سورة البقرة / الآية رقم 184 / تفسير تفسير أبي حيان / أحمد بن علي العجمي / القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
القرآن الكريم
طريقة عرض الآيات
صور
نصوص

فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُم يَرْشُدُونَ

البقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرة




تلاوة آية تلاوة سورة الشرح الصوتي

التفسير


الصيام والصوم مصدران لصامَ، والعرب تسمي كل ممسك صائماً، ومنه الصوم في الكلام {إني نذرت للرحمن صوماً} أي سكوتاً في الكلام، وصامت الريح: أمسكت عن الهبوب، والدابة: أمسكت عن الأكل والجري، وقال النابغة الذبياني:
خيل صيام وخيل غير صائمة *** تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
أي: ممسكة عن الجري. وتسمى الدابة التي لا تدور: الصائمة، قال الراجز.
والبكرات شرهن الصائمة ***
وقالوا: صام النهار: ثبت حره في وقت الظهيرة واشتد، وقال.
ذمول إذا صام النهار وهجرا *** وقال:
حتى إذا صام النهار واعتدل *** ومال للشمس لعابٌ فنزل
ومصام النجوم، إمساكها عن اليسر ومنه.
كأن الثريا علقت في مصامها ***
فهذا مدلول الصوم من اللغة. وأما الحقيقة الشرعية فهو: إمساك عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص ويبين في الفقه. الطاقة، والطوق: القدرة والاستطاعة، ويقال: طاق وأطاق كذا، أي: استطاعه وقدر عليه، قال أبو ذئب.
فقلت له احمل فوق طوقك إنها *** مطبعة من يأتها لا يضيرها
الشهر مصدر: شهر الشيء يشهره، أظهره ومنه الشهرة، وبه سمي الشهر، وهو: المدة الزمانية التي يكون مبدؤ الهلال فيها خافياً إلى أن يستسر، ثم يطلع خافياً. سمي بذلك لشهرته في حاجة الناس إليه في المعاملات وغيرها من أمورهم وقال الزجاج: الشهر الهلال. قال:
والشهر مثل قلامة الظفر ***
سمي بذلك لبيانه، وقيل: سمي الشهر شهراً باسم الهلال إذا أهل سمي شهراً، وتقول العرب: رأيت الشهر أي: هلاله. قال ذو الرمة (شعر).
ترى الشهر قبل الناس وهو نحيل ***
ويقال: أشهرنا، أي: أتى علينا شهر، وقال الفراء: لم أسمع منه فعلاً إلاَّ هذا، وقال الثعلبي: يقال شَهَرَ الهلال إذا طلع، ويجمع الشهر قلة على: أفعل، وكثرة على: فعول، وهما مقيسان فيه.
رمضان علم على شهر الصوم، وهو علم جنس، ويجمع على: رمضانات وأرمضة، وعلقة هذا الاسم من مدة كان فيها في الرمضى، وهو: شدة الحرة، كما سمي الشهر ربيعاً من مدّة الربيع، وجمادى من مدّة الجمود، ويقال: رمض الصائم يرمض: احترق جوفه من شدة العطش، ورمضت الفِصال: أحرق الرمضاء أخفافها فبركت من شدّة الحر، وانزوت إلى ظلّ أمهاتها، ويقال: أرمضته الرمضاء: أحرقته، وأرمضني الأمر.
وقيل: سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب، أي: يحرقها بالأعمال الصالحة، وقيل: لأن القلوب تحترمَنَّ الموعظة فيه والفكرة في أمر الآخرة، وقيل: من رمضت النصل: رققته بين حجرين ليرق، ومنه: نصل رميض ومرموض، عن ابن السكيت. وكانوا يرمضون أسلحتهم في هذا الشهر ليحاربوا بها في شوّال قبل دخول الأشهر الحرام، وكان هذا الشهر في الجاهلية يسمى: ناتقاً أنشد المفضل.
وفي ناتق أحلت لدى حرمة الوغى *** وولت على الأدبار فرسان خثعما
وقال الزمخشري: الرمضان، مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء.
انتهى. ويحتاج في تحقيق أنه مصدر إلى صحة نقل لأن فعلاناً ليس مصدر فعل اللازم، بل إن جاء فيه ذلك كان شاذاً، والأولى أن يكون مرتجلاً لا منقولاً.
وقيل: هو مشتق من الرمض، وهو مطر يأتي قبل الخريف يطهر الأرض من الغبار.
القرآن: مصدر قرأ قرآنا. قال حسان، رضي الله عنه.
