سورة الرعد / الآية رقم 6 / تفسير في ظلال القرآن / أحمد بن علي العجمي / القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
القرآن الكريم
طريقة عرض الآيات
صور
نصوص

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقَابِ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الكَبِيرُ المُتَعَالِ سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ القَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ المِحَالِ

الرعدالرعدالرعدالرعدالرعدالرعدالرعدالرعدالرعدالرعدالرعدالرعدالرعدالرعدالرعد




تلاوة آية تلاوة سورة الشرح الصوتي

التفسير


تبدأ السورة بقضية عامة من قضايا العقيدة: قضية الوحي بهذا الكتاب، والحق الذي اشتمل عليه. وتلك هي قاعدة بقية القضايا من توحيد لله، ومن إيمان بالبعث، ومن عمل صالح في الحياة. فكلها متفرعة عن الإيمان بأن الآمر بهذا هو الله، وأن هذا القرآن وحي من عنده سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم:
{المر. تلك آيات الكتاب. والذي أنزل إليك من ربك الحق. ولكن أكثر الناس لا يؤمنون}..
ألف. لام. ميم. را.. {تلك آيات الكتاب}.. آيات هذا القرآن. أو تلك آيات على الكتاب تدل على الوحي به من عند الله. إذ كانت صياغته من مادة هذه الأحرف دلالة على أنه من وحي الله، لا من عمل مخلوق كائناً من كان.
{والذي أنزل من ربك الحق}..
الحق وحده. الحق الخالص الذي لا يتلبس بالباطل. والذي لا يحتمل الشك والتردد. وتلك الأحرف آيات على أنه الحق. فهي آيات على أنه من عند الله. ولن يكون ما عند الله إلا حقاً لا ريب فيه.
{ولكن أكثر الناس لا يؤمنون}..
لا يؤمنون بأنه موحى به، ولا بالقضايا المترتبة على الإيمان بهذا الوحي من توحيد لله ودينونة له وحده ومن بعث وعمل صالح في الحياة.
هذا هو الافتتاح الذي يلخص موضوع السورة كله، ويشير إلى جملة قضاياها. ومن ثم يبدأ في استعراض آيات القدرة، وعجائب الكون الدالة على قدرة الخالق وحكمته وتدبيره، الناطقة بأن من مقتضيات هذه الحكمة أن يكون هناك وحي لتبصير الناس؛ وأن يكون هناك بعث لحساب الناس. وأن من مقتضيات تلك القدرة أن تكون مستطيعة بعث الناس ورجعهم إلى الخالق الذي بدأهم وبدأ الكون كله قبلهم. وسخره لهم ليبلوهم فيما آتاهم.
وتبدأ الريشة المعجزة في رسم المشاهد الكونية الضخمة.. لمسة في السماوات، ولمسة في الأرضين. ولمسات في مشاهد الأرض وكوامن الحياة..
ثم التعجيب من قوم ينكرون البعث بعد هذه الآيات الضخام، ويستعجلون عذاب الله، ويطلبون آية غير هذه الآيات:
{الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها، ثم استوى على العرش، وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى، يدبر الأمر، يفصل الآيات، لعلكم بلقاء ربكم توقنون}.
{وهو الذي مد الأرض، وجعل فيها رواسيَ وأنهاراً، ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين، يُغشي الليل النهار. إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}.
{وفي الأرض قطع متجاورات، وجنات من أعناب، وزرع، ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل. إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}.
{وإن تعجب فعجب قولهم: أئذا كنا تراباً أئنّا لفي خلق جديد؟ أولئك الذين كفروا بربهم.
وأولئك الأغلال في أعناقهم، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم، وإن ربك لشديد العقاب. ويقول الذين كفروا: لولا أنزل عليه آية من ربه، إنما أنت منذر ولكل قوم هاد}.
والسماوات أياً كان مدلولها وأياً كان ما يدركه الناس من لفظها في شتى العصور معروضة على الأنظار، هائلة ولا شك حين يخلو الناس إلى تأملها لحظة. وهي هكذا لا تستند إلى شيء. مرفوعة {بغير عمد} مكشوفة {ترونها}..
هذه هي اللمسة الأولى في مجالي الكون الهائلة وهي بذاتها اللمسة الأولى للوجدان الإنساني، وهو يقف أمام هذا المشهد الهائل يتملاه؛ ويدرك أنه ما من أحد يقدر على رفعها بلا عمد أو حتى بعمد إلا الله؛ وقصارى ما يرفعه الناس بعمد أو بغير عمد تلك البنيان الصغيرة الهزيلة القابعة في ركن ضيق من الأرض لا تتعداه. ثم يتحدث الناس عما في تلك البنيان من عظمة ومن قدرة ومن إتقان، غافلين عما يشملهم ويعلوهم من سماوات مرفوعة بغير عمد؛ وعما وراءها من القدرة الحقة والعظمة الحقة، والإتقان الذي لا يتطاول إليه خيال إنسان!
ومن هذا المنظور الهائل الذي يراه الناس، إلى المغيب الهائل الذي تتقاصر دونه المدارك والأبصار: {ثم استوى على العرش}..
