل بيبغا بعدهما فعل به كفعلهما جهرة بعد العصر بسوق الخيل بين يدي نائب السلطنة والجيش برمته والعامة على الأحاجير يتفرجون ويفرحون بمصرعه، وسر المسلمون كلهم ولله الحمد والمنة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/285‏)‏

وفي يوم الجمعة الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول أقيمت جمعة جديدة بمحلة الشاغور بمسجد هناك يقال له مسجد المزار، وخطب فيه جمال الدين عبد الله بن الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية، ثم وقع في ذلك كلام فأفضى الحال أن أهل المحلة ذهبوا إلى سوق الخيل يوم موكبه، وحملوا سناجق خليفتين من جامعهم ومصاحف واشتملوا إلى نائب السلطنة وسألوا منه أن تستمر الخطبة عندهم، فأجابهم إلى ذلك في الساعة الراهنة، ثم وقع نزاع في جواز ذلك، ثم حكم القاضي الحنبلي لهم بالاستمرار، وجرت خطوب طويلة بعد ذلك‏.‏

وفي يوم الأحد سابع ربيع الآخر توفي الأمير الكبير سيف الدين ألجي بغا العادلي، ودفن بتربته التي كان أنشأها قديماً ظاهر باب الجابية، وهي مشهورة تعرف به، وكان له في الإمرة قريباً من ستين سنة، وقد كان أصابه في نوبة أرغون شاه وقضيته ضربة أصابت يده اليمنى، واستمر مع ذلك على إمرته وتقدمته محترماً معظماً إلى أن توفي رحمه الله تعالى عليه‏.‏

 ذكر أمر غريب جداً

لما ذهبت لتهنئة الأمير ناصر الدين بن الأقوس بنيابة بعلبك وجدت هنالك شاباً فذكر لي من حضر أن هذا هو الذي كان أنثى ثم ظهر له ذكر، وقد كان أمره اشتهر ببلاد طرابلس، وشاع بين الناس بدمشق وغير ذلك، وتحدث الناس به‏.‏

فلما رأيته وعليه قبعة تركية استدعيته إليّ وسألته بحضرة من حضر، فقلت له‏:‏ كيف كان أمرك‏؟‏ فاستحيى وعلاه خجل يشبه النساء، فقال‏:‏ كنت امرأة مدة خمس عشرة سنة، وزوجوني بثلاثة أزواج لا يقدرون عليّ، وكلهم يطلق ثم اعترضني حال غريب فغارت ثدياي وصغرت، وجعل النوم يعتريني ليلاً ونهاراً‏.‏

ثم جعل يخرج من محل الفرج شيء قليل قليلاً، ويتزايد حتى برز شبه ذكر وأنثيان، فسألته أهو كبير أم صغير‏؟‏ فاستحيى ثم ذكر أنه صغير بقدر الأصبع، فسألته هل احتلم‏؟‏ فقال‏:‏ احتلم مرتين منذ حصل له ذلك‏.‏

وكان له قريباً من ستة أشهر إلى حين أخبرني، وذكر أنه يحسن صنعة النساء كلها من الغزل والتطريز والزركاش وغير ذلك، فقلت له ما كان اسمك وأنت على صفة النساء‏؟‏ فقال‏:‏ نفيسة، فقلت‏:‏ واليوم‏؟‏ فقال عبد الله، وذكر أنه لما حصل له هذا الحال كتمه عن أهله حتى عن أبيه، ثم عزموا على تزويجه على رابع فقال لأمه‏:‏ إن الأمر ما صفته كيت وكيت‏.‏

فلما اطلع أهله على ذلك أعلموا به نائب السلطنة هناك، وكتب بذلك محضراً واشتهر أمره، فقدم دمشق ووقف بين يدي نائب السلطنة بدمشق، فسأله فأخبره كما أخبرني، فأخذه الحاجب سيف الدين كحلن بن الأقوس عنده وألبسه ثياب الأجناد، وهو شاب حسن، على وجهه وسمته ومشيته وحديثه أنوثة النساء، فسبحان الفعال لما يشاء، فهذا أمر لم يقع مثله في العالم إلا قليلاً جداً‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 14/286‏)‏

وعندي أن ذكره كان غائراً في جوزة طير فأفرخا ثم لما بلغ ظهر قليلاً قليلاً، حتى تكامل ظهوره فتبينوا أنه كان ذكراً، وذكر لي أن ذكره برز مختوناً فسمى ختان القمر، فهذا يوجد كثيراً والله أعلم‏.‏

