سورة البقرة / الآية رقم 111 / تفسير تفسير أبي حيان / أحمد بن علي العجمي / القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
القرآن الكريم
طريقة عرض الآيات
صور
نصوص

مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ألَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداًّ مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ

البقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرة




تلاوة آية تلاوة سورة الشرح الصوتي

التفسير


الرعاية والمراعاة: النظر في مصالح الإنسان وتدبير أموره. والرعونة والرعن: الجهل والهوج. ذو: يكون بمعنى صاحب، وتثنى، وتجمع، وتؤنث، وتلزم الإضافة لاسم جنس ظاهر. وفي إضافتها إلى ضمير الجنس خلاف، المشهور: المنع، ولا خلاف أنه مسموع، لكن من منع ذلك خصه بالضرورة. وإضافته إلى العلم المقرون به في الوضع، أو الذي لا يقرن به في أول الوضع مسموع. فمن الأول قولهم: ذو يزن، وذو جدن، وذو رعين، وذو الكلاع. فتجب الإضافة إذ ذاك. ومن الثاني قولهم: في تبوك، وعمرو، وقطرى: ذو تبوك، وذو عمرو، وذو قطرى. والأكثر أن لا يعتد بلفظ ذو، بل ينطق بالاسم عارياً من ذو. وما جاء من إضافته لضمير العلم، أو لضمير مخاطب لا ينقاس، كقولهم: اللهم صل على محمد وعلى ذويه، وقول الشاعر:
وإنا لنرجو عاجلاً منك مثل ما *** رجوناه قدماً من ذويك الأفاضل
ومذهب سيبويه: أن وزنه فعل، بفتح العين، ومذهب الخليل: أن وزنه فعل، بسكونها. واتفقوا على أنه يجمع في التكسير على أفعال. قالوا: أذواء وذو من الأسماء الستة التي تكون في الرفع بالواو، وفي النصب بالألف، وفي الجر بالياء. وإعراب ذو كذا لازم بخلاف غيرها من تلك الأسماء، فذلك على جهة الجواز. وفيما أعربت به هذه الأسماء عشرة مذاهب ذكرت في النحو، وقد جاءت ذو أيضاً موصولة، وذلك في لغة طيء، ولها أحكام، ولم تقع في القرآن. النسخ: إزالة الشيء بغير بدل يعقبه، نحو: نسخت الشمس الظل، ونسخت الريح الأثر. أو نقل الشيء من غير إزالة نحو: نسخت الكتاب، إذا نقلت ما فيه إلى مكان آخر. النسيئة: التأخير، نسأ ينسأ، ويأتي نسأ: بمعنى أمضى الشيء، قال الشاعر:
لمؤن كألواح الإران نسأتها *** على لاحب كأنه ظهر برجد
الولي: فعيل للمبالغة، من ولي الشيء: جاوره ولصق به. الحسد: تمني زوال النعمة عن الإنسان، حسد يحسد حسداً وحسادة. الصفح: قريب معناه من العفو، وهو الإعراض عن المؤاخذة على الذنب، مأخوذ من تولية صفحة الوجه إعراضاً. وقيل: هو التجاوز من قولك، تصفحت الورقة، أي تجاوزت عما فيها. والصفوح، قيل: من أسماء الله، والصفوح: المرأة تستر بعض وجهها إعراضاً، قال:
صفوح فما تلقاك إلا بخيلة *** فمن ملّ منها ذلك الوصل ملت
تلك: من أسماء الإشارة، يطلق على المؤنثة في حالة البعد، ويقال: تلك وتيلك وتالك، بفتح التاء وسكون اللام، وبكسرها وياء بعدها، وكسر اللام وبفتحها، وألف بعدها وكسر اللام، قال:
إلى الجودي حتى صار حجراً *** وحان لتالك الغمر انحسارا
هاتوا: معناه أحضروا، والهاء أصلية لا بدل من همزة أتى، لتعديها إلى واحد لا يحفظ هاتي الجواب، وللزوم الألف، إذ لو كانت همزة لظهرت، إذ زال موجب إبدالها، وهو الهمزة قبلها، فليس وزنها أفعل، خلافاً لمن زعم ذلك، بل وزنها فاعل كرام.
