فصل: خلافة المطيع لله

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البداية والنهاية **


 ثم دخلت سنة تسع وعشرين وثلاثمائة

في المنتصف من ربيع الأول كانت وفاة الخليفة الراضي بالله أمير المؤمنين أبي العباس أحمد بن المقتدر بالله جعفر بن المعتضد بالله أحمد بن الموفق بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد العباسي، استخلف بعد عمه القاهر لست خلون من جمادى الأولى سنة ثنتين وعشرين وثلاثمائة‏.‏

وأمه أم ولد رومية تسمى ظلوم، كان مولده في رجب سنة سبع وتسعين ومائتين، وكانت خلافته ست سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام، وعمره يوم مات إحدى وثلاثين سنة وعشرة أشهر‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 223‏)‏

وكان أسمر رقيق السمرة ذري اللون أسود الشعر، سبطه قصير القامة، نحيف الجسم، في وجهه طول، وفي مقدم لحيته تمام وفي شعرها رقة‏.‏

هكذا وصفه من شاهده‏.‏

قال الخطيب البغدادي‏:‏ كان للراضي فضائل كثيرة، وختم الخلفاء في أمور عدة‏:‏ منها أنه كان آخر خليفة له شعر، وآخرهم انفرد بتدبير الجيوش والأموال، وآخر خليفة خطب على المنبر يوم الجمعة، وآخر خليفة جالس الجلساء ووصل إليه الندماء، وآخر خليفة كانت نفقته وجوائزه وعطاياه وجراياته وخزائنه ومطابخه ومجالسه وخدمه وأصحابه وأموره كلها تجري على ترتيب المتقدمين من الخلفاء‏.‏

وقال غيره‏:‏ كان فصيحاً بليغاً كريماً جواداً ممدحاً، ومن جيد كلامه الذي سمعه منه محمد بن يحيى الصولي‏:‏ لله أقوام هم مفاتيح الخير، وأقوام هم مفاتيح الشر، فمن أراد الله به خيراً قصده أهل الخير، وجعله الوسيلة إلينا فنقضي حاجته وهو الشريك في الثواب والأجر والشكر، ومن أراد الله به شراً عدل به إلى غيرنا، وهو الشريك في الوزر والإثم، والله المستعان على كل حال‏.‏

ومن ألطف الاعتذارات ما كتب به الراضي إلى أخيه المتقي وهما في المكتب - وكان المتقي قد اعتدى على الراضي والراضي هو الكبير منهما - فكتب‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم، أنا معترف لك بالعبودية فرضاً، وأنت معترف لي بالأخوة فضلاً، والعبد يذنب والمولى يعفو‏.‏

وقد قال الشاعر‏:‏

يا ذا الذي يغضب من غير شي * اعتب فعتباك حبيب إلي

أنت على أنك لي ظالم * أعز خلق الله طراً علي

قال‏:‏ فجاء إليه أخوه المتقي فأكب عليه يقبل يديه وتعانقا واصطلحا‏.‏

ومن لطيف شعره قوله فيما ذكره ابن الأثير في ‏(‏كامله‏)‏‏:‏

يصفر وجهي إذا تأمله * طرفي ويحمر وجهه خجلاً

حتى كأن الذي بوجنته * من دم جسمي إليه قد نقلا

قال‏:‏ ومما رثا به أباه المقتدر‏:‏

ولو أن حياً كان قبراً لميت * لصيرت أحشائي لأعظمه قبرا

ولو أن عمري كان طوع مشيئتي * وساعدني المقدور قاسمته العمرا

بنفسي ثرى ضاجعت في تربة البلى * لقد ضم منك الغيث والليث والبدرا

ومما أنشده له ابن الجوزي في ‏(‏منتظمه‏)‏‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏/11 224‏)‏

لا تكثرن لومي على الإسراف * ربح المحامد متجر الأشراف

أحوي لما يأتي المكارم سابقاً * وأشيد ما قد أسست أسلافي

إني من القوم الذين أكفهم * معتادة الإملاق والإتلاف

ومن شعره الذي رواه الخطيب عنه من طريق أبي بكر محمد بن يحيى الصولي النديم قوله‏:‏

كل صفو إلى كدر * كل أمن إلى حذر

ومصير الشباب للمو * ت فيه أو الكبر

درَّ درُّ المشيب من * واعظ ينذر البشر

أيها الآمل الذي * تاه في لجة الغرر

أين من كان قبلنا‏؟‏* درس العين والأثر

سيردَ المعاد من * عمره كله خطر

رب إني ادخرت عن * دك أرجوك مدخر

رب إني مؤمن بما * بين الوحي في السور

واعترافي بترك نف * عي وإيثاري الضرر

رب فاغفر لي الخطيـ * ـئة يا خير من غفر

وقد كانت وفاته بعلة الاستسقاء في ليلة السادس عشر من ربيع الأول منها‏.‏

وكان قد أرسل إلى بجكم وهو بواسط أن يعهد إلى ولده الأصغر أبي الفضل، فلم يتفق له ذلك، وبايع الناس أخاه المتقي لله إبراهيم بن المقتدر، وكان أمر الله قدراً مقدوراً‏.‏

 خلافة المتقى بالله

لما مات أخوه الراضي اجتمع القضاة والأعيان بدار بجكم واشتوروا فيمن يولون عليهم، فاتفق رأيهم كلهم على المتقي، فأحضروه في دار الخلافة وأرادوا بيعته فصلى ركعتين صلاة الاستخارة وهو على الأرض، ثم صعد إلى الكرسي بعد الصلاة، ثم صعد إلى السرير وبايعه الناس يوم الأربعاء لعشر بقين من ربيع الأول منها، فلم يغير على أحد شيئاً، ولا غدر بأحد حتى ولا على سريته لم يغيرها ولم يتسر عليها وكان كاسمه المتقي بالله كثير الصيام والصلاة والتعبد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 225‏)‏

وقال لا أريد جليساً ولا مسامراً، حسبي المصحف نديماً، لا أريد نديماً غيره‏.‏

فانقطع عنه الجلساء والسمار والشعراء والوزراء والتفوا على الأمير بجكم، وكان يجالسهم ويحادثونه ويتناشدون عنده الأشعار، وكان بجكم لا يفهم كثير شيء مما يقولون لعجمته، وكان في جملتهم سنان بن ثابت الصابي المتطبب، وكان بجكم يشكو إليه قوة النفس الغضبية فيه، وكان سنان يهذب من أخلاقه ويسكن جأشه، ويروض نفسه حتى يسكن عن بعض ما كان يتعاطاه من سفك الدماء‏.‏

وكان المتقي بالله حسن الوجه معتدل الخلق قصير الأنف أبيض مشرباً حمرة، وفي شعره شقرة، وجعودة، كث اللحية، أشهل العينين، أبي النفس‏.‏

لم يشرب خمراً ولا نبيذاً قط، فالتقى فيه الاسم والفعل ولله الحمد‏.‏

ولما استقر المتقي في الخلاقة أنفذ الرسل والخلع إلى بجكم وهو بواسط، ونفذت المكاتبات إلى الآفاق بولايته‏.‏

وفيها‏:‏ تحارب أبو عبد الله البريدي وبجكم بناحية الأهواز، فقتل بجكم في الحرب واستظهر البريدي عليه وقوي أمره، فاحتاط الخليفة على حواصل بجكم، وكان في جملة ما أخذ من أمواله ألف ألف دينار، ومائة ألف دينار‏.‏

وكانت أيام بجكم على بغداد سنتين وثمانية أشهر وتسعة أيام‏.‏

ثم إن البريدي حدثته نفسه ببغداد، فأنفق المتقي أموالاً جزيلة في الجند ليمنعوه من ذلك، فركب بنفسه، فخرج أثناء الطريق ليمنعه من دخول بغداد، فخالفه البريدي ودخل بغداد في ثاني رمضان، ونزل بالشفيع، فلما تحقق المتقي ذلك بعث إليه يهنئه وأرسل إليه بالأطعمة، وخوطب بالوزير ولم يخاطبه بإمرة الأمراء‏.‏

فأرسل البريدي يطلب من المتقي خمسمائة ألف دينار، فامتنع الخليفة من ذلك فبعث إليه يتهدده ويتوعده ويذكره ما حل بالمعز والمستعين والمهتدي والقاهر‏.‏

واختلفت الرسل بينهم، ثم كان آخر ذلك أن بعث الخليفة إليه بذلك قهراً، ولم يتفق اجتماع الخليفة والبريدي ببغداد حتى خرج منها البريدي إلى واسط، وذلك أنه ثارت عليه الديالمة والتفوا على كبيرهم كورتكين، وراموا حريق دار البريدي، ونفرت عن البريدي طائفة من جيشه، يقال لهم‏:‏ البجكمية، لأنه لما قبض المال من الخليفة لم يعطهم منه شيئاً‏.‏

وكانت من البجكمية طائفة أخرى قد اختلفت معه أيضاً وهم الديالمة قد صاروا حزبين‏.‏

والتفوا مع الديالمة فانهزم البريدي من بغداد يوم سلخ رمضان، واستولى كورتكين على الأمور ببغداد، ودخل إلى المتقي فقلده إمرة الأمراء، وخلع عليه، واستدعى المتقي علي بن عيسى وأخاه عبد الرحمن ففوض إلى عبد الرحمن تدبير الأمور من غير تسمية بوزارة، ثم قبض كورتكين على رئيس الأتراك بكبك غلام بجكم وغرقه‏.‏

