سورة الإسراء / الآية رقم 86 / تفسير في ظلال القرآن / أحمد بن علي العجمي / القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
القرآن الكريم
طريقة عرض الآيات
صور
نصوص

وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مُّحْمُوداً وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً

الإسراءالإسراءالإسراءالإسراءالإسراءالإسراءالإسراءالإسراءالإسراءالإسراءالإسراءالإسراءالإسراءالإسراءالإسراء




تلاوة آية تلاوة سورة الشرح الصوتي

التفسير


هذا الدرس الأخير في سورة الإسراء يقوم على المحور الرئيسي للسورة. شخص الرسول صلى الله عليه وسلم وموقف القوم منه. والقرآن الذي جاء به وخصائص هذا القرآن.
وهو يبدأ بالإشارة إلى محاولات المشركين مع الرسول ليفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه، وما هموا به من إخراجه من مكة وعصمة الله له من فتنتهم ومن استفزازهم، لما سبق في علمه تعالى من إمهالهم وعدم أخذهم بعذاب الإبادة كالأمم قبلهم. ولو اخرجوا الرسول لحاق بهم الهلاك وفق سنة الله التي لا تتبدل مع الذين يخرجون رسلهم من الأقوام.
ومن ثم يؤمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يمضي في طريقه يصلي لربه ويقرأ قرآنه ويدعو الله أن يدخله مدخل صدق ويخرجه مخرج صدق ويجعل له سلطاناً نصيراً، ويعلن مجيء وزهوق الباطل. فهذا الاتصال بالله هو سلاحه الذي يعصمه من الفتنة ويكفل له النصر والسلطان.
ثم بيان لوظيفة القرآن فهو شفاء ورحمة لمن يؤمنون به، وهو عذاب ونقمة على من يكذبون، فهم في عذاب منه في الدنيا ويلقون العذاب بسببه في الآخرة.
وبمناسبة الرحمة والعذاب يذكر السياق شيئاً من صفة الإنسان في حالتي الرحمة والعذاب. فهو في النعمة متبطر معرض، وهو في النقمة يؤوس قنوط. ويعقب على هذا بتهديد خفي بترك كل إنسان يعمل وفق طبيعته حتى يلقى في الآخرة جزاءه.
كذلك يقرر أن علم الإنسان قليل ضئيل. وذلك بمناسبة سؤالهم عن الروح. والروح غيب من غيب الله، ليس في مقدور البشر إدراكه.. والعلم المستيقن هو ما أنزله الله على رسوله. وهو من فضله عليه ولو شاء الله لذهب بهذا الفضل دون معقب، ولكنها رحمة الله وفضله على رسوله.
ثم يذكر أن هذا القرآن المعجز الذي لا يستطيع الإنسان والجن أن يأتوا بمثله ولو اجتمعوا وتظاهروا، والذي صرف الله فيه دلائل الهدى ونوعها لتخاطب كل عقل وكل قلب.. هذا القرآن لم يغن كفار قريش، فراحوا يطلبون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم خوارق مادية ساذجة كتفجير الينابيع في الأرض، أو أن يكون له بيت من زخرف؛ كما تعنتوا فطلبوا ما ليس من خصائص البشر كأن يرقى الرسول في السماء أمامهم ويأتي إليهم بكتاب مادي يقرأونه، أو يرسل عليهم قطعاً من السماء تهلكهم. وزادوا عنتاً وكفراً فطلبوا أن يأتيهم بالله والملائكة قبيلاً!
وهنا يعرض السياق مشهداً من مشاهد القيامة يصور فيه عاقبتهم التي تنتظرهم جزاء هذا العنت، وجزاء تكذيبهم بالآخرة، واستنكارهم البعث وقد صاروا عظاماً ورفاتاً.
ويسخر من اقتراحاتهم المتعنتة، وهم لو كانوا خزنة رحمة الله، لأدركهم الشح البشري فأمسكوا خشية نفاد الخزائن التي لا تنفد! وهم مع ذلك لا يقفون عند حد فيما يطلبون ويقترحون!
وبمناسبة طلبهم الخوارق يذكرهم بالخوارق التي جاء بها موسى فكذب بها فرعون وقومه فأهلكهم الله حسب سنته في إهلاك المكذبين.
فأما هذا القرآن فهو المعجزة الباقية الحقة. وقد جاء متفرقاً حسب حاجة الأمة التي جاء لتربيتها وإعدادها. والذين أوتوا العلم من قبله من مؤمني الأمم السابقة يدركون ما فيه من حق ويذعنون له ويخشعون، ويؤمنون به ويسلمون.
وتنتهي السورة بتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عبادة الله وحده، وإلى تسبيحه وحمده، كما بدأت بالتسبيح والتنزيه..
{وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره. وإذاً لاتخذوك خليلا. ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا. إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات، ثم لا تجد لك علينا نصيرا. وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها، وإذاً لا يلبثون خلافك إلا قليلا. سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا}..
يعدد السياق محاولات المشركين مع الرسول صلى الله عليه وسلم وأولها محاولة فتنته عما أوحى الله إليه، ليفتري عليه غيره، وهو الصادق الأمين.
