سورة هود / الآية رقم 33 / تفسير في ظلال القرآن / أحمد بن علي العجمي / القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
القرآن الكريم
طريقة عرض الآيات
صور
نصوص

وَيَا قَوْمِ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُم مُّلاقُوا رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللَّهُ إِن شَاءَ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ وَاصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ

هودهودهودهودهودهودهودهودهودهودهودهودهودهودهود




تلاوة آية تلاوة سورة الشرح الصوتي

التفسير


القصص في هذه السورة هو قوامها؛ ولكنه لم يجئ فيها مستقلاً، إنما جاء مصداقاً للحقائق الكبرى التي جاءت السورة لتقريرها. والتي أجملها السياق في مطلع السورة: {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير، ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير، وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير، إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير} وقد تضمن مطلع السورة جولات متعددة حول هذه الحقائق. جولات في ملكوت السماوات والأرض، وفي جنبات النفس، وفي ساحة الحشر.. ثم أخذ في هذه الجولة الجديدة في جنبات الأرض وأطواء التاريخ مع قصص الماضين.. يستعرض حركة العقيدة الإسلامية في مواجهة الجاهلية على مدار القرون.
والقصص هنا مفصل بعض الشيء وبخاصة قصة نوح والطوفان وهو يتضمن الجدل حول حقائق العقيدة التي وردت فى مطلع السورة، والتي يجيء كل رسول لتقريرها، وكأنما المكذبون هم المكذبون، وكأنما طبيعتهم واحدة، وعقليتهم واحدة على مدار التاريخ.
ويتبع القصص في هذه السورة خط سير التاريخ، فيبدأ بنوح، ثم هود، ثم صالح، ويلم بإبراهيم في الطريق إلى لوط، ثم شعيب، ثم إشارة إلى موسى.. ويشير إلى الخط التاريخي، لأنه يذكر التالين بمصير السالفين على التوالي بهذا الترتيب:
ونبدأ بقصة نوح مع قومه. أول هذا القصص في السياق. وأوله في التاريخ:
{ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه. إني لكم نذير مبين. ألا تعبدوا إلا الله، إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم}..
إنها تكاد تكون الألفاظ ذاتها التي أرسل بها محمد صلى الله عليه وسلم والتي تضمنها الكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير. وهذه المقاربة في ألفاظ التعبير عن المعنى الرئيسي الواحد مقصودة في السياق لتقرير وحدة الرسالة ووحدة العقيدة، حتى لتتوحد ألفاظ التعبير عن معانيها. وذلك مع تقدير أن المحكي هنا هو معنى ما قاله نوح عليه السلام لا ألفاظه. وهو الأرجح. فنحن لا ندري بأية لغة كان نوح يعبر.
{ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه: إني لكم نذير مبين}..
ولم يقل قال: إني... لأن التعبير القرآني يحيي المشهد فكأنما هو واقعة حاضرة لا حكاية ماضية. وكأنما هو يقول لهم الآن ونحن نشهد ونسمع. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه يلخص وظيفة الرسالة كلها ويترجمها إلى حقيقة واحدة:
{إني لكم نذير مبين}..
وهو أقوى في تحديد هدف الرسالة وإبرازه في وجدان السامعين.
ومرة أخرى يبلور مضمون الرسالة في حقيقة جديدة:
{ألا تعبدوا إلا الله}..
فهذا هو قوام الرسالة، وقوام الإنذار.
ولماذا؟
{إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم}..
فيتم الإبلاغ ويتم الإنذار، في هذه الكلمات القصار..
واليوم ليس أليماً. إنما هو مؤلم. والأليم إسم مفعول أصله: مألوم! إنما هم المألومون في ذلك اليوم. ولكن التعبير يختار هذه الصيغة هنا، لتصوير اليوم ذاته بأنه محمل بالألم، شاعر به، فما بال من فيه؟
{فقال الملأ الذين كفروا من قومه: ما نراك إلا بشراً مثلنا، وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي، وما نرى لكم علينا من فضل، بل نظنكم كاذبين}..