ثم تظلمت العامة من الديلم لأنهم كانوا يأخذون منهم درهم، فشكوا ذلك إلى كورتكين فلم يشكهم، فمنعت العامة الخطباء أن يصلوا في الجوامع، واقتتل الديلم والعامة، فقتل من الفريقين خلق كثير وجم غفير‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 226‏)‏

وكان الخليفة قد كتب إلى أبي بكر محمد بن رائق صاحب الشام يستدعيه إليه ليخلصه من الديلم ومن البريدي، فركب إلى بغداد في العشرين من رمضان ومعه جيش عظيم، وقد صار إليه من الأتراك البجكمية خلق كثير‏.‏

وحين وصل إلى الموصل حاد عن طريقه ناصر الدولة بن حمدان، فتراسلا ثم اصطلحا، وحمل ابن حمدان مائة ألف دينار، فلما اقترب ابن رائق من بغداد خرج كورتكين في جيشه ليقاتله، فدخل ابن رائق بغداد من غربيها ورجع كورتكين بجيشه فدخل من شرقيها، ثم تصافوا ببغداد للقتال وساعدت العامة ابن رائق على كورتكين فانهزم الديلم، وقتل منهم خلق كثير، وهرب كورتكين فاختفى، واستقر أمر ابن رائق وخلع عليه الخليفة وركب هو وإياه في دجلة، فظفر ابن رائق بكورتكين فأودعه السجن الذي في دار الخلافة‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ وفي يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى حضر الناس لصلاة الجمعة بجامع براثي، وقد كان المقتدر أحرق هذا الجامع لأنه كبسه فوجد فيه جماعة من الشيعة يجتمعون فيه للسب والشتم، فلم يزل خراباً حتى عمره بجكم في أيام الراضي، ثم أمر المتقي بوضع منبر فيه كان عليه اسم الرشيد وصلى فيه الناس الجمعة‏.‏

قال‏:‏ فلم يزل تقام فيه إلى ما بعد سنة خمسين وأربعمائة‏.‏

قال‏:‏ وفي جمادى الآخرة في ليلة سابعه كانت ليلة برد ورعد وبرق، فسقطت القبة الخضراء من قصر المنصور، وقد كانت هذه القبة تاج بغداد ومأثرة من مآثر بني العباس عظيمة، بنيت أول ملكهم، وكان بين بنيانها وسقوطها مائة وسبعة وثمانون سنة‏.‏

قال‏:‏ وخرج عن الناس التشرينان والكانونان منها ولم يمطروا فيها بشيء سوى مطرة واحدة لم ينبل منها التراب، فغلت الأسعار ببغداد حتى بيع الكر بمائة وثلاثين دينار‏.‏

ووقع الفناء في الناس حتى كان الجماعة يدفنون في القبر الواحد، من غير غسل ولا صلاة، وبيع العقار والأثاث بأرخص الأسعار، حتى كان يشترى بالدرهم ما يساوي الدينار في غير تلك الأيام، ورأت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامها وهو يأمرها بخروج الناس إلى الصحراء لصلاة الاستسقاء، فأمر الخليفة بامتثال ذلك فصلى الناس واستسقوا فجاءت الأمطار فزادت الفرات شيئاً لم ير مثله، وغرقت العباسية، ودخل الماء الشوارع ببغداد، فسقطت القنطرة العتيقة والجديدة، وقطعت الأكراد الطريق على قافلة من خراسان، فأخذوا منهم ما قيمته ثلاثة آلاف دينار، وكان أكثر ذلك من أموال بجكم التركي‏.‏

وخرج الناس للحج ثم رجعوا من أثناء الطريق بسبب رجل من العلويين قد خرج بالمدينة النبوية، ودعا إلى نفسه وخرج عن الطاعة‏.‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏

 أحمد بن إبراهيم

ابن تزمرد الفقيه أحد أصحاب ابن سريج‏.‏

خرج من الحمام إلى خارجه فسقط عليه الحمام فمات من فوره‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 227‏)‏

 بجكم التركي

أمير الأمراء ببغداد، قبل بني بويه‏.‏

كان عاقلاً يفهم العربية ولا يتكلم بها‏.‏

يقول أخاف أن أخطئ والخطأ من الرئيس قبيح‏.‏

وكان مع ذلك يحب العلم وأهله، وكان كثير الأموال والصدقات، ابتدأ يعمل مارستان ببغداد فلم يتم، فجدده عضد الدولة بن بويه، وكان بجكم يقول‏:‏ العدل ربح السلطان في الدنيا والآخرة‏.‏

وكان يدفن أموالاً كثيرة في الصحراء، فلما مات لم يدر أين هي، وكان ندماء الراضي قد التفوا على بجكم وهو بواسط، وكان قد ضمنها بثمانمائة ألف دينار من الخليفة، وكانوا يسامرونه كالخليفة، وكان لا يفهم أكثر ما يقولون، وراض له مزاجه الطيب سنان بن ثابت الصابي حتى لان خلقه وحسنت سيرته، وقلت سطوته، ولكن لم يعمر إلا قليلاً بعد ذلك‏.‏

ودخل عليه مرة رجل فوعظه فأبكاه فأمر له بمائة ألف درهم، فلحقه بها الرسول فقال بجكم لجلسائه‏:‏ ما أظنه يقبلها ولا يريدها، وما يصنع هذا بالدنيا‏؟‏

هذا رجل مشغول بالعبادة، ماذا يصنع بالدراهم‏؟‏

فما كان بأسرع من أن رجع الغلام وليس معه شيء، فقال بجكم‏:‏ قبلها‏؟‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏

فقال بجكم‏:‏ كلنا صيادون ولكن الشباك مختلفة‏.‏

توفي لسبع بقين من رجب من هذه السنة‏.‏

وسبب موته أنه خرج يتصيد فلقي طائفة من الأكراد فاستهان بهم فقاتلوه فضربه رجل منهم فقتله‏.‏

وكانت إمرته على بغداد سنتين وثمانية أشهر وتسعة أيام‏.‏

وخلف من الأموال والحواصل ما ينيف على ألفي ألف دينار، أخذها المتقي بالله كلها‏.‏

 أبو محمد البربهاري

العالم الزاهد الفقيه الحنبلي الواعظ، صاحب المروزي وسهلاً التستري، وتنزه عن ميراث أبيه - وكان سبعين ألفاً - لأمر كرهه‏.‏

وكان شديداً على أهل البدع والمعاصي، وكان كبير القدر تعظمه الخاصة والعامة، وقد عطس يوماً وهو يعظ فشمته الحاضرون، ثم شمته من سمعهم حتى شمته أهل بغداد، فانتهت الضجة إلى دار الخلافة، فغار الخليفة من ذلك وتكلم فيه جماعة من أرباب الدولة، فطلب فاختفى عند أخت بوران شهراً، ثم أخذه القيام - داء - فمات عندها، فأمرت خادمها فصلى عليه فامتلأت الدار رجالاً عليهم ثياب بياض‏.‏

ودفنته عندها ثم أوصت إذا ماتت أن تدفن عنده‏.‏

وكان عمره يوم مات ستاً وتسعين سنة رحمه الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 228‏)‏

 يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول

أبو بكر الأزرق - لأنه كان أزرق العينين - التنوخي الكاتب، سمع جده والزبير بن بكار، والحسين بن عرفة وغيرهم، وكان خشن العيش كثير الصدقة‏.‏

فيقال‏:‏ إنه تصدق بمائة ألف دينار، وكان أماراً بالمعروف نهاء عن المنكر‏.‏

روى عنه الدارقطني وغيره من الحفاظ‏.‏

وكان ثقة عدلاً‏.‏

توفي في ذي الحجة منها عن ثنتين وتسعين سنة رحمه الله تعالى‏.‏

 ثم دخلت سنة ثلاثين وثلاثمائة

قال ابن الجوزي‏:‏ في المحرم منها ظهر كوكب بذنب رأسه إلى المغرب وذنبه إلى المشرق، وكان عظيماً جداً، وذنبه منتشر، وبقي ثلاثة عشر يوماً إلى أن اضمحل‏.‏

قال‏:‏ وفي نصف ربيع الأول بلغ الكر من الحنطة مائتي دينار، وأكل الضعفاء الميتة، ودام الغلاء وكثر الموت، وتقطعت السبل، وشغل الناس بالمرض والفقر، وتركوا دفن الموتى، وشغلوا عن الملاهي واللعب‏.‏

قال‏:‏ ثم جاء مطر كأفواه القرب، وبلغت زيادة دجلة عشرين ذراعاً وثلثا‏.‏

وذكر ابن الأثير في ‏(‏الكامل‏)‏‏:‏ أن محمد بن رائق وقع بينه وبين البريدي وحشة، لأجل أن البريدي منع خراج واسط، فركب إليه ابن رائق ليتسلم ما عنده من المال، فوقعت مصالحة ورجع ابن رائق إلى بغداد، فطالبه الجند بأرزاقهم وضاق عليه حاله وتحيز جماعة من الأتراك عنه إلى البريدي، فضعف جانب ابن رائق وكاتب البريدي بالوزارة ببغداد، ثم قطع اسم الوزارة عنه، فاشتد حنق البريدي عليه، وعزم على أخذ بغداد، فبعث أخاه أبا الحسين في جيش إلى بغداد، فتحصن ابن رائق مع الخليفة بدار الخلافة ونصبت فيها المجانيق والعرادات - العرادة شيء أصغر من المنجنيق - على دجلة أيضاً‏.‏

