سورة البقرة / الآية رقم 221 / تفسير تفسير أبي حيان / أحمد بن علي العجمي / القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
القرآن الكريم
طريقة عرض الآيات
صور
نصوص

فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وَلاَ تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلاقُوهُ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ وَلاَ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

البقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرةالبقرة




تلاوة آية تلاوة سورة الشرح الصوتي

التفسير


الخمر: هي المعتصر من العنب إذا غلى واشتدّ وقذف بالزبد، سمى بذلك من خمر إذا ستر، ومنه خِمار المرأة، وتخمرت واختمرت، وهي حسنة الخمرة، والخمر ما واراك من الشجر وغيره، ودخل في خمار الناس وغمارهم أي: في مكان خاف. وخمر فتاتكم، وخامري أم عامر، مثل الأحمق، وخامري حضاجر أتاك ما تحاذر، وحضاجر اسم للذكر والأنثى من السباع، ومعناه: ادخلي الخمر واستتري.
فلما كانت تستر العقل سميت بذلك، وقيل: لأنها تخمر: أي تغطي حتى تدرك وتشتدّ.
وقال ابن الأنباري: سميت بذلك لأنها تخامر العقل أي: تخالطه، يقال: خامر الداء خالط، وقيل: سميت بذلك لأنها تترك حين تدرك، يقال: اختمر العجين بلغ إدراكه، وخمر الرأي تركه حتى يبين فيه الوجه، فعلى هذه الاشتقاقات تكون مصدراً في الأصل وأريد بها اسم الفاعل أو اسم المفعول.
الميسر: القمار، وهو مفعل من: يسر، كالموعد من وعد، يقال يسرت الميسر أي قامرته، قال الشاعر:
لو تيسرون بخيل قد يسرت بها *** وكل ما يسر الأقوام مغروم
واشتقاقه من اليسر وهو السهولة، أو من اليسار لأنه يسلب يساره، أو من يسر الشيء إذا وجب، أو من يسر إذا جزر والياسر الجازر، وهو الذي يجزئ الجزور أجزاء، قال الشاعر:
أقول لهم بالشعب إذ تيسرونني *** ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم
وسميت الجزور التي يسهم عليها ميسراً لأنها موضع اليسر، ثم قيل للسهام: ميسر للمجاورة، واليسر، الذي يدخل في الضرب بالقداح وجمعه، أيسار، وقيل: يسر جمع ياسر كحارس وحرس وأحراس.
وصفة الميسر أنه عشرة أقداح، وقيل: أحد عشر على ما ذكر فيه، وهي: الأزلام، والأقلام، والسهام. لسبعة منها حظوظ، وفيها فروض على عدة الحظوظ: القد، وله سهم واحد؛ والتوأم، وله سهمان، والرقيب، وله ثلاثة؛ والجلس، وله أربعة؛ والنافس، وله خمسة؛ والمسبل وله ستة؛ والمعلى وله سبعة؛ وثلاثة أغفال لا حظوظ لها، وهي: المنيح، والسفيح، والوغد، وقيل: أربعة وهي: المصدر، والمضعف، والمنيح، والسفيح. تزاد هذه الثلاثة أو الاربعة على الخلاف لتكثر السهام وتختلط على الحرضة وهو الضارب بالقداح، فلا يجد إلى الميل مع أحد سبيلاً، ويسمى أيضاً: المجيل، والمغيض، والضارب، والضريب. ويجمع ضرباء، وهو رجل عدل عندهم. وقيل يجعل رقيب لئلا يحابي أحداً، ثم يجثو الضارب على ركبتيه، ويلتحف بثوب، ويخرج رأسه يجعل تلك القداح في الربابة، وهي خريطة يوضع فيها، ثم يجلجها، ويدخل يده ويخرج باسم رجل رجل قدحاً منها، فمن خرج له قدح من ذوات الآنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح من تلك الثلاثة لم يأخذ شيئاً، وغرم الجزور كله.
وكانت عادة العرب أن تضرب بهذه القداح في الشتوة وضيق العيش وكلب البرد على الفقراء، فيشترون الجزور وتضمن الأيسار ثمنها، ثم تنحر ويقسم على عشرة أقسام، في قول أبي عمرو، وثمانية وعشرين على قدر حظوظ السهام في قول الأصمعي.
قال ابن عطية: وأخطأ الأصمعي في قسمة الجزور على ثمانية وعشرين، وأيهم خرج له نصيب واسى به الفقراء، ولا يأكل منه شيئاً، ويفتخرون بذلك، ويسمون من لم يدخل فيه: البرم ويذمونه بذلك، ومن الافتخار بذلك قول الأعشى:
المطمعو الضيف إذا ماشتا *** والجاعلو القوت على الياسر
وقال زهير في البرم:
حتى تأوى إلى لا فاحشٍ برم *** ولا شحيح إذا أصحابه غنموا
وربما قاموا لأنفسهم.
التفكر: في الشيء إجالة الفكر فيه وتردده، والفكر: هو الذهن.
الخلط: مزج الشيء بالشيء، وخالط فاعل منه، والخلط الشيء المخلوط: كالرغي.
الإِخوان: جمع أخ، والأخ معروف، وهو من ولده أبوك وأمك، أو أحدهما، وجمع فعل على فعلان لا ينقاس.
