سورة الكهف / الآية رقم 1 / تفسير في ظلال القرآن / أحمد بن علي العجمي / القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
القرآن الكريم
طريقة عرض الآيات
صور
نصوص

وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَياًّ مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجاً قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً

الإسراءالإسراءالإسراءالإسراءالإسراءالإسراءالإسراءالإسراءالإسراءالكهفالكهفالكهفالكهفالكهفالكهف




تلاوة آية تلاوة سورة الشرح الصوتي

التفسير


القصص هو العنصر الغالب في هذه السورة. ففي أولها تجيء قصة أصحاب الكهف، وبعدها قصة الجنتين، ثم إشارة إلى قصة آدم وإبليس. وفي وسطها تجيء قصة موسى مع العبد الصالح. وفي نهايتها قصة ذي القرنين، ويستغرق هذا القصص معظم آيات السورة، فهو وارد في إحدى وسبعين آية من عشر ومائة آية؛ ومعظم ما يتبقى من آيات السورة هو تعليق أو تعقيب على القصص فيها. وإلى جوار القصص بعض مشاهد القيامة، وبعض مشاهد الحياة التي تصور فكرة أو معنى، على طريقة القرآن في التعبير بالتصوير.
أما المحور الموضوعي للسورة الذي ترتبط به موضوعاتها، ويدور حوله سياقها، فهو تصحيح منهج النظر والفكر. وتصحيح القيم بميزان هذه العقيدة.
فأما تصحيح العقيدة فيقرره بدؤها وختامها.
في البدء: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. قيماً. لينذر بأساً شديداً من لدنه؛ ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً وينذر الذين قالوا: اتخذ الله ولداً. ما لهم به من علم ولا لآبائهم. كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً}.
وفي الختام: {قل: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحد، فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً} وهكذا يتساوق البدء والختام في إعلان الوحدانية وإنكار الشرك، وإثبات الوحي، والتمييز المطلق بين الذات الإلهية وذوات الحوادث.
ويلمس سياق السورة هذا الموضوع مرات كثيرة في صور شتى:
في قصة أصحاب الكهف يقول الفتية الذين آمنوا بربهم: {ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططا}.
وفي التعقيب عليها: {ما لهم من دونه من ولي، ولا يشرك في حكمه أحداً}. وفي قصة الجنتين يقول الرجل المؤمن لصاحبه وهو يحاوره: {أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً، لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداً} وفي التعقيب عليها: {ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصراً، هنالك الولاية لله الحق، هو خير ثواباً وخير عقباً} وفي مشهد من مشاهد يوم القيامة: {ويوم يقول: نادوا شركائي الذين زعمتم، فدعوهم فلم يستجيبوا لهم، وجعلنا بينهم موبقاً} وفي التعقيب على مشهد آخر: {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلاً} أما تصحيح منهج الفكر والنظر فيتجلى في استنكار دعاوى المشركين الذين يقولون ما ليس لهم به علم، والذين لا يأتون على ما يقولون ببرهان. وفي توجيه الإنسان إلى أن يحكم بما يعلم ولا يتعداه، وما لا علم له به فليدع أمره إلى الله.
ففي مطلع السورة: {وينذر الذين قالوا: اتخذ الله ولداً، ما لهم به من علم ولا لآبائهم}
والفتية أصحاب الكهف يقولون: {هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة. لولا يأتون عليهم بسلطان بين!}
وعندما يتساءلون عن فترة لبثهم في الكهف يكلون علمها لله: {قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم}.
وفي ثنايا القصة إنكار على من يتحدثون عن عددهم رجماً بالغيب: {سيقولون: ثلاثة رابعهم كلبهم؛ ويقولون: خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب ويقولون: سبعة وثامنهم كلبهم. قل: ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل؛ فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً، ولا تستفت فيهم منهم أحدًا}.
وفي قصة موسى مع العبد الصالح عندما يكشف له عن سر تصرفاته التي أنكرها عليه موسى يقول: {رحمة من ربك وما فعلته عن أمري} فيكل الأمر فيها لله.
فأما تصحيح القيم بميزان العقيدة، فيرد في مواضع متفرقة، حيث يرد القيم الحقيقية إلى الإيمان والعمل الصالح، ويصغر ما عداها من القيم الأرضية الدنيوية التي تبهر الأنظار.