فإن كان علو فهذا أعلى. وإن كانت عظمة فهذا أعظم. وهو الاستعلاء المطلق، يرسمه في صورة على طريقة القرآن في تقريب الأمور المطلقة لمدارك البشر المحدودة.
وهي لمسة أخرى هائلة من لمسات الريشة المعجزة. لمسة في العلو المطلق إلى جانب اللمسة الأولى في العلو المنظور، تتجاوران وتتسقان في السياق..
ومن الاستعلاء المطلق إلى التسخير. تسخير الشمس والقمر. تسخير العلو المنظور للناس على ما فيه من عظمة أخاذة، أخذت بألبابهم في اللمسة الأولى، ثم إذا هي مسخرة بعد ذلك لله الكبير المتعال.
ونقف لحظة أمام التقابلات المتداخلة في المشهد قبل أن نمضي معه إلى غايته، فإذا نحن أمام ارتفاع في الفضاء المنظور يقابله ارتفاع في الغيب المجهول. وإذا نحن أمام استعلاء يقابله التسخير. وإذا نحن أمام الشمس والقمر يتقابلان في الجنس: نجم وكوكب، ويتقابلان في الأوان، بالليل والنهار..
ثم نمضي مع السياق.. فمع الاستعلاء والتسخير الحكمة والتدبير:
{كل يجري لأجل مسمى}..
وإلى حدود مرسومة، ووفق ناموس مقدر. سواء في جريانهما في فلكيهما دورة سنوية ودورة يومية. أو جريانهما في مداريهما لا يتعديانه ولا ينحرفان عنه. أو جريانهما إلى الأمد المقدر لهما قبل أن يحول هذا الكون المنظور.
{يدبر الأمر}..
الأمر كله، على هذا النحو من التدبير الذي يسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى.
والذي يمسك بالأفلاك الهائلة والأجرام السابحة في الفضاء فيجريها لأجل لا تتعداه، لا شك عظيم التدبير جليل التقدير.
ومن تدبيره الأمر أنه {يفصل الآيات} وينظمها وينسقها، ويعرض كلاً منها في حينه، ولعلته، ولغايته {لعلكم بلقاء ربكم توقنون} حين ترون الآيات مفصلة منسقة، ومن ورائها آيات الكون، تلك التي أبدعتها يد الخالق أول مرة، وصورت لكم آيات القرآن ما وراء إبداعها من تدبير وتقدير وإحكام.. ذلك كله يوحي بأن لا بد من عودة إلى الخالق بعد الحياة الدنيا، لتقدير أعمال البشر، ومجازاتهم عليها. فذلك من كمال التقدير الذي توحي به حكمه الخلق الأول عن حكمة وتدبير.
وبعد ذلك يهبط الخط التصويري الهائل من السماء إلى الأرض فيرسم لوحتها العريضة الأولى:
{وهو الذي مد الأرض، وجعل فيها رواسي وأنهاراً، ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين. يغشي الليل النهار. إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}..
والخطوط العريضة في لوحة الأرض هي مد الأرض وبسطها أمام النظر وانفساحها على مداه. لا يهم ما يكون شكلها الكلي في حقيقته. إنما هي مع هذا ممدودة مبسوطة فسيحة. هذه هي اللمسة الأولى في اللوحة. ثم يرسم خط الرواسي الثوابت من الجبال، وخط الأنهار الجارية في الأرض. فتتم الخطوط العريضة الأولى في المشهد الأرضي، متناسقة متقابلة.
ومما يناسب هذه الخطوط الكلية ما تحتويه الأرض من الكليات، وما يلابس الحياة فيها من كليات كذلك.
وتتمثل الأولى فيما تنبت الأرض: {ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين}. وتتمثل الثانية في ظاهرتي الليل والنهار: {يغشي الليل النهار}.
والمشهد الأول يتضمن حقيقة لم تعرف للبشر من طريق علمهم وبحثهم إلا قريباً. هي أن كل الأحياء وأولها النبات تتألف من ذكر وأنثى، حتى النباتات التي كان مظنوناً أن ليس لها من جنسها ذكور، تبين أنها تحمل في ذاتها الزوج الآخر، فتضم أعضاء التذكير وأعضاء التأنيث مجتمعة في زهرة، أو متفرقة في العود. وهي حقيقة تتضامن مع المشهد في إثارة الفكر إلى تدبر أسرار الخلق بعد تملي ظواهره.
والمشهد الثاني مشهد الليل والنهار متعاقبين، هذا يغشي ذاك، في انتظام عجيب. هو ذاته مثار تأمل في مشاهد الطبيعة، فقدوم ليل وإدبار نهار أو إشراق فجر وانقشاع ليل، حادث تهوّن الألفة من وقعه في الحس، ولكنه في ذاته عجب من العجب، لمن ينفض عنه موات الألفة وخمودها، ويتلقاه بحس الشاعر المتجدد، الذي لم يجمده التكرار.. والنظام الدقيق الذي لا تتخلف معه دورة الفلك هو بذاته كذلك مثار تأمل في ناموس هذا الكون، وتفكير في القدرة المبدعة التي تدبره وترعاه: {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}..
ونقف كذلك هنا وقفة قصيرة أمام التقابلات الفنية في المشهد قبل أن نجاوزه إلى ما وراءه.