العنت: المشقة، ومنه عنت الغربة، وعقبة عنوت شاقة المصعد، وعنت البعير انكسر بعد جبر.
النكاح: الوطء وهو المجامعة، قال التبريزي: وأصله عند العرب لزوم الشيء الشيء وإكبابه عليه، ومنه قولهم: نكح المطر الأرض. حكاه ثعلب في (الامالي) عن أبي زيد وابن الإِعرابي، وحكى الفراء عن العرب: نكح المرأة، بضم النون، بضعة هي بين القبل والدبر، فإذا قالوا نكحها، فمعناه أصاب نكحها، أي ذلك الموضع منها، وقلما يقال ناكحها كما يقال باضعها، قيل: وقد جاء النكاح في أشعار العرب يراد به العقد خاصة، ومن ذلك قول الشاعر:
فلا تقربن جارة إن سرها *** عليك حرام فانكحنْ أو تأبدا
أي فاعقد وتزّوج، وإلاَّ فاجتنب النساء وتوحش، لأنه قال: لا تقربن جارة على الوجه الذي يحرم. وجاء بمعنى المجامعة، كما قال:
الباركين على ظهور نسوتهم *** والناكحين بشاطى دجلة البقرا
وقال أبو علي: فرّقت العرب بين العقد والوطء بفرق لطيف، فإذا قالوا: نكح فلان فلانة، أرادوا به العقد لا غير، وإذا قالوا نكح امرأته أو زوجته فلا يريدون غير المجامعة.
الأمة: المملوكة من النساء، وهي ما حذف لامه، وهو واو يدل على ذلك ظهورها في الجمع قال الكلابي.
أما الإماء فلا يدعونني ولداً *** إذا تداعى بنو الاموات بالعار
وفي المصدر: يقال أمة بينة الأموّة، وأقرّت بالأموّة، أي بالعبودية. وجمعت أيضاً على: إماء، وأآم، نحو أكمة وآكام وأكم، وأصله أأمو، وجرى فيه ما يقتضيه التصريف، وفي الحديث: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» وقال الشاعر:
يمشى بها ريد النعا *** م تماشى الآم الدوافر
ووزنها أموة، فحذفت لامها على غير قياس، إذ كان قياسها أن تنقلب ألفاً لتحركها، وانفتاح ما قبلها كقناة، وزعم أبو الهيثم: أن جمع الأمة أمو، وأن وزنها فعلة بسكون العين، فتكون مثل: نخلة ونخل، وبقلة وبقل، فأصلها: أموة فحذفوا لامها إذ كانت حرف لين، فلما جمعوها على مثال نخلة ونخل لزمهم أن يقولوا: أمة وأم، فكرهوا أن يجعلوها حرفين، وكرهوا أن يردوا الواو المحذوفة لما كانت آخر الاسم، فقدموا الواو، وجعلوه ألفاً ما بين الألف والميم، وما زعمه أبو الهيثم ليس بشيء، إذ لو كان على ما زعم لكان الإعراب على الميم كما كان على لام نخل، ولكنه على الياء المحذوفة التي هي لام، إذ أصله ألامو، ثم عمل فيه ما عمل في قولهم: الأدلو، والأجرو، جمع: دلو، وجرو، وأبدلت الهمزة الثانية ألفاً كما أبدلت في: آدم، ولذلك تقول: جاءت الآمي، ولو كان على ما زعم أبو الهيثم لكان: جاءت الآم، برفع الميم.
المحيض: مفعل من الحيض يصلح للمصدر والمكان والزمان، تقول. حاضت المرأة تحيض حيضاً ومحيضاً بنوه على: مفعل، بكسر العين وفتحها، وفيما كان على هذا النوع من الفعل الذي هو يائي العين على: فعل يفعل، فيه ثلاثة مذاهب.
أحدها: أنه قياسه مفعل. بفتح العين في المراد به المصدر، وبكسرها في المراد به المكان أو الزمان، فيصير: كالمضرب في المصدر، والمضرب بالكسر، أي: بكسر الراء في الزمان والمكان، فيكون على هذا المحيض، إذا أريد به المصدر، شاذاً، وإذا أريد به الزمان والمكان كان على القياس.
المذهب الثاني: أنك مخير بين أن تفتح عينه أو تكسره، كما جاء في هذا المحيض والمحاض، وحجة هذا القول أنه كثر في ذلك الوجهان فاقتاسا.
المذهب الثالث: القصر على السماع، فما قالت فيه العرب: مفعل، بالكسر أو مفعل بالفتح لا نتعدّاه، وهذا هو أولى المذاهب.
وأصل الحيض في اللغة السيلان، يقال: حاض السيل وفاض، وقال الفراء: حاضت الشجرة إذا سال صمغها، وقال الأزهري: ومن هذا قيل للحوض حوض، لأن الماء يحيض إليه أي يسيل، والعرب تدخل الواو على الياء، والياء على الواو، ولأنها من حيز واحد وهو الهواء.
الاعتزال: ضد الاجتماع، وهو التيأس من الشيء والتباعد منه، وتارة يكون بالبدن، وتارة بالقلب، وهو افتعال من العزل، وهو تنجية الشيء من الشيء.
