فصل: خروج الخوارج من الكوفة ومبارزتهم علياً

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البداية والنهاية **


 اجتماع الحكمين أبي موسى وعمرو بن العاص بدومة الجندل

وذلك في شهر رمضان كما تشارطوا عليه وقت التحكيم بصفين‏.‏

وقال الواقدي‏:‏ اجتمعوا في شعبان وذلك أن علياً رضي الله عنه لما كان مجيء رمضان بعث أربعمائة فارس مع شريح بن هانئ، ومعهم أبو موسى، وعبد الله بن عباس، وإليه الصلاة، وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة فارس من أهل الشام ومنهم عبد الله بن عمر، فتوافوا بدومة الجندل بأذرح - وهي نصف المسافة بين الكوفة والشام، بينها وبين كل من البلدين تسع مراحل - وشهد معهم جماعة من رؤوس الناس، كعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي‏.‏

وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري، وأبي جهم بن حذيفة‏.‏

وزعم بعض الناس أن سعد بن أبي وقاص شهدهم أيضاً، وأنكر حضوره آخرون‏.‏

وقد ذكر ابن جرير أن عمر بن سعد خرج إلى أبيه وهو على ماء لبني سليم بالبادية معتزل‏:‏ فقال يا أبة‏:‏ قد بلغك ما كان الناس بصفين، وقد حكم الناس أبا موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، وقد شهدهم نفر من قريش، فأشهدهم فإنك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد أصحاب الشورى ولم تدخل في شيء كرهته هذه الأمة فاحضر إنك أحق الناس بالخلافة‏.‏

فقال‏:‏ لا أفعل‏!‏ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏إنه ستكون فتنة خير الناس فيها الخفي البقي‏)‏‏)‏ والله لا أشهد شيئاً من هذا الأمر أبداً‏.‏

وقد قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أبو بكر الحنفي عبد الكبير بن عبد المجيد، ثنا بكر بن سمار، عن عامر بن سعد أن أخاه عمر انطلق إلى سعد في غنم له خارجاً من المدينة فلما رآه سعد قال‏:‏ أعوذ بالله من شر هذا الراكب‏.‏

فلما أتاه قال‏:‏ يا أبة أرضيت أن تكون أعرابياً في غنمك والناس يتنازعون في الملك بالمدينة‏؟‏

فضرب سعد صدر عمر وقال‏:‏ اسكت فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي‏)‏‏)‏، وهكذا رواه مسلم في صحيحه‏.‏

وقال أحمد أيضاً‏:‏ حدثنا عبد الملك بن عمرو، ثنا كثير بن زيد الأسلمي، عن المطلب، عن عمر بن سعد، عن أبيه أنه جاءه ابنه عامر فقال‏:‏ يا أبة‏:‏ الناس يقاتلون على الدنيا وأنت ههنا‏؟‏

فقال‏:‏ يا بني أفي الفتنة تأمرني أن أكون رأساً‏؟‏ لا والله حتى أعطي سيفاً إن ضربت به مؤمناً نبا عنه، وإن ضربت به كافراً قتلته، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏إن الله يحب الغني الخفي التقي‏)‏‏)‏‏.‏

وهذا السياق كان عكس الأول، والظاهر أن عمر بن سعد استعان بأخيه عامر على أبيه ليشير عليه أن يحضر أمر التحكيم لعلهم يعدلون عن معاوية وعلي ويولونه فامتنع سعد من ذلك وأباه أشد الأباء وقنع بما هو فيه من الكفاية والخفاء‏.‏

كما ثبت في ‏(‏صحيح مسلم‏)‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه‏)‏‏)‏‏.‏

وكان عمر بن سعد هذا يحب الإمارة، فلم يزل ذلك دأبه حتى كان هو أمير السرية التي قتلت الحسين بن علي رضي الله عنه، كما سيأتي بيانه في موضعه، ولو قنع بما كان أبوه عليه لم يكن شيء من ذلك‏.‏

والمقصود أن سعداً لم يحضر أمر التحكيم، ولا أراد ذلك، ولاهم به، وإنما حضره من ذكرنا‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/314‏)‏

فلما اجتمع الحكمان تراوضا على المصلحة للمسلمين، ونظرا في تقدير أمور، ثم اتفقا على أن يعزلا علياً ومعاوية، ثم يجعلا الأمر شورى بين الناس ليتفقوا على الأصلح لهم منهما أو من غيرهما‏.‏

وقد أشار أبو موسى بتولية عبد الله بن عمر بن الخطاب، فقال له عمرو‏:‏ فولِّ ابن عبد الله فإنه يقاربه في العلم والعمل والزهد‏.‏

فقال له أبو موسى‏:‏ إنك قد غمست ابنك في الفتن معك، وهو مع ذلك رجل صدق‏.‏

قال أبو مخنف‏:‏ فحدثني محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال‏:‏ قال عمرو بن العاص‏:‏ إن هذا الأمر لا يصلحه إلا رجل له ضرس يأكل ويطعم‏.‏

وكان ابن عمر فيه غفلة، فقال له ابن الزبير‏:‏ افطن وانتبه‏.‏

فقال ابن عمر‏:‏ لا والله لا أرشو عليها شيئاً أبداً، ثم قال‏:‏ يا ابن العاص إن العرب قد أسندت إليك أمرها بعد ما تقارعت بالسيوف، وتشاكت بالرماح، فلا تردنهم في فتنة مثلها أو أشد منها ثم إن عمرو بن العاص حاول أبا موسى على أن يقر معاوية وحده على الناس فأبى عليه، ثم حاوله ليكون ابنه عبد الله بن عمرو هو الخليفة، فأبى أيضاً‏.‏

وطلب أبو موسى من عمرو أن يوليا عبد الله بن عمر فامتنع عمرو أيضاً، ثم اصطلحا على أن يخلعا معاوية وعلياً ويتركا الأمر شورى بين الناس ليتفقوا على من يختاروه لأنفسهم‏.‏

ثم جاءا إلى المجمع الذي فيه الناس - وكان عمرو لا يتقدم بين يدي أبي موسى بل يقدّمه في كل الأمور أدباً وإجلالاً - فقال له‏:‏ يا أبا موسى قم فأعلم الناس بما اتفقنا عليه‏.‏

فخطب أبو موسى الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم صلى على رسول الله صلى لله عليه وسلم، ثم قال‏:‏ أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة، فلم نر أمراً أصلح لها ولا ألم لشعثها، من رأي اتفقت أنا وعمرو عليه، وهو أنا نخلع علياً ومعاوية ونترك الأمر شورى، وتستقبل الأمة هذا الأمر فيولوا عليهم من أحبوه، وإني قد خلعت علياً ومعاوية‏.‏

ثم تنحى وجاء عمرو فقام مقامه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال‏:‏ إن هذا قد قال ما سمعتم، وإنه قد خلع صاحبه، وإني قد خلعته كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية فإنه ولي عثمان بن عفان، والطالب بدمه، وهو أحق الناس بمقامه - وكان عمرو بن العاص رأى أن ترك الناس بلا إمام والحالة هذه يؤدي إلى مفسدة طويلة عريضة أربى مما الناس فيه من الاختلاف، فأقر معاوية لما رأى ذلك من المصلحة، والاجتهاد يخطئ ويصيب‏.‏

ويقال‏:‏ إن أبا موسى تكلم معه بكلام فيه غلظة ورد عليه عمرو بن العاص مثله‏.‏

وذكر ابن جرير أن شريح بن هانئ - مقدم جيش علي - وثب على عمرو بن العاص فضربه بالسوط، وقام إليه ابنٌ لعمر فضربه بالسوط، وتفرق الناس في كل وجه إلى بلادهم، فأما عمرو وأصحابه فدخلوا على معاوية فسلموا عليه بتحية الخلافة‏.‏

وأما أبو موسى فاستحيى من علي فذهب إلى مكة، ورجع ابن عباس وشريح بن هانئ إلى علي فأخبراه بما فعل أبو موسى وعمرو، فاستضعفوا رأي أبي موسى وعرفوا أنه لا يوازن عمرو بن العاص‏.‏

فذكر أبو مخنف عن أبي جناب الكلبي أن علياً لما بلغه ما فعل عمرو كان يلعن في قنوته معاوية، وعمرو بن العاص، وأبا الأعور السلمي، وحبيب بن مسلمة، والضحاك بن قيس، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والوليد بن عتبة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/315‏)‏

فلما بلغ ذلك معاوية كان يلعن في قنوته علياً، وحسناً وحسيناً، وابن عباس، والأشتر النخعي، ولا يصح هذا والله أعلم‏.‏

فأما الحديث الذي قال البيهقي في ‏(‏الدلائل‏)‏‏:‏ أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا إسماعيل بن الفضل، ثنا قتيبة بن سعيد، عن جرير، عن زكريا بن يحيى، عن عبد الله بن يزيد وحبيب بن يسار، عن سويد بن غفلة قال‏:‏ إني لأمشي مع علي بشط الفرات‏.‏

فقال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إن بني إسرائيل اختلفوا فلم يزل اختلافهم بينهم حتى بعثوا حكمين، فضلاً وأضلاً، وإن هذه الأمة ستختلف، فلا يزال اختلافهم بينهم حتى يبعثوا حكمين، فيضلاّن ويضلاّن من اتبعهما‏)‏‏)‏‏.‏

فإنه حديث منكر ورفعه موضوع والله أعلم‏.‏

إذ لو كان هذا معلوماً عند علي لم يوافق على تحكيم الحكمين حتى لا يكون سبباً لإضلال الناس، كما نطق به هذا الحديث‏.‏

وآفة هذا الحديث هو‏:‏ زكريا بن يحيى وهو الكندي الحميري الأعمى، قال ابن معين‏:‏ ليس بشيء‏.‏