.. التقابلات بين الرواسي الثابتة والأنهار الجارية. وبين الزوج والزوج في كل الثمرات. وبين الليل والنهار. ثم بين مشهد الأرض كله ومشهد السماء السابق. وهما متكاملان في المشهد الكوني الكبير الذي يضمهما ويتألف منهما جميعاً.
ثم تمضي الريشة المبدعة في تخطيط وجه الأرض بخطوط جزئية أدق من الخطوط العريضة الأولى:
{وفي الأرض قطع متجاورات، وجنات من أعناب، وزرع، ونخيل صنوان وغير صنوان، يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل. إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}..
وهذه المشاهد الأرضية، فينا الكثيرون يمرون عليها فلا تثير فيهم حتى رغبة التطلع إليها! إلا أن ترجع النفس إلى حيوية الفطرة والاتصال بالكون الذي هي قطعة منه، انفصلت عنه لتتأمله ثم تندمج فيه..
{وفي الأرض قطع متجاورات}..
متعددة الشيات، وإلا ما تبين أنها {قطع} فلو كانت متماثلة لكانت قطعة.. منها الطيب الخصب، ومنها السبخ النكد. ومنها المقفر الجدب، ومنها الصخر الصلد. وكل واحد من هذه وتلك انواع وألوان ودرجات. ومنها العامر والغامر. ومنها المزروع الحي والمهمل الميت. ومنها الريان والعطشان. ومنها ومنها ومنها.. وهي كلها في الأرض متجاورات.
هذه اللمسة العريضة الأولى في التخطيط التفصيلي.. ثم تتبعها تفصيلات: {وجنات من أعناب}. {وزرع}. {ونخيل} تمثل ثلاثة أنواع من النبات، الكرم المتسلق. والنخل السامق. والزرع من بقول وأزهار وما أشبه. مما يحقق تلوين المنظر، وملء فراغ اللوحة الطبيعية، والتمثيل لمختلف أشكال النبات.
ذلك النخيل. صنوان وغير صنوان. منه ما هو عود واحد. ومنه ما هو عودان أو أكثر في أصل واحد.. وكله {يسقى بماء واحد} والتربة واحدة، ولكن الثمار مختلفات الطعوم:
{ونفضل بعضها على بعض في الأكل}.
فمن غير الخالق المدبر المريد يفعل هذا وذاك؟!
من منا لم يذق الطعوم مختلفات في نبت البقعة الواحدة. فكم منا التفت هذه اللفتة التي وجه القرآن إليها العقول والقلوب؟ إنه بمثل هذا يبقى القرآن جديداً أبداً، لأنه يجدد أحاسيس البشر بالمناظر والمشاهد في الكون والنفس؛ وهي لا تنفد ولا يستقصيها إنسان في عمره المحدود، ولا تستقصيها البشرية في أجلها الموعود.
{إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}..
ومرة ثالثة نقف أمام التقابلات الفنية في اللوحة بين القطع المتجاورات المختلفات. والنخل صنوان وغير صنوان والطعوم مختلفات. والزرع والنخيل والأعناب..
تلك الجولة الهائلة في آفاق الكون الفسيحة، يعود منها السياق ليعجّب من قوم، هذه الآيات كلها في الآفاق لا توقظ قلوبهم، ولا تنبه عقولهم، ولا يلوح لهم من ورائها تدبير المدبر، وقدرة الخالق، كأن عقولهم مغلولة، وكأن قلوبهم مقيدة، فلا تنطلق للتأمل في تلك الآيات:
{وإن تعجب فعجب قولهم: أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد؟ أولئك الذين كفروا بربهم، وأولئك الأغلال في أعناقهم، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.
وإنه لعجيب يستحق التعجيب، أن يسأل قوم بعد هذا العرض الهائل:
{أإذا كنا ترابا أإناً لفي خلق جديد؟}..
والذي خلق هذا الكون الضخم ودبره على هذا النحو، قادر على إعادة الأناسي في بعث جديد. إنما هو الكفر بربهم الذي خلقهم ودبر أمرهم. وإنما هي أغلال العقل والقلب. فالجزاء هو الأغلال في الأعناق، تنسيقاً بين غل العقل وغل العنق؛ والجزاء هو النار خالدين فيها. فقد عطلوا كل مقومات الإنسان التي من أجلها يكرمه الله، وانتكسوا في الدنيا فهم في الآخرة يلاقون عاقبة الانتكاس حياة أدنى من حياتهم الدنيا، التي عاشوها معطلي الفكر والشعور والإحساس.
هؤلاء القوم الذين يعجبون من أن يبعثهم الله خلقاً جديداً. وعجبهم هذا هو العجب! هؤلاء يستعجلونك أن تأتيهم بعذاب الله، بدلاً من أن يطلبوا هدايته ويرجوا رحمته:
{ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة}..
وكما أنهم لا ينظرون في آفاق الكون، وآيات الله المبثوثة في السماء والأرض، فهم لا ينظرون إلى مصارع الغابرين الذين استعجلوا عذاب الله فأصابهم؛ وتركهم مثلة يعتبر بها من بعدهم:
{وقد خلت من قبلهم المثلات}..
فهم في غفلة حتى عن مصائر أسلافهم من بني البشر، وقد كان فيها مثل لمن يعتبر.
{وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم}..
