فصل: الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِيرِهَا وَصِفَتِهَا وَشَرَائِطِهَا:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الفتاوى الهندية



.الْفَصْلُ السَّادِسُ فِي الْقَبْرِ وَالدَّفْنِ وَالنَّقْلِ مِنْ مَكَان إلَى آخَرَ:

دَفْنُ الْمَيِّتِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَالسُّنَّةُ هُوَ اللَّحْدُ دُونَ الشَّقِّ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَصِفَةُ اللَّحْدِ أَنْ يُحْفَرَ الْقَبْرُ بِتَمَامِهِ ثُمَّ يُحْفَرَ فِي جَانِبِ الْقِبْلَةِ مِنْهُ حَفِيرَةٌ فَيُوضَعَ فِيهِ الْمَيِّتُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَيُجْعَلُ ذَلِكَ كَالْبَيْتِ الْمُسَقَّفِ، كَذَا فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ.
فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ رَخْوَةً فَلَا بَأْسَ بِالشَّقِّ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَصِفَةُ الشَّقِّ أَنْ تُحْفَرَ حَفِيرَةٌ كَالنَّهْرِ وَسَطَ الْقَبْرِ وَيُبْنَى جَانِبَاهُ بِاللَّبِنِ أَوْ غَيْرِهِ وَيُوضَعَ الْمَيِّتُ فِيهِ وَيُسَقَّفَ، كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِقْدَارُ عُمْقِ الْقَبْرِ إلَى صَدْرِ رَجُلٍ وَسَطِ الْقَامَةِ وَكُلَّمَا زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ، كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ النَّيِّرَةِ.
وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- طُولُ الْقَبْرِ عَلَى قَدْرِ طُولِ الْإِنْسَانِ وَعَرْضُهُ قَدْرَ نِصْفِ قَامَتِهِ، كَذَا فِي الْمُضْمَرَاتِ.
وَحُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّهُ جَوَّزَ اتِّخَاذَ التَّابُوتِ فِي بِلَادِنَا لِرَخَاوَةِ الْأَرْضِ قَالَ: وَلَوْ اُتُّخِذَ تَابُوتٌ مِنْ حَدِيدٍ لَا بَأْسَ بِهِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفْرَشَ فِيهِ التُّرَابُ وَيُطَيَّنَ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا مِمَّا يَلِي الْمَيِّتَ وَيُجْعَلُ اللَّبِنُ الْخَفِيفُ عَلَى يَمِينِ الْمَيِّتِ وَعَلَى يَسَارِهِ لِيَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ اللَّحْدِ وَيُكْرَهُ الْآجُرُّ فِي اللَّحْدِ إذَا كَانَ يَلِي الْمَيِّتَ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَيُكْرَهُ الدَّفْنُ فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي تُسَمَّى فَسَاقَى، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
وَالشَّفْعُ كَالْوِتْرِ فِيمَنْ دَخَلَ، كَذَا فِي الْكَافِي.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونُوا أَقْوِيَاءَ أُمَنَاءَ وَصُلَحَاءَ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَذُو الرَّحِمِ الْمُحَرَّمُ أَوْلَى بِإِدْخَالِ الْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِهِمْ، كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ النَّيِّرَةِ وَكَذَا ذُو الرَّحِمِ غَيْرُ الْمُحَرَّمِ أَوْلَى مِنْ الْأَجْنَبِيِّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا بَأْسَ لِلْأَجَانِبِ وَضْعُهَا، كَذَا فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ، وَلَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْ النِّسَاءِ الْقَبْرَ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَيُدْخَلُ الْمَيِّتُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ وَذَلِكَ أَنْ يُوضَعَ فِي جَانِبِ الْقِبْلَةِ مِنْ الْقَبْرِ وَيُحْمَلُ الْمَيِّتُ مِنْهُ وَيُوضَعَ فِي اللَّحْدِ، فَيَكُونُ الْآخِذُ لَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَالَةَ الْأَخْذِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَيَقُولُ وَاضِعُهُ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، كَذَا فِي الْمُتُونِ.
وَيُوضَعُ فِي الْقَبْرِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَتُحَلُّ الْعُقْدَةُ وَيُسَوَّى اللَّبِنُ وَالْقَصَبُ لَا الْآجُرُّ وَالْخَشَبُ وَيُسَجَّى قَبْرُهَا لَا قَبْرُهُ وَيُهَالُ التُّرَابُ، كَذَا فِي الْمُتُونِ.
وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُهِيلُوا بِأَيْدِيهِمْ أَوْ بِالْمَسَاحِي وَبِكُلِّ مَا أَمْكَنَ، كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ النَّيِّرَةِ وَيُكْرَهُ أَنْ يُزَادَ عَلَى التُّرَابِ الَّذِي أُخْرِجَ مِنْ الْقَبْرِ، كَذَا فِي الْعَيْنِيِّ شَرْحِ الْكَنْزِ.
وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ شَهِدَ دَفْنَ الْمَيِّتِ أَنْ يَحْثُوَ فِي قَبْرِهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ التُّرَابِ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا وَيَكُونُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِ الْمَيِّتِ وَيَقُولُ فِي الْحَثْيَةِ الْأُولَى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِي الثَّانِيَةِ: وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَفِي الثَّالِثَةِ: وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى، كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ النَّيِّرَةِ.
وَلَا بَأْسَ بِالدَّفْنِ بِاللَّيْلِ وَلَكِنَّهُ بِالنَّهَارِ أَمْكَنُ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ.
وَيُسْنَمُ الْقَبْرُ قَدْرَ الشِّبْرِ وَلَا يُرَبَّعُ وَلَا يُجَصَّصُ وَلَا بَأْسَ بِرَشِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَيُكْرَهُ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ أَوْ يُقْعَدَ أَوْ يُنَامَ عَلَيْهِ أَوْ يُوطَأَ عَلَيْهِ أَوْ تُقْضَى حَاجَةُ الْإِنْسَانِ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ يُعَلَّمَ بِعَلَامَةٍ مِنْ كِتَابَةٍ وَنَحْوِهِ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
وَإِذَا خَرِبَتْ الْقُبُورُ فَلَا بَأْسَ بِتَطْيِينِهَا، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي جَوَاهِرِ الْأَخْلَاطِيِّ.
وَمَنْ حَفَرَ قَبْرًا لِنَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة رَجُلٌ حَفَرَ قَبْرًا فَأَرَادُوا دَفْنَ مَيِّتٍ آخَرَ فِيهِ إنْ كَانَتْ الْمَقْبَرَةُ وَاسِعَةً يُكْرَهُ وَإِنْ كَانَتْ ضَيِّقَةً جَازَ وَلَكِنْ يَضْمَنُ مَا أَنْفَقَ صَاحِبُهُ فِيهِ، كَذَا فِي الْمُضْمَرَاتِ.
وَالْأَفْضَلُ الدَّفْنُ فِي الْمَقْبَرَةِ الَّتِي فِيهَا قُبُورُ الصَّالِحِينَ وَيُسْتَحَبُّ إذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ أَنْ يَجْلِسُوا سَاعَةً عِنْدَ الْقَبْرِ بَعْدَ الْفَرَاغِ بِقَدْرِ مَا يُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقَسَّمُ لَحْمُهَا يَتْلُونَ الْقُرْآنَ وَيَدْعُونَ لِلْمَيِّتِ، كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ النَّيِّرَةِ.
قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عِنْدَ الْقُبُورِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لَا تُكْرَهُ وَمَشَايِخُنَا- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- أَخَذُوا بِقَوْلِهِ وَهَلْ يَنْتَفِعُ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَنْتَفِعُ، هَكَذَا فِي الْمُضْمَرَاتِ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ مَسْجِدٌ أَوْ غَيْرُهُ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَيُكْرَهُ عِنْدَ الْقَبْرِ مَا لَمْ يُعْهَدْ مِنْ السُّنَّةِ وَالْمَعْهُودُ مِنْهَا لَيْسَ إلَّا زِيَارَتُهُ وَالدُّعَاءُ عِنْدَهُ قَائِمًا، كَذَا فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ.
وَلَا يُدْفَنُ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ فَيُوضَعُ الرَّجُلُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ ثُمَّ خَلْفَهُ الْغُلَامُ ثُمَّ خَلْفَهُ الْخُنْثَى ثُمَّ خَلْفَهُ الْمَرْأَةُ وَيُجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ مَيِّتَيْنِ حَاجِزٌ مِنْ التُّرَابِ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ، وَإِنْ كَانَا رَجُلَيْنِ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْدِ أَفْضَلُهُمَا، هَكَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَكَذَا إذَا كَانَتَا امْرَأَتَيْنِ، هَكَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَلَوْ بَلَى الْمَيِّتُ وَصَارَ تُرَابًا جَازَ دَفْنُ غَيْرِهِ فِي قَبْرِهِ وَزَرْعُهُ وَالْبِنَاءُ عَلَيْهِ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
وَيُسْتَحَبُّ فِي الْقَتِيلِ وَالْمَيِّتِ دَفْنُهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي مَاتَ فِي مَقَابِرِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ وَإِنْ نُقِلَ قَبْلَ الدَّفْنِ إلَى قَدْرِ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَكَذَا لَوْ مَاتَ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ فَإِنْ نُقِلَ إلَى مِصْرٍ آخَرَ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَا يَنْبَغِي إخْرَاجُ الْمَيِّتِ مِنْ الْقَبْرِ بَعْدَ مَا دُفِنَ إلَّا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ مَغْصُوبَةً أَوْ أُخِذَتْ بِشُفْعَةٍ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
إذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا فَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ الْمَيِّتِ وَإِنْ شَاءَ سَوَّى الْأَرْضَ وَزَرَعَ فِيهَا، كَذَا فِي التَّجْنِيسِ.