فكل ما على الأرض من زينة إنما جعل للابتلاء والاختبار، ونهايته إلى فناء وزوال: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً، وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً}.
وحمى الله أوسع وأرحب، ولو أوى الإنسان إلى كهف خشن ضيق. والفتية المؤمنون أصحاب الكهف يقولون بعد اعتزالهم لقومهم: {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته، ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً}
والخطاب يوجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليصبر نفسه مع أهل الإيمان؛ غير مبال بزينة الحياة الدنيا وأهلها الغافلين عن الله {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا؛ واتبع هواه وكان أمره فرطاً. وقل: الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} وقصة الجنتين تصور كيف يعتز المؤمن بإيمانه في وجه المال والجاه والزينة. وكيف يجبه صاحبها المنتفش المنتفخ بالحق، ويؤنبه على نسيان الله: {قال له صاحبه وهو يحاوره: أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً؟ لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداً. ولولا إذ دخلت جنتك قلت: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله. إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً. فعسى ربي أن يؤتيني خيراً من جنتك، ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيداً زلقاً، أو يصبح ماؤها غوراً فلن تستطيع له طلباً} وعقب القصة يضرب مثلاً للحياة الدنيا وسرعة زوالها بعد ازدهارها: {واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء، فاختلط به نبات الأرض، فأصبح هشيماً تذروه الرياح، وكان الله على كل شيء مقتدراً}
ويعقب عليه ببيان للقيم الزائلة والقيم الباقية: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً} وذو القرنين لا يذكر لأنه ملك، ولكن يذكر لأعماله الصالحة. وحين يعرض عليه القوم الذين وجدهم بين السدين أن يبني لهم سداً يحميهم من يأجوج ومأجوج في مقابل أن يعطوه مالاً، فإنه يرد عليهم ما عرضوه من المال، لأن تمكين الله له خير من أموالهم {قال: ما مكني فيه ربي خير} وحين يتم السد يرد الأمر لله لا لقوته البشرية: {قال: هذا رحمة من ربي، فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقاً} وفي نهاية السورة يقرر أن أخسر الخلق أعمالاً، هم الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه؛ وهؤلاء لا وزن لهم ولا قيمة وإن حسبوا أنهم يحسنون صنعاً: {قل: هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً؟ أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً} وهكذا نجد محور السورة هو تصحيح العقيدة. وتصحيح منهج الفكر والنظر. وتصحيح القيم بميزان العقيدة.
ويسير سياق السورة حول هذه الموضوعات الرئيسية في أشواط متتابعة:
تبدأ السورة بالحمد لله الذي أنزل على عباده الكتاب للإنذار والتبشير. تبشير المؤمنين وإنذار الذين قالوا: اتخذ الله ولداً؛ وتقرير أن ما على الأرض من زينة إنما هو للابتلاء والاختبار، والنهاية إلى زوال وفناء.. ويتلو هذا قصة أصحاب الكهف. وهي نموذج لإيثار الإيمان على باطل الحياة وزخرفها، والالتجاء إلى رحمة الله في الكهف، هرباً بالعقيدة أن تمس.
ويبدأ الشوط الثاني بتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وأن يغفل الغافلين عن ذكر الله.. ثم تجيء قصة الجنتين تصور اعتزاز القلب المؤمن بالله، واستصغاره لقيم الأرض.. وينتهي هذا الشوط بتقرير القيم الحقيقية الباقية.
والشوط الثالث يتضمن عدة مشاهد متصلة من مشاهد القيامة تتوسطها إشارة قصة آدم وإبليس.. وينتهي ببيان سنة الله في إهلاك الظالمين، ورحمة الله وإمهاله للمذنبين إلى أجل معلوم.
وتشغل قصة موسى مع العبد الصالح الشوط الرابع. وقصة ذي القرنين الشوط الخامس.
ثم تختم السورة بمثل ما بدأت: تبشيراً للمؤمنين وإنذاراً للكافرين، وإثباتاً للوحي وتنزيها لله عن الشريك. فلنأخذ في الشوط الأول بالتفصيل:
{الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً. قيماً. لينذر بأساً شديداً من لدنه، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً، وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً، ما لهم به من علم ولا لآبائهم. كبرت كلمة تخرج من أفواههم.