 خروج الخوارج من الكوفة ومبارزتهم علياً

لما بعث علي أبا موسى ومن معه من الجيش إلى دومة الجندل اشتد أمر الخوارج وبالغوا في النكير على عليّ وصرحوا بكفره، فجاء إليه رجلان منهم، وهما‏:‏ زرعة بن البرج الطائي، وحرقوص بن زهير السعدي، فقالا‏:‏ لا حكم إلا لله‏.‏

فقال علي‏:‏ لا حكم إلا لله‏.‏

فقال له حرقوص‏:‏ تب من خطيئتك واذهب بنا إلى عدونا حتى نقاتلهم حتى نلقى ربنا‏.‏

فقال علي‏:‏ قد أردتكم على ذلك فأبيتم، وقد كتبنا بيننا وبين القوم عهوداً وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم‏}‏ الآية ‏[‏النخل‏:‏ 91‏]‏‏.‏

فقال له حرقوص‏:‏ ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه‏.‏

فقال علي‏:‏ ما هو بذنب ولكنه عجز من الرأي، وقد تقدمت إليكم فيما كان منه، ونهيتكم عنه‏.‏

فقال له زرعة بن البرج‏:‏ أما والله يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لأقاتلنك أطلب بذلك رحمة الله ورضوانه‏.‏

فقال علي‏:‏ تباً لك ما أشقاك‏!‏ كأني بك قتيلاً تسفي عليك الريح‏.‏

فقال‏:‏ وددت أن قد كان ذلك‏.‏

فقال له علي‏:‏ إنك لو كنت محقاً كان في الموت تعزية عن الدنيا، ولكن الشيطان قد استهواكم‏.‏

فخرجا من عنده يحكمان وفشى فيهم ذلك، وجاهروا به الناس، وتعرضوا لعلي في خطبه وأسمعوه السب والشتم والتعريض بآيات من القرآن، وذلك أن علياً قام خطيباً في بعض الجمع فذكر أمر الخوارج فذمه وعابه‏.‏

فقام جماعة منهم كل يقول لا حكم إلا لله، وقام رجل منهم وهو واضع إصبعه في أذنيه يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين‏)‏‏)‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 65‏]‏‏.‏

فجعل علي يقلب يديه هكذا وهكذا وهو على المنبر ويقول‏:‏ حكم الله ننتظر فيكم‏.‏

ثم قال‏:‏ إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ما لم تخرجوا علينا ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 7/316‏)‏

وقال أبو محنف، عن عبد الملك، عن أبي حرّة‏:‏ أن علياً لما بعث أبا موسى لأنفاذ الحكومة اجتمع الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الراسبي، فخطبهم خطبة بليغة زهدهم في هذه الدنيا ورغبهم في الآخرة والجنة، وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏.‏

ثم قال‏:‏ فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها، إلى جانب هذا السواد إلى بعض كور الجبال، أو بعض هذه المدائن، منكرين لهذه الأحكام الجائرة‏.‏

ثم قام حرقوص بن زهير فقال‏:‏ بعد حمد الله والثناء عليه‏:‏ إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا يدعونكم زينتها أو بهجتها إلى المقام بها، ولا تلتفت بكم عن طلب الحق وإنكار الظلم ‏{‏إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 128‏]‏‏.‏

فقال سنان بن حمزة الأسدي‏:‏ يا قوم إن الرأي ما رأيتم، وإن الحق ما ذكرتم، فولوا أمركم رجلاً منكم، فإنه لا بد لكم من عماد وسناد، ومن راية تحفون بها وترجعون إليها‏.‏

فبعثوا إلى زيد بن حصن الطائي - وكان من رؤوسهم - فعرضوا عليه الإمارة فأبى، ثم عرضوها على حرقوص بن زهير فأبى، وعرضوها على حمزة بن سنان فأبى، وعرضوها على شريح بن أبي أوفى العبسي فأبى، وعرضوها على عبد الله بن وهب الراسبي فقبلها وقال‏:‏ أما والله لا أقبلها رغبة في الدنيا ولا أدعها فرقاً من الموت‏.‏

واجتمعوا أيضاً في بيت زيد بن حصن الطائي السنبسي فخطبهم وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتلا عليهم آيات من القرآن منها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏ الآية ‏[‏ص‏:‏ 26‏]‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 44‏]‏‏.‏

وكذا التي بعدها وبعدها الظالمون الفاسقون ثم قال‏:‏ فأشهد على أهل دعوتنا من أهل قبلتنا أنهم قد اتبعوا الهوى، ونبذوا حكم الكتاب، وجاروا في القول والأعمال، وأن جهادهم حق على المؤمنين، فبكى رجل منهم يقال له‏:‏ عبد الله بن سخبرة السلمي‏.‏

ثم حرض أولئك على الخروج على الناس، وقال في كلامه‏:‏ اضربوا وجوههم وجباههم بالسيوف حتى يطاع الرحمن الرحيم، فإن أنتم ظفرتم وأطيع الله كما أردتم أثابكم ثواب المطيعين له العاملين بأمره، وإن قتلتم فأي شيء أفضل من المصير إلى رضوان الله وجنته‏؟‏

قلت‏:‏ وهذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بني آدم، فسبحان من نوع خلقه كما أراد، وسبق في قدره العظيم‏.‏

وما أحسن ما قال بعض السلف في الخوارج‏:‏ إنهم المذكورون في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 103-105‏]‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/317‏)‏

والمقصود أن هؤلاء الجهلة الضلال، والأشقياء في الأقوال والأفعال، اجتمع رأيهم على الخروج من بين أظهر المسلمين، وتواطأوا على المسير إلى المدائن ليملكوها على الناس ويتحصنوا بها ويبعثوا إلى إخوانهم وأضرابهم - ممن هو على رأيهم ومذهبهم، من أهل البصرة وغيرها - فيوافوهم إليها، ويكون اجتماعهم عليها‏.‏

فقال لهم زيد بن حصن الطائي‏:‏ إن المدائن لا تقدرون عليها، فإن بها جيشاً لا تطيقونه وسيمنعوها منكم، ولكن واعدوا إخوانكم إلى جسر نهر جوخى، ولا تخرجوا من الكوفة جماعات، ولكن اخرجوا وحداناً لئلا يفطن بكم‏.‏

فكتبوا كتاباً عاماً إلى من هو على مذهبهم ومسلكهم من أهل البصرة وغيرها، وبعثوا به إليه ليوافوهم إلى النهر ليكونوا يداً واحدة على الناس، ثم خرجوا يتسللون وحداناً لئلا يعلم أحد بهم فيمنعوهم من الخروج، فخرجوا من بين الآباء والأمهات والأخوال والخالات وفارقوا سائر القرابات، يعتقدون بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم أن هذا الأمر يرضي رب الأرض والسموات‏.‏

ولم يعلموا أنه من أكبر الكبائر الموبقات، والعظائم والخطيئات، وأنه مما زينه لهم إبليس الشيطان الرجيم المطرود عن السموات الذي نصب العداوة لأبينا آدم ثم لذريته ما دامت أرواحهم في أجسادهم مترددات، والله المسؤول أن يعصمنا منه بحوله وقوته إنه مجيب الدعوات‏.‏

وقد تدارك جماعة من الناس بعض أولادهم وإخوانهم فردوهم وأنبوهم ووبخوهم فمنهم من استمر على الاستقامة، ومنه من فر بعد ذلك فلحق بالخوارج فخسر إلى يوم القيامة‏.‏

وذهب الباقون إلى ذلك الموضع ووافى إليهم من كانوا كتبوا إليه من أهل البصرة وغيرها، واجتمع الجميع بالنهروان، وصارت لهم شوكة ومنعة، وهم جند مستقلون وفيهم شجاعة، وعندهم أنهم متقربون بذلك‏.‏

فهم لا يصطلى لهم بنار، ولا يطمع في أن يؤخذ منهم بثأر، وبالله المستعان‏.‏

وقال أبو مخنف، عن أبي روق، عن الشعبي‏:‏ أن علياً لما خرجت الخوارج إلى النهروان، وهرب أبو موسى إلى مكة، ورد ابن عباس إلى البصرة، قام في الناس بالكوفة خطيباً فقال‏:‏ الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدثان الجليل الكادح، وأشهد أن لا إله غيره وأن محمداً رسول الله، أما بعد‏.‏

فإن المعصية تشين وتسوء وتورث الحسرة، وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي هذه الحكومة بأمري، ونحلتكم رأيي، فأبيتم إلا ما أردتم، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن‏:‏

بذلت لهم نصحي بمنعرج اللوى * فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد

‏(‏ج/ص‏:‏ 7/318‏)‏

ثم تكلم فيما فعله الحكمان فرد عليهما ما حكما به وأنبهما، وقال ما فيه حط عليهما، ثم ندب الناس إلى الخروج إلى الجهاد في أهل الشام، وعين لهم يوم الاثنين يخرجون فيه، وندب إلى ابن عباس والي البصرة يستنفر له الناس إلى الخروج إلى أهل الشام‏.‏

وكتب إلى الخوارج يعلمهم أن الذي حكم به الحكمان مردود عليهما، وأنه قد عزم على الذهاب إلى الشام فهلموا حتى نجتمع على قتالهم‏.‏

فكتبوا إليه‏:‏ أما بعد‏.‏

فإنك لم تغضب لربك، وإنما غضبت لنفسك وإن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد نابذناك على سواء ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 58‏]‏‏.‏

فلما قرأ علي كتابهم يئس منهم، وعزم على الذهاب إلى أهل الشام ليناجزهم، وخرج من الكوفة إلى النخيلة في عسكر كثيف - خمسة وستين ألفاً - وبعث إليه ابن عباس بثلاثة آلاف ومائتي فارس من أهل البصرة مع جارية بن قدامة ألف وخمسمائة‏.‏