ذلك رد العلية المتكبرين.. الملأ.. كبار القوم المتصدرين.. وهو يكاد يكون رد الملأ من قريش: ما نراك إلا بشراً مثلنا، وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل، بل نظنكم كاذبين.
الشبهات ذاتها، والاتهامات ذاتها، والكبرياء ذاتها، والاستقبال الغبي الجاهل المتعافي!
إنها الشبهة التي وقرت في نفوس جهال البشر: أن الجنس البشري أصغر من حمل رسالة الله؛ فإن تكن رسالة فليحملها ملك أو مخلوق آخر. وهي شبهة جاهلة، مصدرها عدم الثقة بهذا المخلوق الذي استخلفه الله في أرضه، وهي وظيفة خطيرة ضخمة، لا بد أن يكون الخالق قد أودع في هذا الإنسان ما يكافئها من الإستعداد والطاقة، وأودع في جنسه القدرة على أن يكون من بينه أفراد مهيأون لحمل الرسالة، باختيار الله لهم، وهو أعلم بما أودع في كيانهم الخاص من خصائص هذا الجنس في عمومه.
وشبهة أخرى جاهلة كذلك. هي أنه إذا كان الله يختار رسولاً، فلم لا يكون من بين هؤلاء الملأ الكبراء في قومهم، المتسلطين العالين؟ وهو جهل بالقيم الحقيقية لهذا المخلوق الإنساني، والتي من أجلها استحق الخلافة في الأرض بعمومه، واستحق حمل رسالة الله بخصوصيته في المختارين من صفوفه. وهذه القيم لا علاقة لها بمال أو جاه أو استطالة في الأرض، إنما هي في صميم النفس، واستعدادها للاتصال بالملأ الأعلى، بما فيها من صفاء وتفتح وقدرة على التلقي، واحتمال للأمانة وصبر على أدائها ومقدرة على إبلاغها.. إلى آخر صفات النبوة الكريمة.. وهي صفات لا علاقة لها بمال أو جاه أو استعلاء!
ولكن الملأ من قوم نوح، كالملأ من قوم كل نبي تعميهم مكانتهم الدنيوية عن رؤية هذه الخصائص العلوية، فلا يدركون مبرراً لاختصاص الرسل بالرسالة. وهي في زعمهم لا تكون لبشر. فإن كانت فهي لأمثالهم من الوجهاء العالين في الأرض!
{وما نراك إلا بشراً مثلنا}..
هذه واحدة.. أما الأخرى فأدهى:
{وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا، بادي الرأي}!!
وهم يسمون الفقراء من الناس أراذل.. كما ينظر الكبراء دائماً إلى الآخرين الذين لم يؤتوا المال والسلطان! وأولئك هم أتباع الرسل السابقون غالباً؛ لأنهم بفطرتهم أقرب إلىلإستجابة للدعوة التي تحرر الناس من العبودية للكبراء، وتصل القلوب بإله واحد قاهر عال على الأعلياء.
ولأن فطرتهم لم يفسدها البطر والترف. ولم تعوقها المصالح عن الإستجابة؛ ولأنهم لا يخافون من العقيدة في الله أن تضيع عليهم مكانة مسروقة لغفلة الجماهير واستعبادها للخرافات الوثنية في شتى صورها. وأول صور الوثنية الدينونة والعبودية والطاعة والاتباع للأشخاص الزائلة بدلاً من الإتجاه بهذا كله لله وحده دون شريك. فرسالات التوحيد هي حركات التحرير الحقيقية للبشر في كل طور وفي كل أرض. ومن ثم كان يقاومها الطغاة دائماً، ويصدون عنها الجماهير؛ ويحاولون تشويهها واتهام الدعاة إليها بشر التهم للتشويش والتنفير.
{وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي}..