إن يقولون إلا كذباً. فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً.. إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا، وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا}..
بدء فيه استقامة، وفيه صرامة. وفيه حمد لله على إنزاله الكتاب {على عبده} بهذه الاستقامة، لا عوج فيه ولا التواء، ولا مداراة ولا مداورة: {لينذر بأساً شديداً من لدنه}.
ومنذ الآية الأولى تتضح المعالم، فلا لبس في العقيدة ولا غموض: الله هو الذي أنزل الكتاب، والحمد له على تنزيله، ومحمد هو عبد لله. فالكل إذن عبيد، وليس لله من ولد ولا شريك.
والكتاب لا عوج له.. {قيماً}.. يتكرر معنى الاستقامة مرة على طريق نفي العوج، ومرة عن طريق إثبات الاستقامة. توكيداً لهذا المعنى وتشديداً فيه.
والغرض من إنزال الكتاب واضح صريح: {لينذر بأساً شديداً من لدنه، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً}.
ويغلب ظل الإنذار الصارم في التعبير كله. فهو يبدأ به على وجه الإجمال: {لينذر بأساً شديداً من لدنه}. ثم يعود إليه على وجه التخصيص: {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً}.. وبينهما تبشير للمؤمنين {الذين يعملون الصالحات} بهذا القيد الذي يجعل للإيمان دليله العملي الظاهر المستند إلى الواقع الأكيد.
ثم يأخذ في كشف المنهج الفاسد الذي يتخذونه للحكم على أكبر القضايا وأخطرها. قضية العقيدة: {ما لهم به من علم ولا لآبائهم}..
فما أشنع وما أفظع أن يفضوا بهذا القول بغير علم، هكذا جزافاً:
{كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً}..
وتشترك الألفاظ بنظمها في العبرة وجرسها في النطق في تفظيع هذه الكلمة التي يقولونها. فهو يبدأ بكلمة {كبرت} لتجبه السامع بالضخامة والفظاعة وتملأ الجو بهما. ويجعل الكلمة الكبيرة تمييزاً لضميرها في الجملة: {كبرت كلمة} زيادة في توجيه الانتباه إليها. ويجعل هذه الكلمة تخرج من أفواههم خروجاً كأنما تنطلق منها جزافاً وتندفع منها اندفاعاً {تخرج من أفواههم}. وتشارك لفظة {أفواههم} بجرسها الخاص في تكبير هذه الكلمة وتفظيعها، فالناطق بها يفتح فاه في مقطعها الأول بما فيه من مد: {أفوا...} ثم تتوالى الهاءان فيمتلئ الفم بهما قبل أن يطبق على الميم في نهاية اللفظة: {أفواههم}. وبذلك يشترك نظم الجملة وجرس اللفظة في تصوير المعنى ورسم الظل. ويعقب على ذلك بالتوكيد عن طريق النفي والاستثناء: {إن يقولون إلا كذباً}: ويختار للنفي كلمة: {إن} لاكلمة {ما} لأن في الأولى صرامة بالسكون الواضح، وفي لفظ {ما} شيء من الليونة بالمد.. وذلك لزيادة التشديد في الاستنكار، ولزيادة التوكيد لكذب هذه الكلمة الكبيرة..
وفيما يشبه الإنكار يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان يحزنه أن يكذب قومه بالقرآن ويعرضوا عن الهدى، ويذهبوا في الطريق الذي يعلم صلى الله عليه وسلم أنه مود بهم إلى الهلاك.
فيما يشبه الإنكار يقول للرسول صلى الله عليه وسلم:
{فلعلك باخع نفسك على آثارهم. إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً}!
أي فلعلك قاتل نفسك أسفاً وحزناً عليهم، إن لم يؤمنوا بهذا القرآن. وما يستحق هؤلاء أن تحزن عليهم وتأسف. فدعهم فقد جعلنا ما على الأرض من زخرف ومتاع، وأموال وأولاد.. جعلناه اختباراً وامتحاناً لأهلها، ليتبين من يحسن منهم العمل في الدنيا، ويستحق نعمتها، كما يستحق نعيم الآخرة:
{إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً}.
والله يعلم. ولكنه يجزي على ما يصدر من العباد فعلاً، وما يتحقق منهم في الحياة عملاً. ويسكت عمن لا يحسنون العمل فلا يذكرهم لأن مفهوم التعبير واضح.