ومع أبي الأسود الدؤلي ألف وسبعمائة، فكمل جيش علي في ثمانية وستين ألف فارس ومائتي فارس وقام علي أمير المؤمنين خطيباً‏:‏ فحثهم على الجهاد والصبر عند لقاء العدو، وهو عازم على الشام، فبينما هو كذلك إذ بلغه أن الخوارج قد عاثوا في الأرض فساداً، وسفكوا الدماء وقطعوا السبل واستحلوا المحارم‏.‏

وكان من جملة من قتلوه عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسروه وامرأته معه وهي حامل، فقالوا‏:‏ من أنت‏؟‏

قال‏:‏ أنا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنكم قد روعتموني‏.‏

فقالوا‏:‏ لا بأس عليك، حدثنا ما سمعت من أبيك‏.‏

فقال‏:‏ سمعت أبي يقول‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي‏)‏‏)‏ فاقتادوه بيده فبينما هو يسير معهم إذ لقي بعضهم خنزيراً لبعض أهل الذمة فضربه بعضهم فشق جلده‏.‏

فقال له آخر‏:‏ لم فعلت هذا وهو لذمي‏؟‏

فذهب إلى ذلك الذمي فاستحله وأرضاه وبينا هو معهم إذ سقطت تمرة من نخلة فأخذها أحدهم فألقاها في فمه‏.‏

فقال له آخر‏:‏ بغير إذن ولا ثمن ‏؟‏

فألقاها ذاك من فمه، ومع هذا قدموا عبد الله بن خباب فذبحوه، وجاؤوا إلى امرأته فقالت‏:‏ إني امرأة حبلى، ألا تتقون الله‏؟‏

فذبحوها وبقروا بطنها عن ولدها‏.‏

فلما بلغ الناس هذا من صنيعهم خافوا إن هم ذهبوا إلى الشام واشتغلوا بقتال أهله أن يخلفهم هؤلاء في ذراريهم وديارهم بهذا الصنع، فخافوا غائلتهم، وأشاروا على علي بأن يبدأ بهؤلاء‏.‏

ثم إذا فرغ منهم ذهب إلى أهل الشام بعد ذلك والناس آمنون من شر هؤلاء فاجتمع الرأي على هذا وفيه خيرة عظيمة لهم ولأهل الشام أيضاً، فأرسل علي إلى الخوارج رسولاً من جهته وهو الحرث بن مرة العبدي‏.‏

فقال‏:‏ اخبر لي خبرهم، وأعلم لي أمرهم، واكتب إليّ به على الجلية‏.‏

فلما قدم عليهم قتلوه ولم ينظروه‏.‏

فلما بلغ ذلك علياً عزم على الذهاب إليهم أولاً قبل أهل الشام‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/319‏)‏

 مسير أمير المؤمنين علي إلى الخوارج

لما عزم علي ومن معه من الجيش على البداءة بالخوارج، نادى مناديه في الناس بالرحيل فعبر الجسر فصلى ركعتين عنده‏.‏

ثم سلك على دير عبد الرحمن، ثم دير أبي موسى، ثم على شاطئ الفرات، فلقيه هنالك منجم فأشار عليه بوقت من النهار يسير فيه ولا يسير في غيره، فإنه يخشى عليه فخالفه علي فسار على خلاف ما قال فأظفره الله‏.‏

وقال علي‏:‏ إنما أردت أن أبين للناس خطأه وخشيت أن يقول جاهل، إنما ظفر لكونه وافقه‏.‏

وسلك عليُّ ناحية الأنبار وبعث بين يديه قيس بن سعد، وأمره أن يأتي المدائن وأن يتلقاه بنائبها سعد بن مسعود - وهو أخو عبد الله بن مسعود الثقفي - في جيش المدائن فاجتمع الناس هنالك على علي‏.‏

وبعث إلى الخوارج‏:‏ أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم حتى أقتلهم، ثم أنا تارككم وذاهب إلى العرب - يعني أهل الشام - ثم لعل الله أن يقبل بقلوبكم ويردكم إلى خير مما أنتم عليه‏.‏

فبعثوا إلى علي يقولون‏:‏ كلنا قتل إخوانكم ونحن مستحلون دماءهم ودماءكم‏.‏

فتقدم إليهم قيس بن سعد بن عبادة فوعظهم فيما ارتكبوه من الأمر العظيم، والخطب الجسيم، فلم ينفع وكذلك أبو أيوب الأنصاري أنبهم ووبخهم فلم ينجع‏.‏

وتقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إليهم فوعظهم وخوفهم وحذرهم وأنذرهم وتوعدهم‏.‏

وقال‏:‏ إنكم أنكرتم عليّ أمراً أنتم دعوتموني إليه فنهيتكم عنه فلم تقبلوا، وها أنا وأنتم فارجعوا إلى ما خرجتم منه ولا ترتكبوا محارم الله، فإنكم قد سولت لكم أنفسكم أمراً تقتلون عليه المسلمين، والله لو قتلتم عليه دجاجة لكان عظيماً عند الله، فكيف بدماء المسلمين‏؟‏

فلم يكن لهم جواب إلا أن تنادوا فيما بينهم أن لا تخاطبوهم ولا تكلموهم وتهيئوا للقاء الرب عز وجل، الرواح الرواح إلى الجنة‏.‏

وتقدموا فاصطفوا للقتال وتأهبوا للنزال فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصن الطائي السنبسي، وعلى الميسرة شُريح بن أوفى، وعلى خيالتهم حمزة بن سنان، وعلى الرجالة حرقوص بن زهير السعدي‏.‏

ووقفوا مقاتلين لعلي وأصحابه‏.‏

وجعل علي على ميمنته حجر بن عدي، وعلى الميسرة شبيث بن ربعي ومعقل بن قيس الرياحي، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري، وعلى الرجالة أبا قتادة الأنصاري، وعلى أهل المدينة - وكانوا في سبعمائة - قيس بن سعد بن عبادة‏.‏

وأمر عليٌّ أبا أيوب الأنصاري أن يرفع راية أمان للخوارج ويقول لهم‏:‏ من جاء إلى هذه الراية فهو آمن، ومن انصرف إلى الكوفة والمدائن فهو آمن، إنه لا حاجة لنا فيكم إلا فيمن قتل إخواننا، فانصرف منهم طوائف كثيرون - وكانوا في أربعة آلاف - فلم يبق منهم إلا ألف أو أقل مع عبد الله بن وهب الراسبي‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 7/320‏)‏

فزحفوا إلى علي، فقدمّ علي بين يديه الخيل وقدم منهم الرماة وصف الرجاله وراء الخيالة‏.‏

وقال لأصحابه‏:‏ كفوا عنهم حتى يبدؤكم‏.‏

وأقبلت الخوارج يقولون‏:‏ لا حكم إلا لله، الرواح الرواح إلى الجنة، فحملوا على الخيالة الذين قدّمهم علي، ففرقوهم حتى أخذت طائفة من الخيالة إلى الميمنة، وأخرى إلى الميسرة، فاستقبلهم الرماة بالنبل‏.‏

فرموا وجوههم، وعطفت عليهم الخيالة من الميمنة والميسرة ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف فأناموا الخوارج فصاروا صرعى تحت سنابك الخيول، وقتل أمراؤهم عبد الله بن وهب، وحرقوص بن زهير، وشريح بن أوفى، وعبد الله بن سخبرة السلمي، قبحهم الله‏.‏

قال أبو أيوب‏:‏ وطعنت رجلاً من الخوارج بالرمح فأنفذته من ظهره وقلت له‏:‏ أبشر يا عدو الله بالنار‏.‏

فقال‏:‏ ستعلم أينا أولى بها صلياً‏.‏

قالوا‏:‏ ولم يقتل من أصحاب عليّ إلا سبعة نفر وجعل علي يمشي بين القتلى منهم ويقول‏:‏ بؤساً لكم‏!‏ لقد ضركم من غركم‏.‏

فقالوا‏:‏ يا أمير المؤمنين ومن غرهم‏؟‏

قال‏:‏ الشيطان وأنفسٍ بالسوء أمارة، غرتهم بالأماني وزينت لهم المعاصي، ونبأتهم أنهم ظاهرون‏.‏

ثم أمر بالجرحى من بينهم فإذا هم أربعمائة، فسلمهم إلى قبائلهم ليداووهم، وقسم ما وجد من سلاح ومتاع لهم‏.‏

وقال الهيثم بن عدي في كتاب ‏(‏الخوارج‏)‏‏:‏ وحدثنا محمد بن قيس الأسدي، ومنصور بن دينار، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة‏:‏ أن علياً لم يخمس ما أصاب من الخوارج يوم النهروان ولكن رده إلى أهله كله حتى كان آخر ذلك مرجل أُتي به فرده‏.‏

وقال أبو مخنف‏:‏ حدثني عبد الملك بن أبي حرة‏:‏ أن علياً خرج في طلب ذي الثدية ومعه سليمان بن ثمامة الحنفي أبو حرة والريان بن صبرة بن هوذة فوجده الرياني في حفرة على جانب النهر في أربعين أو خمسين قتيلاً‏.‏

قال‏:‏ فلما استخرج نظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة له حلمة عليها شعرات سود‏.‏

فإذا مدت امتدت حتى تحاذى يده الأخرى، ثم تنزل فتعود إلى منكبه كثدي المرأة‏.‏

فلما رآه علي قال‏:‏ أما والله ما كذبت لولا أن تتكلوا على العمل لأخبرتكم بما قضى الله في قتالهم عارفاً للحق‏.‏