أي دون ترو ولا تفكير.. وهذه تهمة كذلك توجه دائماً من الملأ العالين لجموع المؤمنين.. أنها لا تتروى ولا تفكر في اتباع الدعوات. ومن ثم فهي متهمة في اتباعها واندفاعها، ولا يليق بالكبراء أن ينهجوا نهجها، ولا أن يسلكوا طريقها. فإذا كان الأراذل يؤمنون، فما يليق إذن بالكبراء أن يؤمنوا إيمان الأراذل؛ ولا أن يدعوا الأراذل يؤمنون!
{وما نرى لكم علينا من فضل}..
يدمجون الداعي بمن تبعوه من الأراذل! ما نرى لكم علينا من فضل يجعلكم أقرب إلى الهدى، أو أعرف بالصواب. فلو كان ما معكم خيراً وصواباً لاهتدينا إليه، ولم تسبقونا أنتم إليه! وهم يقيسون الأمور ذلك القياس الخاطئ الذي تحدثنا عنه. قياس الفضل بالمال، والفهم بالجاه، والمعرفة بالسلطان.. فذو المال أفضل. وذو الجاه أفهم. وذو السلطان أعرف!!! هذه المفاهيم وتلك القيم التي تسود دائماً حين تغيب عقيدة التوحيد عن المجتمع، أو تضعف آثارها، فترتد البشرية إلى عهود الجاهلية، وإلى تقاليد الوثنية في صورة من صورها الكثيرة وإن بدت في ثوب من الحضارة المادية قشيب. وهي انتكاسة للبشرية من غير شك، لأنها تصغر من القيم التي بها صار الإنسان إنساناً، واستحق الخلافة في الأرض، وتلقى الرسالة من السماء؛ وترجع به إلى قيم أقرب إلى الحيوانية العضلية الفيزيقية!
{بل نظنكم كاذبين}...
وهي التهمة الأخيرة يقذفون بها في وجه الرسول وأتباعه. ولكنهم على طريقة طبقتهم.. الأرستقراطية.. يلقونها في أسلوب التحفظ اللائق بالأرستقراط! {بل نظنكم!} لأن اليقين الجازم في القول والإتجاه من طبيعة الجماهير المندفعة بادي الرأي التي يترفع عنها السادة المفكرون المتحفظون!
إنه النموذج المتكرر من عهد نوح، لهذه الطبقة المليئة الجيوب الفارغة القلوب، المتعاظمة المدعية المنتفخة الأوداج والأمخاخ!!
ويتلقى نوح عليه السلام الإتهام والإعراض والاستكبار، في سماحة النبي وفي استعلائه وفي ثقته بالحق الذي جاء به، واطمئنانه إلى ربه الذي أرسله؛ وفي وضوح طريقه أمامه واستقامة منهجه في شعوره.
فلا يشتم كما شتموا، ولا يتهم كما اتهموا، ولا يدعي كما ادعوا، ولا يحاول أن يخلع على نفسه مظهراً غير حقيقته ولا على رسالته شيئاً غير طبيعتها..
{قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي، وآتاني رحمة من عنده فعميّت عليكم. أنلزمكموها وأنتم لها كارهون؟ ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً إن أجري إلا على الله، وما أن بطارد الذين آمنوا، إنهم ملاقو ربهم، ولكني أراكم قوماً تجهلون. ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون؟ ولا أقول لكم: عندي خزائن الله، ولا أعلم الغيب، ولا أقول: إني ملك، ولا أقول للذين تزدري أعينكم: لن يؤتيهم الله خيراً. الله أعلم بما في أنفسهم، إني إذن لمن الظالمين}..
{يا قوم}.. في سماحة ومودة بندائهم ونسبتهم إليه، ونسبة نفسه إليهم. إنكم تعترضون فتقولون: {ما نراك إلا بشراً مثلنا}.. فما يكون رأيكم إن كنت على اتصال بربي، بيِّن في نفسي مستيقن في شعوري. وهي خاصية لم توهبوها. وإن كان الله آتاني رحمة من عنده باختياري للرسالة، أو آتاني من الخصائص ما أستحق به حمل الرسالة وهذه رحمة ولا شك عظيمة ما رأيكم إن كانت هذه وتلك فخفيت عليكم خفاء عماية، لأنكم غير متهيئين لإدراكها، وغير مفتوحي البصائر لرؤيتها. {أنلزمكموها؟} إنه ما كان لي وما أنا بمستطيع أن ألزمكم الإذعان لها والإيمان بها {وأنتم لها كارهون}!