محوا بإسمك عنوان السجود به *** يقطّع الليل تسبيحاً وقرآناً
أي: وقراءة وأطلق على ما بين الدفتين من كلام الله عزّ وجلّ، وصار علماً على ذلك، وهو من إطلاق المصدر على اسم المفعول في الأصل، ومعنى: قرآن، بالهمز: الجمع لأنه يجمع السور، كما قيل في القرء، وهو: إجماع الدّم في الرحم أولاً، لأن القارئ يلقيه عند القراءة من قول العرب: ما قرأت هذه الناقة سلا قط: أي: ما رمت به، ومن لم يهمز فالأظهر أن يكون ذلك من باب النقل والحذف، أو تكون النون أصلية من: قرنت الشيء إلى الشيء: ضممته، لأن ما فيه من السور والآيات والحروف مقترن بعضها إلى بعض. أو لأن ما فيه من الحكم والشرائع كذلك، أو ما فيه من الدلائل ومن القرائن، لأن آياته يصدّق بعضها بعضاً، ومن زعم من: قريت الماء في الحوض، أي: جمعته، فقوله فاسد لاختلاف المادتين.
السفر: مأخوذ من قولهم: سفرت المرأة إذا ألقت خمارها، والمصدر السفور. قال الشاعر.
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت *** فقد رابني منها الغداة سفورها
وتقول: سفر الرجل ألقى عمامته، وأسفر الوجه، والصبح أضاء. الأزهري سمي مسافراً لكشف قناع الكنّ عن وجهه، وبروزه للأرض الفضاء، والسفْر، بسكون الفاء: المسافرون، وهو اسم جمع: كالصحْب والركْب، والسِفر من الكتب: واحد الأسفار لأنه يكشف عما تضمنة.
اليسر: السهولة، يسَّر: سهّل، ويسُر: سهُل، وأيسر: استغنى، ويسر، من الميسر، وهو: قمار، معروف. وقال علقمة:.
لا ييسرون بخيل قد يسرت بها *** وكل ما يسر الأقوام مغروم
وسميت اليد اليسرى تفاؤلاً، أو لأنه يسهل بها الأمر لمعاونتها اليمنى.
العسر: الصعوبة والضيق، ومنه أعسر اعساراً، وذو عسرة، أي: ضيق.
الإكمال: الإتمام.
والإجابة: قد يراد بها السماع، وفي الحديث أن أعرابياً قال: يا محمد. قال: قد أجبتك. وقالوا: دعاء من لا يجيب، أي: من لا يسمع، كما أن السماع قد يراد به الإجابة، ومنه: سمع الله لمن حمده. وأنشد ابن الاعرابي حيث قال:
دعوت الله حتى خفت أن لا *** يكون الله يسمع ما أقول
وجهة المجاز بينهما ظاهرة لأن الإجابة مترتبة على السماع، والإجابة حقيقة إبلاغ السائل ما دعا به، وأجاب واستجاب بمعنى، وألفه منقلبة عن واو، يقال: جاب يجوب: قطع، فكأن المجيب اقتطع للسائل ما سأل أن يعطاه، ويقال: أجابت السماء بالمطر، وأجابت الأرض بالنبات، كأن كلاَّ منهما سأل صاحبه فأجابه بما سأل.
قال زهير.
وغيث من الوسمي حلو بلاغه *** أجابت روابيه النجا وهواطل
الرشد. ضد الغي، يقال: رشد بالفتح، رشداً، ورشِد بالكسر رِشداً، وأرشدت فلاناً: هديته، وطريق أرشد، أي: قاصد، والمراشد: مقاصد الطريق، وهو لرشدة، أي: هو لحلال، وهو خلاف هو لزينة، وأم راشد: المفازة، وبنو رشدان: بطن من العرب، وبنو راشد قبيلة كبيرة من البربر.
الرفث: مصدر رفث، ويقال: أرفث: تكلم بالفحش. قال العجاج:
وربّ أسراب حجيج كظم *** عن اللغا ورفث التكلم
وقال ابن عباس، والزجاج، وغيرهما: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة. وأنشد ابن عباس:
وهنّ يمشين بنا هميساً *** إن تصدق الطيرننك لميسا
فقيل له: أترفث وأنت محرم، فقال: إنما الرفث عند النساء، وفي الحديث: «من حج هذا البنية فلم يرفث ولم يفسق خرج منها كيوم ولدته أمه». وقيل: الرفث: الجماع، واستدل على ذلك بقول الشاعر:
ويرين من أنس الحديث زوانيا *** ولهنّ عن رفث الرجال نفار
وبقول الآخر.
فيأتوا يرفثون وباتِ منّا *** رجال في سلاحهم ركوبا
وبقول الآخر:
فظلنا هناك في نعمة *** وكل اللذاذة غير الرفث
ولا دلالة في ذلك، إذ يحتمل أن يكون أراد المقدمات: كالقبلة والنظرة والملاعبة.
أختان: من الخيانة، يقال: خان خوناً وخيانةً، إذا لم يف، وذلك ضد الأمانة، وتخونت الشيء: نقصته، ومنه الخيانة، وهو ينقص المؤتمن. وقال زهير:
بارزة الفقارة لم يخنها *** قطاف في الركاب ولا خلاء
وتخوّنه وتخوّله: تعهده.