وقال الهيثم بن عدي في كتابه في ‏(‏الخوارج‏)‏‏:‏ وحدثني محمد بن ربيعة الأخنسي؛ عن نافع بن مسلمة الأخنسي، قال‏:‏ كان ذو الثدية رجلاً من عرنة من بجيلة، وكان أسود شديد السواد، له ريح منتنة معروف في العسكر، وكان يرافقنا قبل ذلك وينازلنا وننازله‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 7 /321‏)‏

وحدثني أبو إسماعيل الحنفي عن الريان بن صيرة الحنفي‏.‏

قال‏:‏ شهدنا النهروان مع علي، فلما وجد المخدج سجد سجدة طويلة‏.‏

وحدثني سفيان الثوري، عن محمد بن قيس الهمداني، عن رجل من قومه يكنى أبا موسى‏:‏ أن علياً لما وجد المخدج سجد سجدة طويلة‏.‏

وحدثني يونس بن أبي إسحاق، حدثني إسماعيل، عن حبة العرني‏.‏

قال‏:‏ لما أقبل أهل النهروان جعل الناس يقولون‏:‏ الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي قطع دابرهم‏.‏

فقال علي‏:‏ وكلاً والله إنهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء، فإذا خرجوا من بين الشرايين فقل ما يلقون أحداً إلا ألبوا أن يظهروا عليه‏.‏

قال‏:‏ وكان عبد الله بن وهب الراسبي قد قحلت مواضع السجود منه من شدة اجتهاده وكثرة السجود، وكان يقال له‏:‏ ذو البينات‏.‏

وروى الهيثم عن بعض الخوارج أنه قال‏:‏ ما كان عبد الله بن وهب من بغضه علياً يسميه إلا الجاحد‏.‏

وقال الهيثم بن عدي‏:‏ ثنا إسماعيل، عن خالد، عن علقمة بن عامر، قال‏:‏ سئل علي عن أهل النهروان أمشركون هم‏؟‏

فقال‏:‏ من الشرك فروا‏.‏

قيل‏:‏ أفمنافقون‏؟‏

قال‏:‏ إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً‏.‏

فقيل‏:‏ فما هم يا أمير المؤمنين‏؟‏

قال‏:‏ إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم ببغيهم علينا‏.‏

فهذا ما أورده ابن جرير وغيره في هذا المقام‏.‏

 ما ورد فيهم من الأحاديث الشريفة

الحديث الأول‏:‏ عن علي رضي الله عنه، ورواه عنه زيد بن وهب، وسويد بن غفلة، وطارق بن زياد، وعبد الله بن شداد، وعبيد الله بن أبي رافع، وعبيدة بن عمرو السلماني، وكليب أبو عاصم، وأبو كثير وأبو مريم، وأبو موسى، وأبو وائل الوضي فهذه اثنتا عشرة طريقاً إليه ستراها بأسانيدها وألفاظها ومثل هذا يبلغ حد التواتر‏.‏

الطريق الأولى

قال مسلم بن الحجاج في صحيحه‏:‏ حدثنا عبد بن حميد، ثنا عبد الرزاق، عن همام، ثنا عبد الملك بن أبي سليمان، ثنا سلمة بن كهيل‏.‏

حدثني زيد بن وهب الجهني‏:‏ أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي الذين ساروا إلى الخوارج فقال علي‏:‏ يا أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏

‏(‏‏(‏يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم‏.‏

يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرميّة، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قُضي لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم لا تكلوا على العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلاً له عضدٌ ليس لها ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض، فيذهبون إلى معاوية وأهل الشام ويتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم‏.‏

وإني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/322‏)‏

قال سلمة‏:‏ فذكر زيد بن وهب منزلاً منزلاً حتى مروا على قنطرة فلما التقينا - وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي - فقال لهم‏:‏ ألقوا الرماح وسلوا سيوفكم وكسروا جفونها فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء، فرجعوا‏.‏

فوحشوا برماحهم وسلوا السيوف فشجرهم الناس برماحهم‏.‏

قال‏:‏ وقتل بعضهم على بعض وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان‏.‏

قال علي‏:‏ التمسوا فيهم المخدج، فالتمسوه فلم يجدوه، فقام علي بنفسه حتى آتى ناساً بعضهم إلى بعض، فقال‏:‏ أخروه فوجدوه مما يلي الأرض فقال‏:‏ أخروهم فوجدوهم مما يلي الأرض فكبر‏.‏

ثم قال‏:‏ صدق الله وبلغ رسوله‏.‏

قال‏:‏ فقام إليه عبيدة السلماني فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين، والله الذي لا إله إلا هو لسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني والله الذي لا إله إلا هو، فاستحلفه ثلاثاً وهو يحلف له أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏‏)‏، هذا لفظ مسلم‏.‏

وقد رواه أبو داود عن الحسن بن علي الخلال، عن عبد الرزاق بنحوه‏.‏

طريق أخرى عن علي

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا وكيع، ثنا الأعمش، وعبد الرحمن، عن سفيان، عن الأعمش بن خيثمة، عن سويد بن غفلة قال‏:‏ قال علي‏:‏ إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فَلَأن أَخِرَّ من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏

‏(‏‏(‏يخرج قوم من أمتي في آخر الزمان أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم - قال عبد الرحمن‏:‏ لا يجاوز إيمانهم حناجرهم - يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قاتلهم عند الله يوم القيامة‏)‏‏)‏‏.‏

وأخرجاه في الصحيحين من طرق عن الأعمش به‏.‏

طريق أخرى

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أبو نعيم، ثنا الوليد بن القاسم الهمداني، ثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن طارق بن زياد قال‏:‏ سار علي إلى النهروان‏.‏

قال الوليد في روايته‏:‏ وخرجنا معه قتل الخوارج‏.‏

فقال‏:‏ اطلبوا المخدج فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏سيجيء قوم يتكلمون بكلمة الحق لا تجاوز حلوقهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، سيماهم أو فيهم رجل أسود مخدج اليد في يده شعرات سود، إن كان فيهم فقد قتلتم شر الناس، وإن لم يكن فيهم فقد قتلتم خير الناس‏.‏

قال الوليد، في روايته‏:‏ فبكينا قال‏:‏ إنا وجدنا المخدج فخررنا سجوداً وخرّ علي ساجداً معنا‏)‏‏)‏‏.‏

تفرد به أحمد من هذا الوجه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/323‏)‏

طريق أخرى

رواه عبد الله بن شداد عن علي كما تقدم قريباً إيراده بطوله‏.‏

طريق أخرى عن علي

قال مسلم‏:‏ حدثني أبو الطاهر ويونس بن عبد الأعلى، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن بشر بن سعيد، عن عبيد الله بن أبي رافع، مولى رسول الله‏:‏ أن الحرورية لما خرجت - وهو مع علي بن أبي طالب - قالوا‏:‏ لا حكم إلا لله‏.‏

قال علي‏:‏ كلمة حق أريد بها باطل، إن رسول الله صلى الله وعليه سلم وصف ناساً إني لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون‏:‏ الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم - وأشار إلى حلقه - من أبغض خلق الله منهم أسود إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي‏)‏‏)‏‏.‏

فلما قتلهم علي بن أبي طالب قال‏:‏ انظروا فنظروا فلم يجدوا شيئاً‏.‏

فقال‏:‏ ارجعوا فانظروا، فوالله ما كَذَبْتُ ولا كُذِبتُ -مرتين أو ثلاثاً - فوجدوه في خربة فأتوا به علياً حتى وضعوه بين يديه‏.‏

قال عبيد الله‏:‏ وأنا حاضر ذلك من أمرهم، وقول علي فيهم‏.‏

زاد يونس في روايته‏:‏ قال بكير‏:‏ وحدثني رجل عن ابن حنين أنه قال‏:‏ رأيت ذلك الأسود‏.‏

تفرد به مسلم‏.‏

طريق أخرى

قال أحمد‏:‏ حدثنا إسماعيل، ثنا أيوب، عن محمد، عن عبيدة، عن علي قال‏:‏ ذكرت الخوارج عند علي فقال‏:‏ فيهم مخدج اليد أو مثدون اليد ‏؟‏- أو قال‏:‏ مودن اليد - ولولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ أنت سمعته من محمد‏؟‏

قال‏:‏ إي ورب الكعبة، أي ورب الكعبة‏.‏

وقال أحمد‏:‏ ثنا وكيع، ثنا جرير بن حازم، وأبو عمرو بن العلاء، عن ابن سيرين سمعاه عن عبيدة، عن علي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏يخرج قوم فيهم رجل مودن اليد أو مثدون اليد أو مخدج اليد، ولولا أن تبطروا لأنبأتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم‏)‏‏)‏‏.‏

قال عبيدة‏:‏ قلت لعلي‏:‏ أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏

قال‏:‏ أي ورب الكعبة، أي ورب الكعبة‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 7/324‏)‏

وقال أحمد‏:‏ ثنا يزيد، ثنا هشام، عن محمد، عن عبيدة قال‏:‏ قال علي لأهل النهروان‏:‏ فيهم رجل مثدون اليد أو مخدوج اليد، ولولا أن تبطروا لأخبرتكم بما قضى الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لمن قتلهم‏.‏

قال عبيدة‏:‏ فقلت لعلي‏:‏ أنت سمعته‏؟‏

قال‏:‏ إي ورب الكعبة، يحلف عليها ثلاثاً‏.‏

وقال أحمد‏:‏ ثنا ابن أبي عدي، عن أبي بن عون، عن محمد قال‏:‏ قال عبيدة‏:‏ لا أحدثك إلا ما سمعت منه‏.‏

قال محمد‏:‏ فحلف لنا عبيدة ثلاث مرات، وحلف له علي قال قال‏:‏ لولا أن تبطروا لأنبأتكم ما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ أنت سمعته‏؟‏