أنَّى: اسم ويستعمل شرطاً ظرف مكان، ويأتي ظرف زمان بمعنى: متى واستفهاماً بمعنى: كيف، وهي مبنية لتضمن معنى حرف الشرط، وحرف الإستفهام، وهو في موضع نصب لا يتصرف فيه بغير ذلك البتة.
{ويسألونك عن الخمر والميسر} سبب نزولها سؤال عمر ومعاذ، قالا: يا رسول الله، أفتنا في الخمر والميسر، فإنه مذهبة للعقل، مسلبة للمال. فنزلت.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنهم لما سألوا عن ماذا ينفقون؟ فبين لهم مصرف ذلك في الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل، ثم ذكر تعالى فرض القتال والجهاد في سبيل الله، ناسب ذكر سؤالهم عن الخمر والميسر، إذ هما أيضاً من مصارف المال، ومع مداومتهما قل أن يبقى مال فتتصدق به، أو تجاهد به، فلذلك وقع السؤال عنهما.
وقال بعض من ألف في الناسخ والمنسوخ: أكثر العلماء على أنها ناسخة لما كان مباحاً من شرب الخمر، وسورة الأنعام مكية، فلا يعتبر بما فيها من قوله: {قل لا أجد} وقال ابن جبير: لما نزل {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} كره الخمر قوم للإثم، وشربتها قوم للمنافع، حتى نزل: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} فاجتنبوها في أوقات الصلاة، حتى نزل: {فاجتنبوه} فحرمت. قال مكي: فهذا يدل على أن هذه منسوخة بآية المائدة، ولا شك في أن نزول المائدة بعد البقرة، وقال قتادة: ذم الله الخمر بهذه الآية ولم يحرمها، وقال بعض الناس: لا يقال إن هذه الآية ناسخة لما كان مباحاً من شرب الخمر، لأنه يلزم منه أن الله أنزل إباحتها، ثم نسخ، ولم يكن ذلك، وإنما كان مسكوتاً عن شربها، فكانوا جارين في شربها على عادتهم، ثم نزل التحريم. كما سكت عنهم في غيرها من المحرمات إلى وقت التحريم.
وجاء: {ويسألونك} بواو الجمع وإن كان من سأل اثنين: وهما عمرو ومعاذ، على ما روي في سبب النزول، لأن العرب تنسب الفعل الصادر من الواحد إلى الجماعة في كلامها، وقد تبين ذلك.
والسؤال هنا ليس عن الذات، وإنما هو عن حكم هذين من حل وحرمة وانتفاع، ولذلك جاء الجواب مناسباً لذلك، لا جواباً عن ذات.
وتقدم تفسير الخمر في اللغة، وأما في الشريعة، فقال الجمهور: كل ما خامر العقل وأفسده مما يشرب يسمى خمراً، وقال الرازي، عن أبي حنيفة: الخمر اسم ما يتخذ من العنب خاصة، ونقل عنه السمرقندي: أن الخمر عنده هو اسم ما اتخذ من العنب والزبيب والتمر، وقال: إن المتخذ من الذرة والحنطة ليس من الأشربة، وإنما هو من الأغذية المشوّشة للعقل: كالبنج والسيكران، وقيل: الصحيح، عن أبي حنيفة، أن القطرة من هذه الأشربة من الخمر.
وتقدم تفسير الميسر وهو: قمار أهل الجاهلية، وأما في الشريعة فاسم الميسر يطلق على سائر ضروب القمار، والإجماع منعقد على تحريمه، قال علي، وابن عباس، وعطاء وابن سيرين، والحسن، وابن المسيب، وقتادة، وطاووس، ومجاهد، ومعاوية بن صالح: كل شيء فيه قمار من نرد وشطرنج وغيره فهو ميسر، حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز إلا ما أبيح من الرهان في الخيل، والقرعة في إبراز الحقوق. وقال مالك: الميسر ميسران: ميسر اللهو فمنه: النرد والشطرنج والملاهي كلها، وميسر القمار: وهو ما يتخاطر الناس عليه، وقال على الشطرنج: ميسر العجم، وقال القاسم، كل شيء ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر.
{قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس}. أنزل في الخمر أربع آيات. {ومن ثمرات النخيل والأعناب}
بمكة ثم هذه الآية، ثم {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} ثم {إنما الخمر والميسر} قال القفال: ووقع التحريم على هذا الترتيب، لأنه تعالى علم أن القوم كانوا ألفوا شربها والانتفاع بها كثيراً، فجاء التحريم بهذا التدريج، رفقاً منه تعالى. انتهى ملخصاً.
وقال الربيع: نزلت هذه الآية بعد تحريم الخمر، واختلف المفسرون: هل تدل هذه الآية على تحريم الخمر والميسر أم لا تدل؟ والظاهر أنها تدل على ذلك، والمعنى: قل في تعاطيهما إثم كبير، أي: حصول إثم كبير، فقد صار تعاطيهما من الكبائر، وقد قال تعالى: {قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم} فما كان إثماً، أو اشتمل على الإِثم، فهو حرام، والإِثم هو الذنب، وإذا كان الذنب كثيراً أو كبيراً في ارتكاب شيء لم يجز ارتكابه، وكيف يقدم على ذلك مع التصريح بالخسران إذا كان الإِثم أكبر من النفع؟ وقال الحسن: ما فيه الإِثم محرم، ولما كان في شربها الإِثم سميت إثماً في قول الشاعر:
شربت الإِثم حتى زل عقلي *** كذاك الإِثم يذهب بالعقول
ومن قال: لا تدل على التحريم، استدل بقوله: ومنافع للناس، والمحرم لا يكون فيه منفعة، ولأنها لو دلت على التحريم لقنع الصحابة بها، وهم لم يقنعوا حتى نزلت آية المائدة، وآية التحريم في الصلاة، وأجيب بأن المحرم قد يكون فيه منفعة عاجلة في الدنيا، وبأن بعض الصحابة سأل أن ينزل التحريم بالأمر الواضح الذي لا يلتبس على أحد، فيكون آكد في التحريم.