وهي فعل، خلافاً لمن زعم أنها اسم فعل، والدليل على فعليتها اتصال الضمائر بها. ولمن زعم أنها صوت بمنزلة هاء في معنى أحضر، وهو الزمخشري، وهو أمر وفعله متصرف. تقول: هاتي يهاتي مهاتاة، وليس من الأفعال التي أميت تصريف لفظه إلا الأمر منه، خلافاً لمن زعم ذلك. وليست ها للتنبيه دخلت على أتى فألزمت همزة أتى الحذف، لأن الأصل أن لا حذف، ولأن معنى هات ومعنى ائت مختلفان. فمعنى هات أحضر، ومعنى ائت أحضر. وتقول: هات هاتي هاتيا هاتوا هاتين، تصرفها كرامي. البرهان: الدليل على صحة الدعوى، قيل: هو مأخوذ من البره، وهو القطع، فتكون النون زائدة. وقيل: من البرهنة، وهي البيان، قالوا: برهن إذا بين، فتكون النون زائدة لفقدان فعلن ووجود فعلل، فينبني على هذا الاشتقاق. التسمية ببرهان، هل ينصرف أو لا ينصرف؟ الوجه: معروف، ويجمع قلة على أوجه، وكثرة على وجوه، فينقاس أفعل في فعل الاسم الصحيح العين، وينقاس فعول في فعل الاسم ليس عينه واواً. اليهود: ملة معروفة، والياء أصلية، فليست مادة الكملة مادة هود من قوله: {هوداً أن نصارى}، لثبوتها في التصريف يهده. وأما هوّده فمن مادة هود. قال الأستاذ أبو عليّ الشلوبين، وهو الإمام الذي انتهى إليه علم اللسان في زمانه: يهود فيها وجهان، أحدهما: أن تكون جمع يهودي، فتكون نكرة مصروفة. والثاني: أن تكون علماً لهذه القبيلة، فتكون ممنوعة الصرف. انتهى كلامه. وعلى الوجه الأول دخلته الألف واللام فقالوا: اليهود، إذ لو كان علماً لما دخلته، وعلى الثاني قال الشاعر:
أولئك أولى من يهود بمدحة *** إذا أنت يوماً قلتها لم تؤنب
ليس: فعل ماض، خلافاً لأبي بكر بن شقير، وللفارسي في أحد قوليه، إذ زعما أنها حرف نفي مثل ما، ووزنها فعل بكسر العين. ومن قال: لست بضم اللام، فوزنها عنده فعل بضم العين، وهو بناء نادر في الثلاثي اليائي العين، لم يسمع منه إلا قولهم: هيؤ الرجل، فهو هيئ، إذا حسنت هيئته. وأحكام ليس كثيرة مشروحة في كتب النحو. الحكم: الفصل، ومنه سمي القاضي: الحاكم، لأنه يفصل بين الخصمين. الاختلاف: ضد الاتفاق.
{يا أيها الذين آمنوا}: هذا أول خطاب خوطب به المؤمنون في هذه السورة، بالنداء الدال على الإقبال عليهم، وذلك أن أول نداء جاء أتى عامًّا: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} وثاني نداء أتى خاصاً: {يا بني إسرائيل اذكروا} وهي الطائفة العظيمة التي اشتملت على الملتين: اليهودية والنصرانية، وثالث نداء لأمة محمد صلى الله عليه وسلم المؤمنين. فكان أول نداء عامًّا، أمروا فيه بأصل الإسلام، وهو عبادة الله.
وثاني نداء، ذكروا فيه بالنعم الجزيلة، وتعبدوا بالتكاليف الجليلة، وخوّفوا من حلول النقم الوبيلة وثالث نداء: علموا فيه أدباً من آداب الشريعة مع نبيهم، إذ قد حصلت لهم عبادة الله، والتذكير بالنعم، والتخويف من النقم، والاتعاظ بمن سبق من الأمم، فلم يبق إلا ما أمروا به على سبيل التكميل، من تعظيم من كانت هدايتهم على يديه. والتبجيل والخطاب بيا أيها الذين آمنوا متوجه إلى من بالمدينة من المؤمنين، قيل: ويحتمل أن يكون إلى كل مؤمن في عصره. وروي عن ابن عباس: أنه حيث جاء هذا الخطاب، فالمراد به أهل المدينة، وحيث ورد يا أيها الناس، فالمراد أهل مكة.
{لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا}: بدئ بالنهي، لأنه من باب التروك، فهو أسهل. ثم أتى بالأمر بعده الذي هو أشق لحصول الاستئناس، قبل بالنهي. ثم لم يكن نهياً عن شيء سبق تحريمه، ولكن لما كانت لفظة المفاعلة تقتضي الاشتراك غالباً، فصار المعنى: ليقع منك رعي لنا ومنا رعي لك، وهذا فيه ما لا يخفى مع من يعظم نهوا عن هذه اللفظة لهذه العلة، وأمروا بأن يقولوا: انظرنا، إذ هو فعل من النبي صلى الله عليه وسلم، لا مشاركة لهم فيه معه. وقراءة الجمهور: راعنا. وفي مصحف عبد الله وقراءته، وقراءة أبي: راعونا، على إسناد الفعل لضمير الجمع. وذكر أيضاً أن في مصحف عبد الله: ارعونا. خاطبوه بذلك إكباراً وتعظيماً، إذ أقاموه مقام الجمع. وتضمن هذا النهي، النهي عن كل ما يكون فيه استواء مع النبي صلى الله عليه وسلم. وقرأ الحسن، وابن أبي ليلى، وأبو حياة، وابن محيصن: راعنا بالتنوين، جعله صفة لمصدر محذوف، أي قولاً راعناً، وهو على طريق النسب كلابن وتامر. لما كان القول سبباً في السبب، اتصف بالرعن، فنهوا في هذه القراءة عن أن يخاطبوا الرسول بلفظ يكون فيه، أو يوهم شيئاً من الغض، مما يستحقه صلى الله عليه وسلم من التعظيم وتلطيف القول وأدبه.
وقد ذكر أن سبب نزول هذه الآية أن اليهود كانت تقصد بذلك، إذ خاطبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الرعونة، وكذا قيل في راعونا، إنه فاعولاً من الرعونة، كعاشورا. وقيل: كانت لليهود كلمة عبرانية، أو سريانية يتسابون بها وهي: راعينا، فلما سمعوا بقول المؤمنين راعنا، اقترضوه وخاطبوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يعنون تلك المسبة، فنهي المؤمنون عنها، وأمروا بما هو في معناها. ومن زعم أن راعنا لغة مختصة بالأنصار، فليس قوله بشيء، لأن ذلك محفوظ في جميع لغة العرب. وكذلك قول من قال: إن هذه الآية ناسخة لفعل قد كان مباحاً، لأن الأول لم يكن شرعاً متقرراً قبل. وقيل في سبب نزولها غير ذلك. وبالجملة، فهي كما قال محمد بن جرير: كلمة كرهها الله أن يخاطب بها نبيه، كما قال صلى الله عليه وسلم:
«لا تقولوا عبدي وأمتي وقولوا فتاي وفتاتي ولا تسموا العنب الكرم» وذكر في النهي وجوه: إن معناها اسمع لا سمعت، أو إن أهل الحجاز كانوا يقولونها عند المفر، قاله قطرب، أو أن اليهود كانوا يقولون: راعينا أي راعي غنمنا، أو أنه مفاعلة فيوهم مساواة، أو معناه راع كلامنا ولا تغفل عنه، أو لأنه يتوهم أنه من الرعونة. وقوله: انظرنا، قراءة الجمهور، موصول الهمزة، مضموم الظاء، من النظرة، وهي التأخير، أي انتظرنا وتأنّ علينا، نحو قوله:
فإنكما إن تنظراني ساعة *** من الدهر تنفعني لدى أم جندب
أو من النظر، واتسع في الفعل فعدى بنفسه، وأصله أن يتعدى بإلى، كما قال الشاعر:
ظاهرات الجمال والحسن ينظر *** ن كما ينظر الأراك الظباء
يريد: إلى الأراك، ومعناه: تفقدنا بنظرك. وقال مجاهد: معناه فهمنا وبين لنا، فسر باللازم في الأصل، وهو انظر، لأنه يلزم من الرفق والإمهال على السائل، والتأني به أن يفهم بذلك. وقيل: هو من نظر البصيرة بالتفكر والتدبر فيما يصلح للمنظور فيه، فاتسع في الفعل أيضاً، إذ أصله أن يتعدى بفي، ويكون أيضاً على حذف مضاف، أي انظر في أمرنا. قال ابن عطية: وهذه لفظة مخلصة لتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، والظاهر عندي استدعاء نظر العين المقترن بتدبر الحال، وهذا هو معنى: راعنا، فبدلت للمؤمنين اللفظة، ليزول تعلق اليهود. انتهى. وقرأ أبي والأعمش: أنظرنا، بقطع الهمزة وكسر الظاء، من الإنظار، ومعناه: أخرنا وأمهلنا حتى نتلقى عنك. وهذه القراءة تشهد للقول الأول في قراءة الجمهور.