فاضطربت أهل بغداد ونهب الناس بعضهم بعضاً ليلاً ونهاراً، وجاء أبو الحسين أخو أبي عبد الله البريدي بمن معه، فقاتلهم الناس في البر وفي دجلة، وتفاقم الحال جداً، مع ما الناس فيه من الغلاء والوباء والفناء‏.‏

فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

ثم إن الخليفة وابن رائق انهزما في جمادى الآخرة - ومع الخليفة ابنه أبو منصور - في عشرين فارساً، فقصدوا نحو الموصل واستحوذ أبو الحسين على دار الخلافة، وقتل من وجد فيها من الحاشية، ونهبوها حتى وصل النهب إلى الحريم، ولم يتعرضوا للقاهر وهو إذ ذاك أعمى مكفوفاً، وأخرجوا كورتكين من الحبس فبعثه أبو الحسين إلى البريدي، فكان آخر العهد به، ونهبوا بغداد جهاراً علانية، ونزل أبو الحسين بدار مؤنس الخادم التي كان يسكنها ابن رائق، وكانوا يكبسون الدور ويأخذون ما فيها من الأموال، فكثر الجور وغلت الأسعار جداً، وضرب أبو الحسين المكس على الحنطة والشعير، وذاق أهل بغداد لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون‏.‏

وكان معه طائفة كبيرة من القرامطة، فأفسدوا في البلد فساداً عظيماً، ووقع بينهم وبين الأتراك حروب طويلة شديدة، فغلبهم الترك وأخرجوهم من بغداد، فوقعت الحرب بين العامة والديلم جند أبي الحسين‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 229‏)‏

وفي شعبان منها‏:‏ اشتد الحال أيضاً، ونهبت المساكن وكبس أهلها ليلاً ونهاراً، وخرج جند البريدي فنهبوا الغلات من القرى والحيوانات، وجرى ظلم لم يسمع بمثله‏.‏

قال ابن الأثير‏:‏ وإنما ذكرنا هذا ليعلم الظلمة أن أخبارهم الشنيعة تنقل وتبقى بعدهم على وجه الأرض وفي الكتب، ليذكروا بها ويذموا ويعابوا، ذلك لهم خزي في الدنيا وأمرهم إلى الله لعلهم أن يتركوا الظلم لهذا إن لم يتركوه لله‏.‏

وقد كان الخليفة أرسل وهو ببغداد إلى ناصر الدولة بن حمدان نائب الموصل يستمده ويستحثه على البريدي، فأرسل ناصر الدولة أخاه سيف الدولة علياً في جيش كثيف، فلما كان بتكريت إذا الخليفة وابن رائق قد هربا فرجع معهما سيف الدولة إلى أخيه، وخدم سيف الدولة الخليفة خدمة كثيرة‏.‏

ولما وصلوا إلى الموصل خرج عنها ناصر الدولة فنزل شرقها، وأرسل التحف والضيافات، ولم يجئ إلى الخليفة خوفاً من الغائلة من جهة ابن رائق، فأرسل الخليفة ولده أبا منصور ومعه ابن رائق للسلام على ناصر الدولة، فصارا إليه فأمر ناصر الدولة أن ينثر الذهب والفضة على رأس ولد الخليفة، وجلسا عنده ساعة، ثم قاما ورجعا، فركب ابن الخليفة وأراد ابن رائق أن يركب معه، فقال له ناصر الدولة‏:‏ اجلس اليوم عندي حتى نفكر فيما نصنع في أمرنا هذا، فاعتذر إليه بابن الخليفة واستراب بالأمر وخشي، فقبض ابن حمدان بكمه فجبذه ابن رائق منه فانقطع كمه، وركب سريعاً فسقط عن فرسه، فأمر ناصر الدولة بقتله فقتل، وذلك يوم الاثنين لسبع بقين من رجب منها‏.‏

فأرسل الخليفة إلى ابن حمدان فاستحضره وخلع عليه ولقبه ناصر الدولة يومئذ، وجعله أمير الأمراء، وخلع على أخيه أبي الحسن ولقبه سيف الدولة يومئذ، ولما قتل ابن رائق وبلغ خبر مقتله إلى صاحب مصر الأخشيد محمد بن طغج، ركب إلى دمشق فتسلمها من محمد بن يزداد نائب ابن رائق ولم ينتطح فيها عنزان‏.‏

ولما بلغ خبر مقتله إلى بغداد فارق أكثر الأتراك أبا الحسين البريدي لسوء سيرته، وقبح سريرته قبحه الله، وقصدوا الخليفة وابن حمدان فتقوى بهم، وركب هو والخليفة إلى بغداد، فلما اقتربوا منها هرب عنها أبو الحسين أخو البريدي فدخلها المتقي ومعه بنو حمدان في جيوش كثيرة، وذلك في شوال منها، ففرح المسلمون فرحاً شديداً‏.‏

وبعث الخليفة إلى أهله - وقد كان أخرجهم إلى سامرا -فردهم، وتراجع أعيان الناس إلى بغداد بعد ما كانوا قد ترحلوا عنها، ورد الخليفة أبا إسحاق القراريطي إلى الوزارة وولى توزون شرطة جانبي بغداد، وبعث ناصر الدولة أخاه سيف الدولة في جيش وراء أبي الحسين أخي البريدي فلحقه عند المدائن فاقتتلوا قتالاً شديداً في أيام نحسات، ثم كان آخر الأمر أن انهزم أبو الحسين إلى أخيه البريدي بواسط، وقد ركب ناصر الدولة بنفسه فنزل المدائن قوة لأخيه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 230‏)‏

وقد انهزم سيف الدولة مرة من أخي البريدي فرده أخوه وزاده جيشاً حتى كسر البريدي، وأسر جماعة من أعيان أصحابه، وقتل منهم خلقاً كثيراً‏.‏

ثم أرسل أخاه سيف الدولة إلى واسط لقتال أبي عبد الله البريدي، فانهزم منه البريدي وأخوه إلى البصرة وتسلم سيف الدولة واسطاً، وسيأتي ما كان من خبره في السنة الآتية مع البريدي‏.‏

وأما ناصر الدولة فإنه عاد إلى بغداد فدخلها في ثالث عشر ذي الحجة وبين يديه الأسارى على الجمال، ففرح المسلمون واطمأنوا ونظر في المصالح العامة وأصلح معيار الدنيار‏.‏

وذلك أنه وجده قد غير عما كان عليه، فضرب دنانير سماها الإبريزيه، فكانت تباع كل دينار بثلاثة عشر درهماً، وإنما كان يباع ما قبلها بعشرة‏.‏

وعزل الخليفة بدراً الخرشني عن الحجابة وولاها سلامة الطولوني، وجعل بدراً على طريق الفرات، فسار إلى الأخشيد فأكرمه واستنابه على دمشق فمات بها‏.‏

وفيها‏:‏ وصلت الروم إلى قريب حلب فقتلوا خلقاً وأسروا نحواً من خمسة عشر ألفاً، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

وفيها‏:‏ دخل نائب طرسوس إلى بلاد الروم فقتل وسبى وغنم وسلم وأسر من بطارقتهم المشهورين منهم وغيرهم خلقاً كثيراً ولله الحمد‏.‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏

 إسحاق بن محمد بن يعقوب النهرجوري

أحد مشايخ الصوفية، صحب الجنيد بن محمد وغيره من أئمة الصوفية، وجاور بمكة حتى مات بها‏.‏

ومن كلامه الحسن‏:‏ مفاوز الدنيا تقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب‏.‏

الحسين بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن سعيد بن أبان

أبو عبد الله الضبي القاضي المحاملي الفقيه الشافعي المحدث، سمع الكثير وأدرك خلقاً من أصحاب ابن عيينة نحواً من سبعين رجلاً‏.‏

وروى عن جماعة من الأئمة، وعنه الدارقطني وخلق، وكان يحضر مجلسه نحو من عشرة آلاف‏.‏

وكان صدوقاً ديناً فقيهاً محدثاً، ولي قضاء الكوفة ستين سنة

، وأضيف إليه قضاء فارس وأعمالها، ثم استعفى من ذلك كله ولزم منزله، واقتصر على إسماع الحديث وسماعه‏.‏

توفي في ربيع الآخر من هذه السنة عن خمس وتسعين سنة‏.‏

وقد تناظر هو و بعض الشيعة بحضرة بعض الأكابر فجعل الشيعي يذكر مواقف علي يوم بدر وأحد والخندق وخيبر وحنين وشجاعته‏.‏

ثم قال للمحاملي‏:‏ أتعرفها‏؟‏

قال‏:‏ نعم، ولكن أتعرف أنت أين كان الصديق يوم بدر‏؟‏

كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش بمنزلة الرئيس الذي يحامي عنه، وعلي رضي الله عنه في المبارزة، ولو فرض أنه انهزم أو قتل لم يخزل الجيش بسببه‏.‏