قال‏:‏ أي ورب الكعبة، أي ورب الكعبة، أي ورب الكعبة، فيهم رجل مخدج اليد أو مثدون اليد أحسبه قال‏:‏ أو مودن اليد‏.‏

وقد رواه مسلم من حديث إسماعيل بن علية، وحماد بن زيد، كلاهما عن أيوب، وعن محمد بن المثنى، عن ابن أبي عدي، عن ابن عون، كلاهما عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن علي، وقد ذكرناه من طرق متعددة تفيد القطع عند كثيرين عن محمد بن سيرين‏.‏

وقد حلف علي أنه سمعه من عبيدة وحلف عبيدة أنه سمعه من علي أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقد قال علي‏:‏ لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

طريق أخرى

قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل‏:‏ حدثني إسماعيل أبو معمر، ثنا عبد الله بن إدريس، ثنا عاصم بن كليب، عن أبيه قال‏:‏ كنت جالساً عند علي إذ دخل رجل عليه ثياب السفر، فاستأذن على علي وهو يكلم الناس فشغل عنه‏.‏

فقال علي‏:‏ إني دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏كيف أنت ويوم كذا وكذا‏؟‏

فقلت‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏

قال‏:‏ فقال‏:‏ قوم يخرجون من قبل المشرق يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فيهم رجل مخدج اليد كأن يديه يدي حبشية، أنشدكم بالله هل أخبرتكم أنه فيهم‏)‏‏)‏، فذكر الحديث بطوله‏.‏

ثم رواه عبد الله بن أحمد، عن أبي خيثمة زهير بن حرب، عن القاسم بن مالك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه عن علي‏.‏

فذكر نحوه إسناد جيد‏.‏

طريق أخرى

قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي‏:‏ أخبرنا أبو القاسم الأزهري، أنا علي بن عبد الرحمن الكناني أنا محمد بن عبد الله بن عطاء، عن سليمان الحضرمي، أنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، أنا خالد بن عبيد الله، عن عطاء بن السائب، عن ميسرة قال‏:‏ قال أبو جحيفة‏:‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 7/325‏)‏

قال علي حين فرغنا من الحرب‏:‏ إن فيهم رجلاً ليس في عضده عظم ثم عضده كحلمة الثدي عليها شعرات طوال عقف، فالتمسوه فلم يجدوه‏.‏

قال‏:‏ فما رأيت علياً جزع جزعاً أشد من جزعه يومئذ‏.‏

فقالوا‏:‏ ما نجده يا أمير المؤمنين‏.‏

فقال‏:‏ ويلكم ما اسم هذا المكان‏؟‏

قالوا‏:‏ النهروان‏.‏

قال‏:‏ كذبتم إنه لفيهم، فثورنا القتلى فلم نجده فعدنا إليه فقلنا‏:‏ يا أمير المؤمنين ما نجده‏.‏

قال‏:‏ ما اسم هذا المكان‏؟‏

قلنا‏:‏ النهروان‏.‏

قال‏:‏ صدق الله ورسوله وكذبتم، إنه لفيهم فالتمسوه فالتمسناه فوجدناه في ساقيه فجئنا به فنظرت إلى عضده ليس فيها عظم، وعليها كحلمة ثدي المرأة عليها شعرات طوال عقف‏.‏

طريق أخرى

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، ثنا إسماعيل بن مسلم العبدي، ثنا أبو كثير مولى الأنصار قال‏:‏

كنت مع سيدي مع علي بن أبي طالب حيث قتل أهل النهروان، فكأن الناس وجدوا في أنفسهم من قتلهم‏.‏

فقال علي‏:‏ يا أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏قد حدثنا بأقوام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يرجعون فيه أبداً حتى يرجع السهم على فوقه، وإن آية ذلك إن فيهم رجلاً أسود مخدج اليد إحدى يديه كثدي المرأة، لها حلمة كحلمة ثدي المرأة، حوله سبع هلبات فالتمسوه فإني أراه فيهم، فالتمسوه فوجدوه إلى شفير النهر تحت القتلى فأخرجوه فكبر علي، فقال‏:‏ الله أكبر‏!‏ صدق الله ورسوله‏.‏

وإنه لمتقلد قوساً له عربية فأخذها بيده فجعل يطعن بها في مخدجته، ويقول‏:‏ صدق الله ورسوله، وكبر الناس حين رأوه واستبشروا، وذهب عنهم ما كانوا يجدون‏)‏‏)‏‏.‏

تفرد به أحمد‏.‏

طريق أخرى

قال عبد الله بن أحمد‏:‏ حدثنا أبو خيثمة، ثنا شبابة بن سوار، حدثني نعيم بن حكيم، حدثني أبو مريم، ثنا علي بن أبي طالب‏:‏

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إن قوماً يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، علامتهم رجل مخدج‏)‏‏)‏‏.‏

وقال أبو داود في ‏(‏سننه‏)‏‏:‏ حدثنا بشر بن خالد، ثنا شبابة بن سوار، عن نعيم بن حكيم، عن أبي مريم قال‏:‏ إن كان ذاك المخدج لمعنا يومئذٍ في المسجد نجالسه الليل والنهار، وكان فقيراً، ورأيته مع المساكين يشهد طعام علي مع الناس وقد كسوته برنساً لي‏.‏

قال أبو مريم‏:‏ وكان المخدج يسمى‏:‏ نافعاً ذا الثدية، ودان في يده مثل ثدي المرأة، على رأسه حلمة مثل حلمة الثدي، عليه شعرات مثل سبالة السنور‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/326‏)‏

طريق أخرى

قال الحافظ أبو بكر البيهقي في ‏(‏الدلائل‏)‏‏:‏ أخبرنا أبو علي الروزباري، أنا أبو محمد عبد الله بن عمرو بن شوذب المقري الواسطي بها، ثنا شعيب بن أيوب، ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان - هو الثوري - عن محمد بن قيس، عن أبي موسى رجل من قومه قال‏:‏

كنت مع علي فجعل يقول‏:‏ التمسوا المخدج، فالتمسوه فلم يجدوه‏.‏

قال‏:‏ فأخذ يعرق ويقول‏:‏ والله ما كَذَبتُ ولا كُذبتُ، فوجدوه في نهرٍ أو داليةٍ فسجد‏.‏

طريق أخرى

قال أبو بكر البزار‏:‏ حدثني محمد بن مثنى ومحمد بن معمر، ثنا عبد الصمد، ثنا سويد بن عبيد العجلي، ثنا أبو مؤمن، قال‏:‏ شهدت علي بن أبي طالب يوم قتل الحرورية وأنا مع مولاي‏.‏

فقال‏:‏ انظروا فإن فيهم رجلاً إحدى يديه مثل ثدي المرأة، وأخبرني النبي صلى الله عليه وسلم أني صاحبه، فقلبوا القتلى فلم يجدوه، وقالوا‏:‏ سبعة نفر تحت النخلة لم نقلبهم بعد‏.‏

قال‏:‏ ويلكم انظروا‏.‏

قال أبو مؤمن‏:‏ فرأيت في رجليه حبلين يجرونه بهما حتى ألقوه بين يديه فخر علي ساجداً وقال‏:‏ أبشروا قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار‏.‏

ثم قال البزار‏:‏ لا نعلم روى أبو موسى عن علي غير هذا الحديث‏.‏

طريق أخرى

قال البزار‏:‏ حدثنا يوسف بن موسى، ثنا إسحاق بن سليمان الرازي، سمعت أبا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت قال‏:‏ قلت لشقيق بن سلمة - يعني أبا وائل - حدثني عن ذي الثدية‏.‏

قال‏:‏ لما قاتلناهم قال علي‏:‏ اطلبوا رجلاً علامته كذا وكذا، فطلبناه فلم نجده، فبكى وقال‏:‏ اطلبوه، فوالله ما كَذبتُ ولا كُذبتُ‏.‏

قال‏:‏ فطلبناه فلم نجده فبكى‏.‏

وقال‏:‏ اطلبوه فوالله ما كَذبتُ ولا كُذبتُ‏.‏

قال‏:‏ فطلبناه فلم نجده‏.‏

قال‏:‏ وركب بغلته الشهباء فطلبناه فوجدناه تحت بردى فلما رآه سجد‏.‏

ثم قال البزار‏:‏ لا نعلم روى حبيب، عن شقيق، عن علي إلا هذا الحديث‏.‏

طريق أخرى

قال عبد الله بن أحمد‏:‏ حدثني عبيد الله بن عمر والقواريري، ثنا حماد بن زيد، ثنا جميل بن مرة، عن أبي الوضي قال‏:‏ شهدت علياً حين قتل أهل النهروان قال‏:‏ التمسوا المخدج فطلبوه في القتلى فقالوا‏:‏ ليس نجده‏.‏

فقال‏:‏ ارجعوا فالتمسوه فوالله ما كَذبتُ ولا كُذبتُ‏.‏

فرجعوا فطلبوه فردد ذلك مراراً، كل ذلك يحلف بالله ما كَذبتُ ولا كُذبتُ، فانطلقوا فوجدوه تحت القتلى في طين، فاستخرجوه فجيء به‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/327‏)‏

قال أبو الوضي‏:‏ فكأني أنظر إليه حبشي عليه ثدي قد طبق، إحدى يديه مثل ثدي المرأة، عليها شعرات مثل شعرات تكون على ذنب اليربوع‏.‏

وقد رواه أبو داود، عن محمد بن عبيد بن حساب، عن حماد بن زيد، ثنا جميل بن مرة، ثنا أبو الوضي - واسمه عباد بن نسيب - ولكنه اختصره‏.‏