فهو بعباده رحيم حتى وإن ظلموا فترة، يفتح لهم باب المغفرة ليدخلوه عن طريق التوبة. ولكن يأخذ بعقابه الشديد من يصرون ويلجون، ولا يلجون من الباب المفتوح.
{إن ربك لشديد العقاب}..
والسياق يقدم هنا مغفرة الله على عقابه، في مقابل تعجل هؤلاء الغافلين للعذاب قبل الهداية. ليبدو الفارق الضخم الهائل بين الخير الذي يريده الله لهم، والشر الذي يريدونه لأنفسهم. ومن ورائه يظهر انطماس البصيرة، وعمى القلب، والانتكاس الذي يستحق درك النار.
ثم يمضي السياق في التعجيب من أمر القوم، الذين لا يدركون كل تلك الآيات الكونية، فيطلبون آية واحدة ينزلها الله على رسوله. آية واحدة والكون حولهم كله آيات:
{ويقول الذين كفروا: لولا أنزل عليه آية من ربه! إنما أنت منذر، ولكل قوم هاد}..
إنهم يطلبون خارقة. والخوارق ليست من عمل الرسول ولا اختصاصه. إنما يبعث بها الله معه، حين يرى بحكمته أنها لازمة. {إنما انت منذر} محذر ومبصر. شأنك شأن كل رسول قبلك، فقد بعث الله الرسل للأقوام للهداية {ولكل قوم هاد} فأما الآيات الخارقة فأمرها إلى مدبر الكون والعباد.
وبذلك تنتهي الجولة الأولى في الآفاق، والتعقيبات عليها. ليبدأ السياق جولة جديدة في واد آخر: في الأنفس والمشاعر والأحياء:
{الله يعلم ما تحمل كل أنثى، وما تغيض الأرحام وما تزداد، وكل شيء عنده بمقدار. عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال.
سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار. له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله. إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له، وما لهم من دونه من وال}..
ويقف الحس مشدوهاً يرتعش تحت وقع هذه اللمسات العميقة في التصوير، وتحت إيقاع هذه الموسيقى العجيبة في التعبير. يقف مشدوهاً وهو يقفو مسارب علم الله ومواقعه؛ وهو يتبع الحمل المكنون في الأرحام، والسر المكنون في الصدور، والحركة الخفية في جنح الليل؛ وكل مستخف وكل سارب وكل هامس وكل جاهر. وكل أولئك مكشوف تحت المجهر الكاشف، يتتبعه شعاع من علم الله، وتتعقبه حفظة تحصي خواطره ونواياه.. ألا إنها الرهبة الخاشعة التي لا تملك النفس معها إلا أن تلجأ إلى الله، تطمئن في حماه.. وإن المؤمن بالله ليعلم أن علم الله يشمل كل شيء. ولكن وقع هذه القضية الكلية في الحس، لا يقاس إلى وقع مفرداتها كما يعرض السياق بعضها في هذا التصوير العجيب.
وأين أية قضية تجريدية، وأية حقيقة كلية في هذا المجال من قوله:
{الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد. وكل شيء عنده بمقدار}؟
حين يذهب الخيال يتتبع كل أنثى في هذا الكون.. المترامي الأطراف.. كل أنثى.. كل أنثى في الوبر والمدر، في البدو والحضر، في البيوت والكهوف والمسارب والغابات. ويتصور علم الله مطلاً على كل حمل في أرحام هذه الإناث، وعلى كل قطرة من دم تغيض أو تزداد في تلك الأرحام!
وأين أية قضية تجريدية وأية حقيقة كلية في هذا المجال من قوله:
{سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار. له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله}؟
حين يذهب الخيال يتتبع كل هامس وكل جاهر، وكل مستخف وكل سارب في هذا الكون الهائل. ويتصور علم الله يتعقب كل فرد من بين يديه ومن خلفه، ويقيد عليه كل شاردة وكل واردة آناء الليل وأطراف النهار!
إن اللمسات الأولى في آفاق الكون الهائل ليست بأضخم ولا أعمق من هذه اللمسات الأخيرة في أغوار النفس والغيب ومجاهيل السرائر. وإن هذه لكفء لتلك في مجال التقابل والتناظر..
ونستعرض شيئاً من بدائع التعبير والتصوير في تلك الآيات:
{الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد. وكل شيء عنده بمقدار}.. فلما أن صور العلم بالغيض والزيادة في مكنونات الأرحام، عقب بأن كل شيء عنده بمقدار. والتناسق واضح بين كلمة مقدار وبين النقص والزيادة. والقضية كلها ذات علاقة بإعادة الخلق فيما سبق من ناحية الموضوع.
كما أنها من ناحية الشكل والصورة ذات علاقة بما سيأتي بعدها من الماء الذي تسيل به الأودية {بقدرها} في السيولة والتقدير.. كما أن في الغيض والزيادة تلك المقابلة المعهودة في جو السورة على الإطلاق..
{عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال}..
ولفظة {الكبير} ولفظة {المتعال} كلتاها تلقي ظلها في الحس. ولكن يصعب تصوير ذلك الظل بألفاظ أخرى. إنه ما من خلق حادث إلا وفيه نقص يصغره. وما يقال عن خلق من خلق الله كبير، أو أمر من الأمور كبير، أو عمل من الأعمال كبير، حتى يتضاءل بمجرد أن يذكر الله.. وكذلك {المتعال}.. تراني قلت شيئاً؟ لا. ولا أي مفسر آخر للقرآن وقف أمام {الكبير المتعال}!
{سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار}.. والتقابل واضح في العبارة. إنما تستوقفنا كلمة {سارب} وهي تكاد بظلها تعطي عكس معناها، فظلها ظل خفاء أو قريب من الخفاء. والسارب: الذاهب. فالحركة فيها هي المقصودة في مقابل الاستخفاء. هذه النعومة في جرس اللفظ وظله مقصودة هنا كي لا تخدش الجو. جو العلم الخفي اللطيف الذاهب وراء الحمل المكنون والسر الخافي والمستخفي بالليل والمعقبات التي لا تراها الأنظار. فاختار اللفظ الذي يؤدي معنى التقابل مع المستخفي ولكن في لين ولطف وشبه خفاء!
{له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله}..
والحفظة التي تتعقب كل انسان، وتحفظ كل شاردة وكل واردة وكل خاطرة وكل خالجة، والتي هي من أمر الله، لا يتعرض لها السياق هنا بوصف ولا تعريف. أكثر من أنها.. {من أمر الله}.. فلا نتعرض نحن لها: ما هي؟ وما صفاتها؟ وكيف تتعقب؟ وأين تكون؟ ولا نذهب بجو الخفاء والرهبة والتعقب الذي يسبغه السياق. فذلك هو المقصود هنا؛ وقد جاء التعبير بقدره؛ ولم يجئ هكذا جزافاً؛ وكل من له ذوق بأجواء التعبير يشفق من أن يشوه هذا الجو الغامض بالكشف والتفصيل!
{إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}..
فهو يتعقبهم بالحفظة من أمره لمراقبة ما يحدثونه من تغيير بأنفسهم وأحوالهم فيرتب عليه الله تصرفه بهم. فإنه لا يغير نعمة أو بؤسى، ولا يغير عزاً أو ذلة، ولا يغير مكانة أو مهانة.. إلا أن يغير الناس من مشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم، فيغير الله ما بهم وفق ما صارت إليه نفوسهم وأعمالهم. وإن كان الله يعلم ما سيكون منهم قبل أن يكون. ولكن ما يقع عليهم يترتب على ما يكون منهم، ويجيء لاحقاً له في الزمان بالقياس إليهم.
وإنها لحقيقة تلقي على البشر تبعة ثقيلة؛ فقد قضت مشيئة الله وجرت بها سنته، أن تترتب مشيئة الله بالبشر على تصرف هؤلاء البشر؛ وأن تنفذ فيهم سنته بناء على تعرضهم لهذه السنة بسلوكهم.
والنص صريح في هذا لا يحتمل التأويل. وهو يحمل كذلك إلى جانب التبعة دليل التكريم لهذا المخلوق الذي اقتضت مشيئة الله، أن يكون هو بعمله أداة التنفيذ لمشيئة الله فيه.
وبعد تقرير المبدأ يبرز السياق حالة تغيير الله ما بقوم إلى السوء؛ لأنهم حسب المفهوم من الآية غيروا ما بأنفسهم إلى أسوء فأراد لهم الله السوء:
{وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال}..
يبرز السياق هذا الجانب هنا دون الجانب الآخر لأنه في معرض الذين يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة. وقد قدم لهم هناك المغفرة على العذاب ليبرز غفلتهم، وهو هنا يبرز العاقبة السوأى وحدها لإنذارهم حيث لا يرد عذاب الله عنهم إذا استحقوه بما في أنفسهم ولا يعصمهم منه وال يناصرهم..
ثم يأخذ السياق في جولة جديدة في واد آخر، موصول بذلك الوادي الذي كنا فيه. واد تجتمع فيه مناظر الطبيعة ومشاعر النفس، متداخلة متناسقة في الصورة والظل والإيقاع. وتخيم عليه الرهبة والضراعة والجهد والإشفاق. وتظل النفس فيه في ترقب وحذر، وفي تأثر وانفعال:
{هو الذي يريكم البرق. خوفاً وطمعاً. وينشئ السحاب الثقال. ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء، وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال. له دعوة الحق، والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، وما هو ببالغه، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال. ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً، وظلالهم، بالغدو والآصال. قل: من رب السماوات والأرض؟ قل: الله. قل: أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً؟ قل: هل يستوي الأعمى والبصير. أم هل تستوي الظلمات والنور؟ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم؟ قل: الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار}..
والبرق والرعد والسحاب مشاهد معروفة، وكذلك الصواعق التي تصاحبها في بعض الأحيان. وهي بذاتها مشاهد ذات أثر في النفس سواء عند الذين يعرفون الكثير عن طبيعتها والذين لا يعرفون عن الله شيئاً! والسياق يحشدها هنا؛ ويضيف إليها الملائكة والظلال والتسبيح والسجود والخوف والطمع، والدعاء الحق والدعاء الذي لا يستجاب. ويضم إليها هيئة أخرى: هيئة ملهوف يتطلب الماء، باسطاً كفيه ليبلغه، فاتحاً فاه يتلقف منه قطرة..