{واسمعوا}: أي سماع قبول وطاعة. وقيل: معناه اقبلوا. وقيل: فرغوا أسماعكم حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة. وقيل: اسمعوا ما أمرتم به حتى لا ترجعوا تعودون إليه. أكد عليهم ترك تلك الكلمة. وروي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، فوالذي نفسي بيده، لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه. {وللكافرين عذاب أليم}: ظاهره العموم، فيدخل فيه اليهود. وقيل: المراد به اليهود، أي ولليهود الذين تهاونوا بالرسول وسبوه. ولما نهى أوّلاً، وأمر ثانياً، وأمر بالسمع وحض عليه، إذ في ضمنه الطاعة، أخذ يذكر لمن خالف أمره وكفر، {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} {ما يودّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين}: ذكر المفسرون أن المسلمين قالوا لحلفائهم من اليهود: آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فقالوا: وددنا لو كان خيراً مما نحن عليه فنتبعه، فأكذبهم الله بقوله: {ما يود الذين كفروا}، فعلى هذا يكون المراد بأهل الكتاب: الذين بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والظاهر، العموم في أهل الكتاب: وهم اليهود والنصارى، وفي المشركين: وهم مشركو العرب وغيرهم، ونفى بما، ونها لنفي الحال، فهم ملتبسون بالبغض والكراهة أن ينزل عليكم. ومن، في قوله: من أهل الكتاب، تبعيضية، فتتعلق بمحذوف، أي كائنين من أهل الكتاب. ومن أثبت أن من تكون لبيان الجنس قال ذلك هنا، وبه قال الزمخشري، وأصحابنا لا يثبتون كونها للبيان. {ولا المشركين}، معطوف على: {من أهل الكتاب}. ورأيت في كتاب لأبي إسحاق الشيرازي، صاحب (التنبيه)، كلاماً يرد فيه على الشيعة، ومن قال بمقالتهم: في أن مشروعية الرجلين في الوضوء هي المسح، للعطف في قوله: {وأرجلكم}، على قوله: {برؤوسكم}، خرج فيه أبو إسحاق قوله: وأرجلكم بالجر، على أنه من الخفض على الجوار، وأن أصله النصب فخفض عطفاً على الجوار. وأشار في ذلك الكتاب إلى أن القرآن ولسان العرب يشهدان بجواز ذلك، وجعل منه قوله: ولا المشركين، في هذه الآية، وقوله: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين} وأن الأصل هو الرفع، أي ولا المشركون، عطفاً على الذين كفروا، وهذا حديث من قصر في العربية، وتطاول إلى الكلام فيها بغير معرفة، وعدل عن حمل اللفظ على معناه الصحيح وتركيبه الفصيح. ودخلت لا في قوله: ولا المشركين، للتأكيد، ولو كان في غير القرآن لجاز حذفها. ولم تأت في قوله: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين} لمعنى يذكر هناك، إن شاء الله تعالى
{أن ينزل عليكم}: في موضع المفعول بيود، وبناؤه للمفعول، وحذف الفاعل للعلم به، وللتصريح به في قوله: {من ربكم}. ولو بني للفاعل لم يظهر في قوله: {من ربكم}. {من خير}، من: زائدة، والتقدير: خير من ربكم، وحسن زيادتها هنا، وإن كان ينزل لم يباشره حرف النفي، فليس نظير: ما يكرم من رجل، لانسحاب النفي عليه من حيث المعنى، لأنه إذا نفيت الودادة، كان كأنه نفى متعلقها، وهو الإنزال، وله نظائر في لسان العرب، من ذلك قوله تعالى: {أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهنّ بقادر} فلما تقدّم النفي حسن دخول الباء، وكذلك قول العرب: ما ظننت أحداً يقول ذلك إلا زيد، بالرفع على البدل من الضمير المستكن في يقول، وإن لم يباشره حرف النفي، لأن المعنى: ما يقول ذلك أحد إلا زيد، فيما أظن. وهذا التخريج هو على قول سيبويه والخليل. وأما على مذهب الأخفش والكوفيين في هذا المكان، فيجوز زيادتها، لأنهم لا يشترطون انتفاء الحكم عما تدخل عليه، بل يجيزون زيادتها في الواجب وغيره. ويزيد الأخفش: أنه يجيز زيادتها في المعرفة. وذهب قوم إلى أن من للتبعيض، ويكون على هذا المفعول الذي لم يسم فاعله هو عليكم، ويكون المعنى: أن ينزل عليكم بخير من الخير من ربكم.