الخيط: معروف، ويجمع على فعول وهو فيه مقيس، أعني في فعل الاسم الياء العين نحو: بيت وبيوت، وجيب وجيوب، وغيب وغيوب، وعين وعيون، والخيط، بكسر الخاء: الجماعة من النعام، قال الشاعر:
فقال ألا هذا صوار وعانة *** وخِيطُ نعام يرتقي متفرق
البياض والسواد: لونان معروفان، يقال منهما: بيض وسود. فهو أبيض وأسود، ولم يعل العين بالنقل والقلب لأنها في معنى ما يصح وهما: أبيض وأسود.
العكوف: الإقامة، عكف بالمكان: أقام به، قال تعالى: {يعكفون على أصنام لهم} وقال الفرزدق يصف الجفان:
ترى حولهنّ المعتفين كأنهم *** على صنم في الجاهلية عكّف
وقال الطرماح:
باتت بنات الليل حولي عكّفا *** عكوف البواكي بينهن صريع
وفي الشرع عبارة عن عكوف مخصوف، وقد بين في كتب الفقه.
الحد، قال الليث: حدّ الشيء: منتهاه ومنقطعه، والمراد بحدود الله مقدّراته بمقادير مخصوصة وصفات مخصوصة.
الإدلاء: الإرسال للدلو، اشتق منه فعل، فقالوا: أدلى دلوه، أي: أرسلها ليملأها، وقيل: أدلى فلان بماله إلى الحاكم: رفعه. قال:
وقد جعلت إذا ما حاجة عرضت *** بباب دارك أدلوها بأقوامِ
ويقال: أدلى فلان بحجته: قام بها، وتدلى من كذا أي: هبط. قال:
كتيس الظباء الأعفر انضرجت له *** عقاب تدلت من شماريخ ثهلان
{يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام}: مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه أخبر تعالى: أولاً: بكتب القصاص وهو: إتلاف النفوس، وهو من أشق التكاليف، فيجب على القاتل إسلام نفسه للقتل، ثم أخبر ثانياً بكتب الوصية وهو: إخراج المال الذي هو عديل الروح، ثم انتقل ثالثاً إلى كتب الصيام، وهو: منهك للبدن، مضعف له، مانع وقاطع ما ألفه الإنسان من الغذاء بالنهار، فابتداء بالأشق ثم بالأشق بعده، ثم بالشاق فبهذا انتقال فيما كتبه الله على عباده في هذه الآية، وكان فيما قبل ذلك قد ذكر أركان الإسلام ثلاثة: الإيمان، والصلاة، والزكاة، فأتى بهذا الركن الرابع، وهو: الصوم.
وبناء {كُتب} للمفعول في هذه المكتوبات الثلاثة، وحذف الفاعل للعلم به، إذ هو: الله تعالى، لأنها مشاق صعبة على المكلف، فناسب أن لا تنسب إلى الله تعالى، وإن كان الله تعالى هو الذي كتبها، وحين يكون المكتوب للمكلف فيه راحة واستبشار يبني الفعل للفاعل، كما قال تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} وهذا من لطيف علم البيان.
أما بناء الفعل للفاعل في قوله: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} فناسب لاستعصاء اليهود وكثرة مخالفاتهم لأنبيائهم بخلاف هذه الأمة المحمدية، ففرق بين الخطابين لافتراق المخاطبين، ونادى المؤمنين عند إعلامهم بهذا المكتوب الثالث الذي هو الصيام لينبههم على استماع ما يلقي إليهم من هذا التكليف، ولم يحتج إلى نداء في المكتوب الثاني لانسلاكه مع الأول في نظام واحد، وهو: حضور الموت بقصاص أو غيره، وتباين هذا التكليف الثالث منها، وقدم الجار والمجرور على المفعول به الصريح وإن كان أكثر الترتيب العربي بعكس ذلك، نحو: ضُرب زيد بسوط، لأن ما أحتيج في تعدي الفعل إليه إلى واسطة دون ما تعدى إليه بغير واسطة، لأن البداءة بذكر المكتوب عليه أكثر من ذكر المكتوب لتعلق الكتب لمن نودي، فتعلم نفسه أولاً أن المنادى هو المكلف، فيرتقب بعد ذلك لما كلف به.
والألف واللام في: الصيام، للعهد إن كانت قد سبقت تعبداتهم به، أو للجنس إن كانت لم تسبق.
وجاء هذا المصدر على فعال، وهو أحد البنائين الكثيرين في مصدر هذا النوع من الفعل، وهو فعل الواوي العين، الصحيح الآخر، والبناآن هما فعول وفعال، وعدل عن الفعول وإن كان الأصل لاستثقال الواوين، وقد جاء منه شيء على الأصل: كالفؤور، ولثقل اجتماع الواوين همز بعضهم فقال: الفؤور.
{كما كتب} الظاهر أن هذا المجرور في موضع الصفة لمصدر محذوف، أو في موضع الحال على مذهب سيبويه على ما سبق، أي: كتباً مثل ما كتب أو كتبه، أي: الكتب منها كتب، وتكون السببية قد وقع في مطلق الكتب وهو الإيجاب، وإن كان متعلقه مختلفاً بالعدد أو بغيره، وروي هذا المعنى عن معاذ بن جبل، وعطاء، وتكون إذ ذاك ما مصدرية.