هذه كلها لا تتجمع في النص اتفاقاً أو جزافاً. إنما تتجمع لتلقي كلها ظلالها على المشهد، وتلفه في جو من الرهبة والترقب، والخوف والطمع، والضراعة والارتجاف، في سياق تصوير سلطان الله المتفرد بالقهر والنفع والضر، نفياً للشركاء المدعاة، وإرهاباً من عقبى الشرك بالله.
{هو الذي يريكم البرق. خوفاً وطمعاً}..
هو الله الذي يريكم هذه الظاهرة الكونية، فهي ناشئة من طبيعة الكون التي خلقها هو على هذا النحو الخاص، وجعل لها خصائصها وظواهرها. ومنها البرق الذي يريكم إياه وفق ناموسه، فتخافونه لأنه بذاته يهز الأعصاب، ولأنه قد يتحول إلى صاعقة، ولأنه قد يكون نذيراً بسيل مدمر كما علمتكم تجاربكم. وتطمعون في الخير من ورائه، فقد يعقبه المطر المدرار المحيي للموات، المجري للأنهار.
{وينشئ السحاب الثقال}..
وهو كذلك الذي ينشئ السحاب والسحاب اسم جنس واحدته سحابة الثقال بالماء. فوفق ناموسه في خلقة هذا الكون وتركيبه تتكون السحب، وتهطل الأمطار. ولو لم يجعل خلقة الكون على هذا النحو ما تكونت سحب ولا هطلت أمطار. ومعرفة كيف تتكون السحب، وكيفية هطول الأمطار لا تفقد هذه الظاهرة الكونية شيئاً من روعتها، ولا شيئاً من دلالتها. فهي تتكون وفق تركيب كوني خاص لم يصنعه أحد إلا الله. ووفق ناموس معين يحكم هذا التركيب لم يشترك في سنه أحد من عبيد الله! كما أن هذا الكون لم يخلق نفسه، ولا هو الذي ركب في ذاته ناموسه!
والرعد.. الظاهرة الثالثة لجو المطر والبرق والرعد.. هذا الصوت المقرقع المدوي. إنه أثر من آثار الناموس الكوني، الذي صنعه الله- أياً كانت طبيعته وأسبابه- فهو رجع صنع الله في هذا الكون، فهو حمد وتسبيح بالقدرة التي صاغت هذا النظام. كما أن كل مصنوع جميل متقن يسبح ويعلن عن حمد الصانع والثناء عليه بما يحمله من آثار صنعته من جمال وإتقان.. وقد يكون المدلول المباشر للفظ يسبح هو المقصود فعلاً، ويكون الرعد {يسبح} فعلاً بحمد الله. فهذا الغيب الذي زواه الله عن البشر لا بد أن يتلقاه البشر بالتصديق والتسليم وهم لا يعلمون من أمر هذا الكون ولا من أمر أنفسهم إلا القليل!
وقد اختار التعبير أن ينص على تسبيح الرعد بالحمد اتباعاً لمنهج التصوير القرآني في مثل هذا السياق، وخلع سمات الحياة وحركاتها على مشاهد الكون الصامته لتشارك في المشهد بحركة من جنس المشهد كله كما فصلت هذا في كتاب التصوير الفني في القرآن والمشهد هنا مشهد أحياء في جو طبيعي. وفيه الملائكة تسبح من خيفته، وفيه دعاء لله، ودعاء للشركاء. وفيه باسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه.. ففي وسط هذا المشهد الداعي العابد المتحرك اشترك الرعد ككائن حي بصوته في التسبيح والدعاء..
ثم يكمل جو الرهبة والابتهال والبرق والرعد والسحاب الثقال.. بالصواعق يرسلها فيصيب بها من يشاء. والصواعق ظاهرة طبيعية ناشئة من تركيب الكون على هذا المنوال؛ والله يصيب بها أحياناً من غيروا ما بأنفسهم واقتضت حكمته ألا يمهلهم، لعلمه أن لا خير في إمهالهم، فاستحقوا الهلاك.
والعجيب أنه في هول البرق والرعد والصواعق، وفي زحمة تسبيح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وزمجرة العواصف بغضبه.. في هذا الهول ترتفع أصوات بشرية بالجدل في الله صاحب كل هذه القوى وباعث كل هذه الأصوات التي ترتفع على كل جدال وكل محال:
{وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال}!
وهكذا تضيع أصواتهم الضعيفة في غمرة هذا الهول المتجاوب بالدعاء والابتهال والرعد والقرقعة والصواعق، الناطقة كلها بوجود الله الذي يجادلون فيه وبوحدانيته واتجاه التسبيح والحمد إليه وحده من أضخم مجالي الكون الهائل، ومن الملائكة الذين يسبحون من خيفته (وللخوف إيقاعه في هذا المجال) فأين من هذا كله أصوات الضعاف من البشر وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال؟!
وهم يجادلون في الله وينسبون إليه شركاء يدعونهم معه. ودعوة الله هي وحدها الحق؛ وما عداها باطل ذاهب، لا ينال صاحبه منه إلا العناء:
{له دعوة الحق، والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء، إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال}..