وفي يوم الثلاثاء خامس شهر رجب قدم الأمير عز الدين بقطية الدويدار من الديار الحلبية وخبر عما اتفق عليه العساكر الحلبية من ذهابهم مع نائبهم ونواب تلك الحصون وعساكر خلف بن زلغادر التركماني، الذي كان أعان بيبغا وذويه على خروجه على السلطان‏.‏

وقدم معه إلى دمشق وكان من أمره ما تقدم بسطه في السنة الماضية، وأنهم نهبوا أمواله وحواصله، وأسروا خلقاً من بنيه وذويه وحريمه، وأن الجيش أخذ شيئاً كثيراً من الأغنام والأبقار والرقيق والدواب والأمتعة وغير ذلك، وأنه لجأ إلى ابن أرطنا فاحتاط عليه واعتقله عنده، وراسل السلطان بأمره ففرح الناس براحة الجيش الحلبي وسلامته بعدما قاسوا شديداً وتعباً كثيراً‏.‏

وفي يوم الأربعاء ثالث عشره كان قدوم الأمراء الذين كانوا مسجونين بالإسكندرية من لدن عود السلطان إلى الديار المصرية، ممن كان اتهم بممالأة بيبغا أو خدمته، كالأمير سيف الدين ملك أجي، وعلاء الدين علي السيمقدار، وساطلمس الجلالي ومن معهم‏.‏

وفي أول شهر رمضان اتفق أن جماعة من المفتيين أفتوا بأحد قولي العلماء، وهما وجهان لأصحابنا الشافعية وهو جواز استعادة ما استهدم من الكنائس، فتعصب عليهم قاضي القضاة تقي الدين السبكي فقرعهم في ذلك ومنعهم من الإفتاء، وصنف في ذلك مصنفاً يتضمن المنع من ذلك سماه ‏(‏الدسائس في الكنائس‏)‏‏.‏

وفي خامس شهر رمضان قدم بالأمير أبو الغادر التركماني الذي كان مؤازراً لبيبغا في العام الماضي على تلك الأفاعيل القبيحة، وهو مضيق عليه، فأحضر بين يدي النائب ثم أودع القلعة المنصورة في هذا اليوم‏.‏

 ثم دخلت سنة خمس وخمسين وسبعمائة

استهلت هذه السنة وسلطان الديار المصرية والبلاد الشامية وما يتبع ذلك والحرمين الشريفين وما والاهما من بلاد الحجاز وغيرها الملك الصالح صلاح الدين بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي، وهو ابن بنت تنكز نائب الشام‏.‏

وكان في الدولة الناصرية، ونائبه بالديار المصرية الأمير سيف الدين قبلاي الناصري، ووزيره القاضي موفق الدين، وقضاة مصر هم المذكورون في العام الماضي، ومنهم قاضي القضاة عز الدين بن جماعة الشافعي‏.‏

وقد جاور في هذه السنة في الحجاز الشريف، والقاضي تاج الدين المناوي يسد المنصب عنه، وكاتب السر القاضي علاء الدين بن فضل الله العدوي، ومدبرو المملكة الأمراء الثلاثة سيف الدين شيخون، وصرغتمش الناصري والأمير الكبير الدوادار عز الدين مغلطاي الناصري‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/ 287‏)‏

ودخلت هذه السنة والأمير سيف الدين شيخون في الأحداث من مدة شهر أو قريب ونائب دمشق الأمير علاء الدين أمير علي المارداني، وقضاة دمشق هم المذكورون في التي قبلها، وناظر الدواوين الصاحب شمس الدين موسى بن التاج إسحاق، وكاتب السر القاضي ناصر الدين بن الشرف يعقوب، وخطيب البلد جمال الدين محمود بن جملة، ومحتسبه الشيخ علاء الدين الأنصاري، قريب الشيخ بهاء الدين بن إمام المشهد، وهو مدرّس الأمينية مكانه أيضاً‏.‏

وفي شهر ربيع الآخر قدم الأمير علاء الدين مغلطاي الذي كان مسجوناً بالإسكندرية ثم أفرج عنه، وقد كان قبل ذلك هو الدولة، وأمر بالمسير إلى الشام ليكون عند حمزة أيتمش نائب طرابلس‏.‏

وأما منجك الذي كان وزيره بالديار المصرية وكان معتقلاً بالإسكندرية مع مغلطاي، فإنه صار إلى صفد مقيماً بها بطالاً، كما أن مغلطاي أمر بالمقام بطرابلس بطالاً إلى حين يحكم الله عز وجل انتهى والله أعلم‏.‏