ونهاية هذه الزينة محتومة. فستعود الأرض مجردة منها، وسيهلك كل ما عليها، فتصبح قبل يوم القيامة سطحاً أجرد خشناً جدباً:
{وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً}.
وفي التعبير صرامة، وفي المشهد الذي يرسمه كذلك. وكلمة {جرزا} تصور معنى الجدب بجرسها اللفظي. كما أن كلمة {صعيدا} ترسم مشهد الاستواء والصلادة!
ثم تجيء قصة أصحاب الكهف، فتعرض نموذجاً للإيمان في النفوس المؤمنة. كيف تطمئن به، وتؤثره على زينة الأرض ومتاعها، وتلجأ به إلى الكهف حين يعز عليها أن تعيش به مع الناس. وكيف يرعى الله هذه النفوس المؤمنة، ويقيها الفتنة، ويشملها بالرحمة.
وفي القصة روايات شتى، وأقاويل كثيرة. فقد وردت في بعض الكتب القديمة وفي الأساطير بصور شتى. ونحن نقف فيها عند حد ما جاء في القرآن، فهو المصدر الوحيد المستيقن. ونطرح سائر الروايات والأساطير التي اندست في التفاسير بلا سند صحيح. وبخاصة أن القرآن الكريم قد نهى عن استفتاء غير القرآن فيها، وعن المراء فيها والجدل رجماً بالغيب.
وقد ورد في سبب نزولها ونزول قصة ذي القرنين أن اليهود أغروا أهل مكة بسؤال الرسول صلى الله عليه وسلم عنهما وعن الروح. أو أن أهل مكة طلبوا إلى اليهود أن يصوغوا لهم أسئلة يختبرون بها الرسول صلى الله عليه وسلم وقد يكون هذا كله أو بعضه صحيحاً. فقد جاء في أول قصة ذي القرنين: {ويسألونك عن ذي القرنين. قل: سأتلوا عليكم منه ذكراً} ولكن لم تجيء عن قصة أصحاب الكهف مثل هذه الإشارة. فنحن نمضي في القصة لذاتها وهي واضحة الارتباط بمحور السورة كما بينا.
إن الطريقة التي اتبعت في عرض هذه القصة من الناحية الفنية هي طريقة التلخيص الإجمالي أولاً، ثم العرض التفصيلي أخيراً. وهي تعرض في مشاهد وتترك بين المشاهد فجوات يعرف ما فيها من السياق.
وهي تبدأ هكذا:
{أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً. إذ أوى الفتية إلى الكهف، فقالوا: ربنا آتنا من لدنك رحمة، وهيئ لنا من أمرنا رشداً. فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً، ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً}.
وهو تلخيص يجمل القصة، ويرسم خطوطها الرئيسية العريضة. فنعرف أن أصحاب الكهف فتية لا نعلم عددهم آووا إلى الكهف وهم مؤمنون. وأنه ضرب على آذانهم في الكهف أي ناموا سنين معدودة لا نعلم عددها وأنهم بعثوا من رقدتهم الطويلة. وأنه كان هناك فريقان يتجادلان في شأنهم ثم لبثوا في الكهف فبعثوا ليتبين أي الفريقين أدق إحصاء. وأن قصتهم على غرابتها ليست بأعجب آيات الله. وفي صفحات هذا الكون من العجائب وفي ثناياه من الغرائب ما يفوق قصة أصحاب الكهف والرقيم.
وبعد هذا التلخيص المشوق للقصة يأخذ السياق في التفصيل. ويبدأ هذا التفصيل بأن ما سيقصه الله منها هو فصل الخطاب في الروايات المتضاربة، وهو الحق اليقين:
{نحن نقص عليك نبأهم بالحق. إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى. وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا: ربنا رب السماوات والأرض، لن ندعوا من دونه إلهاً. لقد قلنا إذا شططاً. هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة. لولا يأتون عليهم بسلطان بين. فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً؟ وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف، ينشر لكم ربكم من رحمته، ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً}.