{من ربكم}: من: لابتداء الغاية، كما تقول: هذا الخير من زيد. ويجوز أن تكون للتبعيض. المعنى من خير كائن من خيور ربكم، فإذا كانت لابتداء الغاية تعلقت بقوله: ينزل، وإذا كانت للتبعيض تعلقت بمحذوف، وكان ذلك على حذف مضاف، كما قدّرناه. والخير هنا: القرآن، أو الوحي، إذ يجمع القرآن وغيره، أو ما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم من التعظيم؛ أو الحكمة والقرآن والظفر؛ أو النبوة الإسلام، أو العلم والفقه والحكمة؛ أو هنا عام في جميع أنواع الخير، فهم يودون انتفاء ذلك عن المؤمنين، سبعة أقوال، أظهرها الآخر. وسبب عدم ودهم ذلك: أما في اليهود، فلكون النبوّة كانت في بني إسماعيل، ولخوفهم على رئاستهم، وأما النصارى، فلتكذيبهم في إدعائهم ألوهية عيسى، وأنه ابن الله، ولخوفهم على رئاستهم، وأما المشركون، فلسبّ آلهتهم وتسفيه أحلامهم، ولحسدهم أن يكون رجل منهم يختص بالرسالة، واتباع الناس له.
{والله يختصّ برحمته من يشاء}: أي يفرد بها، وضد الاختصاص: الاشتراك. ويحتمل أن يكون يختصّ هنا لازماً، أي ينفرد، أو متعدّياً، أي يفرد، إذ الفعل يأتي كذلك. يقال: اختصّ زيد بكذا، واختصصته به، ولا يتعين هنا تعديه، كما ذكر بعضهم، إذ يصح، والله يفرد برحمته من يشاء، فيكون من فاعلة، وهو افتعل من: خصصت زيداً بكذا. فإذا كان لازماً، كان لفعل الفاعل بنفسه نحو: اضطررت، وإذا كان متعدياً، كان موافقاً لفعل المجرّد نحو: كسب زيد مالاً، واكتسب زيد مالاً. والرحمة هنا عامة بجميع أنواعها؛ أو النبوّة والحكمة والنصرة، اختص بها محمد صلى الله عليه وسلم، قاله عليّ والباقر ومجاهد والزجاج؛ أو الإسلام، قاله ابن عباس؛ أو القرآن، أو النبي صلى الله عليه وسلم، {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} هو نبي الرحمة، أقوال خمسة، أظهرها الأول
{والله ذو الفضل العظيم}: قد تقدّم أن ذو بمعنى صاحب. وذكر جملة من أحكام ذو، والوصف بذو، أشرف عندهم من الوصف بصاحب، لأنهم ذكروا أن ذو أبداً لا تكون إلا مضافة لاسم، فمدلولها أشرف. ولذلك جاء ذو رعين، وذو يزن، وذو الكلاع، ولم يسمعوا بصاحب رعين، ولا صاحب يزن ونحوها. وامتنع أن يقول في صحابي أبي سعيد أو جابر: ذو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاز أن يقول: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذلك وصف الله تعالى نفسه بقوله: {ذو الجلال} {ذو الفضل}، وسيأتي الفرق بين قوله تعالى: {وذا النون إذ ذهب مغاضباً}، وقوله تعالى: {ولا تكن كصاحب الحوت} إن شاء الله تعالى. وتقدّم تفسير {الفضل العظيم} ويجوز أن يراد به هنا: جميع أنواع التفضلات، فتكون أل للاستغراق، وعظمه من جهة سعته وكثرته، أو فضل النبوّة. وقد وصف تعالى ذلك بالعظم في قوله: {وكان فضل الله عليك عظيماً} أو الشريعة، فعظمها من جهة بيان أحكامها، من حلال، وحرام، ومندوب، ومكروه، ومباح؛ أو الثواب والجزاء، فعظمه من جهة السعة والكثرة، {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وعلى هذه التأويلات تكون أل للعهد، والأظهر القول الأول.