وقيل: الكاف في موضع نصب على الحال من الصيام، أي: مشبهاً ما كتب على الذين من قبلكم، وتكون ما موصولة أي: مشبهاً الذي كتب عليكم، وذو الحال هو: الصيام، والعامل فيها العامل فيه، وهو: كتب عليكم.
وأجاز ابن عطية أن تكون الكاف في موضع صفة لصوم محذوف، التقدير: صوماً كما، وهذا فيه بُعد، لأن تشبيه الصوم بالكتابة لا يصح، هذا إن كانت ما مصدرية، وأما إن كانت موصولة ففيه أيضاً بُعد، لأن تشبيه الصوم بالمصوم لا يصح إلاَّ على تأويل بعيد.
وأجاز بعض النحاة أن تكون الكاف في موضع رفع على أنها نعت لقوله: الصيام، قال: إذ ليس تعريفه بمستحسن لمكان الإجمال الذي فيه مما فسرته الشريعة، فلذلك جاز نعته بكما، إذ لا ينعت بها إلاَّ النكرات، فهي بمنزلة: {كتب عليكم الصيام} انتهى كلامه، وهو هدم للقاعدة النحوية من وجوب توافق النعت والمنعوت في التعريف والتنكير، وقد ذهب بعضهم إلى نحو من هذا، وأن الألف واللام إذا كانت جنسية جاز أن يوصف مصحوبها بالجملة، وجعل من ذلك قوله تعالى: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} ولا يقوم دليل على إثبات هدم ما ذهب إليه النحويون، وتلخص في: ما، من قوله: كما وجهان أحدهما: أن تكون مصدرية، وهو الظاهر، والآخر: أن تكون موصولة، بمعنى. الذي.
{على الذين من قبلكم}: ظاهره عموم الذين من قبلنا من الأنبياء وأممهم من آدم إلى زماننا. وقال عليّ: أولهم آدم، فلم يفترضها عليكم، يعني: أن الصوم عبادة قديمة أصلية ما أخلى الله أمة من افتراضها عليهم، فلم يفترضها عليكم خاصة، وقيل: الذين من قبلنا هم النصارى.
قال الشعبي وغيره: والمصوم معين وهو رمضان فرض على الذين من قبلنا وهم النصارى، احتاطوا له بزيادة يوم قبله ويوم بعده قرناً بعد قرن حتى بلغوه خمسين يوماً، فصعب عليهم في الحر، فنقلوه إلى الفصل الشمسي.
قال النقاش: وفي ذلك حديث عن دغفل، والحسن، والسدي.
وقيل: بل مرض ملك من ملوكهم، فنذر أن برئ أن يزيد فيه عشرة أيام، ثم أخرّ سبعة، ثم آخر ثلاثة، ورأوا أن الزيادة فيه حسنة بإزاء الخطأ في نقله.
وقيل: كان النصارى أولاً يصومون، فإذا أفطروا فلا يأكلون ولا يشربون ولا يطؤون إذا ناموا، ثم انتبهوا في الليل، وكان ذلك في أول الإسلام، ثم نسخ بسبب عمر، وقيس بن صرمة. قال السدي أيضاً، والربيع وأبو العالية.
قيل: وكذا كان صوم اليهود، فيكون المراد: بالذين من قبلنا، اليهود والنصارى، وقيل: الذين من قبلنا: هم اليهود خاصة، فرض علينا كما فرض عليهم، ثم نسخه الله بصوم رمضان.
قال الراغب: للصوم فائدتان رياضة الإنسان نفسه عن ما تدعوه إليه من الشهوات، والاقتداء بالملأ الأعلى على قدر الوسع. انتهى. وحكمة التشبيه أن الصوم عبادة شاقة، فإذا ذكر أنه كان مفروضاً على من تقدّم من الأمم سهلت هذه العبادة.
{تتقون} الظاهر: تعلق، لعل بكتب، أي: سبب فرضية الصوم هو رجاء حصول التقوى لكم، فقيل: المعنى تدخلون في زمرة المتقين، لأن الصوم شعارهم، وقيل: تجعلون بينكم وبين النار وقاية بترك المعاصي، فإن الصوم لإضعاف الشهوة وردعها، كما قال عليه السلام «فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء».
وقيل: تتقون الأكل والشرب والجماع في وقت وجوب الصوم، قاله السدي.
وقيل: تتقون المعاصي، لأن الصوم يكف عن كثير مما تشوق إليه النفس، قاله الزجاج.
وقيل: تتقون محظورات الصوم، وهذا راجع لقول السدي.