وظاهر الآية الإخبار بأن فيهما إثماً كبيراً. ومنافع حالة الجواب وزمانه، وقال ابن عباس، والربيع: الإِثم فيهما بعد التحريم، والمنفعة فيهما قبل التحريم، فعلى هذا يكون الإثم في وقت، والمنفعة في وقت، والظاهر أنه إخبار عن الحال، والإثم الذي فيهما هو الذنب الذي يترتب عليه العقاب، وقالت طائفة: الإثم الذي في الخمر: ذهاب العقل، والسباب، والافتراء، والتعدّي الذي يكون من شاربها، والمنفعة التي في الخمر، قال الأكثرون: ما يحصل منها من الأرباح والاكساب، وهو معنى قول مجاهد: وقيل ما ذكر الأطباء في منافعها من ذهاب الهم، وحصول الفرح، وهضم الطعام، وتقوية الضعيف، والإعانة على الباءة، وتسخية البخيل، وتصفية اللون، وتشجيع الجبان، وغير ذلك من منافعها. وقد صنفوا في ذلك مقالات وكتباً، ويسمونها: الشراب الريحاني، وقد ذكروا أيضاً لها مضار كثيرة من جهة الطب.
والمنفعة التي في الميسر إيسار القامر بغير كدّ ولا تعب، وقيل: التوسعة على المحاويج، فإن من قمر منهم كان لا يأكل من الجزور، ويفرقه على الفقراء. وذكر المفسرون هنا حكم ما أسكر كثيرُه من غير الخمر العنبية، وحدّ الشارب، وكيفية الضرب، وما يتوقى من المضروب فلا يضرب عليه، ولم تتعرض الآية لشيء من ذلك، وهو مذكور في علم الفقه.
وقرأ حمزة، والكسائي: إثم كثير، بالثاء، ووصف الإثم بالكثرة إما باعتبار الآثمين، فكأنه قيل: فيه للناس آثام، أي لكل واحد من متعاطيها إثم، أو باعتبار ما يترتب على شربها من توالي العقاب وتضعيفه، فناسب أن ينعت بالكثرة، أو باعتبار ما يترتب على شربها مما يصدر من شاربها من الأفعال والأقوال المحرمة، أو باعتبار من زوالها من لدن كانت إلى أن بيعت وشريت، فقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمر، ولعن معها عشرة: بائعها، ومبتاعها، والمشتراة له، وعاصرها، ومعتصرها، والمعصورة له وساقيها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة له، وآكل ثمنها. فناسب وصف الإثم بالكثرة بهذا الاعتبار.
وقرأ الباقون: كبير، بالباء، وذلك ظاهر، لأن شرب الخمر والقمار ذنبهما من الكبائر، وقد ذكر بعض الناس ترجيحاً لكل قراءة من هاتين القراءتين على الأخرى، وهذا خطأ، لأن كلاً من القراءتين كلام الله تعالى، فلا يجوز تفضيل شيء منه على شيء من قبل أنفسنا، إذ كله كلام الله تعالى.
{وإثمهما أكبر من نفعهما} في مصحف عبد الله وقراءته: أكثر، بالثاء كما في مصحفه: كثير، بالثاء المثلثة فيهما.
قال الزمخشري: وعقاب الإثم في تعاطيهما أكبر من نفعهما، وهو الالتذاذ بشرب الخمر، والقمار، والطرب فيهما، والتوصل بهما إلى مصادقات الفتيان ومعاشراتهم، والنيل من مطاعمهم ومشاربهم وأعطياتهم، وسلب الأموال بالقمار، والافتخار على الأبرام؛ وفي قراءة أبي: وإثمهما أقرب، ومعنى الكثرة أن: أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة. انتهى كلام الزمخشري.
وقال ابن عباس، وسعد بن جبير، والضحاك، ومقاتل: إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبل التحريم، وقيل: أكبر، لأن عقابه باق مستمر والمنافع زائلة، والباقي أكبر من الفاني.
{ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو} تقدّم هذا السؤال وأجيبوا هنا بذكر الكمية والمقدار، والسائل في هذه الآية، قيل: هو عمرو بن الجموح، وقيل: المؤمنون وهو الظاهر من واو الجمع.
والنفقة هنا قيل: في الجهاد، وقيل: في الصدقات، والقائلون في الصدقات، قيل: في التطوع وهو قول الجمهور، وقيل: في الواجب، والقائلون في الواجب، قيل: هي الزكاة المفروضة، وجاء ذكرها هنا مجملاً، وفصلتها السنة. وقيل كان واجباً عليهم قبل فرض الزكاة أن ينفقوا ما فضل من مكاسبهم عن ما يكفيهم في عامهم، ثم نسخ ذلك بآية الزكاة.