{ما ننسخ من آية}: سبب نزولها، فيما ذكروا، أن اليهود لما حسدوا المسلمين في التوجه إلى الكعبة، وطعنوا في الإسلام قالوا: إن محمداً يأمر أصحابه بأمر اليوم، وينهاهم عنه غداً، ويقول اليوم قولاً، ويرجع عنه غداً، ما هذا القرآن إلا من عند محمد، وأنه يناقض بعضه بعضاً، فنزلت.
وقد تكلم المفسرون هنا في حقيقة النسخ الشرعي وأقسامه، وما اتفق عليه منه، وما اختلف فيه، وفي جوازه عقلاً، ووقوعه شرعاً، وبماذا ينسخ، وغير ذلك من أحكام النسخ ودلائل تلك الأحكام، وطوّلوا في ذلك. وهذا كله موضوعه علم أصول الفقه، فيبحث في ذلك كله فيه. وهكذا جرت عادتنا: أن كل قاعدة في علم من العلوم يرجع في تقريرها إلى ذلك العلم، ونأخذها في علم التفسير مسلمة من ذلك العلم، ولا نطول بذكر ذلك في علم التفسير، فنخرج عن طريقة التفسير، كما فعله أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، المعروف بابن خطيب الري، فإنه جمع في كتابه في التفسير أشياء كثيرة طويلة، لا حاجة بها في علم التفسير. ولذلك حكي عن بعض المتطرفين من العلماء أنه قال: فيه كل شيء إلا التفسير.
وقد ذكرنا في الخطبة ما يحتاج إليه علم التفسير. فمن زاد على ذلك، فهو فضول في هذا العلم، ونظير ما ذكره الرازي وغيره، إن النحوي مثلاً يكون قد شرع في وضع كتاب في النحو، فشرع يتكلم في الألف المنقلبة، فذكر أن الألف في الله، أهي منقلبة من ياء أو واو؟ ثم استطرد من ذلك إلى الكلام في الله تعالى، فيما يجب له ويجوز عليه ويستحيل. ثم استطرد إلى جواز إرسال الرسل منه تعالى إلى الناس. ثم استطرد إلى أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم استطرد من ذلك إلى إعجاز ما جاء به القرآن وصدق ما تضمنه، ثم استطرد إلى أن من مضمونه البعث والجزاء بالثواب والعقاب. ثم المثابون في الجنة لا ينقطع نعيمهم، والمعاقبون في النار لا ينقطع عذابهم. فبينا هو في علمه يبحث في الألف المنقلبة، إذا هو يتكلم في الجنة والنار، ومن هذا سبيله في العلم، فهو من التخليط والتخبيط في أقصى الدرجة، وكان أستاذنا العلامة أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي، قدّس الله تربته، يقول ما معناه: متى رأيت الرجل ينتقل من فن إلى فن في البحث أو التصنيف، فاعلم أن ذلك، إما لقصور علمه بذلك الفن، أو لتخليط ذهنه وعدم إدراكه، حيث يظنّ أن المتغايرات متماثلات.