فأفحم الشيعي‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 231‏)‏

وقال المحاملي‏:‏ وقد قدمه الذين رووا لنا الصلاة والزكاة والوضوء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدموه عليه حيث لا مال له ولا عبيد ولا عشيرة، وقد كان أبو بكر يمنع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجاحف عنه، وإنما قدموه لعلمهم أنه خيرهم‏.‏

فأفحمه أيضاً‏.‏

 علي بن محمد بن سهل

أبو الحسن الصائغ، أحد الزهاد العباد أصحاب الكرامات‏.‏

روى عن ممشاد الدينوري‏:‏ أنه شاهد أبا الحسن هذا يصلي في الصحراء في شدة الحر، ونسر قد نشر عليه جناحيه يظله من الحر‏.‏

قال ابن الأثير‏:‏ وفيها توفي أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتكلم المشهور، وكان مولده سنة ستين ومائتين، وهو من ولد أبي موسى الأشعري‏.‏

قلت‏:‏ الصحيح أن الأشعري توفي سنة أربع وعشرين ومائتين كما تقدم ذكره هناك‏.‏

قال‏:‏ وفيها توفي محمد بن يوسف بن النضر الهروي الفقيه الشافعي، وكان مولده سنة تسع وعشرين ومائتين، أخذ عن الربيع بن سليمان صاحب الشافعي‏.‏

قلت‏:‏ وقد توفي فيها أبو حامد بن بلال‏.‏

وزكريا بن أحمد البلخي‏.‏

وعبد الغافر بن سلامة الحافظ‏.‏

ومحمد بن رائق الأمير ببغداد‏.‏

وفيها توفي الشيخ‏:‏

أبو صالح مفلح الحنبلي

واقف مسجد أبي صالح ظاهر باب شرقي من دمشق، وكانت له كرامات وأحوال ومقامات، واسمه مفلح بن عبد الله أبو صالح المتعبد، الذي ينسب إليه المسجد خارج باب شرقي من دمشق، صحب الشيخ أبا بكر بن سعيد حمدونه الدمشقي، وتأدب به، وروى عنه الموحد بن إسحاق بن البري، وأبو الحسن علي بن العجة قيّم المسجد، وأبو بكر بن داود الدينوري الدقي‏.‏

روى الحافظ ابن عساكر من طريق الدقي عن الشيخ أبي صالح‏.‏

قال‏:‏ كنت أطوف بجبل لكام أطلب العباد، فمررت برجل وهو جالس على صخرة مطرق رأسه فقلت له‏:‏ ما تصنع ههنا‏؟‏

فقال‏:‏ أنظر وأرعى‏.‏

فقلت له‏:‏ لا أرى بين يديك شيئاً تنظر إليه ولا ترعاه إلا هذه العصاة والحجارة‏.‏

فقال‏:‏ بل أنظر خواطر قلبي وأرعى أوامر ربي، وبالذي أطلعك علي إلا صرفت بصرك عني‏.‏

فقلت له‏:‏ نعم، ولكن عظني بشيء أنتفع به حتى أمضي عنك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 232‏)‏

فقال‏:‏ من لزم الباب أثبت في الخدم، ومن أكثر ذكر الموت أكثر الندم، ومن استغنى بالله أمن العدم‏.‏

ثم تركني ومضى‏.‏

وقال أبو صالح‏:‏ مكثت ستة أيام أو سبعة لم آكل ولم أشرب، ولحقني عطش عظيم، فجئت إلى النهر الذي وراء المسجد فجلست أنظر إلى الماء، فتذكرت قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 7‏]‏‏.‏

فذهب عني العطش فمكثت تمام العشرة أيام‏.‏

وقال‏:‏ مكثت أربعين يوماً لم أشرب، ثم شربت، وأخذ رجل فضلتي ثم ذهب إلى امرأته فقال‏:‏ اشربي فضل رجل قد مكث أربعين يوماً لم يشرب الماء‏.‏

قال أبو صالح‏:‏ ولم يكن اطلع على ذلك أحد إلا الله عز وجل‏.‏

ومن كلام أبي صالح‏:‏ الدنيا حرام على القلوب حلال على النفوس، لأن كل شيء يحل لك أن تنظر بعين رأسك إليه يحرم عليك أن تنظر بعين قلبك إليه‏.‏

وكان يقول‏:‏ البدن لباس القلب والقلب لباس الفؤاد، والفؤاد لباس الضمير، والضمير لباس السر، والسر لباس المعرفة به‏.‏

ولأبي صالح مناقب كثيرة رحمه الله، توفي في جمادى الأولى من هذه السنة، والله سبحانه أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة

فيها دخل سيف الدولة إلى واسط وقد انهزم عنها البريدي وأخوه أبو الحسين، ثم اختلف الترك على سيف الدولة، فهرب منها قاصداً بغداد، وبلغ أخاه أمير الأمراء خبره فخرج من بغداد إلى الموصل، فنهبت داره‏.‏

وكانت دولته على بغداد ثلاثة عشر شهراً وخمسة أيام‏.‏

وجاء أخوه سيف الدولة بعد خروجه منها فنزل بباب حرب، فطلب من الخليفة أن يمده بمال يتقوى به على حرب توزون، فبعث إليه بأربعمائة ألف درهم، ففرقها بأصحابه‏.‏

وحين سمع بقدوم توزون خرج من بغداد، ودخلها توزون في الخامس والعشرين من رمضان، فخلع عليه الخليفة وجعله أمير الأمراء واستقر أمره ببغداد‏.‏

وعند ذلك رجع البريدي إلى واسط وأخرج من كان بها من أصحاب توزون، وكان في أسر توزون غلام سيف الدولة، يقال له‏:‏ ثمال، فأرسله إلى مولاه ليخبره حاله ويرفع أمره عند آل حمدان‏.‏

وفيها‏:‏ كانت زلزلة عظيمة ببلاد نسا، سقط منها عمارات كثيرة، وهلك بسببها خلق كثير‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ وكان ببغداد في أيلول وتشرين حر شديد يأخذ بالأنفاس‏.‏

وفي صفر منها ورد الخبر بورود الروم إلى أرزن وميافارقين وأنهم سبوا‏.‏

وفي ربيع الآخر منها عقد أبو منصور إسحاق بن الخليفة المتقي عقده على علوية بنت ناصر الدولة بن حمدان، على صداق مائة ألف دينار وألف ألف درهم، وولى العقد على الجارية المذكورة أبو عبد الله محمد بن أبي موسى الهاشمي، ولم يحضر ناصر الدولة، وضرب ناصر الدولة سكة ضرب فيها ناصر الدولة عبد آل محمد‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ وفيها غلت الأسعار حتى أكل الناس الكلاب ووقع البلاء في الناس، ووافى من الجراد شيء كثير جداً، ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 233‏)‏ حتى بيع منه كل خمسين رطلاً بالدرهم، فارتفق الناس به في الغلاء‏.‏

وفيها‏:‏ ورد كتاب ملك الروم إلى الخليفة يطلب فيه منديلاً بكنيسة الرها، كان المسيح قد مسح بها وجهه فصارت صورة وجهه فيه، وأنه متى وصل هذا المنديل يبعث من الأسارى خلقاً كثيراً‏.‏

فأحضر الخليفة العلماء فاستشارهم في ذلك، فمن قائل‏:‏ نحن أحق بعيسى منهم، وفي بعثه إليهم غضاضة على المسلمين ووهن في الدين‏.‏

فقال علي بن عيسى الوزير‏:‏ يا أمير المؤمنين إنقاذ أسارى المسلمين من أيدي الكفار خير وأنفع للناس من بقاء ذلك المنديل بتلك الكنيسة‏.‏

فأمر الخليفة بإرسال ذلك المنديل إليهم وتخليص أسرى المسلمين من أيديهم‏.‏

قال الصولي‏:‏ وفيها وصل الخبر بأن القرمطي ولد له مولود فأهدى إليه أبو عبد الله البريدي هدايا كثيرة، منها مهد من ذهب مرصع بالجوهر، وجلاله منسوج بالذهب محلى باليواقيت، وغير ذلك‏.‏

وفيها‏:‏ كثر الرفض ببغداد فنودي بها من ذكر أحداً من الصحابة بسوء فقد برئت منه الذمة‏.‏

وبعث الخليفة إلى عماد الدولة بن بويه خلعاً فقبلها ولبسها بحضرة القضاة والأعيان‏.‏

وفيها‏:‏ كانت وفاة السعيد نصر بن أحمد بن إسماعيل الساماني صاحب خراسان وما وراء النهر، وقد مرض قبل موته بالسل سنة وشهراً، واتخذ في داره بيتاً سماه بيت العبادة، فكان يلبس ثياباً نظافاً ويمشي إليه حافياً ويصلي فيه، ويتضرع ويكثر الصلاة‏.‏

وكان يجتنب المنكرات والآثام إلى أن مات رحمه الله، فقام بالأمر من بعده ولده نوح بن نصر الساماني، ولقب بالأمير الحميد‏.‏

وقتل محمد بن أحمد النسفي، وكان قد طعن فيه عنده وصلبه‏.‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏

 ثابت بن سنان بن قرة الصابي

أبو سعيد الطبيب، أسلم على يد القاهر بالله ولم يسلم ولده ولا أحد من أهل بيته، وقد كان مقدماً في الطب وفي علوم أخر كثيرة‏.‏

توفي في ذي القعدة منها بعلة الذرب ولم تغن عنه صناعته شيئاً، حتى جاءه الموت‏.‏

وما أحسن ما قال بعض الشعراء في ذلك‏:‏

قل للذي صنع الدواء بكفه * أتردُّ مقدوراً عليك قد جرى

مات المداوي والمداوى والذي * صنع الدواء بكفه ومن اشترى

وذكر ابن الجوزي في ‏(‏المنتظم‏)‏ وفاة الأشعري فيها وتكلم فيه، وحط عليه كما جرت عادة الحنابلة يتكلمون في الأشعرية قديماً وحديثاً‏.‏

وذكر أنه ولد سنة ستين ومائتين، وتوفي في هذه السنة، وأنه صحب الجبائي أربعين سنة ثم رجع عنه، وتوفي ببغداد ودفن بمشرعة السرواني‏.‏

 محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة

ابن الصلت السدوسي مولاهم أبو بكر، سمع جده وعباساً الدوري وغيرهما، وعنه أبو بكر بن مهدي، وكان ثقة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 234‏)‏

روى الخطيب أن والد محمد هذا حين ولد أخذ طالع مولده المنجمون فحسبوا عمره وقالوا‏:‏ إنه يعيش كذا وكذا‏.‏

فأرصد أبوه له جباً فكان يلقي فيه عن كل يوم من عمره الذي أخبروه به ديناراً، فلما امتلأ أرصد له جباً آخر كذلك، ثم آخر كذلك، فكان يضع فيها في كل يوم ثلاثة دنانير على عدد أيام عمر ولده‏.‏

ومع هذا ما أفاده ذلك شيئاً، بل افتقر هذا الولد حتى صار يستعطي من الناس، وكان يحضر مجلس السماع عليه عباءة بلا إزار، فكان يتصدق عليه أهل المجلس بشيء يقوم بأوده‏.‏

والسعيد من أسعده الله عز وجل‏.‏

 محمد بن مخلد بن جعفر

أبو عمر الدوري العطار، كان يسكن الدور - وهي محلة بطرف بغداد - سمع الحسن بن عرفة والزبير بن بكار ومسلم بن الحجاج وغيرهم، وعنه الدارقطني وجماعة، وكان ثقة فهماً واسع الرواية مشكور الديانة مشهوراً بالعبادة‏.‏

توفي في جمادى الأولى منها، وقد استكمل سبعاً وسبعين سنة وثمانية أشهر وإحدى وعشرين يوماً‏.‏

المجنون البغدادي، روى ابن الجوزي من طريق أبي بكر الشبلي قال‏:‏ رأيت مجنوناً عند جامع الرصافة، وهو عريان وهو يقول‏:‏ أنا مجنون الله، أنا مجنون الله‏.‏

فقلت له‏:‏ ما لك ألا تستتر وتدخل الجامع وتصلي‏؟‏

فأنشأ يقول‏:‏

يقولون زرنا واقض واجب حقنا * وقد أسقطت حالي حقوقهم عني

إذا هم رأوا حالي ولم يأنفوا لها * ولم يأنفوا منها أنفت لهم مني

 ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين وثلاثمائة

فيها‏:‏ خرج المتقي أمير المؤمنين من بغداد إلى الموصل مغاضبا لتوزون وهو إذ ذاك بواسط، وقد زوج ابنته من أبي عبد الله البريدي، وصارا يداً واحدة على الخليفة، وأرسل ابن شيرزاد في ثلاثمائة إلى بغداد فأفسد فيها وقطع ووصل، واستقل بالأمر من غير مراجعة المتقي‏.‏

فغضب المتقي وخرج منها مغاضباً له بأهله وأولاده ووزيره ومن اتبعه من الأمراء، قاصداً الموصل إلى بني حمدان، فتلقاه سيف الدولة إلى تكريت، ثم جاءه ناصر الدولة وهو بتكريت أيضاً، وحين خرج المتقي من بغداد أكثر ابن شيرزاد فيها الفساد، وظلم أهلها وصادرهم، وأرسل يعلم توزون، فأقبل مسرعاً نحو تكريت فتواقع هو وسيف الدولة، فهزم توزون سيف الدولة، وأخذ معسكره ومعسكر أخيه ناصر الدولة، ثم كر إليه سيف الدولة فهزمه توزون أيضاً‏.‏‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 235‏)‏

وانهزم المتقي وناصر الدولة وسيف الدولة من الموصل إلى نصيبين، وجاء توزون فدخل الموصل وأرسل إلى الخليفة يطلب رضاه، فأرسل الخليفة يقول‏:‏ لا سبيل إلى ذلك إلا أن تصالح بني حمدان‏.‏

فاصطلحوا، وضمن ناصر الدولة بلاد الموصل بثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف، ورجع توزون إلى بغداد، وأقام الخليفة عند بني حمدان‏.‏

وفي غيبة توزون هذه عن واسط أقبل إليها معز الدولة بن بويه في خلق من الديلم كثيرين، فانحدر توزون مسرعاً إلى واسط فاقتتل مع معز الدولة بضعة عشر يوماً، وكان آخر الأمر أن انهزم معز الدولة ونهبت حواصله، وقتل من جيشه خلق كثير، وأسر جماعة من أشراف أصحابه‏.‏

ثم عاود توزون ما كان يعتريه من مرض الصرع، فشغل بنفسه فرجع إلى بغداد‏.‏

وفيها‏:‏ قتل أبو عبد الله البريدي أخاه أبا يوسف، وكان سبب ذلك‏:‏ أن البريدي قل ما في يده من الأموال، فكان يستقرض من أخيه أبي يوسف فيقرضه القليل، ثم يشنع عليه ويذم تصرفه بمال الجند، إلى أن مال الجند إلى أبي يوسف وأعرض غالبهم عن البريدي، فخشي أن يبايعوه فأرسل إليه طائفة من غلمانه فقتلوه غيلة، ثم انتقل إلى داره وأخذ جميع حواصله وأمواله، فكان قيمة ما أخذ منه من الأموال ما يقارب ثلاثمائة ألف ألف دينار‏.‏

ولم يمتع بعده إلا ثمانية أشهر مرض فيها مرضاً شديداً بالحمى الحادة، حتى كانت وفاته في شوال من هذه السنة، فقام مقامه أخوه أبو الحسين قبحه الله، فأساء السيرة في أصحابه، فثاروا عليه فلجأ إلى القرامطة قبحهم الله فاستجار بهم، فقام بالأمر من بعده أبو القاسم بن أبي عبد الله البريدي في بلاد واسط والبصرة وتلك النواحي من الأهواز وغيرها‏.‏

وأما الخليفة المتقي لله فإنه لما أقام عند أولاد حمدان بالموصل ظهر له منهم تضجر، وأنهم يرغبون في مفارقته‏.‏

فكتب إلى توزون في الصلح، فاجتمع توزون مع القضاة والأعيان وقرؤوا كتاب الخليفة وقابله بالسمع والطاعة، وحلف له ووضع خطه بالإقرار له، ولمن معه بالإكرام والاحترام، فكان من الخليفة ودخوله إلى بغداد ما سيأتي في السنة الآتية‏.‏

وفيها‏:‏ أقبلت طائفة من الروس في البحر إلى نواحي أذربيجان فقصدوا بردعة فحاصروها، فلما ظفروا بأهلها قتلوهم عن آخرهم، وغنموا أموالهم وسبوا من استحسنوا من نسائهم، ثم مالوا إلى المراغة فوجدوا بها ثماراً كثيرة، فأكلوا منها فأصابهم وباء شديد فمات أكثرهم، وكان إذا مات أحدهم دفنوا معه ثيابه وسلاحه، فأخذه المسلمون وأقبل إليهم المرزبان بن محمد فقتل منهم‏.‏

وفي ربيع الأول منها جاء الدمستق ملك الروم إلى رأس العين في ثمانين ألفاً، فدخلها ونهب ما فيها وقتل وسبى منهم نحواً من خمسة عشر ألفاً، وأقام بها ثلاثة أيام، فقصدته الأعراب من كل وجه فقاتلوه قتالاً عظيماً حتى انجلى عنها‏.‏

وفي جمادى الأولى منها غلت الأسعار ببغداد جداً، وكثرت الأمطار حتى تهدم البناء، ومات كثير من الناس تحت الهدم، وتعطلت أكثر الحمامات والمساجد من قلة الناس، ونقصت قيمة العقار حتى بيع منه بالدرهم ما كان يساوي الدينار، وخلت الدور‏.‏

وكان الدلالون يعطون من يسكنها أجرة ليحفظها من الداخلين إليها ليخربوها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 236‏)‏

وكثرت الكبسات من اللصوص بالليل، حتى كان الناس يتحارسون بالبوقات والطبول، وكثرت الفتن من كل جهة فإنا لله وإنا إليه راجعون، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا‏.‏