والعفو: ما فضل عن الأهل والمال، قاله ابن عباس، أو اليسير السهل الذي لا يجحف بالمال قاله طاووس، أو الوسط الذي لا سرف فيه ولا تقصير، قاله الحسن، أو: الطيب الأفضل، قاله الربيع، أو: الكثير، من قوله {حتى عفوا} أي: كثروا، قال الشاعر:
ولكنا يعض السيف منها *** بأسوق عافيات اللحم كوم
أو: الصفو، يقال؛ أتاك عفواً، أي: صفواً بلا كدر، قال الشاعر:
خذي العفو مني تستديمي مودتي *** ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
أو: ما فضل عن ألف درهم، أو: قيمة ذلك من الذهب، وكان ذلك فرض عليهم قبل فرض الزكاة، قاله، قتادة. أو: ما فضل عن الثلث، أو: عن ما يقوتهم حولاً لذوي الزراعة، وشهراً لذوي الفلات، أو: عن ما يقوته يومه للعامل بهذه، وكانوا مأمورين بذلك، فشق عليهم، ففرضت الزكاة، أو: الصدقة المفروضة، قاله مجاهد، و: ما لا يستنفد المال ويبقى صاحبه يسأل الناس، قاله الحسن أيضاً.
وقد روي في حديث الذي جاء يتصدّق ببيضة من ذهب، حدف رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه بها، وقوله: «يجيء أحدكم بماله كله يتصدّق به ويقعد يتكفف الناس، إنما الصدقة على ظهر غنى» وفي حديث سعد: «لأن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس».
وقال الزمخشري: العفو نقيض الجهد، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد، واستفراغ الوسع؛ وقال ابن عطية: المعنى: أنفقوا ما فضل عن حوائجكم ولم تؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عالة؛ وقال الراغب: العفو متناول لما هو واجب ولما هو تبرع، وهو الفضل عن الغنى، وقال الماتريدي: الفضل عن القوت.
وقرأ الجمهور: العفو، بالنصب وهو منصوب بفعل مضمر تقديره: قل ينفقون العفو، وعلى هذا الأولى في قوله: ماذا ينفقون؟ أن يكون ماذا في موضع نصب ينفقون، ويكون كلها استفهامية، التقدير: أي شيء ينفقون؟ فاجيبوا بالنصب ليطابق الجواب السؤال.
ويجوز أن تكون ما استفهامية في موضع رفع بالابتداء، وذا موصولة بمعنى الذي، وهي خبره، ولا يكون إذ ذاك الجواب مطابقاً للسؤال من حيث اللفظ، بل من حيث المعنى، ويكون العائد على الموصول محذوفاً لوجود شرط الحذف فيه، تقديره: ما الذي ينفقونه؟.
وقرأ أبو عمرو: قل العفو، بالرفع، والأولى إذ ذاك أن تكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: قل المنفق العفو، وأن يكون: ما، في موضع رفع بالإبتداء، و: ذا، موصول، كما قررناه ليطابق الجواب السؤال، ويجوز أن يكون ماذا كله استفهاماً منصوباً بينفقون، وتكون المطابقة من حيث المعنى لا من جهة اللفظ، واختلف عن ابن كثير في العفو، فروي عنه النصب كالجمهور، والرفع كأبي عمرو.
وقال ابن عطية، وقد ذكر القراءتين في العفو ما نصُّبه: وهذا متركب على: ما، فمن جعل ما ابتداء، وذا خبره بمعنى الذي، وقدّر الضمير في ينفقونه عائداً قرأ العفو بالرفع لتصح مناسبة الحمل، ورفعه على الابتداء تقديره: العفو إنفاقكم، أو الذي ينفقون العفو، ومن جعل ماذا إسماً واحداً مفعولاً: ينفقون، قرأ العفو بالنصب بإضمار فعل، وصح له التناسب، ورفع العفو مع نصب: ما، جائز ضعيف، وكذلك نصبه مع رفعها. انتهى كلامه. وتقديره: العفو إنفاقكم، ليس بجيد، لأنه أتى بالمصدر، وليس السؤال عن المصدر، وقوله: جائز، ضعيف، وكذلك نصبه مع رفعها ليس كما ذكر، بل هو جائز، وليس بضعيف.
{كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة} الكاف للتشبيه وهي في موضع نعت لمصدر محذوف، أو في موضع الحال على مذهب سيبويه، أي: تبيينا مثل ذلك يبين، أو في حال كونه منها ذلك التبيين يبينه، أي: يبين التبيين مماثلاً لذلك التبيين، واسم الاشارة الأقرب أن يعود إلى الأقرب من تبينه حال المنفق، قاله ابن الأنباري، وقال الزمخشري: ما يؤول إليه وهو تبيين أن العفو أصلح من الجهد في النفقة. أو حكم الخمر والميسر، والإنفاق القريب أي: مثل ما يبين في هذا يبين في المستقبل، والمعنى: أنه يوضح الآيات مثل ما أوضح هذا، ويجوز أن يشار به إلى بيان ما سألوا عنه، فبين لهم كتبيين مصرف ما ينفقون، وتبيين ما ترتب عليه من الجزاء الدال عليه علم الله في قوله: {فإن الله به عليم} وتبيين حكم القتال، وتبيين حاله في الشهر الحرام، وما تضمنته الآية التي ذكر في القتال في الشهر الحرام، وتبيين حال الخمر والميسر، وتبيين مقدار ما ينفقون.