هذا هو المشهد الأول من مشاهد القصة. {إنهم فتية آمنوا بربهم}.. {وزدناهم هدى} بإلهامهم كيف يدبرون أمرهم. {وربطنا على قلوبهم} فإذا هي ثابتة راسخة، مطمئنة إلى الحق الذي عرفت. معتزة بالإيمان الذي اختارت {إذ قاموا}.. والقيام حركة تدل على العزم والثبات. {فقالوا ربنا رب السماوات والأرض}.. فهو رب هذا الكون كله {لن ندعو من دونه إلهاً}.. فهو واحد بلا شريك. {لقد قلنا إذن شططاً}.. وتجاوزنا الحق وحدنا عن الصواب.
ثم يلتفتون إلى ما عليه قومهم فيستنكرونه، ويستنكرون المنهج الذي يسلكونه في تكوين العقيدة:
{هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة. لولا يأتون عليهم بسلطان بين؟}..
فهذا هو طريق الاعتقاد: أن يكون للإنسان دليل قوي يستند إليه، وبرهان له سلطان على النفوس والعقول. وإلا فهو الكذب الشنيع، لأنه الكذب على الله: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً؟}.
وإلى هنا يبدو موقف الفتية واضحاً صريحاً حاسماً، لا تردد فيه ولا تلعثم.. إنهم فتية، أشداء في أجسامهم، أشداء في إيمانهم. أشداء في استنكار ما عليه قومهم..
ولقد تبين الطريقان، واختلف المنهجان، فلا سبيل إلى الالتقاء، ولا للمشاركة في الحياة.
ولا بد من الفرار بالعقيدة. إنهم ليسوا رسلاً إلى قومهم فيواجهوهم بالعقيدة الصحيحة ويدعوهم إليها، ويتلقوا ما يتلقاه الرسل. إنما هم فتية تبين لهم الهدى في وسط ظالم كافر، ولا حياة لهم في هذا الوسط إن هم أعلنوا عقيدتهم وجاهروا بها، وهم لا يطيقون كذلك أن يداروا القوم ويداوروهم، ويعبدوا ما يعبدون من الآلهة على سبيل التقية ويخفوا عبادتهم لله. والأرجح أن أمرهم قد كشف. فلا سبيل لهم إلا أن يفروا بدينهم إلى الله، وأن يختاروا الكهف على زينة الحياة. وقد أجمعوا أمرهم فهم يتناجون بينهم:
{وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته، ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً}..
وهنا ينكشف العجب في شأن القلوب المؤمنة. فهؤلاء الفتية الذين يعتزلون قومهم، ويهجرون ديارهم، ويفارقون أهلهم. ويتجردون من زينة الأرض ومتاع الحياة. وهؤلاء الذين يأوون إلى الكهف الضيق الخشن المظلم. هؤلاء يستروحون رحمة الله. ويحسون هذه الرحمة ظليلة فسيحة ممتدة. {ينشر لكم ربكم من رحمته} ولفظة {ينشر} تلقي ظلال السعة والبحبوحة والانفساح. فإذا الكهف فضاء فسيح رحيب وسيع تنتشر فيه الرحمة وتتسع خيوطها وتمتد ظلالها، وتشملهم بالرفق واللين والرخاء.. إن الحدود الضيقة لتنزاح، وإن الجدران الصلدة لترق، وإن الوحشة الموغلة لتشف، فإذا الرحمة والرفق والراحة والارتفاق.
إنه الإيمان..
وما قيمة الظواهر؟ وما قيمة القيم والأوضاع والمدلولات التي تعارف عليها الناس في حياتهم الأرضية؟ إن هنالك عالماً آخر في جنبات القلب المغمور بالإيمان، المأنوس بالرحمن. عالماً تظلله الرحمة والرفق والاطمئنان والرضوان.
ويسدل الستار على هذا المشهد. ليرفع على مشهد آخر والفتية في الكهف وقد ضرب الله عليهم النعاس.
{وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال، وهم في فجوة منه. ذلك من آيات الله. من يهد الله فهو المهتد. ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود. ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال. وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد. لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً، ولملئت منهم رعباً}.
وهو مشهد تصويري عجيب، ينقل بالكلمات هيئة الفتية في الكهف، كما يلتقطها شريط متحرك. والشمس تطلع على الكهف فتميل عنه كأنها متعمدة. ولفظ {تزاور} تصور مدلولها وتلقي ظل الإرادة في عملها. والشمس تغرب فتجاوزهم إلى الشمال وهم في فجوة منه..