وفي رمضان منها كانت وفاة أبي طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن الجنابي الهجري القرمطي، رئيس القرامطة، قبحه الله، وهذا هو الذي قتل الحجيج حول الكعبة وفي جوفها، وسلبها كسوتها وأخذ بابها وحليتها، واقتلع الحجر الأسود من موضعه وأخذه معه إلى بلده هجر، فمكث عنده من سنة تسع عشرة وثلاثمائة ثم مات قبحه الله وهو عندهم، لم يردوه إلى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة كما سيأتي‏.‏

ولما مات هذا القرمطي قام بالأمر من بعده إخوته الثلاثة، وهم‏:‏ أبو العباس الفضل، وأبو القاسم سعيد، وأبو يعقوب يوسف، بنو أبي سعيد الجنابي، وكان أبو العباس ضعيف البدن مقبلاً على قراءة الكتب، وكان أبو يعقوب مقبلاً على اللهو واللعب، ومع هذا كانت كلمة الثلاثة واحدة لا يختلفون في شيء، وكان لهم سبعة من الوزراء متفقون أيضاً‏.‏

وفي شوال منها توفي أبو عبد الله البريدي فاستراح المسلمون من هذا كما استراحوا من الآخر‏.‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏ أبو العباس بن عقدة الحافظ‏.‏

أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن

أبو العباس الكوفي المعروف بابن عقدة، لقبوه بذلك من أجل تعقيده في التصريف والنحو، وكان أيضاً عقدة في الورع والنسك، وكان من الحفاظ الكبار، سمع الحديث الكثير ورحل فسمع من خلائق من المشايخ، وسمع منه الطبراني والدارقطني وابن الجعابي وابن عدي وابن المظفر وابن شاهين‏.‏

قال الدارقطني‏:‏ أجمع أهل الكوفة على أنه لم ير من زمن ابن مسعود إلى زمان ابن عقدة أحفظ منه، ويقال‏:‏ إنه كان يحفظ نحواً من ستمائة ألف حديث، منها ثلاثمائة ألف في فضائل أهل البيت، بما فيها من الصحاح والضعاف، وكانت كتبه ستمائة حمل جمل، وكان ينسب مع هذا كله إلى التشيع والمغالاة‏.‏

قال الدارقطني‏:‏ كان رجل سوء‏.‏

ونسبه ابن عدي إلى أنه كان يعمل النسخ لأشياخ ويأمرهم بروايتها‏.‏

قال الخطيب‏:‏ حدثني علي بن محمد بن نصر قال‏:‏ سمعت حمزة بن يوسف، سمعت أبا عمر بن حيويه يقول‏:‏ كان ابن عقدة يجلس في جامع براثى معدن الرفض يملي مثالب الصحابة - أو قال الشيخين - فتركت حديثه لا أحدث عنه بشيء‏.‏

قلت‏:‏ وقد حررت الكلام فيه في كتابنا التكميل بما فيه كفاية، توفي في ذي القعدة منها‏.‏

أحمد بن عامر بن بشر بن حامد المروروذي

نسبة إلى مر والروذ، والروذ اسم للنهر، وهو الفقيه الشافعي تلميذ أبي إسحاق المروذي - نسبة إلى مروذ الشاهجان، وهي أعظم من تلك البلاد - له ‏(‏شرح مختصر المزني‏)‏، وله كتاب ‏(‏الجامع في المذهب‏)‏ وصنف في أصول الفقه، وكان إماماً لا يشق غباره، توفي في هذه السنة رحمه الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 237‏)‏

 ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة

فيها‏:‏ رجع الخليفة المتقي إلى بغداد وخلع من الخلافة وسملت عيناه، وكان - وهو مقيم بالموصل- قد أرسل إلى الأخشيد محمد بن طغج صاحب مصر والبلاد الشامية أن يأتيه‏.‏

فأقبل إليه في المنتصف من المحرم من هذه السنة، وخضع للخليفة غاية الخضوع، وكان يقوم بين يديه كما تقوم الغلمان، ويمشي والخليفة راكب، ثم عرض عليه أن يصير معه إلى الديار المصرية أو يقوم ببلاد الشام، وليته فعل، بل أبى عليه، فأشار عليه بالمقام مكانه بالموصل، ولا يذهب إلى توزون، وحذره من مكر توزون وخديعته، فلم يقبل ذلك، وكذلك أشار عليه وزيره أبو حسين بن مقلة فلم يسمع‏.‏

وأهدى ابن طغج للخليفة هدايا كثيرة فاخرة، وكذلك أهدى إلى الأمراء والوزير، ثم رجع إلى بلاده، واجتاز بحلب فانحاز عنها صاحبها أبو عبد الله بن سعيد بن حمدان‏.‏

وكان ابن مقاتل بها، فأرسله إلى مصر نائباً عنه حتى يعود إليها‏.‏

وأما الخليفة فإنه ركب من الرقة في الدجلة إلى بغداد، وأرسل إلى توزون فاستوثق منه ما كان حلف له من الأيمان فأكدها وقررها، فلما قرب من بغداد خرج إليه توزون ومعه العساكر، فلما رأى الخليفة قبَّل الأرض بين يديه، وأظهر له أنه قد وفى له بما كان حلف له عليه وأنزله في منظرته، ثم جاء فاحتاط على من مع الخليفة من الكبراء، وأمر بسمل عيني الخليفة فسملت عيناه، فصاح صيحة عظيمة سمعها الحريم فضجت الأصوات بالبكاء، فأمر توزون بضرب الدبادب حتى لا تسمع أصوات الحريم، ثم انحدر من فوره إلى بغداد فبايع المستكفي‏.‏

فكانت خلافة المتقي ثلاثة سنين وخمسة أشهر وعشرين يوماً، وقيل‏:‏ وأحد عشر شهراً، وستأتي ترجمته عند ذكر وفاته‏.‏

خلافة المستكفي بالله عبد الله بن المكتفي بن المعتضد

لما رجع توزون إلى بغداد وقد سمل عيني المتقي، استدعي بالمستكفي فبايعه ولقب بالمستكفي بالله، واسمه عبد الله، وذلك في العشر الأواخر من صفر من هذه السنة، وجلس توزون بين يديه وخلع عليه المستكفي‏.‏

وكان المستكفي مليح الشكل ربعة حسن الجسم و الوجه، أبيض اللون مشرباً حمرة أقنى الأنف، خفيف العارضين، وكان عمره يوم بويع بالخلافة إحدى وأربعين سنة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 238‏)‏

وأحضر المتقي بين يديه وبايعه وأخذ منه البردة والقضيب، واستوزر أبا الفرج محمد بن علي السامري، ولم يكن إليه من الأمر شيء، وإنما الذي يتولى الأمور ابن شيرزاد، وحبس المتقي بالسجن‏.‏

وطلب المستكفي أبا القاسم الفضل بن المقتدر، وهو الذي ولي الخلافة بعد ذلك، ولقب المطيع لله، فاختفى منه ولم يظهر مدة خلافة المستكفي، فأمر المستكفي بهدم داره التي عند دجلة‏.‏

وفيها‏:‏ مات القائم الفاطمي، وتولى ولده المنصور إسماعيل فكتم موت أبيه مدة حتى اتفق أمره ثم أظهره، والصحيح أن القائم مات في التي بعدها‏.‏

وقد حاربهم أبو يزيد الخارجي فيها، وأخذ منهم مدناً كباراً وكسروه مراراً متعددة، ثم يبرز إليهم ويجمع الرجال ويقاتلهم، فانتدب المنصور هذا لقتاله بنفسه وجرت بينهم حروب يطول ذكرها، وقد بسطها ابن الأثير في ‏(‏كامله‏)‏‏.‏

وقد انهزم في بعض الأحيان جيش المنصور ولم يبق إلا في عشرين نفساً‏.‏

فقاتل بنفسه قتالاً عظيماً، فهزم أبا يزيد بعدما كاد يقتله، وثبت المنصور ثباتاً عظيماً، فعظم في أعين الناس وزادت حرمته وهيبته، واستنقذ بلاد القيروان منه، وما زال يحاربه حتى ظفر به المنصور وقتله‏.‏

ولما جيء برأسه سجد شكراً لله‏.‏

وكان أبو يزيد هذا قبيح الشكل أعرج قصيراً خارجياً شديداً، يكفر أهل الملة‏.‏

وفي ذي الحجة منها قتل أبو الحسين البريدي، وصلب ثم أحرق، وذلك أنه قدم بغداد يستنجد بتوزون وأبي جعفر بن شيرزاد على ابن أخيه فوعدوه النصر، ثم شرع يفسد ما بين توزون وابن شيرزاد، فعلم بذلك ابن شيرزاد فأمر بسجنه وضربه، ثم أفتاه بعض الفقهاء بإباحة دمه، فأمر بقتله وصلبه ثم أحرقه، وانقضت أيام البريدية، وزالت دولتهم‏.‏

وفيها‏:‏ أمر المستكفي بإخراج القاهر الذي كان خليفة وأنزله دار ابن طاهر، وقد افتقر القاهر حتى لم يبق له شيء من اللباس سوى قطعه عباءة يلتف بها، وفي رجله قبقاب من خشب‏.‏

وفيها‏:‏ اشتد البرد والحر‏.‏

وفيها‏:‏ ركب معز الدولة في رجب منها إلى واسط، فبلغ خبره إلى توزون فركب هو والمستكفي، فلما سمع بهما رجع إلى بلاده وتسلمها الخليفة، وضمنها أبو القاسم بن أبي عبد الله، ثم رجع توزون والخليفة إلى بغداد في شوال منها‏.‏