لقد حاولوا هذه المحاولة في صور شتى.. منها مساومتهم له أن يعبدوا إلهه في مقابل أن يترك التنديد بآلهتهم وما كان عليه آباؤهم. ومنها مساومة بعضهم له أن يجعل أرضهم حراماً كالبيت العتيق الذي حرمه الله. ومنها طلب بعض الكبراء أن يجعل لهم مجلساً غير مجلس الفقراء...
والنص يشير إلى هذه المحاولات ولا يفصلها، ليذكر فضل الله على الرسول في تثبيته على الحق، وعصمته من الفتنة، ولو تخلى عنه تثبيت الله وعصمته لركن إليهم فاتخذوا خليلاً. وللقي عاقبة الركون إلى فتنة المشركين، وهي مضاعفة العذاب في الحياة والممات، دون أن يجد له نصيراً منهم يعصمه من الله.
هذه المحاولات التي عصم الله منها رسوله، هي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائماً. محاولة إغرائهم لينحرفوا ولو قليلاً عن استقامة الدعوة وصلابتها. ويرضوا بالحلول الوسط التي يغرونهم بها في مقابل مغانم كثيرة. ومن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته لأنه يرى الأمر هيناً، فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته كلية، إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق. وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة، فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب منها!
ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق. وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير، وفي إغفال طرف منها ولو ضئيل، لا يملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة.
لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء!
والمسألة مسألة إيمان بالدعوة كلها. فالذي ينزل عن جزء منها مهما صغر، والذي يسكت عن طرف منها مهما ضؤل، لا يمكن أن يكون مؤمناً بدعوته حق الإيمان. فكل جانب من جوانب الدعوة في نظر المؤمن هو حق كالآخر. وليس فيها فاضل ومفضول. وليس فيها ضروري ونافلة. وليس فيها ما يمكن الاستغناء عنه، وهي كلٌّ متكامل يفقد خصائصه كلها حين يفقد أحد أجزائه. كالمركب يفقد خواصه كلها إذا فقد أحد عناصره!
وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات. فإذا سلموا في الجزء فقدوا هيبتهم وحصانتهم، وعرف المتسلطون ان استمرار المساومة، وارتفاع السعر ينتهيان إلى تسليم الصفقة كلها!
والتسليم في جانب ولو ضئيل من جوانب الدعوة لكسب أصحاب السلطان إلى صفها؛ هو هزيمة روحية بالاعتماد على أصحاب السلطان في نصرة الدعوة. والله وحده هو الذي يعتمد عيه المؤمنون بدعوتهم. ومتى دبت الهزيمة في أعماق السريرة، فلن تنقلب الهزيمة نصراً!
لذلك امتن الله على رسوله صلى الله عليه وسلم أن ثبته على ما أوحى الله، وعصمه من فتنة المشركين له، ووقاه الركون إليهم ولو قليلاً ورحمه من عاقبة هذا الركون، وهي عذاب الدنيا والآخرة مضاعفاً، وفقدان المعين والنصير.
وعندما عجز المشركون عن استدارج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذه الفتنة حاولوا استفزازه من الأرض أي مكة ولكن الله أوحى إليه أن يخرج هو مهاجراً، لما سبق في علمه من عدم إهلاك قريش بالإبادة. ولو أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم عنوة وقسراً لحل بهم الهلاك {وإذاً لا يلبثون خلافك إلا قليلاً} فهذه هي سنة الله النافذة: {سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا، ولا تجد لسنتنا تحويلا}.
ولقد جعل الله هذه سنة جارية لا تتحول، لأن إخراج الرسل كبيرة تستحق التأديب الحاسم. وهذا الكون تصرفه سنن مطردة، لا تتحول أمام اعتبار فردي. وليست المصادفات العابرة هي السائدة في هذا الكون، إنما هي السنن المطردة الثابتة. فلما لم يرد الله أن يأخذ قريشاً بعذاب الإبادة كما أخذ المكذبين من قبل، لحكمة علوية، لم يرسل الرسول بالخوارق، ولم يقدر أن يخرجوه عنوة، بل أوحى إليه بالهجرة. ومضت سنة الله في طريقها لا تتحول..
بعد ذلك يوجه الله رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الاتصال به، واستمداد العون منه، والمضي في طريقه، يعلن انتصار الحق وزهوق الباطل:
{أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل، وقرآن الفجر، إن قرآن الفجر كان مشهودا؛ ومن الليل فتهجد به نافلة لك، عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا، وقل ربِّ أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيرا.
وقل: جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا. وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا}..
ودلوك الشمس هو ميلها إلى المغيب. والأمر هنا للرسول صلى الله عليه وسلم خاصة. أما الصلاة المكتوبة فلها أوقاتها التي تواترت بها أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وتواترت بها سنته العملية. وقد فسر بعضهم دلوك الشمس بزوالها عن كبد السماء، والغسق بأول الليل، وفسر قرآن الفجر بصلاة الفجر، وأخذ من هذا أوقات الصلاة المكتوبة وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء من دلوك الشمس إلى الغسق ثم الفجر. وجعل التهجد وحده هو الذي اختص رسول الله بأن يكون مأموراً به، وأنه نافلة له. ونحن نميل إلى الرأي الأول. وهو أن كل ما ورد في هذه الآيات مختص بالرسول صلى الله عليه وسلم وأن أوقات الصلاة المكتوبة ثابته بالسنة القولية والعملية.
{أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل}.. أقم الصلاة ما بين ميل الشمس للغروب وإقبال الليل وظلامه؛ واقرأ قرآن الفجر {إن قرآن الفجر كان مشهودا}.. ولهذين الآنين خاصيتهما وهما إدبار النهار وإقبال الليل. وإدبار الليل وإقبال النهار. ولهما وقعهما العميق في النفس، فإن مقدم الليل وزحف الظلام، كمطلع النور وانكشاف الظلمة.. كلاهما يخشع فيه القلب، وكلاهما مجال للتأمل والتفكر في نواميس الكون التي لا تفتر لحظة ولا تختل مرة. وللقرآن كما للصلاة إيقاعه في الحس في مطلع الفجر ونداوته، ونسماته الرخية، وهدوئه السارب، وتفتحه بالنور، ونبضه بالحركة، وتنفسه بالحياة.
{ومن الليل فتهجد به نافلة لك}.. والتهجد الصلاة بعد نومة أول الليل. والضمير في {به} عائد على القرآن، لأنه روح الصلاة وقوامها.
{عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً}.. بهذه الصلاة وبهذا القرآن والتهجد به، وبهذه الصلة الدائمة بالله. فهذا هو الطريق المؤدي إلى المقام المحمود وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يؤمر بالصلاة والتهجد والقرآن ليبعثه ربه المقام المحمود المأذون له به، وهو المصطفى المختار، فما أحوج الآخرين إلى هذه الوسائل لينالوا المقام المأذون لهم به في درجاتهم. فهذا هو الطريق. وهذا هو زاد الطريق.
{وقل: رب أدخلني مدخل صدق. وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيرا}.
وهو دعاء يعلمه الله لنبيه ليدعوه به. ولتتعلم أمته كيف تدعو الله وفيم تتجه إليه. دعاء بصدق المدخل وصدق المخرج، كناية عن صدق الرحلة كلها. بدئها وختامها. أولها وآخرها وما بين الأول والآخر. وللصدق هنا قيمته بمناسبة ما حاوله المشركون من فتنته عما أنزل الله عليه ليفتري على الله غيره.
وللصدق كذلك ظلاله: ظلال الثبات والاطمئنان والنظافة والإخلاص. {واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيرا} قوة وهيبة استعلي بهما على سلطان الأرض وقوة المشركين وكلمة {من لدنك} تصور القرب والاتصال بالله والاستمداد من عونه مباشرة واللجوء إلى حماه.
وصاحب الدعوة لا يمكن أن يستمد السلطان إلا من الله. ولا يمكن أن يهاب إلا بسلطان الله. لا يمكن أن يستظل بحاكم أو ذي جاه فينصره ويمنعه ما لم يكن اتجاهه قبل ذلك إلى الله. والدعوة قد تغزو قلوب ذوي السلطان والجاه، فيصبحون لها جنداً وخدماً فيفلحون، ولكنها هي لا تفلح إن كانت من جند السلطان وخدمه، فهي من أمر الله، وهي أعلى من ذوي السلطان والجاه.
{وقل: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا}..
بهذا السلطان المستمد من الله، أعلن مجيء الحق بقوته وصدقه وثباته، وزهوق الباطل واندحاره وجلاءه. فمن طبيعة الصدق أن يحيا ويثبت، ومن طبيعة الباطل أن يتوارى ويزهق..
{إن الباطل كان زهوقا}.. حقيقة لدنية يقررها بصيغة التوكيد. وإن بدا للنظرة الأولى أن للباطل صولة ودولة. فالباطل ينتفخ ويتنفج وينفش، لأنه باطل لا يطمئن إلى حقيقة؛ ومن ثم يحاول أن يموه على العين، وأن يبدو عظيماً كبيراً ضخماً راسخاً، ولكنه هش سريع العطب، كشعلة الهشيم ترتفع في الفضاء عالياً ثم تخبو سريعاً وتستحيل إلى رماد؛ بينما الجمرة الذاكية تدفئ وتنفع وتبقى؛ وكالزبد يطغو على الماء ولكنه يذهب جفاء ويبقى الماء.
{إن الباطل كان زهوقا}.. لأنه لا يحمل عناصر البقاء في ذاته، إنما يستمد حياته الموقوته من عوامل خارجية وأسناد غير طبيعية؛ فإذا تخلخلت تلك العوامل، ووهت هذه الأسناد تهاوى وانهار. فأما الحق فمن ذاته يستمد عناصر وجوده. وقد تقف ضده الأهواء وتقف ضده الظروف ويقف ضده السلطان.. ولكن ثباته واطمئنانه يجعل له العقبى ويكفل له البقاء، لأنه من عند الله الذي جعل {الحق} من أسمائه وهو الحي الباقي الذي لا يزول.