وَلَوْ وُضِعَ الْمَيِّتُ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ أَوْ جُعِلَ رَأْسُهُ مَوْضِعَ رِجْلَيْهِ وَأُهِيلَ عَلَيْهِ التُّرَابُ لَمْ يُنْبَشْ وَلَوْ سُوِّيَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ وَلَمْ يُهَلْ عَلَيْهِ التُّرَابُ نُزِعَ اللَّبِنُ وَرُوعِيَ السُّنَّةُ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَتَاعٌ فَعُلِمَ بِذَلِكَ بَعْدَ مَا أَهَالُوا عَلَيْهِ التُّرَابَ يُنْبَشُ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، قَالُوا وَلَوْ كَانَ الْمَالُ دِرْهَمًا، كَذَا فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ.
وَيُكْرَهُ قَطْعُ الْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ مِنْ الْمَقْبَرَةِ فَإِنْ كَانَ يَابِسًا لَا بَأْسَ بِهِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَالْمَشْيُ فِي الْمَقَابِرِ بِنَعْلَيْنِ لَا يُكْرَهُ عِنْدَنَا، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ.

.وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ مَسَائِلُ:

التَّعْزِيَةُ لِصَاحِبِ الْمُصِيبَةِ حَسَنٌ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ إذَا عَزَّى أَهْلَ الْمَيِّتِ مَرَّةً فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَزِّيَهُ مَرَّةً أُخْرَى، كَذَا فِي الْمُضْمَرَاتِ.
وَوَقْتُهَا مِنْ حِينِ يَمُوتُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَيُكْرَهُ بَعْدَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعَزِّي أَوْ الْمُعَزَّى إلَيْهِ غَائِبًا فَلَا بَأْسَ بِهَا وَهِيَ بَعْدَ الدَّفْنِ أَوْلَى مِنْهَا قَبْلَهُ وَهَذَا إذَا لَمْ يُرَ مِنْهُمْ جَزَعٌ شَدِيدٌ فَإِنْ رُئِيَ ذَلِكَ قُدِّمَتْ التَّعْزِيَةُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعُمَّ بِالتَّعْزِيَةِ جَمِيعَ أَقَارِبِ الْمَيِّتِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً شَابَّةً فَلَا يُعَزِّيهَا إلَّا مَحَارِمُهَا، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ لِصَاحِبِ التَّعْزِيَةِ: غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَيِّتِكَ وَتَجَاوَزَ عَنْهُ وَتَغَمَّدَهُ بِرَحْمَتِهِ وَرَزَقَكَ الصَّبْرَ عَلَى مُصِيبَتِهِ وَآجَرَكَ عَلَى مَوْتِهِ، كَذَا فِي الْمُضْمَرَاتِ نَاقِلًا عَنْ الْحُجَّةِ.
وَأَحْسَنُ ذَلِكَ تَعْزِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى} وَيُقَالُ فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ وَفِي تَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِالْمُسْلِمِ أَحْسَنَ اللَّهُ عَزَاءَكَ وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ وَلَا يُقَالُ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ وَفِي تَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِالْكَافِرِ أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَلَا نَقَصَ عَدَدَكَ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ.
وَلَا بَأْسَ لِأَهْلِ الْمُصِيبَةِ أَنْ يَجْلِسُوا فِي الْبَيْتِ أَوْ فِي مَسْجِدٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَالنَّاسُ يَأْتُونَهُمْ وَيُعَزُّونَهُمْ وَيُكْرَهُ الْجُلُوس عَلَى بَابِ الدَّارِ وَمَا يُصْنَعُ فِي بِلَادِ الْعَجَمِ مِنْ فَرْشِ الْبُسُطِ وَالْقِيَامِ عَلَى قَوَارِعِ الطُّرُقِ مِنْ أَقْبَحِ الْقَبَائِحِ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَفِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى وَالْجُلُوسُ لِلْمُصِيبَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ رُخْصَةٌ وَتَرْكُهُ أَحْسَنُ، كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ.
وَأَمَّا النَّوْحُ الْعَالِي فَلَا يَجُوزُ وَالْبُكَاءُ مَعَ رِقَّةِ الْقَلْبِ لَا بَأْسَ بِهِ وَيُكْرَهُ لِلرِّجَالِ تَسْوِيدُ الثِّيَابِ وَتَمْزِيقُهَا لِلتَّعْزِيَةِ وَلَا بَأْسَ بِالتَّسْوِيدِ لِلنِّسَاءِ وَأَمَّا تَسْوِيدُ الْخُدُودِ وَالْأَيْدِي وَشَقُّ الْجُيُوبِ وَخَدْشُ الْوُجُوهِ وَنَشْرُ الشُّعُورِ وَنَثْرُ التُّرَابِ عَلَى الرُّءُوسِ وَالضَّرْبُ عَلَى الْفَخِذِ وَالصَّدْرِ وَإِيقَادُ النَّارِ عَلَى الْقُبُورِ فَمِنْ رُسُومِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْبَاطِلِ وَالْغُرُورِ، كَذَا فِي الْمُضْمَرَاتِ.
وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُتَّخَذَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامٌ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ، وَلَا يُبَاحُ اتِّخَاذُ الضِّيَافَةِ عِنْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.

.الْفَصْلُ السَّابِعُ فِي الشَّهِيدِ:

وَهُوَ فِي الشَّرْعِ مَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ وَالْبَغْيِ وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ أَوْ وُجِدَ فِي مَعْرَكَةٍ وَبِهِ جُرْحٌ أَوْ يَخْرُجُ الدَّمُ مِنْ عَيْنَيْهِ أَوْ أُذُنِهِ أَوْ جَوْفِهِ أَوْ بِهِ أَثَرُ الْحَرْقِ أَوْ وَطِئَتْهُ دَابَّةُ الْعَدُوِّ وَهُوَ رَاكِبُهَا أَوْ سَائِقُهَا أَوْ كَدَمَتْهُ أَوْ صَدَمَتْهُ بِيَدِهَا أَوْ بِرِجْلِهَا أَوْ نَفَرُوا دَابَّتَهُ بِضَرْبٍ أَوْ زَجْرٍ فَقَتَلَتْهُ أَوْ طَعَنُوهُ فَأَلْقَوْهُ فِي مَاءٍ أَوْ نَارٍ أَوْ رَمَوْهُ مِنْ سُوَرٍ أَوْ أَسْقَطُوا عَلَيْهِ حَائِطًا أَوْ رَمَوْا نَارًا فِينَا أَوْ هَبَّتْ بِهَا رِيحٌ إلَيْنَا أَوْ جَعَلُوهَا فِي طَرَفِ خَشَبٍ رَأْسُهَا عِنْدَنَا أَوْ أَرْسَلُوا إلَيْنَا مَاءً فَاحْتَرَقَ أَوْ غَرِقَ مُسْلِمٌ أَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ ظُلْمًا وَلَمْ تَجِبْ بِهِ دِيَةٌ كَذَا فِي الْكَافِي.
وَكَذَا إنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَوْ الْمُسْتَأْمَنُونَ هَكَذَا فِي الْعَيْنِيِّ شَرْحِ الْهِدَايَةِ.
وَلَوْ وَجَبَتْ الدِّيَةُ بِصُلْحٍ أَوْ بِقَتْلِ الْأَبِ ابْنَهُ لَا تَسْقُطُ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْقِصَاصُ لَكِنَّهُ سَقَطَ بِالصُّلْحِ أَوْ الشُّبْهَةِ، كَذَا فِي الْعَيْنِيِّ شَرْحِ الْكَنْزِ.
وَمَنْ قُتِلَ مُدَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِأَيِّ آلَةٍ قُتِلَ بِحَدِيدٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ فَهُوَ شَهِيدٌ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي سَفِينَةٍ فَرَمَاهُمْ الْعَدُوُّ بِالنَّارِ فَاحْتَرَقُوا مِنْ ذَلِكَ وَتَعَدَّى إلَى سَفِينَةٍ أُخْرَى فِيهَا الْمُسْلِمُونَ فَاحْتَرَقُوا كُلُّهُمْ شُهَدَاءُ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَحُكْمُهُ أَنْ لَا يُغَسَّلَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ وَيُدْفَنُ بِدَمِهِ وَثِيَابِهِ، كَذَا فِي الْكَافِي.
وَلَوْ كَانَ فِي ثَوْبِ الشَّهِيدِ نَجَاسَةٌ تُغْسَلُ، كَذَا فِي الْعَتَّابِيَّةِ.
وَيُنْزَعُ عَنْهُ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ نَحْوُ السِّلَاحِ وَالْجُلُودِ وَالْفَرْوِ وَالْحَشْوِ وَالْخُفِّ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالسَّرَاوِيلِ وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- السَّرَاوِيلَ إلَّا فِي السَّيْرِ وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ يَقُولُ الْأَشْبَهُ: أَنْ لَا يُنْزَعَ السَّرَاوِيلُ وَوَافَقَهُ فِي ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- هَكَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَيُزَادُ حَتَّى يَتِمَّ الْكَفَنُ وَيُنْقَصُ إنْ كَانَ زِيَادَةً عَلَى سُنَّةِ الْكَفَنِ، كَذَا فِي الْكَافِي.
وَيُجْعَلُ الْحَنُوطُ لِلشَّهِيدِ كَمَا فِي الْمَيِّتِ، كَذَا فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ.
وَيُغَسَّلُ إنْ قُتِلَ جُنُبًا أَوْ صَبِيًّا مَجْنُونًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هَكَذَا فِي التَّبْيِينِ وَكَذَا تُغَسَّلُ إنْ قُتِلَتْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ إنْ طَهُرَتَا وَتَمَّ الِانْقِطَاعُ فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ تُغَسَّلُ إنْ صَلُحَ الْمَرْئِيُّ حَيْضًا فِي الْأَصَحِّ، هَكَذَا فِي الْكَافِي.
أَمَّا لَوْ رَأَتْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ قُتِلَتْ لَا تُغَسَّلُ بِالْإِجْمَاعِ، كَذَا فِي الْعَيْنِيِّ شَرْحِ الْهِدَايَةِ.