وفيها‏:‏ ركب سيف الدولة علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان إلى حلب، فتسلمها من يأنس المؤنسي، ثم سار إلى حمص ليأخذها فجاءته جيوش الأخشيد محمد بن طغج مع مولاه كافور فاقتتلوا يقنسرين، فلم يظفر أحذ منهما بصاحبه، ورجع سيف الدولة إلى الجزيرة، ثم عاد إلى حلب فاستقر ملكه بها، فقصدته الروم في جحافل عظيمة، فالتقى معهم فظفر بهم فقتل منهم خلقاً كثيراً‏.‏

 ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة

في المحرم زاد الخليفة في لقبه إمام الحق، وكتب ذلك على السكة المتعامل بها، ودعا له الخطباء على المنابر أيام الجُمع‏.‏

وفي المحرم منها مات توزون التركي في داره ببغداد، وكانت إمارته سنتين وأربعة أشهر وعشرة أيام‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 239‏)‏

وكان ابن شيرزاد كاتبه، وكان غائباً بهيت لتخليص المال، فلما بلغه موته أراد أن يعقد البيعة لناصر الدولة بن حمدان، فاضطربت الأجناد وعقدوا الرياسة عليهم لابن شيرزاد فحضر ونزل بباب حرب مستهل صفر، وخرج إليه الأجناد كلهم وحلفوا له وحلف الخليفة والقضاة والأعيان، ودخل على الخليفة فخاطبه بأمير الأمراء، وزاد في أرزاق الجند وبعث إلى ناصر الدولة يطالبه بالخراج، فبعث إليه بخمسمائة ألف درهم، وبطعام يفرقه في الناس، وأمر ونهى وعزل وولى، وقطع ووصل، وفرح بنفسه ثلاثة أشهر وعشرين يوماً‏.‏

ثم جاءت الأخبار بأن معز الدولة بن بويه قد أقبل في الجيوش قاصداً بغداد، فاختفى ابن شيرزاد والخليفة أيضاً، وخرج إليه الأتراك قاصدين الموصل ليكونوا مع ناصر الدولة بن حمدان‏.‏

 أول دولة بني بويه وحكمهم ببغداد

أقبل معز الدولة أحمد بن الحسن بن بويه في جحافل عظيمة من الجيوش قاصداً بغداد، فلما اقترب منها بعث إليه الخليفة المستكفي بالله الهدايا والإنزالات، وقال للرسول‏:‏ أخبره أني مسرور به، وأني إنما اختفيت من شر الأتراك الذين انصرفوا إلى الموصل‏.‏

وبعث إليه بالخلع والتحف، ودخل معز الدولة بغداد في جمادى الأولى من هذه السنة، فنزل بباب الشماسية، ودخل من الغد إلى الخليفة فبايعه، ودخل عليه المستكفي ولقبه بمعز الدولة، ولقب أخاه أبا الحسن بعماد الدولة، وأخاه أبا علي الحسن بركن الدولة، وكتب ألقابهم على الدراهم والدنانير‏.‏

ونزل معز الدولة بدار مؤنس الخادم، ونزل أصحابه من الديلم بدور الناس، فلقي الناس منهم ضائقة شديدة، وأمن معز الدولة ابن شيرزاد، فلما ظهر استكتبه على الخراج، ورتب للخليفة بسبب نفقاته خمسة آلاف درهم في كل يوم، واستقرت الأمور على هذا النظام والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 240‏)‏

 القبض على الخليفة المستكفي بالله وخلعه

لما كان اليوم الثاني والعشرين من جمادى الآخرة حضر معز الدولة إلى الحضرة، فجلس على سرير بين يدي الخليفة، وجاء رجلان من الديلم فمدا أيديهما إلى الخليفة فأنزلاه عن كرسيه، وسحباه فتحربت عمامته في حلقه، ونهض معز الدولة واضطربت دار الخلافة حتى خلص إلى الحريم، وتفاقم الحال، وسيق الخليفة ماشياً إلى دار معز الدولة فاعتقل بها، وأحضر أبو القاسم الفضل بن المقتدر فبويع بالخلافة، وسملت عينا المستكفي وأودع السجن، فلم يزل به مسجوناً حتى كانت وفاته في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة كما يأتي ذكر ترجمته هناك‏.‏

 خلافة المطيع لله

لما قدم معز الدولة بغداد وقبض على المستكفي وسمل عينيه، استدعى بأبي القاسم الفضل بن المقتدر بالله، وقد كان مختفياً من المستكفي وهو يحث على طلبه ويجتهد، فلم يقدر عليه‏.‏

ويقال‏:‏ إنه اجتمع بمعز الدولة سراً فحرضه على المستكفي حتى كان من أمره ما كان، ثم أحضره وبويع له بالخلافة ولقب بالمطيع الله، وبايعه الأمراء والأعيان والعامة، وضعف أمر الخلافة جداً حتى لم يبق للخليفة أمر ولا نهي ولا وزير أيضاً، وإنما يكون له كاتب على أقطاعه، وإنما الدولة ومورد المملكة ومصدرها راجع إلى معز الدولة، وذلك لأن بني بويه ومن معهم من الديلم كان فيهم تعسف شديد، وكانوا يرون أن بني العباس قد غصبوا الأمر من العلويين، حتى عزم معز الدولة على تحويل الخلافة إلى العلويين واستشار أصحابه فكلهم أشار عليه بذلك، إلا رجلاً واحداً من أصحابه، كان سديد الرأي فيهم، فقال‏:‏ لا أرى لك ذلك‏.‏

قال‏:‏ ولم ذاك‏؟‏

قال‏:‏ لأن هذا خليفة ترى أنت وأصحابك أنه غير صحيح الإمارة، حتى لو أمرت بقتله قتله أصحابك، ولو وليت رجلاً من العلويين اعتقدت أنت وأصحابك ولايته صحيحة، فلو أمرت بقتله لم تطع بذلك، ولو أمر بقتلك لقتلك أصحابك‏.‏

فلما فهم ذلك صرفه عن رأيه الأول، وترك ما كان عزم عليه للدنيا لا لله عز وجل‏.‏

ثم نشبت الحرب بين ناصر الدولة بن حمدان وبين معز الدولة بن بويه، فركب ناصر الدولة بعدما خرج معز الدولة والخليفة إلى عكبرا، فدخل بغداد فأخذ الجانب الشرقي ثم الغربي، وضعف أمر معز الدولة والديلم الذين كانوا معه، ثم مكر به معز الدولة وخدعه حتى استظهر عليه وانتصر أصحابه فنهبوا بغداد وما قدروا عليه من أموال التجار وغيرهم، وكان قيمة ما أخذ أصحاب معز الدولة من الناس عشرة آلاف ألف دينار، ثم وقع الصلح بين ناصر الدولة ومعز الدولة‏.‏

ورجع ابن حمدان إلى بلده الموصل، واستقر أمر معز الدولة ببغداد، ثم شرع في استعمال السعاة ليبلغ أخاه ركن الدولة أخباره، فغوى الناس في ذلك وعلموا أبناءهم سعاة، حتى أن من الناس من كان يقطع نيفاً وثلاثين فرسخاً في يوم واحد‏.‏

وأعجبه المصارعون والملاكون، وغيرهم من أرباب هذه الصناعات التي لا ينتفع بها إلا كل قليل العقل فاسد المروءة، وتعلموا السباحة ونحوها، وكانت تضرب الطبول بين يديه ويتصارع الرجال، والكوسان تدق حول سور المكان الذي هو فيه، وكل ذلك رعونة وقلة عقل وسخافة منه‏.‏

ثم احتاج إلى صرف أموال في أرزاق الجند فأقطعهم البلاد عوضاً عن أرزاقهم، فأذى ذلك إلى خراب البلاد وترك عمارتها إلا الأراضي التي بأيدي أصحاب الجاهات‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 241‏)‏

وفي هذه السنة وقع غلاء شديد ببغداد، حتى أكلوا الميتة والسنانير والكلاب، وكان من الناس من يسرق الأولاد فيشويهم ويأكلهم‏.‏

وكثر الوباء في الناس حتى كان لا يدفن أحد أحداً، بل يتركون على الطرقات فيأكل كثيراً منهم الكلاب، وبيعت الدور والعقار بالخبز، وانتجع الناس إلى البصرة فكان منهم من مات في الطريق، ومنهم من وصل إليها بعد مدة مديدة‏.‏

وفيها‏:‏ كانت وفاة القائم بأمر الله أبي القاسم محمد بن عبد الله المهدي، وولى الأمر من بعده ولده المنصور إسماعيل، وكان حازم الرأي شديداً شجاعاً كما ذكرنا ذلك في السنة الماضية، وكانت وفاته في شوال من هذه السنة على الصحيح‏.‏

وفيها توفي‏:‏ الأخشيد محمد بن طغج صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية، كانت وفاته بدمشق وله من العمر بضع وستون سنة، وأقيم ولده أبو القاسم أبو جور - وكان صغيراً - وأقيم كافور الأخشيد أتابكه، وكان يدبر الممالك بالبلاد كلها، واستحوذ على الأمور كلها وسار إلى مصر فقصد سيف الدولة بن حمدان دمشق فأخذها من أصحاب الأخشيد، ففرح بها فرحاً شديداً، واجتمع بمحمد بن محمد بن نصر الفارابي التركي الفليسوف بها‏.‏