{إن الباطل كان زهوقاً}.. ومن ورائه الشيطان، ومن ورائه السلطان. ولكن وعد الله أصدق، وسلطان الله أقوى. وما من مؤمن ذاق طعم الإيمان، إلا وذاق معه حلاوة الوعد، وصدق العهد. ومن أوفى بعهده من الله؟ ومن أصدق من الله حديثأً؟
{وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين}..
وفي القرآن شفاء، وفي القرآن رحمة، لمن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان، فأشرقت وتفتحت لتلقي ما في القرآن من روْح، وطمأنينة وأمان.
في القرآن شفاء من الوسوسة والقلق والحيرة. فهو يصل القلب بالله، فيسكن ويطمئن ويستشعر الحماية والأمن؛ ويرضى فيستروح الرضى من الله والرضى عن الحياة؛ والقلق مرض، والحيرة نصب، والوسوسة داء.
ومن ثم هو رحمة للمؤمنين.
وفي القرآن شفاء من الهوى والدنس والطمع والحسد ونزغات الشيطان.. وهي من آفات القلب تصيبه بالمرض والضعف والتعب، وتدفع به إلى التحطم والبلى والانهيار. ومن ثم هو رحمة للمؤمنين.
وفي القرآن شفاء من الاتجاهات المختلة في الشعور والتفكير. فهو يعصم العقل من الشطط، ويطلق له الحرية في مجالاته المثمرة، ويكفه عن إنفاق طاقته فيما لا يجدي، ويأخذه بمنهج سليم مضبوط، يجعل نشاطه منتجاً ومأموناً. ويعصمه من الشطط والزلل. كذلك هو في عالم الجسد ينفق طاقاته في اعتدال بلا كبت ولا شطط فيحفظه سليماً معافى ويدخر طاقاته للإنتاج المثمر. ومن ثم هو رحمة للمؤمنين.
وفي القرآن شفاء من العلل الاجتماعية التي تخلخل بناء الجماعات، وتذهب بسلامتها وأمنها وطمأنينتها. فتعيش الجماعة في ظل نظامه الاجتماعي وعدالته الشاملة في سلامة وأمن وطمأنينة. ومن ثم هو رحمة للمؤمنين.
{ولا يزيد الظالمين إلا خسارا}..
فهم لا ينتفعون بما فيه من شفاء ورحمة. وهم في غيظ وقهر من استعلاء المؤمنين به، وهم في عنادهم وكبريائهم يشتطون في الظلم والفساد، وهم في الدنيا مغلوبون من أهل هذا القرآن، فهم خاسرون. وفي الآخرة معذبون بكفرهم به ولجاجهم في الطغيان، فهم خاسرون: {ولا يزيد الظالمين إلا خسارا}..
فأما حين يترك الإنسان بلا شفاء ولا رحمة. حين يترك لنزعاته واندفاعاته فهو في حال النعمة متبطر معرض لا يشكر ولا يذكر، وهو في حال الشدة يائس من رحمة الله، تظلم في وجهه فجاج الحياة:
{وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه، وإذا مسه الشر كان يؤوسا}..
والنعمة تطغى وتبطر ما لم يذكر الإنسان واهبها فيحمد ويشكر، والشدة تيئس وتقنط ما لم يتصل الإنسان بالله، فيرجو ويأمل، ويطمئن إلى رحمة الله وفضله، فيتفاءل ويستبشر.
ومن هنا تتجلى قيمة الإيمان وما فيه من رحمة في السراء والضراء سواء.
ثم يقرر السياق أن كل فرد وكل فريق يعمل وفق طريقته واتجاهه؛ والحكم على الاتجاهات والأعمال موكول لله:
{قل: كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا}..
وفي هذا التقرير تهديد خفي، بعاقبة العمل والاتجاه، ليأخذ كل حذره، ويحاول أن يسلك سبيل الهدى ويجد طريقه إلى الله.
وراح بعضهم يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الروح ما هو؟ والمنهج الذي سار عليه القرآن وهو المنهج الأقوام أن يجيب الناس عما هم في حاجة إليه، وما يستطيع إدراكهم البشري بلوغه ومعرفته؛ فلا يبدد الطاقة العقلية التي وهبها الله لهم فيما لا ينتج ولا يثمر، وفي غير مجالها الذي تملك وسائله وتحيط به. فلما سألوه عن الروح أمره الله أن يجيبهم بأن الروح من أمر الله، اختص بعلمه دون سواه:
{ويسألونك عن الروح.
قل: الروح من أمر ربي. وما أوتيتم من العلم إلا قليلا}..
وليس في هذا حجر على العقل البشري أن يعمل. ولكن فيه توجيهاً لهذا العقل أن يعمل في حدوده وفي مجاله الذي يدركه. فلا جدوى من الخبط في التيه، ومن إنفاق الطاقة فيما لا يملك العقل إدراكه لأنه لا يملك وسائل إدراكه. والروح غيب من غيب الله لا يدركه سواه، وسر من أسراره القدسية أودعه هذا المخلوق البشري وبعض الخلائق التي لا نعلم حقيقتها. وعلم الإنسان محدود بالقياس إلى علم الله المطلق، وأسرار هذا الوجود أوسع من أن يحيط بها العقل البشري المحدود. والإنسان لا يدبر هذا الكون فطاقاته ليست شاملة، إنما وهب منها بقدر محيطة وبقدر حاجته ليقوم بالخلافة في الأرض، ويحقق فيها ما شاء الله أن يحققه، في حدود علمه القليل.