وأبعَدَ من خص اسم الإشارة ببيان حكم الخمر والميسر فقط، وأبعد من ذلك من جعله إشارة إلى بيان ما سبق في السورة من الأحكام.
وكاف الخطاب إما أن تكون للنبي صلى الله عليه وسلم، أو للسامع أو للقبيل، فلذلك أفرد أو للجماعة المؤمنين فيكون بمعنى: كذلكم، وهي لغة العرب يخاطبون الجمع بخطاب الواحد، وذلك في إسم الإشارة، ويؤيد هذا هنا قوله: {يبين لكم} فأتى بضمير الجمع فدل على أن الخطاب للجمع.
{لكم} متعلق: بيبين، واللام فيها للتبليغ، كقولك: قلت لك، ويبعد فيها التعليل، والآيات، العلامات، والدلائل لعلكم تتفكرون، ترجئة للتفكر تحصل عند تبيين الآيات. لأنه متى كانت الآية مبينة وواضحة لا لبس فيها، ترتب عليها التفكر والتدبر فيما جاءت له تلك الآية الواضحة من أمر الدنيا وأمر الآخرة.
و {في الدنيا والآخرة} الأحسن أن يكون ظرفاً للتفكر ومتعلقاً به، ويكون توضيح الآيات لرجاء التفكر في أمر الدنيا والآخرة مطلقاً، لا بالنسبة إلى شيء مخصوص من أحوالها، بل ليحصل التفكر فيما يعنّ من أمرهما، وهذا ذكر معناه أولاً الزمخشري فقال: تتفكرون فيما يتعلق بالدارين، فتأخذون بما هو أصلح لكم، وقيل: تتفكرون في أوامر الله ونواهيه، وتستدركون طاعته في الدنيا، وثوابه في الآخرة، وقال المفضل بن سلمة: تتفكرون في أمر النفقة في الدنيا والآخرة، فتمسكون من أموالكم ما يصلحكم في معاش الدنيا، وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العقبى، وقيل: تتفكرون في زوال الدنيا وبقاء الآخرة، فتعملون للباقي منهما. قال معناه ابن عباس والزمخشري، وقيل: تتفكرون في منافع الخمر في الدنيا، ومضارها في الآخرة، فلا تختاروا النفع العاجل على النجاة من العقاب المستمر، وقال قريباً منه الزمخشري، تتفكرون في الدنيا فتمسكون، وفي الآخرة فتتصدّقون.
وجوّزوا أن يكون، في الدنيا، متعلقاً بقوله: يبين لكم. الآيات، لا: بتتفكرون، ويتعلق بلفظ: يبين، أي: يبين الله في الدنيا والآخرة. وروي هذا عن الحسن.
ولا بد من تأويل على هذا إن كان التبيين للآيات يقع في الدنيا، فيكون التقدير في أمر الدنيا والآخرة، وإن كان يقع فيهما، فلا يحتاج إلى تأويل، لأن الآيات، وهي: العلامات يظهرها الله تعالى في الدنيا والآخرة.
وجعل بعضهم هذا القول من باب التقديم والتأخير، إذ تقديره عنده: كذلك يبين الله لكم الآيات في الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون. وقال: ويمكن الحمل على ظاهر الكلام لتعلق: في الدنيا والآخرة، بتتفكرون، ففرض التقديم والتأخير، على ما قاله الحسن، يكون عدولاً عن الظاهر لا الدليل، وإنه لا يجوز، وليس هذا من باب التقديم والتأخير، لأن: لعل، هنا جارية مجرى التعليل، فهي كالمتعلقة: بيبين، وإذا كانت كذلك فهي والظرف من مطلوب: يبين، وتقدّم أحد المطلوبين، وتأخر الآخر، لا يكون ذلك من باب التقديم والتأخير.
ويحتمل أن تكون: لعلكم تتفكرون، جملة اعتراضية، فلا يكون ذلك من باب التقديم والتأخير، لأن شرط جملة الإعتراض أن تكون فاصلة بين متقاضيين.
قال ابن عطية، وقال مكي: معنى الآية أنه يبين للمؤمنين آيات في الدنيا والآخرة، يدل عليهما وعلى منزلتهما، لعلكم تتفكرون في تلك الآيات. قال ابن عطية: فقوله: في الدنيا، متعلق على هذا التأويل: بالآيات، انتهى كلامه. وشرح مكي الآية بأن جعل الآيات منكرة، حتى يجعل الظرفين صفة للآيات، والمعنى عنده: آيات كائنة في الدنيا والآخرة، وهو شرح معنى لا شرح إعراب، وما ذكره ابن عطية من أنه متعلق على هذا التأويل بالآيات؛ إن عنى ظاهر ما يريده النحاة بالتعلق فهو فاسد، لأن الآيات لا يتعلق بها جار ومجرور، ولا تعمل في شيء البتة، وإن عنى أنه يكون الظرف من تمام الآيات، وذلك لا يتأتى إلاَّ باعتقاد أن تكون في موضع الحال، أي: كائنة في الدنيا والآخرة، ولذلك فسره مكي بما يقتضي أن تكون صفة، إذ قدّر الآيات منكرة، والحال والصفة سواء في أن العامل فيهما محذوف إذا كانا ظرفين أو مجرورين، فعلى هذا تكون: في الدنيا، متعلقاً بمحذوف لا بالآيات، وعلى رأي الكوفيين، تكون الآيات موصولاً وصل بالظرف؛ ولتقرير مذهبهم ورده موضع غير هذا.