وقال عبد الله بن أحمد أيضاً‏:‏ حدثنا حجاج بن يوسف الشاعر، حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا يزيد بن أبي صالح‏:‏ أن أبا الوضي عباداً حدثه أنه قال‏:‏ كنا عائدين إلى الكوفة مع علي بن أبي طالب‏.‏

فلما بلغنا مسيرة ليلتين أو ثلاثاً من حروراء شذّ منا ناس كثيرون فذكرنا ذلك لعلي فقال‏:‏ لا يهولنّكم أمرهم فإنهم سيرجعون فذكر الحديث بطوله‏.‏

قال‏:‏ فحمد الله علي بن أبي طالب وقال‏:‏ إن خليلي أخبرني‏:‏ أن قائد هؤلاء رجل مخدج اليد على حلمة ثديه شعرات كأنهن ذنب اليربوع، فالتمسوه فلم يجدوه فأتيناه فقلنا‏:‏ إنا لم نجده، فجعل يقول‏:‏ اقلبوا ذا، اقلبوا ذا‏؟‏ حتى جاء رجل من أهل الكوفة فقال‏:‏ هو هذا‏؟‏

فقال علي‏:‏ الله أكبر، لا يأتيكم أحد يخبركم من أبوه، فجعل الناس يقولون‏:‏ هذا مالك، هذا مالك‏.‏

فقال علي‏:‏ ابن من ‏؟‏

وقال عبد الله بن أحمد أيضاً‏:‏ حدثني حجاج بن الشاعر، حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا يزيد بن أبي صالح‏:‏ أن أبا الوضي عباداً حدثه قال‏:‏ كنا عائدين إلى الكوفة مع علي فذكر حديث المخدج قال علي‏:‏

فوالله ما كَذبتُ ولا كُذبتُ ثلاثاً، ثم قال علي‏:‏ أما أن خليلي أخبرني بثلاثة إخوة من الجن هذا أكبرهم، والثاني له جمع كثير، والثالث فيه ضعف‏.‏

وهذا السياق فيه غرابة جداً‏.‏

وقد يمكن أن يكون ذو الثدية من الجن‏؟‏

بل هو من الشياطين إما شياطين الأنس أو شياطين الجن، إن صح هذا السياق والله تعالى أعلم‏.‏

والمقصود أن هذه طرق متواترة عن علي إذ قد روي من طرق متعددة عن جماعة متباينة لا يمكن تواطؤهم على الكذب، فأصل القصة محفوظ وإن كان بعض الألفاظ وقع فيها اختلاف بين الرواة ولكن معناها وأصلها الذي تواطأت الروايات عليه صحيح لا يشك فيه عن علي أنه رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه أخبر عن صفة الخوارج وذي الثدية الذي هو علامة عليهم‏.‏

وقد روي ذلك من طريق جماعة من الصحابة غير علي كما تراها بأسانيدها وألفاظها وبالله المستعان‏.‏

وقد رواه جماعة من الصحابة منهم‏:‏ أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، ورافع بن عمرو الغفاري، وسعد بن أبي وقاص، وأبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الأنصاري، وسهل بن حنيف، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن مسعود، وعلي، وأبو ذر، وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين‏.‏

وقد قدمنا حديث علي بطرقه لأنه أحد الخلفاء الأربعة وأحد العشرة، وصاحب القصة‏.‏

ولنذكر بعده حديث ابن مسعود لتقدم وفاته على وقعة الخوارج‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/328‏)‏

الحديث الثاني عن ابن مسعود رضي الله عنه

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن ذر، عن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏يخرج قوم في آخر الزمان سفهاء الأحلام، أحداث - أو حدثاء - الأسنان، يقولون من خير قول الناس يقرأون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، فمن أدركهم فليقتلهم فإن في قتلهم أجر عظيماً عند الله لمن قتلهم‏)‏‏)‏‏.‏

وقد رواه الترمذي عن أبي كريب، وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن عامر بن زرارة، ثلاثتهم عن أبي بكر بن عياش به‏.‏

وقال الترمذي‏:‏ هذا حديث حسن صحيح‏.‏

ابن مسعود مات قبل ظهور الخوارج بنحو من خمس سنين، فخبره في ذلك من أقوى الأسانيد‏.‏

الحديث الثالث عن أنس بن مالك

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا إسماعيل، ثنا سليمان التميمي، ثنا أنس قال‏:‏ ذكر لي أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال - ولم أسمعه منه -‏:‏ ‏(‏‏(‏إن فيكم فرقة يتعبدون ويدينون حتى يعجبوا الناس وتعجبهم أنفسهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية‏)‏‏)‏‏.‏

طريق أخرى

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أبو المغيرة، ثنا الأوزاعي، حدثني قتادة، عن أنس بن مالك، وأبي سعيد، قال أحمد‏:‏ وقد حدثنا أبو المغيرة فقال‏:‏ عن أنس، عن أبي سعيد، ثم رجع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

‏(‏‏(‏سيكون في أمتي اختلاف وفرقة قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون حتى يرتد السهم على فوقه، هم شر الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى بالله منهم‏.‏

قالوا‏:‏ يا رسول الله ما سيماهم‏؟‏

قال‏:‏ التحليق‏)‏‏)‏‏.‏

وقد رواه أبو داود في ‏(‏سننه‏)‏ عن نصر بن عاصم الأنطاكي، عن الوليد بن مسلم، وقيس بن إسماعيل الحلبي كلاهما عن الأوزاعي، عن قتادة، وأبي سعيد، عن أنس به‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/329‏)‏

وأخرجه أبو داود، وابن ماجه من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أنس وحده‏.‏

وقد روى البزار من طريق أبي سفيان، وأبو يعلى من طريق يزيد الرقاشي كلاهما عن أنس بن مالك حديثاً في الخوارج قريباً من حديث أبي سعيد كما سيأتي إن شاء الله تعالى‏.‏

الحديث الرابع عن جابر بن عبد الله

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا حسن بن موسى، ثنا ابن شهاب، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الجعرانة وهو يقسم فضة في ثوب بلال للناس، فقال رجل‏:‏ يا رسول الله اعدل‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل‏؟‏ لقد خبتُ إن لم أكن أعدل‏)‏‏)‏‏.‏

فقال عمر‏:‏ يا رسول الله دعني أقتل هذا المنافق‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، أو تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية‏)‏‏)‏‏.‏

وقال أحمد‏:‏ حدثنا علي بن عياش، ثنا إسماعيل بن عياش، حدثني يحيى بن سعيد، أخبرني أبو الزبير قال‏:‏ سمعت جابراً يقول‏:‏ بصر عيني وسمع أذني رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة وفي ثوب بلال فضة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبضها للناس يعطيهم، فقال رجل‏:‏ اعدل‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ويلك من يعدل إذا لم أكن أعدل ‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

فقال عمر بن الخطاب‏:‏ دعني أقتل هذا المنافق الخبيث‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية‏)‏‏)‏‏.‏

ثم رواه أحمد، عن أبي المغيرة، عن معاذ بن رفاعة، ثنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم هوازن بالجعرانة قام رجل من بني تميم فقال‏:‏ اعدل يا محمد‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ويلك ومن يعدل إن لم أعدل‏؟‏ لقد خبت وخسرت إن لم أعدل‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فقال عمر‏:‏ يا رسول الله ألا أقوم فأقتل هذا المنافق‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏معاذ الله أن يتسامع الأمم أن محمداً يقتل أصحابه‏)‏‏)‏‏.‏

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إن هذا وأصحاباً له يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية‏)‏‏)‏‏.‏

قال معاذ‏:‏ فقال لي أبو الزبير‏:‏ فعرضت هذا الحديث على الزهري فما خالفني فيه إلا أنه قال‏:‏ النضو، وقلت‏:‏ القدح، قال‏:‏ ألست رجلاً عربياً‏؟‏

وقد رواه مسلم‏:‏ عن محمد بن رمح، عن الليث، وعن محمد بن مثنى، عن عبد الوهاب الثقفي‏.‏

وأخرجه النسائي من حديث الليث ومالك بن أنس كلهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري به بنحوه حديث رافع بن عمرو الأنصاري مع حديث أبي ذر رضي الله عنهما‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/330‏)‏

الحديث الخامس عن سعد بن أبي وقاص

قال يعقوب بن سفيان‏:‏ حدثنا الحميدي، ثنا سفيان - هو ابن عيينة - حدثني العلاء بن أبي عياش أنه سمع أبا الطفيل يحدث عن بكر بن قرواش، عن سعد بن أبي وقاص قال‏:‏ ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا الثدية فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏شيطان الردهة كراعي الخيل يحتذره رجل من بجيلة يقال له‏:‏ الأشهب أو ابن الأشهب علابة في قوم ظلمة‏)‏‏)‏‏.‏

قال سفيان‏:‏ فأخبرني عمار الذهبي أنه جاء رجل يقال له‏:‏ الأشهب‏.‏

وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد، عن سفيان بن عيينة به مختصراً، ولفظه‏:‏ ‏(‏‏(‏شيطان الردهة يحتذره رجل من بجيلة‏)‏‏)‏، تفرد به أحمد‏.‏

وحكى البخاري عن علي بن المديني قال‏:‏ لم أسمع بذكر بكر بن قرواش إلا في هذا الحديث‏.‏

وروى يعقوب بن سفيان، عن عبد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حامد الهمداني قال‏:‏ سمعت سعيد بن أبي وقاص يقول‏:‏ قتل علي شيطان الردهة‏.‏

قال الحافظ أبو بكر البيهقي‏:‏ يريد والله أعلم قتله أصحاب علي بأمره‏.‏

وقال الهيثم بن عدي‏:‏ حدثنا إسرائيل بن يونس، عن جده أبي إسحاق السبيعي، عن رجل قال‏:‏ بلغ سعد بن أبي وقاص أن علياً بن أبي طالب قتل الخوارج، فقال‏:‏ قتل علي بن أبي طالب شيطان الردهة‏.‏