{أياماً معدودات} إن كان ما فرض صومه هنا هو رمضان، فيكون قوله أياماً معدودات عنى به رمضان، وهو قول ابن أبي ليلى وجمهور المفسرين، ووصفها بقوله: معدودات، تسهيلاً على المكلف بأن هذه الأيام يحصرها العد ليست بالكثيرة التي تفوّت العد، ولهذا وقع الاستعمال بالمعدود كناية على القلائل، كقوله: {في أيام معدودات} {لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة} {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة}
وإن كان ما فرض صومه هو ثلاثة أيام من كل شهر، وقيل: هذه الثلاثة ويوم عاشوراء، كما كان ذلك مفروضاً على الذين من قبلنا، فيكون قوله: {أياماً معدودات} عنى بها هذه الأيام، وإلى هذا ذهب ابن عباس، وعطاء.
قال ابن عباس، وعطاء، وقتادة: هي الأيام البيض، وقيل: وهي: الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر، وقيل: الثالث عشر ويومان بعده، وروي في ذلك حديث. «إن البيض هي الثالث عشر ويومان بعده» فإن صح لم يمكن خلافه.
وروى المفسرون أنه كان في ابتداء الإسلام صوم ثلاثة أيام من كل شهر واجباً، وصوم يوم عاشوراء، فصاموا كذلك في سبعة عشر شهراً، ثم نسخ بصوم رمضان.
قال ابن عباس: أول ما نسخ بعد الهجرة أمر القبلة، والصوم، ويقال: نزل صوم شهر رمضان قبل بدر بشهر وأيام، وقيل: كان صوم تلك الأيام تطوعاً، ثم فرض، ثم نسخ.
قال أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي في (ري الظمآن): احتج من قال إنها غير رمضان بقوله صلى الله عليه وسلم: «صوم رمضان نسخ كل صوم»، فدل على أن صوماً آخر كان قبله، ولأنه تعالى ذكر المريض والمسافر في هذه الآية ثم ذكر حكمها في الآية الآتية بعده، فإن كان هذا الصوم هو صوم رمضان لكان هذا تكريراً، ولأن قوله تعالى: {فدية} يدل على التخيير، وصوم رمضان واجب على التعيين، فكان غيره، وأكثر المحققين على أن المراد بالأيام: شهر رمضان، لأن قوله: {كتب عليكم الصيام} يحتمل يوماً ويومين وأكثر، ثم بينه بقوله: {شهر رمضان} وإذا أمكن حمله على رمضان فلا وجه لحمله على غيره، وإثبات النسخ؛ وأما الخبر فيمكن أن يحمل على نسخ كل صوم وجب في الشرائع المتقدمة، أو يكون ناسخاً لصيام وجب لهذه الامة، وأما ما ذكر من التكرار فيحتمل أن يكون لبيان إفطار المسافر والمريض في رمضان في الحكم، بخلاف التخيير في المقيم، فإنه يجب عليهما القضاء، فلما نسخ عن المقيم الصحيح وألزم الصوم، كان من الجائز أن نظن أن حكم الصوم، لما انتقل إلى التخيير عن التضييق، يعم الكل حتى يكون المريض والمسافر فيه بمنزلة المقيم من حيث تغير الحكم في الصوم، لما بين أن حال المريض والمسافر في رخصة الإفطار ووجوب القضاء كحالهما أولاً، فهذه فائدة الإعادة، وهذا هو الجواب عن الثالث، وهو قولهم: لأن قوله تعالى: {فدية} يدل على التخيير إلى آخره، لأن صوم رمضان كان واجباً مخيراً، ثم صار معيناً.
وعلى كلا القولين لا بد من النسخ في الآية، أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن هذه الآية تقتضي أن يكون صوم رمضان واجباً مخيراً، والآية التي بعد تدل على التضييق، فكانت ناسخة لها، والاتصال في التلاوة لا يوجب الاتصال في النزول. انتهى كلامه.
وانتصاب قوله: {أياماً} على إضمار فعل يدل عليه ما قبله، وتقديره: صوموا أياماً معدودات، وجوزوا أن يكون منصوباً بقوله: الصيام، وهو اختيار الزمخشري، إذ لم يذكره غيره، قال: وانتصاب أياماً بالصيام كقولك: نويت الخروج يوم الجمعة انتهى كلامه وهو خطأ، لأن معمول المصدر من صلته، وقد فصل بينهما بأجنبي وهو قوله: {كما كتب} فكما كتب ليس لمعمول المصدر، وإنما هو معمول لغيره على أي تقدير قدرته من كونه نعتاً لمصدر محذوف، أو في موضع الحال، ولو فرعت على أنه صفة للصيام على تقدير: أن تعريف الصيام جنس، فيوصف بالنكرة، لم يجز أيضاً، لأن المصدر إذا وصف قبل ذكر معموله لم يجز إعماله، فإن قدَّرت الكاف نعتاً لمصدر من الصيام، كما قد قال به بعضهم، وضعَّفناه قبل، فيكون التقدير: صوماً كما كتب، جاز أن يعمل في: أياماً، الصيام، لأنه إذ ذاك العامل في صوماً، هو المصدر، فلا يقع الفصل بينهما، بما ليس لمعمول للمصدر، وأجازوا أيضاً انتصاب: أياماً، على الظرف، والعامل فيه كتب، وأن يكون مفعولاً على السعة ثانياً، والعامل فيه كتب، وإلى هذا ذهب الفراء، والحوفي، وكلا القولين خطأ.