{ويسألونك عن اليتامى}: سبب نزولها أنهم كانوا في الجاهلية يتحرجون من مخالطة اليتامى في مأكل ومشرب وغيرهما، ويتجنبون أموالهم، قاله الضحاك، والسدي. وقيل: لما نزلت {ولا تقربوا مال اليتيم} {إن الذين يأكلون أموال اليتامى} تجنبوا اليتامى وأموالهم، وعزلوهم عن أنفسهم فنزلت، قاله ابن عباس، وابن المسيب.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها، أنه لما ذكر السؤال عن الخمر والميسر، وكان تركهما مدعاة إلى تنمية المال، وذكر السؤال عن النفقة، وأجيبوا بأنهم ينفقون ما سهل عليهم، ناسب ذلك النظر في حال اليتيم، وحفظ ماله، وتنميته، وإصلاح اليتيم بالنظر في تربيته، فالجامع بين الآيتين أن في ترك الخمر والميسر إصلاح أحوالهم أنفسهم، وفي النظر في حال اليتامى إصلاحاً لغيرهم ممن هو عاجز أن يصلح نفسه، فيكون قد جمعوا بين النفع لأنفسهم ولغيرهم.
والظاهر أن السائل جمع الإثنين بواو الجمع وهي للجمع به وقيل به.
وقال مقاتل: السائل ثابت بن رفاعة الأنصاري، وقيل: عبد الله بن رواحة، وقيل: السائل من كان بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم من المؤمنين، فإن العرب كانت تتشاءم بخلط أموال اليتامى بأموالهم، فأعلم تعالى المؤمنين أنما كانت مخالطتهم مشؤومة لتصرفهم في أموالهم تصرفاً غير سديد، كانوا يضعون الهزيلة مكان السمينة، ويعوضون التافه عن النفيس، فقال تعالى: {قل إصلاح لهم خير} الإصلاح لليتيم يتناول إصلاحه بالتعليم والتأديب، وإصلاح ماله بالتنمية والحفظ.
وإصلاح: مبتدأ وهو نكرة، ومسوغ جواز الإبتداء بالنكرة هنا هو التقييد بالمجرور الذي هو: لهم، فإما أن يكون على سبيل الوصف، أو على سبيل المعمول للمصدر، و: خير، خبر عن إصلاح، وإصلاح كما ذكرنا مصدر حذف فاعله، فيكون: خير، شاملاً للإصلاح المتعلق بالفاعل والمفعول، فتكون الخيرية للجانبين معاً، أي إن إصلاحهم لليتامى خير للمصلح والمصلح، فيتناول حال اليتيم، والكفيل، وقيل: خير للولي، والمعنى: إصلاحه من غير عوض ولا أجرة خير له وأعظم أجراً، وقيل: خير، عائد لليتيم، أي: إصلاح الولي لليتيم، ومخالطته له، خير لليتيم من إعراض الولي عنه، وتفرده عنه، ولفظ: خير، مطلق فتخصيصه بأحد الجانبين يحتاج إلى مرجح، والحمل على الإطلاق أحسن.
وقرأ طاووس: قل إصلاح إليهم، أي: في رعاية المال وغيره خير من تحرجكم، أو خير في الثواب من إصلاح أموالكم.
{وإن تخالطوهم فإخوانكم} هذا التفات من غيبة إلى خطاب لأن قبله و: يسألونك، فالواو ضمير للغائب، وحكمة هذا الالتفات ما في الإقبال بالخطاب على المخاطب ليتهيأ لسماع ما يلقى إليه وقبوله والتحرز فيه، فالواو ضمير الكفلاء، وهم ضمير اليتامى، والمعنى: أنهم إخوانكم في الدين، فينبغي أن تنظروا لهم كما تنظرون لإخوانكم من النسب من الشفقة والتلطف والإصلاح لذواتهم وأموالهم.
والمخالطة مفاعلة من الخلط وهو الامتزاج، والمعنى: في المأكل، فتجعل نفقة اليتيم مع نفقة عياله بالتحري، إذ يشق عليه إفراده وحده بطعامه، فلا يجد بداً من خلطه بماله لعياله، فجاءت الآية بالرخصة في ذلك، قاله أبو عبيد. أو: المشاركة في الأموال والمتاجرة لهم فيها، فتتناولون من الربح ما يختص بكم، وتتركون لهم ما يختص بهم. أو: المصاهرة فإن كان اليتيم غلاماً زوجه ابنته، أو جارية زوجها ابنه، ورجح هذا القول بأن هذا خلطة لليتيم نفسه، والشركة خلطة لماله، ولأن الشركة داخلة في قوله: {قل إصلاح له خير} ولم يدخل فيه الخلط من جهة النكاح، فحمله على هذا الخلط أقرب.