وقبل أن يكمل نقل المشهد العجيب يعلق على وضعهم ذاك بأحد التعليقات القرآنية التي تتخلل سياق القصص لتوجيه القلوب في اللحظة المناسبة:
{ذلك من آيات الله}.. وضعهم هكذا في الكهف والشمس لا تنالهم بأشعتها وتقرب منهم بضوئها. وهم في مكانهم لا يموتون ولا يتحركون.
{من يهد الله فهو المهتد. ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً}.. وللهدى والضلال ناموس. فمن اهتدى بآيات الله فقد هداه الله وفق ناموسه وهو المهتدي حقاً. ومن لم يأخذ بأسباب الهدى ضل، وجاء ضلاله وفق الناموس الإلهي فقد أضله الله إذن، ولن تجد له من بعد هادياً.
ثم يمضي السياق يكمل المشهد العجيب. وهم يقلبون من جنب إلى جنب في نومتهم الطويلة. فيحسبهم الرائي أيقاظاً وهم رقود. وكلبهم على عادة الكلاب باسط ذراعية بالفناء قريباً من باب الكهف كأنه يحرسهم. وهم في هيئتهم هذه يثيرون الرعب في قلب من يطلع عليهم. إذ يراهم نياماً كالأيقاظ، يتقلبون ولا يستيقظون. وذلك من تدبير الله كي لا يعبث بهم عابث، حتى يحين الوقت المعلوم.
وفجأة تدب فيهم الحياة. فلننظر ولنسمع:
{وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم. قال قائل منهم: كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم. قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم، فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة، فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحداً. إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم، ولن تفلحوا إذاً أبداً}..
إن السياق يحتفظ بالمفاجأة في عرض القصة، فيعرض هذا المشهد، والفتية يستيقظون وهم لا يعرفون كم لبثوا منذ أن أدركهم النعاس.. إنهم يفركون أعينهم، ويلتفت أحدهم إلى الآخرين فيسأل: كم لبثتم؟ كما يسأل من يستيقظ من نوم طويل. ولا بد أنه كان يحس بآثار نوم طويل. {قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم}!
ثم رأوا أن يتركوا هذه المسألة التي لا طائل وراء البحث فيها، ويدعوا أمرها لله شأن المؤمن في كل ما يعرض له مما يجهله وأن يأخذوا في شأن عملي. فهم جائعون. ولديهم نقود فضية خرجوا بها من المدينة: {قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم، فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاماً، فليأتكم برزق منه}.. أي فليختر أطيب طعام في المدينة فليأتكم بشيء منه.
وهم يحذرون أن ينكشف أمرهم ويعرف مخبؤهم، فيأخذهم أصحاب السلطان في المدينة فيقتلوهم رجماً بوصفهم خارجين على الدين لأنهم يعبدون إلهاً واحداً في المدينة المشركة! أو يفتنوهم عن عقيدتهم بالتعذيب. وهذه هي التي يتقونها. لذلك يوصون الرسول أن يكون حذراً لبقاً: {وليتلطف ولا يشعرن بكم أحداً. إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذاً أبدا}.. فما يفلح من يرتد عن الإيمان إلى الشرك، وإنها للخسارة الكبرى.
وهكذا نشهد الفتية يتناجون فيما بينهم، حذرين خائفين، لا يدرون أن الأعوام قد كرت، وأن عجلة الزمن قد دارت، وأن أجيالاً قد تعاقبت، وأن مدينتهم التي يعرفونها قد تغيرت معالمها، وأن المتسلطين الذين يخشونهم على عقيدتهم قد دالت دولتهم، وأن قصة الفتية الذين فروا بدينهم في عهد الملك الظالم قد تناقلها الخلف عن السلف؛ وأن الأقاويل حولهم متعارضة؛ حول عقيدتهم، وحول الفترة التي مضت منذ اختفائهم.
وهنا يسدل على مشهدهم في الكهف ليرفع على مشهد آخر. وبين المشهدين فجوة متروكة في السياق القرآني.
ونفهم أن أهل المدينة اليوم مؤمنون، فهم شديدو الحفاوة بالفتية المؤمنين بعد أن انكشف أمرهم بذهاب أحدهم لشراء الطعام، وعرف الناس أنه أحد الفتية الذين فروا بدينهم منذ عهد بعيد.