أما النصب على الظرف فإنه محل للفعل، والكتابة ليست واقعة في الأيام، لكن متعلقها هو الواقع في الأيام، فلو قال الإنسان لوالده وكان ولد يوم الجمعة: سرني ولادتك يوم الجمعة، لم يكن أن يكون يوم الجمعة معمولاً لسرني، لأن، السرور يستحيل أن يكون يوم الجمعة، إذ ليس بمحل للسرور الذي أسنده إلى نفسه، وأما النصب على المفعول اتساعاً فإن ذلك مبني على جواز وقوعه ظرفاً لكتب، وقد بينا أن ذلك خطأ.
والصوم: نفل وواجب، والواجب معين الزمان، وهو: صوم رمضان والنذر المعين، وما هو في الذمة، وهو: قضاء رمضان، والنذر غير المعين، وصوم الكفارة. وأجمعوا على اشتراط النية في الصوم، واختلفوا في زمانها.
فمذهب أبي حنيفة: أن رمضان، والنذر المعين، والنفل يصح بنية من الليل، وبنية إلى الزوال، وقضاء رمضان، وصوم الكفارة، ولا يصح إلاَّ بنية من الليل خاصة.
ومذهب مالك على المشهور: أن الفرض والنفل لا يصح إلاَّ بنية من الليل.
ومذهب الشافعي: أنه لا يصح واجب إلاَّ بنية من الليل.
ومذهب مالك: أن نية واحدة تكفي عن شهر رمضان.
وروي عن زفر أنه إذا كان صحيحاً مقيماً فأمسك فهو صائم، وإن لم ينو.
ومن صام رمضان بمطلق نية الصوم أو بنية واجب آخر، فقال أبو حنيفة: ما تعين زمانه يصح بمطلق النية، وقال مالك، والشافعي: لا يصح إلاَّ بنية الفرض، والمسافر إذا نوى واجباً آخر وقع عما نوى، وقال أبو يوسف، ومحمد: يقع عن رمضان، فلو نوى هو أو المريض التطوع فعن أبي حنيفة: يقع عن الفرض، وعنه أيضاً: يقع التطوع، وإذا صام المسافر بنية قبل الزوال جاز، قال زفر: لا يجوز النفل بنية بعد الزوال، وقال الشافعي: يجوز ولو أوجب صوم وقت معين فصام عن التطوع، فقال أبو يوسف: يقع على المنذور، ولو صام عن واجب آخر في وقت الصوم الذي أوجبه وقع عن ما نوى، ولو نوى التطوع وقضاء رمضان، فقال أبو يوسف: يقع عن القضاء، ومحمد قال: عن التطوع، ولو نوى قضاء رمضان وكفارة الظهار كان على القضاء في قول أبي يوسف، وقال محمد: يقع على النفل، ولو نوى الصائم الفطر فصومه تام، وقال الشافعي: يبطل صومه.
ودلائل هذه المسائل تذكر في كتب الفقه.
{فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} ظاهر اللفظ اعتبار مطلق المرض بحيث يصدق عليه الأسم، وإلى ذلك ذهب ابن سيرين، وعطاء، والبخاري. وقال الجمهور: هو الذي يؤلم، ويؤذي، ويخاف تماديه، وتزيده؛ وسمع من لفظ مالك: أنه المرض الذي يشق على المرء ويبلغ به التلف إذا صام، وقال مرة: شدة المرض والزيادة فيه؛ وقال الحسن، والنخعي: إذا لم يقدر من المرض على الصيام أفطر. وقال الشافعي: لا يفطر إلاَّ من دعته ضرورة المرض إليه، ومتى احتمل الصوم مع المرض لم يفطر. وقال أبو حنيفة: إن خاف أن تزداد عينه وجعاً أو حمى شديدة أفطر.
وظاهر اللفظ اعتبار مطلق السفر زماناً وقصداً.
وقد اختلفوا في المسافة التي تبيح الفطر، فقال ابن عمر، وابن عباس، والثوري وأبو حنيفة: ثلاثة أيام. وروى البخاري أن ابن عمر، وابن عباس كانا يفطران ويقصران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخاً، وقد روي عن ابن أبي حنيفة: يومان وأكثر ثلاث، والمعتبر السير الوسط لا غيره من الإسراع والإبطاء.
وقال مالك: مسافة الفطر مسافة القصر، وهي يوم وليلة، ثم رجع فقال: ثمانية وأربعون ميلاً، وقال مرة: اثنان وأربعون، ومرة ستة وأربعون؛ وفي المذهب: ثلاثون ميلاً، وفي غير المذهب ثلاثة أميال.
وأجمعوا على أن سفر الطاعة من جهاد وحج وصلة رحم وطلب معاش ضروري مبيح.