الحديث السادس عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الأنصاري

وله طرق عنه

الطريقة الأولى منها‏:‏

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا بكر بن عيسى، ثنا جامع بن قطر الحبطي، ثنا أبو روية شداد بن عمر العنسي، عن أبي سعيد الخدري‏:‏ أن أبا بكر جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله إني مررت بوادي كذا وكذا، فإذا رجل متخشع حسن الهيئة يصلي‏.‏

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏اذهب إليه فاقتله‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فذهب إليه أبو بكر، فلما رآه على تلك الحالة كره أن يقتله، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر‏:‏ ‏(‏‏(‏اذهب إليه فاقتله‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فذهب عمر فرآه على تلك الحال التي رآه أبو بكر فكره أن يقتله فرجع‏.‏

فقال‏:‏ يا رسول الله، إني رأيته متخشعاً فكرهت أن أقتله‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏يا علي اذهب فاقتله‏)‏‏)‏‏.‏

فذهب علي فلم يره فرجع‏.‏

فقال‏:‏ يا رسول الله إني لم أره‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لا يعودون فيه حتى يعود السهم في فوقه فاقتلوهم هم شر البرية‏)‏‏)‏‏.‏

تفرد به أحمد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/331‏)‏

وقد روى البزار في ‏(‏مسنده‏)‏ من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك، وأبو يعلى، عن أبي خيثمة، عن عمر بن يونس، عن عكرمة بن عمار، وعن يزيد الرقاشي، عن أنس من هذه القصة وأطول منها، وفيها زيادات أخرى‏.‏

الطريق الثاني

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أبو أحمد، ثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن الضحاك المشرقي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث‏:‏ ‏(‏‏(‏ذكر قوماً يخرجون على فرقة من الناس مختلفة يقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق‏)‏‏)‏‏.‏

أخرجاه في الصحيحين كما سيأتي في ترجمة أبي سلمة عن أبي سعيد‏.‏

الطريق الثالث

قال الإمام أحمد‏:‏ ثنا وكيع، ثنا عكرمة بن عمار، ثنا عاصم بن شميخ، عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حلف فاجتهد في اليمين، قال‏:‏ ‏(‏‏(‏والذي نفس أبي القاسم بيده ليخرجن قوم من أمتي تحقرون أعمالكم عند أعمالهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية‏)‏‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ فهل من علامة يعرفون بها‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏فيهم رجل ذو يدية أو ثدية محلقي رؤوسهم‏)‏‏)‏‏.‏

قال أبو سعيد‏:‏ فحدثني عشرون أو بضع وعشرون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أن علياً ولي قتلهم قال‏:‏ فرأيت أبا سعيد بعد ما كبر ويديه ترتعش ويقول‏:‏ قتالهم عندي من أَحلّ من قتال عدتهم من الترك‏.‏

وقد رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل به‏.‏

الطريق الرابع

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الرزاق، أنا سفيان، عن أبيه، عن ابن أبي نعيم، عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ بعث علي وهو باليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذهيبة في تربتها، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الأقرع بن حابس الحنظلي، ثم أحد بني مجاشع، وبين عيينة بن بدر الفزاري، وبين علقمة بن علاثة، أو عامر بن الطفيل أحد بني كلاب، وبين زيد الخيل الطائي، ثم أحد بني نبهان‏.‏

قال‏:‏ فغضبت قريش والأنصار قالوا‏:‏ تعطي صناديد أهل نجد وتدعنا ‏؟‏

قال‏:‏ إنما أتألفهم‏.‏

قال‏:‏ فأقبل رجل غائر العينين ناتئ الجبين كث اللحية، مشرف الوجنتين، محلوق الرأس‏.‏

فقال‏:‏ يا محمد اتق الله‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏من يطيع الله إذا عصيته‏؟‏ يأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فسأل رجل من القوم قتله النبي صلى الله عليه وسلم - أراه خالد بن الوليد - فمنعه، فلما ولي قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إن من ضئضئ هذا قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/332‏)‏

رواه البخاري من حديث عبد الرزاق به‏.‏

ثم رواه أحمد، عن محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن عبد الرحمن بن أبي نُعم، عن أبي سعيد وفيه الجزم بأن خالداً سأل أن يقتل ذلك الرجل، ولا ينافي سؤال عمر بن الخطاب‏.‏

وهو في ‏(‏الصحيحين‏)‏ من حديث عمارة بن القعقاع من سيرته‏:‏ وقال فيه إنه سيخرج من صلبه ونسله، لأن الخوارج الذين ذكرنا لم يكونوا من سلالة هذا، بل ولا أعلم أحداً منهم من نسله وإنما أراد من ضئضئ هذا أي من شكله وعلى صفته فالله أعلم‏.‏

وهذا الرجل هو ذو الخويصرة التميمي وسماه بعضهم حرقوصاً، فالله أعلم‏.‏

الطريق الخامس

قال الإمام أحمد‏:‏ ثنا عفان، ثنا مهدي بن ميمون، ثنا محمد بن سيرين، عن معبد بن سيرين، عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏يخرج أناس من قبل المشرق يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم على فوقه‏)‏‏)‏‏.‏

قيل‏:‏ ما سيماهم‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏سيماهم التحليق أو التسبيد‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه البخاري‏:‏ عن أبي النعمان محمد بن الفضل، عن مهدي بن ميمون به‏.‏

الطريق السادس

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا محمد بن عبيد، ثنا سويد بن نجيح، عن يزيد الفقير قال‏:‏ قلت لأبي سعيد‏:‏ إن منا رجالاهم أقرؤنا للقرآن، وأكثرنا صلاة، وأوصلنا للرحم، وأكثرنا صوماً، خرجوا علينا بأسيافهم‏.‏

فقال أبو سعيد‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏يخرج قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية‏)‏‏)‏‏.‏

تفرد به أحمد ولم يخرجوه في الكتب الستة ولا واحد منهم، وإسناده لا بأس به رجاله كلهم ثقات، وسويد بن نجيح هذا مستور‏.‏

الطريق السابع

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد قال‏:‏ بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسماً إذ جاءه ابن ذي الخويصرة التميمي فقال‏:‏ اعدل يا رسول الله‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل ‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

فقال عمر بن الخطاب‏:‏ يا رسول الله أتأذن لي فيه فأضرب عنقه‏؟‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/333‏)‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فينظر في قذذه فلا يوجد في شيء، ثم ينظر في نضبه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى يديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فترة من الناس‏)‏‏)‏‏.‏

فنزلت فيه‏:‏ ‏{‏وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ‏}‏ الآية ‏[‏التوبة‏:‏ 58‏]‏‏.‏

قال أبو سعيد‏:‏ فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علياً حين قتلهم وأنا معه جيء بالرجل على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

ورواه البخاري‏:‏ عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن هشام بن يوسف، عن معمر‏.‏

ورواه البخاري من حديث شعبة‏.‏

ومسلم من حديث يونس بن يزيد، عن الزهري به‏.‏

لكن في رواية مسلم عن حرملة، وأحمد بن عبد الرحمن، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، والضحاك الهمداني، عن أبي سعيد به‏.‏

ثم رواه أحمد‏:‏ عن محمد بن مصعب، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة والضحاك المشرقي، عن أبي سعيد فذكر نحو ما تقدم من هذا السياق‏.‏

وفيه‏:‏ أن عمر هو استأذن في قتله‏.‏

وفيه‏:‏ يخرجون على حين فرقة من الناس يقتلهم أولى الطائفتين بالله‏.‏

قال أبو سعيد‏:‏ فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأني شهدت علياً حين قتلهم، فالتمس في القتلى فوجد على النعت الذي نعته رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

ورواه البخاري‏:‏ عن دحيم، عن الوليد، عن الأوزاعي كذلك‏.‏

وقال أحمد‏:‏ قرأت على عبد الرحمن بن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد أنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وأعمالكم مع أعمالهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يرى شيئاً، ثم ينظر في القدح فلا يرى شيئاً، ثم ينظر في الريش فلا يرى شيئاً ويتمارى في الفوق‏)‏‏)‏‏.‏

قال عبد الرحمن‏:‏ حدثنا به مالك - يعني‏:‏ هذا الحديث -‏.‏

ورواه البخاري، عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به‏.‏

ورواه البخاري ومسلم، عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، وعطاء بن يسار، عن أبي سعيد به‏.‏

وقال أحمد‏:‏ حدثنا يزيد، أنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة قال‏:‏ جاء رجل إلى أبي سعيد فقال‏:‏ هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر في الحرورية شيئاً‏؟‏

فقال‏:‏ سمعته يذكر قوماً يتعمقون في الدين يحقر أحدكم صلاته عند صلاتهم، وصومه عند صومهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية أخذ سهمه فينظر في نصله فلم ير شيئاً ثم ينظر في رصافه فلم ير شيئاً، ثم ينظر في القذذ فيماري هل يرى شيئاً أم لا‏.‏

ورواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون به‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/334‏)‏

الطريق الثامن

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا ابن أبي عدي، عن سليمان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏ذكر قوماً يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق، ثم هم شر الخلق، ومن شر الخلق تقتلهم أولى الطائفتين بالحق‏.‏

قال‏:‏ فضرب النبي صلى الله عليه وسلم لهم مثلاً - أو قال قولاً - الرجل يرمي الرمية - أو قال الغرض - فينظر في النصل فلا يرى بصيرة وينظر في النضى فلا يرى بصيرة، وينظر في الفوق فلا يرى بصيرة‏)‏‏)‏‏.‏