ولقد أبدع الإنسان في هذه الأرض ما أبدع؛ ولكنه وقف حسيراً أمام ذلك السر اللطيف الروح لا يدري ما هو، ولا كيف جاء، ولا كيف يذهب، ولا أين كان ولا أين يكون، إلا ما يخبر به العليم الخبير في التنزيل.
وما جاء في التنزيل هو العلم المستيقن، لأنه من العليم الخبير. ولو شاء الله لحرم البشرية منه، وذهب بما أوحى إلى رسوله؛ ولكنها رحمة الله وفضله.
{ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك، ثم لا تجد لك به علينا وكيلا. إلا رحمة من ربك، إن فضله، كان عليك كبيرا}..
والله يمتن على رسوله صلى الله عليه وسلم بهذا الفضل. فضل إنزال الوحي، واستبقاء ما أوحى به إليه؛ المنة على الناس أكبر، فهم بهذا القرآن في رحمة وهداية ونعمة، أجيالاً بعد أجيال.
وكما أن الروح من الأسرار التي اختص الله بها فالقرآن من صنع الله الذي لا يملك الخلق محاكاته، ولا يملك الإنس والجن وهما يمثلان الخلق الظاهر والخفي ان يأتوا بمثله، ولو تظاهروا وتعانوا في هذه المحاولة:
{قل: لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً}..
فهذا القرآن ليس ألفاظاً وعبارات يحاول الإنس والجن أن يحاكوها. إنما هو كسائر ما يبدعه الله يعجز المخلوقون أن يصنعوه. هو كالروح من أمر الله لا يدرك الخلق سره الشامل الكامل، وإن أدركوا بعض أوصافه وخصائصه وآثاره.
والقرآن بعد ذلك منهج حياة كامل. منهج ملحوظ فيه نواميس الفطرة التي تصرف النفس البشرية في كل أطوارها وأحوالها، والتي تصرف الجماعات الإنسانية في كل ظروفها وأطوارها. ومن ثم فهو يعالج النفس المفردة، ويعالج الجماعة المتشابكة، بالقوانين الملائمة للفطرة المتغلغلة في وشائجها ودروبها ومنحنياتها الكثيرة.
يعالجها علاجاً متكاملاً متناسق الخطوات في كل جانب، في الوقت الواحد، فلا يغيب عن حسابه احتمال من الاحتمالات الكثيرة ولا ملابسة من الملابسات المتعارضة في حياة الفرد وحياة الجماعة. لأن مشرع هذه القوانين هو العليم بالفطرة في كل أحوالها وملابساتها المتشابكة.
أما النظم البشرية فهي متأثرة بقصور الإنسان وملابسات حياته. ومن ثم فهي تقصر عن الإحاطة بجميع الاحتمالات في الوقت الواحد؛ وقد تعالج ظاهرة فردية أو اجتماعية بدواء يؤدي بدوره إلى بروز ظاهرة أخرى تحتاج إلى علاج جديد!
إن إعجاز القرآن أبعد مدى من إعجاز نظمه ومعانيه، وعجز الإنس والجن عن الإتيان بمثله هو عجز كذلك عن إبداع منهج كمنهجه يحيط بما يحيط به.
{ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا. وقالوا: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا؛ أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا؛ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً؛ أو تأتي بالله والملائكة قبيلا؛ أو يكون لك بيت من زخرف؛ أو ترقى في السماء. ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه...}.
وهكذا قصر إدراكهم عن التطلع إلى آفاق الإعجاز القرآنية، فراحوا يطلبون تلك الخوارق المادية، ويتعنتون في اقتراحاتهم الدالة على الطفولة العقلية، أو يتبجحون في حق الذات الإلهية بلا أدب ولا تحرج.. لم ينفعهم تصريف القرآن للأمثال والتنويع فيها لعرض حقائقه في أساليب شتى تناسب شتى العقول والمشاعر، وشتى الأجيال والأطوار. {فأبى أكثر الناس إلا كفورا} وعلقوا إيمانهم بالرسول صلى الله عليه وسلم بأن يفجر لهم من الأرض ينبوعاً! أو بأن تكون له جنة من نخيل وعنب يفجر الأنهار خلالها تفجيراً! أو أن يأخذهم بعذاب من السماء، فيسقطها عليهم قطعاً كما أنذرهم أن يكون ذلك يوم القيامة! أو أن يأتي بالله والملائكة قبيلاً يناصره ويدفع عنه كما يفعلون هم في قبائلهم! أو أن يكون له بيت من المعادن الثمينة. أو أن يرقى في السماء. ولا يكفي أن يعرج إليها وهم ينظرونه، بل لا بد أن يعود إليهم ومعه كتاب محبر يقرأونه!
وتبدو طفولة الإدراك والتصور، كما يبدو التعنت في هذه المقترحات الساذجة. وهم يسوون بين البيت المزخرف والعروج إلى السماء! أو بين تفجير الينبوع من الأرض ومجيء الله سبحانه والملائكة قبيلاً! والذي يجمع في تصورهم بين هذه المقترحات كلها هو أنها خوارق. فإذا جاءهم بها نظروا في الإيمان له والتصديق به!