فأما سفر التجارة والمباح ففيه خلاف، وقال ابن عطية: والقول بالإجازة أظهر، وكذلك سفر المعاصي مختلف فيه أيضاً، والقول بالمنع أرجح. انتهى كلامه.
واتفقوا على أن المسافر في رمضان لا يجوز له أن يبيت الفطر، قالوا: ولا خلاف أنه لا يجوز لمؤمل السفر أن يفطر قبل أن يخرج، فان أفطر فقال أشهب: لا يلزمه شيء سافر، أو لم يسافر. وقال سحنون: عليه الكفارة سافر، أو لم يسافر، وقال عيسى، عن ابن القاسم: لا يلزمه إلاَّ قضاء يومه، وروي عن أنس أنه أفطر وقد أراد السفر، ولبس ثياب السفر، ورجل دابته، فأكل ثم ركب. وقال الحسن يفطر إن شاء في بيته يوم يريد أن يخرج، وقال أحمد: إذا برز عن البيوت، وقال إسحاق: لا بل حتى يضع رجله في الرحل.
ومن أصبح صحيحاً ثم اعتل أفطر بقية يومه، ولو أصبح في الحضر ثم سافر فله أن يفطر، وهو قول ابن عمر، والشعبي، وأحمد، وإسحاق، وقيل: لا يفطر يومه ذلك، وإن نهض في سفره وهو قول الزهري، ويحيى الأنصاري، ومالك، والأوزاعي، وابن حنيفة، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
واختلفوا إن أفطر، فكل هؤلاء قال: يقضي ولا يكفر. وقال ابن كنانة: يقضي ويكفر، وحكاه الباجي عن الشافعي، وقال به ابن العربي واختاره، وقال أبو عمر بن عبد البر: ليس بشيء، لأن الله أباح له الفطر في الكتاب والسنة، ومن أوجب الكفارة فقد أوجب ما لم يوجبه الله.
وظاهر قوله: {أو على سفر} إباحة الفطر للمسافر، ولو كان بيت نية الصوم في السفر فله أن يفطر وإن لم يكن له عذر، ولا كفارة عليه، قاله الثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والشافعي وسائر فقهاء الكوفة.
وقال مالك: عليه القضاء والكفارة، وروي عنه أيضاً أنه: لا كفارة عليه، وهو قول أكثر أصحابه.
وموضع {أو على السفر}، نصب لأنه معطوف على خبر: كان، ومعنى: أو، هنا التنويع، وعدل عن اسم الفاعل وهو: أو مسافر إلى، أو على سفر، إشعاراً بالاستيلاء على السفر لما فيه من الاختيار للمسافر، بخلاف المرض، فإنه يأخذ الإنسان من غير اختيار، فهو قهري، بخلاف السفر؛ فكان السفر مركوب الإنسان يستعلي عليه، ولذلك يقال: فلان على طريق، وراكب طريق إشعاراً بالاختيار، وأن الإنسان مستولٍ على السفر مختارٌ لركوب الطريق فيه.
{فعدة من أيام أخر} قراءة الجمهور برفع عدة على أنه مبتدأ محذوف الخبر، وقدر: قبل، أي: فعليه عدة وبعد أي: أمثل له، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: فالواجب، أو: فالحكم عدة.
وقرئ: فعدة، بالنصب على إضمار فعل، أي: فليصم عدة، وعدة هنا بمعنى معدود، كالرعي والطحن، وهو على حذف مضاف، أي: فصوم عدة ما أفطر، وبين الشرط وجوابه محذوف به يصح الكلام، التقدير: فافطر فعدة، ونظير في الحذف: {أن أضرب بعصاك البحر فانفلق} أي: فضرب فانفلق. ونكر {عدة} ولم يقل: فعدتها، أي: فعدة الأيام التي أفطرت اجتزاءً، إذ المعلوم أنه لا يجب عليه عدة غير ما أفطر فيه مما صامه، والعدة هي المعدود، فكان التنكير أخصر و{من أيام} في موضع الصفة لقوله فعدة، وأخر: صفة لأيام، وصفة الجمع الذي لا يعقل تارة يعامل معاملة الواحدة المؤنثة وتارة يعامل معاملة جمع الواحدة المؤنثة. فمن الأول: {إلا أياماً معدودة} ومن الثاني: {إلا أياماً معدودات} فمعدودات: جمع لمعدودة. وأنت لا تقول: يوم معدودة، إنما تقول: معدود، لأنه مذكر، لكن جاز ذلك في جمعه، وعدل عن أن يوصف الأيام بوصف الواحدة المؤنث، فكان، يكون: من أيام أخرى، وإن كان جائزاً فصيحاً كالوصف بأخر لأنه كان يلبس أن يكون صفة لقوله {فعدة}، فلا يدرى أهو وصف لعدة، أم لأيام، وذلك لخفاء الإعراب لكونه مقصوراً، بخلاف: {أخر} فإنه نص في أنه صفة لأيام لاختلاف إعرابه مع إعراب فعدة، أفلا ينصرف للعلة التي ذكرت في النحو، وهي جمع أخرى مقابلة أخر؟ وأخر مقابل أخريين؟ لا جمع أخرى لمعنى أخرة، مقابلة الآخر المقابل للأول، فإن أخر تأنيث أخرى لمعنى أخرة مصروفة. وقد اختلفا حكماً ومدلولاً. أما اختلاف الحكم فلأن تلك غير مصروفة، وأما اختلاف المدلول: فلأن مدلول أخرى، التي جمعها أخر التي لا تتصرف، مدلول: غير، ومدلول أخرى التي جمعها ينصرف مدلول: متأخرة، وهي قابلة الأولى. قال تعالى: {قالت أولاهم لاخراهم} فهي بمعنى: الآخرة، كما قال تعالى: {وإن لنا للآخرة والأولى} وأخر الذي مؤنثه: أخرى مفردة آخر التي لا تنصرف بمعنى: غير، لا يجوز أن يكون ما اتصل به إلاَّ مِن جنس ما قبله، تقول: مررت بك وبرجل آخر، ولا يجوز: اشتريت هذا الفرس وحماراً آخر، لأن الحمار ليس من جنس الفرس، فأما قوله:
صلى على عزة الرحمان وابنتها *** ليلى وصلى على جاراتها الآخر
فإنه جعل: ابنتها جارة لها، ولولا ذلك لم يجز، وقد أمعنا الكلام على مسألة أخرى في كتابتا (التكميل).