وإنما أمعنت الكلام في هذا الفصل لينتفع به من يقف عليه، ولئلا يعتقد أنا لم نطلع على ما أودعه الناس في كتبهم في التفسير، بل إنما تركنا ذلك عمداً، واقتصرنا على ما يليق بعلم التفسير. وأسأل الله التوفيق للصواب.
وما من قوله: ما ننسخ، شرطية، وهي مفعول مقدّم، وفي ننسخ التفات، إذ هو خروج من غائب إلى متكلم. ألا ترى إلى قوله: {والله يختصّ}؟ {والله ذو الفضل}؟ وقرأ الجمهور: ننسخ من نسخ، بمعنى أزال، فهو عام في إزالة اللفظ والحكم معاً، أو إزالة اللفظ فقط، أو الحكم فقط. وقرأت طائفة وابن عامر من السبعة: ما ننسخ من الإنساخ، وقد استشكل هذه القراءة أبو علي الفارسي فقال: ليست لغة، لأنه لا يقال نسخ وأنسخ بمعنى، ولا هي للتعدية، لأن المعنى يجيء: ما يكتب من آية، أي ما ينزل من آية، فيجيء القرآن كله على هذا منسوخاً. وليس الأمركذلك، فلم يبق إلا أن يكون المعنى: ما نجده منسوخاً، كما يقال: أحمدت الرجل إذا وجدته محموداً، وأبخلته إذا وجدته بخيلاً. قال أبو عليّ: وليس نجده منسوخاً إلا بأن ينسخه، فتتفق القراءات في المعنى، وإن اختلفا في اللفظ. انتهى كلامه. فجعل الهمزة في النسخ ليست للتعدية، وإنما أفعل لوجود الشيء بمعنى ما صيغ منه، وهذا أحد معاني أفعل المذكورة فيه فاتحة الكتاب. وجعل الزمخشري الهزة فيه للتعدية قال: وإنساخها الأمر بنسخها، وهو أن يأمر جبريل عليه السلام بأن يجعلها منسوخة، بالإعلام بنسخها، وهذا تثبيج في العبارة عن معنى كون الهمزة للتعدية. وإيضاحه أن نسخ يتعدى لواحد، فلما دخلت همزة النقل تعدى لاثنين. تقول: نسخ زيد الشيء، أي أزاله، وأنسخه إياه عمرو: أي جعل عمرو زيداً ينسخ الشيء، أي يزيله. وقال ابن عطية: التقدير ما ننسخك من آية، أي ما نبيح لك نسخة، كأنه لما نسخه الله أباح لنبيه تركها بذلك النسخ، فسمى تلك الإباحة إنساخاً. وهذا الذي ذكر ابن عطية أيضاً هو جعل الهمزة للتعدية، لكنه والزمخشري اختلفا في المفعول الأول المحذوف، أهو جبريل أم النبي صلى الله عليه وسلم؟ وجعل الزمخشري الإنساخ هو الأمر بالنسخ. وجعل ابن عطية الإنساخ إباحة الترك بالنسخ. وخرّج ابن عطية هذه القراءة على تخريج آخر وهو: أن تكون الهمزة فيه للتعدية أيضاً، وهو من نسخ الكتاب، وهو نقله من غير إزالة له، قال: ويكون المعنى ما نكتب وننزل من اللوح المحفوظ، أو ما نؤخر فيه ونترك فلا ننزله، أي ذلك فعلنا، فإنا نأتي بخير من المؤخر المتروك، أو بمثله، فتجيء الضميرات في منها وبمثلها عائدين على الضمير في ننسأها.
انتهى كلامه. وذهل عن القاعدة النحوية، وهي أن اسم الشرط لا بد في جوابه من عائد عل




البحث


كلمات متتالية كلمات متفرقة




موضوعات القرآن
  • الإيمان
  • العلم
  • العبادات
  • أحكام الأسرة
  • المعاملات
  • الحدود والجنايات
  • الجهاد
  • الأطعمة والأشربة
  • أحكام الجنائز
  • الأخلاق
  • تكريم الله للإنسان
  • القصص والتاريخ
  • الأمثال