وَيُغَسَّلُ مَنْ اُرْتُثَّ وَهُوَ مَنْ صَارَ خَلْقًا فِي حُكْمِ الشَّهَادَةِ لِنَيْلِ مَرَافِقِ الْحَيَاةِ وَهُوَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَوْ يَنَامَ أَوْ يُدَاوَى أَوْ يُنْقَلَ مِنْ الْمَعْرَكَةِ حَيًّا إلَّا إذَا حُمِلَ مِنْ مَصْرَعِهِ كَيْ لَا تَطَأَهُ الْخُيُولُ وَلَوْ آوَاهُ فُسْطَاطٌ أَوْ خَيْمَةٌ أَوْ بَقِيَ حَيًّا حَتَّى مَضَى وَقْتُ الصَّلَاةِ وَهُوَ يَعْقِلُ فَهُوَ مُرْتَثٌّ، هَكَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَمِنْ الِارْتِثَاثِ أَنْ يَبِيعَ أَوْ يَشْتَرِيَ أَوْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا وُجِدَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ وَأَمَّا قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَلَا يَكُونُ مُرْتَثًّا، كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
وَيُغَسَّلُ إنْ أَوْصَى بِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ أَوْ قُتِلَ فِي الْمِصْرِ وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ ظُلْمًا، كَذَا فِي الْعَيْنِيِّ شَرْحِ الْكَنْزِ، وَكَذَا لَوْ قَامَ مِنْ مَكَانِهِ أَوْ تَحَوَّلَ إلَى مَكَان آخَرَ، هَكَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَإِنْ انْفَلَتَتْ دَابَّةُ مُشْرِكٍ وَلَيْسَ عَلَيْهَا أَحَدٌ فَوَطِئَتْ مُسْلِمًا أَوْ رَمَى مُسْلِمٌ إلَى الْمُشْرِكِينَ فَأَصَابَ مُسْلِمًا أَوْ نَفَرَتْ دَابَّةُ مُشْرِكٍ فَرَمَتْهُ أَوْ هَرَبَ الْمُسْلِمُونَ فَأَلْجَأَهُمْ الْكُفَّارُ إلَى نَارٍ أَوْ خَنْدَقٍ أَوْ جَعَلَ الْمُسْلِمُونَ الْحَسَكَ حَوْلَهُمْ فَمَشَوْا عَلَيْهَا وَمَاتُوا يُغَسَّلُونَ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَإِنْ عَثَرَتْ دَابَّةُ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقِتَالِ فَرَمَتْ بِهِ فَقَتَلَتْهُ غُسِّلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَلَوْ رَأَتْ دَوَابُّ الْمُسْلِمِينَ رَايَاتِ الْمُشْرِكِينَ فَنَفَرَتْ مِنْ ذَلِكَ دَابَّةٌ مِنْ غَيْرِ تَنْفِيرِ الْمُشْرِكِينَ وَرَمَتْ صَاحِبَهَا وَقَتَلَتْهُ غُسِّلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- وَكَذَا لَوْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ تَحَصَّنُوا فِي مَدِينَةٍ فَصَعِدَ الْمُسْلِمُونَ بِسُوَرِهَا فَمَالَتْ رِجْلُ إنْسَانٍ مِنْهُمْ فَوَقَعَ وَمَاتَ غُسِّلَ عِنْدَهُمَا وَكَذَلِكَ لَوْ انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ فَوَطِئَتْ دَابَّةُ مُسْلِمٍ مُسْلِمًا وَصَاحِبُهَا عَلَيْهَا أَوْ سَائِقٌ أَوْ قَائِدٌ غُسِّلَ وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ نَقَبُوا الْحَائِطَ فَوَقَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ نَقْبِهِمْ غُسِّلُوا لَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَكَذَلِكَ إذَا حَمَلَ عَلَى الْعَدُوِّ فَسَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَإِنْ تَرَاءَى الْفَرِيقَانِ وَلَمْ يَتَقَاتَلَا غُسِّلَ مَنْ وُجِدَ مَيِّتًا حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ ظُلْمًا، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَلَوْ وُجِدَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَلَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَرُ الْقَتْلِ مِنْ جِرَاحَةٍ أَوْ خَنْقٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ خُرُوجِ دَمٍ لَمْ يَكُنْ شَهِيدًا وَكَذَا لَوْ خَرَجَ الدَّمُ مِنْ مَوْضِعٍ يَخْرُجُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ آفَةٍ فِي الْبَاطِنِ كَالْأَنْفِ وَالذَّكَرِ وَالدُّبُرِ وَكَذَا لَوْ خَرَجَ مِنْ فَمِهِ نَازِلًا مِنْ رَأْسِهِ، هَكَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ صَارَ مَقْتُولًا فِي قِتَالِ ثَلَاثٍ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ الْبُغَاةِ أَوْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ بِمَعْنَى مُضَافِ الْعَدُوِّ وَسَوَاءٌ كَانَ بِالْمُبَاشَرَةِ أَوْ التَّسْبِيبِ كَانَ شَهِيدًا وَكُلُّ مَنْ صَارَ مَقْتُولًا بِمَعْنًى غَيْرِ مُضَافٍ إلَى الْعَدُوِّ لَا يَكُونُ شَهِيدًا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.

.الْبَابُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ فِي السَّجَدَاتِ:

مَسَائِلُهُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أُصُولٍ:
(مِنْهَا) السَّجْدَةُ مَتَى أُدِّيَتْ فِي مَحِلِّهَا تَصِحُّ بِغَيْرِ النِّيَّةِ وَمَتَى فَاتَتْ عَنْ مَحِلِّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّةِ ثُمَّ إنَّمَا تَصِيرُ فَائِتَةً عَنْ مَحِلِّهَا إذَا تَخَلَّلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَحِلِّهَا رَكْعَةٌ تَامَّةٌ.
(وَمِنْهَا) مَتَى وَقَعَ الشَّكُّ فِي تَرْكِ الرَّكْعَةِ أَوْ السَّجْدَةِ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهَا لِيَخْرُجَ عَمَّا عَلَيْهِ بِيَقِينٍ وَيُقَدِّمَ السَّجْدَةَ عَلَى الرَّكْعَةِ، وَلَوْ قَدَّمَ الرَّكْعَةَ عَلَيْهَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ.
(وَمِنْهَا) أَنَّ مَا تَرَدَّدَ بِهِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْبِدْعَةِ يَأْتِي بِهِ احْتِيَاطًا، وَمَا تَرَدَّدَ بِهِ بَيْنَ الْبِدْعَةِ وَالسُّنَّةِ يَتْرُكُ.
(وَمِنْهَا) أَنَّهُ يَنْظُرُ إلَى الْمَتْرُوكَةِ مِنْ السَّجَدَاتِ وَإِلَى الْمُؤَدَّاةِ فَأَيُّهَا أَقَلُّ فَالْعِبْرَةُ لَهُ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْأَقَلِّ أَسْهَلُ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ وَالظَّهِيرِيَّةِ.
رَجُلٌ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ فَتَذَكَّرَ فِي آخِرِهَا قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْهَا سَجْدَةً فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَهَا ثُمَّ يَتَشَهَّدَ وَيُسَلِّمَ وَيَسْجُدَ لِلسَّهْوِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَغَالِبُ رَأْيِهِ ذَلِكَ يَنْوِي الْقَضَاءَ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا مِنْ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ وَلَمْ يَقَعْ تَحَرِّيهِ عَلَى شَيْءٍ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا مِنْ الثَّانِيَةِ لَا يَنْوِي الْقَضَاءَ، وَلَوْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْهَا سَجْدَتَيْنِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَهُمَا مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ أَوْ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَهُمَا وَيَتَشَهَّدَ وَيُسَلِّمَ ثُمَّ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَهُمَا مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَةً، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ كَيْفَ تَرَكَهُمَا يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ يَنْوِي الْقَضَاءَ مِنْ الْأُولَى ثُمَّ يُصَلِّيَ رَكْعَةً، وَمَنْ أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ الثَّانِي لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِتِلْكَ الرَّكْعَةِ؛ لِأَنَّ السَّجْدَتَيْنِ تُضَمَّانِ إلَى الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ هَذَا فِي رِوَايَةٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ تُضَمَّانِ إلَى الرُّكُوعِ الثَّانِي فَيَصِيرُ مُدْرِكًا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ مِنْ أَيِّهِمَا تَرَكَ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ أَوَّلًا وَيَتَشَهَّدُ، وَلَا يُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُومُ وَيُصَلِّي رَكْعَةً وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَلَوْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْهَا ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ سَجْدَةً وَيُصَلِّي رَكْعَةً ثُمَّ يَتَشَهَّدُ، وَلَا يَنْوِي الْقَضَاءَ فِي السَّجْدَةِ، وَلَوْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْهَا أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ وَيَضُمُّ إلَى الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ فِي رِوَايَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ إلَى الرُّكُوعِ الثَّانِي وَيُصَلِّي رَكْعَةً أُخْرَى هَكَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَإِذَا صَلَّى صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَتَرَكَ مِنْهَا سَجْدَةً يَأْتِي بِالسَّجْدَةِ وَحْدَهَا وَيَنْوِي مَا عَلَيْهِ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ، وَإِنْ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ مِنْهَا يُؤْمَرُ بِالْعَمَلِ بِالتَّحَرِّي إنْ لَمْ يَدْرِ أَنَّهُمَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ تَحَرِّيهِ عَلَى شَيْءٍ يَأْخُذُ بِالِاحْتِيَاطِ وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ يَنْوِي بِهِمَا جَمِيعًا مَا عَلَيْهِ أَوْ الْقَضَاءَ وَيَتَشَهَّدُ بَعْدَهُمَا ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً أُخْرَى ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ، وَإِنْ تَرَكَ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ يُؤْمَرُ بِالتَّحَرِّي عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ تَحَرِّيهِ عَلَى شَيْءٍ يَسْجُدُ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ وَيَجْلِسُ بَعْدَهَا جُلُوسًا مُسْتَحَقًّا لَوْ تَرَكَهُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَةً ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ.