قالوا: واتفقت الصحابة ومن بعدهم من التابعين وفقهاء الأمصار على جواز الصوم للمسافر، وأنه لا قضاء عليه إذا صام، لأنهم، كما ذكرنا، قدروا حذفاً في الآية، والأصل: أن لا حذف، فيكون الظاهر أن الله تعالى أوجب على المريض والمسافر عدة من أيام أخر، فلو صاما لم يجزهما، ويجب عليهما صوم عدة ما كانا فيه من الأيام الواجب صومها على غيرهما.
قالوا: وروي عن أبي هريرة أنه قال: من صام في السفر فعليه القضاء وتابعه عليه شواذ من الناس، ونقل ذلك ابن عطية عن عمر، وابنه عبد الله، وعن ابن عباس: أن الفطر في السفر عزيمة، ونقل غيره عن عبد الرحمن بن عوف: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر، وقال به قوم من أهل الظاهر، وفرق أبو محمد بن حزم بين المريض والمسافر فقال، فيما لخصناه في كتابنا المسمى بـ (الأنور الأجلى في اختصار المحلى) ما نصه: ويجب على من سافر ولو عاصياً ميلاً فصاعداً الفطر إذا فارق البيوت في غير رمضان، وليفطر المريض ويقضي بعد، ويكره صومه ويجزى، وحجج هذه الأقوال في كتب الفقه. وثبت بالخبر المستفيض أن النبي صلى الله عليه وسلم صام في السفر، وروى ذلك عنه أبو الدرداء، وسلمة بن المحنق، وأبو سعيد، وجابر، وأنس، وابن عباس عنه إباحة الصوم والفطر في السفر، بقوله لحمزة بن عمرو الأسلمي وقد قال: أصوم في السفر؟ قال: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر» وعلى قول الجمهور: أن ثم محذوفاً، وتقديره: فأفطر، وأنه يجوز للمسافر أن يفطر وأن يصوم.
واختلفوا في الأفضل، فذهب أبو حنيفة، وأصحابه، ومالك، والشافعي في بعض ما روي عنهما: إلى أن الصوم أفضل، وبه قال من الصحابة: عثمان بن أبي العاص الثقفي، وأنس بن مالك.
قال ابن عطية: وذهب أنس بن مالك إلى الصوم، وقال: إنما نزلت الرخصة ونحن جياع نروح إلى جوع، وذهب الأوزاعي وأحمد وإسحاق إلى أن الفطر أفضل، وبه قال من الصحابة ابن عمر، وابن عباس. ومن التابعين: ابن المسيب، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وقتادة.
قال ابن عطية: وقال مجاهد وعمر بن عبد العزيز وغيرهما: أيسرهما أفضلهما.
وكره ابن حنبل الصوم في السفر، ولو صام في السفر ثم أفطر من غير عذر فعليه القضاء فقط، قاله الأوزاعي، وأبو حنيفة، وزاد الليث: والكفارة. وعن مالك القولان.
ولو أفطر مسافر ثم قدم من يومه، أو حائض ثم طهرت في بعض النهار، فقال جابر بن يزيد، والشافعي، ومالك فيما رواه اب�




البحث


كلمات متتالية كلمات متفرقة




موضوعات القرآن
  • الإيمان
  • العلم
  • العبادات
  • أحكام الأسرة
  • المعاملات
  • الحدود والجنايات
  • الجهاد
  • الأطعمة والأشربة
  • أحكام الجنائز
  • الأخلاق
  • تكريم الله للإنسان
  • القصص والتاريخ
  • الأمثال