والمشهد هنا ناطق متحرك جاهد لاهف.. فدعوة واحدة هي الحق، وهي التي تحق، وهي التي تستجاب. إنها دعوة الله والتوجه إليه والاعتماد عليه وطلب عونه ورحمته وهداه. وما عداها باطل وما عداها ضائع وما عداها هباء.. ألا ترون حال الداعين لغيره من الشركاء؟ انظروا هذا واحد منهم. ملهوف ظمآن يمد ذراعيه ويبسط كفيه. وفمه مفتوح يلهث بالدعاء. يطلب الماء ليبلغ فاه فلا يبلغه. وما هو ببالغه. بعد الجهد واللهفة والعناء. وكذلك دعاء الكافرين بالله الواحد حين يدعون الشركاء:
{وما دعاء الكافرين إلا في ضلال}.
وفي أي جو لا يبلغ هذا الداعي اللاهف قطرة من ماء؟ في جو البرق والرعد والسحاب الثقال، التي تجري هناك بأمر الله الواحد القهار!
وفي الوقت الذي يتخذ هؤلاء الخائبون آلهة من دون الله، ويتوجهون إليهم بالرجاء والدعاء، إذا كل من في الكون يعنو لله. وكلهم محكومون بإرادته، خاضعون لسنته، مسيرون وفق ناموسه. المؤمن منهم يخضع طاعة وإيماناً، وغير المؤمن يخضع أخذا وإرغاماً فما يملك أحد أن يخرج على إرادة الله، ولا أن يعيش خارج ناموسه الذي سنه للحياة:
{ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً، وظلالهم، بالغدو والآصال}..
ولأن الجو جو عبادة ودعاء، فإن السياق يعبر عن الخضوع لمشيئة الله بالسجود وهو اقصى رمز للعبودية، ثم يضم إلى شخوص من في السماوات والأرض، ظلالهم كذلك. ظلالهم بالغدو في الصباح، وبالآصال عند انكسار الأشعة وامتداد الظلال. يضم هذه الظلال إلى الشخوص في السجود والخضوع والامتثال.
وهي في ذاتها حقيقة، فالظلال تبع للشخوص. ثم تلقي هذه الحقيقة ظلها على المشهد، فإذا هو عجب. وإذا السجود مزدوج: شخوص وظلال! وإذا الكون كله بما فيه من شخوص وظلال جاثية خاضعة عن طريق الإيمان أو غير الإيمان سواء. كلها تسجد لله.. وأولئك الخائبون يدعون آلهة من دون الله!
وفي جو هذا المشهد العجيب يتوجه إليهم بالأسئلة التهكمية. فما يجدر بالمشرك بالله في مثل هذا الجو إلا التهكم، وما يستحق إلا السخرية والاستهزاء:
{قل: من رب السماوات والأرض؟ قل: الله. قل: أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً؟ قل: هل يستوي الأعمى والبصير؟ أم هل تستوي الظلمات والنور؟ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم؟ قل: الله خالق كل شيء، وهو الواحد القهار}..
سلهم وكل من في السماوات والأرض مأخوذ بقدرة الله وإرادته رضي أم كره: {من رب السماوات والأرض؟}.. وهو سؤال لا ليجيبوا عنه، فقد أجاب السياق من قبل. إنما ليسمعوا الجواب ملفوظاً وقد رأوه مشهوداً: {قل: الله}.. ثم سلهم: {أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً؟}.. سلهم للاستنكار فهم بالفعل قد اتخذوا أولئك الأولياء. سلهم والقضية واضحة، والفرق بين الحق والباطل واضح: وضوح الفارق بين الأعمى والبصير، وبين الظلمات والنور. وفي ذكر الأعمى والبصير إشارة إليهم وإلى المؤمنين؛ فالعمى وحده هو الذي يصدهم عن رؤية الحق الواضح الجاهر الذي يحس بأثره كل من في السماوات والأرض. وفي ذكر الظلمات والنور إشارة إلى حالهم وحال المؤمنين، فالظلمات التي تحجب الرؤية هي التي تلفهم وتكفهم عن الإدراك للحق المبين.
أم ترى هؤلاء الشركاء الذين اتخذوهم من دون الله، خلقوا مخلوقات كالتي خلقها الله. فتشابهت على القوم هذه المخلوقات وتلك، فلم يدروا أيها من خلق الله وأيها من خلق الشركاء؟ فهم معذورون إذن إن كان الأمر كذلك، في اتخاذ الشركاء، فلهم من صفات الله تلك القدرة على الخلق، التي بها يستحق المعبود العبادة؛ وبدونها لا تقوم شبهة في عدم استحقاقه!
وهو التهكم المر على القوم يرون كل شيء من خلق الله، ويرون هذه الآلهة المدعاة لم تخلق شيئاً، وما هي بخالقة شيئاً، إنما هي مخلوقة. وبعد هذا كله يعبدونها ويدينون لها في غير شبهة. وذلك أسخف وأحط ما تصل العقول إلى دركه من التفكير..
والتعقيب على هذا التهكم اللاذع، حيث لا معارضة ولا جدال، بعد هذا السؤال:
{قل: الله خالق كل شيء. وهو الواحد القهار}..
فهي الوحدانية في الخلق، وهي الوحدانية في القهر أقصى درجات السلطان وهكذا تحاط قضية الشركاء في مطلعها بسجود من في السماوات والأرض وظلالهم طوعاً وكرهاً لله؛ وفي ختامها بالقهر الذي يخضع له كل شيء في الأرض أو في السماء.