وَإِنْ تَرَكَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ تَرَكَهُنَّ مِنْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَيَجْلِسُ جِلْسَةً مُسْتَحَقَّةً ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّيَ رَكْعَةً وَيَتَشَهَّدُ ثُمَّ يُصَلَّى رَكْعَةً أُخْرَى وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ، وَإِنْ تَرَكَ خَمْسَ سَجَدَاتٍ فَالْمُؤَدَّى سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ فَيُضِيفُ إلَيْهَا أُخْرَى فَتَمَّ لَهُ رَكْعَةٌ ثُمَّ يُصَلَّى رَكْعَةً وَيَتَشَهَّدُ ثُمَّ يُصَلَّى الثَّالِثَةَ وَيَتَشَهَّدُ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ هَذَا إذَا نَوَى بِهَا عَنْ الرَّكْعَةِ الَّتِي قَيَّدَهَا بِالسَّجْدَةِ الْوَاحِدَةِ حَتَّى لَا تُلْتَحَقَ بِرُكُوعٍ آخَرَ بَعْدَ تِلْكَ الرَّكْعَةِ أَمَّا إذَا سَجَدَ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَنْوِ يَجِبُ أَنْ تَفْسُدَ صَلَاتُهُ وَحُكْمُ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ كَحُكْمِ ذَوَاتِ الِاثْنَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ، وَلَوْ تَرَكَ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً هَكَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَإِنْ تَرَكَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَلَا يَدْرِي كَيْفَ تَرَكَ يَسْجُدُ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ وَيَجْلِسُ جِلْسَةً مُسْتَحَقَّةً، وَلَوْ تَرَكَهَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً وَيَقْعُدُ وَيَتَشَهَّدُ ثُمَّ يَقُومُ وَيُصَلِّي أُخْرَى وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ، وَإِنْ تَرَكَ خَمْسَ سَجَدَاتٍ يَسْجُدُ ثَلَاثًا، وَلَا يَقْعُدُ بَعْدَهَا وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيَقْعُدُ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ احْتِيَاطًا.
وَإِنْ تَرَكَ سِتًّا سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ لَا يَقْعُدُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقْعُدُ يُصَلِّي رَكْعَةً.
وَإِنْ تَرَكَ سَبْعًا سَجَدَ سَجْدَةً وَصَلَّى ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ قَالُوا: هَذَا إذَا نَوَى بِالسَّجْدَةِ الرَّكْعَةَ الَّتِي قَيَّدَهَا بِالسَّجْدَةِ، وَإِنْ سَجَدَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ سَاهِيًا ثُمَّ تَذَكَّرَ يَأْتِي بِسَجْدَتَيْنِ وَيَنْوِي بِإِحْدَاهُمَا مَا عَلَيْهِ حَتَّى تُلْتَحَقَ إحْدَاهُمَا بِالرَّكْعَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ بِالرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَصَارَ مُصَلِّيًا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ إذَا صَلَّى ثَلَاثًا وَتَشَهَّدَ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ الثَّلَاثِ ثُمَّ صَلَّى الرَّابِعَةَ جَازَتْ صَلَاتُهُ، وَلَوْ تَرَكَ ثَمَانِ سَجَدَاتٍ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَيُصَلِّي ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ.
وَلَوْ صَلَّى الْفَجْرَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَلَمْ يَقْعُدْ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ قَعَدَ وَتَرَكَ سَجْدَةً، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ كَيْفَ تَرَكَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ.
وَلَوْ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ فَفِيهِ قَوْلَانِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تَفْسُدُ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ، وَلَوْ تَرَكَ أَرْبَعًا لَا تَفْسُدُ وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَقْعُدُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً.
وَلَوْ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا وَتَرَكَ سَجْدَةً فَسَدَتْ، وَكَذَا لَوْ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ فِي الْأَصَحِّ أَوْ تَرَكَ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا، وَلَوْ تَرَكَ سِتًّا لَمْ تَفْسُدْ وَهُوَ كَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَتَرَكَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ كَمَا مَرَّ، وَلَوْ تَرَكَ سَبْعًا لَمْ تَفْسُدْ وَيَسْجُدُ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَلَوْ تَرَكَ ثَمَانِ سَجَدَاتٍ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَيُصَلِّي ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَإِنْ تَرَكَ تِسْعَ سَجَدَاتٍ يَسْجُدُ سَجْدَةً ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً ثُمَّ يَقْعُدُ وَهَذِهِ الْقَعْدَةُ سُنَّةٌ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيَقْعُدُ مُسْتَحَقًّا.
وَإِنْ تَرَكَ مِنْهَا عَشْرَ سَجَدَاتٍ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ هَكَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَلَوْ صَلَّى الْمَغْرِبَ أَرْبَعًا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَلَوْ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ فِيهِ قَوْلَانِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا، وَلَوْ تَرَكَ خَمْسًا لَا تَفْسُدُ وَيَسْجُدُ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ وَيُصَلِّي رَكْعَةً، وَلَوْ تَرَكَ سِتًّا سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَمَا لَوْ صَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.

.كِتَابُ الزَّكَاةِ:

وَفِيهِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ:

.الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِيرِهَا وَصِفَتِهَا وَشَرَائِطِهَا:

أَمَّا تَفْسِيرُهَا فَهِيَ تَمْلِيكُ الْمَالِ مِنْ فَقِيرٍ مُسْلِمٍ غَيْرِ هَاشِمِيٍّ، وَلَا مَوْلَاهُ بِشَرْطِ قَطْعِ الْمَنْفَعَةِ عَنْ الْمُمَلِّكِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِلَّهِ- تَعَالَى- هَذَا فِي الشَّرْعِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَأَمَّا صِفَتُهَا فَهِيَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ يَكْفُرُ جَاحِدُهَا وَيُقْتَلُ مَانِعُهَا هَكَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ وَتَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ حَتَّى يَأْثَمَ بِتَأْخِيرِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَفِي رِوَايَةِ الرَّازِيّ عَلَى التَّرَاخِي حَتَّى يَأْثَمَ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ كَذَا فِي التَّهْذِيبِ.
وَأَمَّا شَرْطُ أَدَائِهَا فَنِيَّةٌ مُقَارِنَةٌ لِلْأَدَاءِ أَوْ لِعَزْلِ مَا وَجَبَ هَكَذَا فِي الْكَنْزِ فَإِذَا نَوَى أَنْ يُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ، وَلَمْ يَعْزِلْ شَيْئًا فَجَعَلَ يَتَصَدَّقُ شَيْئًا فَشَيْئًا إلَى آخِرِ السَّنَةِ، وَلَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ لَمْ يُجْزِ عَنْ الزَّكَاةِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ إذَا كَانَ فِي وَقْتِ التَّصَدُّقِ بِحَالٍ لَوْ سُئِلَ عَمَّا إذَا تُؤُدِّيَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُجِيبَ مِنْ غَيْرِ فِكْرَةٍ فَذَلِكَ يَكُونُ نِيَّةً مِنْهُ، وَلَوْ قَالَ مَا تَصَدَّقْت إلَى آخِرِ السَّنَةِ فَقَدْ نَوَيْت عَنْ الزَّكَاةِ لَمْ يَجُزْ كَذَا فِي السِّرَاجِيَّةِ.
إذَا وَكَّلَ فِي أَدَاءِ الزَّكَاةِ أَجْزَأَتْهُ النِّيَّةُ عِنْدَ الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ عِنْدَ التَّوْكِيلِ وَنَوَى عِنْدَ دَفْعِ الْوَكِيلِ جَازَ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ النَّيِّرَةِ وَتُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْمُوَكِّلِ فِي الزَّكَاةِ دُونَ الْوَكِيلِ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ فَلَوْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إلَى رَجُلٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الْفُقَرَاءِ فَدَفَعَ، وَلَمْ يَنْوِ عِنْدَ الدَّفْعِ جَازَ.
وَلَوْ دَفَعَهَا إلَى الذِّمِّيِّ لِيَدْفَعَهَا إلَى الْفُقَرَاءِ جَازَ لِوُجُودِ النِّيَّةِ مِنْ الْآمِرِ هَكَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ فَإِنْ تَجَدَّدَ لِلْمُوَكِّلِ نِيَّةٌ أُخْرَى بَعْدَ الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ قَبْلَ دَفْعِ الْوَكِيلِ إلَى الْفَقِيرِ كَانَ عَمَّا نَوَى أَخِيرًا حَتَّى لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ دَرَاهِمَ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَنْ زَكَاةِ مَالِهِ فَلَمْ يَدْفَعْ الْمَأْمُورُ حَتَّى نَوَى الْآمِرُ أَنْ يَكُونَ عَنْ نَذْرِهِ وَقَعَتْ عَنْ ذَلِكَ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ.
وَلَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَذِهِ الْمِائَةِ فَدَخَلَ وَهُوَ يَنْوِي عِنْدَ الدُّخُولِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْ الزَّكَاةِ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الزَّكَاةِ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَإِذَا هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ عِنْدَ الْمُودَعِ فَدَفَعَ الْقِيمَةَ إلَى صَاحِبِهَا وَهُوَ فَقِيرٌ لِدَفْعِ الْخُصُومَةِ يُرِيدُ بِهِ الزَّكَاةَ لَا يُجْزِيهِ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
فِي فَصْلِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ.
وَإِذَا دَفَعَ إلَى الْفَقِيرِ بِلَا نِيَّةٍ ثُمَّ نَوَاهُ عَنْ الزَّكَاةِ فَإِنْ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا فِي يَدِ الْفَقِيرِ أَجْزَأَهُ، وَإِلَّا فَلَا كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَالزَّاهِدِيِّ وَالْبَحْرِ الرَّائِقِ وَالْعَيْنِيِّ وَشَرْحِ الْهِدَايَةِ.
رَجُلٌ أَدَّى زَكَاةَ غَيْرِهِ عَنْ مَالِ ذَلِكَ الْغَيْرِ فَأَجَازَهُ الْمَالِكُ فَإِنْ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا فِي يَدِ الْفَقِيرِ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا كَذَا فِي السِّرَاجِيَّةِ.
وَمَنْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ نِصَابِهِ وَلَا يَنْوِي الزَّكَاةَ سَقَطَ فَرْضُهَا وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ كَذَا فِي الزَّاهِدِيِّ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ النَّفَلَ أَوْ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ.