وهكذا يتلطف نوح في توجيه أنظارهم ولمس وجدانهم وإثارة حساسيتهم لإدراك القيم الخفية عليهم، والخصائص التي يغفلون عنها في أمر الرسالة والإختيار لها: ويبصرهم بأن الأمر ليس موكولاً إلى الظواهر السطحية التي يقيسون بها. وفي الوقت ذاته يقرر لهم المبدأ العظيم القويم. مبدأ الإختيار في العقيدة، والإقتناع بالنظر والتدبر، لا بالقهر والسلطان والإستعلاء!
{ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً، إن أجري إلا على الله، وما أنا بطارد الذين آمنوا، إنهم ملاقو ربهم، ولكني أراكم قوماً تجهلون}.
يا قوم إن الذين تدعونهم أراذل قد دعوتهم فآمنوا، وليس لي عند الناس إلا أن يؤمنوا. إنني لا أطلب مالاً على الدعوة، حتى أكون حفياً بالأثرياء غير حفي بالفقراء؛ فالناس كلهم عندي سواء.. ومن يستغن عن مال الناس يتساو عنده الفقراء والأغنياء..
{إن أجري إلا على الله}..
عليه وحده دون سواه.
{وما أنا بطارد الذين آمنوا}..
ونفهم من هذا الرد أنهم طلبوا أو لوحوا له بطردهم من حوله، حتى يفكروا هم في الإيمان به، لأنهم يستنكفون أن يلتقوا عنده بالأراذل، أو أن يكونوا وإياهم على طريق واحد! لست بطاردهم، فهذا لا يكون مني. لقد آمنوا وأمرهم بعد ذلك إلى الله لا لي:
{إنهم ملاقو ربهم}.. {ولكني أراكم قوماً تجهلون}..
تجهلون القيم الحقيقية التي يقدر بها الناس في ميزان الله.
وتجهلون أن مرد الناس كلهم إلى الله.
{ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم. أفلا تذكرون؟}..
فهناك الله. رب الفقراء والأغنياء. ورب الضعفاء والأقوياء. هناك الله يقوِّم الناس بقيم أخرى. ويزنهم بميزان واحد. هو الإيمان. فهؤلاء المؤمنون في حماية الله ورعايته.
{ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم؟}..
من يعصمني من الله إن أنا أخللت بموازينه، وبغيت على المؤمنين من عباده وهم أكرم عليه وأقررت القيم الأرضية الزائفة التي أرسلني الله لأعدِّلها لا لأتبعها؟
{أفلا تذكّرون؟}..
وقد أنساكم ما أنتم فيه ميزان الفطرة السليمة القويمة؟
ثم يقدم لهم شخصه ورسالته مجردين عن كل زخرف وكل طلاء وكل قيمة من تلك القيم العرضية الزائفة. يقدمها لهم في معرض التذكير، ليقرر لهم القيم الحقيقية، ويزدري أمامهم القيم الظاهرية، بتخليه عنها، وتجرده منها. فمن شاء الرسالة كما هي، بقيمها، بدون زخرف، بدون ادعاء، فليتقدم إليها مجردة خالصة لله:
{ولا أقول لكم عندي خزائن الله..}
فأدعي الثراء أو القدرة على الإثراء...
{ولا أعلم الغيب}..
فأدعي قدرة ليست للبشر أو صلة بالله غير صلة الرسالة..
{ولا أقول: إني ملك}..
فأدعي صفة أعلى من صفة الإنسانية في ظنكم لأرتفع في أعينكم، وأفضل نفسي بذاتي عليكم.
{ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيراً}..
إرضاء لكبريائكم، أو مسايرة لتقديركم الأرضي وقيمكم العرضية.
{الله أعلم بما في أنفسهم}..
فليس لي إلا ظاهرهم، وظاهرهم يدعو إلى التكريم، وإلى الرجاء في أن يؤتيهم الله خيراً..