وقد سبقته من قبل بروق ورعود وصواعق وتسبيح وتحميد عن خوف أو طمع.. فأين القلب الذي يصمد لهذا الهول، إلا أن يكون أعمى مطموساً يعيش في الظلمات، حتى يأخذه الهلاك؟!
وقبل أن نغادر هذا الوادي نشير إلى التقابلات الملحوظة في طريقة الأداء. بين {خوفاً وطمعاً} وبين البرق الخاطف والسحاب الثقال و{الثقال} هنا، بعد إشارتها إلى الماء، تشارك في صفة التقابل مع البرق الخفيف الخاطف وبين تسبيح الرعد بحمده وتسبيح الملائكة من خيفته. وبين دعوة الحق ودعوة الجهد الضائع. وبين السماوات والأرض، وسجود من فيهن طوعاً وكرهاً. وبين الشخوص والظلال. وبين الغدو والآصال. وبين الأعمى والبصير. وبين الظلمات والنور. وبين الخالق القاهر والشركاء الذين لا يخلقون شيئاً، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً... وهكذا يمضي السياق على نهجه في دقة ملحوظة ولألاء باهر وتنسيق عجيب.
ثم نمضي مع السياق. يضرب مثلاً للحق والباطل. للدعوة الباقية والدعوة الذاهبة مع الريح. للخير الهادئ والشر المتنفج. والمثل المضروب هنا مظهر لقوة الله الواحد القهار. ولتدبير الخالق المدبر المقدر للأشياء. وهو من جنس المشاهد الطبيعية التي يمضي في جوها السياق.
{أنزل من السماء ماء، فسالت أودية بقدرها، فاحتمل السيل زبداً رابياً: ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله. كذلك يضرب الله الحق والباطل. فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. كذلك يضرب الله الأمثال}..
وإنزال الماء من السماء حتى تسيل به الوديان يتناسق مع جو البرق والرعد والسحاب الثقال في المشهد السابق؛ ويؤلف جانباً من المشهد الكوني العام، الذي تجري في جوه قضايا السورة وموضوعاتها. وهو كذلك يشهد بقدرة الواحد القهار.. وأن تسيل هذه الأودية بقدرها، كل بحسبه، وكل بمقدار طاقته ومقدار حاجته يشهد بتدبير الخالق وتقديره لكل شيء.. وهي إحدى القضايا التي تعالجها السورة.. وليس هذا أو ذلك بعد إلا إطاراً للمثل الذي يريد الله ليضربه للناس من مشهود حياتهم الذي يمرون عليه دون انتباه.
إن الماء لينزل من السماء فتسيل به الأودية، وهو يلم في طريقه غثاء، فيطفو على وجهه في صورة الزبد حتى ليحجب الزبد الماء في بعض الأحيان. هذا الزبد نافش راب منتفخ.. ولكنه بعد غثاء. والماء من تحته سارب ساكن هادئ.. ولكنه هو الماء الذي يحمل الخير والحياة.. كذلك يقع في المعادن التي تذاب لتصاغ منها حلية كالذهب والفضة، أو آنية أو آلة نافعة للحياة كالحديد والرصاص، فإن الخبث يطفو وقد يحجب المعدن الأصيل. ولكنه بعدُ خبثٌ يذهب ويبقى المعدن في نقاء..
ذلك مثل الحق والباطل في هذه الحياة. فالباطل يطفو ويعلو وينتفخ ويبدو رابياً طافياً ولكنه بعدُ زبد أو خبث، ما يلبث أن يذهب جفاء مطروحاً لا حقيقة له ولا تماسك فيه.
والحق يظل هادئاً ساكناً. وربما يحسبه بعضهم قد انزوى أو غار أو ضاع أو مات. ولكنه هو الباقي في الأرض كالماء المحيي والمعدن الصريح، ينفع الناس، {كذلك يضرب الله الأمثال} وكذلك يقرر مصائر الدعوات، ومصائر الاعتقادات. ومصائر الأعمال والأقوال. وهو الله الواحد القهار، المدبر للكون والحياة، العليم بالظاهر والباطن، والحق والباطل والباقي والزائل.
فمن استجاب لله فله الحسنى. والذين لم يستجيبوا له يلاقون من الهول ما يود أحدهم لو ملك ما في الأرض ومثله معه أن يفتدى به. وما هو بمفتد، إنما هو الحساب الذي يسوء، وإنما هي جهنم لهم مهاد. ويا لسوء المهاد!:
{للذين استجابوا لربهم الحسنى، والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به، أولئك لهم سوء الحساب، ومأواهم جهنم وبئس المهاد}...
ويتقابل الذين يستجيبون مع الذين لا يستجيبون. وتتقابل الحسنى مع سوء العذاب..
ومع جهنم وبئس المهاد.. على منهج السورة كلها وطريقتها المطردة في الأداء..




البحث


كلمات متتالية كلمات متفرقة




موضوعات القرآن
  • الإيمان
  • العلم
  • العبادات
  • أحكام الأسرة
  • المعاملات
  • الحدود والجنايات
  • الجهاد
  • الأطعمة والأشربة
  • أحكام الجنائز
  • الأخلاق
  • تكريم الله للإنسان
  • القصص والتاريخ
  • الأمثال