وَلَوْ دَفَعَ جَمِيعَ النِّصَابِ إلَى الْفَقِيرِ يَنْوِي بِهِ عَنْ النَّذْرِ أَوْ وَاجِبٍ آخَرَ يَقَعُ عَمَّا نَوَى وَيَضْمَنُ قَدْرَ الْوَاجِبِ.
وَلَوْ وَهَبَ بَعْضَ النِّصَابِ مِنْ الْفَقِيرِ يَسْقُطُ عَنْهُ زَكَاةُ الْمُؤَدِّي عِنْدَ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- مِثْلُهُ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ كَذَا فِي الزَّاهِدِيِّ.
وَلَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى فَقِيرٍ فَأَبْرَأَهُ عَنْهُ سَقَطَ عَنْهُ زَكَاتُهُ نَوَى بِهِ عَنْ الزَّكَاةِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ كَالْهَلَاكِ، وَلَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ الْبَعْضِ سَقَطَ زَكَاةُ ذَلِكَ الْبَعْضِ لِمَا قُلْنَا وَزَكَاةُ الْبَاقِي لَا تَسْقُطُ، وَلَوْ نَوَى بِهِ إلَّا الْأَدَاءَ عَنْ الْبَاقِي كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
وَلَوْ كَانَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ غَنِيًّا فَوَهَبَهُ مِنْهُ بَعْدَ الْحَوْلِ فَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ يَضْمَنُ قَدْرَ الزَّكَاةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ هَكَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَلَوْ أَمَرَ فَقِيرًا بِقَبْضِ دَيْنٍ لَهُ عَلَى آخَرَ وَنَوَاهُ عَنْ زَكَاةِ عَيْنٍ عِنْدَهُ جَازَ كَذَا فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ، وَلَوْ وَهَبَ دَيْنَهُ مِنْ فَقِيرٍ وَنَوَى زَكَاةَ دَيْنٍ آخَرَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ أَوْ نَوَى زَكَاةَ عَيْنٍ لَهُ لَمْ يَجُزْ كَذَا فِي الْكَافِي.
وَأَدَاءُ الْعَيْنِ عَنْ الْعَيْنِ وَعَنْ الدَّيْنِ جَائِزٌ، وَأَدَاءُ الدَّيْنِ عَنْ الْعَيْنِ وَعَنْ دَيْنٍ يُقْبَضُ لَا يَجُوزُ، وَأَدَاءُ الدَّيْنَ عَنْ دَيْنٍ لَا يُقْبَضُ يَجُوزُ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَدَاءَ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ قَالُوا الْأَفْضَلُ الْإِعْلَانُ وَالْإِظْهَارُ، وَفِي التَّطَوُّعَاتِ الْأَفْضَلُ هُوَ الْإِخْفَاءُ وَالْإِسْرَارُ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَمَنْ أَعْطَى مِسْكِينًا دَرَاهِمَ وَسَمَّاهَا هِبَةً أَوْ قَرْضًا وَنَوَى الزَّكَاةَ فَإِنَّهَا تُجْزِيهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ هَكَذَا فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ نَاقِلًا عَنْ الْمُبْتَغَى وَالْقُنْيَةِ.
(وَأَمَّا شُرُوطُ وُجُوبِهَا فَمِنْهَا) الْحُرِّيَّةُ حَتَّى لَا تَجِبَ الزَّكَاةُ عَلَى الْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ، وَكَذَا الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبُ، وَأَمَّا الْمُسْتَسْعَى فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُكَاتَبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَمِنْهَا الْإِسْلَامُ حَتَّى لَا تَجِبَ عَلَى الْكَافِرِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ ثُمَّ الْإِسْلَامُ كَمَا هُوَ شَرْطُ الْوُجُوبِ شَرْطٌ لِبَقَاءِ الزَّكَاةِ عِنْدَنَا حَتَّى لَوْ ارْتَدَّ بَعْدَ وُجُوبِهَا سَقَطَتْ كَمَا فِي الْمَوْتِ فَلَوْ بَقِيَ عَلَى ارْتِدَادِهِ سِنِينَ فَبَعْدَ إسْلَامِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِتِلْكَ السِّنِينَ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ قَالَ الصَّيْرَفِيُّ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَأَقَامَ سِنِينَ هُنَاكَ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ الْأَخْذُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي وِلَايَتِهِ، وَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ حَتَّى يُفْتَى بِالدَّفْعِ إنْ كَانَ عَلِمَ بِالْوُجُوبِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَيُفْتَى بِالدَّفْعِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَلَا يُفْتَى بِالدَّفْعِ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ إذَا أَسْلَمَ فِي دَارِنَا فَإِنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ.
(وَمِنْهَا الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ) فَلَيْسَ الزَّكَاةُ عَلَى صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ إذَا وُجِدَ مِنْهُ الْجُنُونُ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا هَكَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ النَّيِّرَةِ فَلَوْ أَفَاقَ فِي جُزْءٍ مِنْ السَّنَةِ بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ فِي أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ يَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ كَذَا فِي الْعَيْنِيِّ شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ هَكَذَا فِي الْكَافِي.
قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ: وَهُوَ الْأَصَحُّ كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلشَّيْخِ أَبِي الْمَكَارِمِ هَذَا فِي الْجُنُونِ الْعَارِضِيِّ بِأَنْ جُنَّ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَمَّا فِي الْأَصْلِيِّ بِأَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ الْحَوْلِ مِنْ وَقْتِ الْإِفَاقَةِ كَذَا فِي الْكَافِي.
وَكَذَا الصَّبِيُّ إذَا بَلَغَ يُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ الْحَوْلِ مِنْ وَقْتِ بُلُوغِهِ هَكَذَا فِي التَّبْيِينِ وَتَجِبُ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَإِنْ اسْتَوْعَبَ الْإِغْمَاءُ حَوْلًا كَامِلًا كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
(وَمِنْهَا كَوْنُ الْمَالِ نِصَابًا) فَلَا تَجِبُ فِي أَقَلَّ مِنْهُ هَكَذَا فِي الْعَيْنِيِّ شَرْحِ الْكَنْزِ رَجُلٌ أَدَّى خَمْسَةً مِنْ الْمِائَتَيْنِ بَعْدَ الْحَوْلِ إلَى الْفَقِيرِ، أَوْ إلَى الْوَكِيلِ لِأَجْلِ الزَّكَاةِ ثُمَّ ظَهَرَ فِيهَا دِرْهَمٌ سَتُّوقَةٌ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْخَمْسَةُ زَكَاةً لِنُقْصَانِ النِّصَابِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَرِدَّ الْخَمْسَةَ مِنْ الْفَقِيرِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ مِنْ الْوَكِيلِ إنْ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِهَا هَكَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَمِنْهَا الْمِلْكُ التَّامُّ وَهُوَ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْمِلْكُ وَالْيَدُ وَأَمَّا إذَا وُجِدَ الْمِلْكُ دُونَ الْيَدِ كَالصَّدَاقِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ وُجِدَ الْيَدُ دُونَ الْمِلْكِ كَمِلْكِ الْمُكَاتَبِ وَالْمَدْيُونِ لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَأَمَّا الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَقِيلَ لَا يَكُونُ نِصَابًا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَكُونُ نِصَابًا كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَلَا تَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى فِي عَبْدِهِ الْمُعَدِّ لِلتِّجَارَةِ إذَا أَبَقَ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ الْمَلِكِ.
وَلَا عَلَى الزَّوْجِ لَوْ خَالَعَهَا عَلَى أَلْفٍ، وَلَمْ يُقْبِضْهَا سِنِينَ هَكَذَا فِي الْمُضْمَرَاتِ.
وَلَا عَلَى الرَّاهِنِ إذَا كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ هَكَذَا فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِكَسْبِهِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَكَسْبُهُ لِمَوْلَاهُ وَعَلَى الْمَوْلَى زَكَاتُهُ إذَا تَمَّ الْحَوْلُ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ الْأَدَاءُ قَبْلَ الْأَخْذِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ قَبْلَ الْأَخْذِ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ وَعَلَى ابْنِ السَّبِيلِ زَكَاةُ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّصَرُّفِ بِنَائِبِهِ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
فِي فَصْلِ مَالِ التِّجَارَةِ.
(وَمِنْهَا فَرَاغُ الْمَالِ) عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ فَلَيْسَ فِي دُورِ السُّكْنَى وَثِيَابِ الْبَدَنِ وَأَثَاثِ الْمَنَازِلِ وَدَوَابِّ الرُّكُوبِ وَعَبِيدِ الْخِدْمَةِ وَسِلَاحِ الِاسْتِعْمَالِ زَكَاةٌ، وَكَذَا طَعَامُ أَهْلِهِ وَمَا يَتَجَمَّلُ بِهِ مِنْ الْأَوَانِي إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَكَذَا الْجَوْهَرُ وَاللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ والبلخش وَالزُّمُرُّدُ وَنَحْوُهَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلتِّجَارَةِ، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى فُلُوسًا لِلنَّفَقَةِ كَذَا فِي الْعَيْنِيِّ شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَكَذَا كُتُبُ الْعِلْمِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ وَآلَاتُ الْمُحْتَرِفِينَ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ.
هَذَا فِي الْآلَاتِ الَّتِي يَنْتَفِعُ بِنَفْسِهَا، وَلَا يَبْقَى أَثَرُهَا فِي الْمَعْمُولِ وَأَمَّا إذَا كَانَ يَبْقَى أَثَرُهَا فِي الْمَعْمُولِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى الصَّبَّاغُ عُصْفُرًا أَوْ زَعْفَرَانًا لِيَصْنَعَ ثِيَابَ النَّاسِ بِأَجْرٍ وَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ كَانَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ إذَا بَلَغَ نِصَابًا، وَكَذَا كُلُّ مَنْ ابْتَاعَ عَيْنًا لِيَعْمَلَ بِهِ وَيَبْقَى أَثَرُهُ فِي الْمَعْمُولِ كَالْعَفْصِ وَالدُّهْنِ لِدَبْغِ الْجِلْدِ فَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ كَانَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ لِذَلِكَ الْعَيْنِ أَثَرٌ فِي الْمَعْمُولِ كَالصَّابُونِ وَالْحُرْضِ لَا زَكَاةَ فِيهِ كَذَا فِي الْكِفَايَةِ.