ولنا أن نتصور ضخامة المفاجأة التي اعترت الفتية بعد أن أيقن زميلهم أن المدينة قد مضى عليها العهد الطويل منذ أن فارقوها؛ وأن الدنيا تبدلت من حولهم فلم يعد لشيء مما ينكرونه ولا لشيء مما يعرفونه وجود! وأنهم من جيل قديم مضت عليه القرون. وأنهم أعجوبة في نظر الناس وحسهم، فلن يمكن أن يعاملوهم كبشر عاديين. وأن كل ما يربطهم بجيلهم من قرابات ومعاملات ومشاعر وعادات وتقاليد.. كله قد تقطع، فهم أشبه بالذكرى الحية منهم بالأشخاص الواقعية.. فيرحمهم الله من هذا كله فيتوفاهم.
لنا أن نتصور هذا كله. أما السياق القرآني فيعرض المشهد الأخير، مشهد وفاتهم، والناس خارج الكهف يتنازعون في شأنهم: على أي دين كانوا، وكيف يخلدونهم ويحفظون ذكراهم للأجيال. ويعهد مباشرة إلى العبرة المستقاة من هذا الحادث العجيب:
{وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق، وأن الساعة لا ريب فيها. إذ يتنازعون بينهم أمرهم، فقالوا: ابنوا عليهم بنياناً ربهم أعلم بهم. قال الذين غلبوا على أمرهم: لنتخذن عليهم مسجداً}.
إن العبرة في خاتمة هؤلاء الفتية هي دلالتها على البعث بمثل واقعي قريب محسوس. يقرب إلى الناس قضية البعث. فيعلموا أن وعد الله بالبعث حق، وأن الساعة لا ريب فيها.. وعلى هذا النحو بعث الفتية من نومتهم وأعثر قومهم عليهم.
وقال بعض الناس: {ابنوا عليهم بنياناً} لا يحدد عقيدتهم {ربهم أعلم بهم} وبما كانوا عليه من عقيدة. وقال أصحاب السلطان في ذلك الأوان: {لنتخذن عليهم مسجداً} والمقصود معبد، على طريقه اليهود والنصارى في اتخاذ المعابد على مقابر الأنبياء والقديسين. وكما يصنع اليوم من يقلدونهم من المسلمين مخالفين لهدى الرسول صلى الله عليه وسلم «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد».
ويسدل الستار على هذا المشهد. ثم يرفع لنسمع الجدل حول أصحاب الكهف على عادة الناس يتناقلون الروايات والأخبار، ويزيدون فيها وينقصون، ويضيفون إليها من خيالهم خيالهم جيلاً بعد جيل، حتى تتضخم وتتحول، وتكثر الأقاويل حول الخبر الواحد أو الحادث الواحد كلما مرت القرون:
{سيقولون: ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون: خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب، ويقولون: سبعة وثامنهم كلبهم.
قل: ربي أعلم بعدتهم. ما يعلمهم إلا قليل. فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً، ولا تستفت فيهم منهم أحداً}..
فهذا الجدل حول عدد الفتية لا طائل وراءه. وإنه ليستوي أن يكونوا ثلاثة أو خمسة أو سبعة، أو أكثر. وأمرهم موكول إلى الله، وعلمهم عند الله. وعند القليلين الذين تثبتوا من الحادث عند وقوعه أو من روايته الصحيحة. فلا ضرورة إذن للجدل الطويل حول عددهم. والعبرة في أمرهم حاصلة بالقليل وبالكثير. لذلك يوجه القرآن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ترك الجدل في هذه القضية، وإلى عدم استفتاء أحد من المتجادلين في شأنهم. تمشياً مع منهج الإسلام في صيانة الطاقة العقلية أن تبدد في غير ما يفيد. وفي ألا يقفو المسلم ما ليس له به عليم وثيق. وهذا الحادث الذي طواه الزمن هو من الغيب الموكول إلى علم الله، فليترك إلى علم الله.
وبمناسبة النهي عن الجدل في غيب الماضي، يرد النهي عن الحكم على غيب المستقبل وما يقع فيه؛ فالإنسان لا يدري ما يكون في المستقبل حتى يقطع برأي فيه:
{ولا تقولن لشيء: إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت، وقل: عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشداً}..