{إني إذن لمن الظالمين}..
إن إدعيت أية دعوى من هذه الدعاوي. الظالمين للحق وقد جئت أبلغه؛ والظالمين لنفسي فأعرضها لغضب الله؛ والظالمين للناس فأنزلهم غير ما أنزلهم الله.
وهكذا ينفي نوح عليه السلام عن نفسه وعن رسالته كل قيمة زائفة وكل هالة مصطنعة يتطلبها الملأ من قومه في الرسول والرسالة. ويتقدم إليهم بها مجردة إلا من حقيقتها العظيمة التي لا تحتاج إلى مزيد من تلك الأعراض السطحية. ويردهم في نصاعة الحق وقوته، مع سماحة القول ووده إلى الحقيقة المجردة ليواجهوها، ويتخذوا لأنفسهم خطة على هداها. بلا ملق ولا زيف ولا محاولة استرضاء على حساب الرسالة وحقيقتها البسيطة. فيعطي أصحاب الدعوة في أجيالها جميعاً نموذجاً للداعية ودرساً في مواجهة أصحاب السلطان بالحق المجرد، دون استرضاء لتصوراتهم، ودون ممالأة لهم، مع المودة التي لا تنحني معها الرؤوس!
وعند هذا الحد كان الملأ من قوم نوح قد يئسوا من مناهضة الحجة بالحجة؛ فإذا هم على عادة طبقتهم قد أخذتهم العزة بالإثم، واستكبروا أن تغلبهم الحجة، وأن يذعنوا للبرهان العقلي والفطري. وإذا هم يتركون الجدل إلى التحدي:
{قالوا: يا نوح قد جادلتنا، فأكثرت جدالنا، فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين}.
إنه العجز يلبس ثوب القدرة، والضعف يرتدي رداء القوة؛ والخوف من غلبة الحق يأخذ شكل الإستهانة والتحدي:
{فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين}..
وأنزل بنا العذاب الأليم الذي أنذرتنا به فلسنا نصدقك، ولسنا نبالي وعيدك.
أما نوح فلا يخرجه هذا التكذيب والتحدي عن سمت النبي الكريم، ولا يقعده عن بيان الحق لهم، وإرشادهم إلى الحقيقة التي غفلوا عنها وجهلوها في طلبهم منه أن يأتيهم بما أوعدهم، وردهم إلى هذه الحقيقة وهي أنه ليس سوى رسول، وليس عليه إلا البلاغ، أما العذاب فمن أمر الله، وهو الذي يدبر الأمر كله، ويقدر المصلحة في تعجيل العذاب أو تأجيله، وسنته هي التي تنفذ.. وما يملك هو أن يردها أو يحولها.. إنه رسول. وعليه أن يكشف عن الحق حتى اللحظة الأخيرة، فلا يقعده عن إبلاغه وبيانه أن القوم يكذبونه ويتحدونه:
{قال: إنما يأتيكم به الله إن شاء، وما أنتم بمعجزين. ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم، هو ربكم وإليه ترجعون}..
فإذا كانت سنة الله تقتضي أن تهلكوا بغوايتكم، فإن هذه السنة ستمضي فيكم، مهما بذلت لكم من النصح. لا لأن الله سيصدكم عن الانتفاع بهذا النصح، ولكن لأن تصرفكم بأنفسكم يجعل سنة الله تقتضي أن تضلوا، وما أنتم بمعجزين لله عن أن ينالكم ما يقدر لكم، فأنتم دائماً في قبضته، وهو المدبر والمقدر لأمركم كله؛ ولا مفر لكم من لقائه وحسابه وجزائه:
{هو ربكم وإليه ترجعون}..
وعند هذا المقطع من قصة نوح، يلتفت السياق لفتة عجيبة، إلى استقبال مشركي قريش لمثل هذه القصة، التي تشبه أن تكون قصتهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم ودعواهم أن محمداً يفتري هذا القصص. فيرد هذا القول قبل أن يمضي في استكمال قصة نوح:
{أم يقولون افتراه؟ قل: إن افتريته فعليّ إجرامي، وأنا بريء مما تجرمون}..