وغفلوا عن الخارقة الباقية في القرآن، وهم يعجزون عن الإتيان بمثله في نظمه ومعناه ومنهجه، ولكنهم لا يلمسون هذا الإعجاز بحواسهم فيطلبون ما تدركه الحواس!
والخارقة ليست من صنع الرسول، ولا هي من شأنه، إنما هي من أمر الله سبحانه وفق تقديره وحكمته.
وليس من شأن الرسول أن يطلبها إذا لم يعطه الله إياها. فأدب الرسالة وإدراك حكمة الله في تدبيره يمنعان الرسول أن يقترح على ربه ما لم يصرح له به.. {قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولا} يقف عند حدود بشريته، ويعمل وفق تكاليف رسالته، لا يقترح على الله ولا يتزيد فيما كلفه إياه.
ولقد كانت الشبهة التي عرضت للأقوام من قبل أن يأتيهم محمد صلى الله عليه وسلم ومن بعد ما جاءهم، والتي صدتهم عن الإيمان بالرسل وما معهم من الهدى، أنهم استبعدوا أن يكون الرسول بشراً؛ ولا يكون ملكاً:
{وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا: أبعث الله بشرا رسولا؟}.
وقد نشأ هذا الوهم من عدم إدراك الناس لقيمة بشريتهم وكرامتها على الله، فاستكثروا على بشر أن يكون رسولاً من عند الله. كذلك نشأ هذا الوهم من عدم إدراكهم لطبيعة الكون وطبيعة الملائكة، وأنهم ليسوا مهيئين للاستقرار في الأرض وهم في صورتهم الملائكية حتى يميزهم الناس ويستيقنوا أنهم ملائكة.
{قل: لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولا}.
فلو قدر الله أن الملائكة تعيش في الأرض لصاغهم في صورة آدمية، لأنها الصورة التي تتفق مع نواميس الخلق وطبيعة الأرض، كما قال في آية أخرى: {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلاً} والله قادر على كل شيء، ولكنه خلق نواميس وبرأ مخلوقاته وفق هذه النواميس بقدرته واختياره، وقدر أن تمضي النواميس في طريقها لا تتبدل ولا تتحول، لتحقق حكمته في الخلق والتكوين غير أن القوم لا يدركون!
وما دامت هذه سنة الله في خلقه، فهو يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينهي معهم الجدل، وأن يكل أمره وأمرهم إلى الله يشهده عليهم، ويدع له التصرف في أمرهم، وهو الخبير البصير بالعباد جميعاً:
{قل: كفى بالله شهيداً بيني وبينكم، إنه كان بعباده خبيراً بصيرا}..
وهو قول يحمل رائحة التهديد. أما عاقبته فيرسمها في مشهد من مشاهد القيامة مخيف:
{ومن يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه، ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً، مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا. ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا، وقالوا: أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقاً جديدا؟ أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم؟ وجعل لهم أجلاً لا ريب فيه، فأبى الظالمون إلا كفورا}..
ولقد جعل الله للهدى وللضلال سنناً، وترك الناس لهذه السنن يسيرون وفقها، ويتعرضون لعواقبها.
ومن هذه السنن أن الإنسان مهيأ للهدى والظلال، وفق ما يحاوله لنفسه من السير في طريق الهدى أو طريق الضلال. فالذي يستحق هداية الله بمحاولته واتجاهه يهديه الله؛ وهذا هو المهتدي حقاً، لأنه اتبع هدى الله. والذين يستحقون الضلال بالإعراض عن دلائل الهدى وآياته لا يعصمهم أحد من عذاب الله: {فلن تجد لهم أولياء من دونه} ويحشرهم يوم القيامة في صورة مهينة مزعجة: {على وجوهم} يتكفأون {عمياً وبكماً وصماً} مطموسين محرومين من جوارحهم التي تهديهم في هذا الزحام. جزاء ما عطلوا هذه الجوارح في الدنيا عن إدراك دلائل الهدى. و{مأواهم جهنم} في النهاية، لا تبرد ولا تفتر {كلما خبت زدناهم سعيراً}.
وهي نهاية مفزعة وجزاء مخيف. ولكنهم يستحقونه بكفرهم بآيات الله: {ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا} واستنكروا البعث واستبعدوا وقوعه: {وقالوا أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً؟}
والسياق يعرض هذا المشهد كأنه هو الحاضر الآن، وكأنما الدنيا التي كانوا فيها قد انطوت صفحتها وصارت ماضياً بعيداً.. وذلك على طريقة القرآن في تجسيم المشاهد وعرضها واقعة حية، تفعل فعلها في القلوب والمشاعر قبل فوات الأوان.
ثم يعود ليجادلهم بالمنطق الواقعي الذي يرونه فيغفلونه.
{أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم؟} فأية غرابة في البعث؛ والله خالق هذا الكون الهائل قادر على أن يخلق مثلهم، فهو قادر إذاً على أن يعيدهم أحياء. {وجعل لهم أجلاً لا ريب فيه} أنظرهم إليه، وأجلهم إلى موعده {فأبى الظالمون إلا كفورا} فكان جزاؤهم عادلاً بعد منطق الدلالات ومنطق المشاهدات، ووضوح الآيات.