وركب سيف الدولة يوماً مع الشريف العقيلي في بعض نواحي دمشق، فنظر سيف الدولة إلى الغوطة فأعجبته وقال‏:‏ ينبغي أن يكون هذا كله لديوان السلطان - كأنه يعرض بأخذها من ملاكها - فأوغر ذلك صدر العقيلي وأوعاه إلى أهل دمشق، فكتبوا إلى كافور الأخشيدي يستنجدونه، فأقبل إليهم في جيوش كثيرة كثيفة، فأجلى عنهم سيف الدولة وطرده عن حلب أيضاً، واستناب عليها ثم كر راجعاً إلى دمشق، فاستناب عليها بدراً الأخشيدي - ويعرف ببدير - فلما صار كافور إلى الديار المصرية رجع سيف الدولة إلى حلب، فأخذها كما كانت أولاً له، ولم يبق له في دمشق شيء يطمع فيه‏.‏

وكافور هذا الذي هجاه المتنبي ومدحه أيضاً‏.‏

 وممن توفي من الأعيان‏:‏

 عمر بن الحسين

صاحب ‏(‏المختصر في الفقه‏)‏ على مذهب الإمام أحمد، وقد شرحه القاضي أبو يعلى بن الفراء والشيخ موفق الدين بن قدامة المقدسي، وقد كان الخرقي هذا من سادات الفقهاء والعباد، كثير الفضائل والعبادة، خرج من بغداد مهاجراً لما كثر بها الشر والسب للصحابة، وأودع كتبه في بغداد فاحترقت الدار التي كانت فيها الكتب، وعدمت مصنفاته، وقصد دمشق فأقام بها حتى مات في هذه السنة، وقبره بباب الصغير يزار قريباً من قبور الشهداء‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 242‏)‏

وذكر في مختصره هذا في الحج‏:‏ ويأتي الحجر الأسود ويقبله إن كان هناك، وإنما قال ذلك لأن تصنيفه لهذا الكتاب كان والحجر الأسود قد أخذته القرامطة وهو في أيديهم في سنة سبع عشرة وثلاثمائة كما تقدم ذلك، ولم يرد إلى مكانه إلا سنة سبع وثلاثين كما سيأتي بيانه في موضعه‏.‏

قال الخطيب البغدادي‏:‏ قال لي القاضي أبو يعلى‏:‏ كان للخرقي مصنفات كثيرة وتخريجات على المذهب لم تظهر لأنه خرج من مدينته لما ظهر بها سب الصحابة، وأودع كتبه فاحترقت الدار التي هي فيها فاحترقت الكتب ولم تكن قد انتشرت لبعده عن البلد‏.‏

ثم روى الخطيب من طريقه عن أبي الفضل عبد السميع عن الفتح بن شخرف عن الخرقي قال‏:‏ رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في المنام فقال لي‏:‏ ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء ‏!‏‏!‏

قال‏:‏ قلت زدني يا أمير المؤمنين‏.‏

قال‏:‏ وأحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء‏.‏

قال‏:‏ ورفع له كفه فإذا فيها مكتوب‏:‏

قد كنت ميتاً فصرت حياً * وعن قريب تعود ميتا

فابن بدار البقاء بيتاً * ودع بدار الفناء بيتا

قال ابن بطة‏:‏ مات الخرقي بدمشق سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وزرت قبره رحمه الله‏.‏

 محمد بن عيسى

أبو عبد الله بن موسى الفقيه الحنفي، أحد أئمة العراقيين في زمانه، وقد ولى القضاء ببغداد للمتقي ثم للمستكفي، وكان ثقة فاضلاً، كبست اللصوص داره يظنون أنه ذو مال، فضربه بعضهم ضربة أثخنته، فألقى نفسه من شدة الفزع إلى الأرض فمات رحمه الله تعالى في ربيع الأول من هذه السنة‏.‏

 محمد بن محمد بن عبد الله

أبو الفضل السلمي الوزير الفقيه المحدث الشاعر، سمع الكثير وجمع وصنف، وكان يصوم الاثنين والخميس، ولا يدع صلاة الليل والتصنيف، وكان يسأل الله تعالى الشهادة كثيراً‏.‏

فولي الوزارة للسلطان فقصده الأجناد فطالبوه بأرزاقهم، واجتمع منهم ببابه خلق كثير، فاستدعى بحلاق فحلق رأسه، وتنور وتطيب ولبس كفنه وقام يصلي، فدخلوا عليه فقتلوه وهو ساجد، رحمه الله، في ربيع الآخر من هذه السنة‏.‏

 الأخشيد محمد بن عبد الله بن طغج

أبو بكر الملقب بالأخشيد ومعناه ملك الملوك، لقبه بذلك الراضي لأنه كان ملك فرغانة، وكل من ملكها كان يسمى الأخشيد، كما أن من ملك اشروسية يسمى الآفشين‏.‏

ومن ملك خوارزم يسمى خوارزم شاه، ومن ملك جرجان يسمى صول، ومن ملك أذربيجان يسمى أصبهبذ، ومن ملك طبرستان يسمى أرسلان‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 243‏)‏

قاله ابن الجوزي في ‏(‏منتظمه‏)‏‏.‏

قال السهيلي‏:‏ وكانت العرب تسمي من ملك الشام مع الجزيرة كافراً قيصر، ومن ملك فارس كسرى، ومن ملك اليمن تبع، ومن ملك الحبشة النجاشي، ومن ملك الهند بطليموس، ومن ملك مصر فرعون، ومن ملك الإسكندرية المقوقس، وذكر غير ذلك‏.‏

توفي بدمشق ونقل إلى بيت المقدس فدفن هناك رحمه الله‏.‏

 أبو بكر الشبلي

أحد مشايخ الصوفية، اختلفوا في اسمه على أقوال فقيل‏:‏ دلف بن جعفر، ويقال‏:‏ دلف بن جحدر، وقيل‏:‏ جعفر بن يونس، أصله من قرية يقال لها‏:‏ شبلة من بلاد أُشروسنة من خراسان، وولد بسامرا، وكان أبوه حاجب الحجاب للموفق، وكان خاله نائب الإسكندرية، وكانت توبة الشبلي على يدي خير النساج، سمعه يعظ فوقع في قلبه كلامه فتاب من فوره، ثم صحب الفقراء ولمشايخ، ثم صار من أئمة القوم‏.‏

قال الجنيد‏:‏ الشبلي تاج هؤلاء‏.‏

وقال الخطيب‏:‏ أخبرنا أبو الحسن علي بن محمود الزوزني قال‏:‏ سمعت علي بن المثنى التميمي يقول‏:‏ دخلت يوماً على الشبلي في داره وهو يهيج ويقول‏:‏

علي بعدك لا يصبر * من عادته القرب

ولا يقوى على هجرك * من تيّمه الحب

فإن لم ترك العين * فقد يبصرك القلب

وقد ذكر له أحوال وكرامات، وقد ذكرنا أنه كان ممن اشتبه عليه أمر الحلاج فيما نسب إليه من الأقوال من غير تأمل لما فيها، مما كان الحلاج يحاوله من الإلحاد والاتحاد، ولما حضرته الوفاة قال لخادمه‏:‏ قد كان عليّ درهم مظلمة فتصدقت عن صاحبه بألوف، ومع هذا ما على قلبي شغل أعظم منه‏.‏

ثم أمره بأن يوضئه فوضأه وترك تخليل لحيته، فرفع الشبلي يده - وقد كان اعتقل لسانه - فجعل يخلل لحيته‏.‏

وذكره ابن خلكان في ‏(‏الوفيات‏)‏، وحكى عنه أنه دخل يوماً على الجنيد فوقف بين يديه وصفق بيديه وأنشد‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 244‏)‏

عودوني الوصال والوصل عذب * ورموني بالصد والصد صعب

زعموا حين اعتبوا أن جرمي * فرط حبي لهم وما ذاك ذنب

لا وحق الخضوع عند التلاقي * ما جزاء من يحب إلا يحب

وذكر عنه قال‏:‏ رأيت مجنوناً على باب جامع الرصافة يوم جمعة عرياناً وهو يقول‏:‏ أنا مجنون الله، فقلت‏:‏ ألا تستتر وتدخل إلى الجامع فتصلى الجمعة‏.‏

فقال‏:‏

يقولون زرنا واقض واجب حقنا * وقد أسقطت حالي حقوقهم عني

إذا أبصروا حالي ولم يأنفوا لها * ولم يأنفوا مني أنفت لهم مني

وذكر الخطيب في‏(‏تاريخه‏)‏ عنه أنه انشد لنفسه فقال‏:‏ مضتِ الشبيبة والحبيبة فانبرى * دمعان في الأجفان يزدحمان

ما أنصفتني الحادثات رمينني * بمودعين وليس لي قلبان

كانت وفاته رحمه الله تعالى ليلة الجمعة لليلتين بقيتا من هذه السنة، وله سبع وثمانون سنة، ودفن في مقبرة الخيزران ببغداد والله أعلم‏.‏