 نادرة من الغرائب

في يوم الاثنين السادس عشر من جمادى الأولى اجتاز رجل من الروافض من أهل الحلة بجامع دمشق وهو يسب أول من ظلم آل محمد، ويكرر ذلك لا يفتر، ولم يصل مع الناس ولا صلّى على الجنازة الحاضرة، على أن الناس في الصلاة، وهو يكرر ذلك ويرفع صوته به، فلما فرغنا من الصلاة نبهت عليه الناس فأخذوه وإذا قاضي القضاة الشافعي في تلك الجنازة حاضر مع الناس‏.‏

فجئت إليه واستنطقته من الذي ظلم آل محمد‏؟‏ فقال‏:‏ أبو بكر الصديق، ثم قال جهرة والناس يسمعون‏:‏ لعن الله أبا بكر وعمر وعثمان ومعاوية ويزيد، فأعاد ذلك مرتين فأمر، به الحاكم إلى السجن، ثم استحضره المالكي وجلده بالسياط، وهو مع ذلك يصرح بالسب واللعن والكلام الذي لا يصدر إلا عن شقي واسم هذا اللعين علي بن أبي الفضل بن محمد بن حسين بن كثير قبحه الله وأخزاه‏.‏

ثم لما كان يوم الخميس سابع عشره عقد له مجلس بدار السعادة وحضر القضاة الأربعة وطلب إلى هنالك فقدر الله أن حكم نائب المالكي بقتله، فأخذ سريعاً فضرب عنقه تحت القلعة وحرقه العامة وطافوا برأسه البلد ونادوا عليه هذا جزء من سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ناظرت هذا الجاهل بدار القاضي المالكي وإذا عنده شيء مما يقوله الرافضة الغلاة، وقد تلقى عن أصحاب ابن مطهر أشياء في الكفر والزندقة، قبحه الله وإياهم‏.‏

وورد الكتاب بإلزام أهل الذمة بالشروط العمرية‏.‏

وفي يوم الجمعة ثامن عشر رجب الفرد قرئ بجامع دمشق بالمقصورة بحضرة نائب السلطنة وأمراء الأعراب، وكبار الأمراء، وأهل الحل والعقد والعامة كتاب السلطان بإلزام أهل الذمة بالشروط العمرية‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/288‏)‏

وزيادات أخر‏:‏ منها أن لا يستخدموا في شيء من الدواوين السلطانية والأمراء ولا في شيء من الأشياء، وأن لا تزيد عمامة أحدهم عن عشرة أذرع ولا يركبوا الخيل ولا البغال ولكن الحمير بالأكف عرضاً، وأن لا يدخلوا إلا بالعلامات من جرس أو بخاتم نحاس أصفر، أو رصاص، ولا تدخل نساؤهم مع المسلمات الحمامات، وليكن لهن حمامات تختص بهن، وأن يكون إزار النصرانية من كتان أزرق، واليهودية من كتان أصفر، وأن يكون أحد خفيها أسود والآخر أبيض، وأن يحكم حكم مواريثهم على الأحكام الشرعية‏.‏

واحترقت باسورة باب الجابية في ليلة الأحد العشرين من جمادى الآخرة، وعدم المسلمون تلك الأطعمات والحواصل النافعة من الباب الجواني إلى الباب البراني‏.‏

وفي مستهل شهر رمضان عمل الشيخ الإمام العالم البارع شمس الدين - بن النقاش المصري الشافعي - ورد دمشق بالجامع الأموي تجاه محراب الصحابة، ميعاداً للوعظ واجتمع عنده خلق من الأعيان والفضلاء والعامة، وشكروا كلامه وطلاقة عبارته، من غير تلعثم ولا تخليط ولا توقف، وطال ذلك إلى قريب العصر‏.‏

وفي صبيحة يوم الأحد ثالثه صلّي بجامع دمشق بالصحن تحت النسر على القاضي كمال الدين حسين ابن قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي، ونائبه، وحضر نائب السلطنة الأمير علاء الدين علي، وقضاة البلد والأعيان والدولة كثير من العامة، وكانت جنازته محسودة، وحضر والده قاضي القضاة وهو يهادي بين رجلين، فظهر عليه الحزن والكآبة، فصلّى عليه إماماً، وتأسف الناس عليه لسماحة أخلاقه وانجماعه على نفسه لا يتعدى شره إلى غيره‏.‏

وكان يحكم جيداً نظيف العرض في ذلك، وكان قد درّس في عدة مدارس منها‏:‏ الشامية البرانية والعذراوية، وأفتى وتصدر، وكانت لديه فضيلة جيدة بالنحو والفقه والفرائض وغير ذلك، ودفن بسفح قاسيون في تربة معروفة لهم رحمهم الله‏.‏