وبقوله: فإخوانكم في الدين، فإن اليتيم إذا كان من أولاد الكفار وجب أن يتحرى صلاح ماله كما يتحرى في المسلم، فوجب أن تكون الإشارة بقوله: فإخوانكم، إلى نوع آخر من المخالطة، وبقوله بعد: ولا تنكحوا المشركات، فكأن المعنى: إن المخالطة المندوب إليها في اليتامى الذين هم لكم إخوان بالإسلام. أو الشرب من لبنه وشربه من لبنك، وأكلك في قصعته وأكله في قصعتك، قاله ابن عباس. أو: خلط المال بالمال في النفقة والمطعم والمسكن والخدم والدواب، فيتناولون من أموالهم عوضاً عن قيامكم بأمورهم، بقدر ما يكون أجرة مثل ذلك في العمل، والقائلون بهذا منهم من جوّز له ذلك، سواء كان القيم غنياً أو فقيراً، ومنهم من قال: إذا كان غنياً لم يأكل من ماله. أو: المضاربة التي يحصل بها تنمية أموالهم. والذي يظهر أن المخالطة لم تقيد بشيء لم يقل في كذا فتحمل على أي: مخالطة كانت مما فيه إصلاح لليتيم، ولذلك قال: فإخوانكم، أي: تنظرون لهم نظركم إلى إخوانكم مما فيه إصلاحهم.
وقد اكتنف هذه المخالطة الإصلاح قبل وبعد، فقبل بقوله: {قل إصلاح له خير} وبعد بقوله: {والله يعلم المفسد من المصلح} فالأولى أن يراد بالمخالطة ما فيه إصلاح لليتيم بأي طريق كان، من مخالطة في مطعم أو مسكن أو متاجرة أو مشاركة أو مضاربة أو مصاهرة أو غير ذلك.
وجواب الشرط: فإخوانكم، وهو خبر مبتدأ محذوف أي: فهم إخوانكم، وقرأ أبو مجلز: فإخوانكم على إضمار فعل التقدير: فتخالطون إخوانكم، وجاء جواب السؤال بجملتين: إحداهما: منعقدة من مبتدأ وخبر؛ والثانية: من شرط وجزاء.
فالأولى: تتضمن إصلاح اليتامى وأنه خير، وأبرزت ثبوتية منكراً مبتدأها ليدل على تناوله كل إصلاح على طريق البدلية، ولو أضيف لعم، أو لكان معهوداً في إصلاح خاص، فالعموم لا يمكن وقوعه، والمعهود لا يتناول غيره، فلذلك جاء التنكير الدال على عموم البدل، وأخبر عنه: بخير، الدال على تحصيل الثواب، ليبادر المسلم إلى فعل ما فيه الخير طلباً لثواب الله تعالى.
وأبرزت الثانية: شرطية لأنها أتت لجواز الوقوع لا لطلبه وندبته.
ودل الجواب الأول على ضروب من الأحكام مما فيه مصلحة اليتيم، لجواز تعليمه أمر دين وأدب، والاستيجار له على ذلك، وكالإنفاق عليه من ماله، وقبول ما يوهب له، وتزويجه ومؤاجرته، وبيعه ماله لليتيم، وتصرفه في ماله بالبيع والشراء، وفي عمله فيه بنفسه مضاربة، ودفعه إلى غيره مضاربة، وغير ذلك من التصرفات المنوطة بالإصلاح.
ودل الجواب الثاني على جواز مخالطة اليتامى بما فيه إصلاح لهم، فيخلطه بنفسه في مناكحه وماله بماله في مؤونة وتجارة وغيرهما.
قيل: وقد انتظمت الآية على جواز المخالطة، فدلت على جواز المناهدة التي يفعلها المسافرون في الأسفار، وهي أن يخرج هذا شيئاً من ماله، وهذا شيئاً من ماله فيخلط وينفق ويأكل الناس، وإن اختلف مقدار ما يأكلون، وإذا أبيح لك في مال اليتيم فهو في مال البالغ بطيب نفسه أجوز.
ونظير جواز المناهدة قصة أهل الكهف: {فابعثوا أحدكم بورقكم} الآية، وقد اختلف في بعض الأحكام التي قدمناها، فمن ذلك: شراء الوصي من مال اليتيم، والمضاربة فيه، وإنكاح الوصي بيتيمته من نفسه، وإنكاح اليتيم لابنته، وهذا مذكور في كتب الفقه.
قيل: وجعلهم إخواناً لوجهين: أحدهما: أخوة الدين، والثاني: لانتفاعهم بهم، إما في الثواب من الله تعالى وإما بما يأخذونه من أجرة عملهم في أموالهم، وكل من نفعك فهو أخوك.
وقال الباقر لشخص: رأيتك في قوم لم أعرفهم، فقال: هم إخواني، فقال: أفيهم من إذا احتجت أدخلت يدك في كمه فأخذت منه من غير استئذان؟ قال: لا، قال:




البحث


كلمات متتالية كلمات متفرقة




موضوعات القرآن
  • الإيمان
  • العلم
  • العبادات
  • أحكام الأسرة
  • المعاملات
  • الحدود والجنايات
  • الجهاد
  • الأطعمة والأشربة
  • أحكام الجنائز
  • الأخلاق
  • تكريم الله للإنسان
  • القصص والتاريخ
  • الأمثال