(وَمِنْهَا الْفَرَاغُ عَنْ الدَّيْنِ) قَالَ أَصْحَابُنَا- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى-: كُلُّ دَيْنٍ لَهُ مُطَالِبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ لِلْعِبَادِ كَالْقَرْضِ وَثَمَنِ الْبَيْعِ وَضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ وَأَرْشِ الْجِرَاحَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ النُّقُودِ أَوْ الْمَكِيلِ أَوْ الْمَوْزُونِ أَوْ الثِّيَابِ أَوْ الْحَيَوَانِ وَجَبَ بِخُلْعٍ أَوْ صُلْحٍ عَنْ دَمِ عَمْدٍ، وَهُوَ حَالٌّ أَوْ مُؤَجَّلٌ أَوْ لِلَّهِ- تَعَالَى- كَدَيْنِ الزَّكَاةِ فَإِنْ كَانَ زَكَاةَ سَائِمَةٍ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الْعَيْنِ بِأَنْ كَانَ الْعَيْنُ قَائِمًا أَوْ فِي الذِّمَّةِ بِاسْتِهْلَاكِ النِّصَابِ، وَإِنْ كَانَ زَكَاةَ الْأَثْمَانِ وَزَكَاةَ عُرُوضِ التِّجَارَةِ فَفِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- الْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي السَّوَائِمُ.
وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ خَرَاجَ أَرْضٍ يُمْنَعُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ بِقَدْرِهِ، وَهَذَا إذَا كَانَ خَرَاجًا يُؤْخَذُ بِحَقٍّ، وَكَانَ تَمَامَ الْحَوْلِ بَعْدَ إدْرَاكِ الْغَلَّةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ قَبْلَ إدْرَاكِهَا فَلَا، وَمَا يُؤْخَذُ بِغَيْرِ حَقٍّ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ مَا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَكَذَلِكَ الْأَرْضُ الْعُشْرِيَّةُ إذَا أَخْرَجَتْ طَعَامًا وَاسْتَهْلَكَهُ وَضَمِنَ مِثْلَهُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، وَذَلِكَ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ عَلَى الدَّرَاهِمِ ثُمَّ تَمَّ الْحَوْلُ عَلَى الدَّرَاهِمِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ هَكَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَكَذَلِكَ الْمَهْرُ يَمْنَعَ مُؤَجَّلًا كَانَ أَوْ مُعَجَّلًا؛ لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِهِ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَذَكَرَ الْبَزْدَوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ قَالَ مَشَايِخُنَا- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- فِي رَجُلٍ عَلَيْهِ مَهْرٌ مُؤَجَّلٌ لِامْرَأَتِهِ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ أَدَاءَهُ: لَا يُجْعَلُ مَانِعًا مِنْ الزَّكَاةِ لِعَدَمِ الْمُطَالَبَةِ فِي الْعَادَةِ، وَأَنَّهُ حَسَنٌ أَيْضًا هَكَذَا فِي جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى.
وَأَمَّا نَفَقَاتُ الزَّوْجَاتِ فَمَا لَمْ تَصِرْ دَيْنًا إمَّا بِفَرْضِ الْقَاضِي أَوْ بِالتَّرَاضِي لَا تَمْنَعُ وَتَسْقُطُ إذَا لَمْ يُوجَدْ قَضَاءُ الْقَاضِي أَوْ التَّرَاضِي، وَكَذَا نَفَقَةُ الْمَحَارِمِ إذَا فَرَضَهَا الْقَاضِي فِي مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ نَحْوَ مَا دُونَ الشَّهْرِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْمُدَّةُ طَوِيلَةً فَلَا تَصِيرُ دَيْنًا بَلْ تَسْقُطُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الدَّيْنُ فِي ذِمَّتِهِ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ أَمَّا إذَا لَحِقَهُ الدَّيْنُ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فَلَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ هَكَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ النَّيِّرَةِ.
وَأَمَّا الدَّيْنُ الْمُعْتَرِضُ فِي خِلَالِ الْحَوْلِ فَذَكَرَ فِي الْعُيُونِ أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَمْنَعُ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
رَجُلٌ لَهُ عَبْدٌ لِلتِّجَارَةِ وَعَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْعَبْدِ بِقَدْرِ الدَّيْنِ رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنٌ، وَكَفَلَ بِهَا رَجُلٌ بِأَمْرِ الْمَدْيُونِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصِيلِ وَالْكَفِيلِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى مَالِهِمَا لَا زَكَاةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَلَوْ اغْتَصَبَ رَجُلٌ أَلْفًا مِنْ رَجُلٍ فَجَاءَ آخَرُ وَاغْتَصَبَ الْأَلْفَ مِنْ الْغَاصِبِ وَاسْتَهْلَكَهَا وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفٌ فَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى مَالِ الْغَاصِبَيْنِ كَانَ عَلَى الْغَاصِبِ الْأَوَّلِ زَكَاةُ أَلْفِهِ، وَلَا زَكَاةَ عَلَى الْغَاصِبِ الثَّانِي كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
رَجُلٌ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَلَهُ دَارٌ وَخَادِمٌ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ وَقِيمَتُهُ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مَصْرُوفٌ إلَى الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ فَإِنَّهُ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهِ مُعَدٌّ لِلتَّقَلُّبِ وَالتَّصَرُّفِ فَكَانَ الدَّيْنُ مَصْرُوفًا إلَيْهِ، فَأَمَّا الدَّارُ وَالْخَادِمُ فَمَشْغُولَتَانِ بِحَاجَتِهِ فَلَا يَصْرِفُ الدَّيْنَ إلَيْهِ، وَمَالِكُ الدَّارِ وَالْخَادِمِ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُ الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ حَاجَتَهُ بَلْ يَزِيدُ فِيهَا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: إنَّ الصَّدَقَةَ كَانَتْ تَحِلُّ لِلرَّجُلِ، وَهُوَ صَاحِبُ عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ قِيلَ، وَكَيْفَ ذَلِكَ قَالَ يَكُونُ لَهُ الدَّارُ وَالْخَادِمُ وَالسِّلَاحُ، وَكَانُوا يُنْهَوْنَ عَنْ بَيْعِ ذَلِكَ وَعَنْ هَذَا قَالَ مَشَايِخُنَا- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى-: إنَّ الْفَقِيهَ إذَا كَانَ يَمْلِكُ مِنْ الْكُتُبِ مَا يُسَاوِي مَالًا عَظِيمًا، وَلَكِنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ إلَّا أَنْ يَمْلِكَ فَضْلًا عَنْ حَاجَتِهِ مَا يُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ هَكَذَا فِي شَرْحِ الْمَبْسُوطِ لِلْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ.
وَالْفَاضِلُ عَنْ حَاجَتِهِ مِنْ كُلِّ تَصْنِيفٍ نُسْخَتَانِ، وَقِيلَ ثَلَاثٌ وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ هَكَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
وَإِذَا سَقَطَ الدَّيْنُ كَأَنْ أَبْرَأَ الدَّائِنُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ اُعْتُبِرَ ابْتِدَاءُ الْحَوْلِ مِنْ حِينِ سُقُوطِهِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- تَجِبُ الزَّكَاةُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَهَكَذَا فِي الْكَافِي.
وَكُلُّ دَيْنٍ لَا مُطَالِبَ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ كَدُيُونِ اللَّهِ- تَعَالَى- مِنْ النُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَوُجُوبِ الْحَجِّ لَا يَمْنَعُ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَضَمَانُ اللُّقَطَةِ لَا يَمْنَعُ، وَكَذَا ضَمَانُ الدَّرْكِ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ لَا يَمْنَعُ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَقَالُوا فِيمَنْ ضَمِنَ الدَّرْكَ فَاسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي الْحَوْلِ يَمْنَعُ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّ بَعْدَ الْحَوْلِ لَا يَمْنَعُ هَكَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ نُصُبٌ كَمَا إذَا كَانَ لَهُ دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ وَسَوَائِمُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ صُرِفَ الدَّيْنُ إلَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ أَوَّلًا فَإِنْ فَضَلَ عَنْهُمَا صُرِفَ إلَى الْعُرُوضِ فَإِنْ فَضَلَ عَنْهَا فَإِلَى السَّوَائِمِ فَإِنْ كَانَتْ السَّوَائِمُ أَجْنَاسًا مُخْتَلِفَةً صُرِفَ إلَى أَقَلِّهَا زَكَاةً، وَإِنْ اسْتَوَتْ فِيهَا صُرِفَ إلَى أَيِّمَا شَاءَ هَكَذَا فِي التَّبْيِينِ.
وَهَذَا إذَا حَضَرَ الْمُصَدِّقُ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ فَالْخِيَارُ لِرَبِّ الْمَالِ إنْ شَاءَ صَرَفَ الدَّيْنَ إلَى السَّائِمَةِ، وَأَدَّى الزَّكَاةَ مِنْ السَّائِمَةِ؛ لِأَنَّ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْمَالِ هُمَا سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي حَقِّ الْمُصَدِّقِ فَإِنَّ لَهُ وِلَايَةَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ السَّائِمَةِ دُونَ الدَّرَاهِمِ فَلِهَذَا صَرَفَ الدَّيْنَ إلَى الدَّرَاهِمِ، وَأَخَذَ الزَّكَاةَ مِنْ السَّائِمَةِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَبْسُوطِ لِلْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ.
لَهُ مِائَتَانِ وَوَصِيفٌ وَتَزَوَّجَ عَلَى مِثْلِهِ وَاسْتَقْرَضَ بُرًّا لِحَاجَةٍ وَبَقِيَ لَا تَجِبُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ صُرِفَ إلَى النُّقُودِ وَالْمَالِ الْفَارِغِ، وَقَالَ زُفَرُ يَجِبُ صَرْفُ الدَّيْنِ إلَى الْجِنْسِ كَذَا فِي الْكَافِي.