فالافتراء إجرام، قل لهم: إن كنت فعلته فعليَّ تبعته. وأنا أعرف أنه إجرام فمستبعد أن أرتكبه، وأنا بريء مما تجرمون من تهمة الافتراء إلى جوار غيرها من الشرك والتكذيب.
وهذا الاعتراض لا يخالف سياق القصة في القرآن، لأنها إنما جاءت لتأدية غرض من هذا في السياق.
ثم يمضي السياق في قصة نوح؛ يعرض مشهداً ثانياً. مشهد نوح يتلقى وحي ربه وأمره:
{وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن. فلا تبتئس بما كانوا يفعلون، واصنع الفلك بأعيننا ووحينا، ولا تخاطبني في الذين ظلموا، إنهم مغرقون}..
فقد انتهى الإنذار، وانتهت الدعوة، وانتهى الجدل!
{وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن}.
فالقلوب المستعدة للإيمان قد آمنت، أما البقية فليس فيها استعداد ولا اتجاه. هكذا أوحى الله إلى نوح، وهو أعلم بعباده، وأعلم بالممكن والممتنع، فلم يبق مجال للمضي في دعوة لا تفيد. ولا عليك مما كانوا يفعلونه من كفر وتكذيب وتحد واستهزاء:
{فلا تبتئس بما كانوا يفعلون}..
أي لا تحس بالبؤس والقلق، ولا تحفل ولا تهتم بهذا الذي كان منهم، لا على نفسك فما هم بضاريك بشيء، ولا عليهم فإنهم لا خير فيهم.
دع أمرهم فقد انتهى..
{واصنع الفلك بأعيننا ووحينا}.
برعايتنا وتعليمنا.
{ولا تخاطبني في الذين ظلموا، إنهم مغرقون}..
فقد تقرر مصيرهم وانتهى الأمر فيهم. فلا تخاطبني فيهم.. لا دعاء بهدايتهم، ولا دعاء عليهم وقد ورد في موضع آخر أنه حين يئس منهم دعا عليهم، والمفهوم أن اليأس كان بعد هذا الوحي فمتى انتهى القضاء امتنع الدعاء..
والمشهد الثالث من مشاهد القصة: مشهد نوح يصنع الفلك، وقد اعتزل القوم وترك دعوتهم وجدالهم:
{ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه: قال: إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون. فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم}..
والتعبير بالمضارع. فعل الحاضر.. هو الذي يعطي المشهد حيويته وجدته. فنحن نراه ماثلاً لخيالنا من وراء هذا التعبير. يصنع الفلك. ونرى الجماعات من قومه المتكبرين يمرون به فيسخرون. يسخرون من الرجل الذي كان يقول لهم: إنه رسول ويدعوهم، ويجادلهم فيطيل جدالهم؛ ثم إذا هو ينقلب نجاراً يصنع مركباً.. إنهم يسخرون لأنهم لا يرون إلا ظاهر الامر، ولا يعلمون ما وراءه من وحي وأمر. شأنهم دائماً في إدراك الظواهر والعجز عن إدراك ما وراءها من حكمة وتقدير. فأما نوح فهو واثق عارف وهو يخبرهم في اعتزاز وثقة وطمأنينة واستعلاء أنه يبادلهم سخرية بسخرية:
{قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون}..
نسخر منكم لأنكم لا تدركون ما وراء هذا العمل من تدبير الله وما ينتظركم من مصير:
{فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يوم مقيم}..
أنحن أم أنتم: يوم ينكشف المستور، عن المحذور!
ثم مشهد التعبئة عندما حلت اللحظة المرتقبة:
{حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور، قلنا: احمل فيها من كل زوجين اثنين، وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن، وما آمن معه إلا قليل. وقال: اركبوا فيها باسم الله مجراها ومرساها، إن ربي لغفور رحيم}.