على أن أولئك الذين يقترحون على الرسول صلى الله عليه وسلم تلك المقترحات المتعنتة، من بيوت الزخرف، وجنات النخيل والأعناب، والينابيع المتفجرة.. بخلاء أشحاء حتى لو أن رحمة الله قد وكلت إليهم خزائنها لأمسكوا وبخلوا خوفاً من نفادها، ورحمة الله لا تنفد ولا تغيض:
{قل: لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا}.
وهي صورة بالغة للشح، فإن رحمة الله وسعت كل شيء، ولا يخشى نفادها ولا نقصها. ولكن نفوسهم لشحيحة تمنع هذه الرحمة وتبخل بها لو أنهم كانوا هم خزنتها!
وعلى أية حال فإن كثرة الخوارق لا تنشئ الإيمان في القلوب الجاحدة. وها هو ذا موسى قد أوتي تسع آيات بينات ثم كذب بها فرعون وملؤه، فحل بهم الهلاك جميعاً.
{ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات، فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم، فقال له فرعون: إني لأظنك يا موسى مسحورا. قال: لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر، وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً.
فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا. وقلنا من بعده لبني إسرائيل: اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا}...
وهذا المثل من قصة موسى وبني إسرائيل يذكر لتناسقه مع سياق السورة وذكر المسجد الأقصى في أولها وطرف من قصة بني إسرائيل وموسى. وكذلك يعقب عليه بذكر الآخرة والمجيء بفرعون وقومه لمناسبة مشهد القيامة القريب في سياق السورة ومصير المكذبين بالبعث الذي صوره هذا المشهد.
والآيات التسع المشار إليها هنا هي اليد البيضاء والعصا وما أخذ الله به فرعون وقومه من السنين ونقص الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم.. {فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم} فهم شهداء على ما كان بين موسى وفرعون:
{فقال له فرعون: إني لأظنك يا موسى مسحورا}.. فكلمة الحق وتوحيد الله والدعوة إلى ترك الظلم والطغيان والإيذاء لا تصدر في عرف الطاغية إلا من مسحور لا يدري ما يقول! فما يستطيع الطغاة من أمثال فرعون أن يتصوروا هذه المعاني؛ ولا أن يرفع أحد رأسه ليتحدث عنها وهو يملك قواه العقلية!
فأما موسى فهو قوي بالحق الذي أرسل به مشرقاً منيراً؛ مطمئن إلى نصرة الله له وأخذه للطغاة:
{قال: لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض. بصائر. وإني لأظنك يا فرعون مثبورا} هالكاً مدمراً، جزاء تكذيبك بآيات الله وأنت تعلم أن لا أحد غيره يملك هذه الخوارق. وإنها لواضحة مكشوفة منيرة للبصائر، حتى لكأنها البصائر تكشف الحقائق وتجلوها.
عندئذ يلجأ الطاغية إلى قوته المادية، ويعزم أن يزيلهم من الأرض ويبيدهم، {فأراد أن يستفزهم من الأرض} فكذلك يفكر الطغاة في الرد على كلمة الحق.
وعندئذ تحق على الطاغية كلمة الله، وتجري سنته بإهلاك الظالمين وتوريث المستضعفين الصابرين: {فأغرقناه ومن معه جميعاً. وقلنا من بعده لبني إسرائيل: اسكنوا الأرض. فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا}..
وهكذا كانت عاقبة التكذيب بالآيات. وهكذا أورث الله الأرض للذين كانوا يستضعفون، موكولين فيها إلى أعمالهم وسلوكهم وقد عرفنا كيف كان مصيرهم في أول السورة أما هنا فهو يكلهم هم وأعداءهم إلى جزاء الآخرة، {فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا}.
ذلك مثل من الخوارق، وكيف استقبلها المكذبون، وكيف جرت سنة الله مع المكذبين. فأما هذا القرآن فقد جاء بالحق ليكون آية دائمة، ونزل مفرقاً ليقرأ على مهل في الزمن الطويل:
{وبالحق أنزلناه وبالحق نزل، وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيرا، وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا}..
لقد جاء هذا القرآن ليربي أمة، ويقيم لها نظاماً، فتحمله هذه الأمة إلى مشارق الأرض ومغاربها، وتعلم به البشرية هذا النظام وفق المنهج الكامل المتكامل.
ومن ثم فقد جاء هذا القرآن مفرقاً وفق الحاجات الواقعية لتلك الأمة، ووفق الملابسات التي صاحبت فترة التربية الأولى. والتربية تتم في الزمن الطويل، وبالتجربة العملية في الزمن الطويل. جاء ليكون منهجاً عملياً يتحقق جزءاً جزءاً في مرحلة الإعداد، لا فقهاً نظرياً ولا فكرة تجريدية تعرض للقراءة والاستمتاع الذهني!
وتلك حكمة نزوله متفرقاً، لا كتاباً كاملاً منذ اللحظة الأولى.