عودة الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاوون

وذلك يوم الاثنين ثاني شهر شوال اتفق جمهور الأمراء مع الأمير شيخون وصرغتمش في غيبة طاز في الصيد على خلع الملك الصالح صالح بن الناصر، وأمه بنت تنكز، وإعادة أخيه الملك الناصر حسن‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/289‏)‏

وكان ذلك يومئذ وألزم الصالح بيته مضيقاً عليه، وسلم إلى أمه خوندة بنت الأمير سيف الدين تنكز نائب الشام كان، وقطلبوطاز، وأمسك أخوه سنتم وأخو السلطان الصالح لأمه عمر بن أحمد بن بتكتمر الساقي، ووقعت خطبة عظيمة بالديار المصرية، ومع هذا فلم يقبل البريد إلى الشام وخبر البيعة إلا يوم الخميس الثالث عشر من هذا الشهر، قدم بسببها الأمير عز الدين أيدمر الشمسي وبايع النائب بعدما خلع عليه خلعة سنية، والأمراء بدار السعادة على العادة، ودقت البشائر وزين البلد وخطب له الخطيب يوم الجمعة على المنبر بحضرة نائب السلطنة والقضاة والدولة‏.‏

وفي صبيحة يوم الخميس تاسع عشر شوال دخل دمشق الأمير سيف الدين منجك على نيابة طرابلس ونزل القصر الأبلق مع الأمير عز الدين أيدمر فأقام أياماً عديدة ثم سار إلى بلده بعد أيام‏.‏

وفي صبيحة يوم الخميس السادس والعشرين منه دخل الأمير سيف الدين طاز من الديار المصرية في جماعة من أصحابه مجتازاً إلى نيابة حلب المحروسة، فتلقاه نائب السلطنة إلى قريب من جامع كريم الدين بالقبيبات، وشيعه إلى قريب من باب الفراديس فسار ونزل بوطأة برزة فبات هنالك، ثم أصبح غادياً وقد كان نظير الأمير شيخون ولكن قوي عليه فسيره إلى بلاد حلب، وهو محبب إلى العامة لما له من السعي المشكور في أمور كبار كما تقدم‏.‏

 ثم دخلت سنة ست وخمسين وسبعمائة

استهلت هذه السنة وسلطان الإسلام والمسلمين السلطان الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي، وليس بالديار المصرية نائب ولا وزير‏.‏

وقضاتها هم المذكورون في التي قبلها، ونائب دمشق الأمير علي المارداني، والقضاة والحاجب والخطيب وكاتب السر هم المذكورون في التي قبلها، ونائب حلب الأمير سيف الدين طاز، ونائب طرابلس منجك، ونائب حماه استدمر العمري، ونائب صفد الأمير شهاب الدين بن صبح، ونائب حمص الأمير ناصر الدين بن الأقوس، ونائب بعلبك الحاج كامل‏.‏

وفي يوم الاثنين تاسع صفر مسك الأمير أرغون الكاملي الذي ناب بدمشق مدة ثم بعدها ابن نور الدين علي بن غازي من قرية اللبوة من الكلام السيء الذي نال به من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسبه وقذفه بكلام لا يليق ذكره، فقتل لعنه الله يومئذ بعد أذان العصر بسوق الخيل وحرقه الناس وشفى الله صدور قوم مؤمنين ولله الحمد والمنة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 14/290‏)‏

وفي صبيحة يوم الأحد رابع عشر شعبان درّس القاضي بهاء الدين أبو البقاء السبكي بالمدرسة القيمرية نزل له عنها ابن عمه قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن قاضي القضاة تقي السبكي وحضر عنده القضاة والأعيان، وأخذ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 9‏]‏‏.‏

وصلّي في هذا اليوم بعد الظهر على الشيخ الشاب الفاضل المحصل جمال الدين عبد الله بن العلامة شمس الدين بن قيم الجوزية الحنبلي، ودفن عند أبيه بمقابر باب الصغير، وكانت جنازته حافلة، وكانت لديه علوم جيدة، وذهنه حاضر خارق، أفتى ودرّس وأعاد وناظر وحج مرات عديدة رحمه الله وبل بالرحمة ثراه‏.‏

وفي يوم الاثنين تاسع عشر شوال وقع حريق هائل في سوق القطانين بالنهار، وذهب إليه نائب السلطنة والحجبة والقضاة حتى اجتهد الفعول والمتبرعون في إخماده وطفيه، حتى سكن شره وذهب بسببه دكاكين ودور كثيرة جداً، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

وقد رأيته من الغد والنار كما هي عمالة والدخان صاعد والناس يطفونه بالماء الكثير الغمر والنار لا تخمد، لكن هدمت الجدران وخربت المساكن وانتقل السكان انتهى والله أعلم‏.‏