وتتفرق الأقوال حول فوران التنور، ويذهب الخيال ببعضها بعيداً، وتبدو رائحة الإسرائيليات فيها وفي قصة الطوفان كلها واضحة. أما نحن فلا نضرب في متاهة بغير دليل، في هذا الغيب الذي لا نعلم منه إلا ما يقدمه لنا النص، وفي حدود مدلوله بلا زيادة.
وأقصى ما نملك أن نقوله: إن فوران التنور والتنور الموقد قد يكون بعين فارت فيه، أو بفوارة بركانية.
وأن هذا الفوران ربما كان علامة من الله لنوح، أو كان مصاحباً مجرد مصاحبة لمجيء الأمر، وبدءاً لنفاذ هذا الأمر بفوران الأرض بالماء. وسح الوابل من السماء.
لما حدث هذا {قلنا: احمل فيها من كل زوجين اثنين...} كأن نظام العملية كان يقتضي أن يؤمر نوح بمراحلها واحدة واحدة في حينها. فقد أمر أولاً بصنع الفلك فصنعه، ولم يذكر لنا السياق الغرض من صنعه، ولم يذكر أنه أطلع نوحاً على هذا الغرض كذلك. {حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور}.. أمر بالمرحلة التالية..
{قلنا: احمل فيها من كل زوجين اثنين، وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن}..
ومرة أخرى تتفرق الأقوال حول {من كل زوجين اثنين} وتشيع في الجو رائحة الإسرائيليات قوية. أما نحن فلا ندع الخيال يلعب بنا ويشتط حول النص: {احمل فيها من كل زوجين اثنين}.. مما يملك نوح أن يمسك وأن يستصحب من الأحياء. وما وراء ذلك خبط عشواء..
{وأهلك إلا من سبق عليه القول}..
أي من استحق عذاب الله حسب سنته.
{ومن آمن}..
من غير أهلك.
{وما آمن معه إلا قليل}..
{وقال: اركبوا فيها باسم الله مجريها ومرساها}..
فنفذ الأمر وحشر من حشر وما حشر.
{وقال: اركبوا فيها باسم الله مجريها ومرساها}.. وهذا تعبير عن تسليمها للمشيئة في جريانها ورسوها، فهي في رعاية الله وحماه.. وماذا يملك البشر من أمر الفلك في اللجة الطاغية بله الطوفان؟!
ثم يأتي المشهد الهائل المرهوب: مشهد الطوفان:
{وهي تجري بهم في موج كالجبال، ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين، قال. سآوي إلى جبل يعصمني من الماء. قال: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم. وحال بينهما الموج فكان من المغرقين}..
إن الهول هنا هولان. هول في الطبيعة الصامته، وهول في النفس البشرية يلتقيان:
{وهي تجري بهم في موج كالجبال}..
وفي هذه اللحظة الرهيبة الحاسمة يبصر نوح، فإذا أحد أبنائه في معزل عنهم وليس معهم، وتستيقظ في كيانه الأبوة الملهوفة، ويروح يهتف بالولد الشارد:
{يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين}..
ولكن البنوة العاقة لا تحفل بالأبوة الملهوفة، والفتوة المغرورة لا تقدر مدى الهول الشامل:
{قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء}..
ثم ها هي ذي الأبوة المدركة لحقيقة الهول وحقيقة الأمر ترسل النداء الأخير:
{قال: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم}.
لا جبال ولا مخابئ ولا حامٍ ولا واقٍ. إلا من رحم الله.
وفي لحظة تتغير صفحة المشهد. فها هو ذا الموج الغامر يبتلع كل شيء:
{وحال بينهما الموج فكان من المغرقين}.
وإننا بعد آلاف السنين، لنمسك أنفاسنا ونحن نتابع السياق والهول يأخذنا كأننا نشهد المشهد. وهي تجري بهم في موج كالجبال، ونوح الوالد الملهوف يبعث بالنداء. وابنه الفتى المغرور يأبى إجابة الدعاء، والموجة الغامرة تحسم الموقف في سرعة خاطفة راجفة وينتهي كل شيء، وكأن لم يكن دعاء ولا جواب!