(وَمِنْهَا كَوْنُ النِّصَابِ نَامِيًا) حَقِيقَةً بِالتَّوَالُدِ وَالتَّنَاسُلِ وَالتِّجَارَةِ أَوْ تَقْدِيرًا بِأَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِنْمَاءِ بِكَوْنِ الْمَالِ فِي يَدِهِ أَوْ فِي يَدِ نَائِبِهِ وَيَنْقَسِمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى قِسْمَيْنِ خِلْقِيٌّ، وَفِعْلِيٌّ هَكَذَا فِي التَّبْيِينِ فَالْخِلْقِيُّ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَصْلُحَانِ لِلِانْتِفَاعِ بِأَعْيَانِهِمَا فِي دَفْعِ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِمَا نَوَى التِّجَارَةَ أَوْ لَمْ يَنْوِ أَصْلًا أَوْ نَوَى النَّفَقَةَ وَالْفِعْلِيُّ مَا سِوَاهُمَا وَيَكُونُ الِاسْتِنْمَاءُ فِيهِ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ أَوْ الْإِسَامَةِ، وَنِيَّةُ التِّجَارَةِ وَالْإِسَامَةِ لَا تُعْتَبَرُ مَا لَمْ تَتَّصِلْ بِفِعْلِ التِّجَارَةِ أَوْ الْإِسَامَةِ ثُمَّ نِيَّةُ التِّجَارَةِ قَدْ تَكُونُ صَرِيحًا وَقَدْ تَكُونُ دَلَالَةً فَالصَّرِيحُ أَنْ يَنْوِيَ عِنْدَ عَقْدِ التِّجَارَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَمْلُوكُ لِلتِّجَارَةِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْعَقْدُ شِرَاءً أَوْ إجَارَةً وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الثَّمَنُ مِنْ النُّقُودِ أَوْ الْعُرُوضِ.
وَأَمَّا الدَّلَالَةُ فَهِيَ أَنْ يَشْتَرِيَ عَيْنًا مِنْ الْأَعْيَانِ بِعُرُوضِ التِّجَارَةِ أَوْ يُؤَاجِرَ دَارِهِ الَّتِي لِلتِّجَارَةِ بِعَرْضٍ مِنْ الْعُرُوضِ فَتَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ التِّجَارَةَ صَرِيحًا لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ الِاخْتِلَافَ فِي بَدَلِ مَنَافِعِ عَيْنٍ مُعَدَّةٍ لِلتِّجَارَةِ فَفِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ الْأَصْلِ أَنَّهُ لِلتِّجَارَةِ بِلَا نِيَّةٍ، وَفِي الْجَامِعِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّوَقُّفِ عَلَى النِّيَّةِ فَكَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ، وَمَشَايِخُ بَلْخٍ كَانُوا يُصَحِّحُونَ رِوَايَةَ الْجَامِعِ وَمَا مَلَكَهُ بِعَقْدٍ لَيْسَ فِيهِ مُبَادَلَةٌ أَصْلًا كَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ أَوْ مَلَكَهُ بِعَقْدٍ هُوَ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِغَيْرِ مَالٍ كَالْمَهْرِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَبَدَلِ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ التِّجَارَةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَذَا فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ، وَلَوْ وَرِثَهُ فَنَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ لَا يَكُونُ لَهَا كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
وَفِي السَّائِمَةِ، وَمَالِ التِّجَارَةِ إنْ نَوَى الْوَرَثَةُ الْإِسَامَةَ أَوْ التِّجَارَةَ بَعْدَ الْمَوْتِ تَجِبُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوُوا قِيلَ تَجِبُ وَقِيلَ لَا تَجِبُ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً لِلتِّجَارَةِ وَنَوَاهَا لِلْخِدْمَةِ بَطَلَتْ عَنْهَا الزَّكَاةُ كَذَا فِي الزَّاهِدِيِّ.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِنْمَاءِ بِكَوْنِ الْمَالِ فِي يَدِهِ أَوْ يَدِ نَائِبِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الِاسْتِنْمَاءِ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ مِثْلُ مَالُ الضِّمَارِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَهُوَ كُلُّ مَا بَقِيَ أَصْلُهُ فِي مِلْكِهِ وَلَكِنْ زَالَ عَنْ يَدِهِ زَوَالًا لَا يُرْجَى عَوْدُهُ فِي الْغَالِبِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَمِنْ مَالِ الضِّمَارِ الدَّيْنُ الْمَجْحُودُ وَالْمَغْصُوبُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا بَيِّنَةٌ فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِمَا بَيِّنَةٌ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ إلَّا فِي غَصْبِ السَّائِمَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى صَاحِبِهَا الزَّكَاةُ، وَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ مُقِرًّا، وَمِنْهُ الْمَفْقُودُ وَالْآبِقُ وَالْمَأْخُوذُ مُصَادَرَةً وَالسَّاقِطُ فِي الْبَحْرِ وَالْمَدْفُونُ فِي الصَّحْرَاءِ الْمَنْسِيُّ مَكَانُهُ، وَأَمَّا الْمَدْفُونُ فِي حِرْزٍ، وَلَوْ دَارَ غَيْرِهِ إذَا نَسِيَهُ فَلَيْسَ مِنْهُ كَذَا فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ.
وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا فِي أَرْضِهِ أَوْ كَرْمِهِ قِيلَ تَجِبُ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّ حَفْرَ جَمِيعِ الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ مُمْكِنٌ وَقِيلَ لَا تَجِبُ؛ لِأَنَّ حَفْرَ جَمِيعِهَا مُتَعَسِّرٌ بِخِلَافِ الْبَيْتِ وَالدَّارِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ الدَّارُ عَظِيمَةً لَا يَنْعَقِدُ نِصَابًا، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَى جَاحِدٍ وَعَلَيْهِ بَيِّنَةٌ غَيْرُ عَادِلَةٍ قِيلَ لَا تَجِبُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَجِبُ كَذَا فِي الْكَافِي.
وَالدَّيْنُ الْمَجْحُودُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ثُمَّ صَارَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بَعْدَ سِنِينَ بِأَنْ أَقَرَّ عِنْدَ النَّاسِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ هَكَذَا فِي التَّبْيِينِ.
وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي عَالِمًا بِالدَّيْنِ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ مَا مَضَى، وَفِي مُقِرٍّ بِهِ تَجِبُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مَلِيًّا أَوْ مُعْسِرًا أَوْ مُفْلِسًا كَذَا فِي الْكَافِي.
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَى مُفْلِسٍ فَلَّسَهُ الْقَاضِي فَوَصَلَ إلَيْهِ بَعْدَ سِنِينَ كَانَ عَلَيْهِ زَكَاةُ مَا مَضَى فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ.
وَإِنْ كَانَ الْمَدْيُونُ يُقِرُّ فِي السِّرِّ وَيَجْحَدُ فِي الْعَلَانِيَةِ لَمْ يَكُنْ نِصَابًا، وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا فَلَمَّا قَدَّمَهُ إلَى الْقَاضِي جَحَدَ وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَمَضَى زَمَانٌ فِي تَعْدِيلِ الشُّهُودِ ثُمَّ عُدِّلُوا سَقَطَتْ عَنْهُ الزَّكَاةُ مِنْ يَوْمِ جَحَدَ عِنْدَ الْقَاضِي إلَى أَنْ عُدِّلَ الشُّهُودُ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَلَوْ هَرَبَ غَرِيمُهُ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى طَلَبِهِ أَوْ التَّوْكِيلِ بِذَلِكَ فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَأَمَّا سَائِرُ الدُّيُونِ الْمُقِرِّ بِهَا فَهِيَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- ضَعِيفٌ، وَهُوَ كُلُّ دَيْنٍ مَلَكَهُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ لَا بَدَلًا عَنْ شَيْءٍ نَحْوُ الْمِيرَاثِ أَوْ بِفِعْلِهِ لَا بَدَلًا عَنْ شَيْءٍ كَالْوَصِيَّةِ أَوْ بِفِعْلِهِ بَدَلًا عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ كَالْمَهْرِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَالدِّيَةِ وَبَدَلِ الْكِتَابَةِ لَا زَكَاةَ فِيهِ عِنْدَهُ حَتَّى يَقْبِضَ نِصَابًا وَيَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ.
وَوَسَطٌ، وَهُوَ مَا يَجِبُ بَدَلًا عَنْ مَالٍ لَيْسَ لِلتِّجَارَةِ كَعَبِيدِ الْخِدْمَةِ وَثِيَابِ الْبِذْلَةِ إذَا قَبَضَ مِائَتَيْنِ زَكَّى لِمَا مَضَى فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ وَقَوِيٌّ، وَهُوَ مَا يَجِبُ بَدَلًا عَنْ سِلَعِ التِّجَارَةِ إذَا قَبَضَ أَرْبَعِينَ زَكَّى لِمَا مَضَى كَذَا فِي الزَّاهِدِيِّ.
(وَمِنْهَا حَوَلَانُ الْحَوْلِ عَلَى الْمَالِ) الْعِبْرَةُ فِي الزَّكَاةِ لِلْحَوْلِ الْقَمَرِيِّ كَذَا فِي الْقُنْيَةِ، وَإِذَا كَانَ النِّصَابُ كَامِلًا فِي طَرَفَيْ الْحَوْلِ فَنُقْصَانُهُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الزَّكَاةَ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَلَوْ اسْتَبْدَلَ مَالَ التِّجَارَةِ أَوْ النَّقْدَيْنِ بِجِنْسِهَا أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهَا لَا يَنْقَطِعُ حُكْمُ الْحَوْلِ، وَلَوْ اسْتَبْدَلَ السَّائِمَةَ بِجِنْسِهَا أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهَا يَنْقَطِعُ حُكْمُ الْحَوْلِ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَمَنْ كَانَ لَهُ نِصَابٌ فَاسْتَفَادَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ مَالًا مِنْ جِنْسِهِ ضَمَّهُ إلَى مَالِهِ وَزَكَّاهُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ نَمَائِهِ أَوَّلًا وَبِأَيِّ وَجْهٍ اسْتَفَادَ ضَمَّهُ سَوَاءٌ كَانَ بِمِيرَاثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَالْغَنَمِ مَعَ الْإِبِلِ فَإِنَّهُ لَا يَضُمُّ هَكَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ النَّيِّرَةِ.