ولقد تلقاه الجيل الأول من المسلمين على هذا المعنى. تلقوه توجيهاً يطبق في واقع الحياة كلما جاءهم منه أمر أو نهي، وكلما تلقوا منه أدباً أو فريضة. ولم يأخذوه متعة عقلية أو نفسية كما كانوا يأخذون الشعر والأدب؛ ولا تسلية وتلهية كما كانوا يأخذون القصص والأساطير فتكيفوا به في حياتهم اليومية. تكيفوا به في مشاعرهم وضمائرهم، وفي سلوكهم ونشاطهم. وفي بيوتهم ومعاشهم. فكان منهج حياتهم الذي طرحوا كل ما عداه مما ورثوه، ومما عرفوه، ومما مارسوه قبل أن يأتيهم هذا القرآن.
قال ابن مسعود رضي الله عنه كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن.
ولقد انزل الله هذا القرآن قائماً على الحق: {وبالحق أنزلناه} فنزل ليقر الحق في الأرض ويثبته: {وبالحق نزل}.. فالحق مادته والحق غايته. ومن الحق قوامه، وبالحق اهتمامه.. الحق الأصيل الثابت في ناموس الوجود، والذي خلق الله السماوات والأرض قائمين به، متلبساً بهما، والقرآن مرتبط بناموس الوجود كله، يشير إليه ويدل عليه وهو طرف منه. فالحق سداه ولحمته، والحق مادته وغايته. والرسول مبشر ومنذر بهذا الحق الذي جاء به.
وهنا يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ان يجبه القوم بهذا الحق، ويدع لهم أن يختاروا طريقهم. إن شاءوا آمنوا بالقرآن وإن شاءوا لم يؤمنوا. وعليهم تبعة ما يختارون لأنفسهم. ويضع أمام أنظارهم نموذجاً من تلقي الذين أوتوا العلم من قبله من اليهود والنصارى المؤمنين لهذا القرآن، لعل لهم فيه قدوة وأسوة وهم الأميون الذين لم يؤتوا علماً ولا كتاباً:
{قل: آمنوا به أو لا تؤمنوا. إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً، ويقولون: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا؛ ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا}..
وهو مشهد موح يلمس الوجدان. مشهد الذين أوتوا العلم من قبله، وهم يسمعون القرآن، فيخشعون، و{يخرون للأذقان سجداً} إنهم لا يتمالكون أنفسهم، فهم لا يسجدون ولكن {يخرون للأذقان سجداً} ثم تنطق ألسنتهم بما خالج مشاعرهم من إحساس بعظمة الله وصدق وعده: {سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا}. ويغلبهم التأثر فلا تكفي الألفاظ في تصوير ما يجيش في صدورهم منه، فإذا الدموع تنطلق معبرة عن ذلك التأثر الغامر الذي لا تصوره الألفاظ: {ويخرون للأذقان يبكون}.
{ويزيدهم خشوعاً} فوق ما استقبلوه به من خشوع.
إنه مشهد مصور لحالة شعورية غامرة، يرسم تأثير هذا القرآن في القلوب المتفتحة لاستقبال فيضه؛ العارفة بطبيعته وقيمته بسبب ما أوتيت من العلم قبله. والعلم المقصود هو ما أنزله الله من الكتاب قبل القرآن، فالعلم الحق هو ما جاء من عند الله.
هذا المشهد الموحي للذين أوتوا العلم من قبل يعرضه السياق بعد تخيير القوم في أن يؤمنوا بهذا القرآن أولا يؤمنوا، ثم يعقب عليه بتركهم يدعون الله بما شاءوا من الأسماء وقد كانوا بسبب أوهامهم الجاهلية ينكرون تسمية الله بالرحمن، ويستبعدون هذا الإسم من أسماء الله فكلها اسماؤه فما شاءوا منها فليدعوه بها:
{قل: ادعوا الله أو ادعوا الرحمن. أيًّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى}.
وإن هي إلا سخافات الجاهلية وأوهام الوثنية التي لا تثبت للمناقشة والتعليل.
كذلك يؤمر الرسول صلى الله عليه وسلم ان يتوسط في صلاته بين الجهر والخفوت لما كانوا يقابلون به صلاته من استهزاء وإيذاء، أو من نفور وابتعاد ولعل الأمر كذلك لأن التوسط بين الجهر والخفاء أليق بالوقوف في حضرة الله:
{ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا}..
وتختم السورة كما بدأت بحمد الله وتقرير وحدانيتة بلا ولد ولا شريك، وتنزيهه عن الحاجة إلى الولي والنصير. وهو العلي الكبير. فيلخص هذا الختام محور السورة الذي دارت عليه، والذي بدأت ثم ختمت به:
{وقل: الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك. ولم يكن له ولي من الذل. وكبره تكبيراً}..




البحث


كلمات متتالية كلمات متفرقة




موضوعات القرآن
  • الإيمان
  • العلم
  • العبادات
  • أحكام الأسرة
  • المعاملات
  • الحدود والجنايات
  • الجهاد
  • الأطعمة والأشربة
  • أحكام الجنائز
  • الأخلاق
  • تكريم الله للإنسان
  • القصص والتاريخ
  • الأمثال