وإن الهول هنا ليقاس بمداه في النفس الحية بين الوالد والمولود كما يقاس بمداه في الطبيعة، والموج يطغى على الذرى بعد الوديان. وإنهما لمتكافئان، في الطبيعة الصامته وفي نفس الإنسان. وتلك سمة بارزة في تصوير القرآن.
وتهدأ العاصفة، ويخيم السكون، ويقضى الأمر، ويتمشى الاستقرار كذلك في الألفاظ وفي إيقاعها في النفس والأذن:
{وقيل: يا أرض ابلعي ماءك، ويا سماء أقلعي وغيض الماء، وقضي الأمر، واستوت على الجوديّ، وقيل بعداً للقوم الظالمين}..
ويوجه الخطاب إلى الأرض وإلى السماء بصيغة العاقل، فتستجيب كلتاهما للأمر الفاصل فتبلع الأرض، وتكف السماء:
{وقيل: يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي}.
{وغيض الماء}..
ابتلعته الأرض في جوفها وغار من سطحها.
{وقضي الأمر}..
ونفذ القضاء.
{واستوت على الجودي}..
ورست رسو استقرار على جبل الجودي..
{وقيل بعداً للقوم الظالمين}..
وهي جملة مختصرة حاسمة معبرة عن جوها أعمق تعبير.. {قيل} على صيغة المجهول فلا يذكر من قال، من قبيل لف موضوعهم ومواراته:
{وقيل بعداً للقوم الظالمين}..
بعداً لهم من الحياة فقد ذهبوا، وبعداً لهم من رحمة الله فقد لعنوا، وبعداً لهم من الذاكرة فقد انتهوا.. وما عادوا يستحقون ذكراً ولا ذكرى!
والآن وقد هدأت العاصفة، وسكن الهول، واستوت على الجودي. الآن تستيقظ في نفس نوح لهفة الوالد المفجوع:
{ونادى نوح ربه، فقال: رب إن ابني من أهلي، وإن وعدك الحق، وأنت أحكم الحاكمين}.
رب إن ابني من أهلي، وإن وعدك الحق، وأنت أحكم الحاكمين. فلا تقضي إلا عن حكمة وتدبير..
قالها يستنجز ربه وعده في نجاة أهله، ويستنجزه حكمته في الوعد والقضاء..
وجاءه الرد بالحقيقة التي غفل عنها. فالأهل عند الله وفي دينه وميزانه ليسوا قرابة الدم، إنما هم قرابة العقيدة. وهذا الولد لم يكن مؤمناً، فليس إذن من أهله وهو النبي المؤمن.. جاءه الرد هكذا في قوة وتقرير وتوكيد؛ وفيما يشبه التقريع والتأنيب والتهديد:
{قال: يا نوح إنه ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح، فلا تسألن ما ليس لك به علم. إني أعظك أن تكون من الجاهلين}..
إنها الحقيقة الكبيرة في هذا الدين. حقيقة العروة التي ترجع إليها الخيوط جميعاً. عروة العقيدة التي تربط بين الفرد والفرد ما لا يربطه النسب والقرابة:
{إنه ليس من أهلك. إنه عمل غير صالح}..
فهو مُنبتٌّ منك وأنت منبت منه، ولو كان ابنك من صلبك، فالعروة الأولى مقطوعة، فلا رابطة بعد ذلك ولا وشيجة.
ولأن نوحاً دعا دعاء من يستنجز وعداً لا يراه قد تحقق.. كان الرد عليه يحمل رائحة التأنيب والتهديد:
{فلا تسألن ما ليس لك به علم. إني أعظك أن تكون م�




البحث


كلمات متتالية كلمات متفرقة




موضوعات القرآن
  • الإيمان
  • العلم
  • العبادات
  • أحكام الأسرة
  • المعاملات
  • الحدود والجنايات
  • الجهاد
  • الأطعمة والأشربة
  • أحكام الجنائز
  • الأخلاق
  • تكريم الله للإنسان
  • القصص والتاريخ
  • الأمثال