فَإِنْ اسْتَفَادَ بَعْدَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ فَإِنَّهُ لَا يَضُمُّ وَيَسْتَأْنِفُ لَهُ حَوْلٌ آخَرُ بِالِاتِّفَاقِ هَكَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.
ثُمَّ إنَّمَا يُضَمُّ الْمُسْتَفَادُ عِنْدَنَا إلَى أَصْلِ الْمَالِ إذَا كَانَ الْأَصْلُ نِصَابًا فَأَمَّا إذَا كَانَ أَقَلَّ فَإِنَّهُ لَا يُضَمُّ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ يَتَكَامَلُ بِهِ النِّصَابُ وَيَنْعَقِدُ الْحَوْلُ عَلَيْهِمَا حَالَ وُجُودِ النِّصَابِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَلَوْ كَانَ مَعَهُ نِصَابٌ مِنْ السَّائِمَةِ وَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ فَزَكَّاهَا ثُمَّ بَاعَهَا بِدَرَاهِمَ، وَمَعَهُ نِصَابٌ مِنْ الدَّرَاهِمِ قَدْ مَضَى عَلَيْهِ نِصْفُ الْحَوْلِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لَا يَضُمُّ إلَيْهِ ثَمَنَ السَّائِمَةِ بَلْ يَسْتَأْنِفُ حَوْلًا جَدِيدًا وَعِنْدَهُمَا يَضُمُّهُ وَيُزْكِيهِمَا جَمِيعًا، وَهَذَا إذَا كَانَ ثَمَنُ السَّائِمَةِ يَبْلُغُ نِصَابًا بِانْفِرَادِهِ أَمَّا إذَا كَانَ لَا يَبْلُغُ نِصَابًا ضَمَّهُ بِالْإِجْمَاعِ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ النَّيِّرَةِ.
وَأَمَّا ثَمَنُ الطَّعَامِ الْمَعْشُورِ، وَثَمَنُ الْعَبْدِ الَّذِي أَدَّى صَدَقَةَ فِطْرِهِ فَإِنَّهُ يُضَمُّ إجْمَاعًا، وَلَوْ بَاعَ الْمَاشِيَةَ قَبْلَ الْحَوْلِ بِدَرَاهِمَ أَوْ بِمَاشِيَةٍ ضَمَّ الثَّمَنَ إلَى جِنْسِهِ بِالْإِجْمَاعِ بِأَنْ يَضُمَّ الدَّرَاهِمَ إلَى الدَّرَاهِمِ، وَالْمَاشِيَةَ إلَى الْمَاشِيَةِ، وَإِنْ جَعَلَ الْمَاشِيَةَ بَعْدَ مَا زَكَّاهَا عَلُوفَةً ثُمَّ بَاعَهَا ضَمَّ ثَمَنَهَا إجْمَاعًا كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ أَرْضٌ فَأَدَّى خَرَاجَهَا ثُمَّ بَاعَهَا ضَمَّ ثَمَنَهَا إلَى أَصْلِ النِّصَابِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لَوْ أَدَّى زَكَاةَ الدَّرَاهِمِ ثُمَّ اشْتَرَى بِهَا سَائِمَةً وَعِنْدَهُ مِنْ جِنْسِهَا سَائِمَةٌ لَمْ يَضُمَّهَا إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ مَالٍ أُدِّيَتْ الزَّكَاةُ عَنْهُ، وَلَوْ وُهِبَ لَهُ أَلْفٌ ثُمَّ أَفَادَ أَلْفًا قَبْلَ الْحَوْلِ ثُمَّ رَجَعَ الْوَاهِبُ فِي الْهِبَةِ بِقَضَاءِ قَاضٍ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي الْأَلْفِ الْفَائِدَةِ حَتَّى يَمْضِي حَوْلٌ مُنْذُ مَلَكَهَا؛ لِأَنَّهُ بَطَلَ حَوْلُ الْأَصْلِ، وَهُوَ الْمَوْهُوبُ فَيَبْطُلُ فِي حَقِّ التَّبَعِ.
رَجُلٌ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَحَالَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ إلَّا يَوْمًا ثُمَّ أَفَادَ خَمْسَةً يُزَكِّي لِلْحَوْلِ الْأَوَّلِ خَمْسَةً لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَصَ النِّصَابُ فِي الْحَوْلِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ بِدَيْنِ الزَّكَاةِ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
.
رَجُلٌ لَهُ غَنَمٌ لِلتِّجَارَةِ تُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَمَاتَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ فَسَلَخَهَا وَدَبَغَ جِلْدَهَا حَتَّى بَلَغَ جِلْدُهَا نِصَابًا فَتَمَّ الْحَوْلُ كَانَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عَصِيرٌ لِلتِّجَارَةِ فَتَخَمَّرَ قَبْلَ الْحَوْلِ ثُمَّ صَارَ خَلًّا يُسَاوِي نِصَابًا فَتَمَّ الْحَوْلُ لَا زَكَاةَ فِيهِ قَالُوا: لِأَنَّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ الصُّوفُ الَّذِي بَقِيَ عَلَى ظَهْرِ الشَّاةِ مُتَقَوِّمٌ فَيَبْقَى الْحَوْلُ بِبَقَائِهِ، وَفِي الْفَصْلِ الثَّانِي هَلَكَ كُلُّ الْمَالِ فَبَطَلَ حُكْمُ الْحَوْلِ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَيَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَإِنَّمَا يَجُوزُ التَّعْجِيلُ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الْحَوْلُ مُنْعَقِدًا عَلَيْهِ وَقْتَ التَّعْجِيلِ.
وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ الَّذِي أَدَّى عَنْهُ كَامِلًا فِي آخِرِ الْحَوْلِ.
وَالثَّالِثُ أَنْ لَا يَفُوتَ أَصْلُهُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ فَإِذَا كَانَ لَهُ النِّصَابُ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ أَوْ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ أَقَلَّ مِنْ الْمِائَتَيْنِ فَعَجَّلَ الزَّكَاةَ ثُمَّ كَمَّلَ النِّصَابَ أَوْ كَانَتْ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ أَوْ عُرُوضٌ لِلتِّجَارَةِ قِيمَتُهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِالْخَمْسَةِ عَنْ الزَّكَاةِ وَانْتَقَصَ النِّصَابُ حَتَّى حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَالنِّصَابُ نَاقِصٌ أَوْ كَانَ النِّصَابُ كَامِلًا وَقْتَ التَّعْجِيلِ ثُمَّ هَلَكَ جَمِيعُ الْمَالِ صَارَ مَا عَجَّلَ بِهِ تَطَوُّعًا هَكَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.
وَكَمَا يَجُوزُ التَّعْجِيلُ بَعْدَ مِلْكِ نِصَابٍ وَاحِدٍ عَنْ نِصَابٍ وَاحِدٍ يَجُوزُ عَنْ نُصُبٍ كَثِيرَةٍ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَعَجَّلَ زَكَاةَ أَلْفٍ فَإِنْ اسْتَفَادَ مَالًا أَوْ رَبِحَ صَارَ أَلْفًا ثُمَّ تَمَّ الْحَوْلُ وَعِنْدَهُ أَلْفٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّعْجِيلُ وَسَقَطَ عَنْهُ زَكَاةُ الْأَلْفِ، وَإِنْ تَمَّ الْحَوْلُ، وَلَمْ يَسْتَفِدْ شَيْئًا ثُمَّ اسْتَفَادَ فَالْمُعَجَّلُ لَا يُجْزِئُ عَنْ زَكَاتِهَا فَإِذَا تَمَّ الْحَوْلُ مِنْ حِينِ الِاسْتِفَادَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يُزَكِّيَ كَذَا فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ.
وَيَجُوزُ التَّعْجِيلُ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ لِوُجُودِ السَّبَبِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَلَوْ عَجَّلَ زَكَاةَ أَلْفَيْنِ، وَلَهُ أَلْفٌ فَقَالَ إنْ أَصَبْت أَلْفًا أُخْرَى قَبْلَ الْحَوْلِ فَهِيَ عَنْهُمَا، وَإِلَّا فَهِيَ عَنْ هَذِهِ الْأَلْفِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ أَجْزَأَهُ رَجُلٌ لَهُ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَظَنَّ أَنَّ عِنْدَهُ خَمْسَمِائَةٍ فَأَدَّى زَكَاةَ خَمْسِمِائَةٍ ثُمَّ عَلِمَ فَلَهُ أَنْ يَحْسِبَ الزِّيَادَةَ لِلسَّنَةِ الثَّانِيَةِ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
رَجُلٌ لَهُ نِصَابَا ذَهَبٍ، وَفِضَّةٍ عَجَّلَ عَنْ أَحَدِهِمَا يَقَعُ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ لَغْوٌ لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ بِدَلِيلِ الضَّمِّ، وَإِنْ هَلَكَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ الْآخَرُ كَذَا فِي الْكَافِي.
وَلَوْ مَلَكَ نُصُبًا مِنْ حَيَوَانَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَعَجَّلَ زَكَاةَ الْبَعْضِ فَهَلَكَ الْمُؤَدَّى عَنْهُ لَا يَقَعُ عَنْ الْبَاقِي كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَلَوْ عَجَّلَ أَدَاءَ الزَّكَاةِ إلَى فَقِيرٍ ثُمَّ أَيْسَرَ قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ مَاتَ أَوْ ارْتَدَّ جَازَ مَا دَفَعَهُ عَنْ الزَّكَاةِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ.
.
قَالَ أَصْحَابُنَا- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- إذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ سَقَطَتْ الزَّكَاةُ بِمَوْتِهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.