إن كل حركة وكل نأمة، بل كل نفس من أنفاس الحي، مرهون بإرادة الله. وسجف الغيب مسبل يحجب ما وراء اللحظة الحاضرة؛ وعين الإنسان لا تمتد إلى ما وراء الستر المسدل؛ وعقله مهما علم قاصر كليل. فلا يقل إنسان: إني فاعل ذلك غداً. وغداً في غيب الله وأستار غيب الله دون العواقب.
وليس معنى هذا أن يقعد الإنسان، لا يفكر في أمر المستقبل ولا يدبر له؛ وأن يعيش يوماً بيوم، لحظة بلحظة. وألا يصل ماضي حياته بحاضره وقابله.. كلا. ولكن معناه أن يحسب حساب الغيب وحساب المشيئة التي تدبره؛ وأن يعزم ما يعزم ويستعين بمشيئة الله على ما يعزم، ويستشعر أن يد الله فوق يده، فلا يستبعد أن يكون لله تدبير غير تدبيره. فإن وفقه الله إلى ما اعتزم فبها. وإن جرت مشيئة الله بغير ما دبر لم يحزن ولم ييأس، لأن الأمر لله أولاً وأخيراً.
فليفكر الإنسان وليدبر؛ ولكن ليشعر أنه إنما يفكر بتيسير الله، ويدبر بتوفيق الله، وأنه لا يملك إلا ما يمده الله به من تفكير وتدبير. ولن يدعو هذا إلى كسل أو تراخ، أو ضعف أو فتور؛ بل على العكس يمده بالثقة والقوة والاطمئنان والعزيمة. فإذا انكشف ستر الغيب عن تدبير لله غير تدبيره، فليتقبل قضاء الله بالرضى والطمأنينة والاستسلام.
لأنه الأصل الذي كان مجهولاً له فكشف عنه الستار.
هذا هو المنهج الذي يأخذ به الإسلام قلب المسلم. فلا يشعر بالوحدة والوحشة وهو يفكر ويدبر.. ولا يحس بالغرور والتبطر وهو يفلح وينجح، ولا يستشعر القنوط واليأس وهو يفشل ويخفق. بل يبقى في كل أحواله متصلاً بالله، قوياً بالاعتماد عليه، شاكراً لتوفيقه إياه، مسلماً بقضائه وقدره. غير متبطر ولا قنوط. {واذكر ربك إذا نسيت}.. إذا نسيت هذا التوجيه والاتجاه فاذكر ربك وارجع إليه.
{وقل: عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا}.. من هذا المنهج الذي يصل القلب دائماً بالله، في كل ما يهم به وكل ما يتوجه إليه.
وتجيء كلمة {عسى} وكلمة {لأقرب} للدلالة على ارتفاع هذا المرتقى، وضرورة المحاولة الدائمة للاستواء عليه في جميع الأحوال.
وإلى هنا لم نكن نعلم: كم لبث الفتية في الكهف. فلنعرفه الآن لنعرفه على وجه اليقين:
{ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين، وازدادوا تسعاً. قل: الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض. أبصر به وأسمع}..
فهذا هو فصل الخطاب في أمرهم، يقرره عالم غيب السماوات والأرض. ما أبصره، وما أسمعه! سبحانه. فلا جدال بعد هذا ولا مراء.
ويعقب على القصة بإعلان الوحدانية الظاهرة الأثر في سير القصة وأحداثها: {ما لهم من دونه من ولي. ولا يشرك في حكمه أحداً}..
وبتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تلاوة ما أوحاه ربه إليه، وفيه فصل الخطاب وهو الحق الذي لا يأتيه الباطل والاتجاه إلى الله وحده، فليس من حمى إلا حماه. وقد فر إليه أصحاب الكهف فشملهم برحمته وهداه:
{واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحداً}..
وهكذا تنتهي القصة، تسبقها وتتخللها وتعقبها تلك التوجيهات التي من أجلها يساق القصص في القرآن. مع التناسق المطلق بين التوجيه الديني والعرض الفني في السياق.




البحث


كلمات متتالية كلمات متفرقة




موضوعات القرآن
  • الإيمان
  • العلم
  • العبادات
  • أحكام الأسرة
  • المعاملات
  • الحدود والجنايات
  • الجهاد
  • الأطعمة والأشربة
  • أحكام الجنائز
  • الأخلاق
  • تكريم الله للإنسان
  • القصص والتاريخ
  • الأمثال