فقال أبو سعيد‏:‏ وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق‏.‏

وقد رواه عن محمد بن المثنى، عن محمد بن أبي عدي، عن سليمان - وهو ابن طرخان التيمي - عن أبي نضرة واسمه المنذر بن مالك بن قطعة، عن أبي سعيد الخدري بنحوه‏.‏

الحديث الثامن عن سلمان الفارسي

قال الهيثم بن عدي‏:‏ ثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال قال‏:‏ جاء رجل إلى قوم فقال‏:‏ لمن هذه الخباء‏؟‏

قالوا‏:‏ لسلمان الفارسي‏.‏

قال‏:‏ أفلا تنطلقون معي فيحدثنا ونسمع منه‏؟‏

فانطلق معه بعض القوم فقال‏:‏ يا أبا عبد الله، لو أدنيت خباك، وكنت منا قريباً فحدثتنا وسمعنا منك‏؟‏

فقال‏:‏ ومن أنت‏؟‏

قال‏:‏ فلان بن فلان‏.‏

قال سلمان‏:‏ قد بلغني عنك معروف‏.‏

بلغني أنك تخف في سبيل الله، وتقاتل العدو، وتخدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أخطأتك واحدة أن تكون من هؤلاء القوم الذين ذكرهم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

قالوا‏:‏ فوجد ذلك الرجل قتيلاً في أصحاب النهروان‏.‏

الحديث التاسع عن سهل بن حنيف الأنصاري

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أبو النضر، ثنا حزام بن إسماعيل العامري، عن أبي إسحاق الشيباني، عن بسر بن عمرو قال‏:‏ دخلت على سهل بن حنيف فقلت‏:‏ حدثني ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ في الحرورية‏.‏

قال‏:‏ أحدثك ما سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم لا أزيدك عليه شيئاً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏يذكر قوماً يخرجون من هاهنا - وأشار بيده نحو العراق - يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ قلت هل ذكر لهم علامة‏؟‏

قال‏:‏ هذا ما سمعت لا أزيدك عليه‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 7/335‏)‏

وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الواحد بن زياد‏.‏

ومسلم من حديث علي بن مسهر، والعوام بن حوشب‏.‏

والنسائي من حديث محمد بن فضيل، كلهم عن أبي إسحاق الشيباني به‏.‏

وقد رواه مسلم‏:‏ ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا علي بن مسهر، عن الشيباني، عن بسر بن عمرو قال‏:‏ سألت سهل بن حنيف، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الخوارج ‏؟‏

فقال‏:‏ سمعته - وأشار بيده نحو المشرق - قوم يقرأون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية‏.‏

حدثناه أبو كامل، ثنا عبد الواحد، ثنا سليمان الشيباني بهذا الإسناد، وقال‏:‏ يخرج منه أقوام‏.‏

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق جميعاً، عن يزيد قال أبو بكر‏:‏ حدثنا يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب، ثنا أبو إسحاق الشيباني، عن بسر بن عمرو، عن سهل بن حنيف، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏فتنة قوم قبل المشرق محلقة رؤوسهم‏)‏‏)‏‏.‏

الحديث العاشر عن ابن عباس

قال الحافظ أبو بكر البزار‏:‏ ثنا يوسف بن موسى، ثنا الحسن بن الربيع، ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏يقرأ القرآن أقوام من أمتي يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وسويد بن سعيد، كلاهما عن أبي الأحوص بإسناده مثله‏.‏

الحديث الحادي عشر عن ابن عمر

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا يزيد، ثنا أبو حساب يحيى بن أبي حبة، عن شهر بن حوشب قال‏:‏ سمعت عبد الله بن عمر يقول‏:‏ لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏يخرج من أمتي قوم يسيئون الأعمال، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم‏)‏‏)‏‏.‏

قال يزيد‏:‏ لا أعلمه إلا قال‏:‏ ‏(‏‏(‏يحقر أحدكم عمله مع عملهم، يقتلون أهل الإسلام، فإذا خرجوا فاقتلوهم، فطوبى لمن قتلهم وطوبى لمن قتلوه، كلما طلع منهم قرن قطعه الله، كلما طلع منهم قرن قطعه الله، كلما طلع منهم قرن قطعه الله‏)‏‏)‏‏.‏

فردد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين مرة أو أكثر وأنا أسمع‏.‏

تفرد به أحمد من هذا الوجه‏.‏

وقد ثبت من حديث سالم ونافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏الفتنة من هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان - وأشار بيده نحو المشرق -‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/336‏)‏

الحديث الثاني عشر عن عبد الله بن عمرو

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن قتادة، عن شهر بن حوشب قال‏:‏ لما جاءتنا بيعة يزيد بن معاوية قدمت الشام فأخبرت بمقام يقومه نوف البكالي، فجئته فجاء رجل فانتبذ الناس عليه خميصة فإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص، فلما رآه نوف أمسك عن الحديث، فقال عبد الله سمعت‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏إنها ستكون هجرة بعد هجرة، ينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، تلفظهم أرضهم، تقذرهم نفس الرحمن، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل من تخلف‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏سيخرج ناس من أمتي قبل المشرق يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج منهم قرن قطع حتى عدها زيادة على عشر مرات، كلما خرج منهم قرن قطع حتى يخرج الدجال في بقيتهم‏)‏‏)‏‏.‏

وقد روى أبو داود أوله في كتاب الجهاد من ‏(‏سننه‏)‏ عن القواريري، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة‏.‏

وقد تقدم حديث عبد الله بن مسعود وحديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنهما‏.‏

الحديث الثالث عشر عن أبي ذر

قال مسلم بن الحجاج‏:‏ حدثنا شيبان بن فروخ، ثنا سليمان بن المغيرة، ثنا حبيب بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إن بعدي من أمتي - أو سيكون بعدي من أمتي - قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، لا يعودون في شر الخلق والخليقة‏)‏‏)‏‏.‏

قال ابن الصامت‏:‏ فلقيت زلفع بن عمرو الغفاري أخا الحاكم الغفاري قال‏:‏ ما حديث سمعت من أبي ذر كذا كذا‏؟‏

فقال‏:‏ وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

لم يروه البخاري‏.‏

الحديث الرابع عشر عن أم المؤمنين عائشة

قال الحافظ البيهقي‏:‏ أنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا السري، عن يحيى، ثنا أحمد بن يونس، ثنا علي بن عياش، عن حبيب بن مسلمة قال‏:‏ قال علي‏:‏ لقد علمت عائشة أن جيش المروة، وأهل النهروان، وأن ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال ابن عياش‏:‏ جيش المشرق قتله عثمان رضي الله عنه‏.‏

وقال الهيثم بن عدي‏:‏ حدثني إسرائيل، عن يونس، عن جده أبي إسحاق السبيعي، عن رجل، عن عائشة قال‏:‏ بلغها قتل علي الخوارج فقالت‏:‏ قتل علي بن أبي طالب شيطان الردهة - تعني‏:‏ المخدج -‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 7/337‏)‏

وقال الحافظ أبو بكر البزار‏:‏ حدثنا محمد بن عمارة بن صبيح، ثنا سهل بن عامر البجلي، ثنا أبو خالد، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت‏:‏ ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخوارج فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ وحدثناه إبراهيم بن سعيد، ثنا حسين بن محمد، ثنا سليمان بن قرم، ثنا عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه‏.‏

قال‏:‏ فرأيت علياً قتلهم وهم أصحاب النهروان‏.‏

ثم قال البزار‏:‏ لا نعلم رُوي عن عطاء، عن أبي الضحى، عن مسروق إلا هذا الحديث، ولا نعلم رواه عن عطاء إلا سليمان بن قرم وسليمان بن قرم قد تكلموا فيه، لكن الإسناد الأول يشهد لهذا كما أن هذا يشهد للأول فيها متعاضدان، وهو غريب من حديث أم المؤمنين‏.‏

وقد تقدم في حديث عبد الله بن شهاب، عن علي ما يدل على أن عائشة استغربت حديث الخوارج ولا سيما خبر ذي الثدية كما تقدم، وإنما أوردنا هذه الطرق كلها ليعلم الواقف عليها أن ذلك حق وصدق، وهو من أكبر دلالات النبوة، كما ذكره غير واحد من الأئمة فيها والله تعالى أعلم‏.‏

وقال‏:‏ سألت عائشة رضي الله عنها بعد ذلك عن خبر ذي الثدية فتيقنته من طرق متعددة‏.‏

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في ‏(‏الدلائل‏)‏‏:‏ أنا أبو عبد الله، أنا الحسين بن الحسن بن عامر الكندي بالكوفة من أصل سماعه، ثنا محمد بن صدقة الكاتب، حدثني أحمد بن أبان فقرأت فيه، حدثني الحسن بن عيينة، وعبد الله بن أبي السفر بن عامر الشعبي، عن مسروق، قالت عائشة‏:‏ عندك علم عن ذي الثدية الذي أصابه علي في الحرورية ‏؟‏

قلت‏:‏ لا‏.‏

قالت‏:‏ فاكتب لي بشهادة من شهدهم، فرجعت إلى الكوفة وبها يومئذ أسباع، فكتبت شهادة عشرة من كل سبع، ثم أتيتها بشهادتهم فقرأتها عليها‏.‏

قالت‏:‏ أكلُّ هؤلاء عاينوه‏؟‏

قلت‏:‏ لقد سألتهم فأخبروني بأن كلهم قد عاينوه‏.‏

فقالت‏:‏ لعن الله فلاناً، فإنه كتب إلي أنه أصابهم بليل مصر، ثم أرخت عينيها فبكت، فلما سكنت عبرتها، قالت‏:‏ رحم الله علياً لقد كان على الحق، وما كان بيني وبينه إلا كما يكون بين المرأة و